← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دخول الجنة حقوق الآدميين إذ الدّين ليس مختصا بالمال على ما يأتي. ولهذا قال علماؤنا: أحوال الشهداء طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم ﵇: «من مات مريضا مات شهيدا وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (١). وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي في باب كم الشهداء، إن شاء الله تعالى. الخامس: فإن قيل: فقد روى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لشهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله ، وإن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر؛ فإنه يتولّى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البرّ الذنوب كلها إلا الدّين، ولشهيد البحر الذنوب كلّها والدّين» (٢). قلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء، فإن الله تعالى لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه. قال رسول الله ﷺ : «من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته، فإن لم يؤد عنه السلطان، فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضي خصمه» (٣). والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدين يقضى أو يقبض من صاحبه يوم القيامة إذا مات، إلا من تديّن في ثلاث خلال: الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين ليتقوى به لعدو الله وعدوه، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه، فإن الله يقضي عن هؤلاء يوم القيامة» (٤). وأما من أدان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه، أو ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يوفه، فهذا الذي يحبس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي، فيحتمل أن يكون قوله ﵇ في شهيد البحر عامّا في الجميع، وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء، وكان عزمه ونيته الأداء، لا إتلاف

стр. 177

المال على صاحبه، وقد قال رسول الله ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أذى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرّجه البخاري (١). على أن حديث أبي أمامة في إسناده لين، وأعلى منه إسنادا وأقوى ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين» (٢)، ولم يخص برّا من بحر. وكذلك ما رواه أبو قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله ﷺ : «كيف قلت»؟ فقال: «أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك» (٣). وخرّج أبو نعيم الحافظ بإسناده عن قاضي البصريين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الآدميين؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده، ولكن أصبت إما غرقا وإما حرقا، فيقول الله : أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجّح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة» (٤). رواه من طرق. وقال يزيد بن هارون في حديثه: «فيدعو الله تعالى بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل». غريب من حديث شريح، تفرّد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني. قلت: هذا نص في قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد - والحمد لله الموفق للسداد، والمبين على لسان رسول الله ﷺ ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد. وقد قال بعض العلماء: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها: جنة المأوى؛ لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين، وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها، ويتنسمون من طيب ريحها، وهي تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش. وما ذكرناه أوّلا أصح - والله أعلم. وقد روى ابن المبارك: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال:

стр. 178

حدث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون، يرزقون من [ثمر] الجنة» (١). أخبرنا ابن لهيعة قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقلت: أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون؟ قال: ما تقولون أنتم يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري. قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش، وأرواح الكافرين في الأرض السابعة. (٢) وذكر الحديث. قلت: فهذه حجة من قال: إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة - والله أعلم. على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم - والله أعلم - فيكون المعنى: أرواح المؤمنين الشهداء، وكذا فقلت: أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء - والله أعلم. فصل وقع في حديث ابن مسعود: «أرواحهم في جوف طير خضر» وفي حديث مالك: «نسمة المؤمن طائر». وروى الأعمش، عن عبد الله بن مرة قال: سئل عبد الله بن مسعود عن أرواح الشهداء؟ فقال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها وذكر الحديث. وروى ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: «إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر». وروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «أرواح الشهداء طير خضر تعلّق في شجر الجنة». وهذا كله مطابق لحديث مالك، فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر. قاله أبو عمر في «الاستذكار». وقال أبو الحسن القابسي: «أنكر العلماء قول من قال: «في حواصل طير» لأنها رواية غير صحيحة، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها». قلت: الرواية صحيحة لأنها في «صحيح مسلم» بنقل العدل عن العدل، فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على، فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع

стр. 179

النخل. وجائز أن يسمى الظهر جوفا، إذ هو محيط به ومشتمل عليه. قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جدّا. وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب «الإفصاح»: المنعّم على جهات مختلفة منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما تسرح وتعود إلى جثتها تزورها، ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين، وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇. وهذا قول حسن، فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع، والله بغيبه أعلم وأحكم. *** ٦٣ - باب كم الشهداء؟ ولم سمّي شهيدا؟ ومعنى الشهادة خرّج الآجريّ وغيره عن أبي مالك الأشعري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لذعته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله؛ إنه شهيد، وإن له الجنة» (٢). وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه عن جابر بن عتيك عن النبي ﷺ . (الترمذي) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسة: المبطون والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله » (٣) وقال هذا حديث حسن صحيح. (النسائي) عن جابر: قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء سبعة سوى القتل في

стр. 180

سبيل الله: المطعون، والمبطون، والغرق، والحرق، وصاحب ذات الجنب، والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع» (١)، قيل: هي التي تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه. وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة، سواء ألقت ولدها أو ماتت وهو في بطنها. وقيل: التي تموت بكرا لم يمسها الرجال. وقيل: التي تموت قبل أن تحيض وتطمث. فهذه أقوال لكل قول وجه. وفي جمع لغتان: ضم الجيم وكسرها. وفي بعض الآثار: «المجنوب شهيد» يريد: صاحب الجنب، يقال منه رجل جنب بكسر النون وفتح الجيم إذا كانت به ذات الجنب وهي الشوصة. وفي كتاب الترمذي وأبي داود والنسائي عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى النسائي من حديث سويد بن مقرن قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل دون مظلمة فهو شهيد» (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «موت غربة شهادة» (٤). وأخرجه الدارقطني ولفظه: «موت الغريب شهادة»، وذكره أيضا من حديث ابن عمر وصححه. وأخرجه أبو بكر الخرائطي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات غريبا مات شهيدا». وخرّجه أيضا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات غريبا مات شهيدا»، وقد تقدم قوله ﵊: «من مات مريضا مات شهيدا». وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك» (٥). قال حديث حسن غريب. وذكر الثعلبي عن يزيد الرقاشي، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ

стр. 181

آخر سورة الحشر إلى آخرها ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] فمات من ليلته مات شهيدا» (١). وخرّج الآجري عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أنس إن استطعت أن تكون أبدا على وضوء فافعل، فإنّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة». وروى الشعبي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر، كتب له أجر شهيد» خرجه أبو نعيم (٢). وروي من حديث أبي هريرة وأبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدا» (٣). وبعضهم يقول: «ليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة واحدة» ذكره أبو عمر في كتاب «بيان العلم». وخرج مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (٤). وعن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٥). وخرج الترمذي الحكيم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من أحد إلا وله كرائم من ماله، يأبى لهم الذبح، وإن لله خلقا من خلقه يأبى لهم الذبح؛ أقوام يجعل موتهم على فرشهم، ويقسم لهم أجور الشهداء». فصل الشهداء: جمع الشاهد، والشهيد: القتيل في سبيل الله. كذلك قال أهل اللغة؛ الجوهري وغيره. وسمّي بذلك لأنه مشهود له بالجنة، فالشهيد بمعنى مشهود له، فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن فارس اللغوي في «المجمل» (٦): «والشهيد القتيل في سبيل الله،

стр. 182

قالوا: لأن ملائكة الله (١) تشهده». وقيل: سمّي شهيدا؛ لأن أرواحهم أحضرت دار السلام، لأنهم ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة. فالشهيد بمعنى الشاهد؛ أي: الحاضر للجنة، وقيل: سمّي بذلك؛ لسقوطه بالأرض، والأرض الشاهدة، وقيل: سمّي بذلك، لشهادته على نفسه لله حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه في قوله الحق: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، فاتصلت شهادة الشهيد الحق، بشهادة العبد، فسمّاه شهيدا، ولذلك قال ﵇: «والله أعلم بمن يكلم في سبيله». وقال في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء»، لبذلهم نفوسهم دونه، وقتلهم بين يديه، تصديقا لما جاء به ﷺ . هذا الكلام في الشهيد. فأما الشهادة، فصفة سمّي حاملها بالشاهد، ويبالغ بشهيد، وللشهادة ثلاثة شروط لا تتم إلا بتمامها وهي: الحضور، والوعي، والأداء. أما الحضور: فهو شهود الشاهد المشهود. والوعي: هو ما شاهده وعلمه في شهوده ذلك. والأداء: هو الإتيان بالشهادة على وجهها في موضع الحاجة إلى ذلك. هذا معنى الشهادة، والشهادة على الكمال، إنما هي لله ، وأن جميع الشاهدين سواه يؤدون شهادتهم عنده، قال الله : ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] والشهداء: هم العدول، وأهل العدالة في الدنيا والآخرة هم القائمون بما أوجب الحق سبحانه عليهم في الدنيا. باب منه روى النسائي عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: «يختصم الشهداء والمتوفّون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفّون من الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا؟ ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا؟ فيقول ربنا : انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم» (٢). وروت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن فناء أمتي بالطعن

стр. 183

والطاعون» قالت: أما الطعن فقد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غدّة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط، من مات منها مات شهيدا» (١). أخرجه أبو عمر في «التمهيد» (٢) و «الاستذكار». *** ٦٤ - باب ما جاء أن الإنسان يبلى ويأكله التراب إلاّ عجب الذّنب (مسلم وابن ماجه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من الإنسان شيء إلا يبلى؛ إلاّ عظم واحد وهو عجب الذّنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» (٣). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» (٤). فصل يقال عجم وعجب بالميم والباء؛ لغتان، وهو جزء لطيف في أصل الصّلب. وقيل: هو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي داود في «كتاب البعث» من حديث أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: «مثل حبة خردل، ومنه تنشئون» (٥). وقوله: «منه خلق ومنه يركب»؛ أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى. ***

стр. 184

٦٥ - باب لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء ولا الشهداء، وأنهم أحياء قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولذلك لا يغسّلون ولا يصلّى عليهم، ثبت ذلك في الأحاديث الصحيح في شهداء أحد وغيرهم، ليس هذا موضع ذكرها. (مالك) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السّلميين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة (١). قال أبو عمر: «هذا حديث لم يختلف عن مالك في انقطاعه، وهو حديث يتصل من وجوه صحاح عن جابر» (٢). قال المؤلف ﵁: وهكذا حكم من تقدمنا من الأمم ممن قتل شهيدا في سبيل الله، أو قتل على الحق كأنبيائهم، وفي الترمذي في قصة أصحاب الأخدود: «وأن الغلام الذي قتله الملك دفن»، قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل (٣). قال حديث حسن غريب. وقصة الأخدود: مخرّجة في «صحيح مسلم» (٤)، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ ، وقد ذكرناها مستوفاة في (البروج) في كتاب «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن» (٥). وروى نقلة الأخبار: أن معاوية ﵀ لما أجرى العين التي استنبطها بالمدينة في وسط المقبرة، وأمر الناس بتحويل موتاهم - وذلك في أيام خلافته - وبعد الجماعة بأعوام - وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة - فوجدوا على

стр. 185

حالهم، حتى أن الكل رأوا المسحاة وقد أصابت قدم حمزة بن عبد المطلب فسال منه الدم، وأن جابر بن عبد الله أخرج أباه عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس (١). وهذا أشهر في الشهداء من أن يحتاج فيه إلى إكثار. وقد روى كافة أهل المدينة أن جدار قبر النبي ﷺ لما انهدم أيام خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة، بدت لهم قدم فخافوا أن تكون قدم النبي ﷺ ، فجزع الناس، حتى روى لهم سعيد بن المسيب ﵁: «أن أجساد الأنبياء لا تقيم في الأرض أكثر من أربعين يوما ثم ترفع». وجاء سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فعرف أنها قدم جده عمر ﵁، وكان ﵀ قتل شهيدا (٢). وروي عن النبي ﷺ : «المؤذن المحتسب كالمشحط في دمه قتيلا، وإن مات لم يدود في قبره» (٣). وظاهر هذا: أن المؤذن المحتسب لا تأكله الأرض أيضا. وخرّج أبو داود وابن ماجه في «سننهما» عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت، فقال: «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٤). لفظ أبي داود، وقال ابن العربي: حديث حسن. قلت: وخرجه أبو بكر البزار، عن شدّاد بن أوس، واتفقوا في السند عن حسين بن علي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، فقال: عن أوس بن أوس أو عن شداد بن أوس، وقال البزار: لا يعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ إلا شداد بن أوس، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق، عن شداد بن أوس، ولا رواه إلا حسين بن علي الجعفي. وقال أبو محمد عبد الحق، ويقال:

стр. 186

إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله البخاري وأبو حاتم، وهو منكر الحديث ضعيفه (١). قلت: وقد خرّجه ابن ماجه من غير هذا الطريق فقال: حدّثنا عمرو بن سواد المصري، حدّثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا عليّ الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي عليّ إلاّ عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها». قال قلت: وبعد الموت؟ قال: «وبعد الموت إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، فنبي الله حيّ يرزق ﷺ (٢). ورواه أبو جعفر الطبري في «تهذيب الآثار» من حديث سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيء، عن أبي الدرداء، قال أبو محمد عبد الحق: وزيد بن أيمن لا أعلم روى عنه إلا سعيد بن هلال. قال المؤلف: قال البخاري في «التاريخ»: «زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء، مرسل روى عنه سعيد بن أبي هلال» (٣). والله أعلم. *** ٦٦ - باب في انقراض هذا الخلق وذكر النفخ والصعق وكم بين النفختين وذكر البعث والنشر والنار (مسلم) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما - فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم ﵇، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى إن أحدكم لو دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا

стр. 187

يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا» قال: «فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» ثم قال: «يرسل الله - أو قال - ينزل الله مطرا كأنه الطّلّ فينبت منه أجساد الناس ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: «فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» (١). (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة أربعين يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعين شهرا؟ قال: أبيت. قالوا؟ أربعين عاما؟ قال: أبيت. «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل». قال: «وليس من الإنسان شيء إلاّ يبلى، إلاّ عظما واحدا» وفي رواية: «لا تأكله الأرض أبدا، وهو عجب الذّنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (٢). وعند ابن وهب في هذا الحديث «فأربعون جمعة» قال أبيت. وإسناده منقطع. فصل هذان الحديثان مع صحتهما في غاية البيان فيما ذكرناه، ويزيدهما أيضا بيانا في أبواب، ويأتي ذكر الدجال مستوعبا في الأشراط، إن شاء الله تعالى. وأصفى معناه: أمال. ليتا: يعني صفحة العنق، ويلوط معناه: يطين ويصلح، وقول أبي هريرة «أبيت»: فيه تأويلان: الأول: أبيت؛ أي: امتنعت من بيان ذلك وتفسيره، وعلى هذا كان عنده علم من ذلك، أي سمعه من النبي ﷺ . الثاني: أبيت، أي: أبيت أن أسأل عن ذلك النبي ﷺ ، وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك. والأول أظهر، وإنما لم يبينه لأنه لم ترهق لذلك حاجة، ولأنه ليس من البينات والهدى الذي أمر بتبليغه. وفي البخاري عنه أنه قال: «حفظت وعاءين من علم، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم» (٣). قال أبو عبد الله: البلعوم؛ مجرى الطعام.

стр. 188

وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاما، والله أعلم، وسيأتي. وذكر هناد بن السّري قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن السدّي، سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ [مريم: ٦٤] فلم يجبني، فسمعنا أنه ما بين النفختين. حدّثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن أبي العالية ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ قال: ما بين النفختين - والله أعلم. *** ٦٧ - باب في قول الله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ وهم الملائكة، أو الشهداء، أو الأنبياء، أو حملة العرش، أو جبريل، أو ميكائيل، أو ملك الموت. صعق: مات. روى الأئمة عن أبي هريرة قال: «قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر. فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه. قال: تقول هذا وفينا رسول الله ﷺ ؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فأكون أول من رفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله. ومن قال: «أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (١). لفظ ابن ماجه. أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر. وأخرجه الترمذي عن أبي كريب محمد بن العلاء، قال حدّثنا عبدة بن سليمان جميعا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه. فصل واختلف العلماء في المستثنى، من هو؟ فقيل: الملائكة. وقيل: الأنبياء. وقيل: الشهداء. واختاره الحليمي قال: وهو مروي عن ابن عباس؛ أن الاستثناء

стр. 189

لأجل الشهداء، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وضعّف غيره من الأقوال، على ما يأتي. وقال شيخنا أبو العباس: «والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل» (١). قلت: قد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء، وهو الصحيح على ما يأتي. وأسند النحاس في كتاب «معاني القرآن» له؛ حدّثنا الحسين بن عمر الكوفي، قال: حدّثنا هناد بن السري، قال: حدّثنا وكيع، عن شعبة عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر الحجوري، عن سعيد بن جبير، في قول الله : ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] قال: «هم الشهداء، هم ثنية الله ، متقلدو السيوف حول العرش». وقال الحسن: استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. قال يحيى بن سلام في «تفسيره»: «بلغني أن آخر من يبقى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يموت جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يقول الله لملك الموت: مت فيموت». وقد جاء هذا مرفوعا في حديث أبي هريرة الطويل على ما يأتي. وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت. وقال الحليمي: «من زعم أن الاستثناء لأجل حملة العرش أو جبريل وميكائيل وملك الموت، أو زعم أنه لأجل الولدان والحور العين في الجنة، أو زعم أنه لأجل موسى فإن النبي ﷺ قال: أنا أول من تنشقّ عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله »؛ فإنه لم يصح شيء منها. أما الأوّل: فإنه حملة العرش ليسوا من سكان السموات ولا الأرض، لأن العرش فوق السموات كلها، فكيف يكون حملته في السموات؟ وأما جبريل وميكائيل وملك الموت فمن الصافّين المسبّحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السموات؛ لم يكن الاصطفاف حوله في السموات وكذلك. القول الثاني: لأن الولدان والحور في الجنة، والجنات - وإن كان بعضها أرفع من بعض - فإن جميعها فوق السموات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء، وصرفه إلى موسى فلا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة فلا يموت عند نفخ الصور ثانية، ولهذا لم يعتد في ذكر اختلاف المتأولين في الاستثناء بقول من قال: إلاّ من شاء الله؛ أي: الذين سبق موتهم قبل نفخ الصور. لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله في الجملة فيها فلا معنى لاستثنائه منها، والذين

стр. 190

ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بغرض أن يصعقوا، فلا وجه لاستثنائهم، وهذا في موسى موجود، فلا وجه لاستثنائه. وقال النبي ﷺ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى وهو أن قال: «الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور» فظاهر هذا الحديث؛ أن هذه صعقة غشي، تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور. وصرف ذكر يوم القيامة إلى أنه أراد أوائله، قيل: المعنى؛ أن الصور إذا نفخ فيه أخرى كنت أوّل من يرفع رأسه، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور، أي: فلا أدري أبعثه قبلي كان وهبا له وتفضيلا من هذا الوجه، كما فضّل في الدنيا بالتكليم، أو كان جزاء له بصعقة الطور؛ أي: قدم بعثه على بعث الأنبياء الآخرين بقدر صعقته عندما تجلّى ربه للجبل إلى أن أفاق، ليكون هذا جزاء له بها. وما عدا هذا فلا يثبت، قال شيخنا أحمد بن عمر: وظاهر حديث النبي ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية، نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق. ولما كان هذا، قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى ﵇، ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل بما تقدم من ذكر موته. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشر (١) حين تنشق السموات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآيات (٢) والله أعلم. قال شيخنا أبو العباس: «وهذا يرده ما جاء في الحديث أنه ﵇ حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث». قال شيخنا أحمد بن عمر: والذي يزيح هذا الإشكال - إن شاء الله تعالى - أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك؛ أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي ﷺ : «أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء»، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء،

стр. 191

وخصوصا بموسى، وقد أخبرنا النبي ﷺ بما يقتضي أن الله ﵎ يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلّم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحد من نوعنا إلاّ من خصّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السموات ومن في الأرض، إلاّ من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق. ولذلك قال ﷺ في «صحيح مسلم» و «البخاري»: «فأكون أول من يفيق» وهي رواية صحيحة وحسنة، فنبينا ﷺ أول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم قبل الأنبياء وغيرهم، إلا موسى فإنه حصل له فيه تردد؛ هل بعث قبله من غشيته، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بغشية الطور؟ وهذه فضيلة عظيمة في حق موسى ﵇. ولا يلزم من فضيلة أحد الأمرين المشكوك فيهما فضيلة موسى ﵇ على محمد ﷺ مطلقا، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليّا - والله أعلم (١). قال المؤلف: ما اختاره شيخنا هو ما ذكره الحليمي واختاره في قوله، فإن حمل عليه الحديث فذاك. قال الحليمي: «وأما الملائكة الذين ذكرناهم صلوات الله عليهم فإنا لم ننف عنهم الموت، ولا أحلناه، وإنما أبينا أن يكونوا هم المرادين بالاستثناء من الوجه الذي ذكرناه، ثم قد وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يميت آخر من يميت جبريل ويحييه مكانه، ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم. وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، والأظهر أنها دار الخلد، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدا مع كونه قابلا للموت، والذي خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدا. وأيضا فإن الموت لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار، وأهل الجنة لم يبلغنا أنّ عليهم تكليفا، فإن أعفوا من الموت كما أعفوا من التكليف لم يكن بعيدا. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وهو يدل على أن الجنة نفسها تفنى ثم تعاد يوم الجزاء، فلم أنكرتم أن يكون الولدان والحور يموتون ثم يحيون؟ قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك، إلا وجهه أي: إلا هو سبحانه، فإنه تعالى

стр. 192

قديم (١)، والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث، والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه فني. ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معلول أنه يهلك العرش، فلتكن الجنة مثله». فصل قوله ﷺ في الحديث: «ومن قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب». للعلماء فيه تأويلات؛ أحسنها وأجملها ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي قال: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أنه سئل: هل الباري في جهة؟ فقال: لا هو متعال عن ذلك، قيل له: ما الدليل عليه؟ قال الدليل عليه قول النبي ﷺ : «لا تفضلوني على يونس بن متى» فقيل له: ما وجه الدليل من هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا، فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها اثنين لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي عليّ. فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كما أخبر الله، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر. قال المؤلف: فالله سبحانه قريب من عباده يسمع دعاءهم، ولا يخفى عليه حالهم، كيف ما تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم، فيسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، تحت الأرض السفلى، كما يسمع ويرى تسبيح حملة عرشه من فوق السبع السموات العلى، سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. ولقد أحسن أبو العلاء بن سليمان المغربي حيث يقول: يا من يرى مدّ البعوض جناحها … في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في لحمها … والمخّ في تلك العظام النّحل آجالها محتومة، أرزاقها … مقسومة بعطاء وإن لم تسأل

стр. 193

فلقد سألتك بالنبيّ محمد … الهاشميّ المدّثر المزمل (١) امنن عليّ بتوبة تمحو بها … ما كان منّي في الزمان الأول *** ٦٨ - باب يفنى العباد ويبقى الملك لله وحده (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول؛ أنا الملك أين ملوك الأرض؟» (٢). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يطوي الله السماء يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى. ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» انفرد به مسلم (٣). وعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ؟ قال: «يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها فيقول: أنا الملك» حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ (٤). فصل هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم. ثم يقول الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيجيب نفسه المقدسة بقوله: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها على ما يأتي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيجيبه العباد ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ رواه أبو وائل عن ابن مسعود. واختاره أبو جعفر النحاس، قال: والقول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.

стр. 194

قال المؤلف ﵁: والقول الأول أظهر لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدّعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبّار ومتكبّر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم، وهذا أظهر. وهو قول الحسن ومحمد بن كعب، وهو مقتضى قوله الحق: «أنا الملك أين ملوك الأرض»؟ وفي حديث أبي هريرة: «ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصّعق فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، فإذا اجتمعوا أمواتا جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات أهل السماء والأرض إلاّ من شئت. فيقول الله سبحانه - وهو أعلم - من بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا. فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش، فيقول: أي ربّ يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت إني كتبت الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ ، فيقول يا رب! قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله سبحانه - وهو أعلم -: من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك وبقيت أنا. فيقول: ليمت حملة العرش. فيموتون فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل. ثم يقول: ليمت إسرافيل. فيموت. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب! قد مات حملة عرشك. فيقول - وهو أعلم -: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقيت أنا. فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣، ٤] فكان كما كان أولا طوى السماء كطيّ السّجل للكتاب. ثم قال: أنا الجبار، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلم يجبه أحد فيقول جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (١). قلت: حديث أبي هريرة هذا فيه طول وهذا وسطه، ويأتي آخره في الباب بعد هذا، ويأتي أوله بعد ذلك - إن شاء الله تعالى - فيتّصل جميعه إن شاء الله تعالى. ذكره الطبري وعلي بن معبد والثعلبي وغيرهم. وفي حديث لقيط بن عامر عن النبي ﷺ : «ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذي مع ربك، فأصبح ربك يطوف في البلاد وقد خلت عليه البلاد» (٢). وذكر الحديث وهو حديث فيه طول، خرّجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» وغيره.

стр. 195

قال علماؤنا: قوله: «فأصبح ربك يطوف بالبلاد وقد خلت عليه البلاد» إنما هو تفهيم وتقريب إلى أن جميع من في الأرض يموت، وأن الأرض تبقى خالية وليس يبقى إلا الله، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] وعند قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هو انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث والنشر والحشر على ما يأتي. وفي فناء الجنة والنار عند فناء جميع الخلق قولان: أحدهما: يفنيهما ولا يبقى شيء سواه، وهو معنى قوله الحق: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وقيل: إنه مما لا يجوز عليهما الفناء وإنهما باقيان بإبقاء الله سبحانه، والله أعلم. وقد تقدم في الباب قبل هذا الإشارة إلى ذلك. وقد قيل: إنه ينادي مناد فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل الجنة: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ ذكره الزمخشري. فصل في بيان ما أشكل من الحديث من ذكر اليد والأصابع. إن قال قائل: ما تأويل اليد عندكم؟ واليد حقيقتها هي الجارحة المعلومة عندنا. وتلك التي يكون القبض والطي بها؟ قلنا: لفظ الشمال أشد في الإشكال، وذلك في الإطلاق على الله محال. والجواب: أن اليد في كلام العرب لها خمسة معان: تكون بمعنى القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]. وتكون بمعنى الملك والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]. وتكون بمعنى النعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم من نعمة أسديتها إليه. وتكون بمعنى الصلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً﴾ [يس: ٧١] أي: مما عملنا نحن. وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي الذي له النكاح. وتكون بمعنى الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].

стр. 196

وقوله في الحديث: (بيده) عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته؛ يقال: ما فلان إلاّ في قبضتي، بمعنى: ما فلان إلاّ في قدرتي. والناس يقولون: الأشياء في قبضة الله، يريدون في ملكه وقدرته (١). وقد يكون معنى القبض والطي: إفناء الشيء وإذهابه، فقوله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يحتمل أن يكون المراد به: الأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة. وقوله: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ليس يريد به طيّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر، بمعنى المضي والذهاب. فإن قيل: فقد قال في الحديث: «ويقبض أصابعه ويبسطها»، وهذه حقيقة الجارحة. قلنا: هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية، والله تعالى متعال عن ذلك، وإنما المعنى حكاية الصاحب عن النبي ﷺ : «يقبض أصابعه ويبسطها» وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة، حتى يتوهّم بثبوتها ثبوت الأصابع، فدلّ على أن النبي ﷺ هو الذي كان يقبض أصابعه ويبسطها. قال الخطابي: وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتهما. فإن قيل: فقد ورد ذكر الأصابع في غير ما حديث، فما جوابكم عنها؟ فقد

стр. 197

روى البخاري ومسلم قال: أتى النبيّ ﷺ رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن الله تعالى يحمل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه فأنزل الله : ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١) [الزمر: ٦٧]. وروي عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث شاء» ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (٢). ومثله كثير. قيل له: اعلم أن الأصبع قد يكون بمعنى الجارحة؛ والله تعالى يتقدس عن ذلك، ويكون بمعنى القدرة على الشيء، ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئا واستخفه مخاطبا لمن استثقله: أنا أحمله على إصبعي وأرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري. وكما يقول من أطاع بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأفعله على رأسي. يعني به الطواعية وما أشبه ذلك. قد قال في معناه وهو كثير، ومما قال عنترة وقيل ابن زيادة التيمي: الرمح لا أملأ كفي به … واللبد لا أتبع تزواله يريد أنه لا يتكلف أن يجمع كفه فيشتمل على الرمح، لكن يطعن به خلسا بأصابعه لخفة ذلك عليه. وقوله: لا أتبع تزواله، أي: إذا مال لم أمل معه. يقول: أنا ثابت على ظهر الخيل لا يضرني فقد بعض الآلة، ولا تغير السرج عما يريده الراكب، يصف نفسه بالفروسية في الركوب والطعن. فلما كانت السموات والأرض أعظم الموجودات قدرا وأكبرها خلقا؛ كان إمساكها بالنسبة إلى الله تعالى كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا ونهزه بأيدينا، ونتصرف فيه كيف شئنا فتكون الإشارة بقوله: «ثم يقبض أصابعه ويبسطها» وبقوله: «ثم يهزهن» كما جاء في بعض طرق مسلم وغيره. أي: هي في قدرته كالحبة مثلا في كفّ أحدنا التي لا نبالي بإمساكها ولا بهزها ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا نجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، وقد يكون الأصبع أيضا في كلام العرب بمعنى النعمة، وهو المراد بقوله ﵇: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من

стр. 198

أصابع الرحمن» أي بين نعمتين (١) من نعم الرحمن، يقال: لفلان عليّ إصبع، أي: أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته إصبع، أي: أثر حسن. وأنشد الأصمعي للراعي: ضعيف العصى بادي العروق ترى له … عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا وقال آخر: صلاة وتسبيح وإعطاء سائل … وذي رحم تبتل منك إصبع أي: أثر حسن. وقال آخر: من يجعل الله عليه إصبعا … في الخير والشرّ يلقاه معا فإن قيل: كيف جاز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقتضي النقص؟ قيل: هو مما انفرد به عمر بن حمزة (٢) عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبد الله بن مقسم عن ابن عمر لم يذكرا فيه الشمال. ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه واحد منهم الشمال. قال البيهقي: وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير وبالآخر يزيد الرقاشي، وهما متروكان، وكيف يصح ذلك وصحيح عن النبي ﷺ أنه سمى كلتا يديه يمينا؟ وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له، أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين. قال الخطابي: «ليس فيما يضاف إلى الله من صفة اليد شمال، لأن الشمال محل النقص والضعف». وقد روي: «كلتا يديه يمين» وليس معنى اليد عندنا الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وقد يكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يريد بها الملك، وقال: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة والقدرة، أي: أخذنا قدرته وقوته. قال الفراء: اليمين القوة والقدرة، وأنشد: إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين

стр. 199

وقال آخر: ولما رأيت الشمس أشرق نورها … تناولت منها حاجتي بيميني فقلت: شنيفا ثم فاران بعده … وكان على الآيات غير أمين قلت: وعلى هذا التأويل تخرج الآية والحديث والله أعلم. وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى: التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا باليمين؛ أي: بالمحل الجليل. ومنه قول الشاعر: أقول لناقتي إذ بلّغتني … لقد أصبحت عندي باليمين أي: بالمحل الرفيع. وأما قوله: «كلتا يديه يمين»؛ فإنه أراد بذلك التمام والكمال، وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر، لما في التياسر من النقصان، وفي التيامن من التمام. فإن قيل: فأين يكون الناس عند طي الأرض والسماء؟ قلنا: يكونون على الصراط على ما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى. *** ٦٩ - باب البرزخ روى هنّاد بن السّري قال: حدّثنا محمد بن فضيل، ووكيع، عن فطر، قال: سألت مجاهدا عن قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال: هو ما بين الموت والبعث. وقيل للشعبي: مات فلان. قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ. والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين الشيئين. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: حاجزا وكذلك هو في الآية، من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل في البرزخ. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ أي من أمامهم وبين أيديهم. ***

стр. 200

٧٠ - باب ذكر النفخ الثاني للبعث في الصور وبيانه وكيفية البعث وبيانه، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يحيى من الخلق، وبيان السن الذي يخرجون عليه من قبورهم، وفي لسانهم، وبيان قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]. قال الله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وقال: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ [النبأ: ١٨] وسماه الله تعالى أيضا بالناقور في قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]. قال المفسّرون: الصور ينقر فيه مع النفخ الأول لموت الخلق، على ما يأتي بيانه. قال الله تعالى مخبرا عن كفار قريش: ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ [يس: ٤٩] أي: ما ينتظرون كفار آخر هذه الأمة الدائنون بدين أبي جهل وأصحابه ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] يعني: النفخة الأولى التي يكون بها هلاكهم ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] أي: يختصمون في أسواقهم وحوائجهم. قال الله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] أي: أن يوصّوا ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] أي: من أسواقهم، وحيث كانوا: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ [يس: ٥١] النفخة هذه؛ هي النفخة الثانية نفخة البعث. والصور: قرن من نور يجعل فيه الأرواح، يقال: إن فيه من الثقب على عدد أرواح الخلائق على ما يأتي. قال مجاهد: هو كالبوق ذكره البخاري. فإذا نفخ فيه صاحب الصور النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أي: يخرجون سراعا يقال نسل ينسل وينسل بالضم أيضا: إذا أسرع في مشيه، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي الخبر «أن بين النفختين أربعين عاما»، وسيأتي. وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾؛ الصور. قال: و ﴿الرّاجِفَةُ﴾ النفخة الأولى و ﴿الرّادِفَةُ﴾ الثانية. وروي عن مجاهد أنه قال: للكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قاموا

стр. 201

مذعورين عجلين، ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقد أخبر الله عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢]؟ فيقول لهم الملائكة أو المؤمنون - على اختلاف المفسرين -: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقيل: إن الكفار هم القائلون: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ وذلك أنهم لما بعثوا قال بعضهم لبعض: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ فكذبنا به، أقرّوا حين لم ينفعهم الإقرار، ثم يؤمر بحشر الجميع إلى الموقف للحساب. وقال عكرمة: إن الذين يغرقون في البحر تقتسم لحومهم الحيتان، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتلقيها الأمواج إلى الساحل، فتمكث حينا، ثم تصير حائلة نخرة، ثم تمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعر، ثم يجيء فينزلون، فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه، ثم تخمد تلك النار فيجيء الريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يخرج أولئك وأهل القبور سواء ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] أي نفخة واحدة ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. قال علماؤنا ﵏: فالنفخ في الصور؛ إنما هو سبب لخروج أهل القبور وغيرهم، فيعيد الله الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها، حتى تصير كهيئاتها الأولى، ثم يجعل فيها الأرواح فتقوم الناس كلهم أحياء حتى السقط، فإن النبي ﷺ قال: «إن السقط ليظل محبنطئا على باب الجنة، ويقال له: ادخل الجنة فيقول: لا حتى يدخل أبواي» (١). وهذا السقط هو الذي تمّ خلقه، ونفخ فيه الروح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، فدل على أن الموءودة تحشر وتسأل، ومن قبرها تخرج وتبعث. وأما من لم ينفخ فيه الروح فهو وسائر الأموات سواء، قاله الحاكم أبو الحسين بن الحسن الحليمي ﵀ في كتاب «منهاج الدين» له. وبالحقيقة إنما خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] فتقومون فتقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. قالوا: فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد، ويختم به. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾

стр. 202

﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. (ابن ماجه) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا عباد بن العوام، عن حجاج بن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن صاحبي الصور بأيديهما - أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران» (١). (الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه» (٢). قال: هذا حديث حسن. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ»؟ فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم: قولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» (٣). قال: حديث حسن. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أطرق صاحب الصور منذ وكّل به مستعدّا بحذاء العرش، مخافة أن يؤمر بالصّيحة قبل أن يرتدّ طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» (٤). أخرجه أبو الحسن بن صخر في «فوائده» وغيره. وخرّج ابن المبارك ومؤمل بن إسماعيل وعلي بن معبد عن ابن مسعود؛ حديثا ذكر فيه قال: «ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى لله خلق في السموات والأرض إلا مات، إلا ما شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض شيء منه». زاد

стр. 203

مؤمل بن إسماعيل، قال سفيان - يعني الثوري - عجب الذّنب قال: «فيرسل الله ماء من تحت العرش منيّا كمنيّ الرجال، فتنبت جثمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض من الثرى». ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]. قال: «ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فتنطلق كلّ نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، ثم يقومون فيجيبون إجابة رجل واحد قياما لرب العالمين». وقال ابن المبارك ومؤمل: «ثم يقومون فيحيون تحية واحدة» (١). وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدّثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود قال: «فيقومون فيحيون تحية رجل واحد قياما لرب العالمين». قوله: «فيحيون» التحية تكون في حالين: أحدهما: أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وهذا هو المعنى الذي في هذا الحديث؛ ألا تراه يقول: «قياما لربّ العالمين». والوجه الآخر: أن ينكبّ على وجهه باركا، وهذا هو الوجه المعروف عند الناس، وقد حمله بعض الناس على قوله: فيخرون سجدا لرب العالمين، فجعل السجود هو التحية، وهذا هو الذي يعرفه الناس من التحية. وروي عن علي بن معبد أيضا عن أبي هريرة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ ، ونحن في طائفة من أصحابه، وساق الحديث بطوله إلى قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ثم ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فيبسطها بسطا ثم يمدها مد الأديم العكاظي ﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل ما كانوا فيه من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش، يقال له: ماء الحياة، فتمطر السماء عليكم أربعين سنة، حتى يكون الماء من فوقكم اثني عشر ذراعا. ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات الطراثيث، وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله : ليحيا حملة العرش فيحيون، ثم يقول: ليحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، ثم يدعو الله تعالى الأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورا والأخرى مظلمة، فيأخذها الله فيلقيها في الصور، ثم يقول لإسرافيل: انفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض،

стр. 204

فيقول الله : وعزّتي وجلالي ليرجع كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، ثم تدخل في الخياشيم، فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين، واللسان يومئذ بالسريانية سراعا إلى ربهم ينسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]. ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]. ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]. فتوقفون في موقف عراة غلفا غرلا، مقدار سبعين عاما، لا ينظر الله إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم تدمع دما ويعرقون حتى تبلغ منهم الأذقان، ويلجمهم فيضجون ويقولون: «من يشفع لنا إلى ربّنا»؟ وساق الحديث بطوله في الشفاعة (١). وسيأتي حديث الشفاعة في «صحيح مسلم» وغيره - إن شاء الله تعالى. وخرّج الختلي أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم في «كتاب الديباج» له: حدّثني أبو بكر خليفة بن الحارث بن خليفة، حدّثنا محمد بن جعفر المدائني، عن سلام بن مسلم الطويل، عن عبد الحميد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قوله : ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١، ٢] قال: فقال رسول الله ﷺ : «أنا أول من تنشقّ عنه الأرض، فأجلس جالسا في قبري، فيفتح لي باب إلى السماء بحيال رأسي، حتى أنظر إلى العرش، ثم يفتح لي باب من تحتي حتى أنظر إلى الأرض السابعة، حتى أنظر إلى الثرى، ثم يفتح لي باب عن يميني حتى أنظر إلى الجنة ومنازل أصحابي، وإن الأرض تحركت تحتي فقلت: ما بالك أيتها الأرض؟ قالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ فذلك قوله : ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» [الانشقاق: ٤، ٥] أي: سمعت وأطاعت وحق لها أن تسمع وتطيع ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾ [الانفطار: ٦] قال رسول الله ﷺ : «أنا ذلك الإنسان» (٢). وروي في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] إن هذا خطاب للأرواح بأن ترجع إلى أجسادها ﴿إِلى رَبِّكِ﴾ أي صاحبك، كما تقول: ربّ الغلام، وربّ الدار، وربّ الدابة، أي: صاحب الغلام، وصاحب الدار، وصاحب الدابة، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: في أجسادهم من مناخرهم، كما ورد في الخبر المتقدم.

стр. 205

وقد روي أن الله تعالى خلق الصور حين فرغ من خلق السموات والأرض، وأن عظم دارته كغلظ السماء والأرض. وفي حديث أبي هريرة: «والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض»، وسيأتي. وروي «أن له رأسين رأسا بالمشرق ورأسا بالمغرب» - فالله أعلم. فصل الصور: بالصاد؛ قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، وهي نفخة الصعق، ويكون معها نقر، لقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: في الصور، فإذا نفخ فيه للإصعاق؛ جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أشد وأعظم. ثم يمكث الناس أربعين عاما، ثم ينزل الله ماء كمنيّ الرجال على ما تقدّم، فتكون منه الأجسام بقدرة الله تعالى، حتى يجعلهم بشرا، كما روي في قصة الذين يخرجون من النار، قد صاروا حمما، إنهم يغتسلون من نهر بباب الجنة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل. وعن ذلك عبر في حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم وغيره: «فينبتون نبات البقل» (١). فإذا تهيأت الأجسام، وكملت؛ نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر، لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها، لا تنقيرها من أجسادها، فالنفخة الأولى للتنقير، وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيمات منه. ونظير الصيحة؛ الصيحة الشديدة التي يصيحها الرجل بصبي فيفزع منه فيموت، فإذا نفخ للبعث من غير نقر كما ذكرنا خرجت الأرواح من المجال التي هي فيه، فتأتي كل روح إلى جسدها فيحييها الله، كل ذلك في لحظة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم. قال بعضهم: بأوصافها. فيعاد الوصف أيضا كما يعاد الجسم واللون. قال القاضي أبو بكر بن العربي: «وذلك جائز في حكم الله وقدرته وهين عليه جمعه، ولكن لم يرد بإعادة الوصف خبر». قلت: فيه أخبار كثيرة يأتي ذكرها في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. فصل وليس الصور جمع صورة - كما زعم بعضهم - أي: ينفخ في صور الموتى، بدليل الأحاديث المذكورة، والتنزيل يدل على ذلك. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾

стр. 206

﴿أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، فعلم أنه ليس جمع صورة. قال الكلبي: لا أدري ما الصور؟ ويقال: هو جمع صورة مثل بسرة وبسر، أي: ينفخ في صور الموتى الأرواح. وقرأ الحسن: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]. قلت: وإلى هذا التأويل في أن الصور بمعنى الصّور جمع صورة؛ ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى وهو مردود بما ذكرنا. وأيضا لا ينفخ في الصور للبعث مرتين بل ينفخ مرة واحدة، وإسرافيل ﵇ ينفخ في الصور الذي هو القرن، والله سبحانه يحيي الصور فينفخ فيها الروح، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢]. قال ابن زيد: يخلق الله الناس في الأرض الخلق الآخر، ثم يأمر السماء فتمطر عليهم أربعين يوما، فينبتون فيها حتى تنشق عن رؤوسهم كما تنشق عن رأس الكمأة، فمثلها يومئذ مثل الماخض تنتظر أن يأتيها أمر الله فتطرحهم على ظهرها، فلما كانت تلك النفخة طرحتهم. قال علماؤنا: والأمم مجمعون على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇. قلت: قد جاء حديث يدل على أن الذي ينفخ في الصور غير إسرافيل؛ خرّجه أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا أحمد بن القاسم، قال: حدّثنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة وعندها كعب الأحبار فذكر كعب إسرافيل فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب عندكم العلم قالت: أجل فأخبرني. فقال: «له أربعة أجنحة جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، ملتقم الصور، محنيا ظهره، شاخصا ببصره، ينظر إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور». قالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول (١). غريب من حديث كعب لم يروه عنه إلا عبد الله بن الحارث ورواه خالد الحذاء عن الوليد أبي بشر عن عبد الله بن رباح عن كعب نحوه. فصل قلت: وما خرج أبو عيسى الترمذي وغيره يدل على أن صاحب الصور إسرافيل ﵇ ينفخ فيه وحده (٢). وحديث أبي عبد الله محمد بن يزيد بن

стр. 207

ماجه يدل على أن معه غيره (١). وقد خرّج أبو بكر البزار في «مسنده» وأبو داود في كتاب الحروف من كتاب «السنن» من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صاحب الصور فقال: «عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل» (٢). فلعل لأحدهما قرنا آخر ينفخ فيه - والله أعلم. وذكر أبو السري هناد بن السري التيمي الكوفي، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، قال: «ما من صباح إلى وملكان يقولان: يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشرّ أقصر، وملكان موكلان يقولان: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا، وملكان موكلان يقولان: سبحان الملك القدوس، وملكان موكلان بالصور» (٣). قال: وحدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قال: «ما من صباح» مثله سواء. وزاد بعد قوله: «وملكان موكلان بالصور، ينتظران متى يؤمران فينفخان» (٤). وعطية لا يحتج أحد بحديثه على ما ذكره أبو محمد عبد الحق وغيره. فصل واختلف في عدد النفخات، فقيل ثلاث؛ نفخة الفزع، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ونفخة الصعق، ونفخة البعث، لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وهذا اختيار ابن العربي وغيره. وسيأتي. وقيل: هما نفختان، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأن الأمرين لازمان لها، أي: فزعوا فزعا ماتوا منه. والسنّة الثابتة على ما تقدم من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر وغيرهما، يدل على أنهما نفختان لا ثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قال

стр. 208

الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع، فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «بين النفختين أربعون سنة، الأولى: يميت الله تعالى بها كلّ حيّ، والأخرى: يحيي الله بها كلّ ميت» (١). وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة، وذلك بعد أن يجمع الله تعالى ما تفرق من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه بالغرق، وما أبلته الشمس، وذرته الرياح، فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها، ولم يبق إلا الأرواح؛ جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل ﵇ فأرسلها بنفخة من ثقب الصور، فرجع كل ذي روح إلى جسده بإذن الله تعالى. وجاء في بعض الأخبار ما يبين أن من أكله طائر أو سبع، حشر من جوفه. وهو ما رواه الزهري عن أنس قال: مرّ رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثّل به فقال: «لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير» (٢). وقد أنكر بعض أهل الزيغ أن يكون الصور قرنا، قال الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرنا، فهو كمن ينكر العرش والصراط والميزان، وطلب لها تأويلات. *** ٧١ - باب - منه - في صفة البعث وما آية ذلك في الدنيا وأول ما يخلق من الإنسان رأسه قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقال : ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ﴾

стр. 209

﴿مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠] وقال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وخرّج أبو داود الطيالسي والبيهقي وغيرهما عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي قومك جدبا، ثم مررت به يهتز خضرا»؟ قال: نعم: قال: «فتلك آية الله في خلقه» (١). قلت: هذا حديث صحيح لأنه موافق لنص التنزيل والحمد لله. وفي حديث لقيط بن عامر عن النبي ﷺ : «فأرسل ربك إلى السماء تهضب من عند العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى يخلق من قبل رأسه» وذكر الحديث. *** ٧٢ - باب يبعث كل عبد على ما مات عليه مسلم عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه» (٢). وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم» خرّجه البخاري. ولفظ البخاري عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» (٣).

стр. 210

(مالك) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يكلّم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والعرف عرف المسك» (١). خرجه البخاري ومسلم. (أبو داود) عن عبد الله بن عمرو أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو. فقال: «يا عبد الله إن قتلت صابرا محتسبا بعثت صابرا محتسبا، وإن قتلت مرائيا مكاثرا بعثت مرائيا مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال» (٢). وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات سكران فإنه يعاين ملك الموت سكران، ويعاين منكرا ونكيرا سكران، ويبعث يوم القيامة سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران، فيه عين يجري ماؤها دما، لا يكون له طعام ولا شراب إلاّ منه» (٣). (مسلم) عن ابن عباس أن رجلا كان مع رسول الله ﷺ محرما فوقصته ناقته فمات، فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (٤) وفي رواية «ملبدأ» أخرجه البخاري. وروى عباد بن كثير عن الزبير عن جابر قال: «إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذن المؤذن، ويلبّي الملبّي». ذكره الحليمي الحسين الحافظ في كتاب «المنهاج» له وسيأتي بكماله. وذكر أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له؛ حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يونس بن بكير، حدّثنا أبي، عن عمرو بن سمير، عن جابر، عن محمد بن علي، عن ابن عباس وعلي بن حسين أن رسول الله ﷺ قال: «أخبرني جبريل ﵇ أن «لا إله إلا الله» أنس للمسلم عند موته، وفي قبره، وحين يخرج من قبره، يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم ينفضون رؤوسهم هذا يقول: لا إله إلا الله، والحمد لله فيبيّض وجهه، وهذا ينادي يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله مسودة وجوههم» (٥).

стр. 211

قال: وحدّثني يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في قبورهم ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلاّ الله ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]» (١). وروى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال: «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار، يدها على رأسها تقول: يا ويلاه» (٢). أخرجه بمعناه مسلم وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطّع الله لها ثيابا من نار ودرعا من لهب النار» لفظ ابن ماجه. وقال مسلم: «تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٣). وأسند الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين، صفا عن اليمين، وصفا عن الشمال، ينبحن كما تنبح الكلاب، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يؤمر بهن إلى النار». أنبأناه الشيخ الحاج الراوية أبو محمد عبد الوهاب شهر بابن رواح، والشيخ الإمام علي بن هبة الله الشافعي قالا: حدّثنا السّلفي، قال: حدّثنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حوالة الأبهري الأديب، فيما قرئ، عليه وأنا أسمع منه سنة ثلاث وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر وأحمد بن محمد بن حكيم المدني، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، حدّثنا سعيد بن سليمان حدّثنا سليمان بن داود اليماني، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صفا عن يمينهن، وصفا عن شمالهن، ينبحن على أهل جهنم كما تنبح الكلاب» (٤). غريب من حديث أبي نصر، يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، تفرد به عنه سليمان بن داود.

стр. 212

وقال أنس: قال النبي ﷺ : «تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء، مسودة الوجه، زرقاء العينين، ثائرة الشعر، كالحة الوجه، وعليها جلباب من لعنة الله، ودرع من غضب الله، إحدى يديها مغلولة إلى عنقها، والأخرى قد وضعتها على رأسها، وهي تنادي: يا ويلاه ويا ثبوراه ويا حزناه، وملك وراءها يقول: آمين أمين، ثم يكون من بعد ذلك حظّها النار» (١). (ابن ماجه) عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار» (٢). وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والسدّي والضحاك وابن زيد وغيرهم، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه. وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتا عند جميع أهل المحشر، فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم. نسأل الله الستر والسلامة والعافية في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وسيأتي. وروي عن النبي ﷺ : «من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة» (٣). ذكره صاحب «القوت» وهو صحيح المعنى، يدل على صحته ما ذكرناه، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب «بيان الحشر إلى الموقف» إن شاء الله تعالى. *** ٧٣ - باب في بعث النبي ﷺ من قبره (ابن المبارك) قال أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب؛ أن كعبا دخل على عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقال كعب: «ما من فجر يطلع إلاّ نزل سبعون ألفا من الملائكة

стр. 213

حتى يحفوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم ويصلّون على النبي ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار، وحتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه ﷺ » (١). والأخبار دالة ثابتة على أن جميع الناس يخرجون عراة ويحشرون كذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»: حدّثنا أنس بن خالد، قال: حدّثنا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال خرج النبي ﷺ ويمينه على أبي بكر، وشماله على عمر، فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (٢). *** ٧٤ - باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيأتها، ويبعث يوم الجمعة، زهراء منيرة، أهلها محتفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلاّ المؤذنون المحتسبون» (٣). خرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي، من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃. وإسناده صحيح. وقال أبو عمران الجوني: «ما من ليلة تأتي إلا تنادي: اعملوا فيّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة» ذكره أبو نعيم (٤).

стр. 214

٧٥ - باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقّاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله تقدم من حديث جابر مرفوعا: «فإذا قامت الساعة انحطّ عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه واحد سائق، والآخر شهيد» ذكره أبو نعيم. وذكر أبو نعيم أيضا عن ثابت البناني أنه قرأ ﴿حم﴾ [غافر: ١] السجدة حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] وقف فقال: «بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، قال: فأمّن الله خوفه، وأقر الله عينه، فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة فالمؤمن في قرّة عين لما هداه الله له، ولما كان يعمل له في الدنيا». وقال عمرو بن قيس الملاّئي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلاّ أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، اركبني اليوم، وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. وأن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلا أن الله قد قبح صورتك ونتّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، وأنا اليوم أركبك. وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]. ولا يصح من قبل إسناده؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ***

стр. 215

٧٦ - باب أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾؟ (مسلم) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! وذكر الحديث وفيه: فقال اليهودي: أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظّلمة دون الجسر» (١). الحديث بطوله وسيأتي. وخرّج مسلم أيضا وابن ماجه جميعا قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» (٢). وأخرجه الترمذي (٣) قال: حدّثنا ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان، عن داود بن هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: يا رسول الله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: «على الصراط يا عائشة». قال هذا حديث حسن صحيح. وخرّج عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري. حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال. فقلت: فأين الناس يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم» (٤). قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. فصل هذه الأحاديث نصّ في أن الأرض والسموات تبدّل وتزال ويخلق الله أرضا أخرى، يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط، لا كما قال كثير
следующие страницы →