← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مضمونه التواضع والدعاء لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى، ومحصل الكتاب أنه من جملة المماليك السلطانية، وأن كل ما يملكه من البلاد والقلاع إنما هو زيادة فى ممالك السلطان نصره الله وأنه نائبه فيهم، ويسأل الصدقات الشريفة فى إرسال خلعة له يتشرف بها من السلطان؛ فأجيب سؤاله وأكرم قاصده وأجرى عليه من الرواتب ما يليق به. *** وفى يوم الخميس خامسه ضبط من ورد أسمه ديوان المواريث إلى خمسة وأربعين نفرا، وهذا يسميه (١) المباشرون «التعريف» فى اصطلاحهم. *** وفى يوم الاثنين تاسعه أضاف (٢) السلطان قاصد حسن بك بن قرايلك المذكور بالحوش السلطانى من قلعة الجبل ضيافة هائلة ملوكية، وبعد إنهاء السماط والمشروب خلع السلطان عليه كاملية بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش عريض، وخلع على ولده كاملية عظيمة، وأنعم عليه بألف وخمسمائة دينار وأشياء غير ذلك، وأمره بالسفر فى يوم الخميس مكرما مبجلا بعد أن جمع له أشياء نفيسة وجهزها صحبته: من خلع وهدايا هائلة لمرسله حسن بك. وأرسل إليه عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى - أعز الله أنصاره - هدية عظيمة، وأضافة ضيافة هائلة، وأنعم عليه بخمسمائة دينار وعدة خيول وقماش وسلاح. وحصل لقاصد (٣) حسن من السلطان لما وادعه (٤) جبر كبير، فإنه

стр. 72

لما وادعه خاطبه بكلام فيه تعظيم لحسن المذكور وتحسن ملاطفة، وأفهمه أنه يحبه وأنه عضده. وحكى لى ذلك كله من لفظه، وسافر القاصد المذكور من القاهرة فى يوم الخميس ثانى عشره. وفيه نودى بالقاهرة وشوارعها بالنفقة للمماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار صحبة مقدم العساكر الأتابك أزبك - عز نصره - فى يوم السبت رابع عشره. *** وفى ليلة السبت المذكور الذى هو رابع عشره خسف جميع جرم القمر، وكان ابتداء الخسوف بعد الغروب بعشرين درجة وربع درجة، ثم أخذ فى الانحلال إلى ستين درجة ودقائق. وفى يوم هذا السبت المذكور فرقت النفقة على المماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار بحضرته (١) وكذلك فى يوم الثلاثاء سابع عشره، وعين السلطان أيضا من المماليك السلطانية عدة يتوجهون فى البحر الملح فى عدة من المراكب موسوقة بالغلال وعليهم بعض الأمراء ليتوجهوا بذلك إلى ساحل بلاد التركية، تقومة للعساكر المجردين لقتال شاه سوار فى البر لعظم الغلاء فى البلاد الشامية. وفى هذه الأيام وصلت الأخبار من البلاد الشامية بعظم الغلاء، وذكروا أن الغرارة القمح وصلت بدمشق إلى عشرين دينارا، والشعير بأكثر من عشرة دنانير الغرارة، ووصل عدة من يموت بالقاهرة المحروسة من التعريف من المواريث الحشرية فى يوم الأربعاء ثامن عشره إلى واحد (٢) وستين نفرا،

стр. 73

ثم وصل فى يوم الجمعة العشرين منه إلى مائة نفر، وفى ضبط أهل الديوان نظر فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاء عدة من يموت وصلى عليه بباب (١) النصر أكثر من خمسين نفرا، فما بالك ببقية المصلاة التى بالقاهرة فإن عدتها (٢) سبع عشرة مصلاة، وبهذا المقتضى لا نعتمد على ضبطهم. وفى الثلاثاء رابع عشره أنفق السلطان للمماليك المجردين لقتال شاه سوار جامكية أربعة (٣) شهور لكل نفر وكسوة سنة. *** وفى هذا اليوم والذى قبله أمر السلطان - نصره الله - القاضى شرف الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لينفق فى العساكر ويخدم (٤) المشاة والقواسة ليضافوا للعسكر المصرى المتوجه لقتال شاه سوار؛ هذا والأخبار ترد فى كل قليل بأن شاه سوار - عليه اللعنة - فى أقبح حال من اختلاف عساكره ومن عظم ما عنده من الغلاء والقحط والموت فى مواشية، فزاده الله من البلا، وأوقع به البلاء قريبا عاجلا. *** وفى يوم الثلاثاء فرّق السلطان الجمال على المماليك السلطانية المجردين لشاه سوار لكل مملوك جمل، وحصل فى تفرقة الجمال فى هذا اليوم أمر مهول وحادث غريب هو أن الجمال لما دخلت من الميدان الذى من جهة باب القرافة وازدحم بعضها على بعض مات منها أكثر من مائتين وأربعين جملا فى ساعة،

стр. 74

وما كفى (١) منها إلا حملها ورميها فى الصحارى. وفى الخميس سادس عشريه الموافق له من الشهور القبطية خامس (٢) عشر أمشير نقلت الشمس إلى برج الحوت، وضبط اسم من يموت بالتعريف بالمواريت الحشرية من الأموات فبلغت مائة نفر وسبعة أنفار، وقد قدمنا أنه لا عبرة بضبط التعريف. وفى هذا اليوم أخذ الطاعون فى الزيادة حسبما نذكره بعد ذلك بما ضبط من الأموات بمصلى باب النصر، فإنها أكثر واردا من جميع المصلات. وفى يوم السبت ثامن عشريه سافر المقر الأشرفى الأنصارى لما ندبه له السلطان من النفقة على العساكر الشامية، واستخدم المشاة والقواسة والتراكمين وغيرهم صحبة العسكر المنصور المصرى، وتوجه معه جماعة من الأعيان، وصحبته مال كبير يقال إنه مائة ألف دينار من الخزانة الشريفة خارجا عما يأخذه من البلاد الشامية والقلاع والتعلقات (٣) السلطانية، منحه (٤) الله السلامة، فى السفر والإقامة. شعبان أهل بيوم الاثنين. فيه صمم المسافرون على خروجهم وعظم اهتمامهم بذلك. وفيه فشا الطاعون بالقاهرة ومصر وبولاق.

стр. 75

وفى يوم الثلاثاء ثانيه أرسل السلطان - نصره الله - إلى المقر الأشرف الأتابكى أزبك - أعز الله أنصاره - يأمره بالسفر فى يوم الثلاثاء تاسعه فأجاب بالسمع والطاعة، واعتذر أثناء ذلك أن السلطان إلى يوم تاريخه لم يجهز له نفقة السفر، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إليه من الغد إثنى (١) لم يجهز ألف دينار. وفى يوم الخميس رابعه خلع على قاضى القضاة السبد الشريف سراج الدين عمر بن حريز واستقر فى قضاء المالكية عوضا عن أخيه السيد حسام الدين (٢) بحكم وفاته لرحمة الله. وفيه خلع على عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها بوظيفة الأستادارية الكبرى مضافا لما ذكر، وهذا شئ لم يقع لغيره من الأمراء فى سائر الدول، أعنى من جميع هذه الوظائف السنية. وقبض السلطان فى هذا اليوم على الأمير زين الدين الأستادار كان، والصاحب مجد الدين اسماعيل بن البقرى، وألزم زين الدين المذكور بحمل مائة ألف دينار، وأما زين الدين فحلف وصمم أنه لا يملك شيئا سوى دوره وأوقافه. وفى يوم السبت حمل موسى ابن كاتب غريب من بيته من المقسم على قفص حمال إلى القلعة فحبس بالبرج منها، والذى يظهر لى أن أمر هؤلاء الممسوكين جميعهم راجع إلى رأى الأمير المعظم المكرم عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فإنه الآن صار مدبر المملكة ومشيرها ونظامها وصاحب حلها وعقدها والمتصرف (٣) فيها.

стр. 76

وفى يوم الجمعة وصل عدة الأموات بمصلى باب النصر والبياطرة إلى مائتى (١) نفر: بباب النصر مائة وثلاثون، والبياطرة سبعون، وقس على هذا ما بقى من المصلات بالقاهرة، وهى خمس عشرة مصلاة. وفى يوم الثلاثاء تاسع عشره (٢) - الموافق له من شهور القبط سابع عشرى أمشير - سافر المجردون من الأمراء وغيرهم لقتال شاه سوار ونزلوا بالريدانية، ومقدم العسكر - كما قدمنا - الأشرف العالى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى وصحبته أربعة أمراء من مقدمى (٣) الألوف، وهم: قرقماس الجلب وسودون القصر وهى رأس نوبة النوب، وتمر من محمود شاه الظاهرى [جقمق] (٤) حاجب الحجاب، وقراجا الطويل الإينالى الأعرج أحد المقدمين الألوف؛ ومن أمراء الطبخانات إثنان (٥) هما جانبك الزينى (٦) المؤيدى وخير بك من حديد الأشرفى؛ وعدة من أمراء العشرات من كل طائفة يزيدون على عشرة أنفار، وألف وخمسمائة مملوك من المماليك السلطانية. على أنه (٧) مات منهم جماعة بالطاعون قبل سفر العسكر. وأقام العسكر المذكور بالريدانية إلى يوم الاثنين خامس عشره: سافر الجميع أرسالا أرسالا، وذلك بعد أن ركب السلطان من قلعته فى الليل توجه

стр. 77

إلى المقر الأشرف الأتابكى أزبك بالريدانية وسلم عليه ووادعه. وفى هذا اليوم وصل عدة من صلى عليه من الأموات بمصلى باب النصر خاصة مائتين ونيفا وثلاثين نفرا، ومصلى البياطرة خارج بابى زويلة ما يزيد على مائة وثلاثين نفرا، وقس عليهما باقى المصلات السبع عشرة المقدم ذكرها. وفى يوم السبت العشرين منه خلع المقر الأشرف المعظمى المفخمى المشيرى الوزيرى الدودادار الكبير وأستادار العالية وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك - عظم الله شأنه وأعز أنصاره - على الصاحب مجد الدين اسماعيل بن البقرى واستقر به نائبا عنه فى وظيفة الأستادارية. وفى يوم الأحد حادى عشريه صلى بمصلى باب النصر على عدة من الأموات بلغ عددهم أربعمائة نفر وواحدا وأربعين نفرا، وقس على هذا بقية المصلات التى بالقاهرة وظواهرها، والناس يقطعون ويجزمون بأن من يصلى عليه بمصلى باب النصر من الأموات يكون عشر من يموت بالقاهرة، فعلى هذا تكون عدة من يموت بالقاهرة وظواهرها فى كل يوم أربعة آلاف إنسان وأربعمائة إنسان، ومعظم الطاعون لآن بأسفل مصر من جهة الحسينية وغيرها إلى بين القصرين، ومن جامع بابى زويلة الطاعون أخف مما تقدم. *** وفى يوم السبت سابع عشريه كان أول فصل الربيع، وفيه نقلت الشمس إلى برج الحمل، وصلى بباب النصر على أربعمائة وسبعة أنفس من الموتى، وأما مصلاة البياطرة فوصلت إلى مائتين وخمس عشرة نفسا، و [أما] مصلى المؤمنى فصلوا بها على مائة وخمس وثمانين نفسا. وفى يوم الاثنين تاسع عشريه توفى ولد الظاهر خشقدم وهو فى السادسة من العمر، وكانت له جنازة بالفقيرى.

стр. 78

وفى هذا الشهر كان الفراغ من بناء المغسل والربع الذى يعلوه بالرميلة مقابل مدرسة السلطان حسن، إنشاء عظيم الدنيا على الإطلاق المقر الأشرف الكريم العالى الملاذى مدبر المملكة ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها يشبك من مهدى أعز الله أنصاره، وإنشاؤه لهذا المغسل لأجل الأموات الفقراء والغرباء بل وغيرهم كافة، فحملوا له الخلق الأموات من كل فج، وأقام به كتابا يضبطون الأموات، وصار يغسلهم ويكفنهم ويحملهم من ماله ليدفنهم فى المقابر، فجزاه الله عن المسلمين خيرا دنيا وأخرى، ما أحسن صنيعه وأكثر بره وخيره. واستمر هذا الخير متواصلا باقيا مستمرا على الدوام. شهر رمضان المعظم قدره وحرمته أهل بيوم الأربعاء الموافق له من أيام الشهور القبطية (١) خامس فصل الربيع، وقد عظم الخطب والمصاب بما دهم الناس من الطاعون بالديار المصرية وظواهرها وضواحيها وقراها، وذلك مع شدة الغلاء المفرط أيضا بمصر والشام، غير أن البلاد الشامية كان الغلاء [فيها] (٢) خارجا عن الحد، فإن الغرارة وصلت عندهم إلى ثلاثين دينارا ثم زادت بعد ذلك حتى وصلت إلى ستة وثلاثين دينارا، على أنه بيع بحلب بأزيد من ذلك بكثير، وتزايد الطاعون فى هذا الشهر. وفى هذا اليوم صعد (٣) قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة.

стр. 79

وفيه توفى للسلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - ولد ذكر وسنه فى الثانية من العمر ولم يكن له ولد ذكر غيره، وهو من زوجته خوند بنت المجلس العلائى ابن خاص بك، مع أن السلطان - نصره الله - لم يتزوج فى عمره غيرها، ولم يتأخر للسلطان غير بنت أكبر من هذا المتوفى، سيأتى ذكرها. وفى هذه الأيام أخذ الأمير زين الدين - الأستادار كان - من بيت مخدومنا رئيس الدنيا القاضى كاتب السر ابن مزهر حفظه الله، فحبس بالبرج من قلعة الجبل، وصار هو فى برج، وغريمه موسى بن غريب فى برج آخر. وبعد العشر الأول من شهر رمضان أخذ الطاعون فى النقص قليلا بقليل بعد أن كان وصل فى اليوم الواحد إلى خمسة آلاف نفس على قول المكثر، وفى قول غيره أربعة آلاف، وكان معظم من يموت فيه من جنس المماليك وأولادهم الصغار والعبيد والجوارى والغرباء. وفى يوم الأربعاء المذكور توفيت بنت المقام الشهابى أحمد بن الملك الأشرف برسباى، وأمها أم ولد، ثم ماتت أمها أيضا فى آخر الطاعون، وكانت أختها لأبيها ماتت قبل ذلك بأيام. وبموت هذه البنت انقرضت (١) ذرية الملك الأشرف برسباى ﵀ من الوجود. ومع نقص الطاعون فالموت موجود بكثرة من أمراء وأعيان. وفى يوم الخميس ثالث عشريه توفيت بنت السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - وهى فى الرابعة من العمر ولم يتأخر له ولد غيرها مطلقا، فإنه لم يرزق غيرها و [غير] الولد الذى توفى قبلها.

стр. 80

وفيه أيضا توفى للملك الظاهر خشقدم ولد آخر ذكر وصلى عليه مع ابن السلطان، وأنزلا جميعا من القلعة، وسبب ذكر هذه الأطفال هنا لأننا لم نذكرهم فى الوفيات فى هذه السنة مع من يذكر من الأعيان، إذ لا طائل لذكرهم فى الوفيات لصغر سنهم وعدم المعرفة بحالهم. وفى هذه الأيام انحط سعر الغلال فأبيع الإردب القمح بستمائة درهم، والشعير والفول بدون الثلثمائة. وفى يوم السبت المبارك خامس عشريه ركب السلطان من قلعة الجبل فى عدة خواصه، وتوجه لبيت عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودودادارها الكبير، وما مع ذلك حفظه الله على المسلمين، فعاده لوجع اعتراه ورجع إلى القلعة. *** شوال أهل بيوم الخميس (١) ولله الحمد وقد قل الطاعون بالديار المصرية، ووصل عدد من يموت بمصلى باب النصر إلى ثمانية وثلاثين نفرا، وبمصلى المؤمنى سبعة عشر نفرا، غير أن العلة موجودة كثيرا، والموت فاش. وفيه خلع على الأمير قانباى آص الساقى الظاهرى واستقر فى الحجبة الثانية عوضا عن جكم [الظاهرى خشقدم] (٢) ابن أخت السلطان الملك الأشرف قايتباى - عز نصره - بحكم وفاته. وفى يوم السبت ثالثه قدم الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق

стр. 81

من ثغر الاسكندرية إلى القاهرة بسؤال منه للسلطان - نصره الله - فى ذلك، وإذنه له ليحج حجة الإسلام، وطلع المنصور من فوره إلى القلعة ونزل عن فرسه من باب (١) المدرج ودخل إلى السلطان بالدهيشة، واستمر السلطان جالسا (٢) على مدورته (٣) إلى أن قاربه المنصور، ووصل إلى ثلثى الإيوان قام [السلطان (٤)] إليه وأراد السلطان يعتنقه، فأهوى المنصور إلى ركبة السلطان ليقبلها والشباك عن يمينه، وجلس المنصور تجاهه والمرتبة (٥) خلفه والشباك عن يساره - وتكلما ساعة، فخلع عليه كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور وعليها فوقانى (٦) بوجهين يطرز زركش؛ ولما تم لبسه ومشى إلى نحو السلطان خطوات قام له السلطان فقبّل المنصور الأرض فنهاه السلطان عن ذلك بعد أن فعله، وعاد المنصور إلى منزله بعد أن عين له السلطان فرسا خاصا أدهما بسرج ذهب وكنبوش زركش ركبه من باب الساقية، وتوجه إلى باب الحريم فوقف هناك وأرسل السلام لخوند جهة السلطان - نصره الله -، فلما عاد ﵇ توجه لمنزله الذى نزل فيه - وهو ببيت صهره زوج أخته المقر الأشرف الأتابكى أزبك من ططخ ببين الصورين وهو مسافر مقدم العساكر لقتال شاه سوار المخذول.

стр. 82

ورسم السلطان للأمراء والأعيان بالركوب فى خدمته (١) وبين يديه، فهرعوا له زمرا زمرا وأفواجا أفواجا، ومع هذا كله لم يكن لحضور المنصور ودخوله القاهرة كبير أمر باعتبار أنهم ما احتفلوا بقدومه ولا بملاقاته بالنسبة لمقامه، فإنه فى الحقيقة أستاذهم وابن استاذهم، فانظر لهذه الدنيا وفعلها بملوكها والمغرمين بها، فسبحان الخالق المعطى الذى بؤتى الملك من يشاء، لا إله إلا هو جل وعلا. وفى الواقع فما رأينا سلطانا أعظم ولا أضخم ولا أشهم ولا أفرس ولا [أكثر (٢)] توكّلا على الله من هذا السلطان الملك الأشرف نصره الله كونه يحضر من كان سلطانا وابن سلطان بل أستاذه وابن أستاذه إلى القاهرة ويصعد إليه لقلعة الجبل، وغالب من بالبلد من الأمراء والمماليك من عتقاء أبيه ومماليكه بعد أن خلع من الملك من سابع شهر ربيع الأول من سنة سبع وخمسين وثمانى مائة كما هو مسطور فى تاريخنا (٣) المقدم ذكره. وما رأينا فى الدول الماضية من وقع له مثل هذا إلا إن كان الملك العادل كتبغا المنصورى، فإنه أيضا خلع من السلطنة ثم ولى بعد ذلك نياية صرخد (٤) ثم نيابة حماه بعدها، ثم دخل بعد ذلك وفى أثنائه مسلما على الملك الناصر محمد بن قلاون فى سلطنته الثانية فى نيابة سلار وتحدث بيبرس الجاشنكير ثم عاد إلى حماه، وقد تقدم لنا أمر كتبغا هذا مفصلا فى تاريخنا الكبير المسمى «بنزهة (٥) النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» فمن أراد الوقوف فليراجعه. وفى الاثنين خامسه خلع على الأمير يشبك (٦) من جندر الأشرفى إينال

стр. 83

أحد الأمراء العشرات، واستقر فى ولاية القاهرة عوضا عن خجداشه قانباى (١) الحسنى الأشرفى إينال بحكم وفاته بالطاعون. وفيه خلع على الأمير خشقدم [الظاهرى (٢) جقمق الرومى اللالا] الأحمدى الطواشى رأس نوبة الجمدارية عوضا عن خجداشه شاهين (٣) الساقى بأشهر، وهى شاغرة. وفيه خلع على مرجان (٤) التقوى الطواشى الحسنى شيخ الخدام بالحرم الشريف النبوى - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - عوصا عن سرور الطرباى (٥) الحبشى الخصى بحكم وفاته، ولها أيضا أشهر شاغرة. وفى يوم السبت عاشره سافر عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك يشبك من مهدى الظاهرى - مهد الله له البلاد وحفظ وجوده على المسلمين - إلى البحيرة، وصحبته عدة من أنياته ومماليك السلطان ومماليكه لقتال العربان بها الخارجين عن الطاعة وإرداعهم (٦). وفى هذا اليوم أضاف (٧) السلطان الملك الأشرف قايتباى - عز نصره - المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق عنده بالقلعة ضيافة ملوكية، وكيفية (٨)

стр. 84

الضيافة أن السلطان أرسل يعرّف المنصور بذلك، فركب المنصور من دار صهره الأتابك أزبك من بين السورين (١) وصعد لباب (٢) القلة فنزل هناك عن ظهر فرسه، ودخل ماشيا إلى باب الحوش السلطانى فجلس فيه قليلا إلى أن طلبه السلطان وجاءه الإذن بالدخول الى البحرة التى جددها الملك الظاهر خشقدم، فجلس قليلا وطلبه السلطان إلى أعلى البحرة القديمة، فبمجرد وقوع بصر السلطان - نصره الله - على المنصور قام له وجلسا بغير مرتبة، غير أن كلا منهما جلس على مقعد، ثم حضر الفطور من الأشربة وغيرها فتناولا منه المعتاد، ثم حضر السماط الملوكى المفتخر فأكلا، ولم يحضر السماط أحد من الأمراء المقدمين الألوف غير الأمير جانبك من ططخ الأمير آخور الكبير وبعض أمراء عشرات وبعض خاصكيته، ولما انتهى السماط وقدّموا المشروب من السكر وغيره رسم السلطان بكاملية مخمل أخضر بسمور بمقلب سمور ليلبسها الملك المنصور، فحضرت ولبسها وقاما واعتنقا وانصرفا، وفى الحال رسم السلطان الملك المنصور أن المركوب الذى طلب له يركبه من باب البحرة من الحوش السلطانى، فركب كما رسم وتوجه إلى منزله. ثم إن السلطان أرسل إليه يخبره فى المجاورة بمكة أو العود مع الحاج إلى الإسكندرية، فاختار العود إلى الإسكندرية، واعتل بأن الإمام الأعظم أبا (٣) حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفى ﵁ كره المجاورة بمكة. ثم إن المنصور شرع فى تجهيز نفسه للسفر، فأرسل إليه جميع الأمراء المقدمين (٤) الذين بالقاهرة - كل نفر - ألفا وخمسمائة دينار، وأرسل

стр. 85

إليه عظيم الدنيا ورئيسها ومشيرها وصاحب حلها وعقدها ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير ألفى دينار وأشياء أخر من سكر وغير ذلك. وفى هذه الأيام رسم السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - للملك الظاهر (١) تمربغا بفرس خاص مسروج يركبه عند توجهه للجامع ولغيره إذا أراد أن يسير أو يتنزه - بسؤال عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين له فى ذلك. وفى يوم الأربعاء رابع عشره طلب السلطان - نصره الله - الشيخ (٢) كمال الدين بن إمام الكاملية وخلع عليه واستقر به فى تدريس المدرسة المجاورة لضريح سيدنا الإمام الشافعى ﵁ من غير سعى منه فى ذلك بنفسه، غير أن العلائى ابن خاص بك (٣) وجوهر المعينى الساقى وغيرهما تكلموا عند السلطان فى ولاية الكمال، فإنه من أعز أصحابهما وجارهما ويترددون إليه ويتردد إليهما عوضا عن زين العابدين (٤) ولد قاضى القضاة شرف الدين يحيى (٥) المناوى الشافعى بحكم وفاته. وفى يوم الإثنين تاسع عشره خرج أمير الحاج - بالحجاج من القاهرة - وهو الأمير (٦) يشبك الإسحاق الأشرفى الأمير آخور الثانى المعروف

стр. 86

والمشهور بيشبك جن بعد أن خلع عليه الخلعة المعتادة، وخلع على أمير الأول (١) - وهو يشبك الجمالى (٢) - محتسب القاهرة. وحج المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق فى هذه السنة كما قدمنا ذكر ذلك فى تقدمة الركب الأول بعودين، وقبل توجه المنصور للسفر صعد لمولانا السلطان - نصره الله - فاستضافه السلطان ثانيا وخلع عليه كاملية السفر، وتوجه بها لبركة الحاج صحبة الحجاج، فكان طلوعه إلى السلطان فى هذه السفرة ثلاث مرات. وفى يوم الإثنين سادس عشريه الموافق له من أيام شهور القبط (٣) ثالث عشر بشنس لبس السلطان الملك الأشرف - نصره الله - القماش الأبيض، المعد لبسه للصيف على العادة فى كل سنة، من غير موكب، وهذا بخلاف عادات الملوك، فإن العادة لا يلبس السلطان ذلك إلا فى يوم الجمعة عند دخوله إلى الصلاة بموكب وبمطعم (٤) الطير خارج القاهرة عند الريدانية بموكب عظيم، فلم يكترث السلطان بذلك ولا التفت إليه، ولبس سلاريا بعلبكيا فى قاعة الدهيشة وخرج به إلى الحوش السلطانى. وفى يوم الخميس تاسع عشريه وصل إلى القاهرة من البلاد الشامية المقر الشرفى الأنصارى، وتمثل بين يدى السلطان نصره الله، وأخبره أنه استخدم الرجال من البلاد الشامية من العشرات والمشاة والتركمان وغيرهم: نحو خمسين ألفا، وقيل أقل من ذلك والله أعلم، وأنفق عليهم الأموال وسيرهم صحبة

стр. 87

العسكر المنصور المتوجه لشاه سوار المخذول، فشكره السلطان وأكرمه وسأله عن حال البلاد والعباد فذكر له ما شاهد وسمع ورأى، فطلب له السلطان كاملية صوف وفرجية سمور بمقلب سمور، فخلعها (١) وتوجه لداره وفى خدمته أعيان الدولة ورؤساؤها، وهرع إليه الناس يهنئونه (٢) بسلامته وعافيته. ذو القعدة فيه صعد قضاة القضاة ونوابهم وكنت معهم للقلعة لتهنئة السلطان نصره الله بالشهر على العادة، فهنّوا ودعوا وانصرفوا. وفى يوم الأحد ثانيه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - أعز الله أنصاره وأدام ملكه أبد الآبدين - من القلعة فى جمع يسير من خواصه بغير قماش الخدمة ولا سلاح، وتوجه إلى قليوب ثم إلى غيرها، ثم توجه إلى جسر بنى منجا فرآه وعاد إلى قبة (٣) النصر فنزل بقبّة عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وأستاداراها المعظم المفخم يشبك من مهدى الدوادار الكبير - مهد الله له البلاد والعباد وحفظه على الإسلام والمسلمين - وأقام بها إلى العصر وصعد إلى القلعة، فتعجب العسكر السلطانى من جنان هذا الملك وقوة قلبه وعزمه وحزمه وإقدامه: كيف توجه إلى هذه الأماكن ولم يستعد بسلاح، والصحيح عندى أن هذا السلطان - نصره الله - متوكل

стр. 88

على الله فى جميع أموره، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه عند ذكره لركوب السلطان: «ولم يشكر أحد فعل السلطان لتوجهه إلى هذه المسافة البعيدة من غير استعداد ولا مماليك» انتهى. وفى يوم الخميس سادسه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه فى نفر يسير جدا، فسير إلى جهة من الجهات البعيدة ثم عاد إلى القلعة، وعندى أن مولانا السلطان - نصره الله - ليس عنده أعز من الركوب والتنزه ولا يبالى بأحد ولا يخاف إلا الله وهو حافظه ومعينه، وسبب هذا الركوب أن السلطان فى أمر عظيم بسبب هذا الخارجى (١) الوضيع الذى ليس له ذكر فى القديم ولا لآبائه، وقد صدر منه (٢) كسر العسكر المصرى والشامى وبهدلته ونهبه وقتل جماعات من أعيانه، فما شاء الله كان. وفى يوم الجمعة سابعه وصل هجانى من الأتابك أزبك من ططخ مقدم العسكر المنصور للسلطان - نصره الله - مضمونه على ما بلغنى بالمعنى «بعد تقبيل الأرض والدعاء للسلطان أن العساكر المنصورة فى استظهار على عسكر شاه سوار المخذول، وأنهم ملكوا باب الملك وغيره من بلاد سوار، والنصر والظفر يكون عن قريب إن شاء الله تعالى». وفى يوم الاثنين عاشره قدم إلى الديار المصرية الطواشى الحبشى المدعو سرور رسولا من ابن قرمان الذى هو الأمير شهاب الدين أحمد وعلى يده كتاب مرسله، مضمونه «الدعاء للسلطان، وأنه من جملة مماليكه، وأنه لا غنى له عن ملاحظة السلطان نصره الله»، وقدم هدية من مرسله، فقبلها السلطان وأكرم القاصد ورحب به وأنزله فى دار وأجرى عليه ما يليق به،

стр. 89

واستمر مقيما بالقاهرة إلى بعد عشر شهر الله المحرم من سنة أربع وسبعين وثمانى مائة، [ثم] جهزه (١) مولانا السلطان - نصره الله - إلى مرسله بعد الإنعام عليه، والهدية السنية لمن أرسله. *** وفيه وصل للسلطان كتاب من نائب قلعة حلب يتضمن أنه ورد عليه الأمير إينال [اليحياوى] (٢) الأشقر الظاهرى [جقمق] (٢) يخبر فيه أنه واقع شاه سوار هو وجماعة من النواب وبعض عساكر المصريين، وحصل بينهم وقعة عظيمة هائلة، قتل (٣) فيها الأمير خيربك البهلوان الأشرفى - أحد (٤) أمراء دمشق - وجماعة من المماليك السلطانية قليلون، وانهزم شاه سوار، وقتل معظم أصحابه وعوّق (٥) بعضهم فى نهر جهان (٦)، وأخبر أيضا بالقبض على أخيه مغلباى وسليمان بن دلغادر، وأن شاه سوار لما هرب قطع الجسر الذى كان على النهر المذكور، وأن العسكر مهتمون بأمره ولحاقه حيث ذهب، ثم وصل كتاب المقر الأشرف العالى الأتابكى أزبك من ططخ مقدم العساكر يذكر فيه معنى ما ذكر مع اختلاف اللفظ، والمعنى متحد. وفى يوم الأربعاء عاشره ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الموكب، مع أن السلطان - نصره الله - من يوم جهز العساكر لقتال شاه سوار لم يعمل

стр. 90

موكبا بالقصر إلا فى كل حين لأمر من الأمور، وتوجّه إلى ناحية طرى (١)، وأقام هناك ساعة كبيرة ثم عاد إلى القلعة. وفى يوم الخميس ثالث عشره وصل من الأتابك أزبك - مقدم العساكر - نجابان (٢) وصحبتهما رأس مغلباى الأقطع أخى (٣) شاه سوار، وأخبرا أن صاحب الرأس المحضرة صحبتهم مات من جراحات أصابته ورأسين أيضا معه، فطيف بها وعلقوا الثلاثة رءوس بباب النصر أياما كثيرة، وسأل السلطان - نصره الله - من النجابين عن العسكر فذكرا أنهم تبعوا شاه سوار حيث توجه، وأنهم ينهبون بلاده ويخرّبون ضياعه ومنازله وقراه. وفى يوم الأحد المصبح (٤) عن سادس عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وسافر لجهة البحيرة على حين غفلة، ولم يعلم أحدا بنزوله ولا بسفره إلى بعد عشاء الآخرة، فعدّى النيل بعد العشاء من بولاق وسافر من فوره، وصار (٥) الخلق يتبعونه أفواجا أفواجا وأرسالا أرسالا، ولم يعلم أحد من المسافرين والمقيمين أين يقصد السلطان ولا أين يريد، ومجموع من توجه من العسكر على قدر الثلث من القاهرة، فإن السلطان ليس معه من الأفراد المقدمى (٦) الألوف غير الأمير برقوق الناصرى، واستمر السلطان سابقا بعسف وسوق وسرعة حتى وقف بل هلك كثير من الخيول والركاب، حتى وصل

стр. 91

إلى النجيلة حيث أقام عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وأستادارها المقر الأشرف الكريم العالى يشبك من مهدى حفظه الله على المسلمين، فدخل عليه ليلا وهو نائم على غفلة، فذعر الأمير يشبك المذكور لما رآه ثم سكن خبره وأقام (١) عنده يومين وتوجه إلى جهة الغربية وقدمت له التقادم فقبلها، وأقام دون الثلاثة أيام ثم رجع إلى جهة الشرقية، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «ولم يظهر لسفره فى هذه الأقاليم الثلاثة نتيجة بل شمل الخراب غالب قراهم من النهب والكلف، ولم يفتكوا بمفسد، ولا ردعوا (٢) قاطع طريق، بل كان دأبه أخذ التقادم والانتقال من بلد إلى آخر (٣) من غير فائدة بل الضرر الشامل، فلما علم (٤) المفسدون منه ذلك طغوا فى الناس وزاد شرهم وقطعوا الطريق وخافوا السبيل حنى أن بعضهم كان يفعل ذلك بقرب وطاق السلطان مع بعض حواشيه وأعوانه، وهو فيما هو فيه، فوقع بذلك غاية الوهن فى المملكة وأيس (٥) الناس من ظلم العرب لهم وقالوا «إذا كان السلطان ما أزال ذلك عنا فمن بقى يزيله؟» انتهى كلام الجمال يوسف. قلت هذا الذى ذكره الجمال مردود من وجوه، لأن السلطان - نصره الله - إذا توجه بنفسه إلى بلد أو قرية ضرورة أن أهل تلك البلاد من المفسدين وغيرهم يفرون (٦) منه، فإن الكاشف أو الوالى إذا قصدهم يفرون منه فضلا عن السلطان، بل سفره طمن البلاد والعباد نصره الله. هذا والعسكر الذين صحبة السلطان يرسلون قصادهم للقاهرة بطلب الأفوات. وطالت إقامة

стр. 92

السلطان نصره الله بالشرقية. وفرغ الشهر والسلطان غائب عن القاهرة نصره الله. ذو الحجة أهلّ بالأحد (١). ففى يوم الأحد بل الثلاثاء ثالثه حضر المرسوم الشريف السلطانى عز نصره إلى القاهرة المحروسة بطلب قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى (٢) الشافعى ليصلى بالسلطان عيد الأضحى بمدينة فارسكور (٣)، فبادر قاضى القضاة وسافر وحمل معه للسلطان من السكر أربعة قناطير، ومن الحاوى أشياء أكثر من السكر. وفى عاشر ذى الحجة الذى هو يوم عيد الأضحى أخذ أمين النيل أبى الرداد قاع البحر فجاءت القاعدة (٤) - أعنى الماء القديم وما أضيف إليه من زيادة هذه السنة - خمسة أذرع واثنين وعشرين إصبعا، وعيد

стр. 93

السلطان بفارسكور وخطب به قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى كما تقدم ذلك، هذا والناس بالقاهرة فى أمر مرتج وقلق عظيم لعظم الغلاء ومخافة السبل والطرق، والمصيبة العظمى حزنهم على من مات لهم بالطاعون قبل تاريخه، والزيادة على ذلك قطع أضاحى الناس لسفر السلطان لأن المباشرين قطعوا غالب الأضحية، ولم يفرّق أحد (١) فى هذه السنة من الرؤساء والأمراء شيئا من الأضاحى اقتداءا بغيبة السلطان نصره الله، وكان هذا العيد أشبه الأشياء بالمأتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر، وافتقر بسبب هذا الغلاء خلائق من الأعيان وغيرهم لطول مكثه بالديار المصرية، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «هذا والسلطان دائر بتلك الأقاليم فى هوى نفسه، وأنه أخذ الأموال والتقادم من الناس حتى من كبار فلاحى البلاد، ويتوجه بنفسه إليهم حتى يأخذ تقدمتهم، ولم يكن فى سفرة السلطان هذه مصلحة من المصالح بل المضرة الزائدة ولا سيما على الفلاحين وأهل القرى، فإنهم شملهم ضرر الأعوان والضّرّيّة لأخذ الأحطاب، وكانوا إذا لم يجدوا حطبا أخذوا أبواب البيوت، وفعلوا ذلك بغالب الأرياف والطواحين وبالغوا حتى قالوا فعلوا ذلك بأبواب المساجد» انتهى كلامه. قلت أقسم بالله لولا وجود هذا السلطان - نصره الله - فى الوجود وحرمته التى ملأت الأقطار والأمصار ودو سه البلاد وإرساله التجاريد ويقظته التامة لرأى الناس - والعياذ بالله - الموت عيانا. وفى يوم الاثنين سادس عشره وصل الخبر للسلطان على جناح الطائر بأن قاصد حسن بك بن قرايلك الواصل إلى القاهرة صحبته رأس بوسعيد (٢) ملك

стр. 94

العجم والتتار، فتعجب الناس لذلك لعظم مقام بو سعيد وكثرة عساكره. وكان بو سعيد هذا قد جاء نجدة لحسن بن على بن جهان شاه لينصره على حسن بك بن قرايلك، ووصلت الرأس بعد ذلك مع القاصد وعرضت على السلطان وأراد المشاعلى أن يطوف بها فى شوارع القاهرة فمنعه السلطان من ذلك وأمر بدفنها، فدفنت. وفى يوم الأربعاء ثامن عشره عاد السلطان من سفره ونزل بالمطرية وتغدى بها، وركب فى آخر النهار وتوجه إلى الريدانية وبات بها، وقد تقدم قول الجمال (١) أن السلطان لم يبتّ أمرا فى هذه السفرة ولا ردع قاطع طريق ولا زبر مفسدا فيكذبه الحس والنقل، فإن السلطان - نصره الله - سلخ ابن سعدان قبض عليه بمدينة فوة قبل تاريخه بأشهر، ثم إن السلطان نصره الله لما عاد إلى جهة القاهرة ونزل على قرية جنين قبض على مهنا بن عطية وحمزة القرقاوى وضربهما بالمقارع، ووعد البلاد وأهلها أن يولى عليهم الأمير برقوق الناصرى أحد مقدمى الألوف كشف التراب بالشرقية ويضيف له كشف الدم، وأن برقوق يقيم له نائبا فى كشف الدم، ووفى لهم بالوعد بعد حضوره القاهرة. وتوجه برقوق إلى الشرقية فأقام له نائبا فى كشف الدم يسمى جانم، فمهد له البلاد وأقمع المفسدين وصنع مع المسلمين ما ينفعه عند الله دنيا وأخرى، كما سيأتى ذلك مفصلا فى محله إن شاء الله تعالى. والمقصود أن السلطان لما أصبح بالريدانية فى بكرة يوم الخميس ركب بقماش الخدمة والموكب، وكان له موكب عظيم إلى الغاية والنهاية، وحمل على

стр. 95

رأسه القبة (١) والطير الأمير برقوق أحد المقدمين الألوف، ولبس السلطان فوقانيا أبيض (٢) بعلبكيا بطراز أسود، وتقلد بسيف مسقط بالذهب، وركب فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورقبة الفرس عليها الزركش على العادة، وحملت الغواشى (٣) بين يديه وركب معه قضاة القضاة الأربعة ونوابهم وكنت صحبتهم، وسار فى هذا الموكب العظيم الضخم حتى دخل من باب النصر ففرشت له الشقق الحرير تحت رجل فرسه ونثر على رأسه الذهب والفضة، وكان لدخوله يوم (٤) مشهود وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه «وكان الدعاء له قليلا، وإنما غالب ازدحام الناس للفرجة». قلت: أنا شاهدت الركبة وركبت فيها مع نواب قاضى الحنفية المحب ابن الشحنة ورأيت العالم يبتهلون ويدعون للسلطان بدوام البقاء والعلو والارتقاء، ووافق أن قاض حسن بك بن على بك بن قرايلك وصل إلى الريدانية، فبلغ السلطان ذلك فأمر أن يتوجه به إلى مدرسة الأشرفية برسباى التى بخط العنبرانبين ليجلس بها وينظر موكب السلطان ليخبر به أستاذه وعسكره ففعلوا به ذلك، وحين صعود السلطان إلى القلعة وجلوسه على الدكة بالحوش السلطانى وافاه قاصد حسن المذكور فقبل الأرض بين يديه وأخرج رأس بوسعيد المقدم ذكره فرآها السلطان فأمر بمواراتها التراب إجلالا لأبى سعيد وكونه من ملوك الإسلام العظماء ومن ذرية ملوكها. وكان كتاب حسن بك بن قرايلك مكتوبا

стр. 96

بالفارسية وفيه ألفاظ مكتوبة بالذهب تتضمن أمره مع بوسعيد، وأوسع وأرعد وأبرق، وغالب ألفاظه كذب، غير أن قتل بوسعيد صحيح. وأما كيفية قتله على الحقيقة فلم أقف عليها لا أنا ولا غيرى لبعد المسافة، لكننا نذكر فى ترجمته عند الوفيات ما وصل إلينا علمه. ثم خلع السلطان على القاصد المذكور كاملية سمور بمقلب سمور بعد أن رحّب به وأكرمه وأنزله فى دار عيّنها له وأجرى عليه الرواتب، ثم بادر وخلع على الأمير برقوق بكشف تراب الشرقية وكشف الدم وقد قدمنا ذلك، والله المولى والمالك. وفى يوم الاثنين ثالث عشريه وصل الخير من البلاد الشامية على يد ساعى ونجاب بوصول العسكر المصرى والشامى وغيرهما من بلاد شاه سوار إلى حلب، فاضطرب الخلق أجمعون وكثر الكلام فى ذلك، فلما أصبح يوم الثلاثاء رابع عشريه قدم الأمير تنبك الظاهرى أحد أمراء العشرات والرؤس النوب، وهو أحد من كان بالتجريدة صحبة العسكر، وأخبر بوصول العساكر إلى حلب وبقتل جماعات كثيرين من الأمراء المصريين والشاميين والخاصكية وغيرهم، يأتى ذكرهم فى وفيات هذه السنة إن شاء الله تعالى. و [أما] رجوع العسكر إلى حلب ففيه أقوال، والقريب منها هو أن العسكر المصرى لما خرج من حلب وتوجه إلى بلاد شاه سوار حصل منهم إتلاف الزروع وخراب البلاد والضياع من رعى المراعى، ثم إنه بعد أيام كثيرة واقع شرذمة من العسكر المصرى والشامى أعوان شاه سوار بل [واقعهم] هو بنفسه فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب شاه سوار فنجى بنفسه، وقبضوا على أخويه مغلباى وسليمان بن دلغادر الأقطع، ولو كان ثم أحد تبع سوارا فى هربه للحقه، غير أن القوم تقاعدوا عنه لأمر أراده الله

стр. 97

فى الأزل، ثم تبعوه بعد ذلك فلم يقفوا له على خبر ولا أمر، وقالوا إنه دخل إلى جبل القرص (١) وقيل دخل إلى الروم؛ وشرع (٢) العساكر بعد ذلك يفعلون فعلهم الأول من خراب البلاد والضياع ورعى المرعى وأخذ أموالهم وانتقالهم من موضع إلى آخر، حتى شمل الخراب غالب بلاده، ووقع الغلاء والقحط فى العسكر فجهدوا وأبيعت البقسماطة بثلاثة دراهم فضة، والعليقة من الشعير بأشرفى من الذهب، ووصل نعل الفرس إلى دينارين، ومات من المشاة عدد كثيرون فى كل يوم، فعند ذلك اجتمعت آراؤهم على عود العسكر إلى حلب فعادوا منصورين مؤيدين إلى أن وصلوا إلى مكان فيه طريقان (٣): طريق سهلة واسعة فيها بعيض بعد، وطريق ضيقة وعرة لا تسلك إلا شدة وفيها مخارج كثيرة يعرفها شاه سواه وعساكره، فاختار الأتابك أزبك التوجه من الطريق الضيقة فنهوه فلم ينته، وسار بقية القوم من الطريق الواسعة فلم يلقوا شرا. وأما الأتابك أزبك والعساكر فأول من اجتاز منهم الطريق الضيقة إينال (٤) الأشقر نائب حلب وسلم، وانجرّت العساكر بعده شيئا بعد شئ، وبينما هم فى المضايق دهمهم شاه سوار على حين غفلة فعرقب الجمال السائرة بأحمالها، فاستدت الطرق وقاتل، وقاتل من بقى من العسكر يوما وليلة، وتوجه الأتابك أزبك إلى إحضار نجدة ممن ساروا فى الطريق الواسعة فلم يعودوا، وقاتل من بقى مع الأمير قرقماس أمير مجلس حتى قتلوا، وقتل الأمير قرقماس

стр. 98

المذكور ومعه جماعة من الأمراء المصريين والشاميين يأتى ذكرهم فى وفيات هذه السنة إن شاء الله. ثم انهزم شاه سوار وسدّ الطريق بينه وبين من بقى معه من العسكر وكانوا شرذمة قليلين (١) حتى لا يتبعوه، وأقام من بقى من العسكر هناك يوما أو يومين ثم توجّه الجميع إلى حلب وقد سلم من لا قاتل، ودخل العسكر إلى حلب فى غاية القلة والجهد والتعب والنصب والوصب، فلم يطيقوا الإقامة بها - أى بحلب -، وخرجوا منها بغير إذن السلطان وعادوا إلى مصر خفية بل جهارا، وكان السلطان أراد يرسل رأس نوبة الجمدارية إلى حلب لينفق فى العسكر جامكية أربعة شهور وعليق أربعة شهور، فتوجه (٢) إلى حلب فلم يجد بها غير أمراء الألوف لا غير، فرسم على لسان السلطان بالإقامة بحلب، وعاد مكس المذكور فوصل إلى القاهرة فى أواخر المحرم بعد أن ناله من العساكر سب كثير ولعن جزيل كونه أمرهم بالإقامة، فما شاء الله لا قوة إلا بالله. وانقضت هذه السنة بعد أن قاسى الناس فيها شدائد وبلاء ومحنا وإحنا من عظم الغلاء وكثرة الطاعون والفتن وخوف السبل والطرق والأراجيف بكل لسان، بحسب مقامه وحاله. *** أمر النيل: الماء القديم فى هذه السنة خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعا، ومبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثمانية أصابع ولله الحمد والشكر على ذلك.

стр. 99

ذكر من بلغتنا وفاته فى هذه السنة من الأعيان ١ - بيبرس بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى برسباى، خال الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباى، وكان قد بلغ الستين من العمر تخمينا، وهو غير شقيق (١) خوند جلبان والدة العزيز المذكور، لأن صاحب الترجمة أخوها لأمها، وقرّبه الأشرف فى دولته فجعله خاصكيا فمشى مشيا حسنا مع الناس (٢) فلم يمتحن بعد أستاذه لعدم شره، وقربه الظاهر جقمق مع بعد الأشرفية ونفيهم والتنكيل بهم من السجن والضيق، واستقر به فى إمرة عشرة ثم نقل منها إلى إمرة طبلخاناه فى دولة الأشرف إينال، ثم ترقى فى دولته أيضا الى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم ولى حجوبية الحجاب فى سنة أربع وستين وثمانى مائة عوضا عن برسباى (٣) البجاسى بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى بعد موت يونس العلائى [الناصرى فرج (٤)] بالطاعون، فاستمر فى الحجوبية الى أن توفى الملك الأشرف إينال وتسلطن الملك المؤيد أحمد، ثم خلع وتسلطن بعده الملك الظافر خشقدم فنقله إلى وظيفة رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير قانم (٥) من صفر خجا المؤيدى بحكم انتقاله إلى إمرة مجلس عوضا عن الأمير قرقماس الجلب الأشرفى المنتقل إلى إمرة سلاح عوضا عن الأتابك جرباش (٦) المحمدى المنتقل إلى الأتابكية عوضا عن الملك الظاهر خشقدم، فلم تطل مدته وقبض عليه فيمن قبض عليه من

стр. 100

من الأشرفية برسباى بواسطة جانبك القصير شاد بندر جدة الذى استقر دوادارا كبيرا فى دولة الظاهر خشقدم فلم تطل مدته، وكان القبض على صاحب الترجمة فى يوم الخميس سادس عشرى ذى الحجة سنة خمس وستين وثمانى مائة، وحبس بالاسكندرية مدة ثم أفرج عنه ورسم له بالإقامة بالقدس بطالا، فدام إلى أن مات فى أواخر شهر رمضان من هذه السنة. وكان أميرا ساكنا عاقلا شكلا حسنا لا يعرف الشر أصلا، غير أنه كان منهمكا فى الملذات الدنيوية التى تهواها النفوس، وهذا دأبه فى عمره كله، وأسف عليه خجداشيته وغيرهم وذكروه بكل خير وجميل. رحمه الله تعالى. ٢ - تنم (١) بن عبد الله الحسنى الأشرفى برسباى نائب حماة ، أحد الأمراء المقدمين الألوف بحلب، وكان من خواص الملك الأشرف المذكور وسقاته وحصل عليه بعد موت أستاذه محنة فسجن وأطلق، ثم عاد أمره إلى أن تأمّر عشرة فى أوائل دولة الملك الأشرف إينال وصار من جملة رؤس النوب، ثم استقر فى وظيفة رأس نوبة ثانيا فى دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم نقله إلى نيابة حماة، ثم نقله منها إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بحلب، وياله من عمل صالح يدفعه الله إلى أسفل، فلم تنتج له إمرتها وتمرّض فطالت علته، ومات - عفى الله تعالى عنه وهو (٢) فى عشر السبعين، وقد أنقى شعر لحيته - بحلب فى عشر جمادى الآخرة، وكان أميرا جليلا قليل الشر بل عديمه، كثير الخوف على نفسه فمشى مشيا حسنا، عفا الله عنه. ٣ - حسن بن بغداد بدر الدين، شيخ العربان ببعض إقليم

стр. 101

الغربية ببلده المسماة بمحلة المرحوم، [مات] (١) فى جمادى الأولى من هذه هذه السنة بعد ما عمر وخلف عدة أولاد، ويتّهم بمال جزيل، وأخذ السلطان منهم ما أرضاه وترك لهم الذى (٢) لا يعرف له أصلا، واستراح وقدم على ما قدم، عفا الله عنه. ٤ - حسين بن محمود بدر الدين الأصبهانى العجمى الشافعى الرافعى (٣) ، الشيخ الصالح الملك القدوة الربانى نزيل مدينة النحرارية من الوجه البحرى من أسفل مصر، وكان قد أنشأ بها زاوية واجتمع عنده بها مريدون (٤) وفقراء، وهرع إليه خلائق ومعتقدون، وهو أحد الأفراد الذين أدركناهم، [كان] عفيفا صالحا جميل السيرة قليل التردد لأكابر البلد وأصاغرهم وأوساطهم، منقطعا إلى الله تعالى مع ملازمته العبادة والأوراد والأذكار، كثير التواضع سخىّ النفس، ويحكى عنه فى بداية أمره سياحات وأحوال، وطاف البلاد شرقها وغربها حتى دخل بلاد الكفر والحبشة وجال فى الأقطار ودخل الهند وركب بحر الظلمات وبلاد الترك، وكان أقل غيبته عشرون سنة. وكان حلو النادرة حسن المحاضرة والمفاكهة والمذاكرة، لطيفا كيّسا رضىّ الأخلاق، وله مكارم أخلاق، وكان يروى لمن يحضر عنده ويذاكره عن أعاجيب ما اطّلع عليه فى البر والبحر والأسفار بالجملة وبالتفصيل، فكان عظيم الشأن، شامة فى أبناء جنسه، نفعنا الله به وبأوليائه. آمين. ٥ - جوهر بن عبد الله، الأمير صفى الدين اليشبكى الهندى المعروف

стр. 102

بالتركمانى الزمام (١) والخازندار، وفى معتقه أقوال: ادعى هو أنه عتيق الأمير يشبك (٢) الجكمى الأمير آخور الكبير، لكن المشهور أنه عتيق أخت يشبك المذكور زوجة الأمير آقبغا (٣) التركمانى، ولذلك عرف بالتركمانى، ثم قاسى الدهر ألوانا حتى اتصل بخدمة بيت السلطان، وانتقل حتى صار شاد الحوش السلطانى من قلعة الجبل، ثم نقل إلى وظيفة الزمامية والخازندارية عوضا عن لؤلؤ (٤) الأشرفى على مال بذله فى ذلك واستقرّ وعظم وضخم، ودام على ذلك إلى أن مات بعد تمرّضه أشهرا فى ليلة الجمعة المصبحة عن مستهل جمادى الأولى من هذه السنة. وكانت له جنازة حافلة، وحضر السلطان - نصره الله - الصلاة عليه بمصلى المؤمنى ودفن بالصحراء، كل ذلك قبل صلاة الجمعة، وقد ناهز الستين من العمر، وكان إلى الطول أقرب من القصر، وكان قد دهمته السعادة فإنه ليس له أصل ببيت السلطان، وكان كثير الجوارى والنسوان ويشتريهن (٥) فيصرن فى بيته هيئة الزوجات. وقال الجمالى يوسف بن تغرى بردى: «ولم يكن فيه فضيلة فتذكر، ولا أصل ببيت السلطان فتعرف أحواله، ولكنه من صغار الخدام فنالته السعادة بهاتين الوظيفتين إلى أن مات، وما أظنه خلّف كثير مال، وإنما خلّف البستان الذى أنشأه بقرية دموه (٦) من أعمال الجيزية، وكان يحب المنادمة والبسط والمدام». عفا الله عنه.

стр. 103

٦ - جكم بن عبد الله الأمير سيف الدين الظاهرى [خشقدم (١)] ، أحد أمراء الطبلخانات والحاجب الثانى الذى يسمى أيضا حاجب ميرة وابن أخت السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره. أصله من مماليك الظاهر خشقدم وأمّره وصار من الأمراء العشرات، وكان له اسم فى دولته وصولة، وارتقى فى دولة قريبه الملك الأشرف إلى ما تقدم ذكره، وصار له سمعة وكلمة، ومات بالطاعون فى يوم الخميس ثالث عشرى شهر رمضان وسنّه نحو ثلاثين سنة، وصلّى السلطان عليه والعسكر بمصلى المؤمنى. وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه فى الحوادث: «كان من مساوئ الدهر، وفى الجملة لا تقل مات الأمير بل قل نفق الحمار». انتهى كلامه. سامحه الله. ٧ - جان بلاط بن عبد الله الأشرفى أحد أمراء العشرات ، وكان بلاط هذا من مماليك الملك الأشرف إينال وخواصّه وجلبانه الخوارج، وصيّره ساقيا فى أيامه، وفتك وصنع صنيع أغواته (٢) وخجداشيته، وامتحن بعد أستاذه ونفى من الدّيار المصرية، وخرجت إمرته واستمر إلى أن تسلطن الملك الأشرف قايتباى فأنعم عليه بعد أن طلبه لحضرته الكريمة بإمره عشرة، فدام عليها إلى أن مات بالطاعون فى يوم السبت سادس عشرى رمضان من هذه السنة، وكان طوالا مليح الشكل جميل الهيئة، عنده بعض حشمة وآداب بالنسبة لخجداشه (٣) وأغواته.

стр. 104

٨ - سرور بن عبد الله الحادم الطواشى الحبشى الطرباى ، كان خادم الأمير طرباى الأتابكى [الظاهر برقوق (١)] كما ذكر لنا، وقال الجمال يوسف ابن تغرى بردى: «أصله من عتقاء شخص يسمى طرباى لا أعرفه، لعله كان من الأجناد، ثم اتّصل بخدمة بيت السلطان وصار جمدارا من جملة الجمدارية وغيرهم، وتنقل وترقى إلى أن ولى مشيخة الحرم النبوى - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - واستمر به سنينا إلى أن كبر سنّه، وكان له سنين ببيت السلطان» انتهى كلامه. قلت: كان تبع جمدارا من سنة خمس وعشرين وثمان مائة، وكان دينا خيّرا محافظا على الصلوات المفروضات وسننها، وله أذكار، ويدعى عفة وصيانة ورأينا منه ذلك، وكان بينى وبينه صحبة باعتبار أن والدى ﵀ كان له عليه حوالات من جهة ديوان الدولة، فإنه كان يستأجر من الوزير بلادا بالجيزية ويعجل بإجارتها فى وزارة الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ والصاحب أمين الدين إبراهيم ابن الهيصم (٢)، وكانت معاملته حسنة، زهرا فى نفسه وملبسه ومركبه وبيته، ويواظب التوجه لجامع الأزهر، واستمر شيخ الحرم فدام به إلى أن توفى يوم الخميس العشرين من صفر فى هذه السنة وبه دفن، وتعصب عليه الجمال يوسف بن تغرى بردى فقال: «مات لوالدى خادم حبشى من خدام الحرم الشريف، وذكر الخادم فى وصيته ما عليه من الديون وذكر أنّ له عند سرور هذا مائة دينار قرضا هذا كلامه ومن خطه نقلت، فأنكر سرور ذلك وقال: ماله عندى شئ، وكان الخادم غير كذوب لا سيما الشخص يريد عند موته خلاص ذمته وكيف يدعى بما ليس له». انتهى كلامه فليتأمل. ٩ - شاهين بن عبد الله الطواشى الرّومى الظاهرى جقمق المعروف بشاهين

стр. 105

غزالى، الأمير سيف الدين رأس نوبة الجمدارية، وأصله من خدام الأمير فارس (١) نائب قلعة دمشق، فلما سافر الأمير جرباش المحمدى المشهور بكرد (٢) الناصرى إلى البلاد الشامية فى سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة، وعلى يده تقليد بعض نواب البلاد بدمشق رآى صاحب هذه الترجمة عند فارس المذكور فابتهج به، وأعجبه جماله وحسن صوته وشكالته وقامته وهيفه، وصار ذلك فى نفسه، فلما عاد إلى القاهرة أعلم الملك الظاهر جقمق - رحمهما الله - به فطلبه من سيده. فأرسله مع تقدمة معه، فقبله الملك الظاهر وأعتقه واستقرّ به خازنا، ثم صيّره ساقيا فدام على السقاية إلى دولة الملك خشقدم رأس نوبة الجمدارية بعد عزل خجداشه خشقدم الأحمدى، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك الأشرف - عز نصره - فناله منه بعض خوف فى الباطن». انتهى كلامه. وتوعّك صاحب الترجمة ومرض فى شهر ربيع الآخر، وطال مرضه إلى أن مات فى ليلة السبت ثامن جمادى الأول (٣)، ودفن من الغد، وحضر السلطان الصلاة عليه هو وغالب العسكر، وكان قد قارب الخمسين من العمر. وكان صاحب هذه الترجمة من أجمل أبناء جنسه وجها، وأطولهم قدا ويدا وأعذبهم لفظا، وأكثرهم أدبا وتواضعا، وأفصحهم لسانا وأحسنهم تذكرة، وبالجملة فإنه عديم النظير سيما على ما يقال إذا انشرح وانبسط، وكان منهمكافى

стр. 106

اللذات النفسانية ويحب السماع الحسن، وقد هام (١) فيه الشعراء ومدحوه وقالوا: «شاهين غزالى» (٢) فصار لا يعرف إلا بذلك وترنموا فيه؛ وكان فى الواقع كل من رآه يكاد أن لا يفارقه لحسن مداعبته، وكان يعاشر ابن رمضان الذى استقر فى التحدث على مكوس جدة وغيره، ويحب البسط ولا يفارقه، عفا الله عنه. ١٠ - شاذبك بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى [برسباى] ، أحد الأمراء المقدمين الألوف بدمشق وأمير حاج المحمل الشامى المشهور والمعروف بشد بك بشق، وأصله من صغار مماليث الأشرف برسباى، وأخرج بعد موت أستاذه إلى البلاد الشامية، وتنقل فى عدة ولايات بالعالى والنازل، و [صار] يتعطل أمره فيما بينهما غير مرة، ويصير بطالا ثم يرجع إلى وظيفته، إلى أن استقر أمره فى آخر عمره على إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، وأميرا على المحمل (٣) الشامى، ودوادارية السلطان أيضا بها (٤)؛ ومات وهو عائد من الحج بالقرب من مدينة الكرك (٥) فى أواخر المحرم وقد ناف على الخمسين عاما، وكان متوسط السيرة فى ولايته وأحواله، وخير الأمور الوسط. ١١ - عبد القادر بن محمد الوفائى (٦) المادح والواعظ المنشد المطلوب ،

стр. 107

كان آية من آيات الله وعجبية من عجائب الله فى شبيبته من حسن الصوت والنغمة حتى يضرب بحسن صوته المثل، وشاع ذكره بذلك غربا وشرقا، فلما بلغ الحلم انقطع صوته بالكلية، ثم بعد حين فتح الله عليه وصار قطيعا داخلا من كثرة الطرب الذى يأتى به وحسن الأصول، وكان له نظم سافل، وإذا طرب صفق بيديه وتتحرك جميع أعضائه، وله تنسّك يخالطه بعض (١) تهتك، مع ثقل فى مجالسته لا سيما لما يتصرف، ومع هذا كان نادرة (٢) بعد شهاب الدين أحمد بن القرداح (٣) ولم يخلف بعده مثله، ووعظ الناس مرة بقية (٤) المنصورية فصدر منه سقطات، فأرادوا القيام عليه فرجع واستغفر. مات فى ذى القعدة من هذه السنة، وكان لنا به صحبة أكيدة. رحمه الله تعالى. ١٢ - قائم بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى المعروف بقائم طاز ، أحد امراء الألوف بحلب ودوادار السلطان بها، وهو من عتقاء الملك الأشرف برسباى وخاصكيته الصغار بعد أن طالت أيامه فى الجندية والخاصكية، إلى أن توفى الملك الظاهر جقمق وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان أنعم عليه (٥) بحصة القصر، فلما وثب الأتابك إبنال على المنصور كان صاحب الترجمة من حزب الأتابك إينال، فلما تسلطن قرّبه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله من جملة رءوس النوبة، ثم بعد مدة نقله إلى إمرة طبلخاناة، ثم انتقل فى دولة الظاهر خشقدم إلى الخازندارية الكبرى، فلم تطل مدته بها، وقبض عليه مع من

стр. 108

قبض من الأشرفية برسباى بممالأة الأمير جانبك الظاهرى القصير الدوادار الكبير وسجن مدة ثم نفى إلى البلاد الشامية، وآل أمره بعد ذلك إلى أن صار دوادار السلطان بحلب، وتجرّد لقتال شاه سوار صحبة العساكر المجهزة له، فقبض عليه شاه سوار فى الوقعة وسجنه إلى أن مات فى شهر ربيع الأول من هذه السنة. وكان قائم المذكور مترفعا على غير شئ، وله أخلاق سئ التصريف فيها من وحاشتها، وعنده بخل زايد مفرط إلى الغاية على ما ينقلونه (١) عنه، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه: «كان عاديا ذا خلق سئ، مع بخل وشح وتكبر وخفة وطيش»، عفى الله عنى وعنهما. ١٣ - فوزى (٢) بن عبد الله الظاهرى، الأمير سيف الدين ، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة من جملة رءوس النوب، وأصله - كما قدمنا - من مماليك الملك الظاهر جقمق أيام إمرته، فلما ركب (٣) التخت استقرّ به بعد مدة طويلة خاصكيا لصغر سنّه ثم استقر به ساقيا، ثم جعله من جملة الأمراء العشرات ولده الملك المنصور عثمان ثم إسحاق، ونفى إلى البلاد الشامية إلى أن تسلطن الملك الظاهر خشقدم فاستقدمه إلى الديار المصرية وأنعم عليه بإمرة عشرة كما كان، وجعله من جملة رءوس النوب، وتجرد لقتال شاه سوار صحبة العسكر، فعاد مريضا إلى القاهرة ومات فى يوم الجمعة ثامن جمادى الأولى من هذه السنة، وحضر السلطان - نصره الله - الصلاة عليه بمصلى المؤمنى. كان وصل إلى الكهولية، وهو كثير الأدب والحشمة والرياسة والسكون والعقل والهدوء، مع حسن الشكل وجمال الصورة واللحية والتواضع ولين الجانب وحسن الأخلاق، رحمه الله تعالى.

стр. 109

١٤ - فانباى بن عبد الله الحسنى الظاهرى أحد أمراء العشرات ووالى القاهرة المحروسة ، أصله من عتقاء الملك الأشرف إينال، وله الوقائع المعلومة الصادرة عنه من الظلم والأذى إلى غير ذلك، ومات - وهو متولى الحرب السعيد - بالطاعون فى ليلة الخميس سادس عشر رمضان ودفن من الغد. وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه: «وأما أفعاله فسيّئة، وباشر الولاية أقبح مباشرة، وحسابه على الله تعالى» انتهى كلامه. عفا الله عنهما. ١٥ - قان بردى بن عبد الله الأشرفى إينال، الأمير سيف الدين ، أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، وأصله من عتقاء الملك الأشرف إينال ومن جملة الدوادارية الصغار؛ قال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ عنه فى تاريخه: «كان من رؤوس الفتن والظلم والعسف فى أيام معتقه» انتهى كلامه. ولما مات أستاذه امتحن ونفى وحبس ودام بتلك البلاد - أى الشامية - إلى أن قدم الديار المصرية فى دولة الملك تمربغا (١)، فلم يلتفت إليه ولا أهّل لشئ، فلما تسلطن الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - أمّره عشرة واستقر به دوادارا ثانيا دفعة واحدة من قبل أن تسبق له مباشرة أو ولاية، فباشر الدوادارية أشهرا ثم نقل منها إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية واستمر عليها إلى أن مات فى يوم الجمعة سادس شوار بالطاعون وحضر السلطان الصلاء عليه (٢) بمصلى المؤمنى قبل صلاة الجمعة، والعسكر مشاة فى جنازته ودفن فى تربته التى أنشأها بالريدانية عند الحوض الخراب، وكانت سنه يومئذ دون الثلاثين أو لعله جاوزها تخمينا. وكان قد بدأ فى عمارة تربة عظيمة هناك وشرع فى ذلك أياما بسيرة، قال الجمال يوسف

стр. 110

ابن تغرى بردى المؤرخ عنه: «ومع هذا ظلم الظلم الزائد وعسف الناس وأبادهم بالضرب واستعمالهم بغير أجرة: وما عف عن ذلك ولا كف، إلى أن عاجله الله وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وكان شكلا طوالا نحيفا مسترسل اللحية دقيق الوجه غزير الشوارب. غير بهى الشكل مع ما عنده من التكبر والتجبر، وما ذاك إلا لأنه لم توجهه عصاة معلم ولا أزعجه توبيخ مؤدب؛ وعلى كل حال فمستراح منه» انتهى كلامه عفا الله عنه. ١٦ - لؤلؤ بن عبد الله، الأمير زين الدين الطواشى الرومى ، أصله من عتقاء الملك الأشرف برسباى ومن جمداريّته، ثم صار بعد ذلك - فى غير دولة أستاذه - ساقيا، ثم استقر فى تقدمة المماليك السلطانية فى دولة الملك الأشرف إينال، ثم عزل بواسطة جارية حسناء كانت له تضرب بالجنك (١)، طلبها منه المقام الشهابى أحمد - ولد السلطان المذكور - فامتنع وشمخ، فأضمرها فى نفسه عليه فعزله، فاستمر بطالا إلى دولة الملك الظاهر خشقدم طلبه واستقر به زماما وخازندارا كبيرا، فباشر الوظيفتين يسيرا وصرف عنهما فلزم داره بطالا وذلك بعد أن صودر غير مرة، وكان فى غاية من الحشمة والأدب والرياسة، وله حرمة ويوقره (٢) أهل الدولة، إلا أنه كان مسرفا على نفسه، يعفو [الله] عنه ويسامحه. توفى فى ليلة الجمعة سادس عشرى شعبان بعد مرض طويل وقد قارب الستين من العمر تخمينا، وكان إلى القصر أقرب من الطول. عفا الله عنه.
следующие страницы →