← Джавами‘

Джавами‘ · id 30029

التعليق والبيان على الدين الحق للشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (256 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

نداء للإيمان بالله وبرسوله محمد ﵊: لذا ندعوك -أيها العاقل- إلى الإيمان بالله ربًّا، وبرسوله محمد رسولًا، وندعوك إلى اتباعه، والعمل بشريعته التي بعثه الله بها، وهي دين الإسلام الذي مصدره القرآن العظيم (كلام الله)، وأحاديث خاتم المرسلين محمد ﷺ التي ثبتت عنه؛ لأنَّ الله عصمه، فلا يأمر إلا بأمر الله، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فَقُلْ من قلب مخلص: آمنت بأنَّ الله ربي وإلهي وحده، وقل: آمنت بأنَّ محمدًا رسول الله، واتبعه، فإنه لا نجاة لك إلا بذلك، وفقني الله وإياك للسعادة والنجاة آمين. التعليق كل البراهين التي ذكرها المؤلف هي عقلية نقلية، ولكنه خصَّ القرآن بأنه البرهان العقلي لأنه أعظم دليل جعله الله حجة على صدق مَنْ جاء به؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]، وفي الحديث الصحيح قال ﷺ : «ما مِنْ الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أُوتيته وحيًا أوحاه الله إلي» -يعني القرآن- «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١).

стр. 72

وقد أوضح المؤلف ﵀ كيف دلَّ القرآن على أنه كلام الله، وعلى أن محمدًا رسول الله، وذلك بأن الله تحدَّى به العرب، بل الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة؛ فلم يقدروا على شيءٍ من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ *** … ﴾ [البقرة] الآية، ولهذا كان القرآن هو المعجزة الخالدة إلى آخر الدهر، والبرهان الأعظم على رسالة محمد ﷺ . * * *

стр. 73

الفصل الثالث: معرفة دين الحق (الإسلام) إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله تعالى هو ربك الذي خلقك ورزقك، وأنه الإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وأنه يجب عليك أن تعبده وحده، وعرفت أنَّ محمدًا رسول الله إليك، وإلى جميع الناس؛ فاعلم أنه لا يصح إيمانك بالله تعالى ورسوله محمد ﵊ إلا إذا عرفت دين الإسلام، وآمنت به، وعملت به؛ لأنه الدين الذي رضيه الله تعالى، وأمر به رسله، وبعث به خاتمهم محمدًا ﷺ إلى جميع الناس، وأوجب عليهم العمل به. التعليق الإيمان بالرسول يستلزم الإيمان بما جاء به، والرسول جاء بدين الإسلام، وجاء بالتوحيد، والتوحيد هو أصل دين الإسلام، فهذه الأصول الثلاثة متلازمة لا يصح الإيمان بواحد دون الأصلين الآخرين، وهي التي يُسأل عنها الإنسان في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (١).

стр. 74

ودين الإسلام يدخل فيه الإيمان بالله ورسوله، وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ودين الإسلام مبني على الشهادتين، فإن الإسلام مبني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله، ويتبع هذه الأصول بقية الشرائع من الفرائض والنوافل، واجبات ومستحبات، واسم الإسلام يعمُّها، فكلُّ شريعةٍ أو حُكمٍ دلَّ عليه الكتاب والسنة فهو من دين الإسلام، وتقدَّم (١) أن الشيخ بنى هذا الكتاب على هذه الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الإنسان في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ * * *

стр. 75

تعريف الإسلام قال خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». متفق عليه. فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس، وآمن به رسل الله، وأعلنوا إسلامهم لله، وأعلن الله تعالى بأنه الدين الحق، وأنه لا يقبل من أحد دينًا سواه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. المعنى الإجمالي للآيتين: يخبر الله تعالى أنَّ الدين لديه الإسلام فقط، وفي الآية الأخرى أخبر أنه لن يقبل من أحد دينًا غير الإسلام، وأنَّ السعداء بعد الموت هم المسلمون فقط، وأنَّ الذين يموتون على غير الإسلام خاسرون في الدار الآخرة، ويُعذَّبون في النار.

стр. 76

ولهذا أعلن جميع الأنبياء إسلامهم لله، وأعلنوا براءتهم ممن لا يسلم، فمن أراد من اليهود والنصارى النجاة والسعادة فليدخل في الإسلام، وليتبع رسول الإسلام محمدًا ﵊، حتى يكون تابعًا حقًّا لموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، لأنَّ موسى وعيسى ومحمدًا وجميع رسل الله مسلمون دعوا جميعًا إلى الإسلام؛ لأنه دين الله الذي بعثهم به، ولا يصح لأحد ممن وُجد بعد بعثة خاتم المرسلين محمد ﵊ إلى نهاية الدنيا، لا يصح له أن يسمي نفسه مسلمًا لله، ولا يقبل الله منه هذا الادعاء إلا إذا آمن بمحمد رسولًا من عند الله، واتبعه، وعمل بالقرآن الذي أنزله الله عليه. قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران]. المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله رسوله محمدًا أن يقول لمن يدعي محبة الله: إن كنتم تحبون الله حقًّا فاتبعوني يحببكم الله، فإنَّ الله لا يحبكم ولا يغفر لكم ذنوبكم، إلا إذا آمنتم برسوله محمد واتبعتموه. وهذا الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس جميعًا هو الإسلام الكامل الشامل السمح، الذي كمَّله الله ورضيه لعباده دينًا، لا يقبل منهم دينًا غيره، وهو الذي بشَّر به الأنبياء وآمنوا به، قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 77

المعنى الإجمالي: يخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة التي أنزلها على خاتم المرسلين محمد ﵊ وهو واقف مع المسلمين بعرفات بمكة في حجة الوداع (١)، يناجون الله ويدعونه، وكان ذلك في آخر حياة الرسول محمد ﷺ بعدما نصره الله، وانتشر الإسلام، وتكامل نزول القرآن. يخبر الله سبحانه أنه أكمل للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته ببعثة الرسول محمد ﷺ ، وإنزال القرآن العظيم عليه، ويخبر أنه رضي لهم الإسلام دينًا، لا يسخطه أبدًا، ولا يقبل من أحد دينًا سواه أبدًا. ويخبر تعالى أنَّ الإسلام الذي بعث به رسوله محمدًا إلى الناس جميعًا؛ هو الدين الكامل الشامل الصالح لكل زمان ومكان وأمة، فهو دين العلم واليسر والعدالة والخير، وهو المنهاج الواضح الكامل القويم لشتى مجالات الحياة، فهو دينٌ ودولةٌ، فيه المنهاج الحق للحكم والقضاء والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكل ما يحتاجه البشر في حياتهم الدنيا، وهو الذي فيه سعادتهم في الحياة الآخرة بعد الموت.

стр. 78

التعليق قوله: (قال خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله … » … ) إلى آخره: هذا طرفٌ من حديث جبريل (١)، قال: أخبرني عن الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله … » إلى آخره، كما ذكر الشيخ، وهذه أصول دين الإسلام العملية، وأركانه: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج. قوله: (فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس … ) إلى آخره: يعني الدين عند الله وفي حكم الله هو الإسلام فقط، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وما سواه فليس بدين مرضيٍّ، ويفَسِّر هذه الآية الآيةُ التي بعدها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقوله: (الدين العالمي): يريد أنه دين عام يجب على جميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]. قوله: (وأعلن الله تعالى بأنه الدين الحق): لو قال: «وأعلم الله سبحانه أن دين الإسلام هو الدين الحق» لكان أولى.

стр. 79

قوله: (ولهذا أعلن جميع الأنبياء إسلامهم لله، وأعلنوا براءتهم ممن لا يسلم … ) إلى آخره: دين الرسل كلهم هو الإسلام، جاءوا به ودعوا إليه؛ فالإسلام ليس خاصًّا بما جاء به محمد ﷺ ، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم مسلمون، قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس]، وقال في إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة]، وقال عن إبراهيم ويعقوب: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]، وقال عن الحواريين: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة]، وقال في أنبياء بني إسرائيل: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ [المائدة: ٤٤] أي: التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا *** … ﴾ [المائدة: ٤٤] الآية، وقال عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] يعم دين الرسل كلهم (١)، وبناء على ما سبق فاليهود والنصارى اليوم ليسوا على دين صحيح ولو زعموا أنهم يتبعون التوراة أو الإنجيل، ولو تمسكوا بكتبهم ولم يؤمنوا بمحمد لم ينفعهم ذلك. قوله: (وهو واقف مع المسلمين بعرفات بمكة في حجة الوداع): عرفة ليست بمكة بل قرب مكة.

стр. 80

قوله: (ويخبر تعالى أنَّ الإسلام الذي بعث به رسوله محمدًا إلى الناس جميعًا؛ هو الدين الكامل الشامل … ) إلى آخره: دين الإسلام موصوف بالكمال والشمول، فهو دين حاكم على جميع أمور الإنسان فردًا أو جماعة، فيجب على المسلم وعلى جماعة المسلمين وعلى الدولة تحكيم الإسلام على جميع التصرفات والتدابير، فإنه لا يخرج عن دين الإسلام شيء، فليس هنالك شيءٌ يُقال: إنه لا علاقة للدين به؛ بل الدين مُحكَّم، يجب تحكيمه في كلِّ شيءٍ: في السياسة وفي الاقتصاد، وفي أمور الروابط والاجتماع، وفي الأسرة، وفي المجتمع، لكن بعض الأمور أحكامه فيها مفصَّلة، وبعضه أحكامه مجمَلة بتقرير قواعد؛ فهو مثلًا لا يشرح أنواع الصنائع أو صفة الزراعة وما إلى ذلك، لكنه يجب تحكيمه فيها، بحيث لا تُزرع المحرَّمات، ولا يُعتدى باسم الزراعة على أحد؛ فلا ظُلم ولا فساد، وهكذا في جميع الأمور. والعلوم يجب أن تكون خاضعة لأصول الإسلام وقواعده العامة المتضمنة للعدل ورفض الظلم ومنع الفساد، فهذه أحكام عامة. وفيه الأحكام التفصيلية للعبادات والمعاملات؛ فأحكام العبادات والمعاملات جاء الإسلام بها مفصَّلةً. والسياسة كذلك، يجب أن تكون خاضعة وجارية على وفق منهاج الإسلام؛ فيجب أن تقوم السياسة على العدل ورفع الظلم، وعلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وأعظم ذلك إقامة دين الله في الأمة، فهذا أعظم المسؤوليات على ولي الأمر.

стр. 81

وقوله: (فهو دينٌ ودولةٌ): يريد أن دين الإسلام عبادةٌ وسياسةٌ، كما يُقال: دين ودنيا؛ أي: إنه متضمن لمصالح الدنيا والآخرة. * * *

стр. 82

أركان الإسلام والإسلام الكامل الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﵊ مبني على خمسة أركان، لا يكون الإنسان مسلمًا حقًّا حتى يؤمن بها ويؤديها، وهي: ١. أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله. ٢. يقيم الصلاة. ٣. يؤتي الزكاة. ٤. يصوم رمضان. ٥. يحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلًا (١). الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله: وهذه الشهادة لها معنى يجب على المسلم معرفته والعمل به، أما الذي يقولها بلسانه ولا يعرف معناها ولا يعمل به فإنه لا ينتفع بها،

стр. 83

ومعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحقٍّ في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحقُّ، وكلُّ إلهٍ غيره باطل، والإله معناه: المعبود. والذي يعبد غير الله كافرٌ بالله مشركٌ به، ولو كان معبوده نبيًّا أو وليًّا، ولو كان بحجة التقرُّب به إلى الله تعالى والتوسل إليه؛ لأنَّ المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما عبدوا الأنبياء والأولياء إلا بهذه الحجة، لكنها حجة باطلة مردودة؛ لأنَّ التقرُّب إلى الله تعالى والتوسل إليه لا يكون بصرف العبادة لغيره، وإنما يكون بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التي أمر بها؛ كالصلاة والصدقة والذكر والصوم والجهاد والحج وبر الوالدين، ونحو ذلك، وبدعاء المؤمن الحي الحاضر لأخيه إذا دعا. والعبادة أنواع كثيرة: منها الدعاء: وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، مثل: إنزال المطر، وشفاء المريض، وتفريج الكربات التي لا يفرِّجها المخلوق، ومثل: طلب الجنة، والنجاة من النار، وطلب الأولاد، والرزق، والسعادة، ونحو ذلك. فهذا كله لا يُطلب إلا من الله، فمن طلب من المخلوق -حيًّا أو ميتًا- شيئًا من ذلك فقد عبده، قال الله تعالى آمرًا عباده بدعائه وحده، ومخبرًا أنَّ الدعاءَ عبادةٌ، مَنْ صرفه لغيره فهو من أهل النار: ﴿وَقَالَ

стр. 84

رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر]. وقال تعالى مخبرًا أنَّ مَنْ سواه من المدعوين لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًّا، ولو كانوا أنبياء أو أولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء]، والآية التي بعدها. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]. ومن العبادة: الذبح والنذر وتقريب القرابين: فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قُربان، أو بنذرٍ إلا لله وحده، ومَن ذبح لغير الله؛ كمن يذبح للقبر أو للجن؛ فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]. وقال الرسول ﷺ : «لعن الله مَنْ ذبح لغير الله»، حديث صحيح، رواه مسلم (١). وإذا قال إنسان: لفلان عليَّ نذر إن حصل لي كذا أن أتصدَّق بكذا أو أفعل كذا، فهذا النذر شرك بالله؛ لأنه نذرٌ لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو أن يقول: لله عليّ نذرٌ أن أتصدَّق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا.

стр. 85

ومن أنواع العبادة: الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، فلا يُستغاث ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، وقال الرسول ﷺ : «إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله» حديث صحيح، رواه الطبراني (١). وقال ﷺ : «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» حديث صحيح، رواه الترمذي (٢). والإنسان الحي الحاضر يصح أن يُستغاث به ويُستعان به في الشيء الذي يقدر عليه فقط، أمَّا الاستعاذة فلا يستعاذ إلا بالله وحده. والميت

стр. 86

والغائب لا يُستغاث به ولا يُستعان به البتة؛ لأنَّه لا يملك شيئًا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا أو ملَكًا. والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فمَن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافرٌ يجب تكذيبه، ولو تكهَّن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» رواه الإمام أحمد والحاكم (١). ومن العبادة: التوكل والرجاء والخشوع: فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده. ومما يُؤسَف له أنَّ كثيرًا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظَّمين، ومن أهل القبور، ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلمًا وإن ادعى الإسلام وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلَّى وصامَ وحجَّ البيت. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر].

стр. 87

وقال الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة]. وأمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]. وهؤلاء الجهال غرَّهم علماء السوء والضلال الذين عرفوا بعض الفروع، وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك، جهلًا منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحُجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديمًا وحديثًا على رسول الله ﷺ ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم الشيطان، وما شابه ذلك من الضلالات التي جمعوها في كتبهم؛ ليؤيدوا بها عبادتهم لغير الله اتباعًا للشيطان وللهوى، وتقليدًا أعمى للآباء والأجداد، كحال المشركين الأوَّلين. والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها في قوله : ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] هي الأعمال الصالحة: من توحيد الله والصلاة والصدقة والصيام والحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم، ونحو ذلك، أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الشدائد والكربات؛ فهذا عبادة لهم من دون الله.

стр. 88

وشفاعة الأنبياء والأولياء وغيرهم من المسلمين الذين يأذن الله لهم في الشفاعة حقٌّ نؤمن بها، ولكنها لا تُطلب من الأموات؛ لأنها حقٌّ لله لا تحصل لأحد إلا بإذنه تعالى، فيطلبها الموحِّد لله من الله تعالى قائلًا: «اللهم شفِّع فيَّ رسولك وعبادك الصالحين»، ولا يقول: «يا فلان اشفع لي»؛ لأنه ميت، والميت لا يُطلَب منه شيءٌ أبدًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر]. ومن البدع المحرمة المخالفة للإسلام والتي نهى عنها رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين والسنن: اتخاذ المساجد، والسُّرج على القبور (١)، والبناء عليها، وتجصيصها (٢) والكتابة عليها (٣)،

стр. 89

وإلقاء الستور عليها (١)، والصلاة في المقبرة (٢)، كل هذا نهى عنه الرسول الكريم ﷺ ؛ لأنه من أعظم أسباب عبادة أصحابها. وبهذا يتبين أنَّ من الشرك بالله ما يفعله الجهّال عند بعض القبور في كثير من البلدان، مثل: قبر البدوي والسيدة زينب في مصر، وقبر الجيلاني في العراق، والقبور المنسوبة لآل البيت ﵃ في النجف وكربلاء في العراق، وقبور أخرى في كثير من البلدان من الطواف حولها، وطلب الحوائج من أهلها، واعتقاد النفع والضر فيهم. ويتبين أنَّ هؤلاء بفعلهم هذا مشركون ضالون، وإن ادعوا الإسلام وصلوا وصاموا وحجوا البيت، ونطقوا بلا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنَّ الناطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله لا يُعتبر موحِّدًا لله حتى يعرف معناها، ويعمل به، كما تقدَّم بيان ذلك. أما غير المسلم فإنه يدخل في الإسلام ابتداء بنطقه بها، ويسمى مسلمًا حتى يتبين منه ما ينافيها من بقائه على الشرك كهؤلاء الجهّال، أو إنكاره لشيء من فرائض الإسلام بعد بيانها له، أو إيمانه بدين

стр. 90

يخالف دين الإسلام، والأنبياء والأولياء (١) بريئون ممن يدعوهم ويستغيث بهم؛ لأنَّ الله تعالى أرسل رسله لدعوة الناس إلى عبادته وحده، وترك عبادة مَنْ سواه نبيًّا أو وليًّا أو غيرهما. ومحبة الرسول ﷺ ، والأولياء المقتدين به ليست في عبادتهم؛ لأنَّ عبادتهم عداوة لهم، وإنما محبتهم في الاقتداء بهم والسير على طريقتهم، والمسلم الحقيقي يحب الأنبياء والأولياء، ولكنه لا يعبدهم، ونحن نؤمن بأنَّ محبة الرسول ﷺ واجبة علينا فوق محبة النفس والأهل والولد والناس أجمعين. التعليق قوله: (والإسلام الكامل الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﵊ مبني على خمسة أركان … ) إلى آخره: هذا كما جاء في حديث جبريل، قال له: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا

стр. 91

الله … » إلى آخره (١)، وقال في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس … » (٢) فدل على هذه الأصول حديث جبريل وحديث ابن عمر في الصحيحين، فهذه أصول الإسلام العملية: الشهادتان وما بعدها. قوله: (الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله … ) إلى آخره: كلمةُ التوحيد لها ركنان: النفيُ والإثبات، فهي مركَّبةٌ من نفيٍ وإثبات، ولا يتحقَّقُ مقصودُها إلَّا بذلك، ومعناها باختصار: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومعنى إله: مألوه، من «أَلَهَ» إلهة أي: عَبَدَ عبادةً (٣)، فدلَّت على نفي إلهيةِ ما سوى الله، وإثباتِ الإلهية لله وحده؛ فالنفيُ يتضمَّنُ الكفرَ بالطاغوت، والإثباتُ يتضمَّنُ الإيمانَ بالله والإقرارَ له بالإلهيَّة وحده دون ما سواه (٤). ولا بدَّ أن تصدرَ هذه الشهادة عن علم، ويقين، وقبول، وانقياد، ومحبة، وصدق، وإخلاص؛ فهذه إجمالُ الشروطِ التي استنبطها العلماءُ من النصوص (٥)، وقد نظم بعضُهم هذه الشروط فقال:

стр. 92

علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك مع محبةٍ وانقيادٍ والقبولُ لها وزيد ثامِنُها الكفران منك بما سوى الإله من الأشياء قد أُلِهَا (١). قوله: (والذي يعبد غير الله كافرٌ بالله مشركٌ به، ولو كان معبوده نبيًّا أو وليًّا، ولو كان بحجة التقرُّب به إلى الله تعالى والتوسل إليه؛ لأنَّ المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما عبدوا الأنبياء والأولياء إلا بهذه الحجة، لكنها حجة باطلة مردودة): قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، هكذا يقولون فاتخذوا الأنبياء والصالحين والأولياء واسطة بينهم وبين الله، بحجة أنهم يقربونهم ويشفعون لهم كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فيعبدونهم من دون الله بهذه الشبهة. قوله: (لأنَّ التقرب إلى الله تعالى والتوسل إليه لا يكون بصرف العبادة لغيره، وإنما يكون بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التي أمر بها؛ كالصلاة والصدقة والذكر والصوم والجهاد والحج وبر الوالدين،

стр. 93

ونحو ذلك، وبدعاء المؤمن الحي الحاضر لأخيه إذا دعا): جاء في الشرع من أنواع التوسل في الدعاء (١): ١. التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وشواهد هذا في السنة كثيرة، ومن ذلك ما تضمَّنه سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٢). ٢. التوسل إلى الله بالافتقار إليه، والاعتراف له بإنعامه، والاعتراف بالتقصير، كما في سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء لك بذنبي». ٣. التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى عن عباده الذاكرين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَئَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [آل عمران] الآيتين، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار (٣).

стр. 94

٤. التوسل إلى الله بالفقر إليه في رزقه وكشف ضره، كما في قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص]، وقول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء]. ٥. التوسل بدعاء من دعا مِنْ نبي وصالح، كما في قول عمر ﵁: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا … » -أي بدعائه- «وإنا نتوسل إليك بعم نبينا … » (١)؛ أي: بدعائه (٢). قوله: (والعبادة أنواع كثيرة): العبادة بأنواعها كلها لله تعالى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: لا نعبد غيرك. والعبادة أنواع كثيرة: منها أعمال قلبية؛ مثل: الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشية. ومنها أعمال ظاهرة؛ وهي أعمال الجوارح؛ كالاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، ومنها: الركوع والسجود والصيام والحج والجهاد، وهناك أنواع أخرى.

стр. 95

وعبادة الله تعالى تتضمن كمال الذل لله تعالى، والحب له، وذلك يستلزم كمال طاعته. وهنا تعريفان للعبادة: أحدهما: أنَّ العبادة اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (١). الثاني: كمال الحب، مع كمال الذل له سبحانه (٢). فالأول: اسم لما يُتَعَبَّد به. والثاني: اسم لحقيقة العبادة. والصلاةُ ونحوها شعائرُ العبادة؛ لأنها يُتَعبَّد بها ويتذلل بها لله تعالى، فهي عبادة، ولهذا لا ينبغي أن تسمى مظاهر العبادة؛ لأنها هي التي يحصل بها التذلل والتقرب إلى الله تعالى. والشعائر الشركية تذللٌ وتَعَبُّدٌ لغير الله؛ كالذبح مثلًا، فالذبحُ على وجه التعظيم والتقرب عبادةٌ. فالشركُ عبادةُ غير الله مع الله، أو اتخاذُ ندٍّ لله تعالى. قال ابن القيم: والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهر ذا القسمُ ليس بقابلِ الغفرانِ

стр. 96

وهو اتخاذُ النِّد للرحمنِ أيَّ اً كان من حجرٍ ومن إنسانِ يدعوه بلْ يرجوه ثم يخافُه ويحبُه كمحبةِ الديانِ (١) قوله: (منها الدعاء: وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى … ) إلى آخره: قسَّم العلماء الدعاء إلى قسمين (٢): ١. دعاءُ المسألة: وهو الطلب الصريح؛ كقول العبد: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اهدني، وكما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. ٢. ودعاءُ عبادةٍ: وهو سائر العبادات؛ فالصلاة دعاء، والصيام دعاء، والحج دعاء، والذكر كله دعاء، أي: دعاء عبادة، وسُمِّيت العبادة دعاء؛ لأن العبد طالب للثواب. قوله: (ومن العبادة: الذبح والنذر وتقريب القرابين): الذبح تقرُّبًا إلى الله أنواع: - الأضحية. - والهدي في الحج أو العمرة.

стр. 97

- والعقيقة، وكلها من القرابين والأنساك التي جاءت بها الشريعة. قوله: (فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قربان، أو بنذرٍ إلا لله وحده، ومَن ذبح لغير الله؛ كمن يذبح للقبر أو للجن؛ فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله): المراد بالذبح لغير الله: ما يُذبح من بهيمة الأنعام وغيرها، على وجه التقرُّب بإراقة الدم تعظيمًا، ولا بدَّ من هذا التقييد: «على وجه التقرُّب بإراقة الدم تعظيمًا للمذبوح له»؛ ليخرج الذبح تكريمًا بتقديم الطعام واللحم، لا تقرُّبًا وتعظيمًا بإراقة الدم، أما الذبحُ على وجه التقرُّب إليه؛ كالذبح للملوك والسلاطين والعظماء عند مقْدَمِهِم -كما نصَّ أهل العلم على ذلك- فهذا من نوع الذبح لغير الله، الذي هو شِرك أكبر (١)، فمقصود الأول هو التقربُ والتعظيم والعبادة لهذا المذبوح له، أمَّا الثاني فلا، إنما هو تكريم له بالطعام؛ ولهذا لا يُقصد مما يُذبح على وجه التقرُّب: اللحم، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، ولهذا لا يُجزئُ عن الأضحية أن تشتري لحمًا وتتصدَّق به، فلو اشترى الإنسانُ لحمًا وتصدَّق به أيامَ الأضحية لم يكن مضحِّيًا.

стр. 98

قوله: (وقال الرسول ﷺ : «لعن الله مَنْ ذبح لغير الله»، حديث صحيح، رواه مسلم (١): اللعنُ: هو الطردُ والإبعادُ عن رحمة الله (٢)، ويكون من الرَّبِّ قولًا وفعلًا، واللهُ تعالى ذكرَ اللعنَ في مواضعَ من القرآن، فهو تعالى يلعنُ مَنْ يشاء كما يغضبُ على مَنْ يشاء؛ قال تعالى في قاتل المؤمنِ عمدًا: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]، وقال في إبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص]. وقولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله»: أي: ذبح له تقرُّبًا إليه وتعظيمًا له؛ لأنه بذلك أشركَ بالله. وقولُه: «لعن الله»: يحتمل -والله أعلم- أنَّه إخبارٌ عن لعن اللهِ وطردِه لمن ذبحَ لغير الله، ويحتمل أن يكون دعاءً من النبي ﷺ على مَنْ فعل ذلك، بأن يلعنه الله، ويطردَه عن رحمته، والاحتمالُ الأوَّلُ أبلغُ في الزجر؛ لأنَّ الخبرَ يُفيدُ تحقُّقَ المخبَر، بخلاف الدعاء (٣). فيدلُّ هذا على تحريم الذبحِ لغير الله، وأنَّه من كبائر الذنوبِ، بل إنَّه شركٌ؛ لأنَّه صرفٌ للعبادة لغيره، والعبادةُ محضُ حقِّه سبحانه.

стр. 99

قوله: (وإذا قال إنسان: لفلان عليّ نذر إن حصل لي كذا أن أتصدق بكذا أو أفعل كذا، فهذا النذر شرك بالله ؛ لأنه نذر لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو أن يقول: لله عليّ نذر أن أتصدق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا): يوضحه ما يفعله القبوريون من النذر للأموات؛ كمن ينذر للسيد فلان؛ كالبدوي أو الدسوقي أو غيرهما، بأن يذبح له كذا وكذا، وهذا كمَن يصلي له، فإنه يقصد إلى التقرب إليه بالنذر، فكما أنَّ مَنْ نذر لله أن يتقرب إليه بذبح أو نحر يكون عابدًا له مثابًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]؛ فكذلك مَنْ نذر لغيره، فالنذر لغيره شرك، والنذر لله عبادة له، وهذا باعتبار الوفاء، أمَّا عقد النذر فإنه جاء النهي عن النذر (١)، فلا يُشرع للإنسان أن ينذر، فيقول: لله عليّ أن أصوم شهرًا أو أتصدق بكذا وكذا؛ فهذا منهيٌّ عنه، قال ﵊: «النذر لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل» (٢)، ولكنه يكون عبادةً باعتبار المآل؛ لأنَّ الناذر ينذر عبادة يقصد بذلك التقرُّب للمنذور له، وقول الشيخ في نذر الشرك: (لفلان عليّ نذر)؛ يريد: كقول عُبَّاد البدوي: للسيد عليَّ أن أذبح له كذا خروفًا أو بقرة؛ أي: تقرُّبًا إليه، فتتضح عبارة الشيخ، ويتبين مراده إذا قرنت فلانًا بالسيد؛ فقلتَ: للسيد فلان؛ أي: كالبدوي أو الدسوقي مثلًا.

стр. 100

قوله: (ومن أنواع العبادة: الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة: فلا يُستغاث ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده … ) إلى آخره: هذا كله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كالاستعانة بالأموات، والاستعانة بالمخلوق؛ وكالنجاة من الكروب، كمَن غرق في البحر فاستغاث بالولي؛ فهذا هو الشرك؛ لأنه أنزله منزلة الله؛ فلا يستغاث في الكروب إلا بالله وحده، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أمَّا الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه فهذا جائز؛ كالذي استغاث بموسى، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]. وكالاستغاثةِ: الاستعانةُ والاستنصارُ، فإنَّه يجوز بالمخلوق فيما يقدر عليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال]. فيجوز أن تقول: انصرني يا فلان على هذا العدوِّ، وكذلك طلبُ الحوائج ممَّن يقدرُ على قضائها، مثلما يكون بين النَّاس من التَّعاون، أمَّا الاستغاثةُ بالأموات كما يفعل المشركون القبوريُّون الذين يعبدون الموتى والصَّالحين، أو مَنْ يُدَّعى لهم الصَّلاح؛ فلا يجوز؛ لأن بالاستغاثة بهم تشبيه لهم بالله، وعبادة لهم مع الله، ومع ذلك هم لا يقدرون على ما يُطلَب منهم؛ فكان عُبَّاد القبور كعُبَّاد الأصنام الذين يَدعون ما لا ينفعهم ولا يَضرُّهم (١).

стр. 101

قوله: (والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافر يجب تكذيبه، ولو تكهَّن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» رواه الإمام أحمد والحاكم (١): هذا الحديث تضمَّن التحذير من إتيان الكُهَّان وسؤالهم وتصديقهم، وأنَّ مَنْ أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسألَه عن شيءٍ فصدقه بما يخبره به فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ وهو القرآن؛ لأنَّ الكاهن يدَّعي علم الغيبِ، ومَن يسأله ويصدقه قد كفر بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فلا أحد من الخلق يعلمُ الغيبَ حتى الرسل إلا ما يُطلعهم الله عليه، ولهذا أمر الله نبيه أن يقول للناس: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن]، ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ الغيبَ نوعان: غيبٌ مطلقٌ، وهو ما لا يعلمه إلا الله؛ كعدد الملائكةِ والخمس المذكورة في آية لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]. والنوع الثاني: غيبٌ نسبيٌّ، وهو ما يعلمُه بعضُ الخلق دون بعض بأسبابٍ كونية أو شرعية؛ كعدد الأنبياءِ، وأعدادِ الشعوب، فمَن ادَّعى

стр. 102

العلمَ بالنوع الأول فهو الذي كفر بما أُنزل على محمد، ومَن ادَّعى الثاني فقد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا، كما دلَّ هذا الحديثُ على حُكمِ مَنْ أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، وهو أنَّه قد كفر بذلك، وفي هذا الكفرِ للعلماء ثلاثة أقوال: قيل: إنَّه كفرٌ أكبر؛ أي مخرجٌ من الملَّة، فمَن يفعل ما ذُكر فهو مرتدٌّ. وقيل: إنَّه كفرٌ دون كفرٍ؛ أي: معصيةٌ من كبائر الذنوب (١). وقيل بالتوقُّفِ عن الجزم بأحد الحُكمين، وإجراءِ الأحاديثِ على إطلاقها؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الزجر. وروي عن الإمام أحمد القولُ الأول والثالث (٢)، والذي يظهرُ لي -والله أعلم- أنَّ حالَ السائلين تختلف (٣)؛ فمَن كان يعتقد أنَّ الكاهنَ يعلمُ الغيبَ فهو كافر، ومَن كان لا يعتقد ذلك، بل يقول: إنَّ الكاهنَ له قرناء من الجن يخبرونَه مما يجيء به مسترقُ السمع، أو مما يشاهده الجن من أحوال الناس؛ فمثل هذا لا يكفرُ؛ بل هو عاصٍ؛ لأنَّه لم يعتقد أنَّ الكاهنَ يعلم الغيب. قوله: (ومما يُؤسَف له أنَّ كثيرًا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظَّمين، ومن أهل القبور، ويطوفون بقبورهم، ويطلبون

стр. 103

منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلمًا وإن ادعى الإسلام، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى وصام وحج البيت): لأنه لم يحقق «لا إله إلا الله»، فمَن عبد مع الله غيره، ولو قال: لا إله إلا الله، لا يكون بهذا موحِّدًا؛ بل هو يقولها بلسانه وينقضها بفعله، وسيذكر المؤلف ما يوضح ذلك بما يأتي مِنْ ذكر نواقض الإسلام (١). قوله: (وبهذا يتبين أنَّ من الشرك بالله ما يفعله الجهّال عند بعض القبور في كثير من البلدان … ) إلى آخره: رحم الله الشيخ، يوضِّح بهذا الكلام حالَ كثير من المنتسبين للإسلام في الأقطار الإسلامية، فإنَّ القبورية قد رسَخت في كثير من البلدان، فيشيِّدون القِباب على قبور بعض الصالحين، أو مَنْ يُظن فيهم الصلاح، ثم يجعلونها مزارًا يحُجُّون إليها ويذبحون عندها الذبائح، وينذرون لها النذور، ويطوفون بها كما يطوفون بالبيت العتيق، كل ذلك تقرُّبًا إلى أصحاب تلك القبور، وهذا شرك صُراح، وأغلظ وأشد ذلك عند الرافضة وهم الأصل في القبورية، وهم الذين أدخلوا القبورية في الأمة الإسلامية، فكل إمام من أئمتهم عليه

стр. 104

ضريح يحجون إليه، ويفعلون عنده ما يفعله المسلمون عند الكعبة، وأشهر هذه الأضرحة، وأعظمها عندهم ضريح عليٍّ في كربلاء (١). * * * الفرق الناجية: المسلمون كثيرون في العدد لكنهم قليلون في الحقيقة، والطوائف التي تنتسب إلى الإسلام كثيرة تصل إلى ٧٣ فرقة، عدد أفرادها ألف مليون وزيادة (٢)، ولكن الطائفة المسلمة حقًّا واحدة، وهي التي تُوحِّد الله تعالى وتَسِير على طريقة الرسول محمد ﷺ ، وأصحابه في العقيدة والعمل الصالح، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا

стр. 105

واحدة»، قال الصحابة: مَنْ هي يا رسول الله؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١)، رواه البخاري ومسلم (٢). والذي عليه النبي ﷺ وأصحابه: هو اعتقاد معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، والعمل به بدعاء الله وحده، والذبح والنذر لله وحده، والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة بالله وحده، واعتقاد النفع والضر فيه وحده، وأداء أركان الإسلام بإخلاص له سبحانه والتصديق بملائكته وكتبه ورسله، والبعث والحساب، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره كله من الله تعالى، وتحكيم القرآن والسنة في شتى المجالات، والرضا بحكمهما، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، والاجتماع على ذلك، والسمع والطاعة لولي الأمر المسلم إذا أمر بالمعروف، وقول كلمة الحق أينما كانوا، ومحبة أزواج النبي وآله وتوليهم، ومحبة أصحاب رسول الله وتقديمهم على قدر فضلهم، والترضي عنهم جميعًا، والكف عما شجر بينهم، وعدم التصديق بقدح المنافقين في بعضهم، ذلك القدح

стр. 106

الذي قصدوا به تفريق المسلمين، وانخدع به بعض علمائهم ومؤرخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهذا خطأ. والذين يدَّعون أنهم من آل البيت، ويُسمون بالسادة، عليهم أن يتأكدوا من صحة نَسبهم؛ لأنَّ الله لعن مَنْ انتسب إلى غير أبيه (١)، فإذا ثبت نَسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي، وعدم الرضا بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم، وأن لا يتميزوا عن إخوانهم المسلمين بزي خاص؛ لأنَّ ذلك كله مخالف لما عليه الرسول، وهو منه بريء، والأكرم عند الله الأتقى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا. التعليق هذه الجملة شرح فيها الشيخ ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة أخذًا من قوله ﵊ لما قيل له: مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، فأهل السنة والجماعة هم الذين اقتفوا آثار الصحابة رضوان الله عليهم وتحرَّوا سنة رسول الله بأقواله وأفعاله، وآمنوا بكل ما أخبر به من أسماء الله وصفاته، وما أخبر به عن اليوم الآخر، وقاموا بالحقوق: بحق النبي ﷺ إيمانًا ومحبةً وتوقيرًا

стр. 107

وتعزيرًا له، وبحق الصحابة رضوان الله عليهم اعترافًا بفضلهم وإنزالًا لهم بمنازلهم، وكذلك أزواج النبي ﵊؛ فمذهب أهل السنة والجماعة يقوم على الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله وعلى طاعة الله ورسوله، فالفرقة المستقيمة على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه هي الفرقة الناجية؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «كلها في النار إلا واحدة»؛ وهي المنصورة؛ لقوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١)، فهي موصوفة بالنجاة وبالنصر. والفرقة الناجية المنصورة هم أهل السنة والجماعة، الذين التزموا طريقة الرسول ﷺ ، وما عليه جماعة المسلمين، واعتصَموا بحبل الله جميعًا، وجانبوا الفُرقة وأسبابها. والفرقة والطائفة معناهما متقارب. وقوله: (الفرق الناجية): الصواب: الفرقة الناجية كما في الحديث: «إلا واحدة». وقول الشيخ في حديث الفرق: (رواه البخاري ومسلم) خطأ، إنما رواه أهل السنن، قال شيخ الإسلام عن الحديث: إنه حديث مشهور رواه

стр. 108

أهل السنن والمسانيد (١)، ولعل الشيخ انتقل ذهنه إلى حديث الطائفة المنصورة؛ فإنه في الصحيحين عن جماعة من الصحابة. وقوله: (وانخدع به بعض علمائهم ومؤرخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهذا خطأ): لا يستقيم المعنى المقصود بهذه العبارة، فينبغي أن تكون: فانخدع بهم بعض مؤرخي المسلمين من أهل السنة أو غيرهم؛ فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية، وهو خطأ كما قال المؤلف. وقوله: (والذين يدَّعون أنهم من آل البيت، ويُسمون بالسادة، عليهم أن يتأكدوا من صحة نَسبهم ؛ لأنَّ الله لعن مَنْ انتسب إلى غير أبيه، فإذا ثبت نَسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي، وعدم الرضا بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم): يعني على المنتسبين لبيت النبي ﷺ الذين يسمون الأشراف أن يتواضعوا ولا يفخروا على الناس بنسبهم، ولا يرضون من الناس بالغلو فيهم. * * *

стр. 109

الحكم والتشريع حق لله وحده وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة ومن معنى لا إله إلا الله الذي يجب اعتقاده والعمل به: أنَّ الحكم والتشريع حق لله وحده، فلا يجوز لأحد من البشر أن يضع قانونًا مخالفًا لشريعة الله في أي أمر من الأمور، ولا يجوز للمسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يجوز له أن يرضى بحكم يخالف شريعة الله، ولا يجوز لأحد أن يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، فمن فعل ذلك متعمدًا المخالفة أو رضي به فهو كافر بالله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة]. ووظيفة الرسل التي بعثهم الله بها: هي دعوة الناس إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، والعمل بمدلولها وهو عبادة الله وحده، والخروج من عبادة المخلوق وشريعته إلى عبادة الخالق وشريعته وحده، لا شريك له. ومن قرأ القرآن العظيم بتدبر وبُعد عن التقليد الأعمى أدرك تمامًا أنَّ ذلك الذي بيناه هو الحق، وأدرك أنَّ الله حدَّد علاقة الإنسان معه سبحانه ومع الخلق، فجعل علاقة عبده المؤمن به أن يعبده بجميع أنواع العبادة، فلا يصرف منها شيئًا لغيره، وجعل علاقته بالأنبياء وعباد

стр. 110

الله الصالحين محبتهم محبة تابعة لمحبته سبحانه والاقتداء بهم، وجعل علاقته بأعدائه الكافرين بغضهم؛ لأنَّ الله يبغضهم، وأن يدعوهم مع هذا إلى الإسلام، ويبينه لهم لعلهم يهتدون، وأن يجاهدهم المسلمون إذا رفضوا الإسلام، ورفضوا الخضوع لحكم الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فهذه المعاني لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يجب على المسلم أن يعرفها، وأن يعمل بها لكي يكون مسلمًا حقًّا. التعليق قوله: (الحكم والتشريع حق لله وحده، وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة): لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالحكم لله وحده فهو الذي يحكم الأحكام الكونية، فالكون كله بمشيئته وتقديره وتدبيره، وكذلك الحكم الشرعي، فالشرائع كلها بأمره ووحيه ، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]، جاء هذا في الأمر الكوني والأمر الشرعي، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف]؛ فالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب كل ذلك راجع إلى شرعه ، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله (١)، وقد أشار الشيخ إلى
следующие страницы →