تَبَاغَضوا، ولا تَدَابَروا، ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا» (١).
قوله: (وقال الرسول محمد): لا داعي لذكر الاسم محمد؛ لأن الرسول إذا أُطلق لا ينصرف إلى غير نبينا محمد ﷺ .
قوله: (أبلغ رسول الله): لفظ الحديث «بلَّغ رسول الله» ليس فيه استفهام، ولا معنى للاستفهام.
* * *
سادسًا: في السياسة الداخلية:
أمر الله المسلمين أن يولُّوا على أنفسهم إمامًا يبايعونه بالإمارة، وأمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فيكونوا أمة واحدة، وأمرهم الله بطاعة إمامهم وأمرائهم إلا إذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأمر الله المسلم -إذا كان في بلد لا يقدر فيها على إظهار دين الإسلام والدعوة إليه- أمره أن يهاجر منها إلى بلاد الإسلام، وهي التي يُحكَم فيها في جميع الأمور بالشريعة الإسلامية، ويحكمها إمامٌ مسلمٌ بما أنزل الله، فالإسلام لا يعترف بالحدود الإقليمية والجنسيات القومية أو الشعوبية، وإنما جنسية المسلم هي الإسلام، والعباد عباد
стр. 177
الله، والأرض أرض الله، ينتقل فيها المسلم بدون مُعارِض شريطة أن يلتزم شريعة الله وإذا خالفها في شيء يجري عليه حكم الله، وفي العمل بشريعة الله وإقامة حدوده: استتباب الأمن واستقامة الناس، وحقن دمائهم وسلامة أعراضهم وأموالهم، والخير كله، كما أنَّ في العدول عنها الشر كله.
وحمى الله تعالى العقول: بتحريم المسكرات والمخدرات والمفتِّرات، وجعل حدًّا لشارب المسكر، وهو الجلد من ٤٠ - ٨٠ جلدة كلما فَعل ذلك؛ ردعًا له وصيانةً لعقله، وحمايةً للناس من شره.
وحمى دماء المسلمين: بالقصاص من المعتدي بغير حق، فيُقتَل القاتل، وشرع في الجروح القصاص، كما شرع للمسلم الدفاع عن نفسه وعرضه وماله، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة]، وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ قُتل دون نفسه (١) فهو شهيد، ومَن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قُتل دون ماله فهو شهيد» (٢).
стр. 178
وحمى الله أعراض المسلمين: بما شرعه من تحريم التكلم في غيبة المسلم بكلام يكرهه إلا بحق، وبما شرع مِنْ حَدِّ القاذف الذي يرمي المسلم بالجريمة الخُلقية مثل: الزنا واللواط دون أن يُثبت ذلك إثباتًا شرعيًّا.
وحمى الله الأنساب من الاختلاط غير المشروع، وحمى الأعراض أن تدنَّس بالجريمة الخُلقية بتحريم الزنا تحريمًا كبيرًا واعتباره من أكبر الكبائر، وجعل عقوبة رادعة على فاعله إذا توافرت شروط إقامة حد الزنا عليه.
وحمى الله الأموال: بتحريم السرقة والغش والقمار والرشوة وغير ذلك من المكاسب المحرَّمة، وبما شرعه من عقوبة السارق وقاطع الطريق العقوبة الرادعة، وهي القطع إذا توافرت شروطه، أو عقابه بما يردعه إذا لم تتوافر الشروط مع ثبوت السرقة.
والذي شرع هذه الحدود هو الله العليم الحكيم، وهو أعلم بما يُصلح أحوال خلقه، وهو بهم أرحم، وقد جعل هذه الحدود كفارةً لذنوب المجرمين من المسلمين، وحمايةً للمجتمع من شرهم وشر غيرهم، والذين يعيبون قتل القاتل وقطع يد السارق من أعداء الإسلام وأدعيائه إنما يعيبون قطع عضو مريض فاسد إذا لم يُقطع سرى فساده في
стр. 179
المجتمع بأَسْرِه (١)، وفي الوقت نفسه يستحسنون قتل الأبرياء من أجل أغراضهم الظالمة.
التعليق
نبه الشيخ ﵀، وتغمده بالرحمة- إلى حكمة الشريعة المنزلة من الحكيم العليم؛ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، فشريعة الإسلام بما تضمنته فيها غاية الخير وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وفي الحكم بغيرها نشر الشر والفساد؛ قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ فحكم الله هو أحسن الأحكام: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة]، لكن لا يحكِّم أحكام الله إلا الموقنون به المؤمنون بحكمته الراضون عن تشريعه؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، ففي إقامة شريعة الله سعادة الدنيا والآخرة وصلاح الدنيا والآخرة، وفي مجانبتها الشقاء؛ قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ١٢٣*** … ﴾ [طه] الآيات، قال ابن عباس: «تكفَّل الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» (٢).
стр. 180
والشيخ ﵀ ينبِّه بذكر السياسة على كمال الشريعة وشمولها لجميع شؤون الحياة، ومنها السياسة، وهي: التدابير التي تصدر من ولي الأمر مما يتعلق بالرعية أو بالشؤون الدولية. وقد نبَّه الشيخ على مسألة مهمة، وهي: وجوب الهجرة على من كان في بلدٍ لا يستطيع فيه إظهار دينه، وإعلان التوحيد؛ فيهاجر إلى أي أرض يقدر فيها على إظهار الإسلام والتوحيد، والبراءة من المشركين، وما يشركونه مع الله، وقد توعَّد الله من يقيم بين المشركين وهو يقدر على الهجرة. ومن الآيات الدالة على وجوب الهجرة قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [العنكبوت] (١).
* * *
سابعًا: في السياسة الخارجية:
أمر الله المسلمين وولاة أمورهم أن يدعوا غير المسلمين إلى الإسلام لينقذوهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالله، ومن شقاء الانغماس في ماديات هذه الحياة الدنيا، والحرمان من السعادة الروحية التي يَنعم بها المسلمون حقًّا.
فأَمْرُ الله هذا للمسلم هو: أن يكون إنسانًا صالحًا ينفع جميع بني الإنسان بصلاحه، ويسعى لإنقاذ البشر جميعًا، بخلاف المناهج
стр. 181
البشرية، فإنها تطلب من الإنسان أن يكون مواطنًا صالحًا فقط، وهذا من الأدلة على فسادها ونقصها، وعلى صلاح الإسلام وكماله.
وأمر الله المسلمين أن يُعِدُّوا لأعداء الله ما استطاعوا من قوة؛ ليحموا بها الإسلام والمسلمين، وليرهبوا بها عدو الله وعدوهم، كما أباح الله للمسلمين أن يعقدوا المعاهدات مع غير المسلمين إذا دعا الأمر إلى ذلك على ضوء الشريعة الإسلامية، وحرَّم الله على المسلمين نقض العهد الذي يبرمونه مع عدوهم إلا إذا بدأ العدو بنقضه، أو فعل ما يوجب ذلك؛ فإنهم يشعرونه بالنقض.
وقبل بدء القتال مع غير المسلمين أمر الله المسلمين أن يدعوا أعداءهم إلى الدخول في الإسلام أولًا، فإن أبوا طلبوا منهم الجزية والخضوع لحكم الله، فإن أبوا كان القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وفي حال القتال حرَّم الله على المسلمين قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان الذين في معابدهم، إلا مَنْ يشترك مع المقاتلين برأي أو فعل، وأمرهم أن يعاملوا الأسرى بالإحسان، ومن هذا نفهم أنَّ الغزو في الإسلام لا يُراد به السيطرة والاستغلال، وإنما يُراد به نشر الحق ورحمة الخلق، وإخراج الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الله الخالق.
стр. 182
التعليق
هذا في الحقيقة تلخيص للسياسة الشرعية الخارجية، وأوَّل ذلك: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم بقتال أعداء الله إذا لم يستجيبوا للدخول في الإسلام، والمراد من الجهاد إدخالهم في دين الله، قال ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (١)، إذن؛ الغاية هو إصلاحهم وإدخالهم في دائرة الدين الحق الذي تترتب عليه سعادة الدنيا والآخرة، وتضمَّنت أحكام الشريعة في الجهاد في سبيل الله الإحسان وعدم العدوان؛ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة]، حتى القتال له حدود، كما نبَّه الشيخ على أنه يحرم قتل النساء والذرية في الجهاد (٢)، وقد بين النبي ﷺ الغاية من قتال الكفار، وهي: أن تكون كلمة الله هي العليا، وذلك في قوله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٣)، ويتحقق ذلك إما بدخول الكفار في الإسلام، أو برضوخهم لسلطان الإسلام وسيادة المسلمين، وذلك ببذل الجزية لهم، والمراد بكلمة الله: دين الله الذي شرعه بكلامه الذي أنزله على رسوله، وفي
стр. 183
الحديث: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه» (١)، وقد نبه الشيخ ﵀ على أمر مهم، وهو أنه ليس المقصود من القتال الاستغلال بل الإصلاح والإحسان، وأي إحسان أعظم من إخراج الكفار من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ فرحم الله الشيخ، وجزاه خيرًا.
قوله: (فأَمْرُ الله هذا للمسلم … ) إلى آخره: يريد أنَّ الله أَمَرَ المسلم فيما شرع له أن يكون صالحًا مصلحًا محسنًا، وبهذا يكون مباركًا على كل من يتصل به.
قوله: (مواطنًا صالحًا فقط): يريد أن هذه الأنظمة في الدول الكافرة لا يريدون أن يكون الإنسان صالحًا في خلقه ودينه، بل مهتمًا بمصالح وطنه الاجتماعية والاقتصادية والصحية؛ ولهذا سَمَّوه مواطنًا لكون مصلحة الوطن أكبر همه.
* * *
стр. 184
ثامنًا: في الحرية:
أ-حرية العقيدة: أعطى الله تعالى في دين الإسلام لمن يدخل تحت حكمه من غير المسلمين حرية العقيدة بعدما يتم بيان الإسلام له، وبعدما يُدعى إليه، فإن اختار الإسلامَ ففيه سعادته ونجاته، وإن اختار البقاء على دينه فقد اختار لنفسه الكفر والشقاء والعذاب في النار، ويكون بهذا قد قامت عليه الحجة وليس له عذر أمام الله تعالى، وحينئذ يتركه المسلمون على عقيدته على شرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ويخضع لأحكام الإسلام، ولا يتظاهر بشعائر كفره أمام المسلمين.
أما المسلم فلا يُقبل منه بعد الدخول في الإسلام الردةُ عنه، فلو ارتد فإنما جزاؤه القتل، وذلك لأنه قد أصبح بردته عن الحق بعد معرفته غير صالح للبقاء، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويرجع إلى الإسلام، وإن كانت ردته بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام فيتوب من ذلك الناقض بتركه وبغضه واستغفاره الله تعالى.
ونواقض الإسلام كثيرة؛ أشهرها:
١. الشرك بالله تعالى: وهو أن يجعل العبد مع الله إلهًا آخر، ولو باتخاذه واسطة بينه وبين الله يدعوه ويُقرِّب له، سواء اعترف بألوهيته اسمًا ومعنى؛ لمعرفته بمعنى الإله والعبادة -كمشركي الجاهلية الذين عبدوا أصنامًا ترمز لأناس صالحين بغية شفاعتهم- أم لم يعترف بأنه
стр. 185
إله مع الله، وأنَّ عبادته إياه عبادة له؛ كالمشركين المنتسبين للإسلام الذين لا يقبلون ممن دعاهم إلى التوحيد، زاعمين أنَّ الشرك هو السجود للصنم فقط، أو أن يقول العبد لشيء غير الله: هذا إلهي.
فهم كمن يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها، وقد تقدَّم بيان حالهم، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر]، وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر].
٢. عدم تكفير المشركين وغيرهم من الكفار: كاليهود والنصارى والملحدين والمجوس والطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ولا يرضون بحكم الله، فمن لم يكفِّرهم بعد علمه بتكفير الله لهم كفر.
٣. السحر المستلزم للشرك الأكبر؛ فمن فعله أو رضي به بعد علمه بكفر فاعله كفر (١).
стр. 186
٤. اعتقاد أنَّ شريعة أو نظامًا غير الإسلام أحسن من شريعة الإسلام، أو أنَّ حكم غير النبي ﷺ أحسن من حكمه، أو أنه يجوز الحكم بغير حكم الله.
٥. بغض الرسول ﷺ ، أو شيء يعلم أنه من شريعته.
٦. الاستهزاء بشيء يعلم أنه من دين الإسلام.
٧. الكراهة لانتصار الإسلام أو المَسرَّة لانخفاضه.
٨. تولي الكفار بمحبتهم ونصرتهم وهو يعلم أنَّ متوليهم منهم.
٩. اعتقاد أنَّ الخروج يسعه عن شريعة محمد ﷺ ، وهو يعلم أنه لا يصح لأحد الخروج عنها في أي أمر من الأمور.
١٠. الإعراض عن دين الله، فمن أعرض عن الإسلام بعد تذكيره، لا يتعلمه ولا يعمل به كفر.
١١. إنكار حكم من أحكام الإسلام المجمع عليها، ومثله لا يجهل ذلك.
والأدلة على هذه النواقض كثيرة في القرآن والسنة.
التعليق
قد أحسن المؤلف ﵀ بالتعرض لهذا الموضوع: الحرية، لذا أقول: الحرية في اللغة هي ضد الرِّق، وتُطلق على حسن الخلق (١)، وأما
стр. 187
الذي ذكره المؤلف فهي حرية الاعتقاد، ويراد بها: أنَّ للإنسان أنْ يعتقد ما يشاء فيختار الإيمان أو الكفر، وهذا لم تأتِ به الشريعة فإنه يجب على الإنسان أن يؤمن بالله ورسوله، وليس مخيَّرًا إن شاء آمن، وإن شاء كفر، وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] فليس ذلك تخييرًا بين الإيمان والكفر بل ذلك تهديد؛ لأن الله أتبعه بذكر وعيد من كفر؛ فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا *** … ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية (١)، وقد أوضح الشيخ مراده بحرية الاعتقاد، وذلك بتخيير الكافر إذا أدى الجزية، وأحب الإقامة عند المسلمين بعهد يلتزم بشروطه فإنه يخير: إما أن يسلم، وإن أحب البقاء على دينه فإنه يُقبل منه، ويُقر على ذلك، ويُقال له: ذميٌّ، وأما من أسلم فيجب عليه الثبات على الإسلام، ولا يُسمح له بالردة بل إذا ارتد المسلم فحدُّه القتل؛ لقوله ﷺ : «مَنْ بدل دينه فاقتلوه» (٢)، وبهذه المناسبة ذكر الشيخ نواقض الإسلام، وهي: الأسباب التي من وقع في شيء منها صار مرتدًا، وهي كثيرة، وذكر الشيخ منها أحد عشر، وللشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة معروفة ب «نواقض الإسلام» (٣)، وذكر فيها عشرةً، إذا أتى المسلم بواحد منها صار كافرًا -نعوذ بالله من ذلك- ولا فرق بين الهازل والجاد، ولا يُعذر إلا المكره؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛
стр. 188
فعُلم أن حرية الاعتقاد ليست على الإطلاق بل ذلك يحتاج إلى تفصيل، وقد وفَّى الشيخ المقام حقَّه بما ذكره من التفصيل.
قوله: (عدم تكفير المشركين وغيرهم من الكفار: كاليهود والنصارى والملحدين والمجوس والطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ولا يرضون بحكم الله، فمن لم يكفِّرهم بعد علمه بتكفير الله لهم كفر): وكذلك من شك في كفرهم كفر؛ لأن الشك في الحق كالتكذيب به، كأن يقول: والله لا ندري آليهود والنصارى على حق أم لا! أو يقول: لكلٍ أن يتدين بالدين الذي يناسبه.
قوله: (المستلزم للشرك الأكبر): يقتضي أن السحر ليس كفرًا مطلقًا بل إذا تضمَّن الشرك الأكبر، وحينئذ يكون الكفر بالشرك لا بالسحر، والأظهر أن السحر حقيقيًا أو تخييليًا كفرٌ (١)؛ لقوله تعالى عن الملكين اللذين يعلمان السحر أنهم يقولان لمن أراد تَعَلُّمَه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه] (٢).
стр. 189
قوله: (الكراهة لانتصار الإسلام أو المَسَرَّة لانخفاضه): لا ريب أن هذا من أعظم نواقض الإسلام ممن يدعي الإسلام، بل هو في الحقيقة ليس بمسلم في الباطن، بل هو منافق النفاق الأكبر الذين هم في الدرك الأسفل من النار (١)؛ فكراهة ظهور الإسلام، والمَسرَّة بانخفاضه، وبظهور الكفر مما وَصَفَ الله به المنافقين في مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة]، وهذا الموقف يدل على بغضهم للإسلام وأهله، وحبِّهم للكفر وأهله، وأما قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، لأن المؤمنين يحبونهم لما يظهرون من الإيمان، ولا يعلمون بواطنهم، وأما المنافقون فلا يحبون المؤمنين لبغضهم الدين، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد].
قوله: (تولي الكفار بمحبتهم ونصرتهم وهو يعلم أنَّ متوليهم منهم): هذا يحتاج إلى تفصيل (٢)؛ فيُقال: إذا كانت المظاهرة للكفار على المسلمين نابعة عن بغضٍ للإسلام والمسلمين والرغبة في إذلال المسلمين؛ فهذا هو عمل المنافقين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا
стр. 190
نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ١٢﴾ [الحشر].
وأما إذا كانت المظاهرة ليست في أمور القتال، وإنما في أمر من الأمور التي قد تحقِّق للكفار مصلحةً، وتكون هذه المعاونة لغرض دنيوي، إما رغبة أو رهبة مع بغض الكفار والبراءة من دينهم؛ فهذه فيها نظر، ويمكن أن يُستدلَ على أنَّ ذلك لا يكون كفرًا بقصة حاطب بن أبي بَلْتَعَة ﵁ (١).
قوله: (اعتقاد أنَّ الخروج يسعه عن شريعة محمد ﷺ ، وهو يعلم أنه لا يصح لأحد الخروج عنها في أي أمر من الأمور): معنى هذا الاعتقاد: أن شريعة محمد ﷺ ليست عامة لجميع الناس؛ فاليهود والنصارى يسعهم الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، أي: لا يجب عليهم اتباعه أو كما يقول بعض الصوفية: إن العارف المحقِّق لا يلزمه العمل بشريعة محمد ﷺ ؛ لأنه قد وصل إلى الله، وهو يتلقى المعرفة من الله بلا واسطة (٢)!
стр. 191
فمَن زعم أن أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، وأنه يمكنه التدين لله والوصول إلى رضاه من غير طريق الرسول ﷺ ، فهو كافر (١)؛ لأن هذا يناقض شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأنها تقتضي الإيمان بأنه رسول الله إلى الناس كافَّة، وأن أحدًا لا يسعه الخروج عن شريعته؛ إذ لا طريق إلى الله أبدًا منذ بعثه الله إلى أن تقوم الساعة إلا شريعته الخالدة المحفوظة، وقد سدَّ الله كل طريق إلى الجنة، فلا يفتح إلا من طريقه، قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يهوديٌّ ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢).
قوله: (الإعراض عن دين الله، فمن أعرض عن الإسلام بعد تذكيره، لا يتعلمه ولا يعمل به كفر): لأن هذا الإعراض عن دين الإسلام علمًا وعملًا يناقض شهادة أن محمدًا رسول الله (٣)، فمن كان صادقًا في شهادته لا بدَّ أن يتعلم ما جاء به الرسول أو شيئًا منه، ويعمل به؛ فالإعراض التام يدل على كذبه في شهادة أن محمدًا رسول الله (٤).
قوله: (إنكار حكم من أحكام الإسلام المجمع عليها، ومثله لا يجهل ذلك): لأن ما أجمع عليه المسلمون إجماعًا قطعيًا هو مما عُلم
стр. 192
من دين الإسلام بالضرورة، ومما جاء به الرسول؛ فجاحده مكذِّب للرسول ﷺ في بعض ما جاء به، ومن كذَّب الرسول في بعض ما جاء به فهو مكذِّب له في جميع ما جاء به؛ فإن هذا من جنس الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه.
* * *
ب-حرية الرأي:
وأعطى الله الحرية في الرأي في الإسلام على شرط ألا يتنافى ذلك الرأي مع تعاليم الإسلام، فأمر المسلم أن يقول كلمة الحق أمام كل أحد لا تأخذه في الله لومة لائم، وجعل ذلك من أفضل الجهاد، وأمره أن يناصح ولاة أمور المسلمين، وينهاهم عن المخالفات، وأمره أن يرد على مَنْ يدعو إلى الباطل وينهاه، وهذا أعظم وأجمل نظام لاحترام الرأي، أما الرأي المخالف لشريعة الله فلا يُسمح لصاحبه بإظهاره؛ لأنه هدمٌ وفسادٌ ومحاربةٌ للحق.
ج-حرية الشخصية: وأعطى الله في الإسلام الحرية الشخصية في حدود الشريعة الإسلامية المطهرة، فجعل للإنسان -رجلًا أم امرأة- الحرية في تصرفاته فيما بينه وبين الآخرين؛ كالبيع والشراء، والهبة والوقف والعفو، وجعل لكل من الرجل والمرأة حرية اختيار الزوج، فلا يُكره أحدهما بمن لا يرضاه، وفي حال اختيار المرأة رجلًا ليس
стр. 193
مكافئًا لها في الدين؛ فإنه لا يُسمح لها في ذلك حفاظًا على عقيدتها وشرفها، فهو منعٌ لصالحها هي وأسرتها.
وولي المرأة (وهو أقرب الرجال إليها نسبًا أو وكيله) هو الذي يتولى عقد زواجها؛ لأنَّ المرأة لا تزوِّج نفسها؛ لما في ذلك من التشبه بالزانية، فيقول للزوج: زوَّجتُك فلانة، ويجيبه الزوج بقوله: قبلت هذا الزواج، ويحضر العقد شاهدان.
ولا يسمح الإسلام للمسلم أن يتجاوز الحد الذي شرعه الله له، حيث إنَّه وجميع ما يملك ملك لله، فيجب عليه أن يكون تصرفه في حدود شريعة الله التي شرعها رحمة بعباده، مَنْ تمسك بها اهتدى وسعد، ومَن خالفها شقي وهلك، ولذا حرَّم الله الزنا واللواط أشد التحريم، وحرَّم على المسلم الانتحار وتغيير خلق الله الذي خلقه الله عليه، أما قص الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والختان، فإنَّ الله أمر بذلك (١).
وحرم الله على المسلم أن يتشبه بأعداء الله في الأمور التي من خصائصهم؛ لأنَّ التشبه بهم ومحبتهم في الأمور الظاهرة يؤدي إلى التشبه بهم ومحبتهم في القلب، والله يريد من المسلم أن يكون مُصدِّرًا للفكر الإسلامي الصحيح، وليس مستوردًا لأفكار البشر وآرائهم، والله يريد للمسلم أن يكون قدوة حسنة لا مقلِّدًا.
стр. 194
أما فيما يتعلق بالصناعات والخبرات الفنية الصحيحة فإنَّ الإسلام يأمر بتعلمها، والأخذ بها، ولو كان السابق إليها غير مسلم؛ لأنَّ الله هو المعلِّم للإنسان، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]، وهذا أعلى مقامات النصح والإصلاح للإنسان في الاستفادة من حريته، وحفظ كرامته وحمايتها من شر نفسه وشر غيره. د-حرية المأوى: وأعطى الله تعالى للمسلم حرية المأوى، فلا يجوز لأحد أن يدخل عليه بغير إذنه، ولا ينظر إليه في مأواه بغير إذنه.
هـ-حرية الكسب: وأعطى الله للمسلم حرية الكسب والإنفاق في حدود ما شرع له، فأمره أن يعمل ويكتسب لكي يكفي نفسه وأسرته، ولكي ينفق في وجوه البر والإحسان، وفي الوقت نفسه حرَّم الله عليه المكاسب المحرمة مثل: الربا والقمار والرشوة والسرقة وأجرة الكهانة والسحر والزنا واللواط، وحرَّم الله أثمان المحرمات؛ كثمن صور ذوات الأرواح، والخمر والخنزير وآلات اللهو المحرمة، والأجرة على الغناء والرقص، وكما أنَّ الكسب من هذه المصادر محرَّم فكذلك الإنفاق فيها محرَّم؛ فلا يصح للمسلم أن ينفق شيئًا إلا في وجه مشروع، وهذا أعلى مقامات النصح والهداية والإصلاح للإنسان في كسبه وإنفاقه، لكي يعيش غنيًّا بالكسب الحلال سعيدًا.
стр. 195
التعليق
قوله: (حرية الرأي: وأعطى الله الحرية في الرأي في الإسلام … ) إلى آخره: مقصود الشيخ الرد على مَنْ يدعو إلى حرية الرأي وحرية الكلمة كما يقولون، ومضمون هذا الكلام أنَّ لكل أحد أن يقول ما شاء، وهذا فساد عريض لا يصح في عقل ولا شرع؛ فاعتماد هذا المنهج لو سُمح بذلك لحصل الفساد العريض من طعن الناس بعضهم ببعض، ومن الجرأة على حدود الله وحرماته، فالشيخ يقول إنّه يجب أن تكون الحرية مقيدة بشرع الله؛ فما لا يخالف شرع الله من الرأي فهو محترم، وما خالفه فلا حرمة له، ومما يوضح الأمر في هذا المقام: أن الله أعطى الإنسان سمعًا وبصرًا وعقلًا، والأصل في الأشياء الإباحة (١)؛ فلا حرام إلا ما حرَّم الله، ومن ذلك أقوال الإنسان وأفعاله، فلا حرام إلا ما حرم الله ورسوله، وبناء على هذا فلا يحجر على الإنسان أن يقول أو يفعل إلا بدليل يوجب الحَجْر عليه، وبهذا تبطل الدعوة إلى حرية الرأي المطلقة بلا قيود ولا حدود فإن هذه الحرية تؤول إلى الفوضى، ولا ينادي بهذه الحرية إلا من له أهداف يريد الوصول إليها؛ فعُلِم بذلك بطلان هذه الدعوة لأنها مناقضة للعقل والشرع.
قوله: (حرية الشخصية … ) إلى آخره: القول في الحرية الشخصية يشبه القول في حرية الرأي بأنها باطلة، وتفضي إلى فساد عريض، ويتبين
стр. 196
هذا بذكر حقيقتها؛ فحقيقتها: أنَّ للإنسان أن يتصرف في نفسه بما شاء بلا حدود ولا قيود في لباسه وأكله وشربه، ويتصرف في ماله كيف شاء، وهذا مناقض لموجب شريعة الإسلام؛ فإن شريعة الإسلام تقتضي التقيُّد بأحكامها، لذا يجب على الإنسان التقيُّد بشرع الله في جميع تصرفاته الشخصية، وفي المقابل لا يجوز الحجر عليه في شؤونه الخاصة إلا بدليل من كتاب وسنة، وما لا دليل عليه لا يُلتفت إليه، ودين الإسلام هو الوسط في كل شيء فلا إفراط ولا تفريط، وتتحقق هذه الوسطية في تصرفات الإنسان بالعمل بأوامر الله ونواهيه، فيما يأتي الإنسان ويذر من العلاقات والمعاملات وكذا العادات، ومن أهم ما نبه عليه الشيخ في موضوع الحرية الشخصية: تحريم التشبه بالكفار في عباداتهم وعاداتهم الخاصة بهم، وأن ذلك لا يدخل في الحرية الشخصية، بل يجب على المسلم أن يتميز عن الكفار؛ فإن التشبه بهم في عوائدهم مما يَهْوَوْنه، وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية]، وقال ﷺ محذرًا عن التشبه بالكفار: «مَنْ تشبَّه بقوم فهو منهم» (١) حتى قال بعض أهل العلم: إن الحديث يدل على أن مِنْ التشبه ما يكون كفرًا (٢)، ولكن الشيخ ﵀ قد استدرك فنبَّه على أن الانتفاع بعلوم الكفار في شؤون الحياة لا يدخل في التشبه الممنوع؛ لأن العلوم الدنيوية مشتركة بين
стр. 197
الناس، والله تعالى هو المعلِّم للعباد كل ما يعلمون من علوم الدين والدنيا، ولهذا امتن الله على الإنسان بتعليمه، ومن ذلك علم الكتابة؛ فقال تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]؛ فجزى الله الشيخ على هذا البيان والتفصيل أحسن الجزاء.
قوله: (حرية المأوى: وأعطى الله تعالى للمسلم حرية المأوى … ) إلى آخره: حرية المأوى يريد: المنزل، يعني: الإنسان يختص بمنزله ولا سبيل لأحد إلى دخوله إلا بإذنه، حتى ولا ينظر فيه إلا بإذنه.
قوله: (حرية الكسب: وأعطى الله للمسلم حرية الكسب والإنفاق في حدود ما شرع له … ) إلى آخره: الإنسان ليس حرًّا في كسب المال ولا في صرفه؛ بل هو مقيَّد بحكم الله وشرعه، فلا يحل للإنسان أن يكسب المال إلا من حله ومِن طُرُقِه المأذون فيها شرعًا، ولا يحل له كذلك الصرف إلا في المأذون له الصرف فيه؛ فالإنسان مقيَّد في أخذ المال وإعطائه بشرع الله، وهذا راجع إلى أنَّ الإنسان ليس حرًّا بإطلاق؛ بل هو عبد لله، يجب أن يتقيد بحكم الله وشرعه في جميع أموره: في أخذه وعطائه وقوله وفعله؛ لأنه عبد، فهذه العبودية لله لازمة للإنسان في جميع تصرفاته، فلا يتصرف إلا بإذن سيده وهو الله، إذن؛ فليس هناك حرية اعتقاد ولا حرية كلمة، فليس للإنسان أن يتكلم بما شاء.
* * *
стр. 198
تاسعًا: في الأسرة:
نظَّم الله تعالى الأسرة في الشريعة الإسلامية أكمل نظام، تتحقق للآخذين به أسباب السعادة، فشرع الإحسان إلى الوالدين (الأم والأب) بالكلام الطيب والزيارة المستمرة إن كان بعيدًا عنهما، وخدمتهما وقضاء حوائجهما، والإنفاق عليهما وإسكانهما إن كانا فقيرين أو أحدهما، وتوعَّد الله بالعقاب مَنْ أهمل والديه، ووعد المحسن إليهما بالسعادة.
وشرع الزواج وبيَّن الحكمة في مشروعيته في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وهي:
١. أنَّ بالزواج يتوافر سبب من أكبر أسباب العفة، وحفظ الفرج عن الحرام (الزنا)، وحفظ العين عن النظر إلى الحرام.
٢. وبالزواج تحصل السكينة والاطمئنان لكل من الزوجين بصاحبه؛ لأنَّ الله جعل بينهما مودة ورحمة.
٣. وبالزواج يكثر عدد المسلمين تكاثرًا شرعيًّا فيه الطهر والصلاح.
٤. وبالزواج يخدم كل من الزوجين صاحبه حينما يقوم كل منهما بوظيفته التي تلائم طبيعته كما جعلها الله سبحانه.
فالرجل يعمل خارج البيت ويكتسب المال لينفق على زوجته وأولاده، والزوجة تعمل داخل البيت، فهي تحمل وترضع، وتربي
стр. 199
الأطفال، وتهيئ الطعام لزوجها والبيت والفراش، فإذا دخل متعبًا مهمومًا ذهب عنه التعب والهموم، واستأنس بزوجته وأولاده، وعاش الجميع في راحة وسرور.
ولا مانع أن تقوم بجانب زوجها -إذا تراضيا- ببعض الأعمال التي تكتسب منها لنفسها أو لتساعد زوجها بكسبها، ولكن ذلك مشروط بأن يكون العمل الذي تقوم به بعيدًا عن الرجال بحيث لا تختلط بهم، وذلك كأن يكون في بيتها أو في مزرعتها هي أو مزرعة زوجها أو أهلها، أما العمل الذي يعرضها للاختلاط بالرجال في المصنع أو المكتب أو المتجر أو نحو ذلك فإنَّ هذا لا يجوز للمرأة، ولا يجوز لزوجها، ولا لوالديها وأقاربها السماح لها لو رضيته لنفسها؛ لِما في ذلك من تعريضها وتعريض المجتمع للفساد، فالمرأة ما دامت محفوظة مصونة في بيتها غير معرَّضة للرجال في أمان لا تمتد إليها الأيدي الآثمة، ولا تنظر إليها الأعين الخائنة، أما إذا خرجت بين الناس فإنها حينئذ قد ضاعت، وصارت كالشاة بين الذئاب، لا تلبث وقتًا قصيرًا إلا وقد مزَّق أولئك الأشرار شرفها وكرامتها.
وإذا لم يكتف الزوج بالزوجة الواحدة فقد أباح الله له التعدد إلى أربع فقط، على شرط العدل بينهن فيما يقدر عليه: من المسكن والنفقة والمبيت، أما محبة القلب فليس العدل فيها شرطًا؛ لأنها أمرٌ لا يملكه الإنسان ولا يُلام عليه، والعدل الذي نفى الله استطاعته بقوله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾
стр. 200
[النساء: ١٢٩]: هو المحبة وما يلحق بها، فهذا عدلٌ لم يجعل الله سبحانه عدم تحققه مانعًا من التعدد؛ لأنه غير مستطاع، وقد شرع الله التعدد لرسله ولمن يعدل العدل المستطاع؛ لأنه سبحانه أعلم بما يصلحهم فهو خيرٌ للرجال والنساء.
وذلك لأنَّ الرجل السليم لديه استعداد في الناحية الجنسية يستطيع بسببه أن يسد الحاجة الجنسية لدى أربع نسوة وأن يعفهن، فإذا قُصر على امرأة واحدة -كما هي الحال عند النصارى (١) وغيرهم، وكما ينادي بذلك أدعياء الإسلام- إذا قُصر على واحدة حصلت المفاسد الآتية:
الأولى: إن كان مؤمنًا مطيعًا لله يخاف الله فإنه قد يعيش حياته يشعر بشيء من الحرمان، وكبت حاجة النفس الحلال؛ لأنَّ الواحدة يمنع الحملُ -في الأشهر الأخيرة- والنفاسُ والحيضُ والمرضُ زوجَها من التمتع بها، فيعيش بعض حياته كأنه بدون زوجة، هذا إذا كانت تعجبه ويحبها وتحبه، أما إذا كانت لا تعجبه فالأمر أضر من ذلك.
الثانية: وإن كان الزوج عاصيًا لله خائنًا فإنه يرتكب فاحشة الزنا، وينصرف عن زوجته، وكثير ممن لا يرى التعدد يرتكب جرائم الزنا والخيانة في تعدد غير محدود، وأعظم من هذا أنه محكوم بكفره إذا كان يحارب التعدد المشروع، ويعيبه وهو يعلم أنَّ الله أباحه.
стр. 201
الثالثة: أنَّ كثيرًا من النساء يُحرَمن من الزواج والذرية إذا مُنع التعدد، فتعيش الصالحة العفيفة منهن أيِّمًا مسكينة محرومة، وتعيش الأخرى فاجرة عاهرة يتلاعب المجرمون بعرضها.
ومن المعلوم أنَّ النساء أكثر من الرجال؛ بسبب تعرض الرجال للموت بصفة أكثر بسبب الحروب والأعمال الخطرة التي يقومون بها، كما أنه من المعلوم أنَّ المرأة مستعدة للزواج منذ البلوغ، أما الرجال فليسوا كلهم مستعدين؛ لأنَّ كثيرًا منهم لا يستطيع الزواج لعجزه عن المهر، وعن تكاليف الحياة الزوجية إلخ.
وبهذا يُعلم أنَّ الإسلام أنصف المرأة ورحمها، أما الذين يحاربون التعدد المشروع فإنهم أعداء للمرأة وللفضيلة وللأنبياء؛ فالتعدد سنة أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام إذ أنهم يتزوجون النساء، ويجمعون بينهن في حدود ما شرع الله لهم.
وأما الغيرة والحزن الذي تحس به الزوجة حينما يأخذ زوجها الأخرى فهو أمر عاطفي، والعاطفة لا يصح أن تقدَّم في أي أمر من الأمور على الشرع، ويمكن للمرأة أن تشترط لنفسها قبل عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجها، فإذا قبل لزمه الشرط.
وإذا قرر الزواج عليها فلها الخيار في البقاء أو الفسخ، ولا يأخذ شيئًا مما أعطاها.
وشرع الله الطلاق، وبوجه أخص في حال الخلاف والشقاق بين الزوجين، وفي حال عدم محبة أحد الزوجين للآخر؛ لكي لا يعيشا في
стр. 202
شقاء وخلاف، ولكي يجد كل منهما زوجًا يرضاه، يسعد به بقية حياته وفي آخرته (١) إذا مات كل منهما على الإسلام.
التعليق
الأسرة: هي أهل البيت الواحد الذي يضم الزوجين وما حصل لهما من ذرية، إذن: فالزوجان هما الوالدان، ومعلوم في شريعة الإسلام أن لكل من الزوجين حقًا على الآخر، وعلى كل منهما واجبات تخصه وتناسبه، وللوالدين حقًا على أولادهما، كذلك معلوم أن الأسرة مبنية على الزواج، وللزواج أحكام، وقد تطرَّق الشيخ في موضوع الأسرة لكل الجوانب المتعلق بها؛ فبدأ بذكر حق الوالدين، وذِكر الحقوق التي بين الزوجين، وذِكر بعض أحكام الزواج، وأهمها إباحة التعدد، وفصَّل في ذلك، وذَكر الأسباب المقتضية له، والمفاسد المترتبة على عدمه، كما ذَكر حُكم عمل المرأة، وما يباح منه وما يحرم، وردَّ على دعاة الاختلاط، والمنكرين لحكم تعدد الزوجات، حتى أشار إلى كفر من حرَّم التعدد؛ لأنه مضادة لشرع الله، وتحريم لما أباح الله، وأنه ليس من ذلك كراهة
стр. 203
المرأة للتعدد من زوجها فتلك كراهة طبعية مع الرضا بحكم الله (١)، وقد أحسن الشيخ ﵀ بهذا التفصيل في موضوع الأسرة إلا أنه ذهل عما يجب على الوالدين في تربية أولادهما، وأيضًا كان الأَولى أن يقول: شرع الله أحكام الأسرة بدل: نظَّم الله الأسرة، وإن كان المعنى الذي أراده صحيحًا.
قوله: (ولكن ذلك مشروط بأن يكون العمل الذي تقوم به بعيدًا عن الرجال بحيث لا تختلط بهم … ) إلى آخره: بلاء الاختلاط والعمل مع الرجال من أعظم ما دخل على المسلمين من تبعيتهم للأعداء، والكفار هم جنود الشيطان لا يريدون بالمسلمين خيرًا، ويعملون على أن يتبعهم المسلمون ويقلدوهم ويسيروا سيرتهم، وهذا مصاب جَلَلٌ قد أُصيبت به الأمة الإسلامية في سائر الأقطار، فنسأل الله العافية، وكلام الشيخ كلامٌ عظيمٌ طيِّبٌ فيه تفصيل بين الحلال والحرام في عمل المرأة.
قوله: (وتعيش الأخرى فاجرة عاهرة يتلاعب المجرمون بعرضها): أي: التي ليس عندها خوف من الله، مثلما قال في الرجل.
قوله: (ويمكن للمرأة أن تشترط لنفسها قبل عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجها، فإذا قبل لزمه الشرط): هذا على الصحيح، ومن أهل العلم مَنْ يقول: لا يصح هذا الشرط، لكنّ الصحيح أنه يصح؛ لأنَّ التعدد ليس بواجب، وهي تجد حرجًا، ولا تستطيع أن تعيش عيشة هنيئة مع وجود
стр. 204
الضرَّة والضرائر، فإذا اشترطت على ألا يتزوج عليها فلها ذلك على الصحيح (١).
قوله: (وإذا لم يكتف الزوج بالزوجة الواحدة فقد أباح الله له التعدد إلى أربع فقط … ) إلى آخره: موضوع التعدد التشنيع عليه والتنفير منه من الدعوات الدخيلة على المسلمين من تبعيتهم للكفار وجريانهم وراءهم، فمن ينكر إباحة التعدد فهو كافر؛ لأنه مُفْتَر على الله ومحرِّم لما أحل الله كما أشار الشيخ، وأما المرأة إذا كرهت التعدد فهذا بموجب الطبع، فإنها تؤمن بإباحته لكنها لا تحبه، وليست مأمورة بأن ترضاه لنفسها، لكن يجب عليها أن ترضى بحكم الله وإن كانت لا تحب وقوعه من زوجها.
قوله: (لأنَّ الواحدة يمنع الحملُ -في الأشهر الأخيرة- والنفاسُ والحيضُ والمرضُ زوجَها من التمتع بها): هذا المنع ليس بمنعٍ شرعيٍّ بمعنى أنه يَحْرُم، بل الحمل يمنع الجماع بحكم العادة والطبع؛ أولًا: لأن الزوج لا يرغب فيها وهي مثقلة في آخر أيام الحمل، وثانيًا: أن الجماع يشق على المرأة وهي في هذه الحال.
قوله في الحاشية: (يخيرهنَّ في أهل الجنة من الرجال المسلمين … ) إلى آخره: لم يذكر الشيخ لهذا دليلًا. فلينظر.
* * *
стр. 205
عاشرًا: في الصحة:
جاءت الشريعة الإسلامية بأصول الطب كلها، ففي القرآن العظيم وأحاديث الرسول محمد ﷺ بيانُ كثيرٍ من الأمراض النفسية والجسمية، وبيانُ علاجها المادي والروحي، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال الرسول محمد ﵊: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه مَنْ علم، وجهله مَنْ جهل» (١)، وقال: «تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام» (٢)، وفي كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للعلامة الإمام ابن القيم تفصيل ذلك، فليراجع ذلك الكتاب، فإنه من أنفع الكتب
стр. 206
الإسلامية وأصحها وأشملها لبيان الإسلام، وسيرة خاتم المرسلين محمد ﵊.
التعليق
الصحة نعمة مِنْ نِعَمِ الله على عبده، وهي السلامة من العلل، وضدُّها المرض، والشريعة الكاملة التي دلَّت على كل خير، وحذرت من كلِّ شرٍّ تضمَّنت الإرشاد إلى الأخذ بأسباب الصحة والقوة؛ فأَمَرَ الله بالأكل والشرب مما أحل الله مما يحفظ القوة وتبقى به الحياة، ونهى عن الإسراف في الأكل والشرب مما تتولَّد عنه العلل والآفات؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف]، وقد منَّ الله على عباده بما خلق، وبما أنزل من أسباب الشفاء؛ فقال تعالى في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وأمر النبي ﷺ بالتداوي كما في الحديث الذي ذكره المؤلف، وأرشد إلى بعض الأدوية؛ كالحبَّة السمراء (١) والعسل، وأبوال الإبل وألبانها كما في قصة العُرَنِيِّين (٢)، وقال للرجل الذي ذكر أن أخاه مصاب بداء البطن؛ فقال له: «اسقه عسلًا»، وقد تردد الرجل إلى الرسول ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول ﷺ : «اسقه عسلًا» (٣).
стр. 207
وقد ذكر ابن القيم أن أصول الطب ثلاثة، وكلها في القرآن: الحمية، وحفظ القوة، والاستفراغ، ثم بين ذلك (١)، وقد أشار المؤلف لذلك، وأرشد ﵀ إلى الرجوع إلى كتاب ابن القيم «الطب النبوي» الذي هو جزء من «زاد المعاد» (٢).
وقد أحسن المؤلف حيث نبَّه إلى هذا الجانب، وهو الصحة كما جاءت به الشريعة الكاملة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، وهي شريعة القرآن التي أمر اللهُ نبيَّه باتباعها؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية].
قوله: (وقال الرسول محمد): لا داعي لذكر الاسم محمد؛ لأن الرسول إذا أُطلق لا ينصرف إلى غير نبينا محمد ﷺ .
قوله: (علمه مَنْ علم، وجهله مَنْ جهل): المعروف في لفظ الحديث إعادة الضمير في الجملة الثانية، ولفظه هكذا: «علمه من علمه، وجهله من جهله» (٣).
* * *
стр. 208
أحد عشر: الاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة: وما يحتاج إليه الناس من الماء والطعام والمرافق العامة، والتنظيم الذي يضمن لهم صيانة مُدُنهم وقُراهم ونظافتها، وتنظيم السير فيها، ومكافحة الغش والكذب إلى غير ذلك، كل هذا قد جاء في الإسلام بيانه مفصَّلًا على أكمل وجه.
التعليق
اختصر المؤلف الكلام في موضوع المال على اختلاف وجوه كسبه من صناعة وزراعة وتجارة، واكتفى بالإشارة بتنظيم ذلك، وبيان أحكامه على أكمل وجه، كما هو الشأن في جميع الجوانب المتعلقة بالإنسان الدينية والدنيوية، وبهذه المناسبة نقول: إن الله أمر عباده بطلب الرزق، وأرشد إلى أسبابه إجمالًا؛ فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خيرٌ؛ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [إبراهيم:
стр. 209
٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ [طه]، فأنعم الله على عباده بجميع النعم الدينية والدنيوية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فله الحمد والشكر، والله أعلم.
* * *
اثنا عشر: في بيان الأعداء الخَفِيِّين وطريق الخلاص منهم:
بيَّن الله سبحانه في القرآن الكريم لعبده المسلم أنَّ له أعداء تجره إلى الهلاك في الدنيا والآخرة إذا انقاد لها واتبعها، فحذره إياها، وبيَّن له طريق الخلاص منها، وهؤلاء الأعداء:
أولهم: الشيطان اللعين: الذي يدفع بقية الأعداء ويحركها ضد الإنسان، فهو عدو أبينا آدم، وأُمِّنا حواء، الذي أخرجهما من الجنة، وهو العدو الدائم لذرية آدم إلى نهاية الدنيا، يعمل جاهدًا على إيقاعهم في الكفر بالله حتى يخلِّدهم الله معه في النار -والعياذ بالله- ومَن عجز عن إيقاعه في الكفر عمل على إيقاعه في المعاصي التي تعرِّضه لغضب الله وعذابه.
والشيطان روحٌ يجري من الإنسان مجرى الدم، يوسوس في صدره، ويزين له الشر حتى يوقعه فيه إذا أطاعه. وطريق الخلاص منه كما بينه الله سبحانه هو أن يقول المسلم إذا غضب أو همَّ بارتكاب معصية:
стр. 210
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، ولا يُعمِل غضبه ولا يُقدِم على المعصية، وأن يعلم أنَّ دافع الشر الذي يحس به في نفسه إنما هو من الشيطان، لكي يوقعه في الهلاك، ثم يتبرأ منه بعد ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر]. العدو الثاني: الهوى: ومنه ما قد يشعر به الإنسان من رغبة في رفض الحق وردِّه إذا جاء به غيره، ومِن رغبةٍ في رفض حكم الله تعالى وردِّه؛ لأنه خلاف ما يريد، ومن الهوى: تقديم العاطفة على الحق والعدل. وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ العبد بالله تعالى من اتباع هواه، وأن لا يستجيب لدافع الهوى فلا يتبعه؛ بل يقول الحق ويقبله ولو كان مُرًّا، ويستعيذ بالله من الشيطان.
العدو الثالث: النفس الأمَّارة بالسوء: ومِن أَمْرها بالسوء ما يشعر به الإنسان في نفسه من رغبة في فعل شهوة محرمة؛ كالزنا وشرب الخمر، والفطر في رمضان بدون عذر مشروع، ونحو ذلك مما حرم الله. وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ بالله تعالى من شر نفسه، ومن الشيطان، ويصبر عن فعل هذه الشهوة المحرمة، ويكف عنها ابتغاء مرضاة الله، كما يصبِّر نفسه عن الأكل أو الشرب الذي يشتهيه، لكنه يضره لو أكله أو شربه، ويتذكر أنَّ هذه الشهوة المحرمة سريعة الزوال تَعْقُبُها حسرةً وطول ندامة.
стр. 211
العدو الرابع: شياطين الإنس: وهم عصاة بني آدم الذين لعب بهم الشيطان، وصاروا يفعلون المنكر ويزينونه لمن يجالسهم. وطريق الخلاص من هذا العدو هو الحذر منه والبعد عنه وعدم مجالسته.
التعليق
يذكر الشيخ في هذا الموضوع مصادر الشر على الإنسان، وسمَّاهم الشيخ: الأعداء الخفيِّين. وكل مَنْ يريد بك السوء، ويريد مضرَّتك فهو عدو لك، ويقول الشيخ: إن الله ذَكر هؤلاء الأعداء، ودلَّ على ما يحصل به الخلاص منهم، وهؤلاء الأعداء الخفيُّون كما قال الشيخ هم: الشيطان، والنفس الأمَّارة بالسوء، والهوى، وشياطين الإنس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وطريق التخلص من هؤلاء: الاستعاذة بالله من الشيطان، ومن النفس الأمَّارة بالسوء، ومعصية الهوى، والاستعانة بالله على ذلك، واجتناب كل مَنْ يدعو إلى معصية الله بترك مجالسته، والاستماع إلى كلامه، وجماع ذلك كله: سؤال الله الهداية والعافية؛ فلا عاصم من هذه الأعداء إلا الله تعالى، فإن الله ابتلى الإنسان بهؤلاء الأعداء، وهو القادر على كفِّ شرهم، ومن سنَّة الله وحكمته ابتلاءُ الإنسان في هذه الحياة بالخير
стр. 212
والشر؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، فهذه الحياة ميدان لجهاد الأعداء الخفيين والظاهرين، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، ومن جاهد في الله أعانه الله ونصره على أعدائه؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت].
* * *
ثالث عشر: في الهدف السامي والحياة السعيدة:
والهدف السامي الذي وجَّه الله سبحانه عباده المسلمين إليه ليس هذه الحياة الدنيا وما فيها من المغريات الفانية، وإنما هو الاستعداد للمستقبل الحقيقي الخالد، وهو الحياة الآخرة بعد الموت، فيعمل المسلم الصادق في هذه الحياة باعتبار أنها وسيلة للحياة الآخرة ومزرعة لها، وليست غاية في ذاتها.
فهو يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر]، وقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].
стр. 213
يتذكر المسلم الصادق هذه الآيات العظيمة وما ماثلها من كلام الله تعالى الذي يوجه به عباده للغاية التي خلقهم من أجلها، والمستقبل الذي ينتظرهم لا محالة؛ فيستعد لذلك المستقبل الحقيقي الخالد بإخلاص العبادة لله وحده، والعمل بما يرضه راجيًا رضا الله عنه، وإكرامه له في هذه الحياة بطاعته، وبعد الممات بإدخاله في دار كرامته، فيكرمه الله في هذه الحياة بأن يُحييه حياة طيبة، فيعيش في ولاية الله وحفظه، ينظر بنور الله، يؤدي العبادات التي أمره الله بها، فيتلذذ فيها بمناجاة الله تعالى، ويذكر الله في قلبه وبلسانه فيطمئن بذلك قلبه. ويحسن إلى الناس بقوله وفعله، فيسمع من الكرام منهم من الاعتراف بإحسانه، والدعاء له ما يسره ويشرح صدره، ويرى من الحُسَّاد اللئام نكران جميله، فلا يمنع الإحسان إليهم؛ لأنه إنما يريد به وجه الله وثوابه، ويسمع ويرى من الأشرار المبغضين للدين وأهله من الاستهزاء والأذى ما يذكِّره برسل الله، فيعلم أن هذا في سبيل الله فيزداد حبًّا للإسلام وثباتًا عليه، ويعمل بيده في المكتب أو المزرعة أو المتجر أو المصنع؛ لينفع الإسلام والمسلمين بإنتاجه، وليحصل له الأجر من الله يوم يلقاه على إخلاصه ونيته الصالحة، وليتحصل على الكسب الطيب الذي ينفقه على نفسه وأسرته، ويتصدق منه فيعيش غني القلب، شريفًا قانعًا، يرجو الأجر من الله تعالى، لأن الله يحب المؤمن القوي المحترف، ويأكل ويشرب وينام بدون إسراف، لكي
стр. 214
يتقوى بذلك على طاعة الله، ويعاشر زوجته لكي يعفها ويعف نفسه عما حرَّم الله، ولكي ينجب أولادًا يعبدون الله، ويَدْعُون له حيًّا وميتًا فيستمر عمله الصالح، ويكثر بهم عدد المسلمين، فيحصل له بذلك الأجر من الله، ويشكر الله تعالى على كل نعمة تحصل له بالاستعانة بها على طاعته، والاعتراف بأنها من الله وحده، فيحصل له الأجر من الله، ويعلم أن ما يُصيبه أحيانًا من الجوع والخوف والمرض والمصائب إنما هو اختبار من الله له، ليرى الله -وهو به أعلم (١) - مدى صبره ورضاه بقدر الله، فيصبر ويرضى ويحمد الله تعالى على كل حال رجاءً في ثوابه الذي أعدَّه للصابرين، فتهون عليه المصيبة ويتقبلها، كما يتقبل المريض مرارة الدواء طمعًا في الشفاء.
فإذا عاش المسلم في هذه الحياة كما أمره الله بهذه الروح العالية، يعمل للمستقبل الحقيقي الخالد؛ ليسعد السعادة الخالدة التي لا تكدِّرها مكدِّرات هذه الحياة، ولا يقطعها الموت، فهو بلا شك السعيد في هذه الحياة الدنيا، والسعيد في الحياة الآخرة بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص]، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿مَنْ
стр. 215
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل].
في الآية الكريمة السابقة وما ماثلها يخبر الله تعالى: أنه يجازي الرجل الصالح والمرأة الصالحة اللذين يعملان في هذه الحياة بطاعة الله ابتغاء مرضاته بجزاء عاجل في هذه الحياة، وهو الحياة الطيبة السعيدة التي قدَّمنا ذِكرها، وجزاء آجل بعد الموت، وهو نعيم الجنة الخالد، وفي هذا يقول الرسول ﵊: «عجبًا للمؤمن إنَّ أمره كله له خير إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له» (١). وبهذا يتبين أن في الإسلام وحده الفكر السليم، والمقياس الصحيح للحسن والقبيح، والمنهاج الكامل العادل، وأن كل الآراء والنظريات في علم النفس والمجتمع والتربية والسياسة والاقتصاد، وكل النظم والمناهج البشرية يجب أن تُصحَّح على ضوء الإسلام، وأن تُستمد منه، وإلا فمن المحال نجاح ما خالفه منها، بل إنها مصدر شقاء الآخذين بها في الدنيا والآخرة.