← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقد ورد في الخبر عن النبي ﷺ : «إن الملك يتباعد عن الرجل عند الكذبة يكذبها ميلين من نتن ما جاء به» (١). وكذلك كل معصية لله تؤذي الملك الموكل به. فيجوز أن يموت العبد وهو مصر على معاصي الله غير تائب منها ولا مكفر عنه خطاياه، فيكون تمحيصه وتطهيره فيما يلحقه من الأذى من تغليظ الملك إياه أو تقريعه له، والله أعلم. ٢٠ - باب في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟ قال أبو الحسن القابسي ﵀: الصحيح من المذهب، والذي عليه أهل السنة، أنها ترفعها الملائكة حتى توقفها بين يدي الله تعالى فيسألها (٢)، فإن كانت من أهل السعادة قال لهم: سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة. فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل الميت وكفن؛ ردت وأدرجت بين كفنه وجسده، فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام الناس، من تكلم بخير ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره وصلّى عليه، ردت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد، ودخل عليه الملكان الفتانان على ما يأتي. وعن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك، ينظر إلى جسده كيف يغسل، وكيف يكفن، وكيف يمشى به فيجلس في قبره. قال داود: وزاد في هذا الحديث، قال: يقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك. ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمرو. وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: فإذا قبض الملك النفس السعيدة، تناولها ملكان حسان الوجوه، عليهما أثواب حسنة، ولهما رائحة طيبة، فيلفونها في حرير من حرير الجنة، وهي على قدر النحلة، شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من علمه المكتسب له في دار الدنيا، فيعرجون بها في الهواء، فلا

стр. 72

يزال يمر بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب فيقال للأمين: من أنت؟ فيقول: أنا صلصائيل، وهذا فلان معي بأحسن أسمائه وأحبها إليه، فيقول: نعم الرجل كان فلان، وكانت عقيدته غير شاك. ثم ينتهي به إلى السماء الثانية، فيقرع الباب. فيقال له: من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا بفلان، كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الثالثة، فيقرع الباب، فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته الأولى والثانية، فيقال: مرحبا بفلان، كان يراعي الله في حق ماله، ولا يتمسك منه بشيء ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الرابعة، فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا بفلان، كان يصوم فيحسن الصوم، ويحفظه من أدران الرفث وحرام الطعام، ثم ينتهي إلى السماء الخامسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كعادته. فيقال: أهلا وسهلا بفلان، أدى حجّة الله الواجبة من غير سمعة ولا رياء، ثم ينتهي إلى السماء السادسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته. فيقال: مرحبا بالرجل الصالح، والنفس الطيبة، كان كثير البر بوالديه، فيفتح له الباب. ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته. فيقال: مرحبا بفلان، كان كثير الاستغفار بالأسحار، ويتصدق في السر ويكفل الأيتام، ثم يفتح له، فيمر حتى ينتهي إلى سرادقات الجلال، فيقرع الباب فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مثل قوله، فيقول: أهلا وسهلا بالعبد الصالح والنفس الطيبة، كان كثير الاستغفار، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكرم المساكين. ويمر بملإ من الملائكة كلهم يبشرونه بالخير ويصافحونه، حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا وسهلا بفلان، كان عمله عملا صالحا خالصا لوجه الله ، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من ماء، ثم يمر به في بحر من ثلج ثم يمر به في بحر من برد، طول كل بحر منها ألف عام، ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفا من السرادقات، لها شراريف لكل سرادق ثمانون ألف شرافة، على كل شرافة ثمانون ألف قمر، يهللون لله ويسبحونه ويقدسونه، لو برز منها قمر واحد إلى السماء الدنيا، لعبد من دون الله ولأحرقها نورا، فحينئذ ينادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان، فيقول الجليل ﷻ : قربوه فنعم العبد كنت يا

стр. 73

عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة، حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه (١). كما روي عن يحيى بن أكثم القاضي؛ وقد رئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه. ثم قال: يا شيخ السوء فعلت كذا وفعلت كذا! فقلت: يا رب ما بهذا حدثت عنك. قال: فبم حدثت عني يا يحيى؟ فقلت: حدّثني الزهري عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ عن جبريل عنك سبحانك أنك قلت: «إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة شابت في الإسلام» فقال: يا يحيى صدقت، وصدق الزهري، وصدق معمر، وصدق عروة، وصدقت عائشة، وصدق محمد، وصدق جبريل، وقد غفرت لك!! وعن ابن نباتة وقد رثي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه الكريمتين وقال: أنت الذي تخلص كلامك حتى يقال: ما أفصحه! فقلت: سبحانك إني كنت أصفك. قال: قل ما كنت تقول في دار الدنيا، قلت: أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيوجدهم كما أعدمهم، وسيجمعهم كما فرقهم. قال لي: صدقت اذهب فإني قد غفرت لك. وعن منصور بن عمار؛ أنه رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال لي: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: بست وثلاثين حجة. قال: ما قبلت منها شيئا ولا واحدة. ثم قال: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: جئتك بثلاثمائة وستين ختمة للقرآن قال: ما قبلت منها واحدة. ثم قال: فبماذا جئتني يا منصور؟ قال: جئتك بك، قال سبحانه: الآن جئتني، اذهب فقد غفرت لك (٢)!! ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، وإنما يصل إلى الله عارفوه. فصل وأما الكافر فتؤخذ نفسه عنفا، فإذا وجهه كأكل الحنظل، والملك يقول:

стр. 74

أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث، فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير، فإذا قبضها عزرائيل (١) ناولها زبانية قباح الوجوه، سود الثياب منتني الرائحة، بأيديهم مسوح من شعر، فيلفونها فيستحيل شخصا إنسانيّا على قدر الجرادة، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني في الجسم في الآخرة. وفي الصحيح: «أن ضرس الكافر في النار، مثل أحد» (٢). فيعرج به حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول أنا دقيائيل لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب دقيائيل (٣)، فيقال: من معك؟ فيقول: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا ولا سهلا، ولا مرحبا، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فإذا سمع الأمين هذه المقالة، طرحه من يده، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وهو قوله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فإذا انتهى إلى الأرض ابتدرته الزبانية، وسارت به إلى سجين، وهي صخرة عظيمة تأوي إليها أرواح الفجار. وأما النصارى واليهود، فمردودون من الكرسي إلى قبورهم، هذا من كان منهم على شريعته، ويشاهد غسله ودفنه. وأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ذلك، لأنه قد هوي به. وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى حفرته. وأما المقصرون المؤمنون فتختلف أنواعهم، فمنهم ترده صلاته، لأن العبد إذا قصّر في صلاته كان سارقا لها. فتلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجهه. ثم تعرج وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ومنهم من تردّه زكاته لأنه إنما يزكي ليقال: فلان متصدق، وربما وضعها عند النساء، ولقد رأيناه عافانا الله مما حل به، ومن الناس من يرده صومه، لأنه صام عن الطعام ولم يصم عن الكلام، فهو رفث وخسران، فيخرج الشهر وقد بهرجه، ومن الناس من يرده حجّه، لأنه إنما حج ليقال فلان حج، أو يكون حج بمال خبيث، ومن الناس من يرده العقوق، وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات، وتخليص العمل الذي للملك الوهاب، فكل هذه المعاني

стр. 75

جاءت بها الآثار والأخبار، كالخبر الذي رواه معاذ بن جبل ﵁ في رد الأعمال، وغيره. فإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله إن كان قد غسل، فتقعد عند رأسه حتى يغسل، فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالصدر من خارج الصدر، ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله، أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، وإن كان يبشر بالشقاء تقول: رويدا إلى أي عذاب لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، فإذا أدخل القبر وهيل عليه التراب؛ ناداه القبر: كنت تفرح على ظهري، فاليوم تحزن في بطني، كنت تأكل الألوان على ظهري، فالآن يأكلك الدود في بطني، ويكثر عليه مثل هذه الألفاظ الموبخة حتى يسوّى عليه التراب، ثم يناديه ملك يقال له رومان، وهو أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بغيبه وأحكم. *** ٢١ - باب كيفية التوفي للموتى واختلاف أحوالهم في ذلك ذكر الله التوفي في كتابه مجملا ومفصلا: فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وقال: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، فهذا كله مجمل، وقد بينه رسول الله ﷺ على ما يأتي بيانه إن شاء تعالى. وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، وهذا مخصوص بمن قتل من الكفار يوم بدر، باتفاق أهل التأويل، فيما قاله بعض علمائنا، وقد ذكر المهدوي وغيره في ذلك اختلافا، وأن الكفار حتى الآن يتوفون بالضرب والهوان - والله أعلم. وروى مسلم في حديث فيه طول قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ، يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة

стр. 76

بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه لضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء الثانية»، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر الحديث (١). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] إلى قوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقد زادت السنة هذا النوع بيانا على ما يأتي. فصل إن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآي، وكيف يقبض ملك الموت في زمن واحد أرواح من يموت بالمشرق والمغرب؟ قيل له: اعلم أن التوفي مأخوذ من: توفيت الدين واستوفيته، إذا قبضته، ولم يدع منه شيئا، فتارة يضاف إلى ملك الموت لمباشرته ذلك، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، لأنهم قد يتولون ذلك أيضا، وتارة إلى الله تعالى وهو المتوفّى على الحقيقة كما قال : ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]. فكل مأمور من الملائكة، فإنما يفعل ما يفعل بأمره. وقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. وهذا المعنى منصوص في حديث البراء، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفي الخبر عن النبي ﷺ : «إن ملك الموت ليهيب بالأرواح، كما يهيب أحدكم بفلوّه أو فصيله ألا هلمّ ألا هلمّ». يهيب: يدعو. يقال: أهاب الرجل بغنمه أي صاح بها لتقف أو لترجع، وأهاب بالبعير. قال طرفة يصف ناقته: تريع إلى صوت المهيب وتتقي … بذي خصل روعات أكلب ملبد تريع: معناه: تعود وترجع. وقال الشاعر: طمعت بليلى إذ تريع وإنما … تقطع أرقاب الرجال المطامع والخصل: أطراف الشجر المتدلية، والروعات: جمع روعة وهي الفزعة،

стр. 77

وأكلب الرجل إذا أكلبت إبله، والكلب شبيه بالجنون، وقال جميعه الجوهري. وقال القتال الكلابي: أهابوا به فازداد بعد وصدّه … عن القرب منهم ضوء برق ووابله يعني فصل السهم. فأخبر ﷺ أنه يدعو الأرواح التي يتوفاها الله ويقبضها. وفي الخبر: «أن ملك الموت جالس وبين يديه صحيفة يكتب فيها له في ليلة النصف من شعبان». وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم من الأرزاق والآجال في قول بعض العلماء كعكرمة وغيره. والصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة القدر من شهر رمضان، وهو قول قتادة والحسن ومجاهد وغيرهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ [الدخان: ١ - ٣] يعني القرآن ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يعني ليلة القدر، وهذا بيّن (١). وقال ابن عباس: إن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلّمها إلى أربابها في ليلة القدر (٢). وكان هذا جمعا بين القولين والله أعلم. فإذا انقضى عمر ذلك الشخص الذي حان قبض روحه، سقطت ورقة من سدرة المنتهي التي فيها اسمه على اسمه في الصحيفة، فعرف أن قد فرغ أجله وانقطع أكله. وفي الخبر؛ أن ملك الموت تحت العرش يسقط عليه صحائف من يموت من تحت العرش. الصحف هنا ورق السدرة. والله أعلم. وكما في الخبر قبله: فإذا نظر إلى الإنسان، قد نفد رزقه وانقطع أكله، ألقى عليه سكرات الموت، فغشيته كرباته، وأدركته سكراته. وفي خبر الإسراء عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: «مررت على ملك آخر جالس على كرسي، إذا جميع الدنيا ومن فيها بين ركبتيه، وبيده لوح مكتوب ينظر فيه، لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا ملك الموت فقلت: يا ملك الموت! كيف تقدر على قبض جميع أرواح من في الأرض برّها وبحرها؟ قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي، وجميع الخلائق بين عيني، ويداي تبلغان المشرق والمغرب؟ فإذا نفد أجل عبد نظرت إليه، فإذا نظرت إليه عرف أعواني من الملائكة أنه

стр. 78

مقبوض، غدوا فبطشوا به يعالجون نزع روحه، فإذا بلغوا بالروح الحلقوم، علمت ذلك فلم يخف عليّ شيء من أمره، مددت يدي فأنزعه من جسده وآلي قبضه» (١). وفي الخبر؛ أنه ينزل عليه أربعة من الملائكة: ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسر. ذكره أبو حامد. وقال: وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله، على ما يتحيزون إليه من عالمهم، فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم، وربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى، وظن أن ذلك من فعل الشيطان به، فيسكت حين يعقل لسانه وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والنفس تنسلّ انسلال القذاة من السقا. والفاجر تسل روحه كالسّفود من الصوف المبلول. هكذا حكى صاحب الشرع ﵇. والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا، كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، فإذا احتضرت نفسه إلى القلب، مات لسانه عن النطق فما أحد ينطق، والنفس مجموعة في صدره لسرّين: أحدهما: أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة فيه، ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في الصدر بقي مدهوشا، فتارة لا يقدر على الكلام، وكل مطعون يطعن يصوّت، إلا مطعون الصدر فإنه يخر من غير تصويت. وأما السر الآخر؛ فلأن الذي فيه حركة الصوت المندفعة من الحرارة الغريزية فصار نفسه متغير الحالتين، حال الارتفاع والبرودة، لأنه فقد الحرارة، فعند هذا الحين تختلف أحوال الموتى، فمنهم من يطعنه الملك حينئذ بحربة مسمومة قد سقيت سمّا من نار فتفر الروح، وتفيض خارجة، فيأخذها الملك في يده وهي ترعد أشبه شيء بالزئبق، على قدر الجرادة شخصا إنسانيّا، ثم يناولها الزبانية. ومن الموتى من تجذب نفسه رويدا حتى تنحصر في الحنجرة، وليس يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب، فحينئذ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة. قال الشيخ المؤلف ﵀: لم أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرا إلا ما ذكره أبو نعيم الحافظ. قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن محمود قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا ثور ابن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت عليه

стр. 79

السلام حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، فإذا انقضى أجل عبد من الدنيا، ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات (١). وروى سليمان بن معمر الكلابي قال: حضرت مالك بن أنس وأتاه رجل فسأله: يا أبا عبد الله، البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مالك طويلا ثم قال: لها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. ذكره الخطيب أبو بكر ﵀. *** ٢٢ - باب ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر قال علماؤنا ﵏: وأما مشاهدة ملك الموت ﵇ وما يدخل على القلب منه من الروع والفزع، فهو أمر لا يعبر عنه لعظم هوله وفظاعة رؤيته، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الذي يتبدّى له ويطلع عليه، وإنما هي أمثال تضرب وحكايات تروى. روي عن عكرمة أنه قال: رأيت في بعض صحف شيث أن آدم ﵇ قال: يا رب أرني ملك الموت حتى أنظر إليه، فأوحى الله تعالى إليه: إن له صفات لا تقدر على النظر إليها وسأنزل عليك في الصورة التي يأتي فيها الأنبياء والمصطفين، فأنزل الله عليه جبريل وميكائيل، وأتاه ملك الموت في صورة كبش أملح، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح، منها جناح جاوز السموات والأرض، وجناح جاوز الأرضين، وجناح جاوز أقصى المشرق، وجناح جاوز أقصى المغرب، وإذا بين يديه الأرض بما اشتملت عليه من الجبال والسهول والغياض والجن والإنس والدواب، وما أحاط بها من البحار، وما علاها من الأجواء، في ثغرة نحره كالخردلة في فلاة من الأرض، وإذا له عيون لا يفتحها إلا في مواضع فتحها، وأجنحة لا ينشرها إلا في مواضع نشرها، وأجنحة للبشرى ينشرها للمصطفين، وأجنحة للكفار فيها سفافيد وكلاليب ومقاريض. فصعق آدم صعقة

стр. 80

لبث فيها إلى مثل تلك الساعة من اليوم السابع، ثم أفاق وكأن في عروقه الزعفران. ذكر هذا الخبر ابن ظفر الواعظ المكنى أبا هاشم محمد بن محمد في كتاب «النصائح». وروي عن ابن عباس؛ أن إبراهيم - خليل الرحمن - سأل ملك الموت أن يريه كيف يقبض روح المؤمن، فقال له: اصرف وجهك عني فصرف، ثم نظر إليه فرآه في صورة شاب حسن الصورة، حسن الثياب، طيب الرائحة، حسن البشر، فقال له: والله لو لم يلق المؤمن من السرور شيئا سوى وجهك كفاه، ثم قال له: أرني كيف تقبض روح الكافر، فقال له: لا تطيق ذلك، قال: بلى أرني، قال: اصرف وجهك عني فصرف وجهه عنه، ثم نظر إليه فإذا صورة إنسان أسود رجلاه في الأرض ورأسه في السماء كأقبح ما أنت راء من الصور، تحت كل شعرة من جسده لهيب نار، فقال له: والله لو لم يلق الكافر سوى نظرة إلى شخصك لكفاه. قال الشيخ المؤلف ﵀: وسيأتي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ في الملائكة في حديث البراء وغيره إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس أيضا: كان إبراهيم ﵇ رجلا غيورا، وكان له بيت يتعبد فيه، فإذا خرج أغلقه، فرجع ذات يوم فإذا هو برجل في جوف البيت، فقال: من أدخلك داري؟ فقال: أدخلنيها ربها، قال إبراهيم: أنا ربها، قال: أدخلنيها من هو أملك بها منك، قال: فمن أنت من الملائكة؟ قال: أنا ملك الموت. قال: أتستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن؟ قال: نعم، ثم التفت إبراهيم فإذا هو بشاب فذكر من حسن وجهه، وحسن ثيابه، وطيب رائحته، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك لكان حسبه، ثم قبض روحه ﷺ . فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يتعجب من كون ملك الموت يرى على صورتين لشخصين، فما ذلك إلا مثل ما يصيب الإنسان بتغير الخلقة في الصحة والمرض، والصغر والكبر، والشباب والهرم، وكصفاء اللون بملازمة الحمام، وشحوبة الوجه بتغير اللون بلفح الهواجر في السفر، غير أن قضية الملائكة ﵈ يجري ذلك منهم في اليوم الواحد والساعة الواحدة، وإن لم يجر هذا على الإنسان إلا في الأوقات المتباعدة والسنين المتداولة، وهذا بيّن فتأمله.

стр. 81

٢٣ - باب ما جاء أن ملك الموت ﵇ هو القابض لأرواح الخلق وأنه يقف على كل بيت في كل يوم خمس مرات وعلى كل ذي روح كل ساعة وأنه ينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. وروي عن ابن عمر قال: إذا قبض ملك الموت روح المؤمن قام على عتبة الباب، ولأهل البيت ضجة، فمنهم الصاكة وجهها، ومنهم الناشرة شعرها، ومنهم الداعية بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: فيم هذا الجزع؟! فو الله ما أنقصت لأحد منكم عمرا، ولا أذهبت لأحد منكم برزق، ولا ظلمت لأحد منكم شيئا، فإن كانت شكايتكم وسخطكم عليّ؛ فإني والله مأمور، وإن كان ذلك على ميّتكم؛ فإنه في ذلك مقهور، وإن كان ذلك على ربكم؛ فأنتم به كفرة، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، فلو أنهم يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم. خرّجه أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب «اللؤلؤيات» له. وروي معناه مرفوعا في الخبر المشهور المروي في «الأربعين» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله، وانقطع أجله، ألقى عليه غمرات الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، والباكية لشجوها، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: ويلكم مم الفزع ومم الجزع؟ ما أذهبت لأحد منكم رزقا، ولا قربت له أجلا ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا». قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على النعش رفرفت روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي! ويا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حلّه

стр. 82

ومن غير حلّه، ثم خلّفته لغيري، فالمهنأة له والتبعة عليّ، فاحذروا ما حل بي» (١). وروى جعفر بن محمد، عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت ﵇: يا محمد طب نفسا وقرّ عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر، إلا وأنا أتفحّصهم في كل يوم خمس مرات، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم لأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يتفحّصهم عند مواقيت الصلاة. ذكره الماوردي. قال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه. قال ابن عطية: وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت، كأنه يعدم حياتها، قال: وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك الموت وملائكة معه في قبض أرواحهم، فخلق الله ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح وانسلالها من الأجسام، وإخراجها منه، وخلق جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره. فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] والباري سبحانه خالق الكل الفاعل حقيقة لكل فعل. قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ [يونس: ٥٦]. فملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يعالجون، والله يزهق الروح. وهذا هو الجمع بين الآي والحديث، لكنه لما كان ملك الموت متولى ذلك بالوساطة والمباشرة؛ أضيف التوفي إليه، كما أضيف الخلق للملك. قال الشيخ المؤلف ﵀: كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن

стр. 83

أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح» (١). الحديث خرجه مسلم وغيره. قوله: يجمع خلقه في بطن أمه؛ قد جاء مفسرا عن ابن مسعود ﵁ رواه الأعمش عن خيثمة. قال: قال عبد الله: «إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرا؛ طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دما في الرحم، فذلك جمعها» (٢). وفي «صحيح مسلم» أيضا: عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وشعرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم يقول: أي ربّ أذكر أم أنثى؟» (٣)، وذكر الحديث. وما قبله يفسره ويبينه، لأن النطفة لا يبعث الملك إليها إلا بتمام ثنتين وأربعين ليلة فتأمله. ونسبة الخلق والتصوير للملك؛ نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عنه التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا تراه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة. فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين، إذ لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قوله: «ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح»» أي: أن النفخ فيه سبب يخلق الله فيه الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره، فتأمل ذلك. هذا هو الأصل، وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال والقائلين بالطبائع وغيرهم. وأن الله هو القابض لأرواح جميع الخلق على الصحيح، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط. وقد سئل مالك بن أنس عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قال نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. وفي الخبر: أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت

стр. 84

الأحياء. وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سخّرتما له من الصنع، وأنا المميت والمحيي، لا مميت ولا محيي سواي. ذكره أبو حامد في «الإحياء» (١). وذكر أبو نعيم الحافظ عن ثابت البناني قال: «الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، ليس منها ساعة تأتي على ذوي روح إلا وملك الموت قائم عليها، فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب» (٢). وهذا عام في كل ذي روح. وفي خبر الإسراء عن ابن عباس ﵁ فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها وبحرها؟ الحديث وقد تقدم. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة. قال: إذا ضحك العبد الذي بعث إليه قال: يقول: عجبا بعثت إليه لأقبض روحه وهو يضحك» (٣) والله أعلم. *** ٢٤ - باب ما جاء في سبب قبض ملك الموت لأرواح الخلق روى الزهري ووهب بن منبه وغيرهما ما معناه: إن الله أرسل جبريل ﵇ ليأتيه من تربة الأرض، فأتاها ليأخذ منها فاستعاذت بالله من ذلك فأعاذها، فأرسل ميكائيل فاستعاذت منه فأعاذها، فبعث (عزرائيل) فاستعاذت منه؛ فلم يعذها فأخذ منها، فقال الرب ﵎: أما استعاذت بي منك؟ قال: نعم. قال: فهلا رحمتها كما رحمها صاحباك؟ قال: يا رب طاعتك أوجب عليّ من رحمتي إياها. قال الله : اذهب فأنت ملك الموت سلطتك على قبض أرواحهم فبكى. فقال ما يبكيك؟ فقال: يا رب إنك تخلق من هذا الخلق أنبياء وأصفياء ومرسلين، وإنك لم تخلق خلقا أكره إليهم من الموت، فإذا عرفوني أبغضوني وشتموني.

стр. 85

قال الله تعالى: إني سأجعل للموت عللا وأسبابا ينسبون الموت إليها ولا يذكرونك معها، فخلق الله الأوجاع وسائر الحتوف (١). وقد روي هذا الخبر عن ابن عباس ﵁، قال: «رفعت تربة آدم من ستة أرضين، وأكثرها من السادسة، ولم يكن فيها من الأرض السابعة شيء، لأن فيها نار جهنم، قال: فلما أتى ملك الموت بالتربة قال له ربه: أما استعاذت بي منك؟» الحديث بلفظه ومعناه، ذكره القتيبي، وزاد: فقالت الأرض: يا رب خلقت السموات فلم تنقص منها شيئا وخلقتني فنقصتني. فقال لها الرب: وعزّتي وجلالي لأعيدنهم إليك برّهم وفاجرهم، فقالت: وعزتك لأنتقمن ممن عصاك. قال: ثم دعا بمياه الأرض مالحها وعذبها، وحلوها ومرها، وطيبها ومنتنها، فسقى منه تربة آدم، فأقام يخمره أربعين صباحا، وقال آخرون: أربعين سنة لم ينفخ فيه الروح، فكانت الملائكة تمر به فيقفون ينظرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: إن ربنا لم يخلق خلقا أحسن من هذا، وإنه خلق لأمر كائن، ويمر به إبليس اللعين فيضرب بيده عليه فيسمع له صلصلة، وهو الصلصال الفخار، فقال إبليس: إن فضّل هذا عليّ لم أطعه، وإن فضّلت عليه أهلكته، هذا من طين وأنا من نار. وقد قيل: إن الذي أتى بتربة الأرض إبليس وإن الله بعثه بعد ملكين، فاستغاثت بالله منه، فقالت: إني أعوذ بالله منك، ثم أخذ منها وصعد إلى ربه فقال: ألم تستعذ بي منك؟ فقال: بلى يا رب. فقال الله : وعزّتي لأخلقن مما جنت يداك خلقا يسوؤك، والله أعلم. *** ٢٥ - باب ما جاء أن الروح إذا قبض تبعه البصر (ابن ماجه) عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد

стр. 86

شق بصره فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر». خرجه مسلم أكمل من هذا وقد تقدم (١). وروى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا. بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه» (٢). وفي غير الصحيح عن النبي ﷺ ، أن الميت أول ما يشقّ بصره لرؤية المعراج وهو سلّم بين السماء والأرض من زمردة خضراء أحسن ما رئي قط، فذلك حين يمد بصره إليه. فصل في قوله ﵇: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، وقوله: «فذلك حين يتبع بصره نفسه»، ما يستغنى به عن قول كل قائل في الروح والنفس، وإنهما اسمان لمسمى واحد، وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله تعالى. *** ٢٦ - باب ما جاء في تزاور الأموات في قبورهم واستحسان الكفن لذلك (مسلم) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه إن استطاع» (٣). وخرّج أبو نصر؛ عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني الحافظ، في كتاب «الإنابة عن مذهب السلف الصالح في القرآن وإزالة شبه الزائغين بواضح البرهان»؛ أخبرنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن بندار، قال: حدّثنا أبو عروة، قال: حدّثنا محمد بن المصفى، قال: حدّثنا معاوية، قال: حدّثنا إبراهيم بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم» (٤). وقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفّن في ثيابه التي كان يصلي فيها.

стр. 87

٢٧ - باب الإسراع بالجنازة وكلامها (البخاري) عن أبي سعيد الخدري: كان النبي ﷺ يقول: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق» (١). وقد تقدّم من حديث أنس أنها تقول: «يا أهلي ويا ولدي» الحديث. (البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم». خرّجه مسلم أيضا (٢). فصل صعق: مات، والإسراع؛ قيل معناه: الإسراع بحملها إلى قبرها في المشي، وقيل: تجهيزها بعد موتها لئلا تتغير، والأول أظهر لما رواه النسائي؛ قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا عيينة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: «شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: رويدا رويدا، بارك الله فيكم، فكانوا يدبّون دبيبا حتى إذا كنا ببعض الطريق لحقنا أبو بكرة ﵁ يمشي على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون؛ حمل عليهم ببغلته وأهوى عليهم بالسوط. وقال: خلّوا فوالذي كرّم وجه أبي القاسم لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم» (٣). صححه أبو محمد عبد الحق. وروى أبو داود من حديث أبي ماجدة عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا محمّدا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: «دون الخبب، إن يكن خيرا تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار» (٤). ذكره أبو عمر ابن عبد البر. وقال: والذي عليه جماعة أهل العلم في ذلك الإسراع فوق السجية

стр. 88

قليلا، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء، ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة من يتبعها. وقال إبراهيم النخعي: نصوا بها قليلا، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى. السجية: العادة. *** ٢٨ - باب بسط الثوب على القبر عند الدفن (أبو هدبة) إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ تبع جنازة، فلما صلّى عليها دعا بثوب فبسط على القبر وهو يقول: «لا تتطلعوا في القبر، فإنها أمانة، فلعسى يحل العقدة فيرى حية سوداء متطوقة في عنقه، فإنها أمانة ولعله يؤمر به فيسمع صوت السلسلة» (١). وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن الشعبي، عن رجل، أن سعد بن مالك، قال: أمر النبي ﷺ بثوب فستر على القبر حين دفن سعد بن معاذ، قال: وقال سعد: إن النبي ﷺ نزل في قبر سعد بن معاذ وستر على القبر بثوب، فكنت فيمن أمسك الثوب (٢). فصل اختلف العلماء في هذا الباب، فكان عبد الله بن يزيد وشريح وأحمد بن حنبل يكرهون مدّ الثوب على الرجل، وكان أحمد وإسحاق يختاران أن يفعل ذلك بقبر المرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يضر عندهم أن يفعلوا ذلك بقبر الرجل. وقال أبو ثور: لا بأس بذلك في قبر الرجل والمرأة. وكذلك قال الإمام الشافعي، وستر المرأة عند ذلك آكد من ستر الرجل. ذكره ابن المنذر. قال الشيخ المؤلف ﵀: ويستر الرجل والمرأة للعلة التي جاءت في حديث

стр. 89

أنس، اقتداء بفعله ﵊ في ستر سعد بن معاذ (١) - والله أعلم. ولقد أخبرني بعض أصحابنا: أنه سمع صوت جر السلسلة في قبره وأخبرني صاحبنا الفقيه العالم شيخ الطريقة أبو عبد الله محمد بن أحمد القصري ﵀، أنه توفي بعض الولاة بقسطنطينة فحفر له، فلما فرغوا من الحفر وأرادوا أن يدخلوا الميت القبر، إذا بحية سوداء داخل القبر، فهابوا أن يدخلوه فيه، فحفروا له قبرا آخر، فلما أرادوا أن يدخلوه إذا بتلك الحية فيه، فحفروا له قبرا آخر فإذا بتلك الحية، فلم يزالوا يحفرون له نحوا من ثلاثين قبرا، وإذا بتلك الحية تتعرض لهم في القبر الذي يريدون أن يدفنوه فيه، فلما أعياهم ذلك سألوا ما يصنعون؟ فقيل لهم: ادفنوه معها. نسأل الله السلامة والستر في الدنيا والآخرة. *** ٢٩ - باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن وبعده وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويدعى ويستغفر له ويتصدق عليه ذكره أبو حامد في كتاب الإحياء وأبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له قال محمد بن أحمد المروزي: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم (٢). وقال علي بن موسى الحداد: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن

стр. 90

قدامة الجوهري يقرأ، فلما دفنا الميت؛ جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءة على القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد: يا أبا عبد الله! ما تقول في مبشر بن إسماعيل؟ قال: ثقة. قال: هل كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم. قال: أخبرني مبشّر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء بن الحجاج، عن أبيه، أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. قال أحمد: فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ (١). قلت: وقد استدلّ بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب، الذي شقّه النبيّ ﷺ باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: «لعله أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا» خرّجه البخاري ومسلم (٢). وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: «فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا»، وقال: «إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء». قالوا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفّف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ (٣). وقد خرّج السّلفي من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مرّ على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات» (٤). وروي من حديث أنس خادم رسول الله ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ المؤمن آية الكرسي، وجعل ثوابها لأهل القبور، أدخل الله تعالى في كلّ قبر مؤمن من المشرق إلى المغرب أربعين نورا، ووسّع الله عليهم مضاجعهم، وأعطى الله للقارئ ثواب ستين نبيّا، ورفع له بكلّ ميت درجة، وكتب له بكلّ ميت عشر حسنات» (٥). وقال الحسن: من دخل المقابر فقال: «اللهم رب الأجساد البالية، والعظام

стр. 91

الناخرة، خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، فأدخل عليها روحا منك، وسلاما منك»؛ إلا كتب له بعددهم حسنات. وروي عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس أنه، قال: «خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلما أخلق الدين جدوده أعطوهم، ولا تستأجروهم فتحرجوهم، فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار» (١) ذكره الثعلبي. قال الشيخ المؤلف ﵀: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل للميت ثوابها؛ فكذلك تصل قراءة القرآن والدعاء والاستغفار، إذ كل ذلك صدقة فإن الصدقة لا تختص بالمال. قال ﷺ ؛ وقد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن فقال: «صدقة» (٢). وقال ﵊: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فإن كلّ تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى» (٣). ولهذا استحب العلماء زيارة القبور، لأن القراءة تحفة الميت من زائره. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أبيه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار» (٤). وقد حكي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري ﵀ فقالت: إن ابنتي ماتت وقد أحببت أن أراها في المنام، فعلّمني صلاة أصلّيها لعلي أراها، فعلّمها صلاة، فرأت ابنتها وعليها لباس القطران، والغل في عنقها، والقيد في رجلها، فارتاعت لذلك، فأعلمت الحسن، فاغتمّ عليها، فلم تمض مدّة حتى رآها الحسن في المنام، وهي في الجنة، على سرير وعلى رأسها تاج. فقالت له يا شيخ: أما تعرفني؟ قال: لا، قالت له: أنا تلك المرأة التي علّمت أمي الصلاة فرأتني في

стр. 92

المنام، قال لها: فما سبب أمرك؟ قالت: مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبيّ ﷺ ، وكان في المقبرة خمسمائة وستون إنسانا في العذاب؛ فنودي: ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي ﷺ !! وقال بعضهم: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار، فلولا أنّ داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة، ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له. وقد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵁ في كتاب «عيون الأخبار» له حكاية فيها طول، رأينا ذكرها لاشتمالها على وعظ وتذكير وتخويف وتحذير وتضرع وابتهال، ودعاء بالموت والانتقال. روي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبّانات فأترحّم على أهل القبور، وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتا لا يتكلمون، وجيرانا لا يتزاورون، وقد صار لهم من بطن الأرض وطاء، ومن ظهرها غطاء، وأنادي: يا أهل القبور! محيّت من الدنيا آثاركم، وما محيّت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم، قال: ثم يبكي بكاء شديدا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر فينام في ظلها. قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر؛ إذ أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه والسلسلة في عنقه، وقد ازرقّت عيناه، واسودّ وجهه، وهو يقول: يا ويلي ماذا حل بي، لو رآني أهل الدنيا ما ركبوا معاصي الله أبدا، طولبت والله باللذات؛ فأوبقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافع لي أو مخبر أهلي بأمري؟! قال الحارث: فاستيقظت مرعوبا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما رأيت، فمضيت إلى داري، وبتّ ليلتي وأنا متفكّر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعني أعود إلى الموضع الذي كنت فيه، لعلي أجد به أحدا من زوّار القبور فأعلمه بالذي رأيت، قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أر أحدا، فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حل بي، ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليّ ربّ الأرباب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي. قال الحارث: فاستيقظت وقد تولّه عقلي بما رأيت وسمعت، فمشيت إلى

стр. 93

داري وبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، لعلي أجد أحدا من زوّار القبور فأعلمه بما رأيت ثم نمت، فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول: ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليّ العذاب، وتقطّعت عني الحيل والأسباب، وغضب عليّ ربّ الأرباب، وغلق في وجهي كل باب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي العزيز الوهاب. قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبا، وهممت بالانصراف فإذا بثلاث جوار قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن، فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر وقالت: السلام عليكم يا أبتاه! كيف هدوؤك في مضجعك؟ وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودّك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك، ثم بكت بكاء شديدا. ثم تقدّمت بنتان فسلّمتا على القبر، ثم قالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا، آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه ونقمته، يا أبتاه! جرت بعدك أمور لو عاينتها لأوهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترها. قال الحارث: فبكيت لما سمعت كلامهن. ثم قمت مسرعا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيتها الجواري! إن الأعمال ربما قبلت، وربما ردّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكنّ المخلّد في هذا القبر، الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني؟ قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن وجوههن وقلن: أيها العبد الصالح؛ وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام وأنا أختلف إلى هذا القبر، أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه، قال: فلما سمعن ذلك مني قلن لي: بشارة ما أضرها، ومصيبة ما أحزنها، نحن نقضي الأوطار، ونعمر الديار، وأبونا يحرق بالنار، فو الله لا قربنا قرار، ولا ضمتنا للذة العيش دار، أو نتضرع للجبار، فلعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار، ثم مضين يتعثرن في أذيالهن. قال الحارث: فمضيت إل داري فبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده، فغلبني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حور وغلمان. قال الحارث: فسلّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي عاينت من أمري ما أحزنك، واطّلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرا فما أيمن طلعتك عليّ، فقلت له: وكيف حالك؟ فقال لي: لما اطلعت عليّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي، أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن وتضرعن لمولاهن، ومرّغن

стр. 94

خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبوني من العزيز الوهاب، فغفر لي الذنوب والأوزار، واستنقذني من النار، وأسكنني دار القرار، بجواز محمد المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري، وما كان من قصتي، ليزول عنهن روعهن، ويفارقهن حزنهن، وتعلمهن أني قد صرت إلى جنات وحور، ومسك وكافور، وعندي غلمان وسرور، وقد عفا عني العزيز الغفور. قال الحارث: فاستيقظت فرحا مسرورا لما رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبت ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن فقد رأيت أباكن في خير عظيم، وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى أجاب دعاءكن، ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن فاشكرنه على ما أولاكن. قال فقالت الصغرى: اللهم يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ الأمل المطلوب؛ قد علمت ما كان من مسألتي ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقالتي من ذلتي، وتنصلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم عبرتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت عما أمرتني، وركبت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك، وعلى أي نعمك أشكرك، ضاق بكثرتها ذرعي فيا أكرم الأكرمين، ومنتهى غاية الطالبين، ومالك يوم الدين، الذي يعلم ما أخفى في الضمير، ويدبر أمر الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك، وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك وأنت على كل شيء قدير، ثم صرخت صرخة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها. قال: ثم قامت الثانية فنادت بأعلى صوتها: يا رب فرّج كربي، وخلّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلّني من حيرتي، وأعانني في شدتي. إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، ونجحت طلبتي، فألحقني بأختي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها. قال: ثم قامت الثالثة: فنادت بأعلى صوتها يا أيها الجبار الأعظم، والملك الأكرم، العالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم والملك القديم والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم

стр. 95

من حرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، باسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء وعلى الجبال فدكدكت، وعلى الرياح فتناثرت، وعلى السموات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي وأنجحت طلبتي، فألحقني بصواحباتي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين أجمعين، آخر الحكاية والله أعلم والحمد لله رب العالمين. وروي من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل المقابر فقرأ بسورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات» (١). ويروى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة (٢). وقد روي إباحة قراءة القرآن عند القبر، عن العلاء بن عبد الرحمن. وذكر النسائي وغيره، من حديث معقل بن يسار المدني، عن النبي ﷺ أنه قال: «اقرءوا يس عند موتاكم» (٣). وهذا يحتمل أن تكون هذه القراءة عند الميت في حال موته، ويحتمل أن تكون عند قبره (٤). قال أبو محمد عبد الحق: حدثني أبو الوليد إسماعيل بن أحمد؛ عرف بابن أفرند وكان هو وأبوه صالحين معروفين، قال: مات أبي رحمة الله، فحدثني بعض إخوانه ممن يوثق بحديثه، قال لي: زرت قبر أبيك فقرأت عليه حزبا من القرآن، ثم قلت يا فلان! هذا قد أهديته لك فماذا لي؟ قال: فهبّت عليّ نفحة مسك غشيتني وأقامت معي ساعة، ثم انصرفت وهي معي، فما فارقتني إلا وقد مشيت نصف الطريق. قال أبو محمد: ورأيت لبعض من يوثق به قال: ماتت لي امرأة؛ فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن، فأهديتها لها، ودعوت الله واستغفرت لها

стр. 96

وسألت، فلما كان في اليوم الثاني حدثتني امرأة تعرفها وتعرفني قالت لي: رأيت البارحة فلانة في النوم - تعني الميتة المذكورة - في مجلس حسن، في دار حسنة، وقد أخرجت لنا أطباقا من تحت سرير كان في البيت، والأطباق مملوءة قوارير أنوار، فقالت لي: هذا أهداه لي صاحب بيتي قال: وما كنت أعلمت بذلك أحدا. قال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا المعنى حديث مرفوع من حديث أنس يأتي في باب «ما يتبع الميت إلى قبره». وقد قيل: إن ثواب القراءة للقارئ، وللميت ثواب الاستماع، ولذلك تلحقه الرحمة. قال تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعا، ويلحقه ثواب ما يهدى إليه من قراءة القرآن، وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكره، ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال، وما يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن. قال ﷺ : يقول الرب ﵎: «من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». رواه الترمذي (١)، وقال فيه: حديث حسن غريب. وقال ﵇: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). والقراءة في معنى الدعاء، وذلك صدقة من الولد، ومن الصاحب والصديق والمؤمنين، حسب ما ذكرناه، وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدا عمل أحد. قيل له: هذه آية اختلف في تأويلها أهل التأويل. فروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء (٣). يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ [النساء: ١١]. وقال الربيع بن أنس:

стр. 97

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] يعني: الكافر. وأما المؤمن فله ما سعى، وما سعى له غيره (١). قلت: وكثير من الأحاديث تدل على هذا القول، ويشهد له، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (٢). وقال ﵇ للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه: «حجّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (٣). وروي أن عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته وأعتقت عنه. وقال سعد للنبي ﷺ : إنّ أمي توفيت، أفأتصدّق عنها؟ قال: «نعم» قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» (٤). وفي «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمّته، أنها حدّثته، عن جدّته، أنها جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها (٥). قلت: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ خاصّا في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: قال الله : «إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة» (٦). والقرآن دال على هذا؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾

стр. 98

[الأنعام: ١٦٠] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال في الآية الأخرى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا كله تفضّل من الله تعالى، وطريق العدل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فإذا تصدّق عنه غيره فليس يجب له شيء، إلا أن الله يتفضل عليه بما لم يجب له، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف، إلى ألف ألف حسنة. كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «إن الله ليجزي عن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟» فقال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» (١). فهذا تفضّل، وقد تفضّل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل، فما ظنك بعمل المؤمن عن نفسه أو عن غيره؟! وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور، قال: «سنّة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرءوا معه سورة البقرة». ولقد أحسن من قال: زر والديك وقف على قبريهما … فكأنني بك قد حملت إليهما في أبيات يقول في آخرها: وقرأت من آي الكتاب بقدر ما … تستطيع وقد بعثت ذاك إليهما وإنما طولنا النّفس في هذا الباب، لأن الشيخ الفقيه القاضي الإمام مفتي الأنام عبد العزيز بن عبد السلام ﵀، كان يفتي بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]؛ فلما توفي ﵀، رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه وسأله عن ذلك، فقال له: إنك كنت تقول: إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه، فكيف الأمر؟ فقال له: إني كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى في ذلك، وأنه يصل إليه ذلك (٢). ***

стр. 99

٣٠ - باب يدفن العبد في الأرض التي خلق منها (أبو عيسى الترمذي) عن مطر بن عكامس (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» أو قال: «بها حاجة» (٢). قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي عزة، وهذا حديث حسن غريب، ولا يعرف لمطر بن عكامس عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. وعن أبي عزة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض، جعل له إليها حاجة» أو قال: «بها حاجة» (٣). قال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو عزة له صحبة، واسمه يسار بن عبيد. وأنشدوا: إذا ما حمام المرء كان ببلدة … دعته إليها حاجة فيطير وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول»، عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يطوف ببعض نواحي المدينة، وإذا بقبر يحفر، فأقبل حتى وقف عليه، فقال: «لمن هذا؟» قيل: لرجل من الحبشة، فقال: «لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه حتى دفن في الأرض التي خلق منها» (٤). وعن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ؛ هذا ما استودعتني» خرّجه ابن ماجه أيضا (٥). فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فائدة هذا الباب تنبيه العبد على التيقظ للموت

стр. 100

والاستعداد له بحسن الطاعة، والخروج عن المظلمة، وقضاء الدين، وإتيان الوصية بماله أو ما عليه في الحضر، فضلا عن أوان الخروج عن وطنه إلى سفر، فإنه لا يدري أين كتبت منيته من بقاع الأرض. وأنشد بعضهم: مشيناها خطّى كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطّى مشاها وأرزاق لنا متفرقات … فمن لم تأته منا أتاها ومن كتبت منيته بأرض … فليس يموت في أرض سواها وقد روي في الآثار القديمة: أن سليمان ﵇ كان عنده رجل يقول: يا نبي الله! إن لي حاجة بأرض الهند، فأسألك أن تأمر الريح أن يحملني إليها في هذه الساعة، فنظر سليمان إلى ملك الموت ﵇، فرآه يتبسم، فقال: مم تتبسم؟ قال: - تعجبا -: إني أمرت بقبض روح هذا الرجل في بقية هذه الساعة بالهند، وأنا أراه عندك، فروي أن الريح حملته في تلك الساعة إلى الهند، فقبض روحه بها - والله أعلم. *** ٣١ - باب ما جاء أن كل عبد يذرّ عليه من تراب حفرته وفي الرزق والأجل وبيان قوله تعالى ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (أبو نعيم) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا وقد ذرّ عليه من تراب حفرته» (١). قال أبو عاصم النبيل: ما نجد لأبي بكر وعمر ﵄ فضيلة مثل هذه، لأن طينتهما طينة رسول الله ﷺ ، أخرجه في باب ابن سيرين، عن أبي هريرة وقال: هذا حديث غريب من حديث عون، لم نكتبه إلاّ من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة. وروى مرة، عن ابن مسعود، أن الملك الموكّل بالرحم يأخذ النطفة من

стр. 101

الرحم، فيضعها على كفه، ثم يقول: يا رب، مخلّقة أو غير مخلقة؟ فإن قال مخلّقة، قال: يا رب ما الرزق؟ ما الأثر؟ ما الأجل؟ فيقول: انظر في أم الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ، فيجد فيه رزقه، وأثره، وأجله، وعمله، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته. فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] خرجه الترمذي الحكيم، أبو عبد الله في «نوادر الأصول». وذكر عن علقمة، عن عبد الله قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، فقال: أي رب أمخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما، وإن قال: مخلقة، قال: أي رب أذكر، أم أنثى؟ أشقي، أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ فيقول: اذهب إلى أم الكتاب، فإنك ستجد هذه النطفة فيها، فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، فالأثر: هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه. وقال محمد بن سيرين: لو حلفت حلفت صادقا بارّا، غير شاك ولا مستثن، أن الله ما خلق نبيه محمدا ﷺ ، ولا أبا بكر، ولا عمر، إلاّ من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة. قلت: وممن خلق من تلك التربة؛ عيسى بن مريم ﵇. على ما يأتي بيانه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. وهذا الباب يبين لك معنى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، ولا تعارض في شيء من ذلك على ما بينا في كتاب «الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة، وآي الفرقان» وهذا الباب يجمع لك ذلك كله فتأمله. ***

стр. 102

٣٢ - باب ما يتبع الميت إلى قبره وبعد موته وما يبقى معه فيه (مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الميت ثلاث، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» (١). وروى أبو نعيم من حديث قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره؛ من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» (٢). هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرّد به أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي، عن العرزمي محمد بن عبيد الله، عن قتادة. وخرّجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه من حديث الزهري؛ حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته؛ علما علّمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته تلحقه بعد موته» (٣). وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنك لتصدّق عن ميتك بصدقة فيجيء بها ملك من الملائكة في أطباق من نور، فيقوم على رأس القبر فينادي: يا صاحب القبر الغريب؛ أهلك قد أهدوا إليك هذه الهدية فاقبلها، قال: فيدخلها إليه في قبره، ويفسح له في مداخله، وينوّر له فيه، فيقول: جزى الله أهلي عني خير الجزاء، قال: فيقول لزيق ذلك القبر أنا لم أخلف لي ولدا ولا أحدا يذكرني بشيء، فهو مهموم والآخر يفرح بالصدقة» (٤). وقال بشار بن غالب: رأيت رابعة العدوية - يعني العابدة - في المنام، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت لي: يا بشار هديتك تأتينا في أطباق من نور، عليها مناديل الحرير، وهكذا يا بشار دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى فاستجيب

стр. 103

لهم يقال: هذه هدية فلان إليك. وقد تقدّم لهذا الباب ما فيه كفاية - والحمد لله. وقال إسماعيل بن رافع: ما من ذي رحم أوصل لذي رحمه، من رجل أتبع ذا رحم بحجّ أو عتق أو صدقة. ٣٣ - باب ما جاء في هول المطلع تقدّم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد» (١) الحديث. ولما طعن عمر بن الخطاب ﵁ قال له رجل: إني لأرجو أن لا تمس جلدك النار، فنظر إليه ثم قال: «إن من غررتموه لمغرور، والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع». وقال أبو الدرداء ﵁: «أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث؛ أضحكني مؤمّل دنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه لا يدري أأرضى الله أم أسخطه؟ وأبكاني؛ فراق الأحبة محمد ﷺ وحزبه، وأحزنني هول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدرى إلى الجنة أو إلى النار». أخرجه ابن المبارك. قال: أخبرنا غير واحد، عن معاوية بن قرة قال: قال أبو الدرداء: فذكره (٢). قال: وأخبرنا محمد، بلغ به أنس بن مالك قال: «ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن؛ أول يوم يجيئك البشر من الله تعالى، إما برضاه وإما بسخطه، ويوم تعرض فيه على ربك آخذا كتابك، إما بيمينك وإما بشمالك، وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور، ولم تبت فيها قط، وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة» (٣). ***

стр. 104

٣٤ - باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده وفي حكمه والاستعداد له (ابن ماجه) عن هانئ بن عثمان، قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» (١). قال: قال رسول الله ﷺ : «ما رأيت منظرا قط إلاّ والقبر أفظع منه» (٢) أخرجه الترمذي. وزاد رزين قال: وسمعت عثمان ينشد على قبر شعرا: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلاّ فإني لا إخالك ناجيا (ابن ماجه) عن البراء: قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى وأبكى، حتى بلّ الثرى، ثم قال: «يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا» (٣). فصل القبر واحد القبور في الكثرة، وأقبر في القلّة، ويقال للمدفن، مقبر. قال الشاعر: لكلّ أناس مقبر بفنائهم … وهم ينقصون والقبور تزيد (٤) واختلف في أول من سنّ القبر؟ فقيل: الغراب لمّا قتل قابيل هابيل. وقيل بنو إسرائيل، وليس بشيء. وقد قيل: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به. فبعث الله غرابا يحثّ التراب على هابيل ليدفنه. فقال عند ذلك: ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيّض الله الغراب له حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: ندمه إنما كان على فقده، لا على قتله.

стр. 105

قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة. ويقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك، فبقي ذلك سنّة لازمة في بني آدم. وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي: جعل له قبرا يوارى إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي. قاله الفرّاء. وقال أبو عبيدة: أقبره: جعل له قبرا وأمر أن يقبر، قال أبو عبيدة: ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم؛ ودخلوا عليه: أقبرنا صالحا، فقال: دونكموه. وحكم القبر: أن يكون مسنّما مرفوعا على وجه الأرض قليلا (١)، غير مبنيّ بالطين والحجارة والجص، فإن ذلك منهي عنه. وروى مسلم عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٢)، وخرّجه الترمذي أيضا عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تجصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (٣). قال علماؤنا ﵏: وكره مالك تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة، وزينة الحياة الدنيا وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت في قبره علمه. وأنشدوا: وإذا وليت أمور قوم ليلة … فاعلم بأنّك بعدها مسؤول وإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنّك بعدها محمول يا صاحب القبر المنقش سطحه … ولعله من تحته مغلول وفي «صحيح مسلم» عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألاّ تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٤). وقال أبو داود في «المراسيل»، عن عاصم بن أبي صالح: رأيت قبر النبي

стр. 106

ﷺ شبرا أو نحوا من شبر، يعني في الارتفاع (١). قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - يسنّم القبر ليعرف، كي يحترم، ويمنع من الارتفاع الكثير، الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تعلي عليها؛ وتبني فوقها تفخيما لها وتعظيما؛ وأنشدوا: أرى أهل القصور إذا أميتوا … بنوا فوق المقابر بالصخور أبو إلا مباهاة وفخرا … على الفقراء حتى في القبور لعمرك لو كشفت الترب عنهم … فما تدري الغنيّ من الفقير ولا الجلد المباشر ثوب صوف … من الجلد المباشر للحرير إذا أكل الثرى هذا وهذا … فما فضل الغنيّ على الفقير؟ يا هذا، أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبحت كفّك منه عند الموت خالية صفرا، وبدلت من بعد غناك وعزّك ذلا وفقرا، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور! أن لا بد من الارتحال، إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثمّ قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان، ما بطشت اليدان، ومشت القدمان ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلا عن هذه الأحوال! إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير، وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك، حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهّم، ولا بد لك أن ستعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعضاة تستمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تنقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائما في غفلة وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدا، أم تحسب أن الموت يقبل الرّشا، أم تميز بين الأسد والرّشا، كلا والله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبور إلاّ العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقّق ما ادّعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾

стр. 107

[النجم: ٣٩، ٤٠] فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدّة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار، عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب الله في الخلوات، رب الأرض والسموات، ولا يغرنّك الأمل، فتزهد عن العمل، أو ما سمعت الرسول حيث يقول، لما جلس على القبور: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا»، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك، يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وأنشدوا: تزوّد من معاشك للمعاد … وقم لله واعمل خير زاد ولا تجمع من الدنيا كثيرا … فإن المال يجمع للنّفاد أترضى أن تكون رفيق قوم … لهم زاد وأنت بغير زاد؟ وقال آخر: إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر: الموت بحر طافح موجه … تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح لا ينفع الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح وقال آخر: أسلمني الأهل ببطن الثرى … وانصرفوا عني فيا وحشتا وغادروني معدما بائسا … ما بيدي اليوم إلا البكا وكلّ ما كان كأن لم يكن … وكلّ ما حذرته قد أتى وذاكم المجموع والمقتنى … قد صار في كفي مثل الهبا ولم أجد لي مؤنسا هاهنا … غير فجور موبق أو بقا فلو تراني وترى حالتي … بكيت لي يا صاح مما ترى وقال آخر: ولدتك إذ ولدتك أمّك باكيا … والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا وروي عن محمد القرشي أنه قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس! إني لكم

стр. 108

ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر، وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدّقوا مخافة يوم عسير. وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلي في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أحوالك اغتبطت؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته، ويقول: استبشر - والله - بأعماله الصالحة، واغتبط - والله - بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور. وسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، وما فيه من الموعظة - إن شاء الله تعالى. *** ٣٥ - باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن (أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدّثني رجل من آل عمر، عن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «من زار قبري - أو قال: من زارني - كنت له شهيدا أو شفيعا، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» (١). وخرّجه أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني عن حاطب، قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني حيّا في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين، بعث من الآمنين يوم القيامة» (٢). وخرّج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: أرسل ملك

стр. 109

الموت إلى موسى ﵇، فلما جاء صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربّه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، وقال له: يضع يده على متن جلد ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر فقال رسول الله ﷺ : «لو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» (١). وفي رواية، قال: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك؛ قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها» وذكر نحوه. قال الترمذي، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها» (٢) صححه أبو محمد عبد الحق. وفي «الموطأ» أن عمر ﵁، كان يقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك» (٣).

стр. 110

وكان سعد بن أبي وقاص؛ وسعيد بن زيد، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها (١). وذلك - والله أعلم - لفضل علموه هناك؛ قال: فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول (٢)؛ ولو لم يكن إلاّ مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرهم لكفى. وروي عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر؛ لما قال له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم؛ جراب من تراب سفح المقطّم؛ يعني: جبل مصر؛ قال: فقلت له: يرحمك الله؛ وما تريد منه؟ قال: أضعه في قبري؛ فقال له: تقول هذا وأنت بالمدينة، وقد قيل في البقيع ما قيل، قال: إنّا نجد في الكتاب الأول أنه مقدّس ما بين القصير إلى اليحموم. فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: البقاع لا تقدّس أحدا ولا تطهّره؛ وإنّما الّذي يقدّسه من وضر الذنوب ودنسها؛ التوبة النصوح، مع الأعمال الصالحة، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما، وهو إذا عمل العبد فيها عملا صالحا، ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفّر سيئاته، وترجح ميزانه؛ وتدخله الجنة؛ وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح العمل؛ لا أنها توجب التقديس ابتداء. وقد روى مالك؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «ما أحبّ أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن في غيره أحب إليّ». ثم بين العلة، فقال: «مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح؛ أو نجاور فاجرا» (٣). وهذا تستوي فيه سائر البقاع، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه؛ لا لفضل ولا لدرجة. فصل إن قال قائل: كيف جاز لموسى ﵇ أن يقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه، فالجواب من وجوه ستة: الأول: أنّها كانت عينا متخيّلة، لا حقيقة لها، وهذا القول باطل؛ لأنه يؤدي
следующие страницы →