أرادت؛ أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها.
ومنها: يوم البعث، وحقيقته إثارة الشيء عن خفاء، وتحريكه عن سكون.
قال عنترة:
وعصابة شمّ الأنوف بعثتهم … ليلا وقد مال الكرا بطلاها
وقال امرؤ القيس:
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة … فقاموا جميعا بين عاث ونشوان (١)
وقد تقدم القول فيه وفي صفته، والحمد لله.
ومنها: يوم النشوز؛ وهو عبارة عن الإحياء، يقال: قد أنشز الله الموتى، فنشزوا؛ أي: أحياهم الله فحيوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: نحييها، وقد يكون معناه التفريق؛ من ذلك قولك:
أمرهم نشز.
ومنها يوم الخروج، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾ [المعارج: ٣٤] فأوله الخروج من القبور، وآخره خروج المؤمنين من النار، ثم لا خروج ولا دخول على ما يأتي. ومنها: يوم الحشر؛ وهو عبارة عن الجمع، وقد يكون مع الفعل إكراه، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: من يسوق السحرة كرها، وقد مضى القول في الحشر مستوفى والحمد لله.
ومنها: يوم العرض، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. وحقيقته إدراك الشيء بإحدى الحواس ليعلم حاله، وغايته السمع والبصر، فلا يزال الخلق قياما في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما شاء الله أن يقوموا حتى يلهموا أو يهتموا، فيقولون: قد كنا نستشفع في الدنيا، فهلم فلنسأل الشفاعة إلى ربنا، فيقولون: ائتوا آدم … الحديث، وسيأتي.
قال ابن العربي: وفي كيفية العرض أحاديث كثيرة، المعوّل منها على تسعة أحاديث في تسعة أوقات:
الأول: الحديث المشهور الصحيح رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ﵄ واللفظ له، قال: إن ناسا في زمن النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟» قال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها
стр. 247
سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلاّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم:
كذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تريدون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله من برّ وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فماذا تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد؟ قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم. فيقولون نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم» (١). وذكر الحديث، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.
الثاني: صحّ من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نوقش الحساب عذّب، قلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]». قال: «ليس ذلك الحساب، ذلك العرض» (٢) وسيأتي.
الثالث: روى الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات» (٣). وسيأتي.
стр. 248
الرابع: روي عن أنس ﵁ أنه قال عن النبي ﷺ : «يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج» (١). الحديث، سيأتي.
الخامس: ثبت عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد الخدري، واللفظ له: «يؤتى بعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وتركتك ترأس وترتع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا فيقال له: اليوم أنساك كما نسيتني» (٢). وهذا حديث صحيح. قلت خرجه مسلم والترمذي مطولا.
السادس: ثبت من طرق صحاح، أن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه، فيقول له: عبدي تذكر يوم كذا وكذا، حين فعلت كذا وكذا، فلا يزال يقرره حتى يرى أنه هلك، ثم يقول له: عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٣).
السابع: وفي الصحيح، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار؛ رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها» (٤). وذكر الحديث.
الثامن: وفي الصحيح، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها» (٥).
وروى مسلم: «يجمع الله الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة، فيقول لهم: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك» (٦). وذكر حديث الشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وذلك قوله في الحديث المتقدم: «ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا».
قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا مما أغفله الأئمة في التفسير.
стр. 249
التاسع: العرض على الله، ولا أعلمه في الحديث إلا قوله في النص المتقدم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين»، وذكر الحديث. قلت: إذا تتبعت الأحاديث في هذا الباب على هذا السياق كان الحسن والصحيح منها أكثر من تسعة.
وقد خرج مسلم عن أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» (١) الحديث وسيأتي.
وقوله في الحديث الآخر: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» (٢).
وخرّج مسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلّمه الله ليس بينه وبينه ترجمان» (٣). الحديث، وسيأتي.
وخرّج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب» (٤). الحديث، وسيأتي.
ويتضمن من غير رواية البخاري عرض اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل، ثم جبرائيل، ثم الأنبياء نبيّا نبيا صلوات الله عليهم أجمعين، وسيأتي.
وخرّج الترمذي وابن ماجه، حديث «الرجل الذي ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا» (٥). وسيأتي.
стр. 250
وهذا كله من باب العرض على الله، وإذا تتبعت الأحاديث كانت أكثر من هذا في مواطن مختلفة، وأشخاص متباينة، والله أعلم.
وفي بعض الخبر أنه يتمنى رجال أن يبعث بهم إلى النار، ولا تعرض قبائحهم على الله تعالى، ولا يكشف مساويهم على رؤوس الخلائق.
قلت: وأمّا ما وقع ذكره في الحديث من كشف الساق وذكر الصورة؛ فيأتي إيضاح ذلك وكشفه في حديث أبي هريرة ﵁ من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -.
وأما ما جاء من طول هذا اليوم، ووقوف الخلائق فيه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» فقلت: ما أطول هذا! فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من الصلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا» (١). ذكره قاسم بن أصبغ. وقيل غير هذا وسيأتي.
ومنها يوم الجمع؛ وحقيقته في العربية: ضمّ واحد إلى واحد، فيكون شفعا، أو زوجا إلى زوج فيكون جمعا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] وهو في القرآن كثير.
ومنها: يوم التفرق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
ومنها: يوم الصدع، والصدر أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ [الزلزلة: ٦] وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] ومعناهما معنى الاسم الذي قبله.
ومنها: يوم البعثرة، ومعناه: تتبع الشيء المختلط مع غيره حتى يخلص منه،
стр. 251
فيخلص الله تعالى الأجسام من التراب، والكافرين من المؤمنين، والمنافقين، ثم يخلص المؤمنين من المنافقين، كما في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد» (١). خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
ومنها ما روي: «أنه يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حبّ السمسم» (٢). وهو صحيح أيضا، وسيأتي. وقال ﷺ : «يؤخذ برجال ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٣).
ومنها: يوم الفزع؛ وحقيقته: ضعف النفس عن حمل المعاني الطارئة عليها خلاف العادة، فإن استمر كان جبنا، وعند ذلك تتشوّق النفس إلى ما يقوّيها، فلأجل ذلك قالوا: فزعت من كذا؛ أي: ضعفت عن حمله عند جريانه على خلاف العادة، وفزعت إلى كذا؛ أي: تشوّقت نفسي عند ذلك إلى ما يقويها على ما نزل بها. والآخرة كلها خلاف العادة، وهي فزع كلها. وفي التنزيل: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقد اختلف فيه، فقيل: هو قوله: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقيل: إذا طبقت النار على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وعنه أن الفزع الأكبر؛ النفخة الآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشارة حتى يخرجوا من قبورهم.
ومنها: يوم التناد؛ بتخفيف الدال، من النداء. وتشديدها من ندّ إذا ذهب، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] وهو الذهاب في غير قصد، وروي أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض» الحديث، وقد تقدم. وهي التي يقول الله: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] فيسير الله الجبال ويرج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله: ﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٩] فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، ويتولى الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣].
قال ابن العربي: «وقد رويت في ذلك آثار كثيرة هذا أمثلها فدعوها، فالمعنى
стр. 252
الواحد يكفينا منها، ومن هولها ومن تحقيق المعنى لها». قلت: قد بينا أقوال العلماء في ذلك عند ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في باب «أين تكون الناس» فتأمله هناك.
ومنها: يوم الدعاء؛ وهو النداء أيضا.
والنداء على ثمانية وجوه فيما ذكر ابن العربي:
الأول: نداء أهل الجنة أهل النار بالتقريع.
الثاني: نداء أهل النار لأهل الجنة بالاستغاثة، كما أخبر الله عنهم.
الثالث: يدعى كل أناس بإمامهم وهو قوله: «لتتبع كلّ أمة ما كانت تعبد».
قال المؤلف: ويقال: بكتابهم، وقيل: بنبيهم. قال سريّ السّقطي: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال: يا أمة موسى، يا أمة عيسى، ويا أمة محمد المحبين لله فإنهم ينادون يا أولياء الله هلمّوا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا.
الرابع: نداء الملك: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وسيأتي.
الخامس: النداء عند ذبح الموت، يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.
السادس: نداء أهل النار: يا حسرتنا ويا ويلتنا.
السابع: قول الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
الثامن: نداء الله تعالى أهل الجنة فيقول: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون:
وما لنا لا نرضى؛ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أعطيتكم أفضل من ذلك؛ رضائي».
قال المؤلف ﵁: ونداء تاسع ذكره أبو نعيم عن مروان بن محمد قال: قال أبو حازم الأعرج: يخاطب نفسه: «يا أعرج ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا وكذا وكذا! فتقوم معهم، ثم ينادى: يا أهل خطيئة أخرى! فتقوم معهم، فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل كل خطيئة» (١). وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ الآية التي في القصص، وحم السجدة ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] والنداء في الأخبار كثير، يأتي بيانها وذكرها في باب: من يدخل الجنة بغير حساب.
стр. 253
ومنها: يوم الواقعة؛ وأصل وقع في كلام العرب: كان ووجد، وجاءت الشريعة في تأكيد ذلك بثبوت ما وجد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] والمراد بالقول هنا: إخبار الباري عن الساعة، وأنها قريبة، ومن أعظم علاماتها الدابة، وسيأتي ذكرها، وما للعلماء فيها من الأشراط - إن شاء الله تعالى - وقوله: كاذبة (١)؛ مصدر كالباقية والعاقبة، أي: ليس لوقعتها مقالة كاذبة.
ومنها: الخافضة الرافعة؛ أي: ترفع قوما في الجنة، وتخفض أخرى في النار، والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزة والإهانة، ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما، مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليل قائم ونهار صائم، وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو الله تعالى وحده، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وجعل أعداءه في أسفل الدركات، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦]. وقال ﷺ في حديث جابر ﵁: «نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس» (٢). قال ابن العربي: «وهذا حديث فيه تخليط في كتاب مسلم لم يتقنه راويه.
ومعناه: أن جميع الخلق على بسيط من الأرض سواء إلا محمدا ﷺ وأمته، فإنهم يرفعون جميعهم على شبه من الكوم ويخفض الناس عنهم»، وفي رواية: «أكون أنا وأمتي يوم القيامة على تل فيكسوني ربي حلّة خضراء، ثم يؤذن لي، فذلك المقام المحمود» (٣).
قلت: وهذا الرفع في المكان بحسب الزيادة في المكانة.
قال ابن العربي: وهي أنواع؛ فرفع محمدا ﷺ بالشفاعة في أول الخلق، وبأنه أول من يدخل الجنة، ويقرع بابها، ورفع العادلين بالحديث الصحيح:
«المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (٤). ورفع القراء إلى حيث انتهت قراءتهم؛ يقال: «اقرأ ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٥) وسيأتي ورفع الشهداء، فقال في الحديث الصحيح:
стр. 254
«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله» (١). الحديث، وسيأتي. ورفع كافل اليتيم، فقال ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (٢)، وأشار مالك بالسبابة والوسطى، يريد في الجوار. وقال ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدريّ الغائر في أفق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (٣).
ورفع عائشة على فاطمة ﵄ (٤)، فإن عائشة مع النبي ﷺ وفاطمة مع علي ﵄.
ومنها: يوم الحساب؛ ومعناه أن الباري سبحانه يعدّد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه، ثم يقابل البعض بالبعض، فما يشف منها على الآخر؛ حكم للمشفوف بحكمه الذي عينه للخير بالخير، وللشر بالشر.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان» (٥). فقيل: إن الله يحاسب المكلفين بنفسه ويخاطبهم معا، ولا يحاسبهم واحدا بعد واحد، والمحاسبة حكم، فلذلك تضاف إليه كما يضاف الحكم إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧].
وفي الخبر: «أنه يوقف شيخ للحساب فيقول الله له: يا شيخ! ما أنصفت، غذوتك بالنعم صغيرا فلما كبرت عصيتني، أما إني لا أكون لك كما كنت لنفسك، اذهب فقد غفرت لك ما كان قبل، وإنه ليؤتى بالشاب كثير الذنوب فإذا وقف تضعضعت أركانه واصطكت ركبتاه، فيقول الرب ﷻ : أما استحييتني؟ أما راقبتني، أما خشيت نقمتي، أما علمت أني مطلع عليك؟! خذوه إلى أمّه الهاوية».
وقيل: إن الملائكة يحاسبون بأمر الله كما أن الحكام يحكمون بأمر الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وإن من لم يكن بهذه الصفة فإن الله تعالى يكلمه
стр. 255
فيكلم المأمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا من غير ترجمان، إكراما لهم كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بالكليم، ولا يكلم الكفار فتحاسبهم الملائكة، ويميزهم بذلك عن أهل الكرامة، فتتسع قدرته لمحاسبة الخلق كلهم معا، كما تتسع قدرته لإحداث خلائق كثيرة معا. قال الله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أي: إلا كخلق نفس واحدة.
ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁؛ وسئل عن محاسبة الخلق، فقال: «كما يرزقهم في غداة واحدة كذلك يحاسبهم في ساعة واحدة».
وفي «صحيح مسلم» حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : «هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارّون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر وليس في سحابة»؟ قالوا: لا. قال: «فوالذي نفس محمد بيده لا تضارّون في رؤية ربكم إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما». قال؛ فيلقى العبد فيقول: أيا فل (١)! ألم أكرمك وأسوّدك وأزوجك وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وترتع؟ فيقول: بلى.
فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني؛ فيقول له، ويقول هو مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث؛ فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وتصدقت وصمت، ويثني بخير ما استطاع. قال: فيقول هاهنا إذا. ثم يقول: الآن نبعث شاهدا عليك. فيقول في نفسه: من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال: لفخذه:
انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه» (٢).
وقد قال الله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤] أي: حاسبا فعيلا بمعنى فاعل؛ «وإذ نظر فيها ورأى أنه قد هلك فإن أدركته سابقة حسنة وضعت له لا إله إلا الله في كفة فرجحت له السموات والأرض». وفي رواية «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (٣) وسيأتي، وقال: «من نوقش الحساب عذّب» (٤).
ومنها: يوم السؤال، والبارئ يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريرا لإقامة الحجة وإظهارا للحكمة، قال الله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ﴾
стр. 256
﴿آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] وقال: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] وهو في القرآن كثير. وقال: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] وقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وقال: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] قيل: عن لا إله إلا الله. وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال ﵇: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» (١) الحديث، وسيأتي.
وروى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ألا كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢).
ومنها: يوم الشهادة، ويوم يقوم الأشهاد.
والشهادة على أربعة أنواع: شهادة محمد وأمته تحقيقا لشهادة الرسل على قومها.
الثاني: شهادة الأرض والأيام والليالي بما عمل فيها وعليها.
الثالث: شهادة الجوارح، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وقال: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وذلك بين أيضا في حديث أبي هريرة ﵁.
الرابع: حديث أنس ﵁، وفيه: «ويختم علي فيه، ويقال لأركانه:
انطقي، فتنطق بأعماله» (٣) وسيأتي بيان هذا الباب كله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: يوم الجدال، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١] أي: تخاصم وتحاجّ عن نفسها. وجاء في الخبر: «أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي من شدة أهوال يوم القيامة سوى محمد ﷺ فإنه يسأل في أمته» (٤) على ما يأتي.
وفي حديث عمر ﵁، أنه قال لكعب الأحبار: «يا كعب خوفنا هيّجنا، حدّثنا نبّهنا. فقال كعب: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة
стр. 257
بمثل عمل سبعين نبيّا، لأتت عليك تارات ولا يهمّك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول: رب أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي. قال يا كعب: أين نجد ذلك في كتاب الله تعالى؟ قال قوله تعالى: ﴿* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١) [النحل: ١١١].
وقال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: رب الروح منك أنت خلقته، لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف عليه أنواع العذاب، ونجني. فيقول الجسد: ربّ أنت خلقتني بيدك، فكنت كالخشبة ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى بها، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع الشمس، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب، ونجني. قال: فيضرب الله لهما مثلا؛ أعمى ومقعد أدخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا ينالها فنادى المقعد للأعمى ائتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله فأصابا من الثمر فعلى من يكون العذاب؟ قالا: عليهما، قال: عليكم جميعا العذاب».
قال المؤلف ﵁ وأرضاه: ومن هذا الباب قول الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ إلى غير ذلك مما في معناه حسب ما يأتي.
ومنها: يوم القصاص؛ وفيه أحاديث، كثيرة، يأتي ذكرها في بابها، إن شاء الله تعالى.
ومنها: يوم الحاقة؛ وسميت بذلك لأن الأمور تحق فيها؛ قاله الطبري. كأنه جعلها من باب: ليلي نائم، كما تقدم.
وقيل: سميت حاقة لأنها كانت من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقّت لأقوام الجنة، وأحقّت لأقوام النار.
ومنها: يوم الطامة؛ معناها: الغالبة، من قولك طمّ الشيء؛ إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء؛ كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء، قال الحسن: الطامة النفخة الثانية، وقيل: حين يساق أهل النار إلى النار.
стр. 258
ومنها: يوم الصاخة؛ قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى. والطامة: النفخة الثانية. قال الطبري: أحسبه من صخ فلان فلانا إذا أصمّه. قال ابن العربي:
الصاخة التي تورث الصمم، وإنها المسمعة. وهذا من بديع الفصاحة حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي الأزمان:
أصم بك الناعي وإن كنت أسمعا
وقال آخر:
أصمني سرّهم أيام فرقتهم … فهل سمعتم بشر يورث الصمما
ولعمرو الله (١) إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا وتسمع أمور الآخرة وبهذا كله كان يوما عظيما كما قال الله تعالى في وصفه بالعظيم، وكل شيء كبر في أجزائه فهو عظيم، وكذلك ما كبر في معانيه. وبهذا المعنى كان الباري عظيما؛ لسعة قدرته وعلمه، وكثرة ملكه الذي لا يحصى، ولما كان أمر الآخرة لا ينحصر؛ كان عظيما، بالإضافة إلى الدنيا، ولما كان محدثا له أولا صار حقيرا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يحد.
ومنها: يوم الوعيد؛ وهو أن الباري سبحانه أمر ونهى ووعد وأوعد، فهو أيضا يوم الوعد. والوعد للنعيم، والوعيد للعذاب الأليم، وحقيقة الوعيد؛ هو:
الخبر عن العقوبة عند المخالفة، والوعد الخبر عن المثوبة عند الموافقة، وقد ضل في هذه المسألة المبتدعة وقالوا: إن من أذنب ذنبا واحدا فهو مخلّد في النار تخليد الكفار (٢)، أخذا بظاهر هذا اللفظ في آي، فلم يفهموا العربية ولا كتاب الله، وأبطلوا شفاعة رسول الله ﷺ . وسيأتي الرد عليهم في أبواب من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -.
ومنها: يوم الدين؛ وهو في لسان العرب الجزاء، قال الشاعر:
حصادك يوما ما زرعت وإنما … يدان الفتى فيه كما هو دائن
وقال آخر:
واعلم يقينا أن ملكك زائل … واعلم بأنك كما تدين تدان
ومنها: يوم الجزاء؛ قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]
стр. 259
وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وهو أيضا يوم الوفاء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: حسابهم وجزاءهم، والجنة جزاء الحسنات، والنار جزاء السيئات، قال الله تعالى في المعنيين: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] و ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] وقال في جهة الوعيد ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].
ومنها: يوم الندامة؛ وذلك أن المحسن إذا رأى جزاء إحسانه، والكافر جزاء كفره؛ ندم المحسن أن لا يكون مستكثرا، وندم المسيء أن لا يكون استعتب، فإذا صار الكافر إلى عذاب لا نفاد له تحسّر، فلذلك سمي يوم الحسرة، قال الله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] وذلك عند ذبح الموت على ما يأتي.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني: الآن، عن ذلك اليوم. والحسرة: عبارة عن استكشاف المكروه بعد خفائه.
ومنها: يوم التبديل؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقد تقدم القول في ذلك مستوفى.
ومنها: يوم التلاقي؛ قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] وهو عبارة عن اتصال المعنيين بسبب من أسباب العلم والجسمين. وهو أنواع أربعة:
الأول: لقاء الأموات لمن سبقهم إلى الممات، فيسألونهم عن أهل الدنيا كما تقدم.
والثاني: عمله، وقد تقدم.
الثالث: لقاء أهل السموات لأهل الأرض في المحشر، وقد تقدم.
الرابع: لقاء الخلق للبارئ ، وذلك يكون في عرصات القيامة، وفي الجنة على ما يأتي.
ومنها: يوم الآزفة؛ تقول العرب أزف كذا؛ أي: قرب. قال الشاعر:
أزف الترحّل غير أن ركابنا … لمّا تزل برحالنا وكأن قد
وهي قريبة جدا، وكل آت قريب، وإن بعد مداه، قال الله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وما يستبعد الرجل من الساعة ومدته ساعة.
ومنها: يوم المآب؛ ومعناه: الرجوع إلى الله تعالى، ولم يذهب عن الله شيء فيرجع إليه، وإنما حقيقته؛ أن العبد يخلق الله فيه ما شاء من أفعاله، لما خلق فيه علما، وخلق فيه إيثارا واختيارا، ظن الناس أنه شيء، أو أن له فعلا، فإذا أماته
стр. 260
وسلب ما كان أعطاه؛ أذعن وآب في وقت لا ينفعه الإياب، ولم يزل عن الله تعالى في حال فهو الأواب.
ومنها: يوم المصير؛ وهو يوم المآب بعينه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]. فالخلق سائرون إلى أمر الله تعالى. وآخر ذلك دار القرار، وهي الجنة أو النار، قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
ومنها: يوم القضاء؛ وهو أيضا يوم الحكم والفصل، وسيأتي أن أول ما يقضي فيه الدماء، وقال ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها» … الحديث، وفيه: «كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد» (١). والفصل هو الفرق والقطع، فيفصل يومئذ بين المؤمن والكافر، والمسيء والمحسن. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] الآية.
وهو يوم الحكم لأن إنفاذ الحكم هو إنفاذ العلم، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] الآية. وقال: ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠].
ومنها يوم الوزن ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] الآية. وسيأتي الكلام في الميزان ووزن الأعمال فيه في أبواب إن شاء الله.
ومنها: يوم عقيم؛ وهو في اللغة عبارة عن من لا يكون له ولد. ولما كان الولد يكون بين الأبوين، وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد؛ جعل الاتباع بالبعدية فيها كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم.
ومنها: يوم عسير؛ وهذا في حق الكافرين خاصة، والعسر ضد اليسر، فهو عسير على الكافرين لأنهم لا يرون فيه أملا ولا يقطعون فيه رجاء، حتى إذا خرج المؤمنون من النار طلبوا مثل ذلك، فيقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فحينئذ يكون المنع الصريح، على ما يأتي بيانه في أبواب النار إن شاء الله تعالى.
وأما المؤمنون فتنحل عقدهم بيسر إلى يسر، فينحل طول الوقوف إلى تعجيل الحساب، وتثقيل الموازين، وجواز الصراط والظلال بالأعمال، ولا تنحل للكافرين من هذه العقد عقدة واحدة إلا إلى أشد منها، حتى إلى جهنم دار القرار.
стр. 261
ومنها: يوم مشهود؛ سمّي بذلك لأنه يشهده كل مخلوق. وقيل: سمّي بذلك لأن الشهداء يشهدون فيه. على ما يأتي - والله أعلم -.
ومنها: يوم التغابن؛ سمّي بذلك لأن الناس يتغابنون في المنازل عند الله؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وحقيقته في لسان العرب: ظهور الفضل في المعاملة لأحد المتعاملين، والدنيا والآخرة دار العملين وحالين، وكل واحد منهما لله، ولا يعطى أحدهما إلا لمن ترك نصيبه من الأخرى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقال: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ومن أراد الآخرة فسعيه مشكور، وحظه في الآخرة موفور.
ومنها: يوم عبوس قمطرير، والقمطرير: الشديد. وقيل: الطويل. وأما العبوس فهو الذي يعبس فيه، سمّي باسم ما يكون فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم؛ وكلوح الوجه وعبوسه هو: قبض ما بين العينين، وتغير السحنة عن عادتها الطلقة، يقال: يوم طلق إذا كانت شمسه نيرة فاترة، وإذا كانت شمسه مدجية قد غطاها السحاب؛ قيل: يوم عبوس، وأول العبوس والكلوح عند الخروج من القبور ورؤية الأعمال في الصور القبيحة كما تقدم، وآخر ذلك كلوح النار، وهو الكلوح الأعظم يشوي الوجوه، ويسقط الجلود، على ما يأتي. ومع العبوس تشخص الأبصار وهي ثبوتها راكدة على منظر واحد لهول لا ينتقل منه إلى غيره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
ومنها: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]؛ ومعناه: إخراج المخبآت بالاختبار بوزن الأعمال في الصّحف، وبكشف الساق عند السجود، على ما يأتي.
ومنها: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار: ١٩]؛ وهو مثل قوله: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقال: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً﴾ [الدخان: ٤١] فكل نفس بما كسبت رهينة لا يغني أحد عن أحد شيئا، بل ينفصل كل واحد عن أخيه وأبيه، ولذلك كان يوم الفصل ويوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ [النبأ: ١٧] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] أما إنه يجزي ويقضي ويعطي ويغني بغير اختياره من حسناته ما عليه من الحقوق، على ما يأتي بيانه في أحاديث المفلس، إن شاء الله تعالى.
ومنها: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]؛ والدّع: الدفع، أي:
стр. 262
يدفعون إلى جهنم ويسحبون فيها على وجوههم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
ومنها: يوم التقلب؛ وهو: التحوّل، قال الله تعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] أي: قلوب الكفار وأبصارهم، فتقلب قلوب الكفار انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها، ولا هي تخرج، فأما تقلب الأبصار فالزرقة بعد الكحل، والعمي بعد البصر. وقيل:
تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة.
ومنها: يوم الشخوص والإقناع؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أي: لا تغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم. قاله الفراء.
وقال ابن عباس ﵁: «تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يغتمضون». ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: مديمي النظر.
قال مجاهد والضحاك: ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس رفعه. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. فإن قيل: فقد قال الله تعالى في غير هذه الآية:
﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣] وقال: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] فكيف يكون الرافع رأسه الناظر نظرا طويلا حتى إن طرفه لا يرتد إليه خاشع البصر؟
فالجواب: أنهم يخرجون حال المضي إلى الموقف خاشعة أبصارهم، وفي هذه الحال وصفهم الله تعالى بخشوع الأبصار، وإذا توافوا وضمهم الموقف وطال القيام عليهم فإنهم يصيرون من الحيرة كأنهم لا قلوب لهم، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، فهو تعسير عليهم.
ومنها: ﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] وذلك حين يقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وتطبق عليهم جهنم، على ما يأتي بيانه في أبواب النار.
ومنها: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] وإن أذن لهم بأن يمكّنوا
стр. 263
منها لا بأن يقال لهم اعتذروا، كقوله: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية، وكقوله: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] الآية، ومنها: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤٢].
ومنها: يوم الفتنة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يعذبون، من قولك: فتنت الذهب، إذا رميت به في النار.
ومنها: ﴿يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ [الروم: ٤٣] يريد: يوم القيامة، أي: لا يرده أحد بعد ما حكم الله به، وجعل له أجلا ووقتا.
ومنها: يوم الغاشية؛ وسمّيت بذلك لأنها تغشى الناس بإفزاعها، أي: تعمهم بذلك ومنه غاشية السرج.
ومنها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦].
ومنها: يوم لا بيع فيه ولا خلال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والخلة والخلال: الصداقة والمودة.
ومنها: يوم لا ريب فيه؛ وإن وقع فيه ريب الكفار، أي: شك فليس فيه ريب لقيام الأدلة الظاهرة عليه، كما قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] فليس في الباري شك لقيام الأدلة عليه، ولشهادة أفعاله، ولاقتضاء المحدث أن يكون له محدث، ولكن قد شك فيه قوم ونفاه آخرون، ولم يوجب ذلك شكا فيه؛ لقيام الأدلة عليه، فكذلك يوم القيامة لا ريب ولا شك فيه مع النظر في الدليل والعلم، فإذا خلق الله تعالى الرين عن القلب كان الشك، قال الله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦، ٧].
ومنها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومنها: يوم الأذان. دخل طاوس على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله، واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] فصعق هشام. فقال طاوس: هذا ذل الصفة، فكيف ذل المعاينة؟!
стр. 264
ومنها: يوم الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال:
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقال: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] وسيأتي بيانه.
ومنها: يوم العرق؛ وسيأتي بيانه في أحاديث في الباب بعد هذا بحول الله وقوته.
ومنها: يوم القلق والجولان؛ وهو عبارة عن عدم الاستقرار والثبوت، يقال:
قلق الرجل يقلق قلقا؛ إذا لم يستقر. ومثله: جال يجول، إذا لم يثبت.
ومنها: يوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] فيفر كل واحد من صاحبه، حذرا من مطالبته إياه، إما لما بينهم من التبعات أو لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقال عبد الله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما يتبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى.
وقال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من امرأته لوط، قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم. وهذا فرار النبيين، نجانا الله من أهوال هذا اليوم بحق محمد نبي الرحمة (١) وصحبه الكرام البررة، وجعلنا ممن حشر في زمرتهم، ولا خالف بنا عن طريقهم ومذهبهم بمنه وكرمه آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال المؤلف: وقد سرد تسمية هذه الأيام على التوالي من غير تفسير؛ غير واحد من العلماء، منهم ابن نجاح في «سبل الخيرات»، وأبو حامد الغزالي في غير موضع من كتبه كالإحياء وغيره، والقتبي في كتاب «عيون الأخبار»، وهذا تفسيرها حسب ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين»، وربما زدنا عليه في ذلك، والحمد لله على ذلك. ولا يمتنع أن تسمّى بأسماء غير ما ذكرنا، بحسب الأحوال الكائنة فيه من الازدحام والتضايق، واختلاف الأقدام والخزي والهوان، والذل والافتقار والصغار والانكسار، ويوم الميقات والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء وسيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى - في الباب بعد هذا.
***
стр. 265
٨٥ - باب ما يلقى الناس في الموقف من الأهوال العظام والأمور الجسام
قال المحاسبي في (كتاب التوهم والأهوال): «يحشر الله الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمهم الصّغار بعد عتوّهم، والذلة بعد تجبّرهم على عباد الله في أرضه. ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخلائق، وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور، من غير ريبة ولا خطيئة أصابتها، حتى وقفت من وراء الخلق بالذلة والانكسار لذلك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوّها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان، حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها، وشياطينها ووحوشها، وسباعها وأنعامها وهوامها، تناثرت نجوم السماء من فوقهم، وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم، ومارت سماء الدنيا من فوقهم، فدارت من فوقهم بعظمها فوق رؤوسهم، وجميع ذلك بعينك وعين أهل الموقف ينظرون إلى هوله، ثم انشقت بغلظها فوق رؤوسهم، وهي خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعهم، وتمزقت وتفطرت لهول يوم القيامة من عظم يوم الطامة، ثم ذابت حتى صارت مثل الفضة المذابة، كما قال الجبار ﵎: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨، ٩] أي: كالصوف المنفوش وهو أضعف الصوف، وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهم انحدارهم من السماء لعظم أجسامهم، وكثرة أخطارهم، وهول أصواتهم، وشدة فرقهم من خوف ربهم، وتوهم فزعك حينئذ وفزع الخلائق لنزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم، فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم، لعظيم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخضوع لربهم، وكذلك ملائكة كل سماء، إلى السماء السابعة قد أضعف أهل كل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدة، وعظم الأجسام والأصوات، حتى إذا وافى الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع، كسيت الشمس حرّ عشر سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين أو أدنى، فلا ظلّ ذلك اليوم إلا ظل عرش الرحمن، فمن بين مستظلّ بظلّ العرش، وبين مضح بحرّ الشمس قد صهرته، واشتد فيها كربه وأقلقته، وقد ازدحمت الأمم وتضايقت ودفع بعضها بعضا، واختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من العطش، قد اجتمع عليهم في مقامهم حرّ الشمس، مع وهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم،
стр. 266
ففاض العرق منهم على وجه الأرض، ثم على أقدامهم، ثم على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم، من السعادة والشقاء، فمنهم من يبلغ العرق منكبيه وحقويه، ومنهم إلى شحمة أذنيه، ومنهم من قد ألجمه العرق فكاد أن يغيب فيه».
قلت: ذكر المحاسبي وغيره أن انفطار السماء وانشقاقها بعد جمع الناس في الموقف، وقد قدمنا أن ذلك يكون قبل ذلك، وهو ظاهر القرآن كما ذكرنا، والله أعلم. وقد جاء ذلك مرفوعا في حديث أبي هريرة ﵁ وقد تقدم.
وما ذكره المحاسبي مروي عن ابن عباس ﵁ قال: «إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها، كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد جهنّم وإنسهم، فإذا كان ذلك قبضت هذه السماء عن أهلها فينتشرون على وجه الأرض فلأهل السماء أكثر من أهل جميع الأرض، جهنّم وإنسهم بالضعف». الحديث بطوله ذكره ابن المبارك في رقائقه. قال: أخبرنا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي قال: أخبرنا شهر بن حوشب قال: حدّثني ابن عباس فذكره (١).
قال ابن المبارك: وأخبرني جويبر، عن الضحاك قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى السماء الدنيا فتشققت بأهلها فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمر الرب فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض، ومن فيها ثم يأمر السماء التي تليها، فينزلون فيكونون صفّا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه وجلاله وملكه ﷻ وبجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا قياما من الملائكة فذلك قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] والسلطان العذر، وذلك قوله : ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقال: ﴿وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧] يعني: على حافاتها. يعني: بأرجائها ما تشقق منها، فبينا هم كذلك؛ إذ سمعوا الصوت فأقبلوا إلى الحساب» (٢).
قلت ولا يصح إسنادهما فإن شهرا وجويبرا قد تكلّم فيهما وضعّفوهما، قال البخاري في «التاريخ»: «جويبر بن سعيد البلخي عن الضحّاك، قال لي علي: قال يحيى: كنت أعرف جويبرا بحديثين ثم أخرج هذه الأحاديث بعد، فضعّفه» (٣).
стр. 267
وأما شهر؛ فقال مسلم في صدر كتابه: «سئل ابن عوف عن حديث شهر، وهو قائم على أسكفة الباب فقال: إن شهرا تركوه، إن شهرا تركوه، قال مسلم: يقول أخذته ألسنة الناس تكلموا فيه، وقال عن شعبة وقد لقيت شهرا، فلم أعتد به».
وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» نحوا مما ذكر المحاسبي عن ابن عباس ﵁ والضحاك، فقال: «إن الخلائق إذا اجتمعوا في صعيد واحد، الأولين والآخرين؛ أمر الجليل ﷻ بملائكة سماء الدنيا أن يتولوهم، فيأخذ كل واحد منهم إنسانا وشخصا من المبعوثين إنسا وجنّا ووحشا وطيرا، وحولهم إلى الأرض الثانية وهي أرض بيضاء من فضة نورية، وصارت الملائكة من وراء العالمين حلقة واحدة، فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن الله يأمر ملائكة السماء الثانية فيحدقون بهم حلقة واحدة، فإذا هم مثلهم عشرين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة فإذا هم أكثر منهم ثلاثين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة أكثر منهم بأربعين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين مرة ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم ستين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم سبعين مرة، والخلق تتداخل وتندمج حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، وتخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان، وإلى الصدر، وإلى الحقوين، وإلى الركبتين، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من تصيبه البلة كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق وقد قربت الشمس من رؤوسهم؟ حتى لو مد أحدهم يده لنالها ويضاعف حرها سبعين مرة، وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذابت الصخر وجفّت الأنهار، فبينما الخلائق يموجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها الله تعالى حيث يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ وهم على أنواع في المحشر على ما تقدم في حديث معاذ، والملوك كالذر، كما قد ورد في الخبر في وصف المتكبرين، وليس هم كهيئة الذر، غير أن الأقدام عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم، وقوما يشربون ماء باردا عذبا صافيا لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكئوس من أنهار الجنة يسقونهم.
وعن بعض السلف؛ أنه نام فرأى القيامة قد قامت وكأنه في الموقف عطشان، وصبيان صغار يسقون الناس، قال: فناديتهم؛ ناولوني شربة. فقال لي واحد منهم: ألك فينا ولد؟ فقلت: لا. فقال: فلا إذا، ولهذا فضل التزويج.
ولهذا الولد الساقي شروط ذكرناها في «الإحياء».
стр. 268
وقوم قدموا على رؤوسهم ظل يمنعهم من الحرّ وهي الصدقة الطيبة، لا يزالون كذلك ألف عام، حتى إذا سمعوا نقر الناقور الذي وصفناه في كتاب «الإحياء» وهو بعض أسرار القرآن، فتوجل له القلوب وتخشع الأبصار لعظيم نقره، وتشتاف الرؤوس من المؤمنين والكافرين، يظنون أن ذلك عذاب يزداد بهم في هول يوم القيامة، فإذا بالعرش تحمله ثمانية أملاك، قدم الملك منهم مسيرة عشرين ألف سنة، وأفواج الملائكة وأنواع الغمام بأصوات التسبيح لهم هرج عظيم لا تطيقه العقول، حتى يستقر العرش في تلك الأرض البيضاء التي خلقها الله تعالى لهذا الشأن خاصة، فتطرق الرؤوس وتخنس وتشفق البرايا، وترعب الأنبياء، وتخاف العلماء، وتفزع الأولياء والشهداء من عذاب الله سبحانه، والذي لا يطيقه شيء، إذ غشاهم نور، حتى غلب على نور الشمس التي كانوا في حرّها، فلا يزالون يموج بعضهم في بعض ألف عام، والجليل سبحانه لا يكلمهم كلمة واحدة، فحينئذ يذهب الناس إلى آدم فيقولون: يا أبا البشر الأمر علينا شديد، وأما الكافر فيقول:
يا رب! أرحني؛ ولو إلى النار، من شدة ما يرى من الهول، يقولون: أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه، اشفع لنا في فصل القضاء» وذكر أمر الشفاعة من نبي إلى نبي، وأن ما بين إتيانهم من نبي إلى نبي ألف عام، حتى تنتهي الشفاعة إلى نبينا محمد ﷺ على ما يأتي بيانه من أمر الشفاعة في أحاديث إن شاء الله تعالى.
ونحو من هذا ذكره الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له قال:
فإذا كان يومئذ جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وكورت الشمس وانكدرت النجوم ومارت السماء فوق الخلائق مورا، وتفطرت من عظيم هول ذلك اليوم، وتشققت بالغمام المنزل من عليهن فوقهن، ثم صارت وردة كالدهان، وكشطن سماء سماء، ونزلت الملائكة تنزيلا، وقام الخلائق وطال قيامهم، أقل ما قيل في قيامهم: مقدار أربعين عاما إلى ثلاثمائة عام، وأيّاما كان فاليوم يسعه قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب إبل» الحديث وفيه: «ردت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» وسيأتي بكماله (١).
وهم في قيامهم ذلك في الظلمة دون الجسر، كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان: «عراة غرلا أعطش ما كانوا وأجوع ما كانوا عليه قط» (٢). عراة فلا يسقى ذلك اليوم إلا من سقى لله ، ولا يطعم إلا من أطعم لله، ولا يكسى
стр. 269
يومئذ إلا من كسا لله، ولا يكفى إلا من اتّكل على الله. ومصداق هذا في كتاب الله قوله الحق: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ٧ - ١١] أي: من إزالة الجوع والعطش والعري، إلى غير ذلك من أهوال القيامة وأفزاعها، على ما يأتي بيانه في هذا الباب الذي يليه.
(أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان: قال تعطى الشمس يوم القيامة حرّ عشر سنين، ثم تدنى من جماجم الناس، حتى تكون قاب قوسين. قال: فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل. قال سلمان: حتى يقول الرجل: غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه؛ قال بعضهم لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ائتوا أباكم آدم فيشفع لكم. الحديث بطوله (١)، وسيأتي مرفوعا من حديث أبي هريرة.
وأخرجه ابن المبارك قال: أنبأنا سلمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: «تدنى الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوسين، فتعطى حرّ عشر سنين، وليس على أحد يومئذ طحربة، ولا يرى فيها عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرّها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون - أو قال: الكفار - فتطبخهم طبخا، فإنما تقول أجوافهم: غق غق» (٢). قال نعيم:
الطحربة: الخرقة.
وأخرجه هناد بن السري؛ حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن سليمان التيمي فذكره سواء إلا أنه قال: «ولا يجد حرها» بدل: «ولا يضر» وقال: «وأما الكافر أو الآخرون فتطبخهم طبخا حتى يسمع لأجوافهم غق غق».
(مسلم) عن سليم بن عامر، عن المقداد بن الأسود، ﵁ قال:
سمعت النبي ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» قال سليم بن عامر: فو الله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين. قال: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من
стр. 270
يلجمه إلجاما» (١). قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. وأخرجه الترمذي (٢) وزاد بعد قوله؛ تكحل به العين: «فتصهرهم الشمس».
وذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار، قال:
«إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، والسعيد الذي يجد لقدميه موضعا يضعهما عليه، وإن الشمس تدنى من رؤوسهم حتى لا يكون بينهم وبين رؤوسهم؛ إما قال ميلا أو ميلين ثم يزاد في حرّها بضعة وستون ضعفا، وعند الميزان ملك إذا وزن العبد، نادى: ألا إن فلان بن فلان قد ثقلت موازينه، وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد خفّت موازينه وشقي شقاء لا يسعد بعده أبدا» (٣).
(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو آذانهم» (٤) يشك ثور أيهما قال. أخرجه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: «يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه» (٥) أخرجه البخاري والترمذي وقال: حديث صحيح مرفوعا وموقوفا.
وروى هنّاد بن السري قال: حدّنا محمد بن فضيل، عن ضرار بن مرة، عن عبد الله بن مكنف، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال له رجل: إن أهل المدينة ليوفون الكيل يا أبا عبد الرحمن. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] قال: «إن العرق ليبلغ أنصاف آذانهم من هول يوم القيامة وعظمه».
وخرج الوائلي من حديث ابن وهب قال: حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي هانئ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال رسول الله ﷺ : كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النّبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم» (٦) قال الوائلي: غريب، جيد الإسناد.
стр. 271
وقد خرج مسلم لابن وهب عن أبي هانئ نفسه عن الحبلي عن عبد الله أحاديث.
(ابن المبارك) قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: سمعت بلال بن سعيد يقول:
«إن للناس يوم القيامة جولة وهو قوله : ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١].
وفي حديث جويبر عن الضحاك: فينزل الملك ومجنبته اليسرى جهنم فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا قياما من الملائكة فذلك قوله: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] والسلطان: العذر.
وقال رسول الله ﷺ : «خوفني جبريل من يوم القيامة حتى أبكاني. فقلت: يا جبريل ألم يغفر لي ربي ذنبي ما تقدم وما تأخر؟ فقال لي: يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة». ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ﵀.
فصل
قلت: ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان: «أن الشمس لا يضر حرها مؤمن ولا مؤمنة»، العموم في المؤمنين، وليس كذلك، لحديث المقداد المذكور بعده، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمنا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن، كما في الحديث الصحيح: «سبعة يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله» الحديث، رواه الأئمة مالك وغيره، وسيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته، وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء الله، وكل ذلك من ظل العرش، والله أعلم.
وأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق على ما دلّ عليه حديث مسلم. قال ابن العربي: «وكل واحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه، وإلى جانبيه مثلا يمنة من يبلغ كعبيه ومن الجهة الشمال من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدره، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا، فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذا واحدا ولا يتفارقون، كما ذكرنا مع استواء الأرض، ومجاورة المحل، وهذا من القدرة التي تخرق العادات في زمن الآيات».
وقال الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له: ولا يبعدن عليك هذا - رحمك الله - أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد وموقف سواء، يشرب أحدهم أو بعضهم من الحوض، ولا يشرب الغير، ويكون النور يسعى بين يدي
стр. 272
البعض والبعض في الظلمات مع قرب المكان، وازدحام الناس، ويكون أحدهم يغرق في عرقه حتى يلجمه، أو يبلغ منه عرقه ما شاء الله، جزاء لسعيه في الدنيا والآخرة في ظل العرش على قرب المكان والمجاورة، كذلك كانوا في الدنيا يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس، والكافر في ظلام كفره، والمؤمن في وقاية الله وكفايته، والكافر والعاصي في خذلان الله لهما وعدم العصمة، والمؤمن السنّي يكرع في سنة رسول الله ﷺ ، ويروي ببرد اليقين، ويمشي في سبل الهداية بحسن الاقتداء، والمبتدع عطشان، إلى ما روي المؤمن به، حيران لا يشعر سالك في مسالك ضلالات البدع وهو لا يدري، كذلك في الوجود الأعمى لا يجد نور بصر البصير، ولا ينفعه دواء، إنما هي بواطن ظهرت وظواهر بطنت، فتشعر لذلك وتفطن واستعن بالله يعنك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وقال أبو حامد: «واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام، وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمّل مشقّة في أمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة، ويطول فيه الكرب، ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور، لعلم أنّ تعب العارف في تحمّل مصاعب الدنيا أهون أمرا وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيم شديد طويل مدته».
وذكر أبو نعيم عن أبي حازم أنه قال: «لو نادى مناد من السماء أمن أهل الأرض من دخول النار لحقّ عليهم الوجل من هول ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم».
***
٨٦ - باب ما ينجي من أهوال يوم القيامة ومن كربها
(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (١). وذكر الحديث.
وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀ قال:
حدّثنا عبد الله بن نافع قال: حدّثني ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن أبي عبد
стр. 273
الله، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: إني رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه برّه بوالديه فرد عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلّصه من بينهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه؛ فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا كلما دنا لحلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده بجنبي، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحيّر فيها، فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلا من أمتي يكلّم المؤمنين فلا يكلّمونه؛ فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلّموه فكلّموه، ورأيت رجلا من أمتي يتقي شرر النار ووهجها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خفّ ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السّعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعده ومضى، ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا؛ فجاءته صلاته عليّ فأخذت بيده وأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» (١).
قلت: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة، والله أعلم.
стр. 274
وقد ينجي منها كلها ما ثبت في «صحيح مسلم» عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال:
قال الله أنا أحقّ بذلك منك تجاوزوا عن عبدي» (١).
وخرّجه عن حذيفة، عن النبي ﷺ : «أن رجلا مات فدخل الجنة فقيل له: ما كنت تعمل؟ فقال: إني كنت أبايع الناس، فكنت أنظر المعسر وأتجاوز في السكة أو في النقد، فغفر له» (٢). فقال أبو مسعود ﵁: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
رواه مسلم من طرق، وخرّجه البخاري.
وروى مسلم عن أبي قتادة ﵁؛ أنه طلب غريما له فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر. قال: آلله؟ فقال: آلله. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٣).
وعن أبي اليسر - واسمه كعب بن عمرو ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله» (٤). خرّجه مسلم.
وقال أنس بن مالك ﵁: من نظر مديونا فله بكل يوم عند الله وزن أحد ما لم يطلبه.
وروى الأئمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (٥). معنى في ظله: أي في ظل عرشه، وقد جاء هكذا تفسيرا في الحديث.
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أشبع جائعا أو كسا عريانا أو آوى مسافرا أعاذه الله من أهوال يوم القيامة» (٦).
стр. 275
وخرّج الطبراني؛ سليمان بن أحمد، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: «من لقم أخاه لقمة حلواء صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة» (١).
وفي التنزيل تحقيقا لهذا الباب، وجامعا له؛ قوله الحق: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] مع قوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠] مع قوله في غير موضع بعد ذكر الأعمال الصالحة: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣].
باب
ذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان بن أحمد قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال: حدّثنا محمد بن سلام قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا مالك عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها الصلاة ولا الصوم ولا الحج ولا العمرة» قال: وما يكفرها يا رسول الله؟ قال: «الهموم في طلب المعيشة» (٢). قال أحمد بن يحيى: فقلت: كيف سمعت هذا من يحيى بن بكير فلم يسمعه أحد غيرك؟ قال: كنت عند يحيى جالسا فجاءه رجل فذكر ضعفه. فقال: قال ابن بكير: حدّثنا مالك فذكره.
***
٨٧ - باب في الشفاعة العامة لنبينا محمد ﷺ لأهل المحشر
(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من
стр. 276
يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبونا أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي؛ نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون يا موسى: أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله. ولم يغضب بعده مثله، - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد غيري من قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى».
وفي البخاري: «كما بين مكة وحمير» (١).
стр. 277
فصل
هذه الشفاعة العامة التي خصّ بها نبينا محمد ﷺ من بين سائر الأنبياء هي المراد بقوله ﵇: «لكلّ نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي» (١). رواه الأئمة البخاري ومسلم وغيرهما.
وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف، وهي الخاصة به ﷺ .
وقوله: «أقول يا رب أمتي أمتي»، اهتمام بأمر أمته وإظهار محبته وشفقته عليهم، وقوله: فيقال: «يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه» يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته؛ فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم.
وكان طلبه هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه ﷺ المحمود الذي وعده، ولذلك قال كل نبي: «لست لها لست لها» حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ فقال: «أنا لها».
وروى مسلم عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك». وفي رواية: «فيلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا! قال: فيأتون آدم» (٢). وذكر الحديث.
وذكر أبو حامد أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام، وكذا بين كل نبي إلى محمد ﷺ .
وذكر أيضا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة، بحسب جرائمهم، كمانع الزكاة والغال والغادر، على ما يأتي بيانه. وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى بنتنها جيرانهم، وآخرون قد صلبوا على جذوع النيران، وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون، وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكاذبون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلو الربا، وكل ذي ذنب قد بدا سوء ذنبه. قاله في كتاب: «كشف علوم الآخرة». وذكر في آخر هذا الكتاب أن الرسل يوم القيامة على المنابر، والأنبياء والعلماء على منابر صغار، ومنبر كل رسول قدره، والعلماء العاملون على كراسي من نور، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من
стр. 278
مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ .
وذكر الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له: ويلهم رؤوس المحشر الطلب ممن يشفع لهم، ويريحهم مما هم فيه وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون ذلك.
***
٨٨ - باب ما جاء أن هذه الشفاعة هي المقام المحمود
(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: أنا أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا، فيأتون نوحا فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال رسول الله ﷺ . ما منها كذبة إلا ماحل بها عن دين الله (١)، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى فيقول: إني قد قتلت نفسا، ولكن ائتوا عيسى فيقول: إني عبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدا ﷺ ، فيأتوني فأنطلق معهم». قال ابن جدعان: قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ قال: «فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبا. فأخّر ساجدا لله، فيلهمني من الثناء والحمد فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفّع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله فيه:
﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (٢) [الإسراء: ٧٩] قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها». قال الترمذي: حديث حسن.
وخرّجه أبو داود الطيالسي بمعناه عن ابن عباس ﵁ فقال: حدّثنا
стр. 279
حماد بن سلمة، قال: حدّثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبيّ إلا وله دعوة كلهم قد تنجزها في الدنيا، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد تحته آدم ﷺ ومن دونه ولا فخر، ويشتد كرب ذلك اليوم على الناس فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا».
الحديث وفيه: «فيأتون عيسى ﵇ فيقولون اشفع لنا إلى ربّنا حتى يقضي بيننا، فيقول: إني لست هناكم إني اتّخذت وأمي إلهين من دون الله، ولكن أرأيتم لو أن متاعا في وعاء قد ختم عليه أكان يوصل إلى ما في الوعاء، حتى يفضّ الخاتم؟ فيقولون: لا.
فيقول: إن محمدا ﷺ قد خصه اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال رسول الله ﷺ : فيأتيني الناس فيقولون اشفع لنا إلى ربّنا حتى يقضي بيننا فأقول: أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد: أين محمد ﷺ وأمته؟ فأقوم وتتبعني أمتي غرّا محجّلين من أثر الطّهور. قال رسول الله ﷺ : فنحن الآخرون الأولون وأول من يحاسب ويفرج لنا في الأمم عن طريقنا ويقولون: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها» (١) وذكر الحديث.
وفي البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثيا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان! اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» (٢).
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩] سئل عنها قال: «هي الشفاعة» (٣). قال هذا حديث صحيح.
فصل
قوله: «فيفزع الناس ثلاث فزعات»؛ إنما ذلك والله أعلم حين يؤتى بالنار تجر بأزمّتها، وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديان، فإذا نظرت إلى الخلائق فارت وثارت وشهقت إلى الخلائق وزفرت نحوهم، وتوثبت عليهم غضبا لغضب ربهم ، على ما يأتي بيانه في كتاب النار إن شاء الله تعالى - فتتساقط
стр. 280
الخلائق حينئذ على ركبهم جثاة حولها، قد أسبلوا الدموع من أعينهم، ونادى الظالمون بالويل والثبور، ثم تزفر الثانية فيزداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون من طرف خفي، خوفا أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها، أجارنا الله منها بعفوه وكرمه.
فصل
واختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال (١):
الأول: أنه الشفاعة العامة للناس يوم القيامة كما تقدم، قاله حذيفة بن اليمان وابن عمر ﵄ (٢).
الثاني: أنه إعطاؤه ﵇ لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع.
وروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، فأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» (٣). وفي رواية: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا، لواء الكرم بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون».
الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة منها مجاهد. أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمدا ﷺ معه على كرسيه، ورويت في ذلك حديثا قلت: وهذا قول مرغوب عنه، وإن صحّ الحديث فيتأول على أنه يجلسه مع أنبيائه وملائكته ﵈. قال ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» (٤): «ومجاهد - وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن - فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا، والثاني في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال تنتظر الثواب وليس من النظر».
الرابع: إخراجه طائفة من النار؛ روى مسلم عن يزيد الفقير قال: كنت قد
стр. 281
شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله ﵁ يحدّث الناس - أو القوم - إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. و ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]. فما هذا الذي تقولون؟ فقال: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقال:
فهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم.
قال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يخرج الله به من يخرج. وذكر الحديث (١).
وفي البخاري من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: وقد سمعته يقول: فأخرج، فأخرجهم وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن - أي: وجب عليه الخلود - قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ قال: «هو المقام المحمود الذي وعده نبيّكم ﷺ » (٢).
الخامس: ما روي أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
فصل
إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء ﵈، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ليراحوا من هول موقفهم، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي، فقال النقاش: «لرسول الله ﷺ ثلاث شفاعات: شفاعة العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر». وقال ابن عطية في «تفسيره»: «والمشهور أنهما شفاعتان فقط، العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء».
قال القاضي عياض: شفاعات نبينا ﷺ يوم القيامة خمس شفاعات:
الأولى: العامة.
الثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب.
الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا ﷺ ، ومن
стр. 282
شاء أن يشفع، ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج، والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح (١).
الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين. قلت: وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضا وإذا منعوها فيمن استجوب النار بذنبه وإن لم يدخلها؛ فأحرى أن يمنعوها فيمن دخلها.
الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها. قال القاضي عياض: وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة، ولا تنكر شفاعة الحشر الأول.
قلت: وشفاعة سادسة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه كما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال:
«لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» (٢).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قيل له:
لا تنفع في الخروج من النار، كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.
فصل
واختلف العلماء، هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين بعد النبوة صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها ويشفقون منها أم لا، بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته، وتسقط مروءته، إجماعا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك
стр. 283
مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم.
فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين: تقع الصغائر منهم، خلافا للرافضة؛ حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك كله، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل، وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء به.
وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوّزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة والحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعلّه معصية، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين.
قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: «واختلفوا في الصغائر؛ والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، ومال بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة».
وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: والذي ينبغي أن يقال:
إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها، وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات، بالنسبة إلى مناصبهم وعلوّ أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة، وهذا هو الحق (١).
ولقد أحسن الجنيد ﵁ حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم صلوات الله عليهم وسلامه وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه.
стр. 284
باب
ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ ، وذكر حديث الشفاعة وفيه: «فيقول عيسى ﵇: أدلّكم على النبيّ الأمي فيأتون فيأذن الله لي أن أقوم، فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي، فيشفّعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافر: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه؛ فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك قد أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية» (١).
***
٨٩ - باب من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ
(البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٢).
وروى زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: يا رسول الله ما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله» (٣). خرّجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول».
***
стр. 285
٩٠ - باب ما جاء في تطاير الصحف عند العرض والحساب وإعطاء الكتب باليمين والشمال
ومن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة، وفي كيفية وقوفهم للحساب وما يقبل منهم من الأعمال، وفي دعائهم بأسماء آبائهم وبيان قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وفي تعظيم خلق الإنسان الذي يدخل الناس به النار أو الجنان، وذكر القاضي العدل ومن نوقش الحساب عذّب قال الترمذي: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر قبل أن تعرضوا، وإنما يخفف الحساب على من حاسب نفسه في الدنيا» (١).
وقال عطاء الخراساني: «يحاسب العبد يوم القيامة عند معارفه ليكون أشد عليه في توبيخه». ذكره أبو نعيم.
(البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حوسب يوم القيامة عذّب» قالت: فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]؟ فقال: «ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» (٢). أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا عمر بن العلاء اليشكري قال: حدّثني