← Джавами‘

Джавами‘ · id 30029

التعليق والبيان على الدين الحق للشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (256 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم يزور قبرَي صاحبيه (أبي بكر وعمر) ﵄، ثم يزور أهل البقيع والشهداء الزيارة الشرعية لأهل القبور المسلمين، وهي التي يُسلِّم فيها الزائر على الأموات، ويدعو الله لهم ويتذكر الموت وينصرف. وهذه صفة الحج والعمرة: يختار الحاج أولًا النفقة الطيبة الحلال، ويتجنب المسلم المكاسب المحرمة؛ لأنَّ النفقة الحرام سبب لرد حجِّ صاحبها ودعائه، وقد جاء في حديث الرسول ﷺ : «كل لحم نبت من سُحت فالنار أولى به» (١) ويختار الرفقة الصالحة أهل التوحيد والإيمان. المواقيت: فإذا وصل إلى الميقات أحرم منه إن كان في سيارة ونحوها، وإن كان في الطائرة أحرم إذا قَرُب منه قبل أن يتجاوزه. والمواقيت التي أمر النبي ﷺ الناس أن يُحْرِموا منها خمسة، وهي: ١. ذو الحليفة (أبيار علي) لأهل المدينة. ٢. الجحفة (قرب رابغ) وهو لأهل الشام ومصر والمغرب.

стр. 142

٣. قرن المنازل (السيل أو وادي محرم) لأهل نجد والطائف ومَن في جهتهم. ٤. ذات عِرق (لأهل العراق). ٥. يَلَمْلَمْ لأهل اليمن. ومَن مرَّ على هذه المواقيت من غير أهلها فهي ميقات له يُحرم منها، وأهل مكة والذين منازلهم دون المواقيت يُحرمون من منازلهم. وصفة الإحرام: يستحب أن يتنظف ويتطهر ويتطيب قبل الإحرام، ثم يلبس لباس الإحرام في الميقات، وراكب الطائرة يتهيأ في بلده ثم يعقد النية، ويلبّي إذا قرب من الميقات أو حاذاه، ولباس الإحرام بالنسبة للرجل إزار ورداء غير مَخيطين يلفُّهما على جسده، ولا يغطي رأسه، أما المرأة فليس لإحرامها لباس مُعيَّن، وإنما يجب عليها دائمًا أن تلبس الثياب الواسعة الساترة التي لا فتنة فيها في أي حال يراها الناس، ولا تلبس إذا أحرمت مَخيطًا على وجهها ويديها كالبرقع والقفازين، وإنما تغطي وجهها إذا رأت الرجال بطرف خمارها الذي على رأسها، كما هو فعل أمهات المؤمنين ونساء أصحاب الرسول ﷺ (١).

стр. 143

ثم بعدما يلبس الحاج لباس الإحرام ينوي في قلبه العمرة، ثم يلبّي بها قائلًا: «اللهم لبيك عمرة»، ويتمتع بها إلى الحج، والتمتع هو الأفضل لأنَّ الرسول ﷺ أمر به أصحابه وألزمهم به، وغضب على مَنْ تردد في تنفيذ أمره، إلا الذي معه هدي (١) فإنه يبقى قارنًا كفعله ﷺ ، والقارن: هو الذي يقول في تلبيته: «اللهم لبيك عمرة وحجًّا»، ولا يُحل إحرامه حتى ينحر هديه يوم عيد النحر، والمفرد ينوي الحج فقط ويقول: «اللهم لبيك حجًّا». الأمور المحرَّمة على المُحْرِم: وإذا عقد المسلم النية بالإحرام حرُم عليه: ١. الجماع ودواعيه كالقبلة واللمس بشهوة، والكلام بذلك، وخِطبة المرأة، وعقد النكاح، فالمُحْرِم لا يتزوَّج ولا يُزوِّج. ٢. حلق الشعر أو أخذ شيء منه. ٣. تقليم الأظافر. ٤. تغطية رأس الرجل بملاصق، أمَّا الاستظلال بالشمسية والخيمة والسيارة فلا مانع. ٥. التطيُّب وشم الطيب. ٦. صيد البَرِّ فلا يصيده ولا يدل عليه.

стр. 144

٧. لبس الرجل الشيء المخيط، ولبس المرأة لشيء مَخيط على وجهها ويديها، ويلبس الرجل النعلين، فإن لم يجد يلبس الخفين، ولو فعل شيئًا من هذه المحظورات جاهلًا أو ناسيًا أزاله ولا شيء عليه. فإذا وصل المحرم إلى الكعبة طاف بها طواف القدوم سبعة أشواط، يبدأ من محاذاة الحجر الأسود (المحب)، وهذا هو طواف عمرته، وليس للطواف دعاء مخصوص؛ بل يذكر الله ويدعو بما تيسَّر له (١) ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام إن تيسَّر وإلا في أي مكان من الحرم، ثم يخرج إلى المسعى فيبدأ بالصفا ويرقى عليه، ويتوجه إلى القبلة، ويكبِّر ويهلل ويدعو، ثم يسعى إلى المروة ويرقى عليها، ويتوجه إلى القبلة ويكبِّر، ويذكر الله ويدعو، ثم يعود إلى الصفا حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه شوطٌ ورجوعه شوطٌ، ثم يقصِّر شعر رأسه، والمرأة تأخذ من أطراف شعرها بقدر طرف الأصبع، وبهذا انتهى المتمتع من عمرته وحلّ إحرامه، وحلّ له كل شيء حرُم عليه بالإحرام. ولو حاضت المرأة أو ولدت قبل الإحرام أو بعده فإنها تصير قارنة، تلبّي بعمرة وحجٍ بعدما تحرم كغيرها من الحُجَّاج؛ لأنَّ الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام، ولا الوقوف بالمشاعر، إنما يمنعان الطواف بالبيت فقط، فتعمل كل ما يفعله الحُجَّاج إلا الطواف، فإنها

стр. 145

تؤخره حتى تطهر، فإن طهرت قبل إحرام الناس بالحج وخروجهم إلى منى فإنها تغتسل وتطوف وتسعى، وتقصر شعرها، وتَحُل إحرام عمرتها، ثم تحرم مع الناس بالحج إذا أحرموا في اليوم الثامن، وإن أحرم الناس بالحج قبل أن تطهر، فإنها تصير قارنة، تلبّي معهم وهي على إحرامها، وتفعل كل ما يفعله الحجاج من الخروج إلى منى، والوقوف بعرفات ومزدلفة، والرمي والنحر والتقصير من رأسها يوم عيد النحر، فإذا طهرت اغتسلت وطافت طواف الحج، وسعت سعي الحج. وهذا الطواف والسعي كافيان لحجها وعمرتها، كما حصل ذلك لعائشة أم المؤمنين ﵂ وأخبرها النبي ﷺ أنَّ طوافها وسعيها بعد الطهر يكفيانها لحجها وعمرتها لمَّا طافت مع الناس طواف الإفاضة وسَعت (١)، لأنَّ القارن بين العمرة والحج كالمفرد ليس عليه إلا طواف واحد (٢) وسعي واحد، لتصريح الرسول ﷺ لها بذلك، ولفعله (٣)، ولقوله في الحديث الآخر: «دخلَت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (٤)، والله أعلم.

стр. 146

فإذا جاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة أحرم الحجاج من منازلهم بمكة بالحج، مثلما أحرموا من الميقات يتنظفون، ثم يلبسون لباس الإحرام، ثم ينوي الحاج -رجلًا أو امرأة- الحج، ثم يلبّي به قائلًا: «اللهم لبيك حجًّا»، ويجتنب محظورات الإحرام المتقدمة حتى يرجع من مزدلفة إلى منى في يوم النحر، ويرمي جمرة العقبة، ويحلق الرجل رأسه والمرأة تقصره. فإذا أحرم الحاج في اليوم الثامن خرج مع الحجاج إلى منى، وبات فيها وصلى فيها كل صلاة في وقتها قصرًا بدون جمع، فإذا طلعت شمس يوم عرفة توجه مع الحجاج إلى نمرة، وجلس بها حتى يصلي مع الإمام أو في المكان الذي هو فيه جماعة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم يتوجه بعد الزوال إلى عرفة، فإن توجه من منى إلى عرفة رأسًا وجلس بها جاز، وعرفة كلها موقف. ويُكثر الحاج في عرفة من ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار، ويتوجه إلى القبلة لا إلى الجبل؛ لأنَّ الجبل ما هو إلا جزء من عرفات لا يصح صعوده تعبُّدًا، ولا يجوز التمسح بأحجاره، فإنَّ هذا بدعة محرمة. ولا ينصرف الحاج من عرفة حتى تغيب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس ينصرف الحجاج إلى مزدلفة، فإذا وصلوا إليها صلوا فيها المغرب والعشاء جمع تأخير وقصَّروا العشاء، وباتوا بها، فإذا طلع الفجر صلوا الفجر وذكروا الله، ثم توجهوا إلى منى قبل طلوع

стр. 147

الشمس، فإذا وصلوا إلى منى رموا جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بسبع حصيات تشبه الحمص لا كبيرة ولا صغيرة، ولا يجوز رميها بالنعال، لأنَّ هذا تلاعب يزينه الشيطان، وإرغام الشيطان في اتباع أمر الرسول ﷺ وهديه، وترك ما نهى الله عنه ورسوله. ثم بعد الرمي ينحر الحاج هديه، ثم يحلق رأسه، والمرأة تقصِّره، وإن قصَّر الرجل جاز، لكنَّ الحلق أفضل ثلاث مرات، ثم يلبس ثيابه وقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الحج ويسعى، وبهذا قد حل له كل شيء حتى الزوجة، ثم يرجع إلى منى فيقيم بها باقي يوم العيد ويومين بعده مع ليلتيهما يبيت في منى وجوبًا، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر بعد زوال الشمس، يبدأ بالصغرى التي تلي منى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة التي رماها يوم العيد، كل واحدة يرميها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وحصى الجمار يأخذه من منزله في منى، ومَن لم يجد مكانًا في منى نزل حيث تنتهي الخيام. فإذا أراد الانصراف من منى بعدما يرمي في اليوم الثاني عشر فله ذلك، وإن تأخر إلى اليوم الثالث عشر، فهو أفضل، ويرمي بعد الزوال، فإذا أراد السفر طاف طواف الوداع بالبيت، ثم سافر بعده مباشرة، والمرأة الحائض والنفساء إذا كانت قد طافت طواف الحج وسعت ليس عليها طواف وَدَاعٍ.

стр. 148

ولو أخَّر الحاج ذبح الهدي إلى اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر جاز له ذلك، ولو أخر طواف الحج والسعي حتى ينزل من منى جاز له ذلك، ولكن الأفضل ما تقدَّم بيانه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. التعليق الحج إلى بيت الله الحرام: أحد فروض الإسلام ومبانيه العظام، وهو الخامس منها في قوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس» (١)؛ والحج لغة: القصد إلى معظَّم (٢)، وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام والمشاعر حوله، وفِعل المناسك من الإحرام في الميقات إلى طواف الوداع (٣). وقد دل على فرض الحج: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومن السنَّة: قوله ﷺ : «يا أيها الناس، قد فُرِضَ عليكم الحجُّ، فَحُجُّوا» فقال رجل: أفي كل عامٍ يا رسول الله؟ فسكتَ حتى قالها ثلاثًا … ثم قال: «ذروني ما تركتُكم، ولو قلت: نَعم؛ لوَجَبتْ، ولَمَا استطعتُم» (٤).

стр. 149

قوله: (ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعًا ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون لما بعد الموت بطاعة الله تعالى): يشهد لهذا قوله تعالى في آخر آيات الحج في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة]، فذكّر بأمر الحشر في يوم القيامة في ختام آيات الحج، وهذا شاهد لهذا الاستنباط الذي ذكره الشيخ ﵀. قوله: (أما الكعبة نفسها وتلك الأماكن وجميع المخلوقات فإنها لا تُعبد، ولا تنفع ولا تضر): كما قال عمر ﵁ في الحجر: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يُقَبِّلك ما قبَّلتك (١)، ولهذا من الإلحاد قول مَنْ يقول: إنَّ شعائر الحج من نوع الوثنية وأنَّه شُرِعَ للعرب الطواف بالبيت وتعظيمه وما إلى ذلك، من جنس ما يعظمونه من الأبنية والأشجار والأحجار، وهذا إلحاد في الدين وكفر بالله العظيم. قوله: (ولو لم يأمر الله بحج البيت لما صح للمسلم أن يحج … ) إلى آخره: لأن أَمْرَ اللهِ ورسولِه هو الأصل الأول في كون العمل عبادة فلا عبادة إلا بأمْر، وما أمَر الله به هو ما شرعه لعباده، وهو دينه الذي لا يرضى غيره، ولهذا شرطُ العمل الصالح، وشرطُ قبوله موافقة أمر الله

стр. 150

ورسوله، وما خالف أمر الله ورسوله فليس من الدين (١)، وهو مردود كما قال ﷺ : «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). قوله في الحاشية: (وأما حج الجهّال إلى قبور الأولياء والمشاهد فإنه ضلال … ) إلى آخره: فقوله: (ضلال ومخالفة) بل أقول: إنه شرك أو وسيلة قوية إلى الشرك، وأكثر ما يقع ذلك من الرافضة فإنهم يحجون إلى قبور أئمتهم، ويفعلون عندها كما يفعل الحجاج عند بيت الله العتيق، وفي المشاعر فإنهم يطوفون بها، ويبكون ويحلقون الرؤوس، وينحرون الهدايا بل أعظم من ذلك، أنهم يستغيثون بأصحاب القبور، ولذا كانوا مشركين (٣). قوله في الحاشية: (فإنها جميعها أحاديثُ موضوعة لا صحة لها … ) إلى آخره: ما قاله الشيخ عن هذه الأحاديث هو ما نبَّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في عدد من كتبه (٤). قوله: (شُرع له حينئذ زيارة قبر النبي ﷺ ، ويسلم عليه قائلًا: «السلام عليك يا رسول الله» بأدب وخفض صوت، ولا يطلب منه شيئًا؛ بل يسلِّم

стр. 151

وينصرف، كما أمر أمته بذلك، وكما هو فعل الصحابة رضوان الله عليهم): كما أمر النبي ﷺ بذلك في زيارة القبور، ولذلك لم يرد في زيارة قبره شيء مخصوص، وإنما ذلك من فعل بعض الصحابة (١)، فزيارة قبر النبي لم يأت فيها عن النبي ﷺ أمر ولا ندب ولا أي شيء، إنما الذي ورد الأمر بزيارة القبور بإطلاق (٢)، ولشيخ الإسلام كلام كثير في أنَّ زيارة قبر النبي بعد إحاطته بالجدران والحواجز أصبحت متعذرة؛ لأنَّ زيارة القبور تكون بالوقوف على القبر (٣)، ومع ذلك نقول: لو كانت الزيارة متاحة كما كان لابن عمر لما جاز كثرة التردد على قبره لقوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدًا» (٤)، فإن التردد على قبره من اتخاذه عيدًا، ولهذا لم يكن ابن عمر

стр. 152

يتردد على قبره كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر، بل لا يأتي إلى قبره ﷺ إلا إذا أراد سفرًا أو قدم من سفر. قوله: (أما الذين يقفون عند قبر النبي ﷺ بخشوع كحال وقوفهم في الصلاة، ويطلبون منه حوائجهم، أو يستغيثون به، أو يتوسطون به عند الله، فهؤلاء مشركون بالله تعالى، والنبي بريء منهم، فليحذر كل مسلم أن يفعل ذلك مع النبي ﷺ أو مع غيره): أما مَنْ يطلب الحوائج فهو مشرك كما قال الشيخ، وأما مَنْ يتوسل به فنقول: هذه بدعة، كأن يقول: «أسألك بنبيك»، أو «بجاه نبيك» فهذا بدعة وليس بشرك (١)، إنما الشرك فيما إذا طلب الحوائج؛ بأن طلب من النبي ﷺ أن ينصره على العدو، أو أن يرزقه أو أن ييسر أموره، فيطلب من الرسول ما لا يطلب إلا من الله تعالى. قوله: (الزيارة الشرعية لأهل القبور المسلمين): والزيارة الشرعية؛ هي: التي يسلم فيها الزائر على أهل القبور، فيدعو لهم ولنفسه ثم ينصرف لا يدعوهم، ولا يتوسل بهم، أما من يقصد بالزيارة الصلاة عند بعض القبور، والدعاء عنده فتلك زيارة بدعية لا شرعية. قوله: (وهذه صفة الحج والعمرة … ) إلى آخره: لم يذكر المؤلف شروط وجوب الحج، وشروطه خمسة (٢): الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة؛ فلا يصح من الكافر، ولا يُؤمر به، ولا يجب على الصغير والمجنون والعبد، ويصح منهم، ولا يجب على

стр. 153

غير المستطيع، ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود مَحْرَمها فمَن لم تجد مَحْرَمًا فلا يجب عليها الحج، ولو حجَّت بلا مَحرمٍ صحَّ حجُّها، وتأثم لسفرها بلا مَحرم (١). قوله: (وقد جاء في حديث الرسول ﷺ : «كل لحم نبت من سُحت فالنار أولى به»): هذا الحديث مختلف في صحته (٢) ولو ذكر الشيخ حديث: «إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا»، وفيه: ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام أنى يستجاب لذلك؛ أقول: لو ذكر هذا الحديث كان أولى لأنه في «صحيح مسلم» (٣). قوله: (المواقيت): المواقيت جمع: ميقات، وهو الزمان أو المكان المقدَّر المحدود لفعل من الأفعال، فالمواقيت زمانية ومكانية، والمراد هنا: مواقيت الحج المكانية، وهي التي ذكرها المؤلف، ذو الحليفة والجحفة ويلملم وقرن المنازل (٤)، وذات عِرق (٥).

стр. 154

قوله: (وصفة الإحرام … ) إلى آخره: المراد بالإحرام: نية الدخول في النسك، فمَن نوى الدخول في النسك فإنه يُلبِّي فيصير محرمًا، كما يدخل المصلي في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وليس كما يظن الجهال؛ أن الإحرام لبس الإزار والرداء، بل الاغتسال ولبس الإزار والرداء ما هو إلا استعداد لعقد نية النُّسك. وسُمي الدخول في النُّسك إحرامًا؛ لأنه يتضمن الدخول في تحريم المحرمات في الإحرام، وهي المحظورات التسعة التي ذكرها الفقهاء (١). قوله: (المحب): المراد به الحجر الأسود، يسميه بعض العامة «المحب»؛ لأنه يُقبَّل. وليس للطواف دعاءٌ مخصوص؛ بل يذكر اللهَ ويدعو بما تيسر له (٢). قوله: (لكنَّ الحلق أفضل ثلاث مرات): يريد أن الحلق أفضل من التقصير ثلاث مرات؛ لأن الرسول ﷺ لما دعا؛ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فأعادها ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: «والمقصرين» (٣).

стр. 155

قوله: (ومَن لم يجد مكانًا في منى نزل حيث تنتهي الخيام): يريد: طرف الخيام المنصوبة في منى، والأظهر أنه لا يلزمه ذلك بل ينزل حيث شاء. قوله: (ولكن الأفضل ما تقدم بيانه): وهو أن يطوف طواف الإفاضة، ويسعى في يوم النحر. * * * الإيمان: لقد أوجب الله تعالى على المسلم أن يؤمن إلى جانب الإيمان به وبرسوله وبأركان الإسلام، أوجب عليه أن يؤمن بملائكته (١) وكتبه (٢) التي أنزلها على رسله، والتي ختمها بالقرآن، ونسخها به، وجعله

стр. 156

مهيمنًا عليها، وأن يؤمن برسل الله من أولهم إلى آخرهم محمد ﷺ ؛ لأنَّ رسالتهم واحدة، ودينهم واحد وهو الإسلام، ومرسلهم واحد وهو الله رب العالمين؛ فيلزم المسلمَ أن يؤمن بأنَّ الرسل الذين ذكرهم الله في القرآن رسل الله إلى أممهم الماضية، ويؤمن بأنَّ محمدًا خاتمهم، ورسول الله إلى الناس أجمعين، وأنَّ الناس بعد بعثته كلهم أمة له حتى اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى؛ لأنَّ جميع مَنْ في الأرض أمة لمحمد ملزمون من عند الله باتباعه. وموسى وعيسى وجميع الرسل بريئون ممن لا يتبع محمدًا، ويدخل في الإسلام؛ لأنَّ المسلم مؤمن بجميع الرسل، ومتبع لهم، ومَن لم يؤمن بمحمد ويتبعه ويدخل في دين الإسلام فهو كافر بجميع الرسل، مكذِّب لهم، ولو ادعى أنه متبع لأحدهم. وقد تقدمت الأدلة على ذلك من كلام الله تعالى في الفصل الثاني (١)، وقال الرسول محمد ﷺ في حديثه: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار». رواه مسلم (٢). ويجب على المسلم أن يؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء والجنة والنار، ويجب عليه أن يؤمن بقدر الله تعالى.

стр. 157

ومعنى الإيمان بالقدر: أن يعتقد المسلم بأنَّ الله تعالى قد علم كل شيء، وعلم أفعال العباد قبل أن يخلق السموات والأرض، وكتب ذلك العلم في اللوح المحفوظ عنده، ويعلم المسلم بأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ الله تعالى خلق العباد لطاعته وبيَّنها لهم، وأمرهم بها ونهاهم عن معصيته، وبيَّنها لهم، وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكَّنون بها من فعل أوامر الله، فيحصل لهم الثواب، ومن فعل معاصيه فيستحقون العقاب. ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، وأما الأقدار التي لم يجعل الله لعباده فيها مشيئة ولا اختيارًا، وإنما يجريها عليهم على الرغم من إرادتهم مثل: الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه، ومثل: الفقر والمرض والمصائب ونحو هذا؛ فإنَّ الله لا يؤاخذ على ذلك ولا يعاقب عليه الإنسان، بل يأجره على المصائب والفقر والمرض إذا صبر ورضي بقدر الله أجرًا عظيمًا، كل هذا الذي تقدم يجب على المسلم أن يؤمن به. وأعظم المسلمين إيمانًا بالله وأقربهم منه وأعلاهم منزلة في الجنة: (المحسنون) الذين يعبدون الله ويُعظِّمونه ويخشعون له كأنهم يرونه، ولا يعصونه في سرهم وعلانيتهم، ويعتقدون أنه يراهم أينما كانوا، ولا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم ونياتهم، فيطيعون أمره، ويتركون معصيته، وإذا وقع من أحدهم خطيئة (مخالفة لأمر الله) تاب إلى الله منها توبة صادقة وعاجلة، وندم على خطيئته واستغفر الله،

стр. 158

ولم يعد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل]. التعليق تضمَّن هذا الفصل ذِكر أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته، وبما أنه قد تكلَّم عما يتعلق بالإيمان بالله؛ بدأ بذكر الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والبعث بعد الموت وبالقدر، وبيَّن أنه يجب الإيمان بذلك كله، فالإيمان بملائكة الله وهم مِنْ عالم الغيب، ويشمل: الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عن الملائكة من أسمائهم وصفاتهم وأصنافهم وأعمالهم، والإيمان بجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو على وجهين مجمل ومفصَّل: فالمجمل هو الإيمان بجميع رسل الله مَنْ علمنا منهم، ومن لم نعلم؛ قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، فنؤمن بأن الله أرسل رسلًا إلى العباد ليأمروهم بعبادته وحده لا شريك له، وينهَوهم عن الشرك به. والمفصَّل هو الإيمان بمن قص الله علينا أنباءهم، وما جرى لهم مع أممهم، وفي ذلك تثبيت لقلب النبي والمؤمنين؛ قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ

стр. 159

عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ١٢٠﴾ [هود]. وخصَّ الشيخُ النبيَّ ﷺ بتعريف خاص؛ لأنَّ ما يجب علينا لنبينا أعظم مما يجب علينا لسائر الرسل؛ فرسالته خاصة بنا، فيجب له من الإيمان به ومحبته وتعظيمه فوق ما يجب لغيره من النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ولا سيما أنه سيد ولد آدم (١) فهو أفضل المرسلين وخاتم النبيين ﷺ . وكذلك القرآن، يجب الإيمان بكتب الله كلها، ولكن للقرآن خصوصية؛ لأنه منزَّل على نبينا ونحن مكلَّفون بما فيه، فالتوراة والإنجيل نؤمن بها لكن لا نعمل بها؛ لأنها منسوخة، أما القرآن فإنه يجب علينا الإيمان والعمل به. وكذلك من أصول الإيمان: الإيمان بالبعث؛ اليوم الآخر، كما جاء في الحديث، وكما جاء في القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فأصول الإيمان ذُكرت في آية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة].

стр. 160

ومن أصول الإيمان: الإيمان بالقدر كما ذكر الشيخ، وهو الأصل السادس في جواب النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان فذكر أصول الإيمان الخمسة المذكورة في الآيتين ثم قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١): وهو الإيمان بأنَّ الله علم الأشياء قبل أن تكون بعلمه القديم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء. يقول أهل العلم (٢): مراتب الإيمان بالقدر أربعة: الأول: الإيمان بعلم الله القديم، والثاني: الإيمان بكتابة الأقدار في اللوح، والثالث: الإيمان بعموم المشيئة، والرابع: الإيمان بعموم الخلق والقدرة، وذلك أن نؤمن بأن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وثمرة الإيمان بالقدر أن يعلم الإنسان أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما يجب على العبد الرضا بقدر الله وتدبيره؛ لأنه تعالى حكيم عدل لا يظلم مثقال ذرة. قوله: (وأنَّ الناس بعد بعثته كلهم أمة له حتى اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى): لفظة «أمة محمد» تطلق إطلاقين: تارة يراد بها جميع الناس، وهؤلاء يقول أهل العلم: إنهم أمة الدعوة؛

стр. 161

لقوله ﵊: «وبُعثت إلى الناس كافة» (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وتارة يراد بها الذين شهدوا أن محمدًا رسول الله، وهؤلاء يسميهم العلماء: أمة الإجابة؛ فاليهود والنصارى من أمة الدعوة، والمسلمون كلهم أمة الإجابة (٢). قوله: (ومَن لم يؤمن بمحمد ويتبعه ويدخل في دين الإسلام فهو كافر بجميع الرسل، مكذِّب لهم، ولو ادعى أنه متبع لأحدهم): وهكذا كل مَنْ كذَّب أيَّ رسول فهو مكذِّب لجميع الرسل كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء]، وقال مثل ذلك في ثمود وقوم لوط وشعيب: مَنْ كذَّب واحدًا من رسل الله كان مكذبًا لجميعهم؛ لأنَّ دعوتهم واحدة فلا فرق. * * *

стр. 162

كمال دين الإسلام: قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء]، وقال الله عن القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل]. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» (١)، وقال: «تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلوا أبدًا كتابَ الله وسنَّتي» (٢). وفي الآيات المتقدمة: يخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه أكمل للمسلمين دينهم: الإسلام، فلا نقص فيه أبدًا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدًا، فهو صالح لكل زمان ومكان وأُمَّة، ويخبر أنه أتم نعمته على

стр. 163

المسلمين بهذا الدين العظيم الكامل السمح، وبرسالة خاتم المرسلين محمد ﷺ ، وبإظهار الإسلام، ونصرِ أهله على مَنْ عاداهم، ويخبر أنه رضي الإسلام للناس دينًا، فلا يسخطه أبدًا، ولا يقبل من أحد دينًا سواه أبدًا. وفي الآية الثانية يخبر الله تعالى أنَّ القرآن العظيم منهاج كامل، فيه البيان الحق الشافي لأمور الدين والدنيا، فلا خير إلا دل عليه، ولا شرَّ إلا حذر منه، وكل مسألة وكل مشكلة قديمة أو حاضرة أو مستقبلة فإنَّ الحل الصحيح العادل لها في القرآن، وكل حلٍّ لها يخالف حلَّ القرآن فهو جهل وظلم. فالعلم والعقيدة والسياسة ونظام الحكم والقضاء وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد ونظام العقوبات وغير ذلك مما يحتاج إليه البشر، كل ذلك قد بينه الله في القرآن، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ أكمل بيان، كما أخبر الله تعالى بذلك في الآية المذكورة حيث أخبر أنَّ القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وفي الفصل الآتي بيان مفصَّل موجز لكمال دين الإسلام، ولمنهجه الشامل الكامل القويم. التعليق هذا فصلٌ عظيمٌ ضمَّنه المؤلف الأدلة من الكتاب والسنة على كمال دين الإسلام، وبيانه لكل ما يحتاج إليه الناس من الأحكام الدينية والدنيوية، وحل جميع المشكلات، ولهذا كان دين الإسلام هو الدين

стр. 164

الحق الذي لا نجاة ولا سعادة إلا بالإيمان به والتمسك به، وأن من أعرض عنه كان من الخاسرين، وفي الصحيح أن يهوديًا قال لعمر ﵁: إن آية في كتابكم؛ لو أُنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا؛ قال: وما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فقال عمر: إنها نزلت على الرسول ﷺ ، وهو واقف بعرفة (١). يريد ﵁ أنها نزلت على الرسول في يوم عيد، وفي هذه الآية وما بعدها مما ذكر الشيخ ردٌّ على المبتدعة، وإبطالٌ للبدع؛ لأن المبتدع يُدخِل في الدين ما ليس منه فكأنه ناقص ويريد إكماله، وعمله مردود عليه؛ لقوله ﷺ : «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٢) أي: مردود؛ نعوذ بالله من اتباع الهوى وتسويل الشيطان. قوله: (مفصَّل موجز): يريد أنه لا يَبْسُط القول في التفصيل، بل يختصر الكلام تجنُّبًا للتطويل. * * *

стр. 165

الفصل الرابع: منهاج الإسلام أولًا في العلم: أول واجب أمر الله به الإنسان أن يتعلم العلم. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد]، وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء]، وقال خاتم المرسلين محمد ﵊ في الحديث الصحيح: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (١)، وقال: «فضل العالم على الجاهل (٢)

стр. 166

كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (١). والعلم في الإسلام ينقسم إلى أقسام من حيث لزومه: فالقسم الأول: فرض لازم على كل إنسان ذكرًا أو أنثى لا يُعذر أحد في الجهل به، وهو: معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله محمد ﷺ ، ومعرفة ما يلزم من دين الإسلام (٢). القسم الثاني: فرض كفاية، إذا قام به مَنْ يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصار في حق الباقين مستحبًّا لا واجبًا، وهو: العلم بأحكام الشريعة الإسلامية التي تؤهل صاحبها للتدريس وللقضاء والإفتاء، وكذا العلم

стр. 167

بما يحتاج إليه المسلمون من الصناعات والمهن اللازمة لشؤون حياتهم؛ فيلزم ولي أمر المسلمين إذا لم يوجد مَنْ يكفي أن يعمل على إيجاد علماء تحصل بهم كفاية المسلمين فيما هو ضروري لحياتهم. التعليق يجب أن يُعلم أن المراد بالعلم في الآيات والأحاديث هو العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، وهو العلم الذي جعله الله حياة للقلوب والأرواح ونورًا للبصائر، ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله من الكتاب والحكمة سماه روحًا ونورًا؛ فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وهذا العلم ثلاثة أقسام من حيث ما يتضمنه: الأول: العلم بالله: بأسمائه وصفاته. الثاني: العلم بدينه، وهو أمره ونهيه الذي به يُعرف الحلال والحرام، وما يحبه الله ويرضاه، وما يبغضه ويسخطه من الأقوال والأعمال. الثالث: العلم باليوم الآخر، وما يكون فيه من البعث والحشر والحساب والجزاء والجنة والنار (١). وقد أحسن الشيخ ﵀ بتنبيهه على فضل هذا العلم، وبيان أنه فرض على كل مسلم ومسلمة، وأن منه ما هو فرض عين: وهو ما لا يقوم

стр. 168

الدين إلا به، ومنه ما هو فرض كفاية؛ كالعلم بأحكام المعاملات، وينبغي أن يُعلم أن هذا العلم -أعني العلم الشرعي- هو الذي كان يهتم به السلف الصالح من الصحابة والتابعين أعظم اهتمام لأنهم به يعرفون ربهم، ودينه، وما أعدَّ للعاملين من الجزاء يوم القيامة، ولذا كان هذا العلم مختصًّا بالمسلمين، وأما العلوم الدنيوية من الطب والصناعات فهي مشتركة بين المسلمين والكفار بل الكفار أمكن فيها لأن الدنيا أعظم همهم فلا يعملون إلا لها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]. قوله: (فضل العالم على الجاهل): المعروف في الراوية: «فضل العالم على العابد»، والمراد بالعابد: العابد الجاهل. * * * ثانيًا: في العقيدة: أمر الله سبحانه رسوله محمدًا ﵊ أن يعلن للناس جميعًا أنهم عبيد الله وحده، يجب عليهم أن يعبدوه وحده، وأمرهم أن يرتبطوا بالله مباشرة وبدون واسطة في عبادتهم له، كما تقدَّم بيان ذلك في معنى «لا إله إلا الله»، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وحده، وأن لا يخافوا إلا منه ولا يرجوا إلا هو وحده؛ لأنه وحده النافع الضار، وأن

стр. 169

يصفوه بصفات الكمال التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله كما تقدَّم بيانه. ثالثًا: في الرابطة بين الناس: أمر اللهُ المسلمَ أن يكون إنسانًا صالحًا يسعى لإنقاذ البشرية من ظلام الكفر إلى نور الإسلام، ولهذا قمتُ بتأليف هذا الكتاب ونشره تأدية لبعض الواجب. وأمر الله أن تكون الرابطة التي تربط المسلم بغيره هي رابطة الإيمان بالله؛ فيحب عباد الله الصالحين المطيعين لله ولرسوله ولو كانوا من أبعد الناس، ويبغض الكفار بالله والعصاة لله ولرسوله ولو كانوا أقرب الناس، وهذه هي الرابطة التي تجمع بين المفترقين وتؤلف بين المختلفين بخلاف رابطة النسب والوطن والمصالح المادية، فإنها سرعان ما تنفصم. قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. يخبر الله سبحانه في الآية الأولى أنَّ المؤمن بالله لا يحب أعداء الله وإن كانوا أقرب الناس، ويخبر في الآية الثانية أنَّ أكرم الناس عنده المحبوب لديه: هو المطيع له من أي جنس كان ومن أي لون.

стр. 170

وقد أمر الله تعالى بالعدل مع العدو والصديق، وحرَّم الظلم على نفسه وجعله محرَّمًا بين عباده، وأمر بالأمانة والصدق وحرَّم الخيانة، وأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء والمشاركة في الأعمال الخيرية، وأمر بالإحسان إلى كل شيء حتى الحيوان؛ فقد حرَّم الله تعذيبه وأمر بالإحسان إليه (١)، أما الحيوانات الضارة؛ كالكلب العقور والحية والعقرب والفأرة والحِدَأة والوزغ (٢)؛ فإنها تُقتل لمنع شرها ولا تُعذَّب. التعليق تضمنت الفقرة الثانية والثالثة أمرين مهمَّين في الإسلام:

стр. 171

أولهما: أمر العقيدة، وهو ما يجب على العبد اعتقاده، وقد بين الشيخ أن العقيدة في الإسلام تقوم على الإقرار بربوبيته تعالى، وإلهيته فلا رب غيره ولا إله سواه، وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الدين، ويتبع ذلك الإقرار بأن الخَلْقَ كلهم عبيده يجب عليهم أن يخضعوا له، ويعبدوه وحده لا شريك له، ومما يجب اعتقاده في الإسلام: إثبات أسمائه تعالى وصفاته، وتنزيهه تعالى عن كل نقص وعيب. الأمر الثاني: وجوب رعاية حق الأُخوَّة الإيمانية؛ لأنها أوثق الروابط فهي فوق رابطة النسب والوطن والمصالح المشتركة، ورعاية هذه الرابطة تكون بالنصيحة لعموم المسلمين لمحبة الخير لهم، والإحسان إليهم بكل أنواع الإحسان بالأقوال وبالأفعال وبالمال؛ فيدخل في ذلك: بر الوالدين وصلة الأرحام، ومواساة الفقراء والمساكين والإحسان إلى الجيران، وقد نبَّه الشيخ على ذلك كله؛ فجزاه الله خيرًا. * * * رابعًا: في المراقبة والواعظ القلبي للإنسان المؤمن: جاءت الآيات في القرآن العظيم تبيِّن للناس أنَّ الله يراهم أينما كانوا، وأنه يعلم جميع أعمالهم، ويعلم نواياهم، وأنه يحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم، وملائكته ملازمون لهم يكتبون كل ما يصدر منهم في السر والعلانية، وأنَّ الله سوف يحاسبهم على كل ما يفعلون ويقولون،

стр. 172

وحذرهم عقابه الأليم إذا عصوه في هذه الحياة وخالفوا أمره، فصار ذلك أكبر زاجر للمؤمنين بالله يمنعهم من الوقوع في معاصيه، فيتركون الجرائم والمخالفات خوفًا من الله تعالى. أما الذي لا يخاف الله، ويرتكب المعاصي إذا قدر عليها فقد جعل الله له حدًّا يردعه في هذه الحياة، وهو أَمْرُ الله المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؛ فيشعر كل مسلم أنه مسؤول أمام الله عن كل خطيئة يرى غيره يفعلها، حتى ينهاه عن فعلها بلسانه إذا لم يقدر على منعه بيده، وأمر الله ولي أمر المسلمين أن يقيم حدود الله على المخالفين، وهي عقوبات على قدر جرائم أصحابها، بيَّنها الله تعالى في القرآن، وبيَّنها رسول الله ﷺ في أحاديثه، وأمر بتطبيقها على المجرمين، وبذا ينتشر العدل والأمن والرخاء. التعليق هذا فصلٌ عظيمٌ، والمراقبة هي استشعار هذه المعاني التي نبَّه إليها الشيخ: وهي علم الله واطلاعه ورؤيته للعباد، ولهذا يُقال: «لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك» (١)؛ كن موجودًا حيثما أمرك الله، وكن غائبًا حيث نهاك الله، وكذلك ما ذكر الله من الوعد والوعيد، كل ذلك يوجب للمؤمن الانتهاء عن مناهي الله والمسارعة إلى ما أمر الله به

стр. 173

، وهذا أعظم مُعِين على فعل الواجبات وترك المحرمات، فهذا معنى جدير، ينبغي للمسلم أن يستحضره ويتذكر أنَّ الله يسمع كلامه ويرى مكانه ويعلم ما يخطر بقلبه، ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ شقَّ ذلك على الصحابة وقالوا: أُمرنا بما نطيق الصلاة والزكاة، وهذه الآية لا نطيقها (١)، لأنه يخطر ببال الإنسان أمور لا يستطيع دفعها، ولكن الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، هذا وقد ذكر الشيخ مِنْ الزواجر عن المعاصي: إقامة الحدود التي بينها الله في كتابه، وبينها الرسول، ولكن ذلك مَنُوطٌ بولي الأمر، وأما غيره فالواجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا قام الجميع بما أوجب الله عليهم: اندحر الشر، واستقام المجتمع، وعمَّ الخير، والأمر لله من قبل ومن بعد. * * * خامسًا: في التكافل والتعاون الاجتماعي: أمر الله المسلمين بالتعاون فيما بينهم ماديًّا ومعنويًّا، كما تقدَّم بيان ذلك في باب الزكاة والصدقات، وحرَّم الله تعالى على المسلم أن يؤذي الناس بأي نوع من أنواع الأذى، حتى الأذى في الطريق حرَّمه

стр. 174

الله، وأمر المسلم أن يزيله إذا رآه ولو كان الذي وضعه غيره، ووعده الأجر على ذلك، كما تَوعَّد المؤذي بالعقاب. وفرض الله على المؤمن أن يحب لأخيه كما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء]. وقال الرسول محمد ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، رواه مسلم (١)، وقال ﷺ في خُطَبِه العظيمة التي ألقاها في آخر حياته في حجة الوداع، مؤكِّدًا بها ما أمر به من قبل: «يا أيها الناس إنَّ ربكم واحد، وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، أبلَّغت؟» قالوا: أبلغ (٢) رسول الله، وقال أيضًا: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، ألا هل

стр. 175

بلَّغت؟» قالوا: نعم، فرفع أصبعه إلى السماء، وقال: «اللهم اشهد» (١)، (٢). التعليق موضوع التكافل الاجتماعي كما شرحه الشيخ هو من محاسن الإسلام، ومن أسباب قبول الإسلام والدخول فيه، وبمراعاة هذا الخُلُق تَسُود الألفة بين المسلمين، وتقوى الروابط بين المؤمنين، ومدار هذا الخلق على أصلين: أحدهما: الإحسان إلى الناس عمومًا وخصوصًا بالأقوال والأفعال. والثاني: كف الأذى؛ كما قال ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣)، وبهذا تتحقق الأخوَّة الإيمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال ﷺ : «لا تَحَاسَدوا … ولا

стр. 176

تَبَاغَضوا، ولا تَدَابَروا، ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا» (١). قوله: (وقال الرسول محمد): لا داعي لذكر الاسم محمد؛ لأن الرسول إذا أُطلق لا ينصرف إلى غير نبينا محمد ﷺ . قوله: (أبلغ رسول الله): لفظ الحديث «بلَّغ رسول الله» ليس فيه استفهام، ولا معنى للاستفهام. * * * سادسًا: في السياسة الداخلية: أمر الله المسلمين أن يولُّوا على أنفسهم إمامًا يبايعونه بالإمارة، وأمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فيكونوا أمة واحدة، وأمرهم الله بطاعة إمامهم وأمرائهم إلا إذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأمر الله المسلم -إذا كان في بلد لا يقدر فيها على إظهار دين الإسلام والدعوة إليه- أمره أن يهاجر منها إلى بلاد الإسلام، وهي التي يُحكَم فيها في جميع الأمور بالشريعة الإسلامية، ويحكمها إمامٌ مسلمٌ بما أنزل الله، فالإسلام لا يعترف بالحدود الإقليمية والجنسيات القومية أو الشعوبية، وإنما جنسية المسلم هي الإسلام، والعباد عباد

стр. 177

الله، والأرض أرض الله، ينتقل فيها المسلم بدون مُعارِض شريطة أن يلتزم شريعة الله وإذا خالفها في شيء يجري عليه حكم الله، وفي العمل بشريعة الله وإقامة حدوده: استتباب الأمن واستقامة الناس، وحقن دمائهم وسلامة أعراضهم وأموالهم، والخير كله، كما أنَّ في العدول عنها الشر كله. وحمى الله تعالى العقول: بتحريم المسكرات والمخدرات والمفتِّرات، وجعل حدًّا لشارب المسكر، وهو الجلد من ٤٠ - ٨٠ جلدة كلما فَعل ذلك؛ ردعًا له وصيانةً لعقله، وحمايةً للناس من شره. وحمى دماء المسلمين: بالقصاص من المعتدي بغير حق، فيُقتَل القاتل، وشرع في الجروح القصاص، كما شرع للمسلم الدفاع عن نفسه وعرضه وماله، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة]، وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ قُتل دون نفسه (١) فهو شهيد، ومَن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قُتل دون ماله فهو شهيد» (٢).

стр. 178

وحمى الله أعراض المسلمين: بما شرعه من تحريم التكلم في غيبة المسلم بكلام يكرهه إلا بحق، وبما شرع مِنْ حَدِّ القاذف الذي يرمي المسلم بالجريمة الخُلقية مثل: الزنا واللواط دون أن يُثبت ذلك إثباتًا شرعيًّا. وحمى الله الأنساب من الاختلاط غير المشروع، وحمى الأعراض أن تدنَّس بالجريمة الخُلقية بتحريم الزنا تحريمًا كبيرًا واعتباره من أكبر الكبائر، وجعل عقوبة رادعة على فاعله إذا توافرت شروط إقامة حد الزنا عليه. وحمى الله الأموال: بتحريم السرقة والغش والقمار والرشوة وغير ذلك من المكاسب المحرَّمة، وبما شرعه من عقوبة السارق وقاطع الطريق العقوبة الرادعة، وهي القطع إذا توافرت شروطه، أو عقابه بما يردعه إذا لم تتوافر الشروط مع ثبوت السرقة. والذي شرع هذه الحدود هو الله العليم الحكيم، وهو أعلم بما يُصلح أحوال خلقه، وهو بهم أرحم، وقد جعل هذه الحدود كفارةً لذنوب المجرمين من المسلمين، وحمايةً للمجتمع من شرهم وشر غيرهم، والذين يعيبون قتل القاتل وقطع يد السارق من أعداء الإسلام وأدعيائه إنما يعيبون قطع عضو مريض فاسد إذا لم يُقطع سرى فساده في

стр. 179

المجتمع بأَسْرِه (١)، وفي الوقت نفسه يستحسنون قتل الأبرياء من أجل أغراضهم الظالمة. التعليق نبه الشيخ ﵀، وتغمده بالرحمة- إلى حكمة الشريعة المنزلة من الحكيم العليم؛ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، فشريعة الإسلام بما تضمنته فيها غاية الخير وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وفي الحكم بغيرها نشر الشر والفساد؛ قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ فحكم الله هو أحسن الأحكام: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة]، لكن لا يحكِّم أحكام الله إلا الموقنون به المؤمنون بحكمته الراضون عن تشريعه؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، ففي إقامة شريعة الله سعادة الدنيا والآخرة وصلاح الدنيا والآخرة، وفي مجانبتها الشقاء؛ قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ١٢٣*** … ﴾ [طه] الآيات، قال ابن عباس: «تكفَّل الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» (٢).

стр. 180

والشيخ ﵀ ينبِّه بذكر السياسة على كمال الشريعة وشمولها لجميع شؤون الحياة، ومنها السياسة، وهي: التدابير التي تصدر من ولي الأمر مما يتعلق بالرعية أو بالشؤون الدولية. وقد نبَّه الشيخ على مسألة مهمة، وهي: وجوب الهجرة على من كان في بلدٍ لا يستطيع فيه إظهار دينه، وإعلان التوحيد؛ فيهاجر إلى أي أرض يقدر فيها على إظهار الإسلام والتوحيد، والبراءة من المشركين، وما يشركونه مع الله، وقد توعَّد الله من يقيم بين المشركين وهو يقدر على الهجرة. ومن الآيات الدالة على وجوب الهجرة قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [العنكبوت] (١). * * * سابعًا: في السياسة الخارجية: أمر الله المسلمين وولاة أمورهم أن يدعوا غير المسلمين إلى الإسلام لينقذوهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالله، ومن شقاء الانغماس في ماديات هذه الحياة الدنيا، والحرمان من السعادة الروحية التي يَنعم بها المسلمون حقًّا. فأَمْرُ الله هذا للمسلم هو: أن يكون إنسانًا صالحًا ينفع جميع بني الإنسان بصلاحه، ويسعى لإنقاذ البشر جميعًا، بخلاف المناهج
следующие страницы →