اللذات النفسانية ويحب السماع الحسن، وقد هام (١) فيه الشعراء ومدحوه وقالوا: «شاهين غزالى» (٢) فصار لا يعرف إلا بذلك وترنموا فيه؛ وكان فى الواقع كل من رآه يكاد أن لا يفارقه لحسن مداعبته، وكان يعاشر ابن رمضان الذى استقر فى التحدث على مكوس جدة وغيره، ويحب البسط ولا يفارقه، عفا الله عنه.
١٠ - شاذبك بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى [برسباى]
، أحد الأمراء المقدمين الألوف بدمشق وأمير حاج المحمل الشامى المشهور والمعروف بشد بك بشق، وأصله من صغار مماليث الأشرف برسباى، وأخرج بعد موت أستاذه إلى البلاد الشامية، وتنقل فى عدة ولايات بالعالى والنازل، و [صار] يتعطل أمره فيما بينهما غير مرة، ويصير بطالا ثم يرجع إلى وظيفته، إلى أن استقر أمره فى آخر عمره على إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، وأميرا على المحمل (٣) الشامى، ودوادارية السلطان أيضا بها (٤)؛ ومات وهو عائد من الحج بالقرب من مدينة الكرك (٥) فى أواخر المحرم وقد ناف على الخمسين عاما، وكان متوسط السيرة فى ولايته وأحواله، وخير الأمور الوسط.
١١ - عبد القادر بن محمد الوفائى (٦) المادح والواعظ المنشد المطلوب
،
стр. 107
كان آية من آيات الله وعجبية من عجائب الله فى شبيبته من حسن الصوت والنغمة حتى يضرب بحسن صوته المثل، وشاع ذكره بذلك غربا وشرقا، فلما بلغ الحلم انقطع صوته بالكلية، ثم بعد حين فتح الله عليه وصار قطيعا داخلا من كثرة الطرب الذى يأتى به وحسن الأصول، وكان له نظم سافل، وإذا طرب صفق بيديه وتتحرك جميع أعضائه، وله تنسّك يخالطه بعض (١) تهتك، مع ثقل فى مجالسته لا سيما لما يتصرف، ومع هذا كان نادرة (٢) بعد شهاب الدين أحمد بن القرداح (٣) ولم يخلف بعده مثله، ووعظ الناس مرة بقية (٤) المنصورية فصدر منه سقطات، فأرادوا القيام عليه فرجع واستغفر.
مات فى ذى القعدة من هذه السنة، وكان لنا به صحبة أكيدة. رحمه الله تعالى.
١٢ - قائم بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى المعروف بقائم طاز
، أحد امراء الألوف بحلب ودوادار السلطان بها، وهو من عتقاء الملك الأشرف برسباى وخاصكيته الصغار بعد أن طالت أيامه فى الجندية والخاصكية، إلى أن توفى الملك الظاهر جقمق وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان أنعم عليه (٥) بحصة القصر، فلما وثب الأتابك إبنال على المنصور كان صاحب الترجمة من حزب الأتابك إينال، فلما تسلطن قرّبه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله من جملة رءوس النوبة، ثم بعد مدة نقله إلى إمرة طبلخاناة، ثم انتقل فى دولة الظاهر خشقدم إلى الخازندارية الكبرى، فلم تطل مدته بها، وقبض عليه مع من
стр. 108
قبض من الأشرفية برسباى بممالأة الأمير جانبك الظاهرى القصير الدوادار الكبير وسجن مدة ثم نفى إلى البلاد الشامية، وآل أمره بعد ذلك إلى أن صار دوادار السلطان بحلب، وتجرّد لقتال شاه سوار صحبة العساكر المجهزة له، فقبض عليه شاه سوار فى الوقعة وسجنه إلى أن مات فى شهر ربيع الأول من هذه السنة.
وكان قائم المذكور مترفعا على غير شئ، وله أخلاق سئ التصريف فيها من وحاشتها، وعنده بخل زايد مفرط إلى الغاية على ما ينقلونه (١) عنه، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «كان عاديا ذا خلق سئ، مع بخل وشح وتكبر وخفة وطيش»، عفى الله عنى وعنهما.
١٣ - فوزى (٢) بن عبد الله الظاهرى، الأمير سيف الدين
، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة من جملة رءوس النوب، وأصله - كما قدمنا - من مماليك الملك الظاهر جقمق أيام إمرته، فلما ركب (٣) التخت استقرّ به بعد مدة طويلة خاصكيا لصغر سنّه ثم استقر به ساقيا، ثم جعله من جملة الأمراء العشرات ولده الملك المنصور عثمان ثم إسحاق، ونفى إلى البلاد الشامية إلى أن تسلطن الملك الظاهر خشقدم فاستقدمه إلى الديار المصرية وأنعم عليه بإمرة عشرة كما كان، وجعله من جملة رءوس النوب، وتجرد لقتال شاه سوار صحبة العسكر، فعاد مريضا إلى القاهرة ومات فى يوم الجمعة ثامن جمادى الأولى من هذه السنة، وحضر السلطان - نصره الله - الصلاة عليه بمصلى المؤمنى.
كان وصل إلى الكهولية، وهو كثير الأدب والحشمة والرياسة والسكون والعقل والهدوء، مع حسن الشكل وجمال الصورة واللحية والتواضع ولين الجانب وحسن الأخلاق، رحمه الله تعالى.
стр. 109
١٤ - فانباى بن عبد الله الحسنى الظاهرى أحد أمراء العشرات ووالى القاهرة المحروسة
، أصله من عتقاء الملك الأشرف إينال، وله الوقائع المعلومة الصادرة عنه من الظلم والأذى إلى غير ذلك، ومات - وهو متولى الحرب السعيد - بالطاعون فى ليلة الخميس سادس عشر رمضان ودفن من الغد.
وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه: «وأما أفعاله فسيّئة، وباشر الولاية أقبح مباشرة، وحسابه على الله تعالى» انتهى كلامه.
عفا الله عنهما.
١٥ - قان بردى بن عبد الله الأشرفى إينال، الأمير سيف الدين
، أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، وأصله من عتقاء الملك الأشرف إينال ومن جملة الدوادارية الصغار؛ قال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه:
«كان من رؤوس الفتن والظلم والعسف فى أيام معتقه» انتهى كلامه.
ولما مات أستاذه امتحن ونفى وحبس ودام بتلك البلاد - أى الشامية - إلى أن قدم الديار المصرية فى دولة الملك تمربغا (١)، فلم يلتفت إليه ولا أهّل لشئ، فلما تسلطن الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - أمّره عشرة واستقر به دوادارا ثانيا دفعة واحدة من قبل أن تسبق له مباشرة أو ولاية، فباشر الدوادارية أشهرا ثم نقل منها إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية واستمر عليها إلى أن مات فى يوم الجمعة سادس شوار بالطاعون وحضر السلطان الصلاء عليه (٢) بمصلى المؤمنى قبل صلاة الجمعة، والعسكر مشاة فى جنازته ودفن فى تربته التى أنشأها بالريدانية عند الحوض الخراب، وكانت سنه يومئذ دون الثلاثين أو لعله جاوزها تخمينا. وكان قد بدأ فى عمارة تربة عظيمة هناك وشرع فى ذلك أياما بسيرة، قال الجمال يوسف
стр. 110
ابن تغرى بردى المؤرخ عنه: «ومع هذا ظلم الظلم الزائد وعسف الناس وأبادهم بالضرب واستعمالهم بغير أجرة: وما عف عن ذلك ولا كف، إلى أن عاجله الله وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وكان شكلا طوالا نحيفا مسترسل اللحية دقيق الوجه غزير الشوارب. غير بهى الشكل مع ما عنده من التكبر والتجبر، وما ذاك إلا لأنه لم توجهه عصاة معلم ولا أزعجه توبيخ مؤدب؛ وعلى كل حال فمستراح منه» انتهى كلامه عفا الله عنه.
١٦ - لؤلؤ بن عبد الله، الأمير زين الدين الطواشى الرومى
، أصله من عتقاء الملك الأشرف برسباى ومن جمداريّته، ثم صار بعد ذلك - فى غير دولة أستاذه - ساقيا، ثم استقر فى تقدمة المماليك السلطانية فى دولة الملك الأشرف إينال، ثم عزل بواسطة جارية حسناء كانت له تضرب بالجنك (١)، طلبها منه المقام الشهابى أحمد - ولد السلطان المذكور - فامتنع وشمخ، فأضمرها فى نفسه عليه فعزله، فاستمر بطالا إلى دولة الملك الظاهر خشقدم طلبه واستقر به زماما وخازندارا كبيرا، فباشر الوظيفتين يسيرا وصرف عنهما فلزم داره بطالا وذلك بعد أن صودر غير مرة، وكان فى غاية من الحشمة والأدب والرياسة، وله حرمة ويوقره (٢) أهل الدولة، إلا أنه كان مسرفا على نفسه، يعفو [الله] عنه ويسامحه.
توفى فى ليلة الجمعة سادس عشرى شعبان بعد مرض طويل وقد قارب الستين من العمر تخمينا، وكان إلى القصر أقرب من الطول. عفا الله عنه.
стр. 111
١٧ - محمد بن [إبراهيم (١)] التسروانى الشافعى
، العالم العلامة فريد دهره ووحيد عمره وأعجوبة زمانه، الصّين الدين العفيف الحجة الأمة، وأصله من شروان (٢) وبها نشأ واشتغل ودأب، ثم رحل بعد ذلك كله فى طلب العلم وطاف البلاد وقرأ على علماء عصره، فبرع فى الفنون العقليات وانتهت إليه الرياسة فى ذلك وفى غيره من التصوف والتفسير، ودخل إلى الديار المصرية بعد سنة ثلاثين وثمانى مائة عالما مستحضرا، فتأهب للإقراء والتدريس فانثال (٣) عليه أكار الطلبة بالديار المصرية من كل مذهب وانتفعوا به وأكبّوا عليه فحصلوا منه علما كثيرا، مع جلالة قدره وكثرة وقاره وعفته الزائدة وعدم ترداده إلى أحد مطلقا لا من أعيان الدولة ولا من غيرهم، غير أنه نزل بدار القاضى محب الدين ابن الأشقر (٤) كاتب السر الشريف كان، فإنه كان له وبأقاربه معرفة من الحجاز الشريف، وعاد من البلاد الشامية ثم عاد إلى الديار المصرية فى دولة الملك الظاهر جقمق، ونزل بمدرسة (٥) المرحوم السعدى إبراهيم بن الجيعان التى أنشأها على شاطئ النيل المجاورة للبرانحية.
وطلبه الملك الظاهر جقمق إلى عنده مرات وهو يمتنع من ذلك، وكذلك أعيان الدولة كانوا يودون ألا يفارقوه لما يرونه (٦) منه من الخير والصلاح
стр. 112
والدين المتين والصدق فى الأقوال والأفعال، وصار هو كلما زادوا فيه حبا يزيد عنهم بعدا، ووقعت له محنة وأى محنة. وهو أنه سعى فى وظيفة تدريس المدرسة الطيبرسية (١) الملاصقة لجامع الأزهر ودرّس بها، فسعى عليه فيها القاضى ولى الدين أحمد الأسيوطى وأخذ الوظيفة منه، وهو الذى استقر بعد هذا فى قضاة القضاة الشافعية فى دولة خشقدم فى سنة اثنتين وسبعين وثمانى مائة بعد شغور المنصب أياما عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين أبى السعادات البلقينى (٢) واستمر فيها إلى هذا التاريخ - أعنى إلى سنة ثلاث وثمانين وثمانى مائة، مع أن صاحب الترجمة سئل من القاضى عبد الباسط أن يستقر فى مشيخة مدرسته فامتنع من ذلك، وكان عظيم الدولة فى عصره إذ ذاك - الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم (٣) ناظر الجيش والخاص - يعظمه ويكرمه ويود لو يقبل منه شيئا من الدنيا، وأرسل إليه بعدة أشياء من ثياب ونقد وضحايا وغير ذلك على يد القاضى نور الدين البرقى الحنفى الذى كان فى خدمته فلم يقبل منه شيئا ورده إليه، وقد أشيع ما اتفق له مع أبى الخير النحاس وهو فى أوج عظمته لما توفى شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة ابن حجر وخلّف عدة وظائف من جملتها تدريس فى التفسير بالقبة (٤) المنصورية، ورسم السلطان بها لصاحب الترجمة فامتنع على لسان المقر الكمال ابن البارزى (٥) كاتب السر رحمهما الله، فعرف السلطان ذلك فاحتدّ من الكمال، وبادر
стр. 113
أبو الخير النحاس وقال: «ضمان الشيخ علىّ، أنا أخليه يقبل» وتوجه إلى عند الشيخ بالمدرسة الظاهرية (١) القديمة بيبرس البندقدارى بعد المغرب، وكنت حاضرا عند الشيخ فإنى كنت ملازما لخدمته تارة أقرأ وتارة أحادثه فى أحوال التاريخ والأمم الماضية وحوادث الأيام والشهور والأعوام، حتى لما يريد يتنزه لا يفارقنى، وكنت فى صحبته وخدمته كما يحب وينبغى، فكان يأمرنى إذا ابتعت له من السوقة وغيرهم أن ابتاعه له بلفظ «بعت واشتريت»، وكان الشيخ عنده تواضع زائد للكبير والصغير والحقير والفقير والجليل، وبمجرد يدخل عليه أحد يقف له ويعظمه، وكان قد بلغ الشيخ أن السلطان احتد على المقر الكمالى بسبب أنه نقل عن الشيخ أنه ما قبل الوظيفة، وأن أبا الخير التزم للسلطان بقبولها له، فلما رآه الشيخ - وكان فى وسطه كمران (٢) - تحرك له وجلس وتكلم معه فى توليته لوظيفة التفسير بعد أن وعده أن يزيد معلومه بالجوالى فى كل شهر كذا وكذا دينارا وأشياء من هذا النمط، فأجابه بأنه لو أعطى مل هذه المدرسة ذهبا ليكذّب صاحبه - ويعنى به المقر الكمالى - ما فعل ذلك، وقام، ولم يقبل الشيخ شيئا.
ووليها الشيخ أبو الفضل المغربى المالكى، وقضيته أيضا لما عزم إلى سفر دمشق وشاوروا السلطان عليه امتنع وقال: «لابد أن يحضر إلى ويدعولى»، فغصبه المقر الكمالى على صعوده للسلطان، فطلع إليه يوم سفره وهو مكره، فقام له الملك الظاهر وعظمه وبجله وأكرمه، ودفع له مائة دينار فأخذها
стр. 114
ودعى له وتوجه مسافرا، فلما وصل إلى خارج القاهرة عند رأس الحسنية إلا والفرس لعب به فسقط فانكسرت رجله، فاستمر منقطعا ورجله فى صندوق والأطباء يلاطفونه، حتى نفد ما أعطاه له الظاهر جقمق ولم يأكل منه فى جوفه لقمة واحدة.
وأما غير ذلك ممن قرأ عليه فمخدومنا رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، والقاضى نجم الدين يحيى (١) ابن حجى وغيرهما من الأماثل والأفاضل والأعيان الذين صاروا شيوخا ومدرسين بالديار المصرية وغيرها. ومن محاسنه أنه ما وجد فى دار أحد من الأغنياء والرؤساء، وكان يودنى وبعظمنى، وقرأت عليه شرح العمدة للنسفى فى الأصول، وقرأت عليه العبرى وحضرت عليه قراءات كثيرة مفيدة بحضور الشيخ العلامة جمال الدين عبد الله الكورانى (٢) فإنه ما كان عند الشيخ أعظم منه ولا أمثل فإنه كان يبحث معه ويدقق ويشهد له بجزيل الفضل، وطار صيت صاحب هذه الترجمة بهذه الأوصاف الحسنة الجليلة فى الأقطار والأمصار، وفى الواقع فكان بوجوده فى الوجود تجمل (٣) زائد. وكان صاحب هذه الترجمة ﵀ يعظم شيخنا شيخ مشايخ الإسلام المحيوى الكافيجى ﵀ تعظيما جزيلا ويذكر أنه من أربعين سنة رأى حلقة طلبته بالبلاد أكثر من خمسين نفرا، وكذا كان الشيخ محيى الدين المذكور يعظمه ويصفه بالعلم الغزير والدين المتين، وما رأيت أنقى من ثيابه ولا أنظف منها ولا أبهى منها ولا أجمل من هيئته فإنه كان نحيفا لطيفا ظريفا عنده اصفرار من العبادة وكثرة الآلام، وكوسجا (٤) نقى الشيبة حسن اللفظ فصيح العبارة، وخادمه
стр. 115
السيد الشريف كان كبير اللحية، واتفق أن بعض الغرباء دخلوا لزيارة الشيخ فوجدوا الشريف بلحية عظيمة وهيئة جسيمة والشيخ نحيفا لطيفا، فبادروا للشريف وقبّلوا أيادبه ظنا منهم أنه الشيخ فقال لهم: «هذا هو الشيخ»، فلما سمع الشيخ كلامه قال للشريف: «هؤلاء يسلمون على ذقنكم».
توفى رحمه الله تعالى بعد قدومه من مجاورته بمكة المشرفة فى ليلة السبت مستهل شهر صفر، ودفن من الغد بتربة سيدى عبد الله المنوفى بالقرب من ضريحه وقد ناهز الستين تخمينا، تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنته، وجمعنا عليه فى مستقر رحمته. آمين.
١٨ - محمد بن [أحمد بن عمر] (١) الشنشى الشافعى الشيخ الإمام شيخ مدرسة زين الدين الأستادار
، وكان من علماء الشافعية القدماء وهو آخر من حضر دروس شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى وغيره من طبقته، وأقرأ ودرس سنينا كثيرة وانتفع به الطلبة، وفى آخر عمره اختلط وكبر فإنه جاوز المائة سنة من العمر، وعلى ما كان فهو معدود من فقهاء الشافعية. توفى فى يوم السبت تاسع جمادى الأولى وكان بيننا وبينه صحبة ومودة أكيدة ومداعبات لطيفة. ﵀ وعفا عنه.
١٩ - محمد بن أحمد بن عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن أبى بكر القاضى معين الدين ابن القاضى تاج الدين ابن قاضى القضاة شمس الدين الطرابلسى الحنفى أحد نواب الحكم الحنفية بالديار المصرية
. مولده فى ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وثمانى مائة ونشأ تحت كنف والده فقرأ القرآن العظيم وعدة متون فى مذهبه وناب فى الأحكام زيادة على ثلاثين عاما، وحج غير مرة آخرها فى موسم سنة اثنتين وسبعين وثمانى مائة فى الرجبية صحبة رئيس الدنيا القاضى
стр. 116
زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين. ولما عاد من الحج تنزّه عن ذلك وتعفف وكف، ولزم العبادة من صوم الفريضة وصلواتها على طريقتها الحسنة، فكان صاحب الترجمة قد عين للاستبدالات سيما لما ولى قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى القضاء فعوض له ذلك من غير تعيين فحصّل الأموال الجمة، لكنه كان كثير الإنفاق على عياله كريم النفس والملك؟؟؟ ركبه الدين، وخدم الأمير زين الدين الأستادار وصار فى بابه ومن خواصه وندمائه سفرا وحضرا، وحصل له ولولده القاضى كمال الدين منه الجامكية واللحم والعليق والكسوة والأضحية وغير ذلك، وكان إذا عزل من الأستادارية فيرسم عليه بسبب أنه من خواص أصحابه ولا سيما لما ولى منصور الأستادارية، وما رأينا عليه إلا خيرا سوى أن شهادته هو وولده القاضى كمال الدين على منصور على ما بينهما من المخاصمات بما أوجب عند القاضى حسام الدين ابن (١) حريز سفك دمه فشاعت فى الأقطار والأمصار ونسأل الله تعالى الغفران؛ وكان بينى وبينه صحبة ومودة وصحبة ومداعبة وملاطفة. مرض بالقولنج أو بغيره فمات وهو غير قاض فى ليلة الأربعاء رابع شهر رجب ودفن من الغد بتربة الصوفية، وكانت له جنازة مشهورة حافلة وكان انقطاعه فى مرضه نحو سبعة أيام، ووفاته كانت بحارة (٢) برجوان عند ولده القاضى جمال الدين، أعزه الله تعالى.
والله تعالى أسأل أن يعفو عنى وعنه بفضله ومنه وجوده وكرمه للمسلمين.
٢٠ - محمد بن [أبى بكر بن (٣) محمد] المعروف بابن حريز السيد الشريف
стр. 117
قاضى القضاة حسام الدين المالكى. أخبرنى بمولده ثم نسبته وأظنه تخمينا (١) فى عشر السبعين، وكان له يد طولى فى معرفة القراءات ومشاركة تامة فى الفقه واطلاع زائد فى التاريخ ومعرفته، ذاكرنى كثيرا ﵀ فى التاريخ فرأيته فيه بحرا لا يجارى، ووقف على تاريخى الكبير المسمى «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان»، وكتب لى عليه كتابة بليغة تنبئ عن عرفانه بفن التاريخ، وأجرى علىّ فضلا جزيلا من الضحايا فى كل سنة، ومن الإنعام أيضا فى شهر رمضان، ومن القمح والعسل وغير ذلك ﵀، وكان يودّنى كثيرا وبينى وبينه صحبة أكيدة من أيام الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ، وبعده الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم (٢)، فإنه فى بداية أمره كان نائبا فى الحكم بمنفلوط وغيرها مدة سنين، واشتغل بالزراعات والمستأجرات فى ديوان الدولة والمفرد حتى صار له فى كل سنة من متحصل الغلال والأعسال والأقصاب شئ كثير جدا، وتجمّد عليه من الديون جمل (٣) كثيرة أيضا، وتوغل فى الديون توغلا زائدا حتى صار لا يحصى ما عليه من الديون ومع ذلك يخدم السلطان وأمراءه (٤) ووزراءه بالأموال الجمة والخيول العظيمة الجياد وغير ذلك، وهو فى عز شامخ، وفضل باذخ، وكرم وافر، وعقل باهر، واستمر على ذلك إلى أن توفى قاضى القضاة ولى الدين السنباطى (٥) المالكى بالديار المصرية وتكلم الأمير يونس (٦) الدوادار الكبير مع الملك الأشرف
стр. 118
إينال فى ولاية قضاء الملكية للشيخ شمس الدين (١) القرافى فأنعم له بها، ورسم للصاحب جمال الدين يوسف عظيم الدولة ابن كاتب جكم أن يصعد غد تاريخه بخلعته يوم السبت، فبمجرّد ما يلغ الصاحب جمال الدين ذلك نهض نهضة الأسود، وقلت بالسلطان عن ما أمر به وتكلم لصاحب الترجمة فى ما رسم له به، وطلبه لحضرته، وخلع عليه بقضاء القضاة المالكية وكان له يوم مشهود، وكانت خلعته طرحة خضراء لكونه شريفا. ولما ولى قضاء القضاة بالديار المصرية صار له حرمة وضخامة وعفة زائدة، غير أنه يتكلم فى بلاد السلطان التى بالوجه القبلى ويحمل مالها فى كل سنة للخزانة الشريفة، فخلع عليه عندما (٢) يغلق المال، وعرف (٣) الحكام طريقه، ولا زالوا به حتى تدرّك (٤) البلاد السلطان وغرم فيها أموالا جمة، ثم مرض فطالت علته إلى أن مات.
وكان له كلمة نافذة فى الوجه القبلى بل وفى القاهرة، فإنه كان هو القائم فى عزل على بن الأهناسى (٥) لما تخاصم وهو وإياه بسبب بلاد الدولة الشريفة، وآخر الأمر عزله وقبض عليه وأخذ السلطان أمواله، واستقر بابن صنيعة (٦) وزيرا عوضا عنه، وغرم بسببه جملا من الأموال ومع ذلك لم يسد الوظيفة وعزل، وصار الإسم على صاحب الترجمة متكلما فى الوزارة ومكوسها واحتمل وتحمل الديون، وكان مع ذلك على ما بلغنى لا يمس دينارا ولا درهما بيده مع الكرم الزائد والعطاء المتصاعد، وكان المقر الأشرف السيفى عظيم الدولة
стр. 119
ومدبرها ومشيرها ووزيرها وأستادارها الكبير عز نصره شكى (١) إليه أهل الوجه القبلى من صاحب الترجمة من أعوانه، وأنهوا عنه أنه وضع يده على عدة بلاد وجزائر واستولى عليها وما أشبه ذلك، فوقع بينهما نفرة ووحشة.
وولى عوضه أخوه القاضى سراج الدين عمر القضاء، والتزم عنه السلطان بمال، وسنذكر ما اتفق له ولورثة القاضى حسام الدين صاحب الترجمة من الشرور والغوغاء.
قال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه عنه مع أن بينهما صهارة (٢) وهو أن الحسام كان تزوج بأخت الجمال ثم طلقها فقال عنه: «كان حسام الدين يسلك فى لبسه غير زى القضاة من تصغير العمامة وركوب الفرس فى الغالب من غير بغلة ولا طيلسان، فكان الذى يراه ولا يعرفه يحسبه بعض التجار أو من مدركى (٣) البلاد، ومات ودخله كبير ودينه كثير «حسابه على الله تعالى» انتهى كلامه.
قلت: كان جميلا فى لباسه، ويركب الخيول الجياد التى ثمن كل فرس [منها] ما يزيد على المائتى دينار ويركب البغلة والكنبوش (٤)، واشترى الجوارى الحسان البيض والحبوش الملاح وهم عنده بكثرة، ويبتاع العبد الواحد منهم بمائة دينار ويكسوه بمثلها، ولما يكثرون (٥) يجعلهم فى البلاد.
وتوفى فى ليلة مباركة وهى مستهل شعبان بمصر القديمة، وصلى عليه بجامع
стр. 120
عمرو بن العاص، وكان له جنازة حافلة مشهودة جدا حضرها رفقته قضاة القضاة وأعيان الدولة ورؤساؤها وغالب أمرائها ودفن بالقرافة، وأثنوا عليه خيرا، وهو الذى أمر بسفك دم منصور الأستادار فضربت عنقه بشهادة القاضى معين الدين الطرابلسى وغيره. وندم على ما قدم. والله يعفو عنه ويغفر لنا وله وللمسلمين.
٢١ - محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد العقيلى النويرى المكى الشافعى الشيخ كمال الدين
، أبو الفضل ابن الشيخ زين الدين أبى الفضل ابن قاضى قضاة مكة محب الدين خطيب مكة وابن خطيبها وابن قاضيها، مولده فى سنة سبع وعشرين تخمينا، ونشأ يتيما هو وأخوه أبو القاسم، وأبو القاسم هو الأكبر، رأيته وهو بصير، ونشأ بمكة المشرفة فحفظ القرآن العظيم وعدة فنون فى مذهبه واشتغل يسيرا، وباشر خطابة مكة وهو صغير وأخوه المذكور شريكين لابن عمهما أمين الدين قاضى القضاة بمكة النويرى، ثم انفرد بها مدة ثم عزلا عنها غير مرة (١) ويطول عزلهما وولايتهما سنينا، فقدر الله أن وقع بين صاحب الترجمة وبين قاضى مكة برهان الدين إبراهيم بن ظهيرة (٢) وبين أمير مكة السيد الشريف محمد بن عجلان (٣)، وقدم صاحب الترجمة إلى مصر فأقام بها عدة سنين فاشتغل بالعلم على شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى وشيخنا شيخ مشايخ الإسلام محيى الدين الكافيجى فى عدة فنون، وحصل له بالديار المصرية عز وقبول زائد من أعيان ملوكها سيما جانم الأشرفى أخو (٤) السلطان الملك الأشرف برسباى، فإنه كان عنده فى أوج العظمة والكمال ويرجع إليه ويصغى لقوله،
стр. 121
وصار كلما أمره بشئ لا يخالفه، وخدمه بالجوارى الحسان والأموال الكثيرة سيما وهو فى السجن، وكان بشّره بأنه يصير إليه الأمرأى يتسلطن، فلما خلص من السجن وولى نيابة حلب ازداد حبه له جدا وخدمه الخدمة النامة، وكان صاحب الترجمة اجتمع على حبه الخدام الأكابر ببيت السلطان كمثقال (١) الحبشى - الذى هو الأمير سابق الدين مقدم المماليك السلطانية - وعدة من السقاة وغيرهم، وكان ﵀ يذكر أنه يجتمع بالقطب الغوث وغيره من الأبدال، فصار له اسم وسمعة عند الأتراك، واجتمع عليه الجم الغفير من مجاورى جامع الأزهر بواسطة جواره للجامع المذكور وصار يدرّس الفقه، وقرئ عليه صحيح البخارى فى الأشهر الحرم، وكان يختم البخارى به (٢) ويصنع يوم الختم أمورا كثيرة من الخلع والإحسان للطلبة خارجا عن المأكل والمشرب، وكذلك كان يفعل بمكة المحروسة: ومع هذا المال الذى كان يصل إليه من الأتراك وغيرهم، كان عليه الديون الجمة الوافرة من كثرة جوده وكرمه الذى كان يصل للشارد والوارد، وكان يرى نفسه كبيرا ويصفها بعلوم زائدة لا يعرفها قط، وكان له اعتقاد كثير عظيم جدا فى الصلحاء والفقراء ويعظمهم ويزورهم، فلهذا طار صيته واشتهر ذكره.
وكان جميل الشكل حسن الهيئة متجملا فى ملبسه ومركبه ومأكله، كثير البشاشة والقرى والتواضع، فصيح العبارة مفوها مشداقا (٣) محببا للناس، عفا الله عنه. توفى صبيحة يوم الخميس ثالث عشرى رمضان المعظم قدره، ودفن من يومه بالتنكزية خارج باب القرافة بسفارة برواح ابنة إسماعيل بن
стр. 122
الخازن البكتمرية بعلة الطاعون، وكان أوصى أن يدفن بقبّة سيدنا الإمام الشافعى ﵁، وتعصّب له الأمير مثقال مقدم المماليك السلطانية وشاور السلطان على ذلك فأذن (١) له، فارتجت القاهرة لذلك وشق عليهم كيف يحفرون فى القبة عند قبر الإمام الشافعى ﵁، فنهض رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله على المسلمين - وصعد للسلطان وعارضه فى ذلك وقال:
«هذا لا يحل» - يعنى لا يجوز أن ينبش على قبر الإمام؛ فرجع السلطان عن ذلك والله الولى والمالك.
ولام الناس أبا الفضل صاحب الترجمة على هذه الوصية، وتفرقت العلماء وظائفه من بعده، ومن جملة من أخذ من وظائفه الشيخ العلامة زكريا (٢) أخذ تدريس السابقية وسكن البيت المجاور لها الذى كان سكن ابن الملقن، وهو وقف المدرسة. وكان بيننا وبينه صحبة أكيدة ومجالسة ومذاكرات.
عفا الله عنه.
٢٢ - محمد بن يحيى الشيخ الإمام العالم البارع الدين الصين أبو السعادات ابن قاضى القضاة شيخ الإسلام شرف الدين يحيى (٣) المناوى الشافعى شيخ الصلاحية (٤)
- ومدرسها - المجاورة لقبة الإمام الشافعى ﵁. ولد بالقاهرة ونشأ بها تحت كنف والده (٥) على سمت حسن، فحفظ القرآن العظيم
стр. 123
عدة متون فى مذهبه، واشتغل على والده وغيره، فبرع فى الفقه والنحو والأصول وغيرها، وأفتى ودرّس فى حياة والده، ورشح لقضاء القضاة بالديار المصرية فى حياة والده، فلما مات والده ﵀ أكبّ على الإقراء والتدريس والإفتاء، وكان لما عزل والده عن القضاء بصلاح الدين بن بركوت المكينى (١) وقع من صلاح الدين حكم فى مسألة، فأفتى صاحب الترجمة ببطلانه وتعصّب له جماعة، وتعصب لصلاح الدين قوم، وعند الله تجتمع الخصوم.
وكان زهرا لطيفا بشوشا مطبوعا على الخير محافظا على الصلوات، وشرع بعد موت والده - رحمهما الله - فى تكملة كتاب والده الذى كتبه على المزنى، وسلك فى ذلك أحسن مسلك، ولم يزل على خير ودين وعفة وصيانة وأمانة إلى أن مرض أياما قليلة فمات فى يوم الثلاثاء سادس شوال، ودفن بالقرافة من الغد وهو فى الكهولية. وكان بينى وبيه وبين والده صحبة زائدة وتردد، ويودنى كثيرا هو ووالده رحمهما الله، وأسكنهما رياض جنان فضله، وكرمه اليانعة بفضله.
٢٣ - محمد بن عبد الرحمن بن حسن القاضى فتح الدين ابن وجيه الدين ابن بدر الدين ابن سويد
، أحد التجار ونواب الحكم المالكية بمصر القديمة حيث كان سكنه، وكان معدودا من فقهاء المالكية ولديه فضيلة وينعت بمال وافر، حتى إن السلطان أخذ من ولده بعد وفاته جملة من الأموال بنحو ستة آلاف دينار، وكان مع هذا المال الجزيل ساقط المروءة بهدلا فى الدول، وقضيته مع كسباى [الدوادار] (٢) مشهورة فى الضرب والحبس والبهدلة، كل ذلك لشح كان فيه وبخل زائد وتقتير على عياله ونفسه مع اجتهاد كبير فى تحصيل المال.
стр. 124
وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ: «وطباعه تشبه الأقباط حتى قيل لى إن جد أبيه سويدا باشر دين النصرانية فعند ذلك تحققت ما تشككت فيه، وعلى كل حال فهو من لا يتأسف أحد على موته. توفى بمصر القديمة - حيث كان سكنه - فى يوم الاثنين سابع (١) عشر ذى القعدة ودفن من الغد بالقرافة ومات وهو فى آخر الكهولية وكان قد عظم وضخم عند مستنيبه.
٢٤ - مغلباى طاز ابن عبد الله، الأمير سيف الدين المؤيدى [شيخ] الأبو بكرى، أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية
، وهو من عتقاء المؤيد شيخ فصار خاصكيا بعده ودام على ذلك سنينا إلى أن تسلطن الملك الأشرف إينال فجعله من الأمراء العشرات، فاستمر على ذلك إلى أن تسلطن خجداشه الملك الظاهر خشقدم نقله إلى إمرة طبلخاناة وجعله أمير الحج بالمحمل، ثم استقر به أمير مائة ومقدم ألف، ودام على ذلك حتى كانت الفتنة التى خلع فيها حموه وصهره الظاهر بلباى من المملكة، نفى مغلباى هذا إلى ثغر دمياط بطالا، فدام به إلى أن مات بالثغر المذكور فى العشر الأول من شهر صفر فى هذه السنة.
وكان شجاعا ديّنا خيرا كريما قوالا بالحق فيما لا ينفعه ولا يضره بل مجرد هذيان يصدع الأدمغة، مع سلامة الباطن وصفاء الخاطر وحسن العشرة وقول الحق مع الخفة الزائدة. عفا الله عنه.
٢٥ - يلباى بن عبد الله الملك الظاهر المشهور والمعروف بيلباى تلى أى المجنون (٢) وأصله من عتقاء الملك الظاهر جقمق بواسطة قبضه على الملك العزيز يوسف (٣)
стр. 125
ابن برسباى لما تسحب من قلعة الجبل فى شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانى مائة، ثم نقله إلى إمرة طبلخاناه واستمر عليها إلى أن قبض عليه الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق، وقبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء المؤيدية وسجنه بثغر الإسكندرية، فدام به إلى أن أطلقه الملك الأشرف إينال فى أوائل سلطنته هو ورفقته، وأعاد عليه إفطاعه بعد موت سو نجبغا (١) الناصرى، ودام على ذلك دهرا إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف فى أواخر سنة أربع وخمسين وثمانى مائة.
وكان شرس الأخلاق سريع الانحراف، فلما مات الأشرف إينال وتسلطن ولده المؤيد أحمد، وخلع وتسلطن بعده خجداش صاحب الترجمة الملك الظاهر خشقدم استقر به (٢) حجوبية الحجاب عوضا عن بيبرس خال الملك العزيز يوسف ابن برسباى، ثم نقله إلى الأمير آخورية الكبرى عوضا عن بيبرس البجاسى بحكم استقراره فى نيابة طرابلس، فدام فيها إلى أن استقر فى أتابكية العساكر دفعة واحدة عوضا عن خجداشه قائم من صقر خجا المؤيدى بحكم وفاته فجأة فى الليل وهو ببيت الراحة، ودام فيها (٣) إلى أن تسلطن بعد وفاة خجداشه الملك الظاهر خشقدم سنة اثنتين وأربعين وثمانى مائة فى آخر يوم السبت عاشر ربيع الأول.
وكانت سلطنته هينة وضيعة بالفقيرى فإنه لم يركب فرسا على قاعدة الملوك وأبهتهم، وقد قدمنا ذكر ذلك فى حوادث هذا الكتاب عند سلطنته فلا حاجة إلى إعادته (٤).
стр. 126
ولما تسلطن ضعف أمره عن تدبير المملكة وظهر عليه ذلك، وركبه المنصب العظيم وصار ليس له فى السلطنة إلا الاسم وكل من سأله فى شئ قال:
«قل له»، ويعنى [بذلك] الأمير خير بك الدوادار، إلى أن كانت الفتنة التى قدمناها فى الحوادث بين الأمير يشبك (١) من سلمان شاه الفقيه المؤيدى وجماعته وبين الأجلاب الخشقدمية وغيرهم، وانكسر يشبك المذكور وحزبه، وخلع صاحب الترجمة من السلطنة بالأتابك تمربغا فى يوم السبت سابع جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وثمانى مائة، فكانت مدة سلطنته بمصر ستة وخمسين يوما ليس له فيها إلا مجرد الاسم لا غير، ولم نعلم فيها مضى أحدا من أكابر الترك فى هذا السن ممن مسه الرق أقام أقل مدة منه، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه: «وفى الجملة أنه كان غير أهل للسلطنة لعدم أهليته، فإنه كان مهملا نحيلا، وترقى إلى الرتب السنية بواسطة سعده الذى كان يخدمه ويوافيه إلى يوم سلطنته، فزال سعده كأنه لم يكن وصار أمره فى إدبار وخلع، وحبس بالبرج بثغر الإسكندرية إلى أن توفى بعد أن قاسى شدائد فى خلعه وحبسه، ولم نر سلطانا وصل إلى سنه وخلع مثله من بهدلة ومقت وازدراء من الناس، وضاع جميع ما حصله فى عهده من الأموال، ومن يوم حبس إلى يوم مات لم يذكره أحد وكأنه لم يكن شيئا مذكورا». وكانت وفاته فى ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الأول بمحبسه بثغر الإسكندرية بعلة الطاعون شهيدا، وقد جاوز السبعين. عفا الله عنه.
٢٦ - يحيى بن المرحوم الكفيلى جانم بن عبد الله (٢) نائب دمشق وهو
стр. 127
أحد المقدمين الألوف بدمشق، وكان شجاعا باسلا دهقانا (١)، ولوح (٢) لوالده بالسلطنة وكاتبته العساكر المصرية بذلك ولم يتم له. توفى فى شهر رجب فى حد الكهولية بل فى حدود الثلاثين سنة من العمر. ﵀.
٢٧ - يشبك بن عبد الله الأمير سيف الدين المؤيدى - أعنى من مماليك المؤيد أحمد بن الملك الأشرف إبنال وخازنداره وتأمر عشرة قبل موته بأشهر
، وكانت وفاته فى ليلة الخميس خامس عشرى شعبان من السنة، ودفن من الغد، ولولا تلبسه بالإمرة لما ذكرته فى تاريخى. عفا الله عنه.
ذكر من قتل بوقعة شاه سوار
وبلغتنا وفاته من أمراء مصر والشام، وبلغتنا وفاته فى هذه السنة وهذه المصبة العظمى والطامة الكبرى.
٢٨ - أحمد ولد الكفيلى تنم (٣) من عبد الرزاق نائب الشام وأحد أمراء الطبلخانات صاحب الترجمة بدمشق، توفى فى هذه السنة فى واقعة شاه سوار.
٢٩ - إبراهيم (٤) الأمير صارم الدين ابن الأمير بيغوت حاجب حجاب دمشق، وليها بعد والده
. قال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه تاريخه: «كان عارفا بأمور دينه عاريا من الفضيلة»، توفى بوقعة شاه سوار ﵀.
стр. 128
٣٠ - جانبك بن عبد الله الأمير سيف الدين، أحد الأمراء الألوف بدمشق وداوادار السلطان بها
، وأصله من عتقاء الأمير تغرى برمش التركمانى نائب حلب، وتنقّل بعده حتى صار دوادار السلطان بدمشق كما قدمنا. قال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه عنه: «وكان يتمعقل وهو أجهل من الحمار»؛ مات قتيلا فى واقعة شاه سوار المخذول. ﵀.
٣١ - قانصوه (١) بن عبد الله الأمير سيف الدين. أحد الأمراء الطبلخانات بدمشق والحاجب الثانى. مات قتيلا بوقعة شاه سوار رحمه الله تعالى.
٣٢ - عبد الرحمن (٢) الحمزاوى أحد الأمراء الطبلخانات بدمشق
، كان يدعى أنه أستاذ فى الفنون وما رأينا له شيئا. مات قتيلا فى وقعة شاه سوار المخذول ﵀.
*** هذا ما وصل إلينا علمه من وفيات أمراء دمشق الطبلخانات بدمشق، وأما العشرات والخمسات بحلب والشام فكثير لا تحضرنى أسماؤهم.
وأما من قتل فى وقعة شاه سوار من الأمراء المصريين فهم:
٣٣ - سودون بن عبد الله الأمير سيف الدين القصروى (٣) رأس نوبة النوب جرح فى الواقعة المذكورة وحمل إلى قريب حلب فأدركته المنية فمات وحمل إلى حلب فدفن بها
، وأصله من مماليك الأمير قصروه من تمراز نائب الشام
стр. 129
وخدم بعده ببيت السلطان حتى صار خاصكيا، ثم صار من جملة الدوادارية الصغار فى دولة الملك الأشرف إينال، ثم نأمر عشرة فى دولة الظاهر خشقدم، ولما ولى خجداشه خيربك الفصر وهى نائب قلعة الجبل نيابة غزة استقر سودون هذا فى نيابة قلعة الجبل عوضا عنه، ودام فيها فى غاية الزهارة إلى أن سعى فى دولة الظاهرى يلباى أن يكون أمير مائة مقدم ألف بالديار المصرية، وبذل فى ذلك نحو عشرة آلاف دينار، واستقر فى التقدمة الألف بالديار المصرية، ثم نقله الملك الأشرف أبو النصر قايتباى إلى وظيفة رأس النوب عوضا عن الأمير نانق [المحمدى] الظاهرى [جقمق] المقتول بواقعة شاه سوار فاستمر صاحب الترجمة فى الوظيفة إلى أن عينه السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - إلى تجريدة شاه سوار صحبة الأتابك أزبك وغيره، فتوجه إليها وقتل وسنه يقارب السبعين عاما. وكان شكلا حسنا بلحية نقية جدا، ولباسه زهرة أيضا، وفيه الخير والمعروف، وأنشأ بجوار بيته المجاور لبيت السلطان الملك الأشرف قايتباى - نصره الله - مدرسة ومكتبا للأيتام، وأوقف عليها أوقافا بقدر حاله، وكان جماعة للأموال. قال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى آخر ترجمته له: «وكان ممن يأكل ما كان، وامتحن فى أهل بيته ولكنه طلقها وأخرجها وصارت الآن تستكدى وذاك ذنب عقابه فيه، ولا يظلم ربك أحدا». عفا الله عنه ورحمه.
٣٤ - فارس بن عبد الله الأمير سيف (١) الدين البكتمرى
، أصله من عتقاء الأمير بكتمر (٢) السعدى وصار بعده بخدمة الملك الأشرف إينال، فقرره من جملة الدوادارية الصغار، ثم امتحن بعد موت الأشرف وبعد خلع ولده المؤيد، ولزم داره إلى أن تسلطن الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز
стр. 130
نصره - وطلبه لخدمته، وأمّره عشرة، ثم عينه لتجريدة شاه سوار المخذول صحبة من عين فقتل بها، وكان كريما جوادا يشوشا متواضعا كثير البشر والقرى. عفا الله عنه.
٣٥ - قرقماس بن عبد الله، الأمير سيف الدين الأشرفى المشهور والمعروف بالجلب
، أمير مجلس بعد كان أمير سلاح كما سنبين ذلك، مات قتيلا بوقعة شاه سوار الأخيرة التى ذكرناها فى حوادث ذى الحجة. وكان قرقماس هذا من أقارب (١) الملك الأشرف برسباى فجلبه (٢) من بلاد الجاركس إلى الديار المصرية بعد سلطنته فجعله خاصكيا دفعة واحدة، ثم أمّره عشرة فدام عليها إلى أن مات قريبه (٣) المذكور فتسلطن ولده الملك العزيز يوسف ثم خلع، و [لما] تسلطن الملك الظاهر جقمق نقله إلى إمرة طبلخاناة فدام بها إلى أن تسلطن الملك المنصور عثمان فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن الأمير دولات باى المحمودى الدوادار الكبير بحكم القبض عليه (٤)، فاستمر عليها إلى أن تسلطن الملك الأشرف إينال وجاء بعده سلطانا ولده المؤيد أحمد جعله رأس نوبة النوب، ثم صار أمير مجلس بعد جرباش المحمدى بحكم انتقاله إلى الأتابكبة بعد سلطنة المؤيد أحمد فلم تطل مدته بها، وانتقل إلى إمرة سلاح بعد جرباش المذكور بحكم انتقال (٥) جرباش إلى الأتابكية عوضا عن الملك الظاهر خشقدم، وولى وظيفة أمير مجلس الأمير قانم من صفر خجا المؤيدى، ودام صاحب
стр. 131
هذه الترجمة فى إمرة سلاح ويتنقل من دونه إلى الأتابكية خمسة أنفار، والحق له وهو لا ينطق ببنت شفة لعدم شره.
وأول من تقدم عليه للأتابكية من إمرة مجلس قائم المذكور من صفر خجا المؤيدى فوليها بعد نفى جرباش كرد المحمدى إلى دمياط، ثم لما مات قائم فجأة وليها الأمير يلباى لإينالى المؤيدى من الأمير آخورية الكبرى دفعة واحدة، ثم لما تسلطن يلباى المذكور استقر تمربغا أمير مجلس أتابكيا، وكان قرقماس المذكور مسافرا ببلاد الصعيد، ثم قبض عليه يلباى فى سلطنته وسجنه بالاسكندرية فاستمر بها إلى أن أطلقه الملك الظاهر تمربغا، فلما وقع لتمريغا ما وقع وتسلطن الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - طلبه من دمياط وأنعم عليه بإمره مائة وتقدمة ألف، ثم جعله أمير مجلس - درجة إلى أسفل - هذا وقد صار جانبك قلقسيز الأشرفى برسباى أتابك العساكر عوضا عن الملك الأشرف قايتباى، فجلس قرقماس تحته ولم يتكلم بكلمة واحدة، فلما تجرد جانبك قلقسيز لشاه سوار وقبض عليه وقرر الأمير أزبك من ططخ الظاهرى أتابكا عوضه [استمر] صاحب الترجمة باقيا على إمرة مجلس.
وأزبك هذا هو السادس ممن تخطى قرقماس إلى الأتابكية. كل هذا وهو قانع بما هو فيه إلى أن عينه الملك - عز نصره - لتجريده شاه سوار فاستعفى من ذلك فلم يعف، وسافر فقتل هناك ﵀، ولم يجدوا له رمّة.
وكان صاحب هذه الترجمة ملكا عظيما جليلا عادلا ساكنا حسما وقورا الشر بالكلية: حافظا لما يسمع، كثير الحياء، خائفا من الله، ولولا خوف الإطالة فى ترجمته لأوردت فى ترجمته أشياء من محاسنه وأدبه. ﵀.
٣٦ - قائم (١) بن عبد الله الأمير سيف الدين الظاهرى المعروف بقائم
стр. 132
نعجة (١)، وقيل «نبصا»، وقيل نبصا لفظة جاركسية. أصله من عتقاء الظاهر جقمق، واستمر على الخاصكية إلى أن تأمّر عشرة فى هذه الدولة الأشرفية، وعين إلى التجريدة السوارية فقتل فيها، وكان من الأشرار الظلمة، كثير الفسق والزنا، وإن سكر عربد حتى إنه فى بعض سكره عض أنف إنسان فأكله، وأراح الله المسلمين منه ومن ظلمه وشؤمه وأذاه وافتراه، وجعل الجحيم مأواه.
٣٧ - نوروز بن عبد الله الأمير سيف الدين [ويعرف بنوروز شكال] (٢) أحد الأمراء العشرات
، الأشرفى برسباى فإنه عتيقه ومن خاصكيته، واستمر على الخاصكية زمنا طويلا إلى أن تأمر فى دولة الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عشرة، ثم عينه لتجريدة شاه سوار فقتل بها، وكان ﵀ من محاسن الدهر ويكفى هذا الوصف له. ﵀.
٣٨ - نوروز (٣) ابن عبد الله الأمير سيف الدين أحد الأمراء العشرات
، مات قتيلا فى وقعة شاه سوار؛ وأصله من عتقاء الأشرف برسباى وصار بعده من جملة الدوادارية الصغار زمنا طويلا إلى أن تأمر فى هذه الدولة الأشرفية، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى عنه: «كان لا للسيف ولا للضيف»، انتهى كلام الجمال يوسف، عفا الله عنهما، وغفر لهما بمنه وطوله.
٣٩ - وتوفى (٤) ألقان بوسعيد ملك التتار ابن قرايلك فى أسر حسن
стр. 133
ابن قرايلك. وفى قتله ومجيئه إلى حسن أقوال كثيرة، والأصح أنه قتل قهرا.
وقيل «بو سعيد» اسم غير كنية، وقيل بو صعيد بالصاد. وكان بو سعيد ملكا عظيما جليلا مهابا سلطان العراقين، والذى بلغنا من قتله فيه اختلاف كثير، وقد قتل وانتهى فما حالنا به، ﵀.
*** وانقضت هذه السنة والناس فى أمر جهيد وبلاء عظيم من كثرة الفتن وشتات العسكر المصرى بالبلاد الحلبية وقد قتل أكثرهم فى واقعة شاه سوار، ثم منهم طائفة بالطاعون وغيره، فإن المماليك السلطانية لما عادوا إلى الديار المصرية اعتراهم فى الطريق مرض، فمات من المماليك السلطانية خلائق كثيرون وصار الموت معهم طوال الطريق إلى أن وصلوا إلى القاهرة، وأيضا الطاعون الذى وقع بمصر ثم بالبلاد الشامية إلى الآن.
وعظم الغلاء بالديار المصرية حتى وصل الإردب القمح إلى ألف درهم، ووقع الغلاء بالديار الشامية أعظم من الديار المصرية ما خلا (١) غزة والرملة والقدس فإن الأسعار فيها رخية بالنسبة لغيرها.
وأما الظلم الموجود من بعض (٢) الناس فلا فائدة فى ذكره وعدم الأمن فى سبل والطرقات، والحق أقول إنى لم أر فيما رأيت منذ عمرى أبشع ولا أفظع حالا من هذه السنين الثلاث: سنة اثنتين وسبعين وسنة ثلاث وسبعين وسنة أربع وسبعين التى سيأتى ذكرها إن شاء الله، فما شاء الله كان.
стр. 134
سنة أربع وسبعين وثمانى مائة
أهلت هذه السنة بيوم الثلاثاء الموافق لسادس عشر أبيب (١) القبطى لأن شهر ذى الحجة جاء تماما، مع أن الأخبار وصلت من البلاد الحجازية بأن الوقفة كانت عندهم الثلاثاء، والأسعار رخيّة والعساكر مجردون لشاه سوار، وهم المقر الأتابكى أزبك ومن تقدم ذكرهم من الأمراء فى حوادث السنة الماضية بما فيه كفاية ممن توفى منهم وممن بقى منهم، والخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف العباسى - دام شرفه - وهو مقيم بقلعة الجبل لا يتوجه منها إلى موضع منذ سلطنة الظاهر خشقدم وإلى تاريخه وليس له فى الخلافة إلا الاسم.
والسلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عز نصره.
وقضاة القضاة الأربعة على عادتهم فى السنة الماضية، ما عدا قاضى المالكية فإنه سراج الدين عمر بن حريز (٢)، استقر فى الوظيفة عوضا عن أخيه حسام الدين محمد (٣) بحكم وفاته.
وأتابك العساكر: الأمير أزبك من ططخ الظاهرى وهو مقيم بحلب.
وإمرة سلاح شاغرة بعد موت الأمير بردبك هجين (٤) بوقعة شاه سوار من ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين وثمانى مائة.
وإمرة مجلس شاغرة أيضا من حين قتل الأمير قرقماس المذكور - أعنى الجلب - الأشرفى بوقعة شاه سوار.
стр. 135
والأمير آخور الكبير: جانبك من ططخ الظاهرى.
ورأس نوبة النوب شاغرة من حين خرج سودون القصروى بوقعة شاه سوار فمات من جراحته بحلب.
والدوادار الكبير عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومدبر مملكتها ووزيرها وأستادارها يشبك من مهدى الظاهرى عز نصره.
وحاجب الحجاب تمرمن محمود شاه الظاهرى وهو مقيم بحلب.
وبقيّة مقدمى الألوف: لاجين (١) الظاهرى وقراجا (٢) الأشرفى الإينالى الطويل الأعرج وهو مقيم بحلب، وتمراز (٣) الشمسى الأشرفى العزيزى وهو كاشف تراب الغربية، وأزدمر الظاهرى من ناصر الدين وهو كاشف الشرقية.
نواب البلاد الشامية وغيرهم
بردبك (٤) البجمقدار الظاهرى، وإينال (٥) الأشقر الظاهرى نائب حلب، وقانصوه (٦) اليحياوى الظاهرى نائب طرابلس، ويشبك (٧) البجاسى نائب حماه، وجكم الأشرفى - خال الملك العزيز - نائب صفد، وأرغون شاه الأشرفى نائب غزة، وقرقماس الأشرفى نائب ملطية، ويلباى الظاهرى نائب الإسكندرية؛ وملك الأمراء بالوجه القبلى مضافة لعظيم الدنيا ومشيرها
стр. 136
ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير يشبك من مهدى، مهد الله له البلاد والعباد، وجعل أمره مطاعا فى كل واد وناد، إلى يوم التناد.
وأمراء الحجاز على حالهم كما كانوا فى السنة الماضية.
وأما ملوك المشرق ففى غاية الاضطراب من قتل جهان شاه (١) وقتل بو سعيد، ومن كثرة الفتن.
مباشرو الدولة: المقر الأشرف القاضوى الزينى زين الدين بن مزهر الأنصارى رئيس الدنيا وكاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، والقاضى كمال (٢) الدين محمد بن الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم ناظر الجيوش المنصورة.
والأستادار والوزير كما قدمنا مضافان لعظيم الدنيا يشبك من مهدى عز نصره.
وناظر الخاص القاضى تاج الدين عبد الله بن المقصى.
شهر الله المحرم
أهلّ بالثلاثاء كما قدمنا.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر والعام، وكان كاتبه ومؤلفه صحبة قاضى القضاة الحنفية الذى هو المحب ابن الشحنة فسلموا عليه وجلسوا بالحوش تحت الدكة، ودعوا له وانصرفوا، ولم يتكلم فى المجلس إلا قاضى القضاة الحنفى أن قال: «هذا عام أربع وسبعين، وقد استقرئ أن يكون عاما مباركا فإن العام الذى قبله حصل للناس فيه عدة شدائد».
стр. 137
وفيه زاد الله من فيضه (١) العميم فى النيل أربع أصابع، وكانت زيادته فى العام الماضى كذلك.
وأما غير ذلك من البلاد الشامية والقدس وما حولها فقد فشا الطاعون فيهم وكثر، ويصير الميت ثلاثة أيام لا يجد من يحمله إلا على سلم أو باب (٢) وأمثال ذلك، وتزايد الغلاء جدا عندهم فبلغ المكوك القمح ألف درهم شامية وأربعمائة درهم مصارفة عن ثمانية وعشرين دينارا.
وأما العسكر المصرى فهو بالبلاد الشامية فى أضيق الحال بسبب غلوّ الأقوات والعليق، فجهّز السلطان نصره الله إليه مكس السيفى تمرباى أحد الخاصكية بمبلغ للأمراء والعسكر، والله المستعان.
وتقدم قبل هذا فى طلوع السلطان القلعة ودخوله المدينة من غيبته التى سرح فيها بالوجه الغربى والشرقى، وبرقوق حامل القبة والطير على رأسه، فخلع عليه وأنعم له بألف دينار.
وفيه دخل الوالى القاهرة وكان له أيام غائبا (٣)، وصحبته عدة من مماليك السلطان للقبض على المفسدين من العربان، وبين يديه أربعة رجال ماشون فى الحديد، ومع أعوان الوالى عدة رماح وعدة خيول ليس لها أصحاب.
وفيه رسم بعمل ضيافة لقاصد حسن بك، ورسم له بألف دينار خارجا عما (٤) تحصّل له ولمرسله من الهدايا والخلع والتحف وغير ذلك وخارجا عما أنعم عليه به عظيم الدنيا الدوادار الكبير، حفظه الله على المسلمين.
стр. 138
وفى يوم السبت خامسه أرسل المقر الأشرف العالى السيفى برقوق - أحد المقدمين الألوف الذى استقر فى الشرقية - للسلطان من خيول العرب المفسدين مائة وثلاثين (١) فرسا بعد أن وسّط أصحابها، وأرسل عدة منهم (٢) فى الحديد، وجهز أربعة رءوس آدميّبن مقطوعين، فعرضوا (٣) على السلطان فضربهم بالمقارع وسجنهم فى سجن الجرائم، وأشهروا الرءوس بالقاهرة، وحصل بذلك أمان واطمئنان.
وفى يوم الأحد سادسه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - من قلعة الجبل وتوجّه فى نفر قليل من خواصه إلى خانقاه قوطقوس (٤) ورجع آخر النهار.
وفى يوم الاثنين سابعه وصل عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها وأستادارها وما مع ذلك من الدوادارية الكبرى وكشف الوجه القبلى وغيره يشبك من مهدى - أدام الله جوده ووجوده ولا خمل سعوده، وحفظه فى نفسه وماله وأهله وجنوده - وصعد بين يدى السلطان فخلع عليه خلعة سنية وقدم له فرسا خاصا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وتوجّه إلى داره مكرما مبجلا معظما، وفى خدمته الأمراء والأعيان والمباشرون، وأهل المملكة بتمامها وكمالها الموجودون بالقاهرة، وذلك بعد (٥) أن كان [قد] توجه لخدمته وملاقاته الأعيان من الأمراء والرؤساء والمباشرين ووجم غالبهم لقدومه، فالله ينصره.
***
стр. 139
وفى هذا اليوم أيضا خلع على الجناب (١) التقوى أبى بكر بن المقرّ المرحوم الزينى عبد الباسط واستقر فى نظر الجوالى عوضا عن أحمد (٢) بن يوسف ابن كاتب حكم أخو ناظر الجيش بحكم عزله، ونعم ما فعل السلطان نصره الله من عزله له.
*** وفى هذه الأيام وقفت على كتاب وصل من المقر الأشرف الأتابكى أزبك من ططخ للمقر الأشرف عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار الكبير - عز نصره - ملخصه «إنا نحن وصلنا إلى مدينة مرعش (٣) وحصل لنا النصر على العدو المخذول وتتبعنا آثاره وأخربنا قصره وأحرقنا القرى وقطعنا الأشجار ونهبنا الحواصل التى كانوا أخفوها فى المطامير، ووجدنا العدو المخذول قد بنى الدروب بالحجارة وسدّها، فنزلت بنفسى وحملت الأحجار على ظهرى، وأخذنا عدة قلاع واستقرينا فيهم بنواب، واستقرينا بابن ذلغادر عوضه، وذلك بعد أن توجهت إلى جبل يسمى الكركى (٤)، ثم رجعنا من شدة الجوع والعطش والغلاء، وذلك بعد أن سأل السلطان العسكر السلطانى فى الرجوع فرجعوا من درب (٥) سبس، وكنت قلت للعسكر أن لا يتوجه
стр. 140
من هذه الطريق الضيقة فما وافقونى على ذلك، فلما وصلوا إلى الدربند (١) خرج التركمان الذين مع شاه سوار لنا وحصل قتال معهم، وقتل منهم عدة لا يحصون، وآخر الأمر أنهم قطعوا أعصاب الجمال والبغال، ولم يسلم للمملوك بغل ولا حمل من الأحمال، فلما رجعنا ملّكنا ابن ذلغادر بلاد العدو المخذول وأبقينا عنده نائب حلب وعدة من الأمراء وطمنا العسكر وهو الآن مقيم بحلب، وبها فناء زايد وغلاء، وجراد أكل الزروع، والمرسوم مرسوم السلطان».
*** وفى يوم الثلاثاء ثامنه وصل من الوجه القبلى من عند ابن عمر هدية للسلطان وهى مائتا فرس، وقصدهم بهذه التقدمة أن يقوموا بخراج البلاد السلطانية وغيرها فى هذه السنة مثمنا.
وفيها أنفق المقرّ الأشرف العالى السيفى عظيم الدنيا الدوادار الكبير على المشاة القوّاسة النفقة لأجل السفر، وعدتهم مائتان وأربعون نفرا.
وفى يوم الأربعاء تاسعه رسم السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - بالإفراج عن الأمير شرف الدين ابن كاتب غريب - الأستادار كان -، من البرج بقلعة الجبل، ونزل إلى بيت القاضى شرف الدين التتانى، فتوجهّوا به لبيت عظيم الدنيا يشبك من مهدى أمير دوادار كبير على يد الشرف المذكور، وذلك بعناية المقر الأشرف العالى الدوادار الكبير ومساعدته، فإنّ ابن غريب ارتمى عليه وأخبره أنه يكون نائبه فى الديوان
стр. 141
المفرد ويظهر له فيه أمورا ويحصل له المال، فنال ذلك، والله الولى والمالك.
*** وفيه نودى فى البلد على لسان المقامى الشريف بين يدى صاحب الشرطة:
«معاشر العسكر المنصور: العرض يوم السبت» وأكّدوا فى ذلك، «ومن تأخر لا يلومنّ إلا نفسه».
*** وفى هذه الأيام حضر شخص من الفقراء الصلحاء بالوجه القبلى إلى عظيم الدولة وسأله فى إطلاق شخص من أولاد ابن عمير، له مدة مسجون وهو فى الخشب فأطلقه لأجل سؤال الفقير، فجزاه الله خيرا دنيا وأخرى.
وفى يوم السبت ثانى عشره أخرج السلطان لجماعة من أجلابه خيولا وقماشا وهم نحو مائتين وأربعين نفرا، وهذا أول خرج أخرجه السلطان فى مملكته (١).
*** وفى هذه الأيام تداول حضور العساكر الذين تجرّدوا لقتال شاه سوار إلى الديار المصرية بغير إذن من السلطان لهم فى ذلك، وصار السلطان يبلغه ذلك فيتغافل عنهم تجاهل العارف، ثم فشى ذلك مع أنه لم يتأخر بحلب غير الأمراء الألوف وبعض طبلخانات وعشرات.
وفى يوم السبت تاسع عشره عرض السلطان - نصره الله - المماليك السلطانية وعيّن منهم عدة كثيرة ليسافروا صحبة عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير.
وفى يوم الاثنين حادى عشره وصل الركب الأول على يد أميره يشبك (٢)
стр. 142
الجمالى يوسف ناظر الجيش والخاص المحتسب، فخلع عليه بعد تقبيله الأرض للسلطان نصره الله.
ووصل أيضا الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بعده بنحو ساعة فعظّمه السلطان وأكرمه وأجلّه وخلع عليه كاملية مخمل سمور بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش، وركب من عند باب السّتارة وحضر المحمل من الغد، وأمير حاجّه الأمير يشبك (١) الإسحاقى الأشرفى الأمير آخور الثانى، وخلع السلطان عليه على عادته.
وفى يوم الجمعة خامس عشريه عقد عقد صاحب الحل والعقد ومشير الدولة ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما أضيف لذلك من ملك الأمراء بالوجه القبلى والبحرى وما مع ذلك، أعزّ الله أنصاره، على بنت (٢) السلطان الملك المؤيد أحمد بن الملك الأشرف إينال بحضرة مولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره بالجامع الناصرى من قلعة الجبل، وحضر قضاة القضاة ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى وغيره من الأعيان، وكان عقدا عظيما وكيف لا، وحمل لهذا العقد أشياء عظيمة كثيرة من سكر وحلوى وفواكه وأغنام ومشروب وغير ذلك، والله الولى والمالك.
وفى يوم السبت سادس عشريه توجه عظيم الدنيا ودوادارها الكبير وما مع ذلك وفى خدمته جمع من العسكر والمماليك السلطانية إلى سفر الوجه القبلى. انتهى (٣).
***
стр. 143
وتقدم استقرار بن عبد القادر شيخ جبل نابلس فى المشيخة عوضا عن والده بحكم قتله فى وقعة شاه سوار، والملك لله الواحد القهار.
وورد الخبر فى هذه الأيام من البلاد الشامية أن نائب حلب وابن دلغادر الذى تولى بلاد شاه سوار أبلغا (١) أن جماعة من أعيان شاه سوار رجعوا إلى موضع يسمى كذا، فنزلوا عليهم ونهبوهم ومسكوا منهم عدة، وقطعوا رءوس جماعة منهم، وسجنوا بقيّتهم بسجن قلعة حلب، ولله الحمد.
*** ومما وقع من الحوادث فى هذه الأيام أن شخصا شريفا أكفانيا فى المواريث تزوج بامرأة من عشر شهور كانت زوجا لعبد العظيم بن الدرهم (٢) ونصف اللحام والمعصرانى، ويقال إن الشريف كان يهواها قبل التزويج، فدخل ابن الدرهم ونصف وشكى حاله إلى عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير - أعز الله أنصاره - وأنهى إليه أن الشريف [أ] فسد زوجته حتى طلقها وتزوجها، فأرسل فى الحال له النقباء والطواشية وهجموا على المرأة [فى] دارها وحضروا بها بين يديه هى وزوجها الشريف، والمرأة المذكورة قريبة لبيت البارزى (٣) ولبيت رئيس الدنيا المقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله على المسلمين، فركب من فوره وصحبته المقر العائلى ابن خاص بك صهر مولانا المقام الشريف - عز نصره - إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير وصاروا على يديه ورجليه حتى صفح عنهما، وقيل إنهما غرما ألف دينار للزوج الذى هو ابن الدرهم ونصف ولغيره، وذاك ذنب عقابه فيه.
стр. 144
وفيه حصل من مولانا السلطان - نصره الله - استياء (١) على عرب غزالة فإنهم شكى عليهم أنهم يفعلون أمورا شنيعة الفساد والنهب وأمثال ذلك، فرسم للكشاف إذا وقع له (٢) منهم أحد بمعضلة تقطع رأسه.
ووصلت الأخبار من الوجه القبلى أن القمح وصل ثمنه بها إلى ستمائة درهم الإردب وأنه عزيز الوجود، وأن النصل (٣) كان موجودا فى الآدميين ثم انتقل إلى البقر حتى إن البلاد جافت من ذلك، وشاع وذاع أن الأمير قانصوه (٤) الشاد بالشراب خاناه حصل له فى مخرج الغائط ألم شديد فتحوه بالفولاذ وهو فى غاية الضرورة، وتوجه إليه الأمراء والعساكر للسلام عليه.
وفى يوم السبت تاسع عشره أرسل الأمير برقوق - أحد الأمراء المقدّمى الألوف الذى توجّه للشرقية لدفع المفسدين من العرب وغيرهم - تسعين رأسا من الخيول، فأرسل السلطان منها أحدى (٥) وعشرين رأسا لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فإنها أخذت من بلاد السلطان.
*** وضرب جماعة من السوقة الذين هم تجار العنب ضربا مقترحا وأشهروا بالقاهرة كونهم لم يقوموا بمكس العنب، وضرب رسول من رسلهم كونه أخفى غريما من السوقة عن الضرب والإشهار.
*** وتقدم قبل هذا بأيام أن السلطان - نصره الله - جهز للمنصور عثمان ابن الظاهر جقمق فرسا خاصا بسرج ذهب وكنبوش زركش وكاملية سمور
стр. 145
بمقلب سمور ومدة عظيمة؛ وقد قدّمنا ذكر صعوده للسلطان ولبسه الكاملية الثانية والإنعام عليه بالفرس والسرج والكنبوش.
وأما أخت (١) المنصور - جهة المقر الأشرف الأتابكى أعزّ الله أنصاره - فاهتمت بحضوره (٢) وخلعت على المبشرين بمقدمه خلعا سنية، وخلع السلطان على المبشر بقدومه كاملية بسمور، وأنعمت أخته عليه بمائة دينار.
ووصل سيدى أبو السعود (٣) - ولد شيخنا شيخ الإسلام الأمين الأقصرائى من الحجاز، وخلع عليه من السلطان، وكذا على شيخنا قاسم الحنفى.
وفى يوم الثلاثاء ثامن عشرى (٤) شهر تاريخه سافر عظيم الدنيا - ومدبرها ومشيرها ووزيرها وأستادارها الكبير وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك: يشبك من مهدى مهّد الله له السعادة مهادا، والبلاد والعباد على وفق مطلوبه السعيد، وبلّغه ما يريد - إلى الوجه القبلى فى ضخامة عظيمة وأبهّة زائدة وحرمة وافرة كما هى عادته، وفى خدمته من المماليك السّلطانية خمسمائة نفر خارجا عن مماليكه المشتروات والخدّام والمشاة الذين استخدمهم، وعدّة المشاة خاصة مائتان وأربعون نفرا.
شهر صفر الأغر
أهلّ بيوم الخميس، ففى سحر هذا اليوم صعد (٥) قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة فوجدوه ركب من قلعة الجبل وتوجّه إلى الخانقاه