ﷺ شبرا أو نحوا من شبر، يعني في الارتفاع (١).
قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - يسنّم القبر ليعرف، كي يحترم، ويمنع من الارتفاع الكثير، الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تعلي عليها؛ وتبني فوقها تفخيما لها وتعظيما؛ وأنشدوا:
أرى أهل القصور إذا أميتوا … بنوا فوق المقابر بالصخور
أبو إلا مباهاة وفخرا … على الفقراء حتى في القبور
لعمرك لو كشفت الترب عنهم … فما تدري الغنيّ من الفقير
ولا الجلد المباشر ثوب صوف … من الجلد المباشر للحرير
إذا أكل الثرى هذا وهذا … فما فضل الغنيّ على الفقير؟
يا هذا، أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبحت كفّك منه عند الموت خالية صفرا، وبدلت من بعد غناك وعزّك ذلا وفقرا، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور! أن لا بد من الارتحال، إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثمّ قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان، ما بطشت اليدان، ومشت القدمان ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلا عن هذه الأحوال! إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير، وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك، حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهّم، ولا بد لك أن ستعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعضاة تستمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تنقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائما في غفلة وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدا، أم تحسب أن الموت يقبل الرّشا، أم تميز بين الأسد والرّشا، كلا والله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبور إلاّ العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقّق ما ادّعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾
стр. 107
[النجم: ٣٩، ٤٠] فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدّة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار، عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب الله في الخلوات، رب الأرض والسموات، ولا يغرنّك الأمل، فتزهد عن العمل، أو ما سمعت الرسول حيث يقول، لما جلس على القبور: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا»، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك، يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧].
وأنشدوا:
تزوّد من معاشك للمعاد … وقم لله واعمل خير زاد
ولا تجمع من الدنيا كثيرا … فإن المال يجمع للنّفاد
أترضى أن تكون رفيق قوم … لهم زاد وأنت بغير زاد؟
وقال آخر:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وقال آخر:
الموت بحر طافح موجه … تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح
لا ينفع الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح
وقال آخر:
أسلمني الأهل ببطن الثرى … وانصرفوا عني فيا وحشتا
وغادروني معدما بائسا … ما بيدي اليوم إلا البكا
وكلّ ما كان كأن لم يكن … وكلّ ما حذرته قد أتى
وذاكم المجموع والمقتنى … قد صار في كفي مثل الهبا
ولم أجد لي مؤنسا هاهنا … غير فجور موبق أو بقا
فلو تراني وترى حالتي … بكيت لي يا صاح مما ترى
وقال آخر:
ولدتك إذ ولدتك أمّك باكيا … والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وروي عن محمد القرشي أنه قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس! إني لكم
стр. 108
ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر، وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدّقوا مخافة يوم عسير.
وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلي في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أحوالك اغتبطت؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته، ويقول: استبشر - والله - بأعماله الصالحة، واغتبط - والله - بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور.
وسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، وما فيه من الموعظة - إن شاء الله تعالى.
***
٣٥ - باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن
(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال:
حدّثني رجل من آل عمر، عن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «من زار قبري - أو قال: من زارني - كنت له شهيدا أو شفيعا، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» (١). وخرّجه أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني عن حاطب، قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني حيّا في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين، بعث من الآمنين يوم القيامة» (٢).
وخرّج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: أرسل ملك
стр. 109
الموت إلى موسى ﵇، فلما جاء صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربّه، فقال:
أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، وقال له: يضع يده على متن جلد ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر فقال رسول الله ﷺ : «لو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» (١).
وفي رواية، قال: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك؛ قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها» وذكر نحوه.
قال الترمذي، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها» (٢) صححه أبو محمد عبد الحق.
وفي «الموطأ» أن عمر ﵁، كان يقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك» (٣).
стр. 110
وكان سعد بن أبي وقاص؛ وسعيد بن زيد، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها (١). وذلك - والله أعلم - لفضل علموه هناك؛ قال: فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول (٢)؛ ولو لم يكن إلاّ مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرهم لكفى.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر؛ لما قال له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم؛ جراب من تراب سفح المقطّم؛ يعني: جبل مصر؛ قال:
فقلت له: يرحمك الله؛ وما تريد منه؟ قال: أضعه في قبري؛ فقال له: تقول هذا وأنت بالمدينة، وقد قيل في البقيع ما قيل، قال: إنّا نجد في الكتاب الأول أنه مقدّس ما بين القصير إلى اليحموم.
فصل
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: البقاع لا تقدّس أحدا ولا تطهّره؛ وإنّما الّذي يقدّسه من وضر الذنوب ودنسها؛ التوبة النصوح، مع الأعمال الصالحة، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما، وهو إذا عمل العبد فيها عملا صالحا، ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفّر سيئاته، وترجح ميزانه؛ وتدخله الجنة؛ وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح العمل؛ لا أنها توجب التقديس ابتداء.
وقد روى مالك؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «ما أحبّ أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن في غيره أحب إليّ». ثم بين العلة، فقال: «مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح؛ أو نجاور فاجرا» (٣). وهذا تستوي فيه سائر البقاع، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه؛ لا لفضل ولا لدرجة.
فصل
إن قال قائل: كيف جاز لموسى ﵇ أن يقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه، فالجواب من وجوه ستة:
الأول: أنّها كانت عينا متخيّلة، لا حقيقة لها، وهذا القول باطل؛ لأنه يؤدي
стр. 111
إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة لها، وهذا مذهب السالمية.
الثاني: أنّها كانت عينا معنوية فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة له.
الثالث: أنّه لم يعرفه، وظنّه رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عنها؛ فلطمه: ففقأ عينه؛ وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة في العين والصك؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه؛ وهو أن ملك الموت ﵇ لما رجع إلى الله تعالى؛ قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت.
الرابع: أن موسى ﵇ كان سريع الغضب، وسرعة غضبه كانت سببا لصكّه ملك الموت؛ قاله ابن العربي في الأحكام، وهذا فاسد، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب.
الخامس: ما قاله ابن مهدي ﵀: أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء، فكأن موسى ﵇ لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه.
السادس: وهو أصحها - إن شاء الله - وذلك أن موسى ﵇ كان عنده ما أخبر نبينا ﵇ من أن الله تعالى لا يقبض روحه حتى يخيّره - خرجه البخاري وغيره - فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقئت عينه، امتحانا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا؛ أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أعلم وأحكم. ذكره ابن العربي في قبسه بمعناه. والحمد لله.
وقد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك الموت ﵇ يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه» الحديث بمعناه (١). وفي آخره: «فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية».
***
стр. 112
٣٦ - باب يختار للميت قوم صالحون يكون معهم
خرّج أبو سعيد الماليني في كتاب «المؤتلف والمختلف»، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب «القبور»، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفيّة، عن علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين، فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء» (١).
وعن ابن عباس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إذا مات لأحدكم الميت فحسنوا كفنه، وعجّلوا إنجاز وصيته، وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء» قيل: يا رسول الله: وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: «هل ينفع في الدنيا»؟ قالوا:
نعم. قال: «كذلك ينفع في الآخرة». ذكره الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار»، وخرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس عن عمه نافع بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذّى بالجار السوء» (٢).
فصل
قال علماؤنا: ويستحب لك - رحمك الله - أن تقصد بميتك قبور الصالحين، ومدافن أهل الخير، فتدفنه معهم، وتنزله بإزائهم، وتسكنه في جوارهم، تبرّكا بهم (٣)، وتوسلا إلى الله بقربهم (٤)، وأن تجتنب به قبور من سواهم، من يخاف التأذي بمجاورته، والتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث.
يروى أن امرأة دفنت بقرطبة - أعادها الله - فأتت أهلها في النوم، فجعلت تعتبهم وتشكوهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلاّ إلى فرن الجير؟ فلما أصبحوا نظروا فلم يروا في ذلك الموضع كلّه ولا بقربه فرن جير. فبحثوا وسألوا عن من كان مدفونا بإزائها؟ فوجدوه رجلا سيافا كان لابن عامر وقبره إلى قبرها،
стр. 113
فأخرجوها من جواره. ذكر هذا أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.
وعن أعرابي أنه قال لولده: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلاّ أني دفنت بإزاء فلان، وكان فاسقا قد روّعني ما يعذّب به من أنواع العذاب!
وروى أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له، وحدّثني أبو الوليد رباح بن الوليد الموصلي، قال: وحدّثت عن عبد الملك بن عبد العزيز عن طاوس بن ذكران اليماني، أنه أخبرهم؛ أنه قدم حاجّا فمر بالأبطح عند المقابر مع رفقاء له فقال: بينا أنا أصلي في جوف الليل وعليّ برد لي أحرش - أخذته باليمن بسبعين دينارا - وقبر قريب مني محفور؛ إذ رأيت شمعا قد أقبل به مع جنازة، فإذا قائل يقول في قبر قريب من القبر المحفور: اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء.
قال: فركعت ثم سجدت وسلّمت، ثم خرجت حتى لقيت أصحاب الجنازة، فسلّمت وقلت: لا تقربونا وتنحّوا عنا - عافاكم الله - قالوا: ما نستطيع ذلك، وقد حفرنا قبرنا هذا، ولا نستطيع أن نذهب إلى غيره. فقلت: من أولى بالجنازة؟ فقالوا: هذا ابنه.
فقلت له: هل لك أن تتنحّى عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك، فألبسه وأعطيك بردي هذا، فإني قد أخذته باليمن بسبعين دينارا، وهو هنا خير من سبعين؟ فإن كان على أبيك دين قضيته عنه، وإن لم يكن؛ انتفع بذلك الورثة. وتكفّ عنّا ما نكره.
قال: فأنكر القوم قولي أن يكون على رجل برد يلتف به ثمنه سبعون دينارا. فاحتجت إلى أن أخبرهم من أنا؟ فقلت: تعرفون طاوس اليماني؟ قالوا: نعم. قلت: فأنا طاوس اليماني، وما قلت لكم في البرد إلا حقّا. فناولني الرجل رداءه وأخذ ردائي وانصرف عنا، وأقبلت حتى وقفت على صاحب القبر، فقلت: ما كان لك ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده. ثم عدت إلى صلاتي!
***
٣٧ - باب ما جاء أن الموتى يتزاورون في قبورهم واستحسان الكفن لذلك
(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁، خرّج الحافظ أبو نصر عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني في كتاب «الإبانة» له؛ حدّثنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر قال: حدّثنا علي بن الحسين بن بندار، قال: حدّثنا محمد بن الصفار، قال: حدّثنا معاوية، قال: حدّثنا زهير بن معاوية، عن أبي
стр. 114
الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حسنوا أكفان موتاكم، فإنّهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم» (١). وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٢).
***
٣٨ - باب ما جاء في كلام القبر كل يوم وكلامه للعبد إذا وضع فيه
(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «دخل رسول الله ﷺ مصلاّه فرأى ناسا يكثرون، فقال: أما أنكم لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى - يعني الموت - فأكثروا ذكر هادم اللذات؛ الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود. فإذا دفن العبد المؤمن، قال له القبر: مرحبا وأهلا؛ أما إن كنت لأحبّ من يمشي على ظهري إليّ، فإذا وليتك اليوم وصرت إليّ فسترى صنيعي بك، فيتسع له مدّ بصره، ويفتح له باب إلى الجنة. وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إليّ، فإذا ولّيتك اليوم وصرت إليّ فسترى صنيعي بك» قال: «فيلتئم عليه حتى يلتقي وتختلف أضلاعه» قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض. قال: «ويقيّض الله له تسعين تنينا - أو قال تسعة وتسعين - لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا، فتنهشه حتى يفضي به إلى الحساب». قال: وقال رسول الله ﷺ : «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (٣).
وخرّج هنّاد بن السّري قال: حدّثنا حسن الجعفي، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: «يجعل الله للقبر لسانا ينطق به فيقول: ابن آدم كيف نسيتني؟ أما علمت أني بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة».
قال: وحدّثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال:
«إن القبر ليبكي ويقول في بكائه: أنا بيت الوحشة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت الدود».
وذكر أبو عمر بن عبد البرّ: روى يحيى بن جابر الطائي، عن ابن عائذ الأزدي،
стр. 115
عن غضيف بن الحارث قال: «أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال:
فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: إن القبر يكلّم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟! ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم ما غرك بي؟! لقد كنت تمشي حولي فدادا. قال ابن عائذ:
قلت لغضيف: ما الفداد يا أبا إسماعيل؟ قال كبعض مشيتك يا ابن أخي. قال غضيف: فقال صاحبي - وكان أكبر مني - لعبد الله بن عمرو: فإن كان مؤمنا فماذا له؟ قال: يوسع له في قبره، ويجعل منزله أخضر، ويعرج بروحه إلى السماء» ذكره في كتاب «التمهيد» (١).
وذكر أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» عن أبي الحجّاج الثمالي قال:
قال رسول الله ﷺ : «يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، ما غرّك إذ كنت تمر بي فدادا؟» قال:
«فإن كان صالحا أجاب عنه مجيب القبر، فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»؟ قال فيقول القبر: «فإني أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا، وتصعد روحه إلى رب العالمين». ذكر هذا الحديث أبو أحمد الحاكم في كتاب «الكنى» وذكره أيضا قاسم بن أصبغ قال: قيل لأبي الحجاج ما الفداد؟ قال: الذي يقدم رجلا ويؤخّر أخرى؛ يعني الذي يمشي مشية المتبختر (٢).
وذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا داود بن نافذ قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: بلغني أن الميت يقعد في حفرته وهو يسمع وخط مشيّعيه، ولا يكلّمه شيء أول من حفرته، فتقول: ويحك يا ابن آدم؛ أليس قد حذّرتني وحذّرت ضيقي وظلماتي ونتني وهولي، هذا ما أعددت لك فما أعددت لي (٣)؟.
стр. 116
الوخط والوخد: سرعة السير في المشي.
وقال سفيان الثوري: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
وقال أحمد بن حرب: تتعجب الأرض ممن يمهد مضجعه؛ ويسوي فراشه للنوم. وتقول: يا ابن آدم ألا تذكر طول رقادك في جوفي، وما بيني وبينك شيء؟
وقيل لبعض الزهّاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات.
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
وعظتك أحداث صمت … ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى … وعن صور سبت
وأرتك نفسك في القبور … وأنت حيّ لم تمت
وروي عن الحسن البصري أنه قال: كنت خلف جنازة فاتبعتها، حتى وصلوا بها إلى حفرتها، فنادت امرأة فقالت: يا أهل القبور لو عرفتم من نقل إليكم لأعززتموه؟ قال الحسن: فسمعت صوتا من الحفرة وهو يقول: قد والله نقل إلينا بأوزار كالجبال، وقد أذن لي أن آكله حتى يعود رميما. قال: فاضطربت الجنازة فوق النعش، وخر الحسن مغشيّا عليه.
***
٣٩ - باب ما جاء في ضغط القبر على صاحبه وإن كان صالحا
(النسائي) عن عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «هذا الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرّج عنه» قال أبو عبد الرحمن النسائي: يعني سعد بن معاذ ﵁ (١).
ومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» (٢).
стр. 117
وذكر هنّاد بن السّريّ، حدّثنا محمد بن فضل، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة قال: «ما أجير من ضغطة القبر أحد، ولا سعد بن معاذ، الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها».
قال: وحدّثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: «لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، لم ينزلوا إلى الأرض قط». قال: ولقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لقد ضم صاحبكم في القبر ضمة» (١).
وخرّج علي بن معبد في كتاب «الطاعة والمعصية» عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر وهي فزعة. فقلنا: ما شأنك؟ قالت: جئت من عند بعض نساء النبي ﷺ ، فحدّثتني أن رسول الله ﷺ قال: «إن كنت لأرى أن أحدا لو أعفي من عذاب القبر، لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة» (٢).
وخرج أيضا عن زاذان أن ابن عمر (٣) قال: لما دفن رسول الله ﷺ ابنته زينب جلس عند القبر فتربد وجهه، ثم سرّي عنه فقال له أصحابه: رأينا وجهك يا رسول الله تربّد آنفا، ثم سرّي عنك. فقال النبي ﷺ : «ذكرت ابنتي وضعفها، وعذاب القبر، فدعوت الله ففرّج عنها؛ وايم الله لقد ضمت ضمة سمعها ما بين الخافقين إلا الإنس والجن» (٤).
وخرج أيضا بسنده عن إبراهيم الغنوي، عن رجل، قال: كنت عند عائشة ﵂ فمرّت جنازة صبي صغير فبكت، فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: «هذا الصبي، بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر».
قلت: وهذا الخبر، وإن كان موقوفا على عائشة ﵂، فمثله لا يقال من جهة الرأي.
وقد روى عمر بن شبة في «كتاب المدينة» (٥) - على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - في ذكر وفاة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال (٦): بينما هو ﷺ في أصحابه أتاه آت،
стр. 118
فقال: إن أم عليّ وجعفر وعقيل قد ماتت. فقال: «قوموا بنا إلى أمي» قال:
فقمنا كأن على رؤوسنا الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه وقال: «إذا كفنتموها فأشعروه إياها تحت أكفانها» فلما خرجوا بها جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر حتى انتهينا بها إلى القبر، فتمعّك في اللحد، ثم خرج وقال: «أدخلوها بسم الله، وعلى اسم الله» فلما دفنوها قام قائما وقال: «جزاك الله من أم، وربيبة خيرا». وسألناه عن نزع قميصه، وتمعّكه في اللحد؟ فقال: «أردت أن لا تمسها النار أبدا - إن شاء الله تعالى - وأن يوسع الله عليها قبرها» (١) وقال: «ما عفي أحد من ضغطة القبر، إلا فاطمة بنت أسد» قيل يا رسول الله: ولا القاسم ابنك؟ قال: «ولا إبراهيم»، وكان أصغرهما.
ورواه أبو نعيم الحافظ عن عاصم الأحول عن أنس بمعناه. وليس فيه السؤال بتمعّكه إلى آخره.
قال أنس: «لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ بن أبي طالب ﵁ دخل عليها رسول الله ﷺ ، فجلس عند رأسها. فقال: رحمك الله يا أمي، كنت أمّي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه وألبسها إياه، وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود، يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: «الحمد لله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، إنك أرحم الراحمين». وكبّر عليها أربعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق ﵃ أجمعين (٢).
***
стр. 119
٤٠ - باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهم من شرّ الناس له
روى أبو هدبة، إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد الميت إذا وضع في قبره وأقعد» قال: «يقول أهله: وا سيداه وا شريفاه وا أميراه» قال: «يقول الملك: اسمع ما يقولون، أنت كنت سيدا؟ أنت كنت أميرا؟ أنت كنت شريفا؟» قال: «يقول الميت: يا ليتهم يسكتون» قال: «فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه» (١).
فصل
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنّة الميت واختياره، كما قال:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله … وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وكذلك إذا وصّى به. وقد روي ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ببكاء الحي عليه، وإن لم يكن من سنته، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به. واستدلوا بحديث أنس المذكور، وبما روي من حديث قيلة بنت مخرمة، وذكرت عند النبي ﷺ ولدا لها مات ثم بكت، فقال رسول الله ﷺ : ««أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، فإذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع؟» ثم قال:
«اللهم أثبني فيما أمضيت، وأعني على ما أبقيت، فوالذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه، يا عباد الله لا تعذّبوا موتاكم». ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما (٢). وهو حديث معروف إسناده لا بأس به وسياقه يدل على أن بكاء هذه لم يكن من اختيار لابنها لأن ابنها صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ . ولا كان هذا البكاء المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت ومما يوصي به.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» من حديث أبي موسى
стр. 120
الأشعري عن النبي ﷺ قال: «الميت يعذّب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟» (١).
وذكر البخاري من حديث النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا، وا كذا. تعدّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أأنت كذلك؟ فلمّا مات لم تبك عليه (٢).
وهذا أيضا لم يكن من سنّة عبد الله بن رواحة، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به، فمصابه في الدين أجلّ وأرفع من أن كان يأمر بهذا أو يوصّي به.
وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث منصور بن زاذان عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليعذب الميت بصياح أهله عليه» فقال له رجل: يموت بخراسان ويناح علي هاهنا؟ فقال عمران:
صدق رسول الله ﷺ ، وكذبت (٣).
قال المؤلف ﵁: وهذا بظاهره يفيد أنّ بنفس الصياح يقع التعذيب وليس كذلك، وإنما هو محمول على ما ذكرناه. والله أعلم.
وقال الحسن: إنّ من شر الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يقضون دينه.
٤١ - باب ما ينجي من ضغطة القبر وفتنته
روى أبو نعيم من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في مرضه
стр. 121
الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة» (١).
قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البجلي.
***
٤٢ - باب ما يقال عند وضع الميت في قبره وفي اللحد في القبر
اللّحد: هو أن يحفر للميت في جانب القبر، إن كانت الأرض صلبة، وهو أفضل من الشق، فإنه الذي اختاره الله لنبيه ﷺ .
روى ابن ماجه عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ ، بعثوا إلى أبي عبيدة، وكان يضرّح كضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد؛ فبعثوا إليهما رسولين، قالوا: اللهم خر لرسولك، فوجدا أبا طلحة فجيء به، ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله ﷺ (٢).
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (٣). خرّجه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وأنشدوا:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه … ومن عفّر التراب فوسدوه
وشقوا عنه أكفانا رقاقا … وفي الرمس البعيد فغيبوه
فلو أبصرتموه إذا قضت … صبيحة ثالث أنكرتموه
وقد سالت نواظر مقلتيه … على وجناته وانفض فوه
وناداه البلا: هذا فلان … هلموا فانظروا هل تعرفوه
حبيبكم وجاركم المفدى … تقادم عهده فنسيتموه
стр. 122
وقال آخر:
وألحدوا محبوبهم وانثنوا … وهمهم تحصيل ما خلّفا
وغادروه مسلما مفردا … في رمسه رهنا بما أسلفا
ولم يزود من جميع الذي … باع به أخراه إلا لفا
وخرّج أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول»، عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله، فلما أخذ في تسوية اللحد، قال: «اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر»، فلما سوّى الكثيب عليها، قام جانب القبر ثم قال: «اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقّها منك رضوانا». فقلت لابن عمر: شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، أم شيئا قلته من رأيك؟ قال: «إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله ﷺ » خرّجه ابن ماجه أيضا في سننه (١).
وقال أبو عبد الله الترمذي ﵀: حدّثني أبي ﵀، قال: حدّثنا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال: «كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم» (٢).
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: إذا سئل الميت: من ربك؟ تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه، إني أنا ربك، قال أبو عبد الله: فهذه فتنة عظيمة. ولذلك كان رسول الله ﷺ يدعو بالثبات، فيقول: «اللهم ثبّت عند المسألة منطقه، وافتح أبواب السماء لروحه». فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله ﷺ أن يجيره من الشيطان، فهذا تحقيق لما روي عن سفيان. ذكره في الأصل التاسع والأربعين والمائتين.
٤٣ - باب الوقوف عند القبر قليلا بعد الدفن والدعاء بالتثبيت له
(مسلم) عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، الحديث، وفيه: «فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شنّا، ثم أقيموا حول
стр. 123
قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي » (١).
أخرجه ابن المبارك بمعنى حديث مسلم من حديث ابن لهيعة.
قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدّثه وقال فيه:
«وشدّوا عليّ إزاري فإني مخاصم، وشنّوا عليّ التراب شنّا، فإن جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم» (٢).
(أبو داود) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (٣).
وأخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دفن ميتا وقف وسأل له التثبيت، وكان يقول:
«ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلاّ والقبر أفظع منه».
وخرّج أبو نعيم الحافظ في باب عطاء بن ميسرة الخراساني إلى عثمان ﵁، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم نزل بك، وأنت خير منزل به، جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، واقبله منك بقبول حسن، وثبّت عند المسائل منطقه» (٤) غريب من حديث عطاء.
فصل
قال الآجري أبو بكر؛ محمد بن الحسين في كتاب «النصيحة»: «يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا، والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات، فيقال: اللهم هذا عبدك وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلاّ خيرا، وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة، كما ثبّته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بنبيه محمد ﷺ ، ولا تضلنا بعده، ولا تحرمنا أجره».
وقال أبو عبد الله الترمذي: فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة، لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك
стр. 124
يشفعون له، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد للعسكر وتلك ساعة شغل للميت، لأنه يستقبله هول المطلع، وسؤال وفتنة فتّاني القبر - على ما يأتي -. والجزور بفتح الجيم من الإبل، والجزرة من الضأن والمعزة خاصة. قاله في «الصحاح».
فصل
قول عمرو بن العاص ﵁: «فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار»، توصية منه باجتناب هذين الأمرين، لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ .
قال العلماء: ومن ذلك الضجيج بذكر الله أو بغير ذلك حول الجنائز، والبناء على المقابر، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة وغيرها، لأجل الموتى، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام، والمبيت عندهم.
كل ذلك من أمر الجاهلية، ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت اليوم في يوم السابع، فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحّم عليه، وهذا محدث لم يكن فيما تقدم، ولا هو مما يحمده العلماء، قالوا: وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود، ونشر الشعور، وشق الجيوب، واستماع النوح، وكذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت - كما ذكرنا - فيجتمع عليه النساء والرجال من فعل قوم لا خلاق لهم.
وقال أحمد بن حنبل: هو من فعل الجاهلية، قيل له: أليس قد قال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما» (١) فقال: لم يكونوا هم اتخذوا، إنما اتّخذ لهم.
فهذا كله واجب على الرجل أن يمنع أهله منه، ولا يرخّص لهم، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله ، وأعانهم على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم: ٦] قال العلماء: معناه أدّبوهم وعلّموهم.
وروى ابن ماجه في «سننه» عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» (٢).
وفي حديث شجاع بن مخلد قال: «كانوا يرون»، إسناده صحيح. وذكر الخرائطي عن هلال بن جناب قال: «الطعام على الميت من أمر الجاهلية».
وخرّج الآجري عن أبي موسى قال: ماتت أخت لعبد الله بن عمر، فقلت لامرأتي: اذهبي فعزّيهم، وبيتي عندهم، فقد كان بيننا وبين آل عمر الذي كان.
стр. 125
فجاءت فقال: ألم آمرك أن تبيتي عندهم؟ فقالت: أردت أن أبيت، فجاء ابن عمر فأخرجنا. وقال: «اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب». وعن أبي البختري قال: «بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية».
قال المؤلف ﵀: وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنّة وتركها بدعة، فانقلب الحال وتغيّرت الأحوال. قال ابن عباس ﵁: «لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة، وأحيوا فيه بدعة، حتى تموت السنن وتحيا البدع، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلاّ من هوّن الله عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا، ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسّر لذلك أحسن الله تعويضه. قال رسول الله ﷺ :
«إنك لن تدع شيئا إلاّ عوضك الله خيرا منه» (١). وقال ﷺ : «لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله لا يضرهم جدال من جادلهم ولا عداوة من عاداهم» (٢).
فصل
ومن هذا الباب ما ثبت في «الصحيحين» عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٣).
وفيهما أيضا عن أبي بردة بن أبي موسى قال: «وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: أنا برئ مما برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» (٤).
وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا:
أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته تصيح برنة، قالا: ثم أفاق، قال: ألم تعلمي - وكان يحدثها - أن رسول الله ﷺ قال: «أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق» (٥).
(ابن ماجه) عن أبي أمامة: «أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور» (٦) إسناده صحيح.
وقال حاتم الأصم: إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه، وأظهر حزنه،
стр. 126
فعزّيته؛ فقد أشركته في إثمه، وإنما هو صاحب منكر، يحتاج أن تنهاه.
وقال أبو سعيد البلخي: من أصيب بمصيبة فمزّق ثوبا، أو ضرب صدرا، فكأنما أخذ رمحا يريد أن يقاتل به ربه .
وأنشدوا:
عجبت لجازع، باك، مصاب … بأهل، أو حميم ذي اكتئاب
شقيق الجيب، داعي الويل، جهلا … كأن الموت كالشيء العجاب
وسوّى الله فيه الخلق حتى … نبي الله منه لم يحاب
له ملك ينادي كل يوم: … لدوا للموت وابنوا للخراب
***
٤٤ - باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده
ذكر أبو محمد عبد الحق، يروى عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة! الثانية فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول:
يا فلان ابن فلانة! الثالثة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنّك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما، ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا، وقد لقّن حجّته، ويكون الله حجيجها دونه» فقال رجل: يا رسول الله فإن لم تعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء (١).
стр. 127
قلت هكذا ذكره أبو محمد في كتاب «العاقبة» لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام، وعادته في كتبه نسبة ما يذكره من الحديث إلى الأئمة، وهذا والله أعلم، نقله من «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد فنقله كما وجده ولم يزد عليه، وهو حديث غريب. خرّجه الثقفي في «الأربعين» له، أنبأناه الشيخ المسنّ الحاج الراوية: أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح بن أبي الحسن القرشي - عرف بابن رواح - بمسجده بثغر الإسكندرية حماه الله، والشيخ الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب، على ظهر النيل بها، قالا جميعا: حدّثنا الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السّلفي الأصبهاني قالا: أخبرنا الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن أحمد بن محمود الثقفي بأصبهان، أخبرنا أبو علي الحسين بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدان التاجر بنيسابور، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى الأنصاري، حدّثنا عتبة بن السكن الفزاري الحمصي، عن أبي زكريا، عن حماد بن زيد، عن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع فقال لي: «يا سعيد! إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا» فقال: «إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله! فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله باعث من في القبور، فإن منكرا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: ما نصنع عند رجل لقّن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه» (١).
قال الثقفي: حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي.
قال أبو محمد عبد الحق: وقال شيبة بن أبي شيبة: أوصتني أمي عند موتها، فقالت لي: يا بني إذا دفنتني فقم عند قبري، وقل: يا أم شيبة؛ قولي: لا إله إلا الله، ثم انصرف. فلما كان من الليل رأيتها في المنام فقالت لي: يا بني لقد كدت أن أهلك، لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فلقد حفظتني في وصيتي يا بني.
قال المؤلف: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: ينبغي أن يرشد
стр. 128
الميت في قبره حين يوضع فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك فيقال له: قل الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل. كما جاءت الأخبار على ما يأتي إن شاء الله. وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك، فيقال: قل هو محمد رسول الله؛ وذلك عند هيل التراب، ولا يعارض هذا بقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] لأن النبي ﷺ قد نادى أهل القليب وأسمعهم وقال: «ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا» (١). وقد قال في الميت: «إنه ليسمع قرع نعالهم» (٢). وأن هذا يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، وسيأتي استيفاء هذا المعنى في باب «ما جاء أن الميت يسمع ما يقال» إن شاء الله.
***
٤٥ - باب في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة
(أبو هدبة) إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك، فهم مهتمون محزونون، حتى إذا أسلموه في ذلك القبر، ورجعوا راجعين؛ أخذ كفّا من تراب فرمى به وهو يقول: ارجعوا إلى دياركم أنساكم الله موتاكم، فينسون ميتهم ويأخذون في شرائهم وبيعهم، كأنهم لم يكونوا منه، ولم يكن منهم» (٣).
ويروى «أن الله لما مسح على ظهر آدم ﵇ فاستخرج ذريته قالت الملائكة: رب لا تسعهم الأرض، قال الله تعالى: إني جاعل موتا، قالت: رب لا يهنيهم العيش. قال: إني جاعل أملا».
فالأمل رحمة من الله تعالى ينتظم به أسباب المعاش، ويستحكم به أمور الدنيا، ويتقوى به الصانع على صنعته، والعابد على عبادته، وإنما يذم من الأمل ما امتد وطال، حتى أنسى العاقبة، وثبط عن صالح الأعمال. قال الحسن: «الغفلة
стр. 129
والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم، ولولا هما ما مشى المسلمون في الطرق». يريد: لو كانوا من التيقظ وقصر الأمل وخوف الموت بحيث لا ينظرون إلى معاشهم، وما يكون سببا لحياتهم، لهلكوا، ونحوه.
قال مطرف بن عبد الله: «لو علمت: متى أجلي؛ لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله سبحانه منّ على عباده بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنّوا بعيش، ولا قامت بينهم الأسواق».
***
٤٦ - باب في رحمة الله بعبده إذا أدخل في قبره
قال عطاء الخراساني: «أرحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل في قبره، وتفرق الناس عنه وأهله». وروي عن ابن عباس مرفوعا.
وقال أبو غالب: «كنت أختلف إلى أبي أمامة الباهلي بالشام، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول: يا عدو الله، ألم آمرك؟ ألم أنهك؟ فقال الفتى: يا عماه لو أن الله دفعني إلى والدتي، كيف كانت صانعة بي؟ قال:
تدخلك الجنة. قال: الله أرحم بي من والدتي، وقبض الفتى، فدخلت القبر مع عمه، فلما أن سواه صاح وفزع. قلت له مالك؟ قال: فسح له في قبره، وملئ نورا».
وكان أبو سليمان الداراني يقول في دعائه: «يا من لا يأنس بشيء أبقاه، ولا يستوحش من شيء أفناه، ويا أنيس كل غريب، ارحم في القبر غربتي، ويا ثاني كل وحيد، آنس في القبر وحدتي».
ولقد أحسن أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مفاوز السلمي الكاتب أحد البلغاء بشرق الأندلس حيث يقول:
أيها الواقف اعتبارا بقبري … استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا … من ذنوبي وآيسوا من نعيم
قلت: لا تجزعوا عليّ فإني … حسن الظن بالرءوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهينا … غلق الرهن عند مولى كريم
***
стр. 130
٤٧ - باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد وبيان قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾
(أبو نعيم) عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله إن الله - لا إله غيره إذا أراد خلقه - قال للملك: اكتب رزقه وأثره وأجله، واكتب شقيّا أو سعيدا، ثم يرتفع الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك الملكان، ثم جاءه ملك الموت ﵇، فيقبض روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة، انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر شهيد». ثم قال: قال الله : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] قال: قال رسول الله ﷺ في: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] قال: «حالا بعد حال». ثم قال النبي ﷺ : «إن قدّامكم أمر عظيم.
فاستعينوا بالله العظيم» (١). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر وحديث جابر تفرد به عنه جابر بن يزيد الجعفي وعنه المفضل.
قلت: جابر بن يزيد الجعفي متروك لا يحتج بحديثه في الأحكام (٢).
ووجد بمدينة قرطبة على قبر الوزير الكبير أبي عامر بن شهيد مكتوبا - وهو مدفون بإزاء صاحبه الوزير أبي مروان الزجاجي - وكأنه يخاطبه، ودفنا في بستان كانا كثيرا ما يجتمعان فيه:
يا صاحبي قم فقد أطلنا … أنحن طول المدى هجود
فقال لي: لن تقوم منها … ما دام من فوقنا الصعيد
نذكركم ليلة نعمنا … في ظلها والزمان عيد
وكم ينير همّي علينا … سحابة ثرّة تجود
стр. 131
كل كأن لم يكن تقضّى … وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ … وضمه صادق شهيد
يا حسرتا إن تنكبتنا … رحمة من بطشه شديد
يا رب عفوا فأنت مولى … قصر في حقه العبيد
***
٤٨ - باب في سؤال الملكين للعبد وفي التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار
(البخاري) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا».
قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره أربعون ذراعا. وقال مسلم: سبعون ذراعا. ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، ثم رجع إلى حديث أنس قال: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» (١).
قلت: ليس عند مسلم: ثم رجع إلى حديث أنس إلى آخره، وإنما هو عند البخاري. فحديثه أكمل.
وقول الملكين: (ولا تليت): قال النحويون: الأصل في هذا الكلمة: الواو، أي: ولا تلوت، إلاّ أنها قلبت ياء ليتبع بها دريت. وقد جاء من حديث البراء: «لا دريت ولا تلوت» على ما رواه الإمام أحمد بن حنبل، أي لم تدر ولم تتل القرآن، فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك.
(ابن ماجه) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشعوف، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول:
стр. 132
كنت في الإسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: لا، ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك.
ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مرعوبا فيقال له: فيما كنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلته. فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: انظر إلى ما صرفه الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال: هذا مقعدك على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى» (١).
(الترمذي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبر الميت - أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول فيه؛ هو عبد الله ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا، فقلت مثله: لا أدري.
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمي عليه، فتختلف أضلاعه. فلا يزال فيها معذّبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (٢) قال: حديث حسن غريب.
(أبو داود) عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟» قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدّجال» قالوا: «ومم ذاك يا رسول الله؟» قال: «إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن هداه الله. قال: كنت أعبد الله، فيقال: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها. فينطلق به إلى بيت كان له في النار. فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك بيتا في الجنة، فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له: اسكن.
وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره ويقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا
стр. 133
أدري، كنت أقول كما يقول الناس. فيضرب بمطارق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين» (١).
وخرّج أبو داود أيضا عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله وجلسنا حوله كأنّما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا، قال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين حين يقال له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك»؟ قال: «ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له:
وما يدريك؟ قال: قرأت كتاب الله فآمنت وصدقت» قال: «فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة» قال:
«فيأتيه من روحها وطيبها» قال: «ويفسح له مدّ بصره».
قال: «وإن الكافر» - فذكر موته - قال: «وتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ها هاه، لا أدري. فيقولان: ما هذا الرسول الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. قال: فينادي مناد: أن كذب عبدي. فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار» قال: «فيأتيه من حرّها وسمومها» قال:
«ويضيّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (٢). زاد في حديث جرير قال: «ثم يقبض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا» قال: «فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلاّ الثقلين فيصير ترابا، ثم تعاد فيه الروح».
فصل
ذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يا رسول الله! ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره؟ قال:
«يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلاّ أنت؛ فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك. فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس. فيقول:
هيهات كفنك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك إصبعك. فيقطع له قطعة من كفنه، ثم يجعل العبد يكتب، وإن كان غير كاتب في الدنيا، فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه».
стр. 134
ثم قال رسول الله ﷺ : قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: عمله، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتّانا القبر، وهما ملكان أسودان، يخرقان الأرض بأنيابهما، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض، كلامهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، ونفسهما كالريح العاصف، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكّا، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت، وولّت هاربة، فتدخل في منخر الميت فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة، ولا يقدر على حراك، غير أنه يسمع وينظر قال: «فيقعدانه فيبتدئانه بعنف، وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء، حيثما تحرك انفسح فيه ووجد فرجة فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال: ومن وكّلكما عليّ؟ ومن أرسلكما إليّ؟ وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار. فيقول أحدهما للآخر: صدق. كفي شرّنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه، يؤنسه ويحدثه ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، ويسأل: متى تقوم الساعة؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها.
ودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظّ من العلم، ولا من أسرار الملكوت، يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح، حسن الثياب، فيقول له: أما تعرفني؟ فيقول: من أنت الذي منّ الله علي بك في غربتي؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فلا تحزن ولا توجل؛ فعمّا قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش، ثم يلقنه حجته، فبينما هو كذلك، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستندا ويقولان: من ربك؟ - نسق الأول - فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وإبراهيم أبي، وملته ملتي، غير مستعجم، فيقولان له: صدقت، ويفعلان به كالأول، إلاّ أنهما يفتحان له بابا إلى النار فينظر إلى حيّاتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها، فيفزع فيقولان له: لا عليك سوء، هذا موضعك قد أبدله الله تعالى بموضعك هذا في الجنة، نم سعيدا، ثم يغلقان عنه باب النار، ولم يدر ما مر عليه من الشهور والأعوام والدهور. ومن الناس من يحجم في مسألته، فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول: الله ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره نارا ثم تطفأ عنه أياما، ثم تشتعل عليه أيضا. هذا دأبه ما بقيت الدنيا. ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول: الإسلام ديني لشك كان يتوهمه، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارا كالأول، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: القرآن إمامي؛ لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به، ولا
стр. 135
يعمل بأوامره، ولا ينتهي بنواهيه، يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره، فيفعل به ما يفعل بالأولين، ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذّب به في قبره على قدر جرمه».
وفي الأخبار: أن من الناس من يستحيل عمله خنوصا - وهو ولد الخنزير - ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: نبيي محمد؛ لأنه كان ناسيا لسنته، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته، أو فساده في وضوئه، أو التفات في صلاته، أو اختلال في ركوعه وسجوده، ويكفيك ما روي في فضائلها، أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة، ومن عليه ثواب حرام. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: إبراهيم أبي لأنه سمع كلاما يوما أو همه إن إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا، فإذا هو شاك مرتاب، فيفعل به ما يفعل بالآخرين.
وقال أبو حامد: وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب «الإحياء».
وأما الفاجر فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري! فيقولان له: لا دريت ولا عرفت، ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة، ثم تنفضه الأرض في قبره، ثم يضربانه سبع مرات، ثم تفترق أحوالهم؛ فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة، وهم الخوارج، ومنهم من يستحيل خنزيرا يعذب به في قبره وهم المرتابون، وهم أنواع. وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا. فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد، وطبائع الخلق متفرقة. نسأل الله السلامة والغفران قبل الندامة.
فصل
جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتهما. وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين. ولا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعا، ويسألانه جميعا في حال واحد عند انصراف الناس، ليكون السؤال عليه أهون، والفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام، واجترح من سيئ الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد، فيكون ذلك أخف في السؤال، وأقل في المراجعة والعتاب، لما عمله من صالح الأعمال.
وقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو: أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان؛ فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره، لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلاّ ملك واحد، ولو قاله
стр. 136
هكذا صريحا لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس، والله أعلم. وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
واختلفت الأحاديث أيضا في كيفية السؤال والجواب؛ وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلّها فلا تناقض. ووجه آخر وهو: أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال، فيكون الإنسان مسؤولا عن الجميع. كما جاء في حديث البراء المذكور، والله أعلم. وقول المسؤول: هاه هاه؛ هي حكاية صوت المبهور من تعب، أو جري، أو حمل ثقيل.
***
٤٩ - باب ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم
أخرجه أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد في «مسنديهما» وعلي بن معبد في كتاب «الطاعة والمعصية» وهنّاد بن السري في «زهده» وأحمد بن حنبل في «مسنده» وغيرهم. وهو حديث صحيح له طرق كثيرة همّ بتخريج طرقه علي بن معبد. فأما أبو داود الطيالسي فقال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش. وقال هناد وأحمد: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وقال: أبو داود:
حدّثنا عمرو بن ثابت، سمعه من المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء - يعني ابن عازب - وحديث أبي عوانة أتمهما، قال البراء: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأنّما على رؤوسنا الطير، قال عمرو بن ثابت: وقع ولم يقله أبو عوانة، فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء، ويخفض بصره وينظر إلى الأرض، ثم قال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» قالها مرارا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، جاءه ملك فجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج نفسه فتسيل كما يسيل قطر السقاء» قال: عمرو في حديثه - ولم يقله أبو عوانة -: «وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل
стр. 137
ملائكة من الجنة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من أكفان الجنة، وحنوط من حنوطها، فيجلسون منه مدّ البصر، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين» قال: «فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] قال: فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء والأرض إلاّ قالوا: ما هذه الروح؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه، حتى ينتهوا به أبواب سماء الدنيا فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقال: اكتبوا كتابه في عليين ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين. ثم يقال: ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول:
ربي الله، وديني الإسلام، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به وصدقت قال:
وذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال: وينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وأروه منزله منها، ويفسح له مدّ بصره، ويمثل عمله له في صورة رجل حسن الوجه، طيّب الرائحة، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعدّ الله لك، أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، فيقول: بشّرك الله بخير، من أنت؛ فوجهك الوجه الذي جاء بالخير؟ فيقول: هذا يومك الذي كنت توعد، أو الأمر الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح فو الله ما علمتك إلاّ كنت سريعا في طاعة الله، بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا. فيقول: يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي» قال: «فإن كان فاجرا وكان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا جاءه ملك، فجلس عند رأسه فقال:
اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضبه، فتنزل ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها في يده طرفة عين، قال: فتفرق في جسده فيستخرجها، تقطع منها العروق والعصب، كالسفود الكثير الشعب في الصوف المبلول، فتؤخذ من الملك فتخرج كأنتن جيفة وجدت فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض، إلاّ قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذا فلان بأسوإ أسمائه حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فلا يفتح لهم، فيقولون: ردوه إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمى به من السماء. قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، قال: فيعاد إلى الأرض وتعاد فيه روحه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار
стр. 138
فينتهرانه ويجلسانه. فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول: أبشر بعذاب الله وسخطه، فيقول: من أنت، فوجهك الذي جاء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فو الله ما علمتك إلاّ كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله» (١).
قال عمرو - في حديثه - عن المنهال، عن زاذان، عن البراء عن النبي ﷺ :
«فيقيّض له أصم أبكم بيده مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا». أو قال: «رميما، فيضربه به ضربة تسمعها الخلائق إلاّ الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضرب ضربة أخرى» لفظ أبي داود الطيالسي.
وخرّجه علي بن معبد الجهني من عدة طرق بمعناه، وزاد فيه: «ثم يقيّض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد فيضربه بها ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره ثم يعاد فيضربه ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره» وزاد في بعض طرقه عند قوله مرزبة من حديد: «لو اجتمع عليها الثقلان لم ينقلوها، فيضرب بها ضربة فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح، ويضرب بها ضربة يسمعها من على الأرض غير الثقلين، ثم يقال: افرضوا له لوحين من نار وافتحوا له بابا إلى النار، فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار» وزاد فيه عند قوله: وانقطاع من الدنيا: «نزلت به ملائكة غلاظ شداد معهم حنوط من نار وسرابيل من قطران، يحتوشونه فتنتزع نفسه كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، يقطع معه عروقها، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض».
وخرّجه أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن حرب، صاحب ابن المبارك في رقائقه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: «إذا قتل العبد في سبيل الله كان أول قطرة تقطر من دمه إلى الأرض كفارة للخطايا، ثم يرسل الله بريطة من الجنة فيقبض فيها روحه، وصورة من صور الجنة فيركب فيها روحه، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاءت روح من
стр. 139
الأرض طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا ملك إلا صلّى عليها ودعا لها، ويشيعها، حتى يأتي بها الرحمن. فيقولون: يا ربنا هذا عبدك توفيته في سبيلك، فيسجد قبل الملائكة، ثم تسجد الملائكة بعد، ثم يطهر ويغفر له، ثم يؤمر فيذهب به إلى الشهداء، فيجدهم في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه فيأكلون لحمه، فيجدون في لحمه طعم كل رائحة ويبيت الثور في أفناء الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ويدعون الله أن تقوم الساعة، فإذا توفي العبد المؤمن بعث الله إليه ملكين وأرسل إليه بخرقة من الجنة، فقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح من مسك ما وجدها أحد بأنفه قط، والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد جاء من قبل الأرض روح طيبة ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلاّ فتح لها، ولا بملك إلا دعا لها، وصلّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد الملائكة ثم يقولون:
هذا عبدك فلان قد توفيته وكان يعبدك لا يشرك بك شيئا، فيقول مروه فليسجد فتسجد النّسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقول: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، حتى أسألك عنها يوم القيامة، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعين ذراعا عرضه، وسبعين ذراعا طوله، وينبذ له فيه الرياحين ويستر بالحرير، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له في قبره نور مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه، قال: فيقوم من نومه كأنه لم يشبع من نومته، وإذا توفي العبد الفاجر أرسل الله إليه ملكين وأرسل بقطعة من نجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى حميم وعذاب، ورب عليك غضبان، اخرجي وساء ما قدمت لنفسك، فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: قد جاءت من الأرض روح خبيثة، ونسمة خبيثة، فتغلق دونها أبواب السماء، ولا تصعد إلى السماء، ثم يؤمر فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات أمثال أعناق البخت، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم عمي يضربونه بفطاطيس من حديد لا يسمعون صوته فيرحموه، ولا يبصرونه فيرحموه، ولا يخطئون حين يضربونه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيّا يدعو بأن يدوم ذلك ولا يخلص إلى النار».
وخرّج أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا احتضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك إلى
стр. 140
روح وريحان، وربّ راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض؟ فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمّ الدنيا. فإذا قال: ما أتاكم؟ قالوا:
ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله، فيخرج كأنتن ريح خبيثة، حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح؟ حتى يأتوا به أرواح الكفار» (١).
وخرّج أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا همام بن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبض العبد المؤمن جاءته ملائكة الرحمة فتسلم وتسلّ نفسه في حريرة بيضاء فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه. فيسألونه فيقولون: ارفقوا به فإنه خرج من غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة»؟ قال: «وأما الكافر فتخرج نفسه فتقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه فيهبط به إلى أسفل الأرض» (٢).
стр. 141
الرد على الملحدة
قلت: وهنا فصول ستة في الردّ على الملحدة:
الفصل الأول
تأمل يا أخي وفقني الله وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث، ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد، وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو ممّا له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيب وخبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض (١).
وقد قال بلال في حديث الوادي: «أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك».
وقال رسول الله ﷺ ، مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حيز غير هذا» (٢). وقال رسول الله ﷺ : «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» وقال: «فذلك حين يتبع بصره نفسه». وهذا غاية في البيان «ولا عطر بعد عروس» (٣).
وقد اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه لك، وهو مذهب أهل السنة، أنه جسم. فقد قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يعني: النفس عند خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم، ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليها. كقول الشاعر:
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وكل من يقول: إن الروح يموت ويفنى فهو ملحد. وكذلك من يقول:
بالتناسخ؛ أنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر؛ حمار أو كلب أو غير ذلك.
وإنما هي محفوظة بحفظ الله إمّا منعمة وإما معذّبة. على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
стр. 142
الفصل الثاني
الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق. وأن الله تعالى يحيي العبد المكلّف في قبره بردّ الحياة إليه، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان. وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار ﷺ وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة، ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم ﵇ غير ما ذكرناه، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرّا، ولقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبر النبي ﷺ بفتنة الميت في قبره وسؤاله منكر ونكير، وهما الملكان له: «يا رسول الله أيرجع إليّ عقلي؟ قال: نعم. قال: إذا أكفيكهما. والله لئن سألاني سألتهما.
فأقول لهما: أنا ربي الله فمن ربكما أنتما؟» (١).
وخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ ذكر يوما فتّاني القبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁ أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: نعم كهيئاتكم اليوم، فقال عمر: في فيه الحجر (٢).
وقال سهل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته، فقلت: له ما فعل الله بك؟ فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء. وقلت: ألمثلي يقال هذا، وقد علّمت الناس جوابكما ثمانين سنة؟ فذهبا. وقالا: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قلت نعم. فقالا: إنه كان يبغض عليّا فأبغضه الله.
وفي حديث البراء: «فتعاد روحه في جسده» وحسبك. وقد قيل: إن السؤال والعذاب إنما يكون على الروح دون الجسد. وما ذكرناه لك أولا أصح، والله أعلم.
***
الفصل الثالث
أنكرت الملحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة عذاب القبر وأنه ليس له حقيقة، واحتجّوا بأن قالوا: إنا نكشف القبر فلم نجد فيه
стр. 143
ملائكة عميا صمّا يضربون الناس بفطاطيس من حديد، ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين، ولا نيرانا ولا تنانين. وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب ولم يتغير، وكيف يصح إقعاده ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدنا بحاله؟ فكيف يجلس ويضرب ولا يتفرق ذلك؟ وكيف يصح إقعاده وما ذكرتموه من الفسحة؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقا ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يتغير علينا؛ فكيف يسعه ويسع الملائكة السائلين له؟ وإنما ذلك إشارة إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني، وإنها لا حقائق لها على موضوع اللغة.
والجواب: أنا نؤمن بما ذكرناه، ولله أن يفعل ما يشاء من عقاب ونعيم، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يغيّبه عنا. فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله، إذ هو القادر على كل ممكن جائز، فإنا لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه، ثم نضجعه ونرد الزئبق مكانه، وكذلك يمكننا أن نعمق القبر ونوسّعه حتى يقوم فيه قياما فضلا عن القعود، وكذلك يمكننا أن نوسّع القبر مائتي ذراع فضلا عن سبعين ذراعا، والرب سبحانه أبسط منا قدرة، وأقوى منا قوة، وأسرع فعلا، وأحصى منا حسابا ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ولا رب لمن يدّعي الإسلام إلاّ من هذه صفته، فإذا كشفنا نحن عن ذلك رد الله سبحانه الأمر على ما كان، نعم بل لو كان الميت بيننا موضوعا فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بهما، ويجيبهما من غير أن يسمع الحاضرون جوابهما. ومثال ذلك: نائمان بيننا أحدهما ينعم والآخر يعذّب، ولا يشعر بذلك أحد ممن حولهما من المنتبهين، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه.
وقد قال بعض علمائنا: إن دخول الملك القبور جائز أن يكون تأويله؛ اطلاعه عليها وعلى أهلها، وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول ولا قرب، ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولّج في خلال المقابر، فيتوصل إليهم من غير نبش، ويجوز أن ينبشها ثم يعيدها الله إلى مثل حالها على وجه لا يدركها أهل الدنيا. ويجوز أن يكون الملك يدخل من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها.
وبالجملة: فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا ممّا لا خلاف فيه. ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئا مما هنالك. فإن قالوا: كل حديث يخالف مقتضى
стр. 144
المعقول يقطع بتخطئة ناقليه (١). ونحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلا ولا يتحرك، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير، وبطون الحيتان وحواصل الطيور، وأقاصي التخوم، ومدارج الرياح، فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصوّر مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟
والجواب عن هذا من وجوه أربعة:
أحدها: أن الذي جاء بهذا هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وليس لنا طريق إلاّ ما نقلوه لنا من ذلك.
الثاني: ما ذكره القاضي لسان الأمة وهو: أن المدفونين في القبور يسألون، والذين بقوا على وجه الأرض؛ فإن الله تعالى يحجب المكلّفين عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء ﵈ لهم. ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل ﵇ على الأنبياء ﵈. وقد قال الله تعالى في وصف الشياطين: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
الثالث: قال بعض العلماء: لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب ونحن لا نشعر به كما أنا نحسب المغمى عليه ميتا، وكذلك صاحب السكتة، وندفنه على حسبان الموت، ومن تفرقت أجزاؤه فلا يبعد أن يخلف الله الحياة في أجزائه.
قلت: ويعيده كما كان، كما فعل بالرجل الذي أمر «إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرّى حتى تنسفه الرياح» الحديث وفيه: «فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك أو قال: مخافتك» (٢). خرّجه البخاري ومسلم. وفي التنزيل ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية.
الرابع: قال أبو المعالي: المرضيّ عندنا أن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب أو غيره، فيحييها ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل
стр. 145
عقلا. قال بعض علمائنا: وليس هذا بأبعد من الذرّ الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم ﵇ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
***
الفصل الرابع
فإن قالوا: ما حكم الصغار عندكم؟ قلنا: هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم، ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، وقد تقدّم. وذكر هنّاد بن السري قال: حدّثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن كان ليصلي على المنفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر» (١).
الفصل الخامس
فإن قالوا: فما تأويلكم في القبر: «حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة» (٢)؟
قلنا: ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز. وأن القبر يملأ على المؤمن خضرا وهو العشب من النبات، وقد عينه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: هو الريحان، كما في الكافر يفرش له لوحان من نار، وقد تقدم.
وقد حمله بعض علمائنا على المجاز والمراد خفة السؤال على المؤمن، وسهولته عليه وأمنه فيه، وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجن، والنعيم فيها بالرياض، يقال: فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة.
فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش، وقد رفع الله عنه عينيه الحجاب حتى يرى مد بصره كما في الخبر، وأراد بحفرة النار؛ ضغطة القبر وشدة المسألة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والله أعلم. والأول أصح؛ لأن الله سبحانه ورسوله يقص الحق، ولا استحالة في شيء من ذلك.
***