ألفى درهم كل سنة. وكان كثير التردد لبيوت الأكابر فيعظمونه (١) ويكرمونه ويقضون حوائجه ويتفقدونه، كل ذلك وهو راكب حمارا قصيرا جدا يشبه حمار القراد و [معه] عبد كثير؟؟؟ جدا، وعيشته زرية إلى الغاية وملبسه أيضا كذلك، ولم يخلف وارثا، غير أنهم ذكروا أن له أولاد أخ بحلب وزوجته هنا. ووجد له من المال تسعمائة دينار فضة وذهبا، وقيل سبعمائة خالصة للوزير غير ما وصل لمباشريه وأرباب المواريث الحشرية، وخرجت وظائفه لعدة من الطلبة المجتهدين فى السعى، المباشرين حضور بيوت الأكابر مثل المقر الأشرف الكريم الزينى ابن مزهر والأمير الدوادار الكبير، ودفن بتربة الصوفية.
والله تعالى يعفو عنا وعنه بمنه وكرمه.
٢ - إبراهيم بن فخر الدين عثمان المشهور بالرقى، عين أعيان موقعى (٢) الدست بديوان الإنشاء الشريف
، وكان فاضلا فى صناعته وزهرا فى ملبسه ومركبه وداره ومأكله ومشربه، بشوشا متواضعا، و [كان] والده رئيسا حشما زهرا نورا تاجرا بسوق (٣) الوارقين يبيع المسك والطيب والماورد والصينى (٤) وأمثال ذلك، وصار له بولده سمعة وحرمة، وكان ولده قد ضخم وصار له المرتبات والجوامك والعليق واللحم والكسوة، ورشح لنيابة كتابة السر، لكن منعه من ذلك صمم اعتراه، إلا أنه صاحب قلم ولسان، وكان الصمم المذكور سببا فى تأخره، ومات بطريق الحجاز فى هذه السنة، وأسف
стр. 317
الناس عليه فإنه كان دينا خيرا ساكنا متواضعا كثير الحياء والأدب، يعرف منازل الناس ومراتبهم، وسعى فى وظيفته الجم الغفير عند السلطان وحواشيه فما قبل السلطان منهم أحدا (١)، وخرّج الوظيفة وما باسمها من المرتبات والجوامك واللحم والعليق والكسوة والأضحية والجراية باسم الوزير المعزول المسمى يحيى (٢) بن صنيعة، وحصل له المعلوم فى كل شهر ستة آلاف درهم، بعد أن كان القاضى شهاب الدين ابن التاج - عين موقعى ديوان الإنشاء الشريف - سعى فى أن يكون ما باسم المتوفى مضافا له فما وافق السلطان على ذلك، فساعده رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله، فرسم له بألف درهم من معاليمه فى كل شهر خارجا عن الستة آلاف التى خرجت باسم ابن صنيعة وأثنى (٣) الناس على صاحب الترجمة خيرا كثيرا وفضلا جزيلا وعقلا وافرا ونبلا باهرا، وعمره - تخمينا - أكثر من ستين سنة، عفا الله عنه.
٣ - أحمد بن محمد بن على الشيخ شهاب الدين، شاعر الوقت، أبو الطيب الأنصارى الشافعى المقرئ المشهور والمعروف بالحجازى
، كان فصيحا فى القراءة دقيق الشعر، آية من آيات الله فى الأدب. مولده فى شعبان سنة تسعين بالقاهرة - كما أخبرنا بذلك من لفظه - ونشأبها فحفظ كتاب الله العزيز وعدة كتب فى الفقه والحديث والأصول والنحو، وعرض ذلك على علماء عصره ومشايخه، ثم اشتغل بفن الحديث الشريف، فسمع على شيخ
стр. 318
مشايخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم العراقى والهيثمى وابن أبى المجد والتنوخى والنجا إسماعيل الحنفى وآخرين ومهر فى الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وأخذ الفقه عن الولى العراقى والشمس البرماوى وجماعة ممن بعدهما وقبلهما، وجوّد فى القراءات حتى صار أحد أعيان قراء الجوق، وكتب الخط المنسوب، وكتب به الكتب الكثيرة من كل فن، وتعانى الأدب حتى صار له سجية وعرف به، وطار صيته فى الأقطار والأمصار، وكان مقربا عند شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر، خادم السنة والأثر، ﵀، ووصفه (١) «بالعلامة فخر المدرسين عمدة البلغاء» وناهيك بهذا الوصف من هذا العالم العظيم. وقرأ صاحب الترجمة عليه (٢) فى الحديث، وقرأ عليه مقامات الحريرى وأقرأها وعلق عليها شرحا لطيفا بليغا، وطارح أدباء العصر وطارحوه، ومدح الأكابر وجمع المجاميع الحسان، وألف تذكره فائقة زادت على خمسين مجلدة احتوت على فوائد وفرائد ونوادر وحكم وأشعار وتواريخ ومقاطيع وغير ذلك ظهر بها قوة صنيعه وملكته فى هذا الشأن، وسار ذكرها واشتهر، وكذا نظمه ونثره وليس العيان كالخبر.
وحج إلى بيت الله الحرام وزار قبر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، ومدحه بقصائد مطولات فى غاية الانسجام، وسافر إلى دمياط والاسكندرية وغيرهما للنزهة، وحدّث فسمع منه الفضلاء، وأقبل بآخره على كتابة الحديث الشريف والنظر فى الأسانيد والسماع ممن يعتقد بقدمه فى ذلك مما يحتاج إليه،
стр. 319
ونعم الرجل تواضعا وتوددا لأصحابه وتفقدا لهم، مع حرصه على زيارتهم فى الأفراح والأنراح واستجلاب مودتهم، ويقبل الشئ اليسير من الفائدة ولو كانت ممن يكون، كل ذلك مع خفة الروح وحسن المداعبة وحلاوة المذاكرة والمحاسن الجمة. تعلل مدة ومات ﵀ مطعونا شهيدا فى يوم يوم الاربعاء سابع شهر رمضان سنة تاريخه الذى هو عام خمس وسبعين وثمانى مائة بعد أن رثى نفسه بقصيدة من نظمه أنشدها من لفظه لبعض أصحابه وأحبائه عفا الله عنه - ومن نظمه عفا الله عنه:
يا من غدا من الذّنوب فى خجل … وخائفا من الخطايا والزّلل
ارحم (١) جميع الخلق وارج رحمة … فإنما الجزاء من جنس العمل
انتهت ترجمته ملخصة، ﵀ ووالدينا ومشايخنا والمسلمين.
٤ - بردبك (١) بن عبد الله الأمير سيف الدين الفارسى الظاهرى جقمق، كافل المملكة الحلبية والشامية والمعروف والمشهور بالبجمقدار
. كان من قدماء مماليك الظاهر المذكور وأخذ الإمرة قبل الظاهرية الموجودين، وكان شكلا حسنا طوالا له عصبة وإقدام فى الأمور وفعل فى دولة أستاذه عادة من تقدمه من المماليك السلطانية، وكان يتسلط على الوزير والأستادار والمباشرين بالضرب والسب فيكتبوا له ولمن فى خدمته الجوامك واللحم [الجيد] الصنف والمثمن، وصار (١١٦ م) أستاذه الظاهر يغضب منه كل قليل بواسطة ذلك ويوصيه بهم. وهو من الفرسان الشجعان الأبطال، غير أنه كان مسرفا على نفسه والله يغفر لنا وله.
стр. 320
وترقى فى الوظائف السنية إلى أن وصل إلى حجوبية (١) الحجاب بالديار المصرية فى الدولة الظاهرية خشقدم، وصار له فى البلد حرمة وسمعة، ثم نقل منها إلى نيابة حلب فأقام بها، ثم ولى نيابة الشام فاستمر بها إلى أن قبض عليه فى دولة الظاهر يلباى بواسطة خيربك (٢) الدوادار الظاهرى خشقدم الذى صاهر بيت (٣) الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم فإنه كان صاحب الحل والعقد فى دولته، وتوجهوا به إلى القدس الشريف منفيا، ثم أعيد فى دولة الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - إلى كفالة الشام ثانيا عوضا عن المقر الأشرف العالى السيفى أزبك من ططخ بحكم استقرار الأمير المذكور فى الإمرة الكبرى عوضا عن جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى برسباى بحكم القبض عليه من شاه سوار المخذول.
ومات قبله بأيام يسيرة داوداره أبو بكر، واشتملت تركة صاحب الترجمة وتركة أبى بكر الدوادار المذكور على مال قيل إنه يزيد على مائتى ألف دينار وتوجه لضبط تركتهما الأمير الأجل قجماس الظاهرى جقمق وأحضر صحبته نحوا من أربعين ألف دينار نقدا خارجا عن القماش والصوف والسمور والسنجاب والبعلبكى والسلاح والخيول والجمال والمماليك والعبيد والإماء والأملاك والرزق والإقطاعات والبغال والأمتعة وغير ذلك.
وكان دواداره أبو بكر المذكور أصله فلاحا فخدم بجمقدارا عند صاحب الترجمة مدة فقرّبه وصار يرسله إلى المباشرين والأمراء فحصلت حاله ونمى ماله وكان كثير القلاقل، فبلغه عنه كلام فغضب عليه وضربه وطرده وأخذ ماله
стр. 321
وما يملكه فصار فقيرا لا يملك شيئا، فانتمى إلى علاء (١) الدين بن الفيسى ونزل بساحته وكان إذ ذاك فى ثروة ووظائف فصار يطعمه ويسقيه ثم توجه منه إلى المهتار على فطيس فى دولة الملك الأشرف إينال فصار قائما بأموره كلها، فقدر الله أن أستاذه المذكور استقر فى نيابة حلب فتوجه فى خدمته ورضى عليه وصار هو [صاحب] الحل والعقد عنده، فحصل الأموال واقتنى من كل شئ أحسنه: من القماش والجوارى والنساء والخيول والمماليك والعبيد، وصار له ثروة هائلة، وعظم وضخم عنده بواسطة أنه اطلع على سمّ دسّوه عليه فعرفه به فعرفها (٢) له وصار لا يسمع فيه كلاما وألقى إليه مقاليده وأموره بأسرها فصار فى أوج العظمة، وصار الظاهر خشقدم يريد عزله والقبض عليه وإدخال شئ من المآكل أو المشارب مشغولا عليه فلا يصل إلى ذلك بواسطة دواداره المذكور، فنتج أمره عنده واستقام حاله، وخلّف على ما قبل ما يوازى تركة أستاذه.
ووصل سيف صاحب الترجمة فى يوم الخميس سابع عشرى شهر الله المحرم سنة تاريخه أى خمس وسبعين وثمانى مائة على يد الحاجب الثانى بها أو غيره، وأخبروا بوفاته فى الحادى عشر من تاريخه ودفن من الغد، سامحه الله.
٥ - بردبك بن عبد الله الأمير سيف الدين الظاهرى جقمق المشهور بالمشطوب، رأس نوبة الثانى
. كان شيخا طوالا لا يعرف بالعربية إلا قليلا وهو على حالة الجراكسة، وصلّى عليه السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى
стр. 322
بمصلى المؤمنى وغالب العسكر الموجودين. وعمامته لا تشبة عمائم الأمراء، وعنده أخلاق شرسة وحدة مزاج، وعينت وظيفته لمن سيذكر فيه. وتوفى فى اليوم الثانى من شهر صفر الأغر سنة تاريخه أى خمس وسبعين وثمانى مائة ولا أعرف له خبرا ولا سرا فأسرده.
٦ - تنبك بن عبد الله، الأمير سيف الدين المحمدى الأشرفى برسباى
، كان المذكور من مشتروات الملك الأشرف المذكور فأعتقه واستمر على ذلك حتى صار خاصا؟؟؟ فى دولة الملك الظاهر جقمق، ثم صار «معلم» المماليك والجوارى والحرير (١) فى دولة الملك الظاهر خشقدم فإنه كان بينه وبينه صحبة قديمة، فلأجل هذا قربة وأدناه ورقاه إلى أن استقر به رأس نوبة ثانيا ثم نقله منها إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، فراج أمره واشتهر ذكره وصار من الخصيصين بالسلطان، واستمر على تقدمته إلى أن مات الظاهر خشقدم وتسلطن بعده الظاهر يلباى والظاهر تمربغا والملك الأشرف أبو النصر قايتباى، فخلع عليه واستقر به أمير حاج المحمل فى سنة ثلاث وسبعين وثمانى مائة، فحج ووصل إلى العقبة فحصل من السلطان إعراض عنه فرسم بنفيه منها إلى القدس الشريف فاستمر به إلى أن مات فى صفر سنة خمس وسبعين وثمانى مائة.
وكانت زوجته جارية بيضاء من عتقاء قاضى القضاة ولى الدين الصفطى الشافعى، وجده الشيخ سرى الدين عبد البر بن قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة أم والدته توفيت وهى فى عصمته قبل وفاته بثمانية أيام فورثها، وكان كثير الانهماك على اللهو والطرب، يظلم نفسه والله تعالى يعفو عنا وعنه، ولم تعرف له فروسية فتذكر، ولا معروف فينشر، ولا شر فأخبر به.
стр. 323
٧ - جكم بن عبد الله الأمير سيف الدين الأشرفى برسباى وخال ولده الملك العزيز يوسف أخو خوند (١) جلبان. نائب صفد
. كان ضخما شجاعا عاقلا فى أبناء جنسه أكولا وافر الأدب والحشمة ولأجل ذلك لم يتعرض له الظاهرية كما تعرضوا للأشرفية لسكونه وسكوته وصبره واحتماله، سوى أن الظاهر خشقدم - فى بداية دولته - وجّهه إلى الوجه القبلى وصحبته عدة من المماليك الذين يقصد السلطان إبعادهم لوقوع فتنة تصدر منهم وما أشبه ذلك وعاد؛ ثم عاد إلى القاهرة وهو على إمرته وضخامته فقرر فى نيابة صفد، فدام بها إلى أن وصل الخبر بوفاته بها فى يوم الخميس تاسع عشر شهر صفر من سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، فعين لنيابة صفد - عوضا عنه - الأمير أرغون شاه الأشرفى برسباى نائب غزة، وسأل الأمير جكم قرا الظاهرى أمير آخور الجمالى فى نيابة صفد، والأمر موقوف على ما تبرز به المراسيم الشريفة، شرفها الله تعالى وعظمها وخلد ملك مالكها وثبت قواعد دولتها.
٨ - خير (٢) بك بن عبد الله الأمير سيف الدين القصر وهى، أصله من مماليك الأمير قصروه كما قدمنا
، ثم صار فى بيت السلطان من جملة المماليك السلطانية إلى أن تسلطن الملك الأشرف إينال فجعله صاحب شرطته - أعنى والى القاهرة - ومتولى الحرب السعيد، فبلص وظلم وقتل وسفك الدماء وحصل الأموال التى [تم] تحصيلها مما ذكر فى وصفه، ثم عزل عن الولاية بالعلائى ابن الفيسى وأقام مدة بطالا ثم عاد إليها يبذل المال، ثم استقر فى
стр. 324
نيابة القلعة فى دولة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف إينال وخامر عليه ونزل إلى بيت الظاهر خشقدم مع القائمين على المؤيد، فلما تسلطن الظاهر خشقدم أنعم (١) عليه بنيابة غزة ثم بصفد، ثم صرفه عنهما إلى البلاد الشامية من جملة الأمراء المقيمين بها، فاستمر إلى أن أنعم السلطان عليه بنيابة حماة عوضا عن بلاط وتوجه إليه القاصد بذلك، فوصل الخبر من حماة أن قاصد السلطان وجده باللاذقية فقرأ عليه المرسوم - وكان سكرانا - وهو يتعاطى ذلك فشرق فمات فقال بعضهم ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٢) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
وكان عفا الله عنه أهوج حرجا خفيف العقل طائشا لا يطاق إذا حكم، وإذا غضب فيرضى بالمال، وقدم على ما قدم ﴿وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣) ويجتمع هو وخصومه عند الله تعالى يحكم بينهم بعدله.
٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن، الشيخ جلال الدين بن الشيخ شهاب الدين بن الشيخ جلال الدين القمصى (٤) الشافعى المسند الفاضل العالم الصالح
، صار له سند عال فى آخر عمره فإنه أدرك الأشياخ وأخذ عنه الناس المتأخرون (٥) من أبناء عصره، وعمر نحوا من ثمانين سنة تخمينا، وكانت له فضيلة ومشاركة وفهم وذوق وبشاشة ودين ولين جانب واتضاع زائد مع القناعة، وكان يعمل الميعاد الذى يقرؤه قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى (٦)
стр. 325
فى مدرسة والده شيخ الإسلام عمر البلقينى الشافعى، ويجلس على كرسى بين يديه وهو يقرأ فيأخذ عنه قاضى القضاة المذكور ويبرهن على قوله فى مجلس ميعاده الحافل، وكان بيننا وبينه صحبة من مجلس شيخنا شيخ مشايخ الإسلام خادم السنة والأثر الشهير بنسبه الكريم بابن حجر، تغمده الله برحمته. وصلى عليه يالجامع الأزهر، وحضر القاضى الشافعى جنازته وصلى عليه إماما وكانت حافلة، وخلّف أخا رجلا كبيرا شاهدا دينا يجلس فى حوانيت الشهود ويتكسب منها؛ وكان يحفظ أربعة عشر كتابا، ورافق شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر فى السماع، ولم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى.
١٠ - على بن محمد، الشيخ نور الدين بن الشيخ شمس الدين البرقى الحنفى ناب فى القضاء عن شيخنا الشيخ بدر الدين محمود قاضى القضاة العينى الحنفى
، واستمر فى الأحكام ينوب عن قضاة. القضاة إلى أيام قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى، ونقضت له عدة أحكام، منها (١) الحكم الذى حكمه على بنت قاضى القضاة علم الدين صالح لما كانت زوجا لابن (٢) الرسام وطلقها وأخذ ولدها منها وهو مميز بغير رضاها ورضا الولد وغير ذلك مما يطول الشرح بذكره.
وكان نحيل البدن أصفر اللون، انقطع فى بيته متعللا مدة من شئ نزل له فى كيسه حتى قتله فى مستهل شهر جمادى الآخرة من هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، وكان له جنازة حافلة حضرها الأكابر مثل قضاة القضاة وناظر الجيش والمحتسب والعلمى ابن الجيعان وعدة من مشايخ المذهب ونوابهم وصلى عليه بجامع الماردانى ودفن بالقرافة، وخلف ولدين رجالا
стр. 326
ليس فيهما أهلية لما وصل إليه أبوهما من خدمته الأكابر. وأما بضاعة المتوفى فى العلوم فمزجاة، وعلماء مذهبه يعرفون منه ذلك غير أنه معظم عندهم، و [خلف] بنتا متزوجة وولدا ولد، وخرب دورا كثيرة بموته وكان يحب خراب بيوت الناس فى حياته فأرانى الله مصرعه واستجاب دعائى وبلغنى مناى فإنه كان أكبر القائمين علىّ فى حكم عارضنى فيه هو والمحتسب ولا نهض بنقضه، فدعوت عليه فى سجودى فما مضى عليه عشرة شهور حتى أخذه (١) الله.
وكان عاريا من العلم خادما لأهل الدنيا سيما الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم وهو الذى أثرى مال صاحب الترجمة منه بسبب ما أودعه تحت يده من الأموال والتحف والنقدات التى يدفعها له: كل نقدة ألف دينار ذهبا يتصدق بها ويكرر ذلك عليه فى السنة مرارا فيتصرف فيها كيف شاء، وخلف دنيا طائلة ووظائف كثيرة خرجت باسم أولاده ووصى المحتسب فإنه أعظم أصحابه وأحبابه لكونه مملوك الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، ويعرف بأحواله وأخباره وقرّبه من مخدومه وشيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفى والجناب العلمى ابن الجيعان وقاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى، وكان شرس الأخلاق شديد الغضب سريعه.
مولده فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وقد ترجم سيدنا (٢) وشيخنا قاضى القضاة ملك العلماء الأعلام شيخ الإسلام ابن حجر خادم السنة والأثر ﵀ والده القاضى شمس الدين محمد (٣) فى كتابه الذى جمعه فى التاريخ من مبدء
стр. 327
عمره وإلى آخر وفاته، وجعله كالذيل على تاريخ الشيخ عماد الدين إسماعيل ابن كثير صاحب البداية والنهاية فى التاريخ وسماه «إنباء (١) الغمر فى أنباء العمر» فقال: «كان قليل الدين»، وكأنّ صاحب الترجمة اطلع على ذلك فصار يكثر من الصلاة والصيام سيما إذا قام عند يوسف ناظر الخاص أو ولد ناظر الجيش أو مملوكهما (٢) المحتسب. ورشح لقضاء الحنفية بالديار المصرية، وحدثته نفسه بذلك لأن (٣) رفيقه الولى الأسيوطى صار قاضى القضاة ولم يتفق له ذلك، ولله الحمد.
وكنا نحضر معه دروس الفقه عند شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة سعد الدين الديرى (٤) وقاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة فى الفقه فلم [يكن] يتكلم ببنت شفة، غير أنه [كان] هزازا للرأس لا يتكلم: سائلا ولا مجيبا، وإن قدر أن يتكلم فيكون معيدا لبعض كلام من تقدم من الحاضرين، ومع ذلك فله اسم وصيت عند الفقهاء سيما عند شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفى فإنه كان مرصدا لقضاء حوائجه وضروراته وتعلقاته. وسافر الحجازكم (٥) مرة آخرها هو ورفيقه القاضى ولى الدين الأسيوطى الشافعى قبل أن يلى قضاء القضاة بسنة فى خدمة الكمالى محمد بن الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم وأخيه محمد، وصارا هما القائمين بأمورهما من مأكل ومشرب وغير ذلك.
стр. 328
وأصل ترقية صاحب هذه الترجمة وعرفانه بالأكابر واختلاطه بهم:
قاضى القضاة ولى الدين السفطى الشافعى فى دولة الملك الظاهر جقمق فإنه كان يرسله فى تعلقاته، وهو عنده لياقة فى تأدية الرسائل وقضاء الحوائج والتواضع الزائد لأبناء الدنيا والتودد إليهم ويمشى معهم حسب مقاصدهم وآرائهم، ومع ذلك فآذاه غاية الأذى فإن الملك الظاهر جقمق ﵀ لما غضب على السفطى وأخذ منه أمواله حلّفه أنه ما بقى يملك شيئا ولا وديعة، وكان له تحت يد صاحب الترجمة ودائع جمة، من جملتها عشرة آلاف دينار، وأخبر من أخبر السلطان بها فأرسل أخذها منه وما وسع (١) السفطى إلا الفرار ومات مقهورا وضاعت عليه بقية ودائعه، وقدم على ما قدم، وعند الله تجتمع الخصوم. عفا الله عنه.
١١ - على بن محمد بن أحمد، الشيخ نور الدين بن القاضى شمس الدين محمد بن قاضى القضاة ناصر الدين أحمد المعروف بابن التنسى (٢) المالكى
. مولده فى سنة إحدى وثلاثين وثمانى مائة بالقاهرة ونشأبها فحفظ كتاب الله العزيز وكتبا فى مذهب الإمام مالك، واشتغل على [علماء (٣)] عصره وشيخ مذهبه كالشيخ عبادة والشيخ طاهر، وأخذ عن شيخنا الشيخ تقى الدين الشمنى الحنفى، وأكثر من ملازمة دروس شيخنا الشيخ شهاب الدين أحمد الأبّدى (٤)
стр. 329
المغربى المالكى فى النحو، وأخذ أيضا عن شيخنا العلامة شمس الدين الشروانى الشافعى، وعن شيخنا شيخ الإسلام محيى الدين الكافيجى الحنفى، ولم يزل يدأب فى تحصيل العلوم وضبطها وتحريرها وتدفيقها حتى نبغ وفضل وتقدم، ومهر فى الفقه والأصول والفنون، وأشير إليه بالفضيلة التامة، وناب فى القضاء عن قاضى القضاة ولى الدين الأموى السنباطى (١) المالكى، واستقر فى تدريس الجمالية بعد عمه قاضى القضاة السيد حسام الدين بن حريز، وانتدب بعد السيد ابن حريز المذكور للإقراء فأقرأ كتبا وأفتى قليلا، ولما مات القاضى محيى الدين عبد الوارث من مدة سنة وثمانية شهور عينه رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - عظم الله شأنه - لقضاء المالكية بدشمق فصعد ليلبس فلم يتهيا له ذلك لأمور، إلى أن كان يوم الثلاثاء رابع شوال سنة تاريخه - أعنى خمس وسبعين وثمانى مائة - طلب لحضرة السلطان نصره الله فخلع عليه بقضاة القضاة بدمشق المحروسة عوضا عن المحيوى ابن عبد الوارث المذكور، ووكب معه قضاة القضاة والأعيان، ولم ينشب أن فاجأه الموت بعد ثلاثة أيام من ولايته القضاء كما سيذكر، وخلف جارية مشتملة على حمل، ومن العجب أن أخاه الشهاب أحمد (٢) سافر قبل موته بيوم واحد إلى دمياط وطلب بعد هذا الأجل تركة أخيه فقيل إنها اشتملت على ألف دينار تخمينا، وخرجت وظائفه لجماعة سيذكرون، فاستقر فى تدريس الجمالية الخطيب الوزيرى، وفى تدريس جامع ابن طولون قاضى القضاة سراج الدين عمر بن حريز (٣) المالكى، ومرتب الجوالى
стр. 330
عمر (١) اللقانى، وأخذ الشيخ عباس المغربى (٢) والشيخ نور الدين البلبيسى صرّته التى على البخارى من الذخيرة، وأخذ يحيى السفطى طلبا بالمدرسة البديرية (٣) المجاورة لباب سر الصالحية النجمية، ﵀. مات فى ليلة الجمعة المسفرة عن سابع شوال المذكور فجأة وقت الأذان وصلى عليه بعد العصر من الغد بمصلى باب النصر وحضر جنازته قضاة القضاة الأربعة وغيرهم من علماء المذاهب والمشايخ والطلبة والمباشرين، خلا رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله لضرورة أو جبت ذلك. ودفن من الغد بحوش صوفية سعيد السعداء.
وأظهر حرمة فى الأحكام من تعزير وإشهار، وأقام منار الشرع وصدع من تمرد من العوام ووافقته الليالى والأيام، وفى الواقع كان حسن الصحبة خفيف الوطأة لطيف الذات أبيض رقيقا ظريفا يعرف من أين يؤكل الكتف، وأثنى عليه أصحابه خيرا، ونعم الرجل سمتا ودينا وخيرا، عفا الله تعالى عنه.
١٢ - فارس بن عبد الله الأمير سيف الدين من دولات باى المحمودى الزردكاش الكبير بالديار المصرية
، وصل الخبر بوفاته من دمشق فى يوم الخميس ثانى ربيع (٤) الأول من سنة خمس وسبعين وثمانى مائة وكان مبدؤ
стр. 331
أمره دوادارا عند أستاذه الأمير دولات باى الدوادار الثانى ثم الكبير، وهو الذى أعتقه ورقاه وقربه وأدناه، وصار يحصّل ببابه الأموال والهدايا والضيافات، فأثرى وتمول وعظم جاهه وعوض ماله ونمى جانبه فبنى الدور الشوامخ العوالى، وسكن وتمتع ولبس وتجمل وحكم وعسف وأسرف على نفسه من لذات الدنيا ومتاعها وصار بعد من المتمولين، وتزوج بعد أستاذه بزوجته أم ولده عمر وسكن بداره أيضا، ونظر إليه السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - فقرّبه واستقر به زرد كاشا كبيرا، وسيره إلى البلاد الشامية صحبة العساكر المجهزين لقتال شاه سوار، وكانت وفاته خارج بلدة دمشق بالمصطبة التى تعرف بمصطبة السلطان، ووجد صحبته من الذهب النقد خمسة آلاف دينار خارجا عن اللبوس والسلاح وغير ذلك، ولو لم يكن من محاسنه إلا ما فعله فى عبيد صبى الطيارى لما بلغه أنه يتسلط على عرض عمر ابن أستاذه، وكان مقداما وثابا فى الأمور، وفى وجهه ضربة سيف فصار كالمشطوب، وخلف ولدا مبذرا فأتلف وضيع، وخلف أيضا أوقافا ورزقا، وحسابه على الله.
١٣ - محمد بن شيخ الشافعية فى عصره، وسراج الدين عمر العبادى الشافعى
، فجع به والده وهو شاب سنه نحو الخمس (١) عشر سنة أو أكثر فإنه تعلل بعسر البول والخصية فانقطع ثلاثة أيام وقضى نحبه فى يوم الجمعة - بعد صلاتها - الذى هو سابع المحرم سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، ودفن من الغد بتربة صوفية سعيد السعداء، وكانت جنازته حافلة حضرها قضاة القضاة الثلاثة خلا الحنبلى لضعفه وغالب الأعيان وأجلهم رئيس الدنيا ابن مزهر
стр. 332
الأنصارى - كاتب السر حفظه الله على المسلمين - والمقر الشرفى الأنصارى وغالب فقهاء البلد وطلبتها وتوجهوا صحبته إلى التربة، وكان شابا جميلا بلا لحية، وفيه أهلية للاشتغال بالعلم، وحفظ كتبا عديدة فى مذهبه، وخطب بجامع الزاهد بالمقسم وبجامع سيدى محمد الغمرى أعاد الله علينا من بركاتهما، وكثر الأسف عليه وانقطع أبواه [حزنا] عليه وأسفا عليه أسفا عظيما. عوضهما الله الجنة.
١٤ - محمد بن كرسون التاجر الخواجا فى البهار المعروف والمشهور باين كرسون
. توفى فى يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، وخلف أموالا كثيرة وولدا وبنتا وأخا، ومن قائل إن السلطان ختم على المال ومن قائل إن السلطان لم يتعرض له، غير أن ناظر الخاص لا بد له من شئ فإنه تعلل على ورثته بأن فى جهته مالا لديوان السلطان من جهة المكوس فالله أعلم. ووصل إلىّ عن هذا التاجر أنه كان يخرج حق الله تعالى - أعنى الزكاة - إخراجا حسنا، وكان يحسن للشيخ كمال الدين بن إمام الكاملية العالم المشهور بين الشافعية بالديانة والصلاح والعفة والدين المتين - الذى توفى فى سنة أربع وسبعين وثمانى مائة بطريق الحجاز - فى كل سنة بمائة وخمسين دينارا ويرسل له فى كل سنة ألفا وخمسمائة رغيف فى ختم بصنعه للفقراء، وكان وعده أنه يبتاع له ملكا للسكن بخمسمائة دينار ويوقفه على الشيخ المذكور (١) فلم يتهيأ له ذلك، ووصى على ولده وماله شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفى فذب عنه وحماه، وأثنوا عليه خيرا فى معاملته ودينه وصلاته وأمانته، [كان] عفيفا عن المنكرات والفروج،
стр. 333
شكلا مهابا بشوشا هينا لينا كيسا عفا، الله عنه.
١٥ - يونس بن عبد الله دوادار مولانا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر - حفظه الله - وعتيقه
، وصل الخبر بوفاته فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، وهو - إن شاء الله - فداء مخدومه - حفظه الله على المسلمين -، وكان ﵀ عاقلا ذكيا رئيسا محتشما، ولعل ما فى بيت المقر الزينى حفظه الله أحشم منه فى أبناء جنسه، كثير الأدب والحشمة والتؤدة والكرم والعقل.
الوافر والفضل الباهر والكرم الفائق والطباع الحسنة. سامحه الله تعالى.
١٦ - يشبك بن عبد الله الإسحاقى، الأمير سيف الدين الأشرفى برسباى البهلوان المعروف والمشهور بيشبك جن
، أحد مقدمى الألوف. كان غاية فى الظلم والأذى والتجبر، كثير الحط على الفقهاء والعلماء بحيث أنه أباد جاره القاضى فتح الدين السوهاجى (١) من كثرة ما يحط عليه ويسبه، فإنه كان جاره ببركة الفهادة، وكان صاحب الترجمة خاصكيا فى الدولة الأشرفية برسباى وكذا فى الدولة الظاهرية جقمق، ثم ترقى فى دولة الظاهر المذكور وصار أمير عشرة ثم ترقى إلى الأمير آخورية الثانية، ثم نقله السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وأرسله إلى البحيرة لردع المفسدين من عرب لبيد بها، فأقام فيها نحوا من ثمانية شهور وحضر متعللا فى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى (٢) سنة خمس وسبعين وثمانى مائة، وصلى عليه بمصلى المؤمنى، وحضر السلطان الصلاة عليه وقضاة القضاة وغالب العسكر والأمراء، ومشى فى جنازته عظيم الدنيا
стр. 334
يشبك من مهدى الدوادار الكبير وما مع ذلك - أدام الله وجوده -، وعدة من الأمراء وحملوا نعشه وتوجهوا معه إلى التربة، ومن جملتهم الأمير المعظم والكهف المفخم الداوادار الكبير، سهل الله له كل عسير، مع أنه ليس له تربة، وإنما دفن فى فسقية على قارعة الطريق، وكان تقدم له وفاة ولديه قبله فنقلوهما إليه على ما بلغنى.
وكان المذكور أكبر القائمين على قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة، وهو الذى رده لما وصل إلى قطيا بمرسوم شريف فى دولة الملك الأشرف إينال بسفارة عظيم الدولة إذ ذاك الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم وانتصروا عليه. وأخبرنى من هو صادق أنه مع شكالته الهائلة ورؤيته الجميلة ليس له قلب، ولا عرف بشجاعة ولا بسالة، وكان يصحب غالب الأمراء ويتردد إليهم، ومن جملة أصحابه الذين كانوا يصلونه بالأمور المهمة الأمير سابق الدين مثقال (١)، مقدم المماليك السلطانية. سامحه الله.
***
стр. 335
سنة ست وسبعين وثمانى مائة من الهجرة النبوية
على من هى منسوبة له أفضل الصلاة والسلام دائمين متعاقبين إلى يوم القيامة
أهلت هذه السنة المباركة بخير ويمن إن شاء الله تعالى، والخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف دام شرفه وهو مقيم بسكن الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بالحوش السلطانى من قلعة الجبل وليس له فى الخلافة إلا الاسم،، وسلطان الديار المصرية والممالك الشامية والأقطار الحجازية السلطان المالك الملك الأشرف أبو النصر قايتباى خادم الحرمين الشريفين، خلد الله ملكه.
وقضاة القضاة والأمراء والمباشرون والنواب على حالهم خلا من ذكر فى حوادث السنة الماضية فلا فائدة إلى إعادتهم وذكرهم، فليس تحته طائل
شهر الله المحرم
أهل بيوم الخميس لأن ذى الحجة جاء تماما. ويوافقه من أيام الشهور القبطية سادس عشرى بؤونه (١).
فيه كانت البشارة بزيادة النيل، وأخبر أمين النيل ابن أبى الرداد بأن
стр. 336
القاعدة ستة أذرع وثمانية أصابع، فكانت ناقصة عن قاعدة العام الماضى إثنى عشر إصبعا.
وفيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام ونوابهم لتهنئة السلطان بالعام والشهر، وكنت صحبة النواب، فلم يقع غير الدعاء والسلام.
وفى ليلة هذا اليوم وصل المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ أمير كبير - عز نصره - من سفره الذى توجّه له، وهو دون النصف شهر.
ووقع فى تهنئة المشايخ السلطان لما دخلوا إليه أن دخل معهم الشريف البغدادى غريم الأمير بردبك الدوادار الثانى الذى نفى بسبب مخاصمته له وملازمته، وهو كثير التردد للأمراء وكثير الهجم على السلطان والمباشرين ويركب فرسا ويعلن فى الأسواق بصوته فيدعو ويذكر ويلحن، وكل من لبس خلعة يتوجه معه إلى داره ليحصل منه الحطام، مع أن السلطان نصره الله يحسن له فى كل وقت بالعطية والجدة وكذلك المباشرون والأمراء وغيرهم، وعلى رأسه شعر مسبول قد رباه حتى طال، فمجرد ما وقع بصر السلطان عليه سأل من الحاضرين من المشايخ - وهم شيخنا شيخ الإسلام الأمينى الأقصرائى الحنفى والشيخ عضد الدين السيرامى والشيخ بدر الدين بن القطان الشافعى، والشيخ صلاح الدين الطرابلسى الحنفى - عن الشعر المسبل وتربيته بعد أن قال له: «هذا دكانك»، فبادر الشيخ صلاح الدين المذكور وقال: «هذا بدعة، هذا حرام» وأقره الحاضرون على ذلك، ففى الحال طلب السلطان جلبيا وحلق رأسه فصار يمتنع ويبكى ويتضرع فما أفاده شئ، وصار بلم الشعر ولم يمكنهم منه، فشاعت الواقعة وامتلأت بها العلماء وأجابوا أن تربية الشعر سنة
стр. 337
من سنن النبى ﷺ ، وأنه ﷺ لم يحلق رأسه إلا ثلاث مرات فى نسك. ذكر ذلك ابن القيم فى كتابه «الهدى» ورد عنه ﷺ أنه قال: «أكرموا شعوركم» أعنى بتسر يحهاور ائحتها الطيبة.
وفى «الصحيحين» أن النبى ﷺ كان له شعر يبلغ منكبيه بعيد ما بين المنكبين ليس بالطويل ولا بالقصير، أعنى للنبى ﷺ .
وامتلأت البلدة بهذه الواقعة.
*** وفيه صعد شيخنا شيخ الإسلام محيى الدين الكافيجى الحنفى إلى السلطان فسأله عن الفتوى التى كتبها بسبب وقف الظاهر جقمق الذى وقفه على مدرسة إينال أستاذه، وجعل النظر فيه لمحمد ولد إينال المذكور وجعل له أن يخرج من شاء كلما بدا له ذلك، وأفتى الشيخ أنه يجوز له الإخراج والإدخال.
وكتب شيخنا شيخ الإسلام أمين الدين الأقصرائى بخلاف ذلك، فطلب الشيخ محيى الدين من السلطان أن يعقد له مجلس بحضرته ويحضر الشيخ أمين الدين والقضاة والعلماء ويظهر الحق وينجلى، فأجابه لذلك وأكرمه إكراما زائدا، وعرّف الشيخ أمين الدين أن يحضر فتعلل وامتنع امتناعا زائدا.
يوم الأربعاء سابعه، خلع على القاضى تاج الدين ابن المقصى واستقر على عادته فى وظيفة الخاص، فإن المقر الكمالى ناظر الجيش ابن كاتب جكم كان سعى فيها، وأجيب على أن يقوم للذخيرة بشئ، فقدّر الله أن ناظر الجيش المذكور اشتكى للسلطان بسبب الحمام التى استبدلها المجاورة لمقابل بيت والده، وأصرف له السلطان نقده من البهدلة (١)، فبطل أمره واستقر ابن المقصى على عادته.
стр. 338
وفى يوم الخميس ثامنه خلع على شرف الدين موسى بن كاتب غريب المحضر من الوجه القبلى من المساحة واستمر متحدثا فى الأستادارية والوزارة على عادته عوضا عن عظيم الدنيا الداوادار الكبير المسافر للبلاد الشامية، بلغه الله الأمنية، وكان له زفة هائلة وأوقدوا له الشموع حتى وصل لداره.
وأما غير ذلك من أخبار البلد فإن أهلها زينوا جميع الحوانيت والأزقة والدور وصنعوا هيئة شخوص شبه شاه سوار وإخوته. وهذه بشارة خير إن شاء الله.
ووصلت كتب من حلب فى هذه الأيام تخبر أن عظيم الدنيا وباش العسكر المنصور الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير حل ركابه بها فى ثالث عشر ذى الحجة سنة خمس وسبعين وثمانى مائة فى أبهة وافرة وحشمة باهرة وحرمة زائدة ومهابة وكلمة نافذة وصولة عظيمة وعسكر عظيم فى خدمته يزيد على ما توجه صحبته من القاهرة مثله. وذكر أنه فى أول هذه السنة يتوجه للعدو المخذول شاه سوار. واستمرت حوانيت مصر وشوارعها وأزقتها مزينة بأنواع الحلل الفاخرة من البشاخين العنبر والحرير الكنخا والمخمل والنخ والمخيش والوقيد الذى لم يسبق إليه، بحيث لم نعهد أن وقع نظير ما ذكر فى عصر من الأعصار ولا دهر من الدهور، ولا فى محمل ولا فى حضور قاصد تمرلنك ولا فى عود سلطان من السفر بمثل هذه الزينة والوقيد الذى بسائر المدينة حتى خرجت البنت من خدرها، لكن ترتب على هذا من المفاسد مالا يحصى ولا يحصر من شرب الخمور وتهتك النساء مع الرجال مع الصبيان وانهماك العوام والأكابر والأواسط على استمرارهم فى ذلك بحيث أنه لم يقع له أمر مثل هذا سيما عدم تعرض المماليك السلطانية لأحد من الخلق ببنت شفة.
[فى] يوم الجمعة تاسعه نودى فى البلد بالمدراء بوفاة قاضى القضاة برهان الدين ابراهيم بن قاضى القضاة شمس الدين أخى قاضى القضاة سعد الدين الحنفى
стр. 339
شيخ المؤيدية ومدرسة مزدادة، فنوجه القضاة ومشايخ الإسلام إلى المؤيدية ومشى الغالب فى جنازته، وركب السلطان - نصره الله - حتى صلى عليه بمصلى المؤمنى، وصلى عليه إماما قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى على خلاف العادة، وشكر عظيم الدولة المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين بين يدى السلطان صاحب الترجمة بحضور قضاة القضاة ومشايخ الإسلام ووصفه بالعفة والديانة والنظر السديد فى الأمور سيما فى أوقاف الحرمين والحنفية. وتكلم الشيخ زكريا الشافعى مع السلطان فى هذا المجلس بالوصية على ولده وأن لا يخرج عنه شئ من تعلقات أبيه، كل ذلك والسلطان ساكت.
لكن بلغنى أن الأمير جانم والأمير تغرى بردى دوادار المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار وخازنداره ذكروا لرئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين أن الأمير الدوادار الكبير - حفظه الله - أوصاهم أن مشيخة المؤيدية بعد القاضى برهان الدين الديرى تكون للشيخ فلان وأن مزدادة تكون للشيخ شمس الدين الأمشاطى، وأخذ خط الأمير تغرى بردى الخازندار وخط المقر الزينى ابن مزهر حفظه الله بذلك، وقرر الحال أن المؤيدية يكون أمرها للمقام الشريف - نصره الله - يوليها لمن يختار. وأشيع أن السلطان - نصره الله - سأل بالمؤيدية الشيخ قاسم الحنفى فامتنع من ذلك وقال الشيخ قاسم الحنفى أحق منى وأعلم. وكتب ولده محمود توقيعا بتعلقات والده كالجوالى وغيرها وهو يسعى فى الوظيفتين المتقدم ذكرهما، ووقف (١) للسلطان بسببهما كلام فج غث.
ليلة الأحد حادى عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى شيبين وصحبه المقر الأشرف الأتابك أزبك وبقية الأمراء والخاصكية والأعيان.
стр. 340
وتوجه الثقل مع (١) الأمير أزدمر - أمير منزل - ومع مهاترة الفراشين من الليل فبينما السلطان يساير ركابه الأمراء وإلى جانبه الأمير الكبير، وثب فرس السلطان على فرس الأمير الكبير فشبت به والفرس قوى الظهر شرير جدا، فاتفق أن عمامة الأمير الكبير سقطت من رأسه فالتفت ليأخذها فضرب فرسه فجاءت فى ساق السلطان فتجلد لها وكتمها، ثم إن الأمير تمر حاجب الحجاب نزل عن الفرس الذى هو راكبه وتقدم إلى السلطان فكبّس رجله مكان الضربة، واستمر السلطان يكتم ذلك إلى أن وصل إلى شيبين قوى عليه الألم فطلبوا المجبرين والمزينين والمحفة، ورجع السلطان وبات بالتربة، وأصبح يوم الإثنين ثانى عشره فركب الفرس وطلع إلى القلعة إلى أن وصل البحرة بالحوش السلطانى [و] نزل فحمله على ظهره شخص من الخاصكية من إخوة الأمير تنبك قرا الدوادار الثانى ودخل به إلى البحرة، وكان الخبر وصل إلى القاهرة بما وقع للسلطان من الضربة التى جاءت فيه فارتج البلد وأصبحوا [وقد] هدّوا ما كان فى البلد وحوانيته وأزقته من الزينة والوقود وصاروا فى هرج ومرج، فبادر رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى ناظر الإنشاء الشريف - بلغه الله سؤله، وحفظه وأدام وجوده - وأمر الأمير يشبك من حيدر متولى الحرب السعيد بحضور السلطان والأمراء أن ينادى فى البلد «بالأمان والاطمئنان وأن أحدا لا يهدم الزينة ولا الوقود، ومن هدم سأفعل به كيت وكيت» وأرسلوا فى البلاد الشامية وغيرها أن السلطان طيب بخير وسلامة، خوفا - والعياذ بالله - من الخلف بين الأمراء المسافرين، والحمد لله على اطمئنان المسلمين، وله الحمد على ما أولى وأنعم.
يوم الخميس خامس عشره أشهر النداء بالقاهرة أمام الوالى حسب المرسوم الشريف أن أحدا من النقباء والرؤس النوب لا يأخذ من السجان
стр. 341
على المسجون الذى يودعه عنده شيئا، وأن سجانا لا يأخذ من أحد يزور السجون شيئا، وأن زوجة السجانى لا تأخذ شيئا فى كل ليلة جمعة كما كانت عادتهما، وأن يكتب عليهم قسائم بأن لا يعودوا لذلك، فكثرت الأدعية للسلطان والله المستعان.
وفى أمسه شرب السلطان دواء ولم يمكّنوا أحدا من الدخول إليه، فبلغ ذلك المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله - بعد أن صعد فرجع، وأخبروا السلطان بذلك فتغيظ لأى شئ استأذنوا عليه وهو الذى كان سببا لإبطال هذه المظالم عن المسجونين. فحفظه الله.
يوم الجمعة سادس عشره لم يصلّ السلطان الجمعة وصعد الأمراء فصلوا ودخلوا بين يديه فسلموا عليه وسقاهم المشروب وعادوا المنازلهم.
وفيه هد غالب أهل المدينة الزينة ولم يتأخر إلا أناس قلائل، والأعمال بخواتيمها.
يوم الأحد ثامن عشره وصل الخبر من الينبوع أن سبعا سلطانها الذى توجّه بخلعته إليها من مصر حصل بينه وبين سلطانها المعزول المسمى «خنافر» مقتلة بالملتقى فقتل خنافر وولدا عمه وعدة أكملوا أربعين نفسا، وانجلت الحرب عما ذكرنا.
ووصل الخبر عن الحاج أنهم تأخروا عن العادة بثلاثة أيام أو يومين بسبب ما حصل عليهم من العطش والغلاء وغير ذلك، والله الحاكم والمالك.
وانحصرت مشيخة المؤيدية فى الشيخ الصالح العالم سيف الدين الحنفى وشرط شروطا ستذكر عند ولايته.
ودخل الأول بركة الحاج يوم الخميس ثانى عشريه بعد الظهر وقاسى شدة
стр. 342
عظيمة فإنهم تأخروا بالينبوع زيادة عن العادة يومين لأجل عليق أمير الحاج حتى وصل إليه، وصار أمير المحمل يحثّ (١) أمير الأول فى السير فما وسع أمير المحمل إلا التوجه بالمحمل وداس الأول، وطلع أمير الأول للسلطان هو وأمير المماليك المجاورين بمكة يوم الجمعة ثالث عشريه فخلع عليهما على العادة، وخلع على أخى ناظر الجيش وعلى أمير المحمل صهره وعلى الخواجا ابن الزمن، وحضر أخو القاضى برهان الدين ابن ظهيرة المعزول عن قضاء مكة ونزل عند المحتسب وهو مترجّى العود لأخيه.
وفى هذه الأيام برز مرسوم قاضى الحنفية لنوابه يتضمن أنهم لا يحكمون إلا فى مجالسهم ولا يعزرون أحدا إذا وجب عليه تعزير إلا بالباب العالى، وكم يقع مثل هذا فى الوجود ولا اعتبار له فيه.
*** وفى العشر الأخير من شهر تاريخه وصل الخبر من البلاد الشامية أن قرقماس نائب ملطية خرج فى جحفل عظيم لقتال المخذول شاه سوار لأنه بلغه أنه فى فئة قليلة، ولقرقماس المذكور عادة بنهبه وأخذ أمتعته، وقيل إن تجار المماليك أخبروه عن شاه سوار وجماعته أنهم نهبوا ما معهم من مماليك وجوار وأنهم فى فئة يسيرة، فالتقى بهم وكسرهم كسرة شنيعة كما هى عادته وفروا منه فلحقهم فخرج عليهم عدة كمائن فقيل إنه أصيب فى عينه وتكاثروا عليه وصار يقاتلهم حتى قطعوا يد فرسه ورجله فسقط وأسر، ورسم للأمير إينال الحكيم باستقراره فى ملطية.
ووصل الخبر أيضا أن الأمير إينال الأشقر وقع له قتال مع جماعة شاه سوار وأنه كسرهم كسرة شنيعة بعد حروب طويلة وأنه جرح. فالله أعلم.
стр. 343
يوم الاثنين سادس عشريه طلب الشيخ سيف الدين الحنفى إلى السلطان بالبحرة فقام إليه واعتنقه وأجلسه وخلع عليه جندة صوف بسمور بمشيخة مدرسة الملك المؤيد أبى النصر شيخ بمساعدة القاضى برهان الدين الكركى الإمام عوضا عن قاضى القضاة برهان الدين بن الديرى، وركب مع الشيخ سيف الدين الإمام المذكور والشيخ أمين الدين الأقصرائى، وركب قاضى الحنفية ابن الشحنة ولاقاه من مدرسة آق سنقر، وكذلك القاضى الشافعى لاقاه من جامع الماردانى ونواب القضاة، وتوجهوا معه إلى المدرسة المذكورة فصلى بها ركعتين ولم يتكلم فى شئ، غير أن عيال القاضى برهان الدين المتوفى، أقاموا الصراخ واللطم والعياط.
وتوفى القاضى أبو الفوز محمد ربيب الشيخ شمس الدين الأمشاطى فى يوم الأحد خامس عشريه وصلى عليه بالجامع الحاكمى، وحضر القضاة الأربعة الصلاة عليه والمشايخ كالشيخ أمين الدين وغيره من الطلبة والنواب، كل ذلك لأجل عمه زوج والدته الشيخ شمس الدين المذكور، وخرجت وظيفته التى بالأشرفية برسباى لقريبه الشهابى أحمد بن إسمعيل الحنفى.
شهر صفر الأغر الميمون
أهل بيوم السبت لأن المحرم جاء تماما.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه بالحوش السلطانى ودعوا وانصرفوا ولم يقع شئ غير الدعاء والسلام.
وفى يوم الأحد ثانيه وصل قاصد عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وباش العسكر المنصور وما مع
стр. 344
ذلك - أعنى به يشبك من مهدى مهد الله السعادة وبلغه من الخيرات ما أراد وحفظه - وأخبر أنه أخذ عنتاب بعد أن أقام عليها عشرة أيام وأنه خرج من حلب فى أول المحرم، وقيل إن القاصد الذى أخبر بذلك من [جهة] نائب قلعة حلب ومن ابن الصوة فخلع عليه، وأن قاصد الأمير الدوادار الكبير الشرفى الأنصارى وأنه تأخر حضوره بسبب توعك حصل له، وأخبر القاصد المحضر بأخذ عنتاب أن الأمير الدوادار حفر خندقا ورمى عليها (١) بالمكاحل والكفيات وغير ذلك، وهدموا منها برجا يسمى «برج الماء» فطلبوا الأمان فأرسل إليهم الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب وقاضى العسكر ابن أجا ورجعا وصحبتهما قاصد من نائب القلعة، وصار الفاصد متحيرا وفى وجهه كلام، فقال له الأمير الدوادار حفظه الله: «فى وجهك كلام ماذا تريد؟» قال: «تحلف لى بالله العظيم أنك ما نشوش علىّ ولا [على] من بالقلعة والمدينة؟» فحلف له وعاد ورجع وصحبته المفاتيح، فسلمها لباش العسكر المنصور حفظه الله فأكرمهم وخيرهم بين أن يقيموا عنده ويعطيهم إمرة بحلب أو يتوجهوا إلى شاه سوار، فاختاروا الإقامة بحلب، فضافهم الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب إليه وفرح المسلمون بذلك، وخلع على القاصد المخبر بذلك. وحضر بهذه البشارة من عظيم الدنيا الدوادار الكبير القاضى شرف الدين الأنصارى فإنه سأل فى ذلك فحصل له توعك فى أثناء الطريق فتأخر، وإذا حضر فى خير وعافية يتضاعف السرور والأفراح والخلع وأمثال ذلك، فلله الحمد آمين.
وفى الخميس سادس صفر خلع على أقارب سيدى الشيخ القدوة العارف بالله المعتقد أحمد الرفاعى عوضا عن الشيخ نجم الدين ابن الشيخ زين الدين
стр. 345
شيخ الأشرفية بتربة برسباى بالصحراء بحكم عزله، وأنعم السلطان عليهم بألف دينار.
وورد الخبر من دمشق بعزل قاضيها الحنفى العجلونى وباستقرار نائبه شمس الدين الحلاوى عوضا عنه، وكذا عزل القاضى المالكى بها واستمر فى وظيفته شخص مغربى يعرف بالمرينى.
وفى يوم الخميس المذكور وصل الأمير لاجين أمير مجلس من سفره وصعد بين يدى السلطان فقبّل الأرض وخلع عليه ونزل إلى داره مكرما مبجلا.
وفى السبت ثامنه وصل الأمير جانبك الإينالى الشهير بقلقسيز من الأعمال بالوجه القبلى وصعد للسلطان، فقام له نصف قومة واعتنقه بعد أن قبل جانبك الأرض وباس يده (١) فخلع السلطان عليه ونزل إلى داره مكرما مبجلا، وتوجه الأمراء للسلام عليه.
ليلة الجمعة المصبحة عن سابعه غرقت المعدية المتوجهة لأبنوبة بجميع من فيها من الرجال والصبيان والدواب، ولم يطلع منهم إلا الغرقا الذين لهم أهل، وبقية الغرقا استمروا طعما للسمك، ودخل بعض الغرقا من باب القنطرة فشاهدناهم وقد انتفخوا ونتنوا.
وفى يوم الأربعاء ثانى عشره حضر المقر الأشرف الكريم العالى المولوى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى أمير كبير وصحبته الأمير تمر حاجب الحجاب الظاهريان من سفرهما بالشرقية فى جحفل عظيم وهرتك جسيم، وبين يديه عدة من المفسدين منهم موسى بن عمران الذى خرب البلاد
стр. 346
وأظهر الفساد وشاع صيته بأنه غاية فى قتل النفس وأخذ الأموال، وعجز عن تحصيله مشايخ العرب والكشاف وهو من فلاحى المقر الأتابكى، فرسم السلطان بسفره والقبض عليه فقبض عليه وعلى شخص من مقولته يعرف بأبى طاجن وعدة من المفسدين نحو ثلاثين رجلا فسمرهم وأرسلهم لبين يدى السلطان صحبة الأمير تمر المذكور، ثم حضر المقر الأشرف الأتابكى إلى منزله فى جحفل عظيم وهرتك جسيم من مماليكه وخجداشيته وأعوانه والشطفة على رأسه وحوله النفطية والمشاة وعدة من المماليك السلطانية، فخلع عليه وعلى الأمير تمر المذكور وأرسل إليه المفسدين ليخلص أمواله منهم ويفعل بهم ما يراه.
وفى هذا اليوم - الذى هو الأربعاء ثانى عشره - ركب السلطان وتوجه إلى القرافة وقيل إلى طرا، وهرع لخدمته الأعيان والخدام حتى المغانى.
يوم الخميس ثالث عشره عرضوا على السلطان موسى بن عمران وجماعته فضرب بين يديه بالمقارع ضربا مبرحا، ورسم - نصره الله - بقطع يد اثنين من المشاة كانوا يرمون بالنشاب بين يديه وبتوسيط شيخ يسمى الجذيمى كان عنده برسم قتل المسلمين.
وفيه ركب السلطان وتوجه إلى الإيوان الذى أمر بعمارته بالقلعة عند باب النصر، ورسم لرئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله بالتحدث عليه فأعجبه وأمرهم بالنهضة والمبادرة إلى فراغه، ورسم لهم بصرف ما احتاجوا له من المال.
ورسم - نصره الله - بألف دينار تصرف فى عمارة جامع القلعة وأن يوسعوا مطهرته ويجروا له الماء، فجزاء الله خيرا دنيا وأخرى.
стр. 347
وفى هذه الأيام كثرت الشكاوى فى ابن غريب المتكلم فى الوزر والأستادارية من ظلمه وجوره وهدده السلطان وأوعده، وما صعد أحد إلى السلطان يشكو من كبير ولا صغير ولا جندى ولا أمير ولا غيره إلا وبنصفه بالقول والفعل. فنصره الله.
يوم الأحد سادس عشره وصل هجان من عند الأمير الدوادار الكبير سهل الله عليه كل عسير، وهو الذى كان وجهه السلطان لما حصل له الضربة فى ساقه من فرس الأتابك أزبك من ططخ، [يخبر] أنه طيب بخير وعافية وسلامة وهو لا بس خلعة، وأخبر بسلامة العسكر وأن عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله أرسل ابن رمضان وصحبته جماعة من العسكر السلطانى فأخذوا مدينة طرسوس وأدنة بعد أن تقاتلوا مع من فيهما وقتل من الفريقين، وقتل من العسكر شخص من أقارب السلطان يعرف بالأبلق. والمرجو من كرم الله تعالى الظفر بالعدو المخذول إن شاء الله تعالى.
ووقعت بطاقة المقر الأشرف الأنصارى من قطيا فى سادس عشره وهرع الناس لملاقاته والسلام عليه. وحضر فى يوم الثلاثاء ثامن عشره وصعد بين يدى السلطان وقبّل الأرض وقرئت مطالعات عظيم الدنيا الدوادار الكبير رده الله على المسلمين ردا جميلا بعد قضاء مأربه وخلع عليه كاملية سمور بطرز زركش، وركب فى خدمته أعيان الناس كقاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى والقاضى تاج الدين عبد الله بن المقسى ناظر الخواص الشريفة، والشيخ الإمام برهان الدين الكركى الإمام، وشرف الدين ابن غريب المتكلم فى الوزارة والأستادارية والقاضى عبد الكريم بن جلود كاتب المماليك وأمثالهم، وحضر إليه بعد ذلك بقية المباشرين والأعيان فكان له يوم مشهود وهنأه أحبابه وأصحابه بعوده، ورضى الأمير الدوادار عنه وذلك على خلاف القياس فإنه
стр. 348
كان بينه وبينه نفرة وحشة فزالت ولله الحمد، وما خاب من دعى له و [من] لوحظ من الفقراء والصالحين.
وتقدم قبل هذا عقد مجلس بين يدى السلطان - نصره الله - بقضاة القضاة بسبب أن القاضى برهان الدين ابن ظهيرة المعزول عن قضاء مكة المشرفة ثبت عليه وقف يتعلق بشخص بعرف بابن الفاكهانى قاضى المدينة الشريفة ثم رجع عنه لما قام عنده فى ذلك، وحضر المجلس أبو البركات - أخو القاضى برهان الدين المذكور - فقال السلطان: «يا مولانا: لا تسمع فينا كلام المتعصبين» فبادر السلطان - نصره الله - ولعن من يتعصب عليه.
ثم إن أبا البركات المذكور سبق لسانه وقال يكون بريئا عن دين الإسلام إن كان أخوه فعل ذلك لأجل غرض فإنهم نسبوه إنه ما فعل ذلك إلا كون ابن الفاكهانى من أصحاب الخواجا ابن الزمن، فرسم السلطان - أدام الله دولته وثبت قواعدها - بكتابة مراسيم شريفة إلى مكة المحروسة وأن يذكروا صورة الحال، ثم بطل ذلك بغيره.
*** يوم الجمعة الحادى والعشرين من شهر صفر الأغر الميمون الموافق له من أيام الشهور القبطية سادس عشر مسرى (١) القبطى بعد أن توقف ثلاثة أيام وهو يزيد كل يوم إصبعا وإصبعين وأصبعا، وحصل الخير بمعونة الله سبحانه، ورسم السلطان للمقر الأشرف الكريم العالى المولوى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ - عز نصره - أن يتوجه إلى المقياس على العادة ويفتح فم الخليج فركب فى مماليكه وخجداشيته وأعوانه وخدمه، وصحبته من الأمراء سنباى
стр. 349
أمير آخور وأزبك ناظر الخاص ويشبك من حيدر الوالى والزردكاش وكان له يوم مشهود، وفعل ما أمر به وخلع على من له عادة ثم عاد لحضرة مولانا السلطان - نصره الله - فخلع عليه وشرب مشروبا وعاد إلى داره فى غاية العزة والضخامة، ولله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك.
وتوفى الشيخ الصالح المعتقد الربانى شهاب الدين أحمد بن مظفر (١)، وكان كما ذكر شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر - رحمهما الله - هو ووالده من الصلحاء الدينبين وله كلمات حسنة سهلة لطيفة وأدعية نافعة [وكان] ملازما للتلاوة سريع الدمعة وهيئته جميلة وزهارته ظاهرة، اتفقت وفاته فى يوم السبت المبارك الثانى والعشرين من شهر صفر الأغر سنة تاريخه أى ست وسبعين وثمانى مائة، وحضر جنازته جماعة من الفضلاء والعلماء والصلحاء والفقراء ومنهم شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى وصلى عليه بباب النصر، وكان له مشهد عظيم مع الثناء الجميل.
يوم الثلاثاء خامس عشريه رسم السلطان - نصره الله - بتسمير فلاحى الأتابك أزبك الذين قبض عليهم قبل تاريخه موسى بن عمران وتوسيطهم وهم من بنى سعد وحرام، فوسطوا خمسة عشر منهم بباب النصر وأربعة بقنطرة الحاجب، وأراح الله البلاد والعباد منهم، ولما بلغ بنى سعد وحرام توسيطهم ركبوا وأغاروا وانتهبوا عدة قرى وبلاد فبلغ السلطان نصره الله ذلك فرسم للأمير تمر حاجب الحجاب أن يتوجه من وقته بمماليكه وأعوانه ليكبس عليهم فخرج فى ليلة الأربعاء المسفرة عن سادس عشرى شهر تاريخه. والذين وسطوا فيهم صبى أمرد دون البلوغ، وسألوا فى الإعفاء عنه فما أجيبوا.
стр. 350
وفى هذه الأيام تغيّظ السلطان على القاضى عز الدين بن العبسى ناظر الأحباس المبرورة، فرضى عليه بعد أن يقوم بألف دينار، ووقع بينه وبين الشيخ شمس الدين الجوجرى (١) الشافعى مخاصمة كعادتهما وترافعا عليه أنه قذف زوجته وأساء عليه وثبت ذاك عنده فأمر بحبسه ماشيا إلى البرج بالقلعة، فحبس فيه ثم أعيد إلى الدبلم (٢) ثم أفرج عنه.
واتفق أيضا أن قاسم الوزير المعزول - الذى ضمنه رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله لعظيم الدنيا الدوادار الكبير فى مبلغ جملته سبعة آلاف دينار وأنزله فى داره وهرب، ووزن المقر الزينى ما عليه لمن ضمنه له ولم يوف له بشئ - وقف للسلطان ورافع فى ابن غريب وقال إنه مثبت فى جهته للسلطان عشرون ألف دينار فلم يلتفت السلطان إليه لعلمه أن الأمير الدوادار الكبير حفظه الله من جهته، ثم إن ابن غريب أغرى السلطان عليه وذكر أن فى جهته للدولة الشريفة مالا، فرسم لنقيب الجيش بالترسيم عليه وأظهر قاسم فاقة زائدة، وأرسل يستعطى بالورق من المباشرين والأعيان، فأخبر نقيب الجيش السلطان بحاله فرسم بإيداعه فى الحديد بسجن الديلم.
يوم الجمعة ثامن عشريه ركب السلطان من البحرة إلى الجامع والأمراء ينتظرونه بباب الحريم، وصلى بالجامع وفرشت له الشقق المخمل الكفوى من باب الحريم إلى باب الجامع ونهب ذلك المماليك والغلمان، والله المستعان. واجتمع بحريم السلطان من المغانى والفرح والمدات ما يليق بهم، وفى الواقع فلله الحمد والشكر على عافية مولانا السلطان نصره الله.
стр. 351
وأصبح يوم السبت فركب السلطان وتوجه إلى القرافة فلعب بحضرته الرماحة فنصره الله على أعدائه آمين.
وفيه وصل الخبر بأن عظيم الدنيا الدوادار الكبير - دامت سعادته - أخذ سيس وقلعتها، فلله الحمد والفضل والمنة.
شهر ربيع الأول
اختلف فى إثباته اختلافا زائدا، فشهد جماعة من المؤقتين عند القاضى الشافعى برؤيته ليلة الأحد فما قبلهم (١)، وصعد يوم الإثنين لتهنئة السلطان بالشهر ورفقته قضاة القضاة وكنت معهم، فلما جلسوا وهنّوه بالشهر قال له السلطان - نصره الله -: «الشهر من البارح» فأخذ عنه القاضى الحنفى فى الجواب، فقال السلطان: «أنا رأيته الليلة الماضية وهو كبير»، فقال القاضى المالكى: «الكبر ما هو شرط» وانصرفوا.
ثم إنى رأيت فى يوم الاثنين قصة بخط القاضى الشافعى مؤرخة بثالث ربيع الأول، فعلمت أن القاضى الشافعى أثبت الشهر كما قال السلطان (٢)، والله المستعان.
وفى هذا اليوم أو الذى بعده وصل سلاخورى وهجان من عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى؟؟؟ من مهدى - مهد الله له البلاد والعباد - وأخبر أن الأمير؟؟؟ كور طيب، وأن العساكر والأمراء كذلك وهم مقيمون على عينتاب. و؟؟؟ أن شاه سوار المخذول جهز جماعة من أخصائه وأعوانه وأمرائه نحوا من ستمائة نفر وأكمنوا فى بعض الطرق بالقرب من عينتاب ليمنعوا الميرة الواصلة إليهم والمتاجر والبضائع، فأرسل إليهم الأمير خير بك
стр. 352
من حديد الأشرفى وصحبته أربعمائة مقاتل من جهة، وأرسل الأمير إينال الأشقر وصحبته ما ذكر مع خير بك، وتوجه كل أمير بجماعته من جهة، فالتقى الأمير خير بك بهم فقتل من أعيان السوارية (١) ثلاثين نفرا وقبض منهم على جماعة وهرب الباقون. وجرح من العسكر بعض جراحات سالمة، فأكرم السلطان القاصد وخلع عليه كاملية سمور، وخلع عليه بقية الأمراء الألوف كوامل فاجتمع له ثمانى كوامل، وأعطاه السلطان فوقانيا بطراز زركش ومائة دينار وفرسا عظيمة، ولله الحمد على ذلك.
يوم السبت سابعه طلع الوالى بثلاثة من الحرامية بين يدى السلطان فرسم بتوسيطهم فشفع فيهم الدوادار الثانى فقطعت أيديهم.
وفى هذه السنة كثر غرق الناس بالبحر والخلجان حتى النسوة، والأمر لله.
ووصل الخبر فى هذه الأيام أن شاه سوار ركب للصيد فساق فرسه فكبابه فانكسرت رقبة الفرس وانكسرت رجله اليسرى، فحمل إلى محل إقامته، وحصل ريح عاصف فانكسرت خيمته.
وفى هذه الأيام كثر النداء بالقاهرة على لسان متولى الحرب عن المقام الشريف - نصره الله - أن أحدا لا يشكو إليه حتى يقف لقضاة القضاة وللحكام فإن لم يخلص يصعد إليه، فإن القصص والشكاوى كثرت لديه على الأكابر والأصاغر حتى شكى عظيم الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله شخص يسمى يوسف السمسار على ما بلغنى ممن أثق به فإنه احتال عليه من جهة عبد الرحمن بن الكويز وقبل حوالته وحاسب بالحوالة ابن
стр. 353
الكوير وكتب عليه بها مسطورا، فلما عزل ابن الكويز وله عليه مال غير هذا أراد [أن] يتخلص فلا بارك الله فيه. وشكى المحيى ابن الشحنة قاضى الحنفية للسلطان بسبب دين عليه.
وفى يوم الأحد خامس عشره عمل المولد السلطانى على العادة وحضره قضاة القضاة والأمراء الألوف الموجودون بالقاهرة - وهم ثمانية أنفار - خلا قراجا (١) الطويل فإنه لم يحضر، وكان مولدا عظيما وسماطا حافلا وهيئة عظيمة.
وانقطع سد سنيت على البحر، ولا بالى به.
وانتهت زيادة البحر إلى يوم تاريخه الذى هو السابع عشر من ربيع الأول الموافق الخامس توت إلى أصبع من تسعة عشر ذراعا.
وفيه كسر سد الأمبوبة كسره الوالى وأعوانه، والحمد لله على هذه النعمة الجليلة.
وفى يوم السبت رابع عشره ركب السلطان - نصره الله - وتوجه لجامع عمرو بن العاص ليكشف عنه، فإنهم وقّفوا له أرباب الشعائر وذكر له أن أرباب الوظائف ما يباشرون، فركب وكشف الجامع بنفسه وتصدق على جماعة من المجاورين به ورسم بعمارة ما تهدم منه؛ فتقبل الله منه قبولا جميلا ونصره نصرا عزيزا.
وتوفى الشيخ الصالح المجذوب المعتقد محمد بن صالح الأزهرى (٢) فى يوم الأحد ثانى عشريه وكانت تذكر له كرامات، وكانت له جنازة مشهودة وحضرها جماعة من أعيان الدولة، نفع الله به.
стр. 354
يوم الخميس سادس عشريه صعد المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط إلى القلعة من سفره من البلاد الشامية وقبل الأرض وعليه كاملية فحمل أحمر بسمور خلعها عليه الأمير حاجب الحجاب بدمشق عن نائبها هذا، بعد أن خرج الناس لملاقاته إلى الخانكاه وإلى بلبيس، وركب فى نويسات، وأوقد له أهل الذمة اليهود والنصارى لكونه ناظر الجوالى، وهرع الناس للسلام عليه، ولم يخلع عليه السلطان شيئا.
يوم الجمعة سابع عشريه قدّم المقر الأشرف الزينى سيدى أبو بكر ابن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط للسلطان من الخيول خمسة وثلاثين فرسا، ومن البغال عشرة أرؤس، ومن البعلبكى مائة ثوب، ومن الشقق الحرير مائة شقة، ومن المخمل الكفوى والصوف والسنجاب والسمور والوشق والشواشى شيئا كئيرا.
وسمعت غريبة هى أن شاه سوار المخذول جهز جماعة من جهته فى هيأة العثمانية خديعة للأمير الدوادار الكبير يسألونه فى الصلح بينه وبين شاه سوار المخذول، فلما وصلوا إليه أكرم مثواهم وأنزلهم وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، فنم جماعة منهم عليهم عند بعض الأمراء أن سوارا هو المجهز لهم وأنه قصد الكبس عليهم ويكون هؤلاء معهم الخبر فقبض عليهم وقيّدوا، والله أعلم بحقيقة ذلك، إنه العالم والحاكم.
شهر ربيع الآخر
أهل بيوم الثلاثاء الموافق له من أيام الشهور القبطية تاسع عشر توت.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت حاضرا مع النواب، فوقف شخص للسلطان يشكو القاضى الشافعى بسبب خان السبيل الذى تحت نظره، وأنهى أن بالخان مسجدا وأن الجمالين
стр. 355
جعلوه مخزنا لمتاع الجمال ويخيطون فيه الزرابيل، وأنه منعهم من ذلك فتعصب عليه جماعة وأحضروا له رسلا من عند القاضى الشافعى ونائبه ابن مظفر وصار يشتكى ويستشكى، ومن جملة ما صدر منه الكلام واللغط أن قال: «أطلع إلى الله!!»، وسمع ذلك قاضى القضاة المالكية وأنكره وأراد أن يفعل معه الشرع فقال له بعض رفقته: «يبلغ السلطان فيقول تعصب القضاة عليه»، كل ذلك بجامع الفلعة، ثم طلبوا ودخلوا بالحوش السلطانى فهنّوا السلطان وجلسوا، فبادر المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وقال لقاضى الحنفية:
«عرفت السلطان عن وقف بنت يشبك بن آقبردى تدخل عليكم حتى قررتموه نائبا عنكم وأنه لم يصرف لأحد من المستحقين شيئا ولا يوقفكم على حساب الوقف وأن سيدى عبد البر الذى توجه لحلب ما تكلم على الوقف المذكور، فلما بلغ المسامع الشريفة ذلك رسم على آقبردى ورسم بتجهيزه إليكم لتعملوا مصلحة المستحقين ويعمروا التربة من الفائض»، ثم خاطب رئيس الدنيا ابن مزهر المذكور حفظه الله قاضى الحنفية فقال له: «وقفت عجوز فى قفص حمال للسلطان بهذه القصة مضمونها أن لها استحقاق (١) فى نظر على وقف، وأن ثم من يعارضها وينازعها فى ذلك بغير طريق شرعى، وأن غريمها سألكم فى قصة تعينوها له فامتنعتم، ثم بعد ذلك عينتموها على الشيخ خير الدين السنسى» فقال القاضى المالكى: «هذه المرأة حضرلى غريمها بمكتوب مكشوط مظلم فما رضيت أعيبه» فقال له الحنفى: «مرسوم السلطان أنت تكلم فيه بنفسك»، وهذا بعد أن قال الحنفى للسلطان وللحاضرين إن كتابته على الفصة حياء مما سأل فى التعيين، وانصرفوا على أن لا يحكم فى هذا الوقف إلا القاضى الحنفى وإن توجهوا إلى غيره من القضاة فلا يحكم فيهم إلا قضاة القضاة، وقرءوا الفاتحة ودعوا وانصرفوا.