الذي قصدوا به تفريق المسلمين، وانخدع به بعض علمائهم ومؤرخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهذا خطأ.
والذين يدَّعون أنهم من آل البيت، ويُسمون بالسادة، عليهم أن يتأكدوا من صحة نَسبهم؛ لأنَّ الله لعن مَنْ انتسب إلى غير أبيه (١)، فإذا ثبت نَسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي، وعدم الرضا بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم، وأن لا يتميزوا عن إخوانهم المسلمين بزي خاص؛ لأنَّ ذلك كله مخالف لما عليه الرسول، وهو منه بريء، والأكرم عند الله الأتقى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا.
التعليق
هذه الجملة شرح فيها الشيخ ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة أخذًا من قوله ﵊ لما قيل له: مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، فأهل السنة والجماعة هم الذين اقتفوا آثار الصحابة رضوان الله عليهم وتحرَّوا سنة رسول الله بأقواله وأفعاله، وآمنوا بكل ما أخبر به من أسماء الله وصفاته، وما أخبر به عن اليوم الآخر، وقاموا بالحقوق: بحق النبي ﷺ إيمانًا ومحبةً وتوقيرًا
стр. 107
وتعزيرًا له، وبحق الصحابة رضوان الله عليهم اعترافًا بفضلهم وإنزالًا لهم بمنازلهم، وكذلك أزواج النبي ﵊؛ فمذهب أهل السنة والجماعة يقوم على الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله وعلى طاعة الله ورسوله، فالفرقة المستقيمة على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه هي الفرقة الناجية؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «كلها في النار إلا واحدة»؛ وهي المنصورة؛ لقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١)، فهي موصوفة بالنجاة وبالنصر.
والفرقة الناجية المنصورة هم أهل السنة والجماعة، الذين التزموا طريقة الرسول ﷺ ، وما عليه جماعة المسلمين، واعتصَموا بحبل الله جميعًا، وجانبوا الفُرقة وأسبابها. والفرقة والطائفة معناهما متقارب.
وقوله: (الفرق الناجية): الصواب: الفرقة الناجية كما في الحديث: «إلا واحدة».
وقول الشيخ في حديث الفرق: (رواه البخاري ومسلم) خطأ، إنما رواه أهل السنن، قال شيخ الإسلام عن الحديث: إنه حديث مشهور رواه
стр. 108
أهل السنن والمسانيد (١)، ولعل الشيخ انتقل ذهنه إلى حديث الطائفة المنصورة؛ فإنه في الصحيحين عن جماعة من الصحابة.
وقوله: (وانخدع به بعض علمائهم ومؤرخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهذا خطأ): لا يستقيم المعنى المقصود بهذه العبارة، فينبغي أن تكون: فانخدع بهم بعض مؤرخي المسلمين من أهل السنة أو غيرهم؛ فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهو خطأ كما قال المؤلف.
وقوله: (والذين يدَّعون أنهم من آل البيت، ويُسمون بالسادة، عليهم أن يتأكدوا من صحة نَسبهم ؛ لأنَّ الله لعن مَنْ انتسب إلى غير أبيه، فإذا ثبت نَسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي، وعدم الرضا بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم): يعني على المنتسبين لبيت النبي ﷺ الذين يسمون الأشراف أن يتواضعوا ولا يفخروا على الناس بنسبهم، ولا يرضون من الناس بالغلو فيهم.
* * *
стр. 109
الحكم والتشريع حق لله وحده وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة
ومن معنى لا إله إلا الله الذي يجب اعتقاده والعمل به: أنَّ الحكم والتشريع حق لله وحده، فلا يجوز لأحد من البشر أن يضع قانونًا مخالفًا لشريعة الله في أي أمر من الأمور، ولا يجوز للمسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يجوز له أن يرضى بحكم يخالف شريعة الله، ولا يجوز لأحد أن يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، فمن فعل ذلك متعمدًا المخالفة أو رضي به فهو كافر بالله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة]. ووظيفة الرسل التي بعثهم الله بها: هي دعوة الناس إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، والعمل بمدلولها وهو عبادة الله وحده، والخروج من عبادة المخلوق وشريعته إلى عبادة الخالق وشريعته وحده، لا شريك له.
ومن قرأ القرآن العظيم بتدبر وبُعد عن التقليد الأعمى أدرك تمامًا أنَّ ذلك الذي بيناه هو الحق، وأدرك أنَّ الله حدَّد علاقة الإنسان معه سبحانه ومع الخلق، فجعل علاقة عبده المؤمن به أن يعبده بجميع أنواع العبادة، فلا يصرف منها شيئًا لغيره، وجعل علاقته بالأنبياء وعباد
стр. 110
الله الصالحين محبتهم محبة تابعة لمحبته سبحانه والاقتداء بهم، وجعل علاقته بأعدائه الكافرين بغضهم؛ لأنَّ الله يبغضهم، وأن يدعوهم مع هذا إلى الإسلام، ويبينه لهم لعلهم يهتدون، وأن يجاهدهم المسلمون إذا رفضوا الإسلام، ورفضوا الخضوع لحكم الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فهذه المعاني لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يجب على المسلم أن يعرفها، وأن يعمل بها لكي يكون مسلمًا حقًّا.
التعليق
قوله: (الحكم والتشريع حق لله وحده، وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة): لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالحكم لله وحده فهو الذي يحكم الأحكام الكونية، فالكون كله بمشيئته وتقديره وتدبيره، وكذلك الحكم الشرعي، فالشرائع كلها بأمره ووحيه ، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]، جاء هذا في الأمر الكوني والأمر الشرعي، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف]؛ فالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب كل ذلك راجع إلى شرعه ، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله (١)، وقد أشار الشيخ إلى
стр. 111
بعض خصائص شريعة الله؛ وهي العدالة والرحمة والفضيلة، فأحكامها كلها متضمنة للعدل والرحمة؛ لأنها تنزيل من حكيم حميد، وتنزيل من الرحمن الرحيم، لذا كانت أفضل الشرائع، وأحكامها كلها حق، وكل ما خالفها باطل.
قوله: (ووظيفة الرسل التي بعثهم الله بها: هي دعوة الناس إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والعمل بمدلولها؛ وهو عبادة الله وحده): كلمة التوحيد تتضمن كل معاني التوحيد: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وهو الموصوف بكل كمال، وهو ربُّ كل شيءٍ ومليكه ، و «لا إله إلا الله» تتضمن هذا كله، ومِن مقتضياتها: اتباعُ شرعه ، وتحكيم كتابه وسنة نبيِّه ﷺ .
* * *
معنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله:
ومعنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: أن تعلم وتعتقد بأنَّ محمدًا رسول الله إلى الناس جميعًا، وأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب؛ بل يطاع ويُتَّبع، مَنْ أطاعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأنَّ تلقِّي التشريع سواء في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أو في نظام الحكم والتشريع في شتى المجالات، أو في التحليل
стр. 112
والتحريم، لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ ؛ لأنه رسول الله المبلِّغ عنه شريعتَه، فلا يجوز للمسلم أن يقبل تشريعًا أتى من غير طريق الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء].
معنى الآيتين: يأمر الله في الآية الأولى المسلمين أن يطيعوا رسوله محمدًا ﵊ في جميع ما أمرهم به، وأن ينتهوا عن جميع ما نهاهم عنه؛ لأنه إنما يأمر بأَمْرِ الله وينهى بنَهْيِه، وفي الآية الأخرى يقسم الله سبحانه بنفسه المقدَّسة أنه لا يصح إيمان إنسان بالله وبرسوله حتى يحكِّم الرسول فيما شجر بينه وبين غيره، ثم يرضى بحكمه ويُسلِّم، له أو عليه، وقال الرسول ﷺ : «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» رواه مسلم وغيره (١).
نداء:
إذا عرفت -أيها العاقل- معنى: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وعرفت أنَّ هذه الشهادة هي مفتاح الإسلام وأساسه الذي يُبنى عليه؛ فقل من قلب مخلص: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا
стр. 113
رسول الله»، واعمل بمعنى هذه الشهادة لتنال السعادة في الدنيا وفي الآخرة، ولتنجو من عذاب الله بعد الموت.
واعلم أنَّ من مقتضى شهادة «أن لا إله إلا الله محمد رسول الله» العمل ببقية أركان الإسلام؛ لأنَّ الله فرض هذه الأركان على المسلم ليعبده بأدائها بصدق وإخلاص من أجله تعالى، ومَن ترك ركنًا منها بدون عذر مشروع فقد أخلَّ بمعنى «لا إله إلا الله»، ولا تعتبر شهادته صحيحة.
التعليق
قوله: (ومعنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: أن تعلم وتعتقد بأنَّ محمدًا رسول الله إلى الناس جميعًا، وأنه عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب؛ بل يطاع ويتَّبع): ذكر في هذه الشهادة صفتين للنبي ﷺ لا بدَّ من الشهادة بهما للرسول: وصفُ العبودية، ووصفُ الرسالة.
الوصفُ الأوَّلُ: العبودية؛ فلا بدَّ من الشهادة بأنَّ النبيَّ محمَّدًا ﷺ عبدٌ لله، ليس له شيءٌ من خصائص الإلهية؛ فهو عابدٌ لربِّه، بل هو أعبدُ الناس، وأكملُهم عبوديةً، وقد ذكره اللهُ بهذا الوصف في أجلِّ المقامات: مقامِ التحدِّيِ، ومقامِ الإسراءِ، ومقامِ النَّذارةِ، ومقامِ الدعاءِ، وشواهدُ ذلك في القرآن، وهي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجنّ: ١٩].
стр. 114
الوصفُ الثاني: الرسالة؛ فهو عبدُ الله ورسولُه، فلا بدَّ من الشهادة بأنه رسولُ اللهِ إلى جميع الناس، بل إلى الثقلين: الجنِّ والإنسِ، أرسلَهُ اللهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ، وأنه خاتمُ النبيين، فلا بدَّ أن تتضمَّنَ الشهادةُ هذين الأمرين؛ وهما: الإقرارُ بأنَّ محمدًا ﷺ عبدُ الله ورسوله، وهذا هو الصراطُ المستقيمُ في شأن الرسولِ ﷺ ، فإنَّ الناسَ منهم مَنْ كذَّبَه وجَحَدَ رسالتَه -وهم أكثرُ الخلق- ومنهم مَنْ غلا فيه ورفعَه عن منزلة العبودية إلى منزلة الإلهية؛ فجعل له بعضَ خصائصِها؛ كعلم الغيبِ المطلقِ، أو توجَّه إليه بأنواع من العبادة كالدعاء والرجاء والاستغاثة.
فلا بدَّ في هذه الشهادة من الجمع في شأن الرسولِ بين الإقرار له بالعبودية، والإقرارِ له بالرسالة بأنَّه ﷺ عبدٌ لا يُعْبَد، ورسولٌ لا يُكَذَّب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح]، فمَن غلا فيه: انحرفَ عن الصراط المستقيم، ومَن كذَّبه: زاغَ عن الصراط المستقيمِ.
(ومعنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله): أي حقيقة الإقرار والتصديق واليقين بأنه رسول من عند الله إلى جميع الناس، ومقتضى هذه الشهادة (١): طاعته فيما أمر، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] في مواضع كثيرة، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
стр. 115
١٥٨﴾ [الأعراف]، وتصديقه فيما أخبر؛ فهو أصدق الناس، واجتناب ما نهى عنه وزجر.
قوله: (ويُسَلِّم، له أو عليه): أي: سلَّم للرسول حكمه سواء كان الحكم له؛ أي: في مصلحته أو عليه؛ أي: ضده.
قوله: (واعلم أنَّ من مقتضى شهادة «أن لا إله إلا الله محمد رسول الله» … ) إلى آخره: يريد الشيخ: أن مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ يجب أن يحقق ذلك لأداء بقية أركان الإسلام: الزكاة والصلاة والصوم والحج، وكلها فرائض فرضها الله على كل مسلم.
* * *
الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة:
اعلم -أيها العاقل- أنَّ الركن الثاني من أركان الإسلام هو الصلاة، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، شرعها الله تعالى؛ لتكون صلة بينه وبين المسلم، يناجيه فيها ويدعوه، ولتكون ناهية للمسلم عن الفحشاء والمنكر، فيحصل له من الراحة النفسية والبدنية ما يسعده في الدنيا والآخرة.
وقد شرع الله للصلاة طهارة البدن والثياب والمكان الذي يُصلَّى فيه؛ فيتنظف المسلم بالماء الطَّهور من النجاسات مثل: البول والبراز، لكي يطهر بدنه من النجاسة الحسية، وقلبه من النجاسة المعنوية.
стр. 116
والصلاة هي عمود الدين، وهي أهم أركانه بعد الشهادتين، يجب على المسلم أن يحافظ عليها منذ سنِّ البلوغ حتى يموت، ويجب أن يأمر بها أهله وأولاده منذ سنِّ السابعة، لكي يعتادوا عليها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة].
المعنى الإجمالي للآيتين:
يخبر الله تعالى في الآية الأولى أنَّ الصلاة فرض محتَّم على المؤمنين، وأنَّ عليهم أن يؤدوها في أوقاتها المحددة لها، وفي الآية الأخرى: يخبر الله أنَّ الأمر الذي أمر به الناس وخلقهم من أجله هو أن يعبدوه وحده، وأن يخلصوا له عبادتهم، وأن يقيموا الصلاة، ويعطوا الزكاة للمستحقين.
والصلاة واجبة على المسلم في جميع أحواله حتى في حال الخوف والمرض، فإنه يصلي على قدر استطاعته: قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، حتى لو لم يقدر إلا إشارة بعينه أو بقلبه، فإنه يصلي بالإشارة، وقد أخبر الرسول ﷺ أنَّ تارك الصلاة ليس بمسلم رجلًا أو امرأة، فقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمَن تركها فقد كفر» (١) حديث صحيح.
стр. 117
والصلوات الخمس هي: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.
ووقت صلاة الفجر يبدأ بظهور نور الصباح في المشرق، ويخرج عند بزوغ الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، ووقت صلاة الظهر يبدأ من زوال الشمس حتى يصير ظلُّ الشيء طولَه بعد ظلِّ الزوال، ووقت صلاة العصر يبدأ بعد نهاية وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها؛ بل تُصلَّى ما دامت الشمس بيضاء نقيَّة، ووقت المغرب يبدأ بعد غروب الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر، ولا تؤخَّر إلى آخر وقتها، ووقت صلاة العشاء يبدأ بعد نهاية وقت صلاة المغرب إلى آخر الليل، لا تؤخَّر بعده.
ولو أخَّر المسلمُ صلاةً واحدةً عن وقتها حتى يخرج من غير مانع شرعي خارج عن إرادته؛ فإنه قد ارتكب ذنبًا عظيمًا، عليه أن يتوب إلى الله ولا يعود، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون].
التعليق
أفرد الشيخ الصلاة بحديث خاص بها؛ لعظم شأنها، وبيَّن منزلتها من الدين، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي أعظم الواجبات بعد التوحيد، وبيَّن الشيخ ﵀ المراد بها بأنها الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده في كل يوم وليلة، وذكر الشيخ جملة من أحكامها؛ مثل اشتراط الطهارة من الحدث والخبث؛ فلا تصح من مُحدِثٍ أو مُلابسٍ للنجاسة ببدنه أو ثوبه أو مُصلَّاه.
стр. 118
و الطهارة في الشرع ثلاثة أنواع:
طهارة القلب بالتوحيد، وطهارة البدن بالماء الطَّهور، والطهارة من الذنوب بالتوبة (١).
ومَن توضأ فأسبغ الوضوء، وأتى بالذكر المشروع بعد الوضوء؛ اجتمعت له أنواع الطهارة الثلاثة، ودخل في الصلاة وهو بأكمل طهارة (٢).
كما نبَّه الشيخ على أن للصلوات أوقات تجب مراعاتها، فلا يجوز تأخير صلاةٍ عن وقتها، وفصَّل في وقت بعض الصلوات: كالفجر والمغرب والعشاء، وبيَّن حكم تارك الصلاة، وهو الكفر مستدلًا بالحديث الصحيح؛ قال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمَن تركها فقد كفر».
قوله في وقت صلاة العشاء: (إلى آخر الليل): أراد وقت الضرورة؛ كامرأة لم تطهر إلا بعد نصف الليل، وأمَّا وقت العشاء الاختيار فينتهي منتصف الليل (٣)؛ لقوله ﷺ : «ووقت العشاء إلى نصف الليل» (٤).
* * *
стр. 119
أحكام الصلاة:
أولًا: الطهارة: قبل أن يدخل المسلم في الصلاة لا بدَّ له من الطهارة؛ فينظف أولًا المخرج، إن كان قد خرج منه بول أو براز ثم يتوضأ.
والوضوء: ينوي في قلبه الطهارة، ولا يتلفظ بالنية؛ لأنَّ الله به عليم؛ ولأنَّ الرسول ﷺ لم يتلفظ بها، ويقول: بسم الله، ثم يتمضمض، ويستنشق الماء في أنفه وينثره، ويغسل جميع وجهه، ثم يغسل يديه مع الذراعين والمرفقين بادئًا باليمنى، ثم يمسح جميع رأسه بيديه، ويمسح أذنيه، ثم يغسل رجليه مع الكعبين بادئًا باليمنى.
وإذا خرج من الإنسان بعدما يتطهر بولٌ أو برازٌ أو ريحٌ، أو زال عقله بنوم أو إغماء؛ فإنه يعيد التطهر إذا أراد الصلاة، وإن كان المسلم جنبًا قد خرج منه المني بشهوة ولو في المنام ذكرًا أو أنثى؛ فإنه يتطهر بغسل جميع جسده من الجنابة، والمرأة إذا طهُرت من الحيض أو النفاس وجب عليها أن تتطهر بغسل جميع جسدها؛ لأنَّ الحائض والنفساء لا تصح صلاتهما، ولا تجب عليهما الصلاة حتى تطهُرا، وقد خفَّف الله عنهما فأسقط عنهما قضاء ما فاتهما أيام الحيض والنفاس، أما ما عدا ذلك فيجب عليهما قضاء ما فاتهما كالرجل.
ومَن عَدِم الماء، أو كان يضره استعماله كالمريض فإنه يتطهر بالتيمم، وصفة التيمم: ينوي الطهارة في قلبه، ويسمي الله، ثم يضرب بيديه على التراب ضربة واحدة، ويمسح بهما وجهه، ثم يمسح ظهر اليد
стр. 120
اليمنى ببطن اليد الشمال، ويمسح ظهر الشمال ببطن اليمنى، وبذا يكون قد تطهر، وهذا التيمم لكل من الحائض والنفساء إذا طهُرتا، وللجنب، ولمن يريد الوضوء عند فقدِ الماء أو الخوف من استعماله.
ثانيًا: صفة الصلاة:
١. صلاة الفجر:
ركعتان يتوجه المسلم ذكرًا أو أنثى نحو القبلة، وهي الكعبة التي في المسجد الحرام في مكة، وينوي في قلبه أن يصلي صلاة الفجر (الصبح)، ولا يتلفظ بالنية، ثم يكبِّر قائلًا: «الله أكبر»، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح ومنه: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك» (١)، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ فاتحة القرآن وهي:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾،
стр. 121
ولا بدَّ أن يقرأ القرآن باللغة العربية (١) مع الاستطاعة، ثم يقول: «الله أكبر»، ويركع فيخفض رأسه وظهره، ويجعل باطن كفيه على ركبتيه ثم يقول: «سبحان ربي العظيم»، ثم يرفع قائلًا: «سمع الله لمن حمده»، فإذا وقف قائمًا قال: «ربنا ولك الحمد»، ثم يقول: «الله أكبر»، ويسجد على الأرض على أطراف أصابع رجليه وركبتيه ويديه وجبهته وأنفه، ثم يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، ثم يجلس قائلًا: «الله أكبر»، ويقول إذا جلس: «رب اغفر لي»، ثم يقول: «الله أكبر»، ويسجد على الأرض ثانية ويقول: «سبحان ربي الأعلى»، ثم يقوم قائمًا قائلًا: «الله أكبر»، ثم يقرأ الفاتحة، وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ إلى آخرها كما تقدَّم في الركعة الأولى، ثم يكبِّر ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد، ثم يجلس، ثم يسجد ثانية، قائلًا في تلك المواضع مثلما قاله في المرة الأولى.
ثم يجلس ويقول: «التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٢)، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم،
стр. 122
وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١)، ثم يلتفت إلى يمينه قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله»، ثم يلتفت عن شماله قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله»، وبذا تمت صلاة الصبح.
٢. أمَّا صلاة الظهر والعصر والعشاء الآخرة:
فإن كل واحدة منها أربع ركعات، يصلي الركعتين الأُولَيَيْن مثلما صلى ركعتي الفجر، ولكنه إذا جلس بعدهما للتشهد وقال مثلما قاله في جلوسه قبل السلام لا يسلِّم، بل يقوم ويأتي بركعتين مثل الأُوليين، ثم يجلس مرة ثانية للتشهد، ويقول ما قاله في جلوسه الأوَّل، ويصلي على النبي محمد، ثم يسلِّم على يمينه، ثم على شماله، كما سلَّم في صلاة الفجر.
٣. أمَّا صلاة المغرب فهي ثلاث ركعات، يصلي الركعتين الأُوليين مثلما تقدم، ثم يجلس ويقول ما قاله في جلوسه للصلوات الأخرى، ولكنه لا يسلِّم، بل يقوم ويأتي بركعة ثالثة، ويقول ويفعل فيها مثلما قاله وفعله فيما قبلها، ثم يجلس بعدما يسجد السجدة الثانية، ويقول في جلوسه ما قاله في جلوس كل صلاة، ثم يسلِّم على يمينه، ثم على شماله، وإذا كرَّر المصلي ما يقوله في ركوعه وسجوده فهو أفضل.
والرجال يجب عليهم أن يصلُّوا هذه الفرائض الخمس جماعة في المساجد يتقدَّمهم إمام، يكون أحسنهم قراءة للقرآن، وأعرفهم
стр. 123
بالصلاة، وأصلحهم في دينه، ويجهر الإمام بالقراءة في قيامه قبل الركوع في صلاة الفجر، وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويستمع له من خلفه.
والنساء تصليها في البيوت بتستُّر وتحفُّظ، تستر جميع جسمها حتى اليدين والقدمين، لأنها كلها عورة إلا وجهها، وتؤمر بتغطيته عن الرجال، لأنه فتنة تُعرَف به فتُؤذى، وإذا رغبت المسلمة أن تصلي في المسجد فلا مانع على شرط أن تخرج متستِّرة وغير متطيِّبة، وتصلي خلف الرجال لكي لا تفتنهم، ولا تُفتتن بهم.
وعلى المسلم أن يصلي لله بخشوع وخضوع وقلبٍ حاضر، ويطمئن في قيامه وركوعه وسجوده، ولا يسرع، ولا يعبث، ولا يرفع بصره إلى السماء، ولا يتكلم بغير القرآن وأذكار الصلاة، كلُّ شيء في موضعه (١)؛ لأن الله تعالى أمر بالصلاة لذكره.
وفي يوم الجمعة يصلي المسلمون صلاة الجمعة ركعتين، يجهر الإمام فيهما بالقراءة مثل صلاة الفجر، ويخطب قبلها خطبتين يُذكِّر فيهما المسلمين، ويعلِّمهم أمور دينهم، ويجب على الرجال حضورها مع الإمام، وهي صلاةُ ظُهرِ يوم الجمعة.
стр. 124
التعليق
بنى المؤلف ﵀ هذا الكلام على أركان الإسلام الخمسة كما ورد في الحديث: «بُني الإسلام على خمس» (١)، فذكر ما يتعلق بالشهادتين، ثم الصلاة، وذكر حكمها، وفرضها: خمس صلوات في كل يوم وليلة، وفي هذا الفصل قصد إلى ذكر صفة الصلاة، وصفتها مأخوذة من فعل النبي ﷺ وقوله، وقد صلى وعلَّم الناس الصلاة ووفد إليه بعض الناس وصلوا معه، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، كما في حديث مالك بن الحُوَيْرِث (٢).
وقد بيَّن الشيخ ما يُشرع، وأنَّ الصلوات خمسٌ، وأنَّ صلاة الفجر ركعتان، والظهر والعصر أربع ركعات وكذلك العشاء، وأنَّ المغرب ثلاث ركعات، وبيَّن ما يُشرع من الأذكار في الركوع والسجود، فتضمن كلامه صفة الصلوات الخمس، فمَن صلى على هذه الصفة كما جاءت عن النبي ﷺ فقد أقام الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وإقامة الصلاة: هو أداؤها على الوجه المشروع الذي بيَّنه الرسول ﵊، فالرسول قال في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، كما قال في الحج: «خذوا عني مناسككم» (٣)، وقال سبحانه:
стр. 125
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فالرسول بيَّن أفعال وأقوال الصلاة بقوله وفعله، بفعله: كما في حديث مالك بن الحويرث، وبقوله: كما علَّم المسيء الذي صلى وأساء في صلاته؛ فقال له الرسول: «إذا قمت إلى الصلاة، فكبر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» (١).
والصلاة أقوال وأفعال، منها ما هو سنن، ومنها ما هو واجبات، ومنها ما هو أركان، وقد بيَّن العلماء تفصيل أحكام هذه الأقوال والأفعال؛ فما تُرك من السنن فإنه لا تبطل به الصلاة، وما تُرك من الواجبات سهوًا يُجبر بسجود السهو، وما تُرك عمدًا فإنه تبطل به الصلاة، أمَّا الأركان فتبطل الصلاة بترك شيء منها سواء كان الترك سهوًا أو عمدًا، هذا ما فصَّله العلماء أخذًا من مجموع الأدلة (٢)، فالركوع والسجود من أركان الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقراءة الفاتحة ركن؛ لقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٣)، أمَّا الاستفتاح فإنه سنة، فلو صلى الإنسان ولم يقرأ الاستفتاح فصلاته صحيحة ولو تركه متعمدًا (٤)، لكن ينبغي للمسلم أن يجتهد في
стр. 126
إقامة صلاته بفعل السنن والواجبات والأركان، فكلما حافظ المسلم على آداب الصلاة وأركانها وواجباتها ومستحباتها؛ كانت أكمل، وأجره فيها أعظم.
ومما نبَّه عليه الشيخ من أحكام الصلاة، وفصل فيه: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، والطهارة من الخبث، وهو النجاسة، ويدخل في الطهارة من النجاسة الاستنجاء بعد البول والغائط، وكذلك ذكر الشيخ صفة الوضوء وصفة الصلاة، وابتدأ الكلام في أحكام الصلاة باشتراط الطهارة للصلاة؛ أي: إن الصلاة لا تصح إلا من مُتَطَهِّر لقوله ﷺ : «لا يَقبل اللهُ صلاةً بغير طهور» (١)، كما نبَّه الشيخ على نواقض الوضوء، وهي مبطلاته، وذكر منها الخارج من السبيلين؛ أي: القبل والدبر، ومنها زوال العقل بنوم أو سُكْر أو إغماء، وأعرض الشيخ عن بقية النواقض (٢)، وكذلك نبَّه الشيخ على أن صفة الصلاة وصفة الوضوء كان ببيانه ﷺ وتعليمه بالفعل، ولهذا قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، كما نبَّه الشيخ ﵀ على أن أقوال الصلاة وأفعالها على مراتب: أركان وواجبات وسنن، فمَن ترك ركنًا لم تصح صلاته، ومَن ترك واجبًا سهوًا يجبره سجود السهو، ومَن ترك سنَّةً فلا شيء عليه، وصلاتُه صحيحة، ونبَّه
стр. 127
﵀ على وجوب صلاة الجماعة على الرجال (١)، وجواز حضورها للنساء في المساجد بشرط اجتنابهن دواعي الفتنة، ونبَّه الشيخ على حكم الحائض والنفساء في الطهارة والصلاة، ومن ذلك أن عليهما الغسل إذا طهرتا، ولا تجب عليهما الصلاة مدَّةَ الحيض والنفاس، ولا يجب عليهما قضاءُ الصلاة، لكن يجب عليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة في غير مدة الحيض والنفاس؛ هذا ما تيسَّر التنبيه عليه، والله أعلم.
فائدة في معاني أذكار الصلاة:
- تكبيرةُ الإحرام: «الله أكبر» أي: الله تعالى أكبر مِنْ كلّ شيء.
- دعاء الاستفتاح: «سبحانكَ اللهمّ»: تنزيه الله عن جميع النقائص، «وبحمدك»: إثبات الكمال لله مع المحبّة والتعظيم، «تبارك اسمك»: تقدّس اسمك، «تعالى جدك»: جلّت عظمتك وسلطانك (٢)، «لا إله غيرك»: لا معبود بحق إلا أنت.
- ذكر الرّكوع: «سبحان ربّي العظيم»: تنزيه الله عن جميع النقائص، «العظيم»: في ذاته وصفاته.
- الرّفع مِنْ الرّكوع: «سمع الله لِمَنْ حمده»: استجابَ الَله دعاء مَنْ حمده (٣)، «ربّنا لك الحمد» معناه: لكَ المدح والثناء كلّه.
стр. 128
- ذكر السّجود: «سبحان ربّي الأعلى»: تنزيه الله عن جميع النّقائص، «الأعلى»: مِنْ كلّ شيء عال.
- دعاءُ الجلسة بين السّجدتين: «ربي اغفر لي»: طلب المغفرة مِنْ الله، فهو نوع من الاستغفار.
- التّسليم: «السّلام عليكم ورحمة الله»: دعاء للملائكة، ودعاء للمصلّين -إن كان التّسليم من إمام ومعه جماعة- بالسّلامة والرّحمة.
- دعاء التّشهد: «التّحيات لله»: التّعظيم كلّه لله، «الصّلوات» أي: الصّلوات كلّها؛ فرضها ونفلها لله، «الطّيبات لله» أي: الطّيبات كلّها لله مِنْ الصّفات والأفعال، وله الطّيبات مِنْ أعمال العباد وأقوالهم (١)، وفي الحديث: «إنّ اللهَ طيّبٌ لا يقبلُ إلا طيّبًا» (٢)، «السّلام عليكَ أيّها النّبي ورحمة الله وبركاته»: دعاء للنّبي بالسّلامة، والرّحمة، والبركة، وكلّها مِنْ الله تعالى، «السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين»: هذا دعاء مِنْ العبد لنفسه بالسّلامة، والحفظ، ولعباد الله الصّالحين في السّماء والأرض، «أشهدُ أن لا إله إلا الله» معناه: أقرُّ وأنا موقنٌ بأنّه لا معبود بحق إلا الله، «أشهدُ أنّ محمّدًا عبده ورسوله» معناه: أقرُّ موقنًا بأنّ محمّدًا عبد الله ورسوله إلى جميع الناس.
стр. 129
«اللهمّ صلِّ على محمّد» معناه: يا الله صلِّ على محمّد، ومعنى الصّلاة مِنْ الله: الثّناء؛ المعنى: أثنِ على عبدِكِ ورسولِكِ محمّدٍ عند الملائكة (١)، «وعلى آل محمّد» يعني: وصلِّ على آلِ محمّدٍ، وآلُ محمّدٍ: هم أزواجُه، وذريته، وأقاربه، وأتباعه (٢)، «كما صلّيتَ على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم» أي: مثلما صلّيتَ على نبي الله إبراهيم الخليل وعلى آله.
«إنّك حميدٌ مجيدٌ»: الحميد والمجيد اسمان مِنْ أسماء الله، ومعنى «حميد»: أي محمود (٣)، «ومجيد»: مِنْ المجد، وهو الرّفعة والكمال (٤).
«وبارك على محمّد وعلى آل محمّد»: اجعل البركة على محمّد وأتباع محمّد، «كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»: أي مثلما جعلتَ البركة على إبراهيم، وعلى أتباع إبراهيم، إنّك حميدٌ مجيدٌ.
* * *
стр. 130
وقد أمر الله كل مسلم يملك مالًا يبلغ النصاب أن يُخرج زكاة ماله كل عام، فيعطيها لمستحقيها من الفقراء وغيرهم ممن يجوز دفع الزكاة لهم، كما هو مبيَّن في القرآن.
ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، ونصاب الفضة مئتا درهم أو ما يعادل ذلك من عملة الورق، وعروض التجارة: وهي البضائع بأنواعها إذا بلغت قيمتها نصابًا وجب على مالكها أن يخرج زكاتها إذا مضى عليها سنة، ونصاب الحبوب والثمار ثلاث مئة صاع.
والعقار المعَدُّ للبيع تُزكى قيمته، والمعَدُّ للأجرة فقط تُزكى أجرته، ومقدار الزكاة في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر ٢. ٥% في كل عام، وفي الحبوب والثمار ١٠% فيما سُقي بدون مشقة كالذي يُسقى بماء الأنهار أو العيون الجارية أو الأمطار، ونصف العشر ٥% فيما سُقي بمشقة كالذي يُسقى بالروافع.
ووقت إخراج زكاة الحبوب والثمار حصادها، فلو حصدها في السنة مرتين أو ثلاثًا لوجب عليه أن يزكيها كل مرة.
وفي الإبل والبقر والغنم زكاة مبيَّنة مقاديرها في كتب أحكام الإسلام فلتراجع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة]، وفي إخراج الزكاة تطييب لنفوس الفقراء وسد لحاجتهم، وتقوية لروابط المحبة بينهم وبين الأغنياء.
стр. 131
ولم يقف الدين الإسلامي في مسألة التكافل (١) الاجتماعي والتعاون المالي بين المسلمين عند حدِّ الزكاة؛ بل أوجب الله على الأغنياء إعالة الفقراء في حالة المجاعة، وحرَّم على المسلم أن يشبع وجاره جائع، وأوجب على المسلم زكاة الفطر (٢)، يخرجها يوم عيد الفطر، وهي صاع من الطعام المأكول في البلد عن كل نفس حتى الطفل والخادم يخرج عنه وليه، وأوجب الله على المسلم أن يدفع كفارة اليمين (٣) إذا حلف أن يفعل شيئًا فلم يفعله.
وأوجب الله على المسلم أن يفي بالنذر المشروع، وحثَّ الله المسلم على صدقة التطوع، ووعد المنفقين في سبيله في أوجه البر بأفضل الجزاء، ووعدهم بأن يضاعف لهم الأجر أضعافًا كثيرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
стр. 132
التعليق
الزكاة قرينة الصلاة في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال ﷺ : «بُني الإسلام على خمس … » وفيه: « … إقام الصلاة وإيتاء الزكاة … » (١)؛ فهي أحد فرائض الإسلام، وهي حق المال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ [المعارج]. وجاحد وجوبها كافر، والممتنع من أدائها عاصٍ.
قوله: (ونصاب الحبوب والثمار ثلاث مئة صاع): يعني كما جاء في الحديث: «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة» (٢) معناه أنها تجب الصدقة فيما بلغ خمسة أوسق، ولا تجب فيما دونها، وقدَّر العلماء أنَّ الوسق ستون صاعًا (٣)، فضرب ستين في خمسة تبلغ ثلاث مئة، فقالوا: إنَّ نصاب الحبوب والثمار ثلاث مئة صاع.
قوله: (ومقدار الزكاة في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر ٢. ٥% في كل عام): بإجماع أهل العلم كما جاء في السنة (٤).
стр. 133
قوله: (وفي الحبوب والثمار ١٠% فيما سُقي بدون مشقة كالذي يُسقى بماء الأنهار أو العيون الجارية أو الأمطار، ونصف العشر ٥% فيما سُقي بمشقة كالذي يُسقى بالروافع): لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «فيما سَقَت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا (١) العشر وما سُقي بالنضح نصف العشر» (٢).
قوله: (ووقت إخراج زكاة الحبوب والثمار حصادها، فلو حصدها في السنة مرتين أو ثلاثًا لوجب عليه أن يزكيها كل مرة): لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والصواب: أن الحصاد وقت للوجوب، ثم يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف (٣).
قوله: (وفي الإبل والبقر والغنم زكاة مبينة مقاديرها في كتب أحكام الإسلام فلتراجع): يريد كتب الفقه المؤلفة في الأحكام: منها المطولة؛ ك «المغني» (٤) في مذهب الإمام أحمد، و «المجموع» (٥) في مذهب الشافعي، ومنها المختصرة؛ ك «الزاد» في مذهب الإمام أحمد،
стр. 134
و «المنهاج» في مذهب الشافعي، وكذلك هي مفصلة في كتب الحديث؛ ك «المنتقى» للمجد ابن تيمية، و «بلوغ المرام» للحافظ ابن حجر.
قوله: (الدين الإسلامي): في هذا التعبير نظر؛ فلا يُعرف في كلام السلف، فالدين هو الإسلام، فلا ينسب الشيء إلى نفسه، والصواب أن يُقال: «دين الإسلام».
قوله: (بل أوجب الله على الأغنياء إعالة الفقراء في حالة المجاعة، وحرَّم على المسلم أن يشبع وجاره جائع … ) إلى آخره: هذه كلها شواهد على أنَّ الله أوجب في المال نفقات غير الزكاة، وهذا معنى قول الشيخ: إنه لم يقف الإسلام في شأن التكافل الاجتماعي والتعاون المالي بين المسلمين عند حد الزكاة؛ بل أوجب نفقات مختلفة بأسباب وبغير أسباب.
قوله: (وحث الله المسلم على صدقة التطوع، ووعد المنفقين في سبيله في أوجه البر بأفضل الجزاء، ووعدهم بأن يضاعف لهم الأجر أضعافًا كثيرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة): قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ *** … ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآية، وفي هذه الآية ترغيبٌ في الإنفاق في سبيل الله مِنْ جهادٍ وغيره بمضاعفة النفقة إلى سبع مئة ضِعْفٍ، وتشبيهُ ذلك بالحبَّة مِنْ الزرع تُزرَع في الأرض
стр. 135
فيَنبتُ منها سبعُ سنابلَ في كلِّ سُنبلة مئة حَبَّة، ولا ينتهي التضعيف عند هذا القَدْرِ، بل الله يضاعف لمن يشاء أضعافًا كثيرةً بلا حَدٍّ ولا عَدٍّ.
* * *
صيام شهر رمضان، وهو الشهر التاسع من أشهر السنة الهجرية.
وصفة الصيام: ينوي المسلم الصيام قبل أن يتبين الصبح، ثم يمسك عن الأكل والشرب والجماع (الاتصال الجنسي) حتى تغيب الشمس، ثم يفطر، يفعل ذلك مدة أيام شهر رمضان، يريد بذلك رضا الله تعالى وعبادته.
وفي الصوم من المنافع ما لا يحصى، فأهم منافعه:
١. أنه عبادة لله وامتثال لأمره، يترك العبد شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله، فهو من أعظم أسباب تقوى الله تعالى.
٢. وأما منافع الصيام الصحية والاقتصادية والاجتماعية فكثيرة جدًّا، لا يدركها إلا الصائمون عن عقيدة وإيمان، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
стр. 136
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٨٥﴾ [البقرة]. ومن أحكام الصيام التي بينها الله تعالى في القرآن، وبينها رسوله محمد ﵊ في الأحاديث:
١. أنَّ المريض والمسافر يفطران ويقضيان الأيام التي أفطراها من أيام أُخَر بعد رمضان.
٢. وكذا الحائض والنفساء لا يصح صومهما؛ بل تفطران أيام الحيض والنفاس، وتقضيان الأيام التي أفطرتاها.
٣. وكذا الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما فإنهما تفطران وتقضيان.
ولو أكل الصائم أو شرب ناسيًا ثم ذكر فإنَّ صيامه صحيح (١)، لأنَّ النسيان والخطأ والإكراه قد عفا الله عنه لأمة محمد ﷺ ، ويجب أن يُخرِج ما في فمه.
стр. 137
التعليق
الصيام لغة: الإمساك مطلقًا؛ فيدخل فيه: الإمساك عن الكلام، ومنه قوله تعالى عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم] (١).
والصيام في الشرع: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات بنية التعبد لله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قوله: (أنه عبادة لله وامتثال لأمره، يترك العبد شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله، فهو من أعظم أسباب تقوى الله تعالى): ولهذا قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾: بيانٌ للحكمة من فرض الصيام؛ أي: لتتقوا اللهَ بفعل ما فَرض عليكم من الصيام وغيره، ولأنَّ الصومَ مما يُعين على التقوى، وفي الحديث القدسي يقول تعالى: «يدع طعامه وشرابه من أجلي» (٣)، فهو من التقوى ويعين على التقوى.
стр. 138
وقوله: (فإنهما تفطران وتقضيان) مع قوله: (أو ولديهما): ما ذكره الشيخ في شأن الحامل والمرضع أنه ليس عليهما إلا القضاء هو القول الراجح (١).
قوله: (فإنَّ صيامه صحيح) (٢): لقوله ﷺ : «مَنْ نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (٣).
* * *
وهو حج بيت الله الحرام مرة في العمر، وما زاد فهو تطوُّع، وفي الحج من المنافع ما لا يُحصى:
فأولها: أنه عبادة لله تعالى بالروح والجسم والمال.
وثانيها: أنَّ فيه اجتماع المسلمين من كل مكان، يلتقون في مكان واحد، ويلبسون زيًّا واحدًا، ويعبدون ربًّا واحدًا في وقت واحد، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وغني وفقير، وأبيض وأسود، الكل خلْق الله وعباده، فيحصل للمسلمين التعارف والتعاون، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعًا ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون لما بعد الموت بطاعة الله تعالى.
стр. 139
والقصد من الطواف حول الكعبة (قبلة المسلمين) التي أمرهم الله بالتوجه إليها في كل صلاة أينما كانوا، والقصد من الوقوف بالأماكن الأخرى في مكة في أوقاتها المحددة لها، وهي: عرفات ومزدلفة والإقامة بمنى؛ القصد من ذلك هو عبادة الله تعالى في تلك الأماكن المقدَّسة على الهيئة التي أمر الله بها.
أما الكعبة نفسها وتلك الأماكن وجميع المخلوقات فإنها لا تُعبد، ولا تنفع ولا تضر وإنما العبادة لله وحده، والنافع الضار هو الله وحده، ولو لم يأمر الله بحج البيت لما صح للمسلم أن يحج، لأنَّ العبادة لا تكون بالرأي والهوى، وإنما بموجب أمر الله تعالى في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران] (١). والعمرة واجبة على المسلم مرة في العمر سواء مع الحج أو في أي وقت، وزيارة مسجد النبي ﷺ في المدينة ليست واجبة مع الحج ولا في أي وقت، وإنما هي مستحبة يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها، وأما
стр. 140
حديث: «مَنْ حج فلم يزرني فقد جفاني» (١) فليس بصحيح؛ بل هو مكذوب على رسول الله ﷺ (٢).
والزيارة التي يسافر من أجلها تشرع للمسجد، فإذا وصل إليه الزائر وصلى فيه التحية، شُرع له حينئذ زيارة قبر النبي ﷺ ، ويسلم عليه قائلًا: «السلام عليك يا رسول الله» بأدب وخفض صوت، ولا يطلب منه شيئًا؛ بل يسلِّم وينصرف، كما أمر أمته بذلك، وكما هو فِعل الصحابة رضوان الله عليهم.
أما الذين يقفون عند قبر النبي ﷺ بخشوع كحال وقوفهم في الصلاة، ويطلبون منه حوائجهم، أو يستغيثون به، أو يتوسطون به عند الله؛ فهؤلاء مشركون بالله تعالى، والنبي بريء منهم، فليحذر كلُّ مسلم أن يفعل ذلك مع النبي ﷺ أو مع غيره.
стр. 141
ثم يزور قبرَي صاحبيه (أبي بكر وعمر) ﵄، ثم يزور أهل البقيع والشهداء الزيارة الشرعية لأهل القبور المسلمين، وهي التي يُسلِّم فيها الزائر على الأموات، ويدعو الله لهم ويتذكر الموت وينصرف.
وهذه صفة الحج والعمرة: يختار الحاج أولًا النفقة الطيبة الحلال، ويتجنب المسلم المكاسب المحرمة؛ لأنَّ النفقة الحرام سبب لرد حجِّ صاحبها ودعائه، وقد جاء في حديث الرسول ﷺ : «كل لحم نبت من سُحت فالنار أولى به» (١) ويختار الرفقة الصالحة أهل التوحيد والإيمان.
المواقيت:
فإذا وصل إلى الميقات أحرم منه إن كان في سيارة ونحوها، وإن كان في الطائرة أحرم إذا قَرُب منه قبل أن يتجاوزه.
والمواقيت التي أمر النبي ﷺ الناس أن يُحْرِموا منها خمسة، وهي:
١. ذو الحليفة (أبيار علي) لأهل المدينة.
٢. الجحفة (قرب رابغ) وهو لأهل الشام ومصر والمغرب.
стр. 142
٣. قرن المنازل (السيل أو وادي محرم) لأهل نجد والطائف ومَن في جهتهم.
٤. ذات عِرق (لأهل العراق).
٥. يَلَمْلَمْ لأهل اليمن.
ومَن مرَّ على هذه المواقيت من غير أهلها فهي ميقات له يُحرم منها، وأهل مكة والذين منازلهم دون المواقيت يُحرمون من منازلهم.
وصفة الإحرام: يستحب أن يتنظف ويتطهر ويتطيب قبل الإحرام، ثم يلبس لباس الإحرام في الميقات، وراكب الطائرة يتهيأ في بلده ثم يعقد النية، ويلبّي إذا قرب من الميقات أو حاذاه، ولباس الإحرام بالنسبة للرجل إزار ورداء غير مَخيطين يلفُّهما على جسده، ولا يغطي رأسه، أما المرأة فليس لإحرامها لباس مُعيَّن، وإنما يجب عليها دائمًا أن تلبس الثياب الواسعة الساترة التي لا فتنة فيها في أي حال يراها الناس، ولا تلبس إذا أحرمت مَخيطًا على وجهها ويديها كالبرقع والقفازين، وإنما تغطي وجهها إذا رأت الرجال بطرف خمارها الذي على رأسها، كما هو فعل أمهات المؤمنين ونساء أصحاب الرسول ﷺ (١).
стр. 143
ثم بعدما يلبس الحاج لباس الإحرام ينوي في قلبه العمرة، ثم يلبّي بها قائلًا: «اللهم لبيك عمرة»، ويتمتع بها إلى الحج، والتمتع هو الأفضل لأنَّ الرسول ﷺ أمر به أصحابه وألزمهم به، وغضب على مَنْ تردد في تنفيذ أمره، إلا الذي معه هدي (١) فإنه يبقى قارنًا كفعله ﷺ ، والقارن: هو الذي يقول في تلبيته: «اللهم لبيك عمرة وحجًّا»، ولا يُحل إحرامه حتى ينحر هديه يوم عيد النحر، والمفرد ينوي الحج فقط ويقول: «اللهم لبيك حجًّا».
الأمور المحرَّمة على المُحْرِم:
وإذا عقد المسلم النية بالإحرام حرُم عليه:
١. الجماع ودواعيه كالقبلة واللمس بشهوة، والكلام بذلك، وخِطبة المرأة، وعقد النكاح، فالمُحْرِم لا يتزوَّج ولا يُزوِّج.
٢. حلق الشعر أو أخذ شيء منه.
٣. تقليم الأظافر.
٤. تغطية رأس الرجل بملاصق، أمَّا الاستظلال بالشمسية والخيمة والسيارة فلا مانع.
٥. التطيُّب وشم الطيب.
٦. صيد البَرِّ فلا يصيده ولا يدل عليه.
стр. 144
٧. لبس الرجل الشيء المخيط، ولبس المرأة لشيء مَخيط على وجهها ويديها، ويلبس الرجل النعلين، فإن لم يجد يلبس الخفين، ولو فعل شيئًا من هذه المحظورات جاهلًا أو ناسيًا أزاله ولا شيء عليه.
فإذا وصل المحرم إلى الكعبة طاف بها طواف القدوم سبعة أشواط، يبدأ من محاذاة الحجر الأسود (المحب)، وهذا هو طواف عمرته، وليس للطواف دعاء مخصوص؛ بل يذكر الله ويدعو بما تيسَّر له (١) ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام إن تيسَّر وإلا في أي مكان من الحرم، ثم يخرج إلى المسعى فيبدأ بالصفا ويرقى عليه، ويتوجه إلى القبلة، ويكبِّر ويهلل ويدعو، ثم يسعى إلى المروة ويرقى عليها، ويتوجه إلى القبلة ويكبِّر، ويذكر الله ويدعو، ثم يعود إلى الصفا حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه شوطٌ ورجوعه شوطٌ، ثم يقصِّر شعر رأسه، والمرأة تأخذ من أطراف شعرها بقدر طرف الأصبع، وبهذا انتهى المتمتع من عمرته وحلّ إحرامه، وحلّ له كل شيء حرُم عليه بالإحرام.
ولو حاضت المرأة أو ولدت قبل الإحرام أو بعده فإنها تصير قارنة، تلبّي بعمرة وحجٍ بعدما تحرم كغيرها من الحُجَّاج؛ لأنَّ الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام، ولا الوقوف بالمشاعر، إنما يمنعان الطواف بالبيت فقط، فتعمل كل ما يفعله الحُجَّاج إلا الطواف، فإنها
стр. 145
تؤخره حتى تطهر، فإن طهرت قبل إحرام الناس بالحج وخروجهم إلى منى فإنها تغتسل وتطوف وتسعى، وتقصر شعرها، وتَحُل إحرام عمرتها، ثم تحرم مع الناس بالحج إذا أحرموا في اليوم الثامن، وإن أحرم الناس بالحج قبل أن تطهر، فإنها تصير قارنة، تلبّي معهم وهي على إحرامها، وتفعل كل ما يفعله الحجاج من الخروج إلى منى، والوقوف بعرفات ومزدلفة، والرمي والنحر والتقصير من رأسها يوم عيد النحر، فإذا طهرت اغتسلت وطافت طواف الحج، وسعت سعي الحج.
وهذا الطواف والسعي كافيان لحجها وعمرتها، كما حصل ذلك لعائشة أم المؤمنين ﵂ وأخبرها النبي ﷺ أنَّ طوافها وسعيها بعد الطهر يكفيانها لحجها وعمرتها لمَّا طافت مع الناس طواف الإفاضة وسَعت (١)، لأنَّ القارن بين العمرة والحج كالمفرد ليس عليه إلا طواف واحد (٢) وسعي واحد، لتصريح الرسول ﷺ لها بذلك، ولفعله (٣)، ولقوله في الحديث الآخر: «دخلَت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (٤)، والله أعلم.