← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرد على الملحدة قلت: وهنا فصول ستة في الردّ على الملحدة: الفصل الأول تأمل يا أخي وفقني الله وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث، ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد، وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو ممّا له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيب وخبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض (١). وقد قال بلال في حديث الوادي: «أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك». وقال رسول الله ﷺ ، مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حيز غير هذا» (٢). وقال رسول الله ﷺ : «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» وقال: «فذلك حين يتبع بصره نفسه». وهذا غاية في البيان «ولا عطر بعد عروس» (٣). وقد اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه لك، وهو مذهب أهل السنة، أنه جسم. فقد قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يعني: النفس عند خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم، ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليها. كقول الشاعر: أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر وكل من يقول: إن الروح يموت ويفنى فهو ملحد. وكذلك من يقول: بالتناسخ؛ أنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر؛ حمار أو كلب أو غير ذلك. وإنما هي محفوظة بحفظ الله إمّا منعمة وإما معذّبة. على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 142

الفصل الثاني الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق. وأن الله تعالى يحيي العبد المكلّف في قبره بردّ الحياة إليه، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان. وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار ﷺ وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة، ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم ﵇ غير ما ذكرناه، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرّا، ولقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبر النبي ﷺ بفتنة الميت في قبره وسؤاله منكر ونكير، وهما الملكان له: «يا رسول الله أيرجع إليّ عقلي؟ قال: نعم. قال: إذا أكفيكهما. والله لئن سألاني سألتهما. فأقول لهما: أنا ربي الله فمن ربكما أنتما؟» (١). وخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ ذكر يوما فتّاني القبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁ أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: نعم كهيئاتكم اليوم، فقال عمر: في فيه الحجر (٢). وقال سهل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته، فقلت: له ما فعل الله بك؟ فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء. وقلت: ألمثلي يقال هذا، وقد علّمت الناس جوابكما ثمانين سنة؟ فذهبا. وقالا: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قلت نعم. فقالا: إنه كان يبغض عليّا فأبغضه الله. وفي حديث البراء: «فتعاد روحه في جسده» وحسبك. وقد قيل: إن السؤال والعذاب إنما يكون على الروح دون الجسد. وما ذكرناه لك أولا أصح، والله أعلم. *** الفصل الثالث أنكرت الملحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة عذاب القبر وأنه ليس له حقيقة، واحتجّوا بأن قالوا: إنا نكشف القبر فلم نجد فيه

стр. 143

ملائكة عميا صمّا يضربون الناس بفطاطيس من حديد، ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين، ولا نيرانا ولا تنانين. وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب ولم يتغير، وكيف يصح إقعاده ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدنا بحاله؟ فكيف يجلس ويضرب ولا يتفرق ذلك؟ وكيف يصح إقعاده وما ذكرتموه من الفسحة؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقا ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يتغير علينا؛ فكيف يسعه ويسع الملائكة السائلين له؟ وإنما ذلك إشارة إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني، وإنها لا حقائق لها على موضوع اللغة. والجواب: أنا نؤمن بما ذكرناه، ولله أن يفعل ما يشاء من عقاب ونعيم، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يغيّبه عنا. فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله، إذ هو القادر على كل ممكن جائز، فإنا لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه، ثم نضجعه ونرد الزئبق مكانه، وكذلك يمكننا أن نعمق القبر ونوسّعه حتى يقوم فيه قياما فضلا عن القعود، وكذلك يمكننا أن نوسّع القبر مائتي ذراع فضلا عن سبعين ذراعا، والرب سبحانه أبسط منا قدرة، وأقوى منا قوة، وأسرع فعلا، وأحصى منا حسابا ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ولا رب لمن يدّعي الإسلام إلاّ من هذه صفته، فإذا كشفنا نحن عن ذلك رد الله سبحانه الأمر على ما كان، نعم بل لو كان الميت بيننا موضوعا فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بهما، ويجيبهما من غير أن يسمع الحاضرون جوابهما. ومثال ذلك: نائمان بيننا أحدهما ينعم والآخر يعذّب، ولا يشعر بذلك أحد ممن حولهما من المنتبهين، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه. وقد قال بعض علمائنا: إن دخول الملك القبور جائز أن يكون تأويله؛ اطلاعه عليها وعلى أهلها، وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول ولا قرب، ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولّج في خلال المقابر، فيتوصل إليهم من غير نبش، ويجوز أن ينبشها ثم يعيدها الله إلى مثل حالها على وجه لا يدركها أهل الدنيا. ويجوز أن يكون الملك يدخل من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها. وبالجملة: فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا ممّا لا خلاف فيه. ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئا مما هنالك. فإن قالوا: كل حديث يخالف مقتضى

стр. 144

المعقول يقطع بتخطئة ناقليه (١). ونحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلا ولا يتحرك، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير، وبطون الحيتان وحواصل الطيور، وأقاصي التخوم، ومدارج الرياح، فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصوّر مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ والجواب عن هذا من وجوه أربعة: أحدها: أن الذي جاء بهذا هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وليس لنا طريق إلاّ ما نقلوه لنا من ذلك. الثاني: ما ذكره القاضي لسان الأمة وهو: أن المدفونين في القبور يسألون، والذين بقوا على وجه الأرض؛ فإن الله تعالى يحجب المكلّفين عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء ﵈ لهم. ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل ﵇ على الأنبياء ﵈. وقد قال الله تعالى في وصف الشياطين: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. الثالث: قال بعض العلماء: لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب ونحن لا نشعر به كما أنا نحسب المغمى عليه ميتا، وكذلك صاحب السكتة، وندفنه على حسبان الموت، ومن تفرقت أجزاؤه فلا يبعد أن يخلف الله الحياة في أجزائه. قلت: ويعيده كما كان، كما فعل بالرجل الذي أمر «إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرّى حتى تنسفه الرياح» الحديث وفيه: «فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك أو قال: مخافتك» (٢). خرّجه البخاري ومسلم. وفي التنزيل ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية. الرابع: قال أبو المعالي: المرضيّ عندنا أن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب أو غيره، فيحييها ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل

стр. 145

عقلا. قال بعض علمائنا: وليس هذا بأبعد من الذرّ الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم ﵇ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. *** الفصل الرابع فإن قالوا: ما حكم الصغار عندكم؟ قلنا: هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم، ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، وقد تقدّم. وذكر هنّاد بن السري قال: حدّثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن كان ليصلي على المنفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر» (١). الفصل الخامس فإن قالوا: فما تأويلكم في القبر: «حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة» (٢)؟ قلنا: ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز. وأن القبر يملأ على المؤمن خضرا وهو العشب من النبات، وقد عينه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: هو الريحان، كما في الكافر يفرش له لوحان من نار، وقد تقدم. وقد حمله بعض علمائنا على المجاز والمراد خفة السؤال على المؤمن، وسهولته عليه وأمنه فيه، وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجن، والنعيم فيها بالرياض، يقال: فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة. فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش، وقد رفع الله عنه عينيه الحجاب حتى يرى مد بصره كما في الخبر، وأراد بحفرة النار؛ ضغطة القبر وشدة المسألة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والله أعلم. والأول أصح؛ لأن الله سبحانه ورسوله يقص الحق، ولا استحالة في شيء من ذلك. ***

стр. 146

الفصل السادس روى أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» (١) عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعنّ عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله ﷺ قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وإنّا قد رجمنا بعدهما، وسيكون أقوام من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجّال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا». قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هؤلاء هم القدرية والخوارج، ومن سلك سبيلهم، وافترقوا في ذلك فرقا. فصار أبو الهذيل وبشر: إلى أن من خرج عن سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين، وأن المسألة إنما تقع في تلك الأوقات. وأثبت البلخي وكذلك الجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين. وقال الأكثرون من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة الله تعالى بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، وتقريع الملكين له هو النكير، وقال صالح: عذاب القبر جائز، وأنه يجري على الموتى من غير ردّ الأرواح إلى الأجساد، وأن الميت يجوز أن يألم ويحس ويعلم، وهذا مذهب جماعة من الكرّامية. وقال بعض المعتزلة: إن الله يعذّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام. وزعموا أن سبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران أو المغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد إليهم العقل وجدوا تلك الآلام؛ وأما الباقون من المعتزلة، مثل ضرار بن عمرو وبشر المرّيسي ويحيى بن كامل وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا، وقالوا: إنّ من مات فهو ميّت في قبره إلى يوم البعث وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأخبار الثابتة، وفي التنزيل: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وسيأتي من الأخبار مزيد بيان وبالله التوفيق والعصمة. والله أعلم. ***

стр. 147

٥٠ - باب ما جاء في صفة الملكين صلوات الله عليهما وسلامه، وصفة سؤالهما قد تقدم من حديث الترمذي: أنهما أسودان أزرقان. يقال لأحدهما: منكر، وللآخر: النكير. وروى معمر، عن عمرو بن دينار، وعن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير، إذا متّ وانطلق بك قومك وقاسوا ثلاثة أذرع وشبر، في ذراع وشبر، ثم غسّلوك وكفنوك وحنطوك؛ ثم احتملوك فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتّانا القبر؛ منكر ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجريان كالريح العاصف، يجران شعورهما، معهما مرزبة من حديد، لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلّوها؟ فقال عمر: يا رسول الله إن فرقنا فحق لنا أن نفرق؛ أنبعث على ما نحن عليه؟ قال: «نعم» قال: إذا أكفيكهما» (١). وروى نقله الأخبار عن ابن عباس في خبر الإسراء: أن النبي ﷺ قال: «قلت: يا جبريل وما ذاك؟ قال: منكر ونكير، يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في قبره وحيدا. فقلت: يا جبريل صفهما لي. قال: نعم من غير أن أذكر لك طولهما وعرضهما. ذكر ذلك منهما أفظع من ذلك غير أن أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههما، ومناخرهما ومسامعهما، يكسحان الأرض بأشعارهما، ويحفران الأرض بأظفارهما، مع كل واحد منهما عمود من حديد، لو اجتمع عليه من في الأرض ما حركوه، ويأتيان الإنسان إذا وضع في قبره وترك وحيدا، يسلكان روحه في جسده بإذن الله تعالى، ثم يقعدانه في قبره، فينتهرانه انتهارا يتقعقع منه عظامه وتزول أعضاؤه من مفاصله، فيخر مغشيّا عليه، ثم يقعدانه فيقولان له: إنك في البرزخ فاعقل حالك، واعرف مكانك، وينتهرانه ثانية، ويقولان: يا هذا! ذهبت عنك الدنيا وأفضيت إلى معادك فأخبرنا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن كان مؤمنا بالله لقّنه الله حجّته، فيقول: الله ربي، ونبي محمد، وديني الإسلام،

стр. 148

فينتهرانه عند ذلك انتهارا يرى أن أوصاله تفرقت، وعروقه قد تقطعت، ويقولان له: يا هذا تثبت، يا هذا انظر ما تقول. فيثبته الله عنده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويلقنه الأمان ويدرأ عنه الفزع، فلا يخافهما، فإذا فعل ذلك بعبده المؤمن استأنس إليهما، وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول: تهدداني كيما أشك في ربي وتريداني أن اتخذ غيره وليّا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وهو ربي وربكما، ورب كل شيء، ونبي محمد وديني الإسلام؟ ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول: ربي الله فاطر السموات والأرض، إياه كنت أعبد ولم أشرك به شيئا، ولم أتخذ غيره أحدا ربّا، أفتريدان أن ترداني عن معرفة ربي وعبادتي إياه؟ نعم هو الله الذي لا إله إلا هو. قال: فإذا قال ذلك ثلاث مرات مجاوبة لهما؛ تواضعا له حتى يستأنس إليهما أنس ما كان في الدنيا إلى أهل ودّه، ويضحكان إليه ويقولان له: صدقت وبررت، أقرّ الله عينيك وثبتك، أبشر بالجنة وبكرامة الله، ثم يدفع عنه قبره هكذا وهكذا، فيتسع عليه مدّ البصر ويفتحان له بابا إلى الجنة فيدخل عليه من روح الجنة، وطيب ريحها ونضرتها في قبره ما يتعرف به كرامة الله تعالى، فإذا رأى ذلك استيقن بالفوز فحمد الله، ثم يفرشان له فراشا من إستبرق الجنة، ويضعان له مصباحا من نور عند رأسه، ومصباحا من نور عند رجليه يزهران في قبره، ثم تدخل عليه ريح أخرى، فحين يشمها يغشاه النعاس فينام، فيقولان له: ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن، ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يرى من صورة، وأطيب ريح فيكون عند رأسه، ويقولان: هذا عملك وكلامك الطيب قد مثّله الله لك في أحسن ما ترى من صورة، وأطيب ريح، ليؤنسك في قبرك فلا تكون وحيدا، ويدرأ عنك هوام الأرض وكل دابة وكل أذى، فلا يخذلك في قبرك ولا في شيء من مواطن القيامة، حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى، فنم سعيدا طوبى لك وحسن مآب. ثم يسلمان عليه ويطيران عنه» (١). وذكر الحديث وما يلقى الكافر من الهوان الشديد والعذاب الأليم وحسبك بما تقدم. قلت: وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال؛ لأنه يروي عن عمرو بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، فهو حديث مرتب على أحوال مبينة، ومحتو على أمور مفسرة. فصل قوله: «أتاك فتّانا القبر منكر ونكير». إنما سمّيا فتّاني القبر؛ لأن في سؤالهما انتهارا، وفي خلقهما صعوبة. ألا ترى أنهما سمّيا منكرا ونكيرا؟ فإنما سمّيا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق

стр. 149

الآدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق الطير، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما، جعلهما الله تكرمة للمؤمن يثبته وينصره، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب. قاله أبو عبد الله الترمذي. فصل إن قال قائل: كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفو الأماكن متباعدو القبور في الوقت الواحد، والجسم الواحد، لا يكون في المكانين في الوقت الواحد؟ وكيف تنقلب الأعمال أشخاصا وهي في نفسها أعراض؟ فالجواب عن الأول: ما جرى ذكره في هذا الخبر من عظم جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة، مخاطبة واحدة، يخيل لكل واحد أن المخاطب هو دون سواه. ويكون الله يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما ويسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا معه في قبر واحد، وقد تقدم أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلاّ الثقلين. والله يسمع من يشاء، وهو على كل شيء قدير. والجواب عن الثاني: أن الله يخلق من ثواب الأعمال أشخاصا حسنة وقبيحة، لا أن العرض نفسه ينقلب جوهرا إذ ليس من قبيل الجواهر. ومثل هذا ما صح في الحديث: «أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح» (١). ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأن الموت عرض، وإنما المعنى أن الله سبحانه يخلق شخصا يسمّيه الموت فيذبح بين الجنة والنار! وهكذا كلما ورد عليك في هذا الباب، التأويل فيه ما ذكرت لك، والله سبحانه أعلم. وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. *** ٥١ - باب اختلاف الآثار في سعة القبر على المؤمنين بالنسبة إلى أعمالهم جاء في حديث البخاري ومسلم: «أنه يفسح له سبعون ذراعا» وفي الترمذي:

стр. 150

«سبعون ذراعا في سبعين ذراعا». وفي حديث البراء: «مدّ البصر». وخرّج علي بن معبد عن معاذة قالت: قلت لعائشة ﵂: ألا تخبريننا عن مقبورنا ما يلقى وما يصنع به؟ فقالت: «إن كان مؤمنا فسح له في قبره أربعون ذراعا». قلت: وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر والسؤال، وأما الكافر فلا يزال قبره عليه ضيقا. فنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. سمعت بعض علمائنا يقول: إن حفّارا كان بقرافة مصر يحفر القبور، فحفر ثلاثة أقبر فلما فرغ منها غشيه النعاس، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخا في فرسخ. ثم وقفا على الثاني: فقال أحدهما: اكتب ميلا في ميل. ثم وقفا على الثالث، فقال: اكتب فترا في فتر. ثم انتبه، فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في القبر الثاني، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه أهل البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سعته فترا في فتر. الفتر: ما بين الإبهام والسبابة. نعوذ الله من ضيق القبر وعذابه. *** ٥٢ - باب ما جاء في عذاب القبر وأنه حق وفي اختلاف عذاب الكافرين في قبورهم وضيقها عليهم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه: ١٢٤]. قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود: ضنكا؛ قال: عذاب القبر. وقيل في قوله : ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] هو: عذاب القبر، لأن الله ذكره عقب قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] وهذا اليوم هو اليوم الآخر من أيام الدنيا، فدل على أن العذاب الذي هم فيه هو عذاب القبر، وكذلك قال: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] لأنه غيب. وقال: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] فهذا عذاب القبر في البرزخ وسيأتي.

стр. 151

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ما ينزل بكم من العذاب في القبر، وقوله: ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]؛ يعني في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة فالتكرير للحالتين. وروى زرّ بن حبيش عن علي ﵁ قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ * كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٣] يعني في القبور. وقال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : «أتدرون فيمن نزلت هذه الآية»؟ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه: ١٢٤] «أتدرون ما المعيشة الضنك»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «عذاب الكافر في القبر، والذي نفسي بيده إنه ليسلّط عليه تسعة وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية تسعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة، ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى» (١). وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضرا» (٢). وفي حديث عبد الله بن عمر بن العاص موقوفا: «ثم يؤمر به - يعني الكافر - فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، وترسل عليه ملائكة صمّ عمي يضربونه بفطاطيس لا يسمعون صوته فيرحموه، ولا يبصرونه فيرحموه، ولا يخطئون حين يضربونه، يعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا، يدعو بأن يدوم عليه ذلك ولا يخلص إلى النار» الحديث وقد تقدّم.

стр. 152

فصل لا تظن - يرحمك الله - أن هذا معارض للحديث المرفوع: «أنه يسلّط على الكافر أعمى أصم»، فإن أحوال الكفار تختلف، فمنهم من يتولى عقوبته واحد، ومنهم من يتولى عقوبته جماعة، وكذلك فلا تناقض بين هذا وبين أكل الحيّات لحمه، فإنه يمكن أن يتردد بين هذين العذابين كما قال تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤] فمرة يطعمون الزقوم، وأخرى يسقون الحميم، ومرة يعرضون على النار، وأخرى على الزمهرير. أجارنا الله من عذاب القبر، ومن عذاب النار برحمته وكرامته. وآخر يفرش له لوحان من نار، وآخر يقال له: نم نومة المنهوس. كما أخرجه علي بن معبد عن أبي حازم عن أبي هريرة موقوفا قال: «إذا وضع الميت في قبره أتاه آت من ربه فيقول له: من ربك؟ فإن كان من أهل التثبيت ثبت، وقال: الله ربي. ثم يقال له ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقول: من نبيك؟ فيقول محمد ﷺ ، فيرى بشراه ويبشر، فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأبشرهم فيقال له: نم قرير العين إنّ لك إخوانا لم يلحقوا. وإن كان من غير أهل الحق والتثبيت قيل له: من ربك؟ فيقول: هاه، كالواله، ثم يضرب بمطراق يسمع صوته الخلق إلاّ الجن والإنس. ويقال له: نم كنومة المنهوس» (١). قال أهل اللغة: المنهوس بالسين المهملة: الملسوع نهسته الحية تنهسه. قال الراجز: وذات قرنين طحون الضرس … تنهس لو تمكنت من نهس تدير عينا كشهاب القبس (٢) والمنهوس مرة ينتبه لشدة الألم عليه، ومرة ينام كالمغمى عليه. قال النابعة: فبتّ كأني ساورتني ضئيلة … من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع تسهّد من ليل التمام سليمها … كحلي النساء في يديه قعاقع يبادرها الراقون من سوء سمّها … تطلقه طورا وطورا تراجع ***

стр. 153

٥٣ - باب منه في عذاب الكافر في قبره ذكر الوائلي الحافظ في كتاب «الإنابة» له، من حديث مالك بن مغول، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بينا أنا أسير بجنبات بدر؛ إذ خرج رجل من الأرض، في عنقه سلسلة يمسك طرفها أسود، فقال: يا عبد الله اسقني، فقال ابن عمر: لا أدري أعرف اسمي، أو كما يقول الرجل: يا عبد الله؟ فقال لي الأسود: لا تسقه فإنه كافر. ثم اجتذبه فدخل به الأرض، قال ابن عمر: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «أوقد رأيته؟ ذاك عدوّ الله أبو جهل بن هشام، وهو عذابه إلى يوم القيامة» (١). *** ٥٤ - باب ما يكون منه عذاب القبر واختلاف أحوال العصاة فيه بحسب اختلاف معاصيهم (أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أكثر عذاب القبر من البول» (٢). (البخاري ومسلم) عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ على قبرين فقال: «إنهما ليعذّبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا»، ثم قال: «لعله يخفف عنهما مال ييبسا» وفي رواية «كان لا يستتر عن البول أو من البول» رواهما مسلم. وفي كتاب أبي داود: «وكان لا يستتر من بوله». وفي حديث هناد بن السري «لا يستبرئ من البول» (٣) من الاستبراء. وقال البخاري: «وما يعذّبان

стр. 154

في كبير وإنه لكبير». وأخرجه أبو داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: «بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ ومعي رجل ورسول الله ﷺ بيننا، إذ أتي على قبرين» فقال رسول الله ﷺ : «إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان الآن في قبورهما فأيكما يأتيني من هذا النخل بعسيب»؟ فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته، وكسرت من النخل عسيبا. فأتيت النبي ﷺ فشقّه نصفين من أعلاه، فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا. وقال: «إنه يهون عليهما ما دام من بلولتهما شيء إنهما يعذبان في الغيبة والبول». قال المؤلف ﵀: هذا الحديث والذي قبله يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطبا لا زيادة معه. وقد خرّجه مسلم من حديث جابر الطويل، وفيه: «فلما انتهى إليّ قال: «يا جابر هل رأيت مقامي»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي، فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» قال جابر: «فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ فأرسلت غصنا عن يميني، وغصنا عن يساري، ثم لحقته فقلت: قد فعلت ذلك يا رسول الله»، فعند ذلك قال: «إني مررت بقبرين يعذّبان فأحببت بشفاعتي أن يرفّه عنهما، ما دام الغصنان رطبين». ففي هذا الحديث زيادة على رطوبة الغصن وهي: شفاعته ﷺ ، والذي يظهر لي أنهما قضيتان مختلفتان، لا قضية واحدة، كما قال من تكلّم على ذلك، ويدل عليهما سياق الحديث، فإن في حديث ابن عباس وأبي بكرة عسيبا واحدا شقّه النبي ﷺ بيده نصفين، وغرسهما بيده، وحديث جابر بخلافهما ولم يذكر فيه ما يعذّب بسببه. وقد خرّج أبو داود الطيالسي حديث ابن عباس فقال: حدثنا شعبة، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أتى على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان في غير كبير، أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة»، ثم دعا بجريدة فشقّها نصفين، فوضع نصفا على هذا القبر، ونصفا على هذا القبر. وقال: «عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبتين». ثم قيل: يجوز أن يكونا كافرين، وقوله: «إنهما ليعذبان في غير كبير» يريد بالإضافة إلى الكفر والشرك، أو ما إن كانا مؤمنين، فقد أخبرك أنهما يعذبان بشيء كان منهما ليس بكفر، لكنهما لم يتوبا منه، وإن كانا كافرين فهما يعذّبان في هذين الذنبين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما وجميع خطاياهما. وإن يكونا كافرين أظهر والله أعلم. فإنهما لو كانا مؤمنين لعلما لقرب العهد بتدافن المسلمين يومئذ. قاله ابن برجان في كتاب «الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد».

стр. 155

قلت: والأظهر أنهما كانا مؤمنين وهو ظاهر الأحاديث والله أعلم. (الطحاوي) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «أمر بعبد من عباد الله أن يعذب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه أفاق فقال: لماذا جلدتموني؟ قال إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره» (١). (البخاري) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا»؟ قال: فإن رأى أحد رؤيا قصّها فيقول: «ما شاء الله» فسألنا يوما، فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا. قال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق ليأخذه فما يرجع إلى هذا، حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة. فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت. قالا: نعم؛ الذي رأيت يشق شدقه؛ فكذّاب يحدّث بالكذب، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه؛ فرجل علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة، وأما الذين رأيتهم في الثقب؛ فهم الزناة، والذي رأيته في النهر آكل الربا، والشيخ في أصل الشجرة؛ إبراهيم، والصبيان حوله؛ فأولاد الناس، والذي يوقد النار؛ مالك خازن النار، والدار الأولى؛ دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار؛ فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا

стр. 156

ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب. قالا: ذلك منزلك فقلت: دعاني أدخل منزلي. قال: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك» (١). فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا أبين في أحوال المعذّبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان مناما؛ فمنامات الأنبياء ﵈ وحي، بدليل قول إبراهيم ﵇: ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فأجابه ابنه: ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وأما حديث الطحاوي فنصّ أيضا، وفيه رد على الخوارج ومن يكفر بالذنوب. قال الطحاوي: «وفيه ما يدلّ على أن تارك الصلاة ليس بكافر، لأن من صلى صلاة بغير طهور: فلم يصل، وقد أجيبت دعوته، ولو كان كافرا ما سمعت دعوته لأن الله يقول: ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤]» (٢). وأما حديث البخاري ومسلم فيدل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب، إذ لا يعذب الإنسان إلاّ على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسا على البول، وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال ابن وهب ورواه عن مالك، وهو الصحيح في الباب، ومن صلى ولم يستنثر فقد صلى بغير طهور. تنبيه على غلط ذكر بعض أصحابنا - فيما نقل إلينا عنه - أن القبر الذي غرس عليه النبي ﷺ العسيب، هو قبر سعد بن معاذ، وهذا باطل، إنما صح أن القبر ضغطه - كما ذكرنا - ثم فرج عنه، وكان سبب ذلك ما رواه يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أمية بن عبد الله، أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم في قول رسول الله ﷺ هذا؟ قال ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: «كان يقصر في بعض الطهور من البول» (٣). وذكر هنّاد بن السّري، حدثنا ابن فضيل، عن أبي سفيان، عن الحسن،

стр. 157

قال: أصاب سعد بن معاذ جراحة، فجعله النبي ﷺ عند امرأة تداويه، فقال: إنه مات من الليلة، فأتاه جبريل فأخبره، «لقد مات الليلة فيكم رجل، لقد اهتز العرش لحب لقاء الله إياه» فإذا هو سعد بن معاذ، قال: فدخل رسول الله ﷺ في قبره فجعل يكبر ويهلّل ويسبّح، فلما خرج قيل له: يا رسول الله! ما رأيناك صنعت هكذا قط: قال: «إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله تعالى أن يرفه عنه، وذلك أنه كان لا يستبرئ من البول» (١). وقال السالمي أبو محمد عبد الغالب في كتابه: وأما الأخبار في عذاب القبر فبالغة مبلغ الاستفاضة، منها قوله ﷺ في سعد بن معاذ: «لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلفت لها ضلوعه». قال أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم: فلم ننقم من أمره شيئا، إلا أنه كان لا يستنزه في أسفاره من البول. قلت فقوله ﷺ : «ثم فرج عنه» دليل على أنه جوزي على ذلك التقصير منه، لا أنه يعذّب بعد ذلك في قبره، هذا لا يقوله أحد إلا شاك مرتاب في فضله وفضيلته، ونصحه ونصيحته، ﵁، أترى من اهتز له عرش الرحمن، وتلقّت روحه الملائكة الكرام، فرحين بقدومها عليهم، ومستبشرين بوصولها إليهم، يعذب في قبره بعد ما فرج عنه؟ هيهات هيهات؛ لا يظن ذلك إلاّ جاهل بحقه، غبي بفضيلته وفضله، ﵁ وأرضاه، وكيف يظنّ ذلك وفضائله شهيرة، ومناقبه كثيرة؟ خرجها البخاري ومسلم وغيرهما. وهو الذي أصاب حكم الرحمن في بني قريظة من فوق سبع سماوات، أخبر بذلك رسول الله ﷺ في البخاري ومسلم وغيرهما. باب منه (البيهقي) عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] الآية. قال: أتي بفرس فحمل عليه، قال: كل خطوة منتهى أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ فقال: المهاجرون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف؛ ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما

стр. 158

رضخت؛ عادت كما كانت، لا يفتر عنهم شيء من ذلك. فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة. قال: ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع. قال: يسرحون كما تسرح الأنعام الضريع والزقوم، ورضف جهنم وحجارتها. قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أياديهم لحم في قدر نضيج، ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح. ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلاّ قصفته، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال يقول الله : ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] ثم مرّ على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم شيء من ذلك، قال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: «هذا الرجل يتكلم الكلمة فيندم عليها، فيريد أن يردّها فلا يستطيع» (١). وذكر الحديث. وخرّج من حديث أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله! أخبرنا عن ليلة أسري بك (الحديث) وفيه قال: «فصعدت أنا وجبريل فإذا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك»، قال: وقال الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] فاستفتح جبريل. ثم قال: فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكافرين، فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجّين، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة - يعني بالخوان المائدة التي يؤكل عليها - وعليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام، قال: ثم

стр. 159

مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرّ يقول: اللهم لا تقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون قال فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله . قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء من أمتك؛ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل. قال: فيفتح على أفواههم ويلقمون ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله ، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك؛ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠]، قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله ، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت هنيهة؛ فإذا أنا بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون، فيقال له: كل ما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون من أمتك (وذكر الحديث) (١). وذكر أبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» (٢). *** ٥٥ - باب ما جاء في بشرى المؤمن في قبره قال كعب الأحبار: إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة. فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه، فتقول الصلاة: إليكم عنه، فيأتون من قبل رأسه، فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه، فقد أطال ظمأه لله في دار الدنيا، فيأتون من قبل جسمه، فيقول الحج والجهاد: إليكم عنه، فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله ، لا سبيل لكم عليه، فيأتون من قبل يديه، فتقول الصدقة: كفّوا عن صاحبي؛ فكم من صدقة خرجت من هاتين

стр. 160

اليدين، حتى وقعت في يد الله ابتغاء لوجهه، فلا سبيل لكم عليه، قال: فيقال له: نم هنيئا، طبت حيّا، وطبت ميتا. قلت: هذا لمن أخلص لله في عمله، وصدق الله في قوله وفعله، وأحسن نيته له في سره وجهره، فهو الذي تكون أعماله حجة له، ودافعة عنه، فلا تعارض بين هذا الباب، وبين ما تقدم من الأبواب، فإن الناس مختلفو الحال في خلوص الأعمال. والله أعلم. *** ٥٦ - باب ما جاء في التعوذ من عذاب القبر وفتنته (النّسائي) عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله ﷺ وقال: «إنما يفتن يهود». قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : «هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟» قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر (١). وروى الأئمة عن أسماء عنه ﷺ أنه قال: «وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبا، أو مثل فتنة الدجال لا أدري أيّ ذلك؟» قالت أسماء: يؤتى بأحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: «هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا» ثلاث مرات. ثم يقال له: «نم قد نعلم إنك لتؤمن به فنم صالحا». وأما المنافق أو المرتاب فيقول: «لا أدري أي ذلك؟» قالت أسماء: «فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت». لفظ مسلم (٢). وخرّج البخاري عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (٣). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدّا، أخرجها الأثبات الثقات.

стр. 161

٥٧ - باب ما جاء أن البهائم تسمع عذاب القبر (مسلم) عن زيد بن ثابت قال: بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه؛ إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، كذا كان الجريري يقول، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء» قال: ماتوا في الإشراك. فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» (١). وخرّج أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «دخلت عليّ عجوزان من عجائز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما». فخرجتا ودخل عليّ رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله؛ إن عجوزين من عجائز يهود المدينة قالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. قال النبي ﷺ : «صدقتا، إنهم يعذّبون عذابا تسمعه البهائم»، قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلاّ يتعوّذ من عذاب القبر. خرّجه البخاري أيضا وقال: «تسمعه البهائم كلّها» (٢). وخرج هناد بن السري في «زهده»: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن شقيق، [عن مسروق] (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: «دخلت عليّ يهودية فذكرت عذاب القبر فكذّبتها». فدخل النبي ﷺ عليّ فذكرت ذلك له، فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إنهم ليعذّبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم» (٤). فصل قال علماؤنا: وإنما حادت به البغلة لما سمعت من صوت المعذّبين، وإنما لم يسمعه من يعقل من الجن والإنس؛ لقوله ﵊: «لولا أن لا تدافنوا» (الحديث)، فكتمه الله سبحانه عنا حتى نتدافن بحكمته الإلهية، ولطائفة الربانية، لغلبة الخوف عند سماعه فلا نقدر على القرب من القبر للدفن، أو يهلك الحي عند سماعه،

стр. 162

إذ لا يطاق سماع شيء من عذاب الله في هذه الدار، لضعف هذه القوى. ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف، أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس، وأين صعقة الرعد من صحيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كل من يليه؟ وقد قال ﷺ في الجنازة: «ولو سمعها إنسان لصعق». قلت: هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب ولا هوان. فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال؟ فنسأل الله معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه. (حكاية) قال أبو محمد عبد الحق: حدّثني الفقيه أبو الحكم بن برجان - وكان من أهل العلم والعمل ﵀ أنهم دفنوا ميتا بقريتهم من شرق إشبيلية، فلما فرغوا من دفنه؛ قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبا منهم، فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع، ثم ولّت فارة كذلك - فعلت مرة بعد أخرى - قال أبو الحكم ﵀: فذكرت عذاب القبر، وقول النبي ﷺ : «إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم» والله أعلم بما كان من أمر ذلك الميت. ذكر هذه الحكاية لما قرأ القارئ هذا الحديث في عذاب القبر، ونحن إذ ذاك نسمع عليه كتاب مسلم بن الحجاج ﵁. *** ٥٨ - باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال (مسلم) عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب حدّث عن أهل بدر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس. يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله». قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق نبيّا؛ ما أخطئوا الحدود التي حدّ رسول الله ﷺ . قال: فجعلوا في بئر، بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقّا؟» فقال عمر: يا رسول الله! كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا» (١). وعنه أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثا، فقام عليهم فناداهم؛ فقال:

стр. 163

«يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا»، فسمع عمر قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعون! وأنّى يجيبون! وقد جيفوا؟ قال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر (١). فصل اعلم رحمك الله؛ أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى، واستدلّت بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] وقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصّص، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه - وقد تقدم - وبقوله ﵊: «إنه ليسمع قرع نعالهم» وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما، وغير ذلك مما لا ينكره. وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» و «الاستذكار» من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاّ يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاّ عرفه، ورد عليه¬ السلام» (٢). صححه أبو محمد عبد الحق. وجيفوا معناه: أنتنوا. *** ٥٩ - باب قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية (مسلم) عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال: نزلت في عذاب القبر. يقال له ربك فيقول: الله ربي، ونبيي محمد، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣).

стр. 164

وفي رواية أنه قول البراء، ولم يذكر النبي ﷺ . قلت: وهذا الطريق وإن كان موقوفا فهو لا يقال من جهة الرأي، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله كما في الرواية الأولى، وكما خرّجه النسائي وابن ماجه في سننهما والبخاري في صحيحه، وهذا لفظ البخاري: حدّثنا جعفر بن عمر، قال: حدّثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: إذا أقعد العبد المؤمن في قبره؛ أتى ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الآية (١). وخرّجه أبو داود أيضا في «سننه». فقال فيه: عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وقد مضى هذا المعنى في حديث البراء الطويل مرفوعا - والحمد لله. وقد روى هذا الخبر، أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري. قال أبو سعيد الخدري: كنّا في جنازة مع النبي ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه؛ جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب إلى النار، فيقول له: هذا منزلك لو كفرت بربك، وأما الكافر والمنافق فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت؛ فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين». قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلاّ هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فصل صحّت الأخبار عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة، فلا مطعن فيها ولا

стр. 165

معارض لها. وجاء فيما تقدم من الآثار؛ أن الكافر يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب. قال أبو محمد عبد الحق: «واعلم أن عذاب القبر ليس مختصّا بالكافرين، ولا موقوفا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكلّ على حاله من عمله وما استوجبه من خطيئته وزلله، وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر إنما جاءت في الكافر والمنافق». قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (١): «الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق مما كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام، وممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام والله أعلم». فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويرتاب المبطلون. قال ابن عبد البر: «وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» ومنهم من يرويه: تسأل، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصّت بذلك، وهذا أمر لا يقطع عليه، والله أعلم». وقال أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول»: «وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة، لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل، واعتزلوا وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمدا ﷺ بالرحمة وأمانا للخلق، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف، ثم يرسخ في قلبه، فأمهلوا، فمن هنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرّون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيّض الله لهم فتّاني القبر ليستخرج سترهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، فيثبت الثابت في الحياة الدنيا ويضل الله الظالمين». قال المؤلف: قول أبي محمد عبد الحق أصوب - والله أعلم، فإن الأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على أن الكافر يسأله الملكان، ويختبرانه بالسؤال ويضرب بمطارق من حديد على ما تقدم - والله أعلم. ***

стр. 166

٦٠ - باب ما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه وذلك خمسة أشياء، رباط، قتل، قول، بطن، زمان. الأول: روى مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتّان» (١). فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة» (الحديث)، وقد تقدّم، وهو حديث صحيح، انفرد بإخراجه مسلم. وكذلك ما أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم من أنه يلحق الميت بعد موته، فإن ذلك مما ينقطع بنفاذه وذهابه، كالصدقة بنفاذها، والعلم بذهابه، والولد الصالح بموته، والنخل بقطعه، إلى غير ذلك مما ذكر. والرباط يضاعف أجره لصاحبه إلى يوم القيامة لقوله ﵊: «وإن مات أجرى عليه عمله» وقد جاء مفسرا مبينا في كتاب الترمذي عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ قال: «كلّ ميت يختم على عمله إلاّ الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر». قال حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود بمعناه وقال: «ويؤمن من فتان القبر» (٢). ولا معنى للنماء إلا المضاعفة؛ وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى، لأن أعمال البر لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو، والتحرز منهم بحراسته بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه، هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، وخرّجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «من مات مرابطا في سبيل الله أجرى الله عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن من فتنة القبر، ويبعثه الله آمنا من الفزع الأكبر» (٣).

стр. 167

وخرج أبو نعيم الحافظ، عن جبير بن بكر، وكثير (١) بن مرة، وعمرو بن الأسود، عن العرباض بن سارية ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلاّ المرابط في سبيل الله، فإنه ينمي عليه عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم الحساب» (٢). وفي هذا الحديث وحديث فضالة بن عبيد قيد ثان؛ وهو: الموت حالة الرباط، والله أعلم. وروي عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها» (٣). وروي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان، أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا». أراه قال: «من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله إلى أهله سالما لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، ويكتب له من الحسنات ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» (٤). فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل به الثواب الدائم، وإن لم يمت مرابطا والله أعلم. أخرجه عن محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدّثنا محمد بن يعلى السلمي، حدّثنا عمرو بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب فذكره (٥). مسألة الرباط: هو الملازمة في سبيل الله. مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي كلّ ملازم لثغر من ثغور المسلمين؛ مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الرباط، وقول النبي ﷺ في منتظري الصلاة: «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، فأما سكان الثغور دائما بأهلهم الذين يعمرون ويكتسبون هناك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين. قاله علماؤنا، وقد بيناه في كتاب «الجامع لأحكام القرآن» من سورة آل عمران (٦) - والحمد لله.

стр. 168

الثاني: روى النسائي عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله؛ ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلاّ الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (١). وخرّج ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» وغيرهما عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ستّ خصال، يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (٢) لفظ الترمذي، وقال حديث حسن صحيح غريب. وقال ابن ماجه: «يغفر له في أول دفعة من دمه». قال: «ويحلّى حلة الإيمان» بدل: «ويوضع على رأسه تاج الوقار» قال ابن ماجه: حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا إسماعيل بن عياش، قال حدّثني بحير بن سعد. وقال الترمذي: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدّثنا نعيم بن حماد قال: حدّثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب فذكره. قال المؤلف ووقع في جميع نسخ الترمذي وابن ماجه: «ست خصال» وهي في متن الحديث: «سبع» وعلى ما ذكر ابن ماجه: «ويحلى بحلة الإيمان» تكون ثمانية، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد بسنده عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ثمانية خصال». الثالث: روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا بقبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فقال ﷺ : «هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» (٣). قال: حديث حسن غريب. وخرّج أيضا عنه ﷺ : «أن من قرأها كل ليلة جاءت تجادل عن صاحبها». وروي أنها المجادلة تجادل عن صاحبها يعني قارئها في القبر. وروي أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتّان.

стр. 169

وأنبأنا الشيخ الفقيه الإمام المحدّث أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي بثغر الإسكندرية حماه الله قال: حدّثني الشيخ الصالح أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري بن أخي الشيخ الإمام أبي بكر، قال: حدّثني الشيخ الشريف أبو محمد يونس بن أبي الحسين بن أبي البركات الهاشمي البغدادي، حدّثنا أبو الوقت، عن الداودي، عن الحموي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، عن عبد الله بن حميد الكشي، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال الرجل: بلى يا ابن عباس رحمك الله. قال: اقرأ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] احفظها وعلّمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنّها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار، إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» (١). وأخبرناه عاليا الشيخ المحدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري التلمساني بثغر الإسكندرية عن شيخه الشريف أبي محمد يونس عن أبي الوقت. وقد تقدم: أن قراءة الرجل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في مرض الموت تنجي من ذلك. الرابع: روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات مريضا مات شهيدا، ووقي فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (٢). وخرّج النّسائي عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن يسار يقول: كنت جالسا عند سليمان بن صرد، وخالد بن عرفطة فذكرا أن رجلا مات ببطنه فإذا هما يشتهيان أن يشهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من يقتله بطنه لم يعذّب في قبره». أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدّثنا شعبة، قال أخبرني جامع بن شدّاد فذكره، وزاد: فقال الآخر: بلى (٣).

стр. 170

الخامس: روى الترمذي عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة إلاّ وقاه الله فتنة القبر» (١). قال هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل. ربيعة بن سيف إنما يروي عن عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو. قلت: قد خرّجه أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» متصلا، عن ربيعة بن سيف الإسكندري، عن عياض بن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر». وأخرجه علي بن معبد عنه - أعني عبد الله بن عمرو - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر». وأخرجه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء» (٢). غريب من حديث جابر ومحمد، تفرّد به عمر بن موسى الوجيهي، وهو مدني فيه لين، عن محمد، عن جابر.

стр. 171

فصل قلت: اعلم رحمك الله أن هذا الباب لا يعارض ما تقدّم من الأبواب، بل يخصّصها ويبيّن من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كلّه ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد ﷺ . وقد روى ابن ماجه في «سننه» عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الميت في قبره مثّلت له الشمس عند غروبها فيجلس فيمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي» (١). ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر، فلا تعارض - والحمد لله. فصل قوله ﵊ في الشهيد: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فرّوا، لأن من شأن المنافق، الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له، لإعلاء كلمته. فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الترمذي الحكيم. قلت: وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصدّيق أجلّ خطرا وأعظم أجرا فهو أحرى أن لا يفتن، لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [النساء: ٦٩] وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ - والله أعلم فتأمله. فصل قوله ﵊: «من مات مريضا مات شهيدا» عام في جميع الأمراض لكن قيده قوله في الحديث الآخر: «من يقتله بطنه» وفيه قولان: أحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرب وهو الإسهال، تقول العرب أخذه البطن إذا أصابه الداء، وذرب الجرح إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته فسدت (٢). الثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه، لأن العرب تنسب موته إلى

стр. 172

بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلاّ بالذرب، فكأنه قد جمع الوصفين وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن إنّ عقله لا يزال حاضرا، وذهنه باقيا إلى حين موته، ومثل ذلك صاحب السلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحال من يموت فجأة، أو من يموت بالسام والبرسام والحميات المطبقة أو القولنج أو الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الآلام، ولزوم أدمغتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف - والله أعلم. باب منه (أبو نعيم) قال: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا ابن سعيد قال: حدّثنا محمد بن حرب الواسطي قال: حدّثنا نصر بن حماد قال: حدّثنا همام قال: حدّثنا محمد بن جحادة، عن طلحة بن مصرّف قال: سمعت خيثمة بن عبد الرحمن يحدّث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من وافق موته عند انقضاء رمضان، دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء عرفة، دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء صدقته، دخل الجنة» (١). غريب من حديث طلحة لم نكتبه إلاّ من حديث نصر عن همام. *** ٦١ - باب ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (البخاري ومسلم) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (٢). فصل قوله: «عرض عليه مقعده» ويروى: «عرض على مقعده». قال علماؤنا: وهذا ضرب من العذاب كبير، وعندنا المثال في الدنيا؛ وذلك كمن عرض عليه القتل أو غيره من آلات العذاب، أو من يهدّد به من غير أن يرى الآلة ونعوذ بالله من عذابه

стр. 173

وعقابه بكرمه ورحمته. وجاء في التنزيل في حق الكافرين: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فأخبر تعالى أن الكافرين يعرضون على النار، كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان، بالخبر الصحيح في ذلك، وهل كل مؤمن يعرض على الجنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله إنجاءه من النار، وأما من أنفذ الله عليه وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فله مقعدان يراهما جميعا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحا وحسنا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة؛ كل من يدخلها، كيفما كان، والله أعلم. ثم قيل: هذا العرض إنما هو على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فيرد إليه الروح، كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان، ويقال له: «انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة» وكيفما كان، فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلا في النائم فإنه روحه تعذّب أو تنعم والجسد لا يحسّ بشيء من ذلك. وقال عبد الله بن مسعود: «أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه داركم»، فذلك قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وعنه أيضا: «أن أرواحهم في جوف طير سود، تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها» وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن ميسرة يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: «أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار» وإذا أمسى ينادي: «أمسينا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار» فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ بالله من النار. وقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، على شفير جهنم، في حواصل طير سود. والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه، لا لهم، إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح، فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قلنا: الجواب عنهما واحد، وسيأتي له مزيد بيان في وصف الجنان - إن شاء الله تعالى. ***

стр. 174

٦٢ - باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم يدل على ذلك قوله ﵊ في حديث ابن عمر: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» وهذه حالة مختصّه بغير الشهداء. وفي «صحيح مسلم» عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرّات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (١). فصل قلت: وهنا اعتراضات خمسة: الأول: إن قيل: ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام»؟ قلنا: هو عموم يخصصه ما ذكرنا، فهو محمول على غير الشهداء. الثاني: فإن قيل: فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» (٢). قلنا: قال أهل اللغة: تعلق بضم اللام تأكل، يقال: علقت تعلق علوقا. ويروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر، ومعناه: تسرح. وهذه حالة الشهداء لا غيرهم، بدليل الحديث المتقدم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ولا يرزق إلا حيّ، فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلاّ للشهيد في سبيل الله، بإجماع

стр. 175

من الأمة. حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين». وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف إنما يملأ عليه قبره خضرا ويفسح له فيه. وقوله: «نسمة المؤمن» أي روح المؤمن الشهيد، يدل عليه قوله في نفس الحديث: «حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم القيامة». الثالث: فإن قيل: فقد جاء أن الأرواح تتلاقى في السماء، والجنة في السماء، يدل عليه قوله ﵇: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء» وفي رواية «أبواب الجنة» (١) قلنا: لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة، بل أرواح المؤمنين - غير الشهداء - تارة تكون في الأرض على أفنية القبور، وتارة في السماء لا في الجنة. وقد قيل: إنها تزور قبورها كل يوم جمعة على الدوام، ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وبكرة السبت فيما ذكر العلماء - والله أعلم (٢). قال ابن العربي: وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذّب أو تنعّم، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ»، لأن عرض مقعده ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذّبون في قبورهم، وكذلك حديث اليهود. قلت: ويحتمل على ما ذكرناه - والله أعلم -: أن يكون قوله ﵇: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا وروحه في قبره إلا عرفه ورد عليه¬ السلام» حتى لا تتناقض الأخبار. والله أعلم. الرابع: فإن قيل: فقد قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه» (٣)، وهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا تكون أرواحهم في جوف طير، ولا تكون في قبورهم فأين تكون؟ قلنا: قد خرّج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «الشّهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» (٤). فلعلهم هؤلاء أو من منعه من

стр. 176

دخول الجنة حقوق الآدميين إذ الدّين ليس مختصا بالمال على ما يأتي. ولهذا قال علماؤنا: أحوال الشهداء طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم ﵇: «من مات مريضا مات شهيدا وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (١). وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي في باب كم الشهداء، إن شاء الله تعالى. الخامس: فإن قيل: فقد روى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لشهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله ، وإن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر؛ فإنه يتولّى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البرّ الذنوب كلها إلا الدّين، ولشهيد البحر الذنوب كلّها والدّين» (٢). قلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء، فإن الله تعالى لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه. قال رسول الله ﷺ : «من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته، فإن لم يؤد عنه السلطان، فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضي خصمه» (٣). والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدين يقضى أو يقبض من صاحبه يوم القيامة إذا مات، إلا من تديّن في ثلاث خلال: الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين ليتقوى به لعدو الله وعدوه، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه، فإن الله يقضي عن هؤلاء يوم القيامة» (٤). وأما من أدان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه، أو ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يوفه، فهذا الذي يحبس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي، فيحتمل أن يكون قوله ﵇ في شهيد البحر عامّا في الجميع، وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء، وكان عزمه ونيته الأداء، لا إتلاف

стр. 177

المال على صاحبه، وقد قال رسول الله ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أذى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرّجه البخاري (١). على أن حديث أبي أمامة في إسناده لين، وأعلى منه إسنادا وأقوى ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين» (٢)، ولم يخص برّا من بحر. وكذلك ما رواه أبو قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله ﷺ : «كيف قلت»؟ فقال: «أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك» (٣). وخرّج أبو نعيم الحافظ بإسناده عن قاضي البصريين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الآدميين؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده، ولكن أصبت إما غرقا وإما حرقا، فيقول الله : أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجّح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة» (٤). رواه من طرق. وقال يزيد بن هارون في حديثه: «فيدعو الله تعالى بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل». غريب من حديث شريح، تفرّد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني. قلت: هذا نص في قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد - والحمد لله الموفق للسداد، والمبين على لسان رسول الله ﷺ ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد. وقد قال بعض العلماء: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها: جنة المأوى؛ لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين، وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها، ويتنسمون من طيب ريحها، وهي تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش. وما ذكرناه أوّلا أصح - والله أعلم. وقد روى ابن المبارك: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال:

стр. 178

حدث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون، يرزقون من [ثمر] الجنة» (١). أخبرنا ابن لهيعة قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقلت: أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون؟ قال: ما تقولون أنتم يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري. قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش، وأرواح الكافرين في الأرض السابعة. (٢) وذكر الحديث. قلت: فهذه حجة من قال: إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة - والله أعلم. على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم - والله أعلم - فيكون المعنى: أرواح المؤمنين الشهداء، وكذا فقلت: أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء - والله أعلم. فصل وقع في حديث ابن مسعود: «أرواحهم في جوف طير خضر» وفي حديث مالك: «نسمة المؤمن طائر». وروى الأعمش، عن عبد الله بن مرة قال: سئل عبد الله بن مسعود عن أرواح الشهداء؟ فقال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها وذكر الحديث. وروى ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: «إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر». وروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «أرواح الشهداء طير خضر تعلّق في شجر الجنة». وهذا كله مطابق لحديث مالك، فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر. قاله أبو عمر في «الاستذكار». وقال أبو الحسن القابسي: «أنكر العلماء قول من قال: «في حواصل طير» لأنها رواية غير صحيحة، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها». قلت: الرواية صحيحة لأنها في «صحيح مسلم» بنقل العدل عن العدل، فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على، فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع

стр. 179

النخل. وجائز أن يسمى الظهر جوفا، إذ هو محيط به ومشتمل عليه. قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جدّا. وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب «الإفصاح»: المنعّم على جهات مختلفة منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما تسرح وتعود إلى جثتها تزورها، ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين، وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇. وهذا قول حسن، فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع، والله بغيبه أعلم وأحكم. *** ٦٣ - باب كم الشهداء؟ ولم سمّي شهيدا؟ ومعنى الشهادة خرّج الآجريّ وغيره عن أبي مالك الأشعري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لذعته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله؛ إنه شهيد، وإن له الجنة» (٢). وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه عن جابر بن عتيك عن النبي ﷺ . (الترمذي) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسة: المبطون والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله » (٣) وقال هذا حديث حسن صحيح. (النسائي) عن جابر: قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء سبعة سوى القتل في

стр. 180

سبيل الله: المطعون، والمبطون، والغرق، والحرق، وصاحب ذات الجنب، والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع» (١)، قيل: هي التي تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه. وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة، سواء ألقت ولدها أو ماتت وهو في بطنها. وقيل: التي تموت بكرا لم يمسها الرجال. وقيل: التي تموت قبل أن تحيض وتطمث. فهذه أقوال لكل قول وجه. وفي جمع لغتان: ضم الجيم وكسرها. وفي بعض الآثار: «المجنوب شهيد» يريد: صاحب الجنب، يقال منه رجل جنب بكسر النون وفتح الجيم إذا كانت به ذات الجنب وهي الشوصة. وفي كتاب الترمذي وأبي داود والنسائي عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى النسائي من حديث سويد بن مقرن قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل دون مظلمة فهو شهيد» (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «موت غربة شهادة» (٤). وأخرجه الدارقطني ولفظه: «موت الغريب شهادة»، وذكره أيضا من حديث ابن عمر وصححه. وأخرجه أبو بكر الخرائطي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات غريبا مات شهيدا». وخرّجه أيضا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات غريبا مات شهيدا»، وقد تقدم قوله ﵊: «من مات مريضا مات شهيدا». وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك» (٥). قال حديث حسن غريب. وذكر الثعلبي عن يزيد الرقاشي، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ
следующие страницы →