← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال: وحدّثني يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في قبورهم ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلاّ الله ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]» (١). وروى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال: «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار، يدها على رأسها تقول: يا ويلاه» (٢). أخرجه بمعناه مسلم وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطّع الله لها ثيابا من نار ودرعا من لهب النار» لفظ ابن ماجه. وقال مسلم: «تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٣). وأسند الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين، صفا عن اليمين، وصفا عن الشمال، ينبحن كما تنبح الكلاب، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يؤمر بهن إلى النار». أنبأناه الشيخ الحاج الراوية أبو محمد عبد الوهاب شهر بابن رواح، والشيخ الإمام علي بن هبة الله الشافعي قالا: حدّثنا السّلفي، قال: حدّثنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حوالة الأبهري الأديب، فيما قرئ، عليه وأنا أسمع منه سنة ثلاث وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر وأحمد بن محمد بن حكيم المدني، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، حدّثنا سعيد بن سليمان حدّثنا سليمان بن داود اليماني، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صفا عن يمينهن، وصفا عن شمالهن، ينبحن على أهل جهنم كما تنبح الكلاب» (٤). غريب من حديث أبي نصر، يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، تفرد به عنه سليمان بن داود.

стр. 212

وقال أنس: قال النبي ﷺ : «تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء، مسودة الوجه، زرقاء العينين، ثائرة الشعر، كالحة الوجه، وعليها جلباب من لعنة الله، ودرع من غضب الله، إحدى يديها مغلولة إلى عنقها، والأخرى قد وضعتها على رأسها، وهي تنادي: يا ويلاه ويا ثبوراه ويا حزناه، وملك وراءها يقول: آمين أمين، ثم يكون من بعد ذلك حظّها النار» (١). (ابن ماجه) عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار» (٢). وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والسدّي والضحاك وابن زيد وغيرهم، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه. وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتا عند جميع أهل المحشر، فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم. نسأل الله الستر والسلامة والعافية في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وسيأتي. وروي عن النبي ﷺ : «من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة» (٣). ذكره صاحب «القوت» وهو صحيح المعنى، يدل على صحته ما ذكرناه، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب «بيان الحشر إلى الموقف» إن شاء الله تعالى. *** ٧٣ - باب في بعث النبي ﷺ من قبره (ابن المبارك) قال أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب؛ أن كعبا دخل على عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقال كعب: «ما من فجر يطلع إلاّ نزل سبعون ألفا من الملائكة

стр. 213

حتى يحفوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم ويصلّون على النبي ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار، وحتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه ﷺ » (١). والأخبار دالة ثابتة على أن جميع الناس يخرجون عراة ويحشرون كذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»: حدّثنا أنس بن خالد، قال: حدّثنا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال خرج النبي ﷺ ويمينه على أبي بكر، وشماله على عمر، فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (٢). *** ٧٤ - باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيأتها، ويبعث يوم الجمعة، زهراء منيرة، أهلها محتفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلاّ المؤذنون المحتسبون» (٣). خرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي، من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃. وإسناده صحيح. وقال أبو عمران الجوني: «ما من ليلة تأتي إلا تنادي: اعملوا فيّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة» ذكره أبو نعيم (٤).

стр. 214

٧٥ - باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقّاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله تقدم من حديث جابر مرفوعا: «فإذا قامت الساعة انحطّ عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه واحد سائق، والآخر شهيد» ذكره أبو نعيم. وذكر أبو نعيم أيضا عن ثابت البناني أنه قرأ ﴿حم﴾ [غافر: ١] السجدة حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] وقف فقال: «بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، قال: فأمّن الله خوفه، وأقر الله عينه، فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة فالمؤمن في قرّة عين لما هداه الله له، ولما كان يعمل له في الدنيا». وقال عمرو بن قيس الملاّئي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلاّ أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، اركبني اليوم، وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. وأن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلا أن الله قد قبح صورتك ونتّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، وأنا اليوم أركبك. وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]. ولا يصح من قبل إسناده؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ***

стр. 215

٧٦ - باب أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾؟ (مسلم) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! وذكر الحديث وفيه: فقال اليهودي: أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظّلمة دون الجسر» (١). الحديث بطوله وسيأتي. وخرّج مسلم أيضا وابن ماجه جميعا قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» (٢). وأخرجه الترمذي (٣) قال: حدّثنا ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان، عن داود بن هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: يا رسول الله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: «على الصراط يا عائشة». قال هذا حديث حسن صحيح. وخرّج عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري. حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال. فقلت: فأين الناس يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم» (٤). قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. فصل هذه الأحاديث نصّ في أن الأرض والسموات تبدّل وتزال ويخلق الله أرضا أخرى، يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط، لا كما قال كثير

стр. 216

من الناس أنّ تبدّل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها. ورواه ابن مسعود ﵁، خرجه ابن ماجه، وسيأتي ذكره في الأشراط - إن شاء الله. وذكر ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب قال: حدثني ابن عباس قال: «إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدّ الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا» (١). وذكر الحديث. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مدّ الأديم». ذكره الثعلبي في تفسيره. وروى علي بن الحسين ﵄ قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لأحد من البشر إلاّ موضع قدميه» ذكره الماوردي. وما بدأنا بذكره أصح لأنه نصّ ثابت عن النبي ﷺ . فإن قال قائل: إن بدّل في كلام العرب معناه: تغيير الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]. ولا يقتضي هذا إزالة العين وإنما معناه تغيير الصفة. ولو كان المعنى الإزالة لقال: «يوم تبدل الأرض» مخففا من أبدلت الشيء إذا أزلت عينه وشخصه. قيل له: ما ذكرته صحيح، ولكن قد قرئ قوله : ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها﴾ [القلم: ٣٢] مخففا ومثقلا بمعنى واحد. قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور: ٥٥] وقال: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. وكذا ذكر تاج اللغة أبو نصر الجوهري في «الصحاح». وأبدلت الشيء بغيره، وبدّله الله من الخوف أمنا، وتبديل الشيء أيضا تغييره، فقد دل القرآن، وكلام العرب، على أن بدّل وأبدل بمعنى واحد. وقد فسّر النبيّ ﷺ أحد المعنيين، فهو أعلى ولا كلام معه. قال ابن عباس وابن مسعود: «تبدّل الأرض أرضا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة قط». وقال ابن مسعود أيضا: «تبدل الأرض نارا، والجنة من ورائها يرى أكوابها وكواعبها» (٢). وقال أبو الجلد جيلان بن فروة: إني لأجد فيما أقرأ من كتب الله؛ أن الأرض تشعل نارا يوم القيامة.

стр. 217

وقال علي ﵁: «تبدل الأرض فضة، والسماء ذهبا». وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدّل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة. ثم قرأ ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنبياء: ٨]. وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: «تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه». قلت: وهذا المعنى الذي قاله سعيد بن جبير ومحمد بن كعب، مروي في الصحيح وسيأتي. وإليه ذهب ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له. وأن المؤمن يطعم يومئذ من بين رجليه، ويشرب من الحوض. فهذه أقوال الصحابة والتابعين دالة على ما ذكرنا. وأما تبديل السماء فقيل: تكوير شمسها وقمرها وتناثر نجومها؛ قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها فتارة كالمهل، وتارة كالدهان. حكاه ابن الأنباري. وقال كعب: تصير السماء دخانا، وتصير البحار نيرانا. وقيل تبديلها: أن تطوى كطيّ السجل للكتاب. وذكر أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن حيدرة في كتاب «الإفصاح» له: أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأن الأرض والسموات تبدل كرتين، إحداهما: هذه الأولى، وأنه سبحانه يغير صفاتها قبل نفخة الصعق، فتنتثر أولا كواكبها، وتكسف شمسها وقمرها، وتصير كالمهل، ثم تكشط عن رؤوسهم، ثم تسير الجبال ثم تموج الأرض، ثم تصير البحار نيرانا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر، فتصير الهيئة غير الهيئة، والبنية غير البنية، ثم إذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء، ودحيت الأرض، وبدلت السماء سماء أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩]. وبدلت الأرض: تمد مد الأديم العكاظي، وأعيدت كما كانت فيها القبور، والبشر على ظهرها وفي بطنها، وتبدل أيضا تبديلا ثانيا؛ وذلك إذا وقفوا في المحشر، فتبدل لهم الأرض التي يقال لها الساهرة يحاسبون عليها، وهي أرض عفراء، وهي البيضاء من فضة لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط، وحينئذ يقوم الناس على الصراط وهو لا يسع جميع الخلائق، وإن كان قد روي أن مسافته ألف سنة صعودا، وألف سنة هبوطا، وألف سنة استواء، ولكن الخلق أكثر من ذلك، فيقوم من فضل على الصراط، على

стр. 218

متن جهنم، وهي كإهالة جامدة، وهي الأرض التي قال عبد الله: إنها أرض من نار يعرق فيها البشر، فإذا حوسب الناس عليها - أعني الأرض المسماة بالساهرة - وجاوزوا الصراط وجعل أهل الجنان من وراء الصراط. وأهل النيران في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون، بدّلت الأرض كقرصة النّقيّ؛ فأكلوا من تحت أرجلهم، وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة؛ أي: قرصا واحدا يأكل منه جميع الخلق ممن دخل الجنة، وإدامهم زيادة كبد ثور في الجنة، وزيادة كبد الحوت على ما يأتي. *** ٧٧ - باب منه أمور تكون قبل الساعة ذكر علي بن معبد عن أبي هريرة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ ونحن في طائفة من أصحابه فقال: «إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور وأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر». فقال أبو هريرة قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «قرن». فقلت: وكيف هو؟ قال: «هو عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة، فيفزع أهل السماء والأرض إلاّ من شاء الله، ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها» يقول الله : ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] مأخوذة من فواق الحالب، وهي المهلة بين الحلبتين، وذلك أن الحالب يحلب الناقة والشاة ثم يتركها ساعة، يرضعها الفصيل لتدر ثم يحلب، ومنه سمي الفواق فواقا لأنه ريح يتردد في المعدة بين مهلتين، أي أن هذه النفخة ممتدة لا تقطيع فيها، ويكون ذلك يوم الجمعة في النصف من شهر رمضان، فيسيّر الله الجبال فتمرّ مرّ السحاب، ثم تكون سرابا، ثم ترتجّ الأرض بأهل رجّا، وهي التي يقول الله : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج، فيمد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان، وتتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتتلقاها الملائكة هاربة، فتضرب بها وجوها،

стр. 219

ويولي الناس مدبرين، ينادى بعضهم بعضا، وهي التي يقول : ﴿يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣] فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرا عظيما لم يروا مثله، فيأخذهم من ذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء؛ فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانخسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت السماء عنهم، ثم قال رسول الله ﷺ : «والموتى لا يعلمون شيئا من ذلك». قلت: يا رسول الله فمن استثنى الله ، حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾؟ قال: «أولئك هم الشهداء عند ربّهم يرزقون، إنما يصل الفزع إلى الأحياء، يقيهم الله شر ذلك اليوم ويؤمنهم منه، وهو عذاب يلقيه الله على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] أي: شديد، فتمكثون في ذلك ما شاء الله إلاّ أنه يطول عليهم كأطول يوم، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق» (١). الحديث بطوله وقد تقدم وسطه وهذا آخره. فصل هذا الحديث ذكره الطبري والثعلبي وصحّحه ابن العربي في سراج المريدين. وقال: «يوم الزلزلة وهو الاسم الثاني عشر، يكون عند النفخة الأولى، بهذا الحديث الصحيح الواحد المفرد». ولما نبأ النبي ﷺ بذكر الزلزلة التي تكون عند النفخة الأولى ذكر ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العظام التي يعظمها قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ومن فزعها ما لا تطيق حمله النفوس، وهو قوله لآدم: «ابعث بعث النار» (٢) فيكون ذلك في أثناء ذلك اليوم، ولا يقتضي أن يكون ذلك متصلا بالنفخة الأولى التي يشيب فيها الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع، ولكن يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون آخر الكلام منوطا بأوله، تقديره: يقال لآدم: ابعث بعث النار أثناء يوم يشيب فيه الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع من أوله. الثاني: أن شيب الوليد، ووضع الحوامل، وذهول المراضع؛ يكون في

стр. 220

النفخة الأولى حقيقة. وفي هذا القول الثاني تكون صفته بذلك إخبارا عن شدته، وإن لم يوجد غير ذلك الشيء فيه، وهذه طريقة العرب في فصاحتها». قلت: ما ذكره ابن العربي من صحّة الحديث وكلامه فيه: فيه نظر لما نبينه آنفا، وقد قال أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له: ورد في هذا الباب حديث منقطع لا يصح ذكره الطبري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينفخ في الصور ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع». فذكره. قال: وهو عنده في سورة يس. قلت: قد تقدم أن الصحيح في النفخ إنما هو مرتان لا ثلاث، وحديث مسلم في قول الله تعالى لآدم: «يا آدم ابعث بعث النار»؛ إنما هو بعد البعث يوم القيامة. ونفخة الفزع هي نفخة الصعق على ما تقدم، أو نفخة البعث على ما قيل، على ما يأتي، ولأنه لو كانت نفخة الفزع غير نفخة الصعق؛ لاقتضى ذلك أن يكون بقاء الناس بعدها أحياء ما شاء الله، ويكون هناك ليل ونهار، حتى تأتي نفخة الصعق، التي يموت لسماعها جميع الخلق، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى هذا لا يكون قوله: «ابعث» في أثناء اليوم الذي يكون مبدؤه نفخة الفزع، على ما ذكره ابن العربي، والله أعلم. ولا يلزم من زلزال الأرض أن تكون عن نفخة، فإنا نشاهد تحرك الأرض وميدها بمن عليها، وما عليها من جبال ومياه، كالسفينة في البحر إذا تلاطمت أمواجه من غير نفخ، وإنما تلك الزلزلة من أشراط الساعة ومقدّماتها كسائر أشراطها. وقد قال علقمة والشعبي: الزلزلة من أشراط الساعة وهي في الدنيا. وكذلك قال أنس بن مالك والحسن البصري. وقد ذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم في تفسيره: أن المراد بنفخة الفزع؛ النفخة الثانية، أي: يحيون فزعين يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم - والله أعلم -، ونحو ذلك ذكره الماوردي واختاره. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون قبل الساعة، في النصف من شهر رمضان ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ الضمير المنصوب في ﴿تَرَوْنَها﴾ للزلزلة أو القيامة، قولان؛ فعلى الأول: أن ذلك في الدنيا قبل نفخة الصعق، لعظم تلك الزلزلة وقوة حركتها بالأرض، لأن القيامة لا رضاع فيها ولا حمل، فترى الناس سكارى؛ يعني من الخوف. وعلى القول الثاني يكون فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك مثلا، والمعنى: أنه يكون يوما لا يهم أحدا فيه إلا

стр. 221

نفسه، والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة، ويكون الهول عظيما. والوجه الآخر: أن يكون ذلك حقيقة لا مثلا، ويكون المعنى أن من كانت محشورة مع ولد رضيع فإنها إذا رأت هول ذلك اليوم ذهلت عمن ولدت، وأن الحوامل إذا بعثن أسقطن من فزع يوم القيامة، الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء ثم لا يمتن بالإسقاط، لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين، لأنه لا موت في القيامة، وإنما هو يوم الحياة، وتضع الحوامل حملها. ثم يحتمل أن يحيي الله كل حمل كان قد أتم خلقه ونفخ فيه الروح، ويسويه ويعدّله، فإن الأم تذهل عنه، ولو لم تذهل ما قدرت على إرضاعه، لأنه لا غذاء يومئذ لها ولا لبن، واليوم يوم الحساب، لا يقبل فيه من عذر ولا علّة، فكيف تتخلى والاشتغال بالولد مع ما عليها من الحساب؟ وهي بصدده من الجزاء والحمل الذي لم ينفخ فيه قط إذا سقط يكون مع الوحوش ترابا، ولم يبتدأ إحياؤه لأن يوم الإعادة. فمن لم يمت في الدنيا لم يحي في الآخرة. قاله الحليمي في «منهاج الدين». وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ [الحج: ٢] أي: من العذاب والخوف، ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ من الشراب. ومما يبين ما قلناه: أن إبليس قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤]، سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب، طلب أن لا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت بعده، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٨٠، ٨١]. قال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم، وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه. قال المؤلف ﵀: وما وقع في هذا الحديث من انشقاق السماء، وتناثر نجومها وطمس شمسها وقمرها. فقد ذكر المحاسبي وغيره: أن ذلك يكون بعد جمع الناس في الموقف، وروي عن ابن عباس، وسيأتي. وقاله الحليمي في كتاب «منهاج الدين». فصل فأما التكوين يوم القيامة قبل الحساب؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١، ٢] وقال: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى آخرها.

стр. 222

والذي ثبت بسياق الآيات: أن هذه الزلزلة إنما تكون بعد إحياء الناس وبعثهم من قبورهم، لأنه لا يراد بها إلا إذعار الناس والتهويل عليهم، فينبغي أن يشاهدوها ليفزعوا منها ويهولهم أمرها، ولا تمكن المشاهدة منهم وهم أموات، ولأنه تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تخبر عما عمل عليها من خير وشر ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ [الزلزلة: ٦] فدل ذلك على أن هذه الزلزلة إنما تكون والناس أحياء واليوم يوم الجزاء وقال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] يعني الآخرة ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [الحاقة: ١٤] إلى قوله: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] فدلت هذه السورة على أن اصطدام الأرض والجبال لا يكون إلا بعد الإحياء، ودلت هذه الآية على أن الكوائن إنما تكون بعد النشأة الثانية، والله أعلم. وأما قوله: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] فقال الحسن وقتادة: ذلك يوم ينادي أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] وينادي أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] يعني: عن النار، أي: غير قادرين وغير معجزين، في تفسير مجاهد. وقيل: معناه يوم ينادي أهل النار بالويل والثبور، ويولون مدبرين من شدة العذاب. وقيل: إن ذلك نداء بعض الناس لبعضهم في المحشر، وتوليهم مدبرين إذا رأوا عنقا من النار. وقال قتادة: معنى «تولون مدبرين» منطلقا بكم إلى النار، ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] أي: مانع يمنعكم، فإن قيل، فقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦، ٧] إلى أن قال: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣]. وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث، قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان، أما الأولى فيموت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فيحيا كل شيء بإذن الله. وقال مجاهد أيضا: «الرادفة» حين تنشق السماء، وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. وقال عطاء: «الراجفة» القيامة و «الرادفة» البعث، وقال ابن زيد: «الراجفة» الموت «والرادفة» الساعة، فهذا يبين لك ما قلناه من أن المراد بالزجرة النفخة الثانية، والله أعلم. واختلفوا في «الساهرة» اختلافا كثيرا، فقال ابن عباس: وأما الساهرة فأرض

стр. 223

من فضة بيضاء، لم يعص الله عليها طرفة عين خلقها الله يومئذ، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقال بعضهم: «الساهرة» اسم الأرض السابعة يأتي الله بها فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. وقال قتادة: هي جهنم؛ أي: فإذا هؤلاء الكفار في جهنم. وقيل: صحراء قريبة من شفير جهنم. وقال الثوري: «الساهرة» أرض الشام. وقيل غير هذا. وإنما قيل لها «ساهرة» لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. ومعنى ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] أي: على الأرض بعد ما كانوا في بطنها. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به لهم مقيم *** ٧٨ - باب الحشر ومعناه الجمع وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة. أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ١٢]. قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس: من شك أن الحشر في الشام؛ فليقرأ هذه الآية، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم: «اخرجوا» قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» (١). قال قتادة: هذا أول الحشر. الثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير،

стр. 224

وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (١). أخرجه البخاري أيضا. وقال قتادة: الحشر الثاني؛ نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف. قال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطهما. كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة. قال فيه: «وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تزجر الناس» وفي رواية: «تطرد الناس إلى محشرهم» (٢). وفي حديث آخر: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز» (٣). ويدل على أنها قبل يوم القيامة؛ قوله: «فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح حيث أصبحوا». قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: «فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام» كأنه أمر يسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. قال المؤلف ﵀: وذكره الحليمي في «منهاج الدين» له من حديث ابن عباس، وذكر أن ذلك في الآخرة، فقال: يحتمل قوله ﵇: «تحشر الناس على ثلاث طرائق» إشارة إلى - الأبرار والمخلطين والكفار - فالأبرار: هم الراغبون إلى الله تعالى فيما أعد لهم من ثوابه، والراهبون: هم الذين بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار؛ فإنهم يؤتون بالنجائب، كما في الحديث - على ما يأتي في هذا الباب - وأما المخلطون: فهم الذين أريدوا في هذا الحديث، وقيل: إنهم يحملون على الأربعة، وأما الفجار الذين تحشرهم النار؛ فإن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة، فتقيض لهم نارا تسوقهم، ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر البعير، فأما أن ذلك من إبل الجنة، أو من الإبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة، فهذا لم يأت بيانه، والأشبه ألا يكون من نجائب الجنة، لأن من خرج من جملة الأبرار فكان مع ذلك من جملة المؤمنين، فإنهم بين الخوف والرجاء، لأن من هؤلاء من يغفر الله تعالى ذنوبه فيدخل الجنة، ومنهم من يعاقبه بالنار ثم يخرجه منها ويدخله الجنة. وإذا كانوا كذلك لم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل الله بعضهم إلى النار، لأن من أكرمه الله بالجنة لم يهنه بعد ذلك بالنار. قال: وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: «يحشر الناس»

стр. 225

الحديث، وفي آخره: «أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك» (١). فهذا إن ثبت مرفوعا فالركبان: هم المتقون السابقون، الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة. والصنف الثاني: الذين يعذبهم الله بذنوبهم، ثم يخرجهم من النار إلى الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ثم يركبوا، أو يكونوا ركبانا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا، ليتفق الحديثان. والصنف الثالث: المشاة على وجوههم وهم الكفار. وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون وهم ركبان، وصنفان من الكفار، أحدهما: العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم. قال المؤلف ﵀: وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» في قوله ﵇: كيف يحشر الناس يا رسول الله؟ قال: «اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير». ومعنى هذا الحديث - والله أعلم - أن قوما يأتلفون في الإسلام برحمة الله، يخلق الله لهم من أعمالهم بعيرا يركبون عليه، وهذا من صنف العمل لكونهم يشتركون فيه، كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس مع واحد منهم ما يشتري به مطية توصله، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة فابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق ويبلغ بعير مع عشرة، فاعمل هداك الله عملا يكون لك به بعير خالص من الشركة. واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح، فالمتقون وافدون كما قال الجليل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥]. وفي غريب الراوية؛ أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم». قالوا له: وما كان يصنع؟ قال: «ورث من أبيه مالا كثيرا، فاشترى بستانا، فحبسه للمساكين؛ وقال: هذا بستاني عند الله تعالى، وفرّق دنانير عديدة في الضعفاء، وقال: بهذا أشتري جارية من الله تعالى وعبيدا، وأعتق رقابا كثيرة وقال: هؤلاء خدمي عند الله تعالى، والتفت ذات يوم لرجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو، فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذه مطيتي عند الله تعالى أركبها، والذي نفس محمد بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف» (٢).

стр. 226

قال المؤلف ﵀: ما ذكره القاضي عياض من أن ذلك في الدنيا، أظهر - والله أعلم - لما في الحديث نفسه من ذكر المساء والمبيت والصباح والقائلة، وذلك ليس في الآخرة. وقد خرّج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف؛ صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم». قيل: يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك» (١). قال هذا حديث حسن. فقوله: «يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك، على ما يأتي من صفة أرض المحشر، والله أعلم. وخرّج النسائي عن أبي ذر قال: «إن الصادق المصدوق حدثني؛ أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج؛ فوجا راكبين طاعمين كاسين، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم النار فوجا يمشون ويسعون، يلقي الله الآفة على الظهر، فلا تبقى، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها» (٢). وذكر عمر بن شبة في «كتاب المدينة» - على ساكنها السلام - عن أبي هريرة ﵁ قال: «آخر من يحشر رجلان؛ رجل من جهينة وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان؛ فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس» (٣). وهذا كله مما يدل على أن ذلك في الدنيا، كما قال القاضي عياض، وأما الآخرة؛ فالناس أيضا مختلفو الحال على ما ذكروه، وسنذكر من ذلك ما فيه كفاية في الباب بعد هذا إن شاء الله. والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف - على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء الله، قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]. والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥] أي: ركبانا على النّجب. وقيل: على الأعمال كما تقدم.

стр. 227

وقد وردت أخبار منها: ما رواه النعمان بن سعد، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾، قال: «أما إنهم ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة». وسمي المتقون وفدا لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه، فهم لا يتباطئون لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات. قال الله تعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فيزيدهم ذلك إسراعا، وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا بالطاعات ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦] أي: عطاشا، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢]. وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٤]. (مسلم) عن أنس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله! الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ : «أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟» قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (١). أخرجه البخاري أيضا. فصل قال أبو حامد -: وذكر هذا الفصل -: وفي طبع الآدمي إنكار ما لم يأنس به ولم يشاهده؛ ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها؛ لأنكر المشي من غير رجل، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا، فإنك لو لم تشاهد عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها، فأحضر - رحمك الله - في قلبك صورتك وأنت قد وقفت عاريا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجري عليك من القضاء، بالسعادة أو بالشقاء. ***

стр. 228

٧٩ - باب بيان الحشر إلى الموقف كيف هو؟ وفي أرض المحشر وذكر الصخرة، وقوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ الآية (أبو نعيم) قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا محمد، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المنذر بن النعمان؛ أنه سمع وهب بن منبه يقول: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: لأضعن عليك عرشي، ولأحشرن عليك خلقي، وليأتينك يومئذ داود راكبا (١). وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ١٤] قال: إنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس، فينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ويا عظاما نخرة، ويا أكفانا فانية، ويا قلوبا خاوية، ويا أبدانا فاسدة، ويا عيونا سائلة، قوموا لعرض رب العالمين. قال قتادة: المنادي؛ هو صاحب الصور، ينادي من الصخرة من بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وقيل: باثني عشر ميلا. ذكره القشيري، والأول ذكره الماوردي. وقيل: إن المنادي جبريل، والله أعلم. قال عكرمة: ينادي منادي الرحمن؛ فكأنما ينادي في آذانهم يوم يسمعون الصيحة بالحق يريد النفخ في الصور ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً﴾ [ق: ٤٤] إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس أرض المحشر ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، أي: هين سهل. فإن قيل: فإذا كانت الصيحة للخروج؛ فكيف يسمعونها وهم أموات؟ قيل له: إن نفخة الإحياء تمتد وتطول، فتكون أوائلها للإحياء، وما بعدها للإزعاج من القبور، فلا يسمعون ما يكون للإحياء، ويسمعون ما يكون للإزعاج، ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة، والناس يحيون منها أولا فأولا، وكلما حيي واحد سمع ما يحيى به من بعده، إلى أن يتكامل الجميع للخروج، وقد تقدم أن الأرواح

стр. 229

في الصور، فإذا نفخ فيه النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ [يس: ٥١] أي القبور - ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وهذا يبيّن ما ذكرنا وبالله توفيقنا. وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد؛ فيتبع الناس الصوت يومئذ، فذلك قول الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] الآية. وقال الله : ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ١ - ٣] فجّر عذبها في ملحها، وملحها في عذبها، في تفسير قتادة ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] أي: أخرج ما فيها من الأموات، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ [الانشقاق: ١، ٢] أي: سمعت وأطاعت ﴿وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] أي: وحق لها أن تفعل ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] تمد مدّ الأديم، وهذا إذا بدّلت بأرض بيضاء كأنها فضة لم تعمل عليها خطيئة قط، ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها﴾ [الانشقاق: ٤] من الأموات؛ فصاروا على ظهرها. (مسلم) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ، ليس فيها علم لأحد» (١). وخرّج أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، عن عبد الله بن مسعود: «يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا؛ فمن أطعم لله أطعمه، ومن سقا لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل لله كفاه، ومن نصر الله أراحه الله في ذلك اليوم». وروي من حديث معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت قول الله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ [النبأ: ١٨]. فقال النبي ﷺ : «يا معاذ بن جبل! لقد سألت عن أمر عظيم» ثم أرسل عينيه بالبكاء والدموع ثم قال: «تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميّزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدّل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسبحون عليها، وبعضهم عمي يتردّون، وبعضهم صمّ بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا تقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، فأما الذين

стр. 230

على صورة القردة فالقتّات من الناس - يعني النمام - وأما الذين على صورة الخنازير؛ فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكّسون رؤوسهم ووجوههم؛ فأكلة الربا، والعمي؛ من يجور في الحكم، والصم البكم؛ الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم؛ فالعلماء والقضاة الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم؛ الذين يؤذون الجيران، والمصلّبون على جذوع النار؛ السعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشدّ نتنا من الجيف؛ الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب؛ فأهل الكبر والفخر والخيلاء». وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية، فقوم مفتونون بالعود معتكفون عليه دهرهم، فعند قيام أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده، ويقول: سحقا لك شغلتني عن ذكر الله، فيعود إليه ويقول: أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وكذلك يبعث السكران سكرانا، والزامر زامرا، وكل واحد على الحال الذي صدّه عن سبيل الله. قال: ومثله الحديث الذي روي في الصحيح: «أن شارب الخمر يحشر والكوز معلّق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على الأرض يلعنه كل من يمر به من الخلق». وقال أيضا في هذا الكتاب: فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره؛ فمنهم العريان، ومنهم المكسو، والأسود والأبيض ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس لا تزال كل واحد منهم مطرقا برأسه ألف عام، حتى تقوم من الغرب نار لها دويّ تساق، فيدهش لها رؤوس الخليقة إنسا وجنّا وطيرا ووحشا، فيأتي كل واحد من المخاطبين عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيّد شخص له عمله بغلا، ومنهم من يشخص عمله حمارا، ومنهم من يشخص له كبشا، تارة يحمله وتارة يلقيه، ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه، ومثله يسري بين يديه في الظلمات، وهو قوله تعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وليس عن شمائلهم نور، بل ظلمة حالكة لا يستطيع البصر نفاذها، يحار فيها الكفار، ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حندسها ويحمد الله تعالى على ما أعطاه من النور المهتدي به في تلك الشدة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، لأن الله تعالى يكشف للعبد المؤمن المنعم عن أحوال المعذب الشقي ليستبين له سبيل الفائدة، كما فعل بأهل الجنة وأهل النار، حيث يقول: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] وكما قال سبحانه: ﴿* وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]. لأن أربعا لا يعرف قدرها إلا أربع: لا يعرف قدر

стр. 231

الحياة إلى الموتى، ولا يعرف قدر الأغنياء إلا الفقراء، ولا يعرف قدر الصحة إلا أهل البلاء والسقم، ولا يعرف قدر الشباب إلا الشيوخ. وفي نسخة: ولا يعرف قدر النعيم إلا أهل الجحيم. ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى طرف بنانه، ونوره يطفأ تارة ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم. وقد مضى في باب: يبعث كل عبد على ما مات عليه ما فيه كفاية - والله أعلم والحمد لله. *** ٨٠ - باب الجمع بين آيات وردت في الكتاب في الحشر ظاهرها التعارض منها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧ - ] وفي آية ثالثة أنهم يقولون: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وهذا كلام وهو مضاد للبكم، والتعارف تخاطب، وهو مضاد للصمم والبكم معا، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] والسؤال لا يكون إلا بإسماع، وإلا لناطق يتسع للجواب، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ٢٠] وقال: ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] والنسلان والإسراع مخالفان للحشر على الوجوه. والجواب: لمن سأل عن هذا الباب، أن يقال له: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم فليست حالهم حالة واحدة، ولا موقفهم ولا مقامهم واحدا، ولكن لهم مواقف وأحوال، واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: أولها: حال البعث من القبور. والثانية: حال السّوق إلى موضع الحساب. والثالثة: حال المحاسبة، والرابعة: حال السوق إلى دار الجزاء. والخامسة: حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها. فأما حال البعث من القبور؛ فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح، لقول الله تعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقوله: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ [طه: ١٠٣] وقوله: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وقوله: ﴿قالَ كَمْ

стр. 232

لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٥]. والحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب، وهم أيضا في هذه الحال بحواس تامة، لقوله : ﴿* اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤] ومعنى فاهدوهم؛ أي: دلّوهم، ولا دلالة لأعمى أصم، ولا سؤال لأبكم، فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة. والحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة، وهم يكونون فيها أيضا كاملي الحواس، ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرءوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم فيسمعوها، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وأنهم يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وليشاهدوا أحوال القيامة وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها. وأما الحالة الرابعة: وهي السوق إلى جهنم؛ فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم، لقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق. والحالة الخامسة: حال الإقامة في النار، وهذه الحالة تنقسم إلى بدء ومآل، فبدؤها أنهم إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميا وبكما وصما إذلالا لهم، تمييزا عن غيرهم، ثم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار، وما أعد الله لهم فيها من العذاب، ويعاينوا ملائكة العذاب وكل ما كانوا به مكذّبين، فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقال: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]. وقال: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]. وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا

стр. 233

مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأن أهل الجنة ينادونهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وأنهم يقولون: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا: ﴿أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨]. وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم؛ وهو: «أن يؤتى بكبش أملح ويسمى الموت، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادوا: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (١). سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم؛ وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام، لكن سلب السمع يقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الربّ سبحانه على ألسنة رسله، فلم يجيبوه بل جحدوه، وكذّبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الاستماع؛ عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع، يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥٠] وقالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. وإن قوم نوح ﵇ كانوا يستغشون ثيابهم تسترا منه لئلاّ يروه ولا يسمعوا كلامه، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار في وقت نبينا محمد ﷺ مثله فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا الغير فلم يعتبروا، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا، فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا، والله تعالى أعلم. ***

стр. 234

٨١ - باب ما جاء في حشر الناس إلى الله حفاة عراة غرلا، وفي أول من يكسى منهم وفي أول ما يتكلم من الإنسان (مسلم) عن ابن عباس ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: «أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ألا وإن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ألا وإنه يؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨] قال: فيقال إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم» (١). أخرجه البخاري أيضا.

стр. 235

و (الترمذي) عن معاوية بن حيدة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكره، قال: وأشار بيده إلى الشام فقال: «هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة، وتجرون على وجوهكم يوم القيامة، على أفواهكم الفدام، توفون سبعين أمة أنتم خيرهم على الله، وأكرمهم على الله، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» (١). وفي رواية أخرى، ذكرها ابن أبي شيبة: «وأن أول ما يتكلم من الإنسان فخذه وكفه» (٢). فصل قوله: «غرلا» أي: غير مختونين. النقي: الحواري، وهو الدرمك من الدقيق، والعفر: بياض ليس بخالص، يضرب إلى الحمرة قليلا. والفدام: مصفاة الكوز والإبريق، قاله الليث. قال أبو عبيد: «يعني أنهم منعوا الكلام، حتى تتكلم أفخاذهم، فشبّه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق». وقوله: «أول من يكسى إبراهيم»؛ فضيلة عظيمة لإبراهيم، وخصوص له كما خصّ موسى ﵇ بأن النبي ﷺ يجده معلّقا بساق العرش، مع أن النبي ﷺ أول من تنشقّ عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقا بل أهو أفضل من وافى القيامة، على ما يأتي بيانه في أحاديث الشفاعة والمقام المحمود، إن شاء الله تعالى. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب «المفهم» له: «ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس، فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله تعالى أعلم» (٣). قلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصا خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن

стр. 236

الحارث، عن علي ﵁ قال: «أول من يكسى؛ خليل الله إبراهيم قبطيّتين، ثم يكسى محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش» (١). ذكره البيهقي أيضا. وروى عبّاد بن كثير، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: «إن المؤذنين والملبّين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذّن المؤذن، ويلبّي الملبّي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم خليل الله، ثم محمد ﷺ ، ثم النبيون والرسل ﵈، ثم يكسى المؤذّنون، وتتلقّاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر، أزمتها من زمرد أخضر، رحالها من الذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر». ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» له. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث الأسود، وعلقمة، وأبي وائل، عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: «جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ » - الحديث - وفيه: «فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇، يقول: اكسوا خليلي، فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه قياما لا يقومه أحد غيري، يغبطني فيه الأولون والآخرون» (٢). وذكر الحديث. وخرج البيهقي بإسناده في كتاب «الأسماء والصفات» عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تحشرون حفاة عراة، وأول من يكسى من الجنة إبراهيم ﵇، يكسى حلّة من الجنة ويؤتى بكرسي، فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم أوتي بكرسي فيطرح على ساق العرش» (٣). وهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى ثم نبينا بإخباره ﷺ ، فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الوقت من ثياب الجنة، فإنه من لبسه فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشمس، وغير ذلك من أهواله. فصل وتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم ﵇ بالكسوة؛ فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عبد أخوف من إبراهيم ﵇، فتعجّل له

стр. 237

كسوته أمانا له ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر، وحفظا لفرجه من أن يماس مصلاّه، ففعل ما أمر به، فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جرّدوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس، كما يفعل بمن يراد قتله، وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله ، فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالى؛ دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة، وجزاه بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وهذا أحسنها، والله أعلم. وإذا بدئ في الكسوة بإبراهيم وثني بمحمد ﷺ ؛ أوتي محمد ﷺ بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵉. قاله الحليمي. وقوله: تجدون على أفواهكم الفدام، الفدام: مصفاة الكوز والإبريق، قاله الليث. قال أبو عبيد: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. قال سفيان: وفدامهم أن يؤخذ على ألسنتهم وهذا مثل. *** ٨٢ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (مسلم) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض» (١). (الترمذي) عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أيبصر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» (٢). قال حديث حسن صحيح.

стр. 238

فصل قلت: هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلا، أي: غير مختونين ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. قال العلماء: يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه، حتى الختان. وقد عارض هذا الباب ما روى أبو داود في «سننه» عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي دفن فيها» (١). قال أبو عمر بن عبد البر: «وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الموتى يبعثون جملة على هيئاتهم. وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمّل في ثيابه، ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عليه شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس وعائشة ﵄، قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم، والله أعلم». قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله الحق: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. ولأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، زالت الأملاك بالموت، وبقيت الأموال في الدنيا، وكل نفس يومئذ فإنما يقيها المكاره ما وجب لها بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من الله عليها، فأما الملابس فلا غنى فيها يومئذ إلا ما كان من لباس الجنة، على ما تقدم في الباب قبل. وذهب أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة» (٢). ورواه أبو سفيان مسندا. قال المؤلف ﵀: وهذا الحديث لم أقف عليه، والله أعلم بصحته، وإن صح فيكون معناه: فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها، حتى لا تتناقض الأخبار، والله أعلم. ولا يعارض هذا الباب ما تقدم أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم، فإن ذلك يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء، والله أعلم.

стр. 239

٨٣ - باب حشر الرسول ﷺ بين أبي بكر وعمر ذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، عن عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر ﵄، حتى أقف بين الحرمين فيأتي أهل المدينة ومكة» (١). غريب من حديث مالك، تفرد به عبد الله بن إبراهيم عنه، ويقال: لم يروه غير عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي البغدادي، عن الغفاري. *** ٨٤ - باب قول النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ وفي أسماء يوم القيامة (الترمذي) عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾» (٢) قال: هذا حديث حسن. فصل قلت: وإنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكوّر شمسها، وانكدار نجومها، وتناثر كواكبها، إلى غير ذلك من

стр. 240

أفزاعها وأهوالها، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم بعد نشر صحفهم، وقراءة كتبهم، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم، أو من وراء ظهورهم في موقفهم، على ما يأتي بيانه - قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وقال: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] فتراها واهية منفطرة متشقّقة، كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ [النبأ: ١٩] ويكون الغمام سترة بين السماء والأرض، وقيل: إن الباء بمعنى (عن) أي: تشقّق عن سحاب أبيض، ويقال: انشقاقها لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن، وتتشقق لما يريد الله من نقض هذا العالم ورفعه. وقد قيل: إن السماء تتلون فتصفر ثم تحمر، أو تحمر ثم تصفر، كالمهرة تميل في الربيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ الحر مالت إلى الحمرة، ثم إلى الغبرة. قاله الحليمي. وقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قال ابن عباس ﵁: تكويرها؛ إدخالها في العرش. وقيل: ذهاب ضوئها، قاله الحسن وقتادة. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وقال أبو عبيدة: كوّرت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى. وقال الربيع بن خيثم: كورت؛ رمي بها، ومنه: كوّرته فتكوّر، أي: سقط. قلت وأصل التكوير الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها، أي: لاثها وجمعها، فهي تكور ثم يمحى ضوؤها، ثم يرمى بها [في البحر]، والله أعلم (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] أي: انتثرت، قيل: تتناثر من أيدي الملائكة لأنهم يموتون. وفي الخبر: أنها معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي الملائكة. وقال ابن عباس ﵁: انكدرت تغيرت. وأصل الانكدار الانصباب، فتسقط في البحار فتصير معها نيرانا إذا ذهبت المياه. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] هو مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] أي: تحول عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا، أي: رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منبثّا، وتكون سرابا مثل السراب الذي ليس بشيء، وقيل: إن الجبال بعد اندكاكها تصير كالعهن من حرّ جهنم، كما تصير السماء من حرها كالمهل. قال الحليمي: وهذا - والله أعلم - لأن مياه الأرض كانت حاجزة بين السماء والأرض، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أثّر في كل واحد من السماء والأرض ما ذكر.

стр. 241

قوله: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] أي: عطلها أهلها، فلم تحلب، من الشغل بأنفسهم، والعشار: الإبل الحوامل، واحدها عشراء، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد ما تضع، وإنما خصّ العشار بالذكر لأنها أعز ما يكون على العرب، فأخبر أنها تعطل يوم القيامة، ومعناه: أنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمهم أمرها. ويحتمل تعطل العشار؛ إبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا، وأهل العشار يرونها فلا يجدون إليها سبيلا، وقيل: العشار السحاب يعطّل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، وقيل: العشار الديار تعطل فلا تسكن وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والقول الأول أشهر وعليه من الناس الأكثر. وقوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] أي: جمعت؛ والحشر: الجمع، وقد تقدم. وقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، أي: أوقدت وصارت نارا؛ رواه الضحاك عن ابن عباس ﵁. وقال قتادة: غار ماؤها فذهب. وقال الحسن والضحاك: فاضت. قال ابن أبي زمنين: سجّرت؛ حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى بعض، فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول الحسن. ويقال: إن الشمس تلف ثم تلقى في البحار، فمنها تحمى وتنقلب نارا. قال الحليمي: ويحتمل إن كان هذا هكذا أن البحار في قول من فسّر التسجير بالامتلاء، هو أن النار حينئذ تكون أكثرها، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة، فإذا كوّرت وألقيت في البحر فصارت نارا ازدادت امتلاء. وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] تفسير الحسن: أن تلحق كل شيعة شيعتها؛ اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد من دون الله شيئا يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقال عكرمة: المعنى تقرن بأجسادها، أي: ترد إليها، وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان. وقيل: يقرن المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين. وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] يعني بنات الجاهلية؛ كانوا يدفنونهن أحياء لخصلتين؛ إحداهما: كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، الثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ

стр. 242

لقاتلها كما يقال للطفل إذا ضرب: لم ضربت وما ذنبك. وقال الحسن: أراد الله أن يوبّخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب، وبعضهم يقرأ ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ تعلق الجارية بأبيها فتقول بأي ذنب قتلتني؟ وقيل: معنى سئلت؛ يسأل عنها، كما قال: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] أي: للحساب، وسيأتي. وقوله: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قيل: معناه طويت، كما قال الله تعالى: «يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتاب» (١) [الأنبياء: ١٠٤] أي: كطيّ الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى على، يقال: كشطت السقف أي: قلعته، فكان المعنى: قلعت فطويت - والله أعلم -. والكشط والقشط سواء، وهو القلع. وقيل: السجل كاتب للنبي ﷺ ، ولا يعرف في الصحابة من اسمه سجل. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] أي أوقدت. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] أي: قربت لأهلها وأدنيت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] أي: من عملها، وهو مثل قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] ومثل قوله: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فهو يوم الانشقاق، ويوم الانفطار، ويوم التكوير، ويوم الانكدار، ويوم الانتثار، ويوم التسيير، قال الله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ [الطور: ١٠]. ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويوم التعطيل، ويوم التسجير، ويوم التفجير، ويوم الكشط والطي، ويوم المد لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] إلى غير ذلك من أسماء القيامة. وهي الساعة الموعود أمرها، ولعظمها أكثر الناس السؤال عنها لرسول الله ﷺ ، حتى أنزل الله على رسوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكلّ ما عظم شأنه تعدّدت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا في جميع كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكّد نفعه لديهم وموقعه، جمعوا له خمسمائة اسم، وله نظائر. فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة، منها ما ذكرناه، مما وقع في هذه السور الثلاث.

стр. 243

وقيل: إن الله تعالى يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، فتوقف بين يدي الله تعالى، ويوم الجمعة فيها زهراء مضيئة، يعرفها الخلائق، فيوم القيامة يوم يتضمن الأيام كلها، فسمّي بكل حال يوما فقيل: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النبأ: ١٨] ثم قيل: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] ثم قيل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبأ: ٤٠] فهذه حالة أخرى. ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة: ١٨] ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ [الزلزلة: ٦]. فهذه أحوال. فقد يجري يوم القيامة بطوله على هذه الأحوال، كل حال منها كاليوم المتجدد، ولذلك كررت في قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] لأن ذلك اليوم وما بعده يوم، واليوم العظيم متضمن لهذه الأيام، فهو لله يوم، وللخلائق أيام، قد عرفت أيامهم في يومه، وقد بطل الليل والنهار. قاله الترمذي الحكيم. ومما قيل في معنى ما ذكرنا من النظم قول بعضهم: مثّل لنفسك أيها المغرور … يوم القيامة والسماء تمور إذ كوّرت شمس النهار وأدنيت … حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت … وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا البحار تفجّرت من خوفها … ورأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الجبال تقلّعت بأصولها … فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطّلت وتخربت … خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت … وتقول للأملاك أين نسير وإذا تقاة المسلمين تزوجت … من حور عين زانهن شعور وإذا الموءودة سئلت عن شأنها … وبأيّ ذنب قتلها ميسور وإذا الجليل طوى السما بيمينه … طيّ السّجلّ كتابه المنشور وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت … تبدي لنا يوم القصاص أمور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت … وتهتكت للمؤمنين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها … ورأيت أفلاك السماء تدور وإذا الجحيم تسعّرت نيرانها … فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت … لفتى على طول البلاء صبور وإذا الجنين بأمّه متعلّق … يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية … كيف المصرّ على الذنوب دهور

стр. 244

ومنها الساعة قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وهو في القرآن كثير. والساعة؛ كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود وفي العرف على جزء من أربعة وعشرين جزءا من يوم وليلة، والّذين هما أصل الأزمنة. وتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا، تريد الوقت الذي أنت فيه، والذي يليه تقريبا له. وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمّى بالآن، وسمّيت به القيامة إما لقربها؛ فإن كل آت قريب، وإما أن تكون سميت بها تنبيها على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام. وقيل: إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة، وقيل: إنما سميت بالساعة لأن الله تعالى يأمر السماء أن تمطر بماء الحيوان، حتى تنبت الأجساد في مدافنها ومواضعها حيث كانت من بحر أو بر، وتستقل وتتحرك بحياتها بماء الحيوان، وليست فيها أرواح، ثم تدعى الأرواح، فأرواح المؤمنين تتوقد نورا، وأرواح الكافرين تتوهج ظلمة، فإذا دعا الأرواح ألقاها في الصور، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ في الصور، فإذا نفخ فيه خرجت من الصور، ثم أمرت أن تلحق الأجساد، فتبعث إلى الأجساد في أسرع من اللمحة، وإنما سميت الساعة لسعي الأرواح إلى الأجساد في تلك السرعة، فهي سائع، وجمعها ساعة، كقولك: بائع وباعة، وضائع وضاعة، وكائل وكالة، فوصفت أن سائر أموره في السرعة كلمح البصر، وأمر الساعة أقرب من لمح البصر. قاله الترمذي الحكيم. وذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده؛ عن وهب بن منبه قال: «إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء، وقطرت العظام دما» (١). ومنها القيامة، قال الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]. وهي في العربية مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب، واختلف في تسميتها بذلك على أربعة أقوال: الأول: لوجود هذه الأمور فيها.

стр. 245

الثاني: لقيام الخلق كلهم من قبورهم إليها قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾ [المعارج: ٤٣]. الثالث: لقيام الناس لرب العالمين، كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «يوم يقوم الناس لربّ العالمين، قال: يوم يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (١). قال ابن عمر ﵄ يقومون مائة سنة. ويروى عن كعب: يقومون ثلاثمائة سنة. الرابع: لقيام الروح والملائكة صفّا، قال الله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]. قال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، ولكنها قيامة صغرى وكبرى، فالصغرى هي ما يقوم على كل إنسان في خاصته، من خروج روحه، وفراق أهله، وانقطاع سعيه، وحصوله على عمله، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرّا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعمّ الناس وتأخذهم أخذه واحدة، والدليل على أن كل ميت يموت فقد قامت قيامته؛ قول النبي ﷺ لقوم من الأعراب، وقد سألوه متى القيامة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليم ساعتكم» (٢) أخرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر: خرجت من الدنيا وقامت قيامتي … غداة أقيل الحاملون جنازتي وعجّل أهلي حفر قبري وصيّروا … خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط سيرتي … غداة أتي يومي عليّ وساعتي ومنها: يوم النفخة؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢]، وقد مضى القول فيه. ومنها: يوم الزلزلة، ويوم الراجفة، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦، ٧] وقد تقدم. ومنها: يوم الناقور، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، وقد تقدّم القول فيه، والحمد لله. ومنها: القارعة؛ سمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده. قالت الخنساء أخت صخر: تعرّفني الدهر نهشا وحزّا … وأوجعني الدهر قرعا وغمزا

стр. 246

أرادت؛ أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. ومنها: يوم البعث، وحقيقته إثارة الشيء عن خفاء، وتحريكه عن سكون. قال عنترة: وعصابة شمّ الأنوف بعثتهم … ليلا وقد مال الكرا بطلاها وقال امرؤ القيس: وفتيان صدق قد بعثت بسحرة … فقاموا جميعا بين عاث ونشوان (١) وقد تقدم القول فيه وفي صفته، والحمد لله. ومنها: يوم النشوز؛ وهو عبارة عن الإحياء، يقال: قد أنشز الله الموتى، فنشزوا؛ أي: أحياهم الله فحيوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: نحييها، وقد يكون معناه التفريق؛ من ذلك قولك: أمرهم نشز. ومنها يوم الخروج، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾ [المعارج: ٣٤] فأوله الخروج من القبور، وآخره خروج المؤمنين من النار، ثم لا خروج ولا دخول على ما يأتي. ومنها: يوم الحشر؛ وهو عبارة عن الجمع، وقد يكون مع الفعل إكراه، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: من يسوق السحرة كرها، وقد مضى القول في الحشر مستوفى والحمد لله. ومنها: يوم العرض، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. وحقيقته إدراك الشيء بإحدى الحواس ليعلم حاله، وغايته السمع والبصر، فلا يزال الخلق قياما في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما شاء الله أن يقوموا حتى يلهموا أو يهتموا، فيقولون: قد كنا نستشفع في الدنيا، فهلم فلنسأل الشفاعة إلى ربنا، فيقولون: ائتوا آدم … الحديث، وسيأتي. قال ابن العربي: وفي كيفية العرض أحاديث كثيرة، المعوّل منها على تسعة أحاديث في تسعة أوقات: الأول: الحديث المشهور الصحيح رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ﵄ واللفظ له، قال: إن ناسا في زمن النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟» قال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها

стр. 247

سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلاّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم: كذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تريدون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله من برّ وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فماذا تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد؟ قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم. فيقولون نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم» (١). وذكر الحديث، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. الثاني: صحّ من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نوقش الحساب عذّب، قلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]». قال: «ليس ذلك الحساب، ذلك العرض» (٢) وسيأتي. الثالث: روى الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات» (٣). وسيأتي.

стр. 248

الرابع: روي عن أنس ﵁ أنه قال عن النبي ﷺ : «يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج» (١). الحديث، سيأتي. الخامس: ثبت عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد الخدري، واللفظ له: «يؤتى بعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وتركتك ترأس وترتع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا فيقال له: اليوم أنساك كما نسيتني» (٢). وهذا حديث صحيح. قلت خرجه مسلم والترمذي مطولا. السادس: ثبت من طرق صحاح، أن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه، فيقول له: عبدي تذكر يوم كذا وكذا، حين فعلت كذا وكذا، فلا يزال يقرره حتى يرى أنه هلك، ثم يقول له: عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٣). السابع: وفي الصحيح، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار؛ رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها» (٤). وذكر الحديث. الثامن: وفي الصحيح، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها» (٥). وروى مسلم: «يجمع الله الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة، فيقول لهم: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك» (٦). وذكر حديث الشفاعة. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وذلك قوله في الحديث المتقدم: «ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا». قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا مما أغفله الأئمة في التفسير.

стр. 249

التاسع: العرض على الله، ولا أعلمه في الحديث إلا قوله في النص المتقدم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين»، وذكر الحديث. قلت: إذا تتبعت الأحاديث في هذا الباب على هذا السياق كان الحسن والصحيح منها أكثر من تسعة. وقد خرج مسلم عن أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» (١) الحديث وسيأتي. وقوله في الحديث الآخر: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» (٢). وخرّج مسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلّمه الله ليس بينه وبينه ترجمان» (٣). الحديث، وسيأتي. وخرّج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب» (٤). الحديث، وسيأتي. ويتضمن من غير رواية البخاري عرض اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل، ثم جبرائيل، ثم الأنبياء نبيّا نبيا صلوات الله عليهم أجمعين، وسيأتي. وخرّج الترمذي وابن ماجه، حديث «الرجل الذي ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا» (٥). وسيأتي.

стр. 250

وهذا كله من باب العرض على الله، وإذا تتبعت الأحاديث كانت أكثر من هذا في مواطن مختلفة، وأشخاص متباينة، والله أعلم. وفي بعض الخبر أنه يتمنى رجال أن يبعث بهم إلى النار، ولا تعرض قبائحهم على الله تعالى، ولا يكشف مساويهم على رؤوس الخلائق. قلت: وأمّا ما وقع ذكره في الحديث من كشف الساق وذكر الصورة؛ فيأتي إيضاح ذلك وكشفه في حديث أبي هريرة ﵁ من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -. وأما ما جاء من طول هذا اليوم، ووقوف الخلائق فيه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» فقلت: ما أطول هذا! فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من الصلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا» (١). ذكره قاسم بن أصبغ. وقيل غير هذا وسيأتي. ومنها يوم الجمع؛ وحقيقته في العربية: ضمّ واحد إلى واحد، فيكون شفعا، أو زوجا إلى زوج فيكون جمعا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] وهو في القرآن كثير. ومنها: يوم التفرق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. ومنها: يوم الصدع، والصدر أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ [الزلزلة: ٦] وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] ومعناهما معنى الاسم الذي قبله. ومنها: يوم البعثرة، ومعناه: تتبع الشيء المختلط مع غيره حتى يخلص منه،
следующие страницы →