← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله ﵁ يحدّث الناس - أو القوم - إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. و ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]. فما هذا الذي تقولون؟ فقال: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقال: فهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يخرج الله به من يخرج. وذكر الحديث (١). وفي البخاري من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: وقد سمعته يقول: فأخرج، فأخرجهم وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن - أي: وجب عليه الخلود - قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ قال: «هو المقام المحمود الذي وعده نبيّكم ﷺ » (٢). الخامس: ما روي أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. فصل إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء ﵈، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ليراحوا من هول موقفهم، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي، فقال النقاش: «لرسول الله ﷺ ثلاث شفاعات: شفاعة العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر». وقال ابن عطية في «تفسيره»: «والمشهور أنهما شفاعتان فقط، العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء». قال القاضي عياض: شفاعات نبينا ﷺ يوم القيامة خمس شفاعات: الأولى: العامة. الثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا ﷺ ، ومن

стр. 282

شاء أن يشفع، ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج، والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح (١). الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين. قلت: وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضا وإذا منعوها فيمن استجوب النار بذنبه وإن لم يدخلها؛ فأحرى أن يمنعوها فيمن دخلها. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها. قال القاضي عياض: وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة، ولا تنكر شفاعة الحشر الأول. قلت: وشفاعة سادسة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه كما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» (٢). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قيل له: لا تنفع في الخروج من النار، كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة. فصل واختلف العلماء، هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين بعد النبوة صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها ويشفقون منها أم لا، بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته، وتسقط مروءته، إجماعا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك

стр. 283

مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم. فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين: تقع الصغائر منهم، خلافا للرافضة؛ حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك كله، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل، وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء به. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوّزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة والحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعلّه معصية، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: «واختلفوا في الصغائر؛ والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، ومال بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة». وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها، وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات، بالنسبة إلى مناصبهم وعلوّ أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة، وهذا هو الحق (١). ولقد أحسن الجنيد ﵁ حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم صلوات الله عليهم وسلامه وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه.

стр. 284

باب ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ ، وذكر حديث الشفاعة وفيه: «فيقول عيسى ﵇: أدلّكم على النبيّ الأمي فيأتون فيأذن الله لي أن أقوم، فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي، فيشفّعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافر: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه؛ فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك قد أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية» (١). *** ٨٩ - باب من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ (البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٢). وروى زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: يا رسول الله ما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله» (٣). خرّجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». ***

стр. 285

٩٠ - باب ما جاء في تطاير الصحف عند العرض والحساب وإعطاء الكتب باليمين والشمال ومن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة، وفي كيفية وقوفهم للحساب وما يقبل منهم من الأعمال، وفي دعائهم بأسماء آبائهم وبيان قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وفي تعظيم خلق الإنسان الذي يدخل الناس به النار أو الجنان، وذكر القاضي العدل ومن نوقش الحساب عذّب قال الترمذي: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر قبل أن تعرضوا، وإنما يخفف الحساب على من حاسب نفسه في الدنيا» (١). وقال عطاء الخراساني: «يحاسب العبد يوم القيامة عند معارفه ليكون أشد عليه في توبيخه». ذكره أبو نعيم. (البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حوسب يوم القيامة عذّب» قالت: فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]؟ فقال: «ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» (٢). أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا عمر بن العلاء اليشكري قال: حدّثني

стр. 286

صالح بن سرج، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت عائشة ﵂ تقول وذكر عندها القضاة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط» (١). (الترمذي) عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات؛ فأما عرضتان فجدال ومعاذير، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» (٢). قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، وقد رواه بعضهم عن علي بن علي الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ . وقلت: قوله وقد رواه بعضهم، هو وكيع بن الجراح ذكره ابن ماجه. قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع عن علي بن علي؛ فذكره. قال الترمذي: «وتكلّم يحيى بن سعيد القطان في علي بن علي». وخرّجه أبو بكر البزار أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال، وأما الثالثة فتطاير الكتب يمينا وشمالا». وذكره الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين قال: «فروي لنا عن رسول الله ﷺ : أن الناس يعرضون ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف» فالجدال لأهل الأهواء (٣) يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم، فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير لله تعالى، يعتذر الكريم إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعثهم إلى النار، [فإنه يجب أن يكون عذره عن أنبيائه وأوليائه ظاهرا حتى لا تأخذهم الحيرة] (٤)، ولذلك قيل عن رسول الله ﷺ : «لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله» (٥).

стр. 287

والعرضة الثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر، يخلو بهم فيعاتبهم في تلك الخلوات، من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء ويفيض عرقا بين يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم بكره وفضله. وذكر أبو جعفر العقيلي من حديث نعيم بن سالم، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان يوم الموقف بعث الله ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خطّ فيها: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤]» (١). (أبو داود) عن عائشة ﵂ قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك»؟ قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا؛ عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز» (٢). وذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁، وله شعاع كشعاع الشمس، فقيل له: أين يكون أبو بكر يا رسول الله؟ قال: هيهات زفته الملائكة إلى الجنان» (٣). وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب «التوحيد» له عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجّتكم ويسّروا جوابكم، فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». وأسند عن سمرة بن عطية قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب، وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات، فيقول رب العزة ﵎: صليت يوم كذا

стр. 288

وكذا ليقال: فلان صلى، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، صمت يوم كذا وكذا، ليقال: صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا ليقال: تصدق فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، فما زال يمحي شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء، فيقول ملكاه: ألغير الله كنت تعمل؟». قلت: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، وقد رفع معناه الدارقطني في «سننه» من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله فيقول الله تعالى: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرا، فيقول الله وهو أعلم -: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما ابتغي به وجهي» (١). خرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ بمعناه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم، ويقول: أبشروا لكل مسلم مثل هذا، قال: وأما الكافر فيسودّ وجهه ويمدّ في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا من نار فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شرّ هذا، اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم، فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وروي أن عيسى ﵇ مر بقبر فوكزه برجله وقال: يا صاحب هذا القبر قم بإذن الله. فقام إليه رجل، وقال: يا روح الله! ما الذي أردت، فإني لقائم في الحساب منذ سبعين سنة، حتى أتتني الصيحة الساعة أن أجب روح الله، فقال عيسى: يا هذا لقد كنت كثير الذنوب والخطايا، ما كان عملك؟ فقال: والله يا روح الله ما كنت إلا حطابا أحمل الحطب على رأسي، آكل حلالا وأتصدّق. فقال عيسى: يا سبحان الله حطابا يحمل الحطب على رأسه، يأكل حلالا ويتصدق، وهو قائم في الحساب منذ سبعين سنة، ثم قال له: يا روح الله كان من توبيخ ربي لي

стр. 289

أن قال: اكتراك عبدي لتحمل له حزمة، فأخذت منها عودا فتخللت به وألقيته في غير مكانه امتهانا منك بي، وأنت تعلم أني أنا الله المطلع عليك وأراك. فصل قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قال الزجّاج: «ذكر العنق عبارة عن اللزوم، كلزوم القلادة للعنق». وقال إبراهيم بن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤]. وقال ابن عباس ﵁: طائره عمله. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قال الحسن: يقرأ الإنسان كتابه أميّا كان أو غير أمي. وقال أبو السوار العدوي - وقرأ هذه الآية: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت. ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾. فإذا وقف النّاس على أعمالهم من الصحف التي يؤتونها بعد البعث حوسبوا بها، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] فدلّ على أن المحاسبة تكون عند إتيان الكتب، لأن النّاس إذا بعثوا لا يكون ذاكرين لأعمالهم. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وقد تقدّم القول في محاسبة الله تعالى لخلقه في يوم الحساب من أسماء القيامة، فإذا بعثوا من قبورهم إلى المواقف وقاموا فيه ما شاء الله تعالى على ما تقدم حفاة عراة، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس، فأوتوها، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، وهم الأشقياء، فعند ذلك يقرأ كلّ كتابه. وأنشدوا: مثّل وقوفك يوم العرض عريانا … مستوحشا قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق … تعلي العصاة وربّ العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل … فهل ترى فيه حرفا غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته … إقرار من عرف الأشياء عرفانا

стр. 290

نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي … وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غدا في النار يلتهبوا … والمؤمنون بدار الخلد سكّانا فتوهّم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت ونوه باسمك على رؤوس الخلائق؛ أين فلان بن فلان؟ هلمّ إلى العرض على الله تعالى، وقد وكلت الملائكة بأخذك، فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذ عرفت أنك المراد بالدعاء، إذ قرع النداء قلبك فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغيّر لونك، وطار قلبك، تخطي بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك، لعلمك أين يراد بك. فتوهّم نفسك وأنت بين يدي ربك، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدّقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكّركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فردّه عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيما، فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك، ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ فعلم أنه من أهل الجنة ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] وذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه. فإذا كان الرجل رأسا في الخير يدعو إليه ويأمر به ويكثر، تبعه عليه دعي باسمه واسم أبيه، فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك وقد غفرت لك، فيفرح عند ذلك فرحا شديدا، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه حسناتك قد ضوعفت لك فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلّتين ويحلى كل مفصل فيه، ويطول ستين ذراعا - وهي قامة آدم - ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فإذا أدبر قال: ﴿هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي مرضيّة قد رضيها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ في السماء ﴿قُطُوفُها﴾ ثمارها وعناقيدها ﴿دانِيَةٌ﴾ أدنيت منهم فيقول لأصحابه هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة الله من أنت فيقول أنا فلان ابن فلان ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا

стр. 291

﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أي: قدّمتم في أيام الدنيا. وإذا كان الرجل رأسا في الشر؛ يدعو إليه ويأمر به، فيكثر تبعه عليه، ونودي باسمه واسم أبيه، فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن، ويقنط من الخير، ثم يقلّب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا ولا يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك. أي: يضاعف عليه العذاب، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل، قال: فينظر إلى النار وتزرق عيناه ويسود وجهه ويكسى سرابيل من القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فينطلق وهو يقول: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ يعني الموت ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ تفسير ابن عباس ﵁: هلكت عني حجتي، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي: اجعلوه يصلى الجحيم ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ والله أعلم بأي ذراع، قال الحسن. وقال ابن عباس ﵄: سبعون ذراعا بذراع الملك. ويأتي في كتاب النار لهذه السلسلة مزيد بيان. فاسلكوه فيها، أي: تدخل من فيه حتى تخرج من دبره، قاله الكلبي. وقيل العكس، وقيل: يدخل عنقه فيها ثم يجرّ بها، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لأذابته، فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان لكل إنسان منكم مثل هذا. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره؛ فتخلع كتفه اليسرى فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه، وقال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك. فتوهّم نفسك إن كنت من السعداء وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه قد حلّ بك الكمال والحسن والجمال، كتابك في يمينك أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. إما إن كنت من أهل الشقاوة فيسودّ وجهك، وتتخطى الخلائق كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك، تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق: ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا. قلت: ألا إن فلان بن فلان؛ دليل على أن الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه، وقد جاء صريحا من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول

стр. 292

الله ﷺ : «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (١). خرّجه أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أبو عمر بن حمدان، قال: حدّثنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى، قال: حدّثنا هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء فذكره خرّجه أبو داود أيضا. *** ٩١ - باب في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (الترمذي) عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على برج دمشق، فقال أبو أمامة: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية. فقلت لأبي أمامة الباهلي: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، حتى عد سبعا، ما حدثتكموه (٢). قال هذا حديث حسن. وخرج أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، عن مالك بن سليم الهروي أخي غسان، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: يعني تبيضّ وجوه أهل السنة، وتسودّ وجوه أهل البدعة (٣). قال أبو بكر: منكر من حديث مالك. قلت: هذا قول ابن عباس وغيره في الآية: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة (٤). وقال مالك بن أنس ﵁: هي في أهل الأهواء. وقال الحسن: هي

стр. 293

في المنافقين. وقال قتادة: في المرتدين. وقال أبي بن كعب: هي في الكفار، وهو اختيار الطبري. اللهم بيّض وجوهنا يوم تبيضّ وجوه أوليائك، ولا تسوّد وجوهنا يوم تسودّ وجوه أعدائك، بحق رسلك وأنبيائك وأصفيائك! بفضلك يا ذا الفضل العظيم وكرمك يا كريم. *** ٩٢ - باب في قوله تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ الآية (ابن المبارك) قال: أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك - نعيم، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، عن رجل من بني أسد قال: قال عمر لكعب: ويحك يا كعب! حدّثنا من حديث الآخرة. قال نعم يا أمير المؤمنين: إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله قال ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] قال الأسدي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك ﴿إِلاّ أَحْصاها﴾ قال كعب: ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه فحسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته. فذكر معنى ما تقدم .. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: «يا ويلتنا» ضجوا إلى الله من الصغائر قبل الكبائر. قال ابن عباس ﵁: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك. يعني ما كان من ذلك في معصية الله. وقد روي أن النبي ﷺ ضرب بصغائر الذنوب مثلا، فقال: «إنما محقّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم، فانطلق كل رجل منهم يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود والآخر بالعودين، حتى جمعوا سوادا وأجّجوا نارا، فشووا خبزهم، وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه فيهلكه، إلا أن يغفر الله، واتقوا محقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (١).

стр. 294

أنبأنا الشيخان أبو محمد بن عبد الوهاب القرشي والإمام أبو الحسن الشافعي قالا: أخبرنا السّلفي قال: أخبرنا الثقفي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن مخمش الزيادي إملاء بنيسابور، قال: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، قال أخبرنا محمد بن حماد الأبيوردي، قال أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن أبي حازم، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» غريب من حديث أبي حازم مسلمة بن دينار، تفرد به عنه أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي. ولقد أحسن القائل: خلّ الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى وقال جماعة من العلماء: إن الذنوب كلها كبائر. قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت، فهي من حيث المخالفة كبائر. والصحيح أن فيها صغائر وكبائر، ليس هذا موضع الكلام في ذلك وقد بيّناه في سورة النساء في كتاب «جامع أحكام القرآن» (١) والله أعلم. *** ٩٣ - باب ما يسأل عنه العبد وكيفية السؤال قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء: ٣٨]، وقال: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] وقال: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] أي: بما علمتموه وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] أي: يسأل عن ذلك ويجازى عليه، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].

стр. 295

(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا! قال: «إن ذلك سيكون» (١). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له: ألم نصحّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد؟» (٢) قال الترمذي: حديث غريب. وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن أبي وائل شفيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يخطو خطوة إلا سئل عنها ما أراد بها» (٣). (مسلم) عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن جسده فيما أبلاه؟ وعن عمله ما عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟» (٤) خرجه الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح. ورواه عن ابن عمر عن ابن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ ، وقال فيه: حديث غريب لا أعرفه إلا من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن قيس، والحسين يضعف في الحديث. وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد، قلت: ومعاذ بن جبل؛ أخبرناه الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب بثغر الإسكندرية قراءة عليه، قال: قرأ عليّ السّلفي وأنا أسمع قال: حدّثنا الحاجب أبو الحسن علي بن محمد بن علي العلاف، ببغداد سنة أربع وسبعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران المعدل، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجريّ بمكة في شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو سعيد الفضل بن محمد الجوني، ليلا في المسجد الحرام سنة تسع وتسعين ومائتين قال: أخبرنا صامت بن معاذ الجندي، أخبرنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن صفوان بن سليم، عن عدي بن عدي، عن الصالحي، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع

стр. 296

خصال: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن عمله ماذا عمل فيه؟» (١). وخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن خالد الحلبي، أخبرنا يوسف بن يونس الأفطس، قال: أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» (٢). (مسلم) عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر ﵁: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدني الله المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: ربّ أعرف. قال: فيقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله» (٣). أخرجه البخاري وقال في آخره: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وروي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة خلا الله بعبده المؤمن يوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، ثم يغفر الله له، لا يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبيّ مرسل، وستر عليه من ذنوبه ما يكرهه أن يقف عليها ثم يقول لسيئاته كوني حسنات» (٤). قال المؤلف: خرجه مسلم بمعناه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي في كتاب «الديباج» له، حدّثنا هارون بن عبد الله قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا جعفر قال: حدّثنا أبو عمران الجوني، عن أبي هريرة ﵁ قال: «يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه يستره من الخلائق كلّها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول له: اقرأ يا ابن آدم كتابك. قال: فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه. قال:

стр. 297

فيقول الله تعالى له: أتعرف يا عبدي؟ قال: فيقول نعم يا رب أعرف، قال: فيقول: إني أعرف بها منك، قد غفرتها لك، قال: فلا تزال حسنة تقبل فيسجد، وسيئة تغفر فيسجد، فلا يرى الخلائق منه إلا ذلك، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا طوبى لهذا العبد الذي لم يعص قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه» (١). قلت: نسخة من هنا إلى الفصل قوله لا يزول، أخبرنا الشيخ الراوية القرشي عبد الوهاب، قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماه الله، قال: قرئ على الحافظ السّلفي، وأنا أسمع. قال: حدّثنا الحاجب أبو الحسن بن العلاء، وقال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا الآجريّ، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى السونيطي، حدّثنا أحمد بن أبي رجاء المصيصي، حدّثنا وكيع بن الجراح، حدّثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وتخبأ كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، ثلاث مرات، قال: وهو يقرّ ليس ينكر قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء. قال: فإذا أراد الله به خيرا قال: أعطوه مكان كلّ سيئة حسنة فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوبا ما رأيتها هاهنا» قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. ثم تلا: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (٢) [الفرقان: ٧٠] خرجه مسلم في «صحيحه» عن محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدّثنا الأعمش فذكره. فصل قوله: «لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل»؛ عام لأنه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصوص بقوله ﵇: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب» (٣) على ما يأتي. وبقوله تعالى لمحمد ﵇: «أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن» (٤). وقد تقدم الحديث. وبقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. قوله ﵇: «وعن عمله ما عمل فيه». قلت: هذا مقام مخوّف لأنه لم

стр. 298

يقل: «وعن عمله ما قال فيه» وإنما قال: «ما عمل فيه» فينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق الله في ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى الله عليه بقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أو خالف علمه بفعله، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] الآية. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]. والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكرها في أبواب النار، إن شاء الله تعالى. وقوله: «حتى يضع عليه كنفه» أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافات والمحادثة، فيقول: «هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف» فيقول الله تعالى: ممتنا عليه ومظهرا فضله لديه: «فإني سترتها عليك في الدنيا»؛ أي: لم أفضحك بها فيها: «وأنا أغفرها لك اليوم»، ثم قيل: هذه ذنوب تاب منها كما ذكره أبو نعيم عن الأوزاعي، عن هلال بن سعد قال: «إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب منها». قال المؤلف: ولا يعارض هذا ما في التنزيل والحديث من أن السيئات تبدل بالتوبة حسنات، فلعل ذلك يكون بعد ما يوقفه عليها، والله أعلم. وقيل: في صغائر اقترفها، وقيل: كبائر بينه وبين الله تعالى اجترحها، وأما ما كان بينه وبين العباد فلا بد فيها من القصاص بين العباد بالحسنات والسيئات، على ما يأتي. وقيل: ما خطر بقلبه ما لم يكن في وسعه، ويدخل تحت كسبه، ويثبت في نفسه وإن لم يعمله، وهذا اختيار الطبري والنحاس وغير واحد من العلماء، جعلوا الحديث مفسرا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فتكون الآية على هذا محكمة غير منسوخة، والله أعلم. وقد بيناه في كتاب «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السور وآي القرآن» - والحمد لله. وروي عن ابن مسعود أنه قال: «ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة»، وهذا مأخوذ من حديث النجوى، ومن قوله ﵇: «لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة». خرجه مسلم (١). وفي «صحيح مسلم» أيضا من حديث أبي هريرة ﵁: «من ستر

стр. 299

مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة» (١)، وروى: «من ستر على مسلم عورته، ستر الله عورته يوم القيامة» (٢). قال أبو حامد: «فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل في حق نفسه تقصيرهم، ولم يحرك لسانه بذكر مساوئ الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فهذا جدير بأن يجازى بمثله في القيامة». فصل وفي قوله: «سترها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين، والعرب تفتخر بخلف الوعيد حتى قال قائلهم: ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي … ولا أختشي من روعة المتهدد وإني متى أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال ابن العربي: إنه كذلك عند العرب، وأما ملك الملوك القدوس الصادق فلا يقع أبدا خبره إلا على وفق مخبره، كان ثوابا أو عقابا، فالذي قال المحققون في ذلك قول بديع، وهو أن الآيات وقعت مطلقة في الوعد والوعيد عامة، فخصصتها الشريعة، وبينها الباري تعالى في كتابه في آيات أخر، كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] الآية وكقوله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [غافر: ١ - ٣] وبالشفاعة التي أكرم الله بها محمدا ﷺ ومن شاء من الخلق من بعده. *** ٩٤ - باب ما جاء أن الله تعالى يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان (مسلم) عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا

стр. 300

سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة» (١). زاد ابن حجر قال الأعمش: وحدّثني عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي مثله، وزاد فيه: «ولو بكلمة طيبة». أخرجه البخاري والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (ابن المبارك) قال: أخبرنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «يجاء بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا ربّ جمعته وثمّرته فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتيك به. فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت فيقول: يا رب جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان فارجعني آتيك به فيقول: فإذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى به إلى النار» (٢). خرجه ابن العربي في «سراج المريدين». وزاد فيه بعد قوله: «كأنه بذج» وقال فيه: حديث صحيح من مراسيل الحسن. وقال الهروي: كأنه بذج من الذل. قال أبو عبيدة: هو ولد الضأن وجمعه بذجان (٣). وقال الجوهري: البذج من الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز. وأنشدوا: قد هلكت جارتنا من الهمج … وإن تجع تأكل عتودا أو بذج قلت: وقوله: «ما منكم من أحد» مخصوص بما ذكرناه في الباب قبل، أي: ما منكم ممن لا يدخل الجنة بغير حساب من أمتي إلا وسيكلّمه الله، والله أعلم. فتفكر في عظيم حياتك إذا ذكّرك ذنوبك شفاها إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبح، واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل، أكنت أهون عليك من سائر عبادي، استخففت بنظري إليك، فلم تكترث به، واستعظمت نظر غيري؟ ألم أنعم عليك فماذا غرك بي؟

стр. 301

وعن ابن مسعود قال: «ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا ابن آدم، ما غرك بي، يا ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت، يا ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ يا ابن آدم؛ ألم أكن رقيبا على عينيك وأنت تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، ألم أكن رقيبا على أذنيك؟ وهكذا عن سائر الأعضاء» (١). فكيف ترى حياءك وخجلك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك، وأياديه ومساويك؟ فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك. فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء، إلا أن الله وعد المؤمن أن يستر عليه، ولا يطلع عليه غيره كما ذكرنا، وذلك بفضل منه. وهل يكلّم الكفار عند المحاسبة لهم؟ فيه خلاف؛ تقدم بيانه في أسماء القيامة. ويأتي أيضا في باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما، ولقائهما الله ، مستوفى - إن شاء الله تعالى -. فصل فإن قيل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم مجزيّون محاسبون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم، وهل يكلمهم الله؟ فالجواب: أن الله تعالى أخبر أن الإنس والجن يسألون؛ فقال خبرا عما يقال لهم: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية. وهذا سؤال، فإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل، قال: «منكم»، وإن كانت الرسل من الإنس، وغلّب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث. وأيضا لما كان الحساب عليهم دون الخلق، قال: «منكم» فصير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع، لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، فلما صاروا في تلك

стр. 302

العرضة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب، خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة، لأنه بدء خلقهم للعبودية، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والثواب والعقاب على العبودية، إلا أن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، ومنهم مؤمن وكافر، وعدوّنا إبليس عدوّ لهم يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء شيعية وقدرية ومرجئة، وهو معنى قوله: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ [الجن: ١١]. وقيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة لعموم الآية ما ثبت للإنس. فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الجن مع الإنس في الوعيد، وترك إفراده الإنس عنهم في الوعد؟ فالجواب: أنهم قد ذكروا أيضا في الوعد؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٨، ١٩] وإنما أراد لكل من الإنس والجن، فقد ذكروا في الوعد مع الإنس. فإن قيل: فقد ذكر يخاطب الجن والإنس في النار، لأن الله تعالى قال: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. و ﴿* قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]. ولم يأت عن تفاوض الفريقين في الجنة خبر. قيل: إنما ذكر من تفاوضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان قرينه في الدنيا إنه أطغاني وأضلني. فيقول له قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد، ولكنه كان ضالا بنفسه، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة فيهما إلى التفاوض فلذلك سكت عنهما. وأيضا فإن الله تعالى أخبر الناس أن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يتخاصمون في النار، ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان، وهذا المعنى مقصود في الأخبار، فلهذا سكت عن ذلك في الوعد به والله أعلم. ***

стр. 303

٩٥ - باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حبسه لهم حتى ينتصفوا منه (مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (١). (البخاري) عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (٢). (مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (٣). وخرّج ابن ماجه، حدّثنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدّثنا عمي محمد بن سواء، عن حسين المعلم، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته، ليس ثمّ دينار ولا درهم» وقال ﷺ : «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله» (٤). (الحارث بن أبي أسامة) عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله العباد أو قال الناس - شك همام - وأومأ بيده إلى الشام عراة عزلا بهما، قال: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء. فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وواحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل

стр. 304

النار وواحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي لله عراة حفاة؟ قال: بالحسنات والسيئات» (١). قال الشيخ المؤلف ﵀: هذا الحديث الذي أراد البخاري بقوله ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد (٢). (سفيان بن عيينة) عن مسعر، عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدّثني الربيع بن خثيم - وكان من معادن الصدق - قال: إن أهل الدّين في الآخرة أشد تقاضيا له منكم في الدنيا، يحبس لهم فيأخذونه، فيقول: يا رب ألست تراني حافيا؟ فيقول: خذوا من حسناته بقدر الذي لهم، فإن لم يكن له حسنات يقول: زيدوا على سيئاته من سيئاتهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صاحب الدّين مأسور يوم القيامة بالدين» (٣). وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده عن زاذان أبي عمر قال: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنية قد سبقوني إلى المجلس، فقلت: يا عبد الله من أجل أني رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني، قال: ادن، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: «يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق فليأت إلى حقّه، فتفرح المرأة بأن يدوّن لها الحق على ابنها أو أختها أو أبيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيقول الرب تعالى للعبد: ائت هؤلاء حقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خير يضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠]. وإن كان عبدا شقيّا قالت الملائكة: رب فنيت حسناته وبقي طالبون. فيقول للملائكة: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكا في النار» (٤).

стр. 305

وعنه عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليكون للوالدين على ولدهما دين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول أنا ولدكما فيودان أو يتمنيان لو كان أكثر من ذلك» (١). وروى رزين عن أبي هريرة قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة هو لا يعرفه فيقول: مالك إليّ وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطايا وعلى المنكر ولا تنهاني. وقال ابن مسعود: تفرح المرأة يوم القيامة أن يكون لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها أو أختها: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. (ابن ماجه) عن جابر ﵁ قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة» فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسيّ وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل، بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا. قال: يقول رسول الله ﷺ : «صدقت صدقت، كيف يقدّس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» (٢). فصل أنكر بعض المتغفلة الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله، إعجابا برأيهم وتحكما على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ ، بعقول ضعيفة وأفهام سخيفة، فقالوا لا يجوز في حكم الله تعالى وعدله أن يضع سيئات من اكتسبها على من لم يكتسبها، ويؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها، وهذا - زعموا - جورا، وأوّلوا قول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فكيف تصح هذه الأحاديث وهي تخالف ظاهر القرآن وتستحيل في العقل؟ والجواب: أن الله لم يبين أمور الدين على عقول العباد، ولم يعد ولم يوعد على ما تحتمله عقولهم، ويدركونها بأفهامهم، بل وعدوا وعدا بمشيئته وإراداته، وأمر ونهي بحكمته، ولو كان كلما لا تدركه العقول مردودا لكان أكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد، وذلك أن الله تعالى أوجب الغسل

стр. 306

بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الصحابة، وكثير من الأئمة، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف بين الأئمة وسائر من يقول بالعقل وغيره في نجاسته وقذارته ونتنه، وأوجب بريح يخرج من موضع الحدث ما أوجب بخروج الغائط الكثير المتفاحش، فبأيّ عقل يستقيم هذا، وبأي رأي تجب مساواة ريح ليس له عين قائمة بما يقوم عينه وتزيد على الريح نتنا وقذرا؟ وقد أوجب الله قطع يمين مؤمن بعشرة دراهم، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك، ثم سوّى بين هذا القدر من المال وبين مائة ألف دينار، فيكون القطع فيها سواء؟ وأعطى الأم من ولدها الثلث، ثم إن كان للمتوفى إخوة، جعل لها السدس من غير أن ترث الإخوة من ذلك شيئا، فبأي عقل يدرك هذا؟ إلا تسليما وانقيادا من صاحب الشرع، إلى غير ذلك. فكذلك القصاص بالحسنات والسيئات، وقد قال وقوله الحق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية وقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وهذا يبين قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: لا تحمل حاملة ثقل أخرى إذا لم تتعد، فإذا تعدت واستطالت بغير ما أمرت فإنها تحمل عليها ويؤخذ منها بغير اختيارها كما تقدم في أسماء القيامة عند قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨]. فصل وإذا تقرر هذا؛ فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا» (١). وإنما حسابه لنفسه؛ أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا، ويتدارك ما فرّط من تقصير في فرائض الله ، ويردّ المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب، فإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلبته، وهذا يقول ظلمتني، وهذا يقول شتمتني، وهذا يقول استهزأت بي، وهذا يقول ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول عاملتني فغششتني، وهذا يقول بايعتني وأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول رأيتني محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتني، وهذا يقول وجدتني مظلوما وكنت قادرا

стр. 307

على دفع الظلم فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينما أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخاليبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحيّر من كثرتهم، حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلا وقد استحق عليك مظلمة، بغيبة أو جناية، أو نظر بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك، لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان رسوله ﷺ حيث قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣]. فما أشد فرحك اليوم بتضمضمك بأعراض الناس، وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس فقير، عاجز مهين، لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت فيها عمرك، وتنقل إلى أخصامك عوضا عن حقوقهم، كما ورد في الأحاديث المذكورة في هذا الباب. فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس لك حسنة قد سلمت من آفات الرياء ومكايد الشيطان، فإن سلمت حسنة واحدة في مدة طويلة، ابتدرها خصماؤك وأخذوها. ويقال: لو أن رجلا له ثواب سبعين نبيّا وله خصم بنصف دانق، لم يدخل الجنة حتى يرضى عنه خصمه. وقيل: يؤخذ بدانق قسط سبعمائة صلاة مقبولة، فتعطى للخصم. ذكره القشيري في «التحبير» له عند اسمه المقسط الجامع. قال أبو حامد: ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل، لعلمت أنه لا يمضي عليك يوم إلا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفي جميع حسناتك، فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام، والشهوات، والتقصير في الطاعات؟ وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجماء من القرناء؟ ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ: ٤٠] فكيف بك يا مسكين في يوم ترى فيه صحيفتك خالية من حسنات طال فيها تعبك؟ فتقول: أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك. وترى صحيفتك مشحونة بسيئات غيرك، فتقول: يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط! فيقال: هذه سيئات الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء، وظلمتهم في المعاملة والمبايعة والمجاورة والمخاطبة

стр. 308

والمناظرة والمذاكرة والمدارسة، وسائر أصناف المعاملة. فاتق الله في مظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وأبشارهم، وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة المغفرة إليه أسرع. ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم من حيث لا يطلع عليه إلا الله؛ فليكثر من الاستغفار لمن ظلمه فعساه أن يقربه ذلك إلى الله فينال به لطفه الذي ادخره لأرباب المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم بإرضائه إياهم، على ما يأتي بيانه في باب إرضاء الخصوم بعد هذا إن شاء الله تعالى. فصل قوله في الحديث: «فيناديهم بصوت» استدل به من قال بالحرف والصوت وأن الله يتكلم بذلك (١) - تعالى عما يقوله المجسّمون والجاحدون علوّا كبيرا - وإنما يحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره (٢)، ومثل ذلك سائغ في الكلام، غير مستنكر أن يقول القائل: نادى الأمير، وبلغني نداء الأمير، كما قال تعالى: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١ - ] وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، وهو كقولهم أيضا: قتل الأمير فلانا وضرب فلانا. وليس المراد تولّيه لهذه الأفعال، وتصدّيه لهذه الأعمال، ولكن المقصود صدورها عن أمره. وقد ورد في صحيح الأحاديث أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد فيخاطبون أهل التقى والرشاد: «ألا إن فلان ابن فلان» كما تقدم.

стр. 309

ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسرا فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى» (١). صححه أبو محمد عبد الحق. وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن ذلك من باب حذف المضاف. والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتاب الديانات. فإن قال بعض الأغبياء (٢): لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه فإن قيل: «أنا الديان» وليس يصدر هذا الكلام حقّا وصدقا إلا من رب العالمين. قيل له: إن الملك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين. والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ [طه: ١٤] فليس يرجع إلى القارئ، وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودال عليه بأصواته، وهذا بيّن، وقد أتينا عليه في الصفات من كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا».

стр. 310

فصل واختلف الناس في حشر البهائم، وفي قصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس أن حشر الدواب والطير موتها. وقاله الضحاك. وروي عن ابن عباس في رواية أخرى: إن البهائم تحشر وتبعث قاله أبو ذر وأبو هريرة وعمرو بن العاص والحسن البصري وغيرهم وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، قال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلّهم يوم القيامة البهائم والطير والدواب وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا. فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. ونحوه عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وفي الخبر: إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حوّل ذلك التراب في وجوه الكفار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] أي غبار، وقالت طائفة: الحشر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] راجع إلى الكفار. وما تحلل من قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] كلام معترض، وإقامة حجج. وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل، على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والإعياء فيه (١)، حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص لمخلوق عنه، وعضدوا ذلك بما روي في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة (٢)، فقال: «حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، وللحجر لما ركب الحجر، والعود لما خدش العود» قالوا: فظهر من هذا أن المقصود التمثيل المفيد للاعتبار، والتهويل؛ لأن الجمادات لا تعقل خطابها ولا عقابها وثوابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء. أجاب بعض من قال إنها تحشر وتبعث، بأن قال: إن من الحكمة الإلهية أن لا يجري أمر من أمور الدنيا والآخرة إلا على سنة مسنونة وحكمة موزونة. ومن قال هنا بما قالته طائفة من المتوسمة بالعلم المتسمة بالفقه والفهم، على الزعم أن الجامد لا يفقه والحيوان غير الإنسان لا يعقل، وإنما هو منزل في الحيوان ولسان حال في الجامد والنامي، وقال: إن الله تعالى يقول في الضالين

стр. 311

المكذبين ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤]. ولو كان عندها عقل أو فهم؛ ما نزل بالكافر الفاسق إلى درجتها في موضع التنقيص والتقصير، والله سبحانه قد وصفه بالموت والصمم في موضع التبصير والتذكير، فقال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. قيل له: ليس الأمر كما ذكرت، ولا الحق على شيء مما زعمت، وأنه ليس عليك من حيث الزعم ورؤية النفس في درجة العلم أبدا من الآية التي وقفت فيها إلى التي قبلها، إن شئت فارجع بصرك في الذي رأيت تجده قد وصفهم بالموت والصمم، كما وصفهم بالعمي والبكم، وليسوا في الحقيقة الظاهرة بموتي ولا صم ولا بعميان ولا بكم، وإنما هو أموات بالعقول والأذهان عن صفة الإيمان، وحياة دار الحيوان، صم عن كلمة الأحياء، عمي عن النظر في مرآة وجوه الأخلاء، كذلك وصف الأنعام بضلال، وليست في الحقيقة بضلال من حيث شرعتها وحكمتها، وإنما ذلك من حيث قد كنا وافقنا، فكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فو ربّك لنحشرنهم جمّا غفيرا ولنحاسبن حسابا يسيرا، ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] وأنه تعالى لا يسأل إلا عاقلا، ولا يحاسب إلا مفضولا وفاضلا. وإنما جعل لكل موجود من موجوداته في أشتات الخلائق وأجناس العوالم دار دنيا ودار أخرى، وجعل لها أفلاكا وآفاقا وظلما وأضواء، فكلّ في فلكه وأفقه بليله ونهاره وسمعه وبصره وعلمه وفهمه، وحاكم من عقله أو جهله، وقائم بنحلته وحكمته وسنته وشرعته، فأدنى وأعلى من الروحانية الأقصى إلى الجمادية الأقسى، فالملائكة الروحانية في مصافها ترانا من حيث لا نرى، وتعلم منا أكثر مما نعلم، وإنها لتشاهد من نقصنا وقلة عقلنا في الموضع الذي يجب العلم به وإعمال العقل فيه؛ ما تحكم به علينا أكثر مما نحكم به على الأنعام من قلة العقل وتحقيق المعرفة، فمن نظر إلى الأنعام وجدها من حيث نحن لا من حيث فلكها وأفقها؛ لا تسمع ولا تعقل إلا حيزا ما؛ قدر ما تتسخر به وتتذلل طبعا، فتلقن المراد منها من هذا الفن خاصة لا غير، وأما ما نحن بسبيله من تصرفات وتعملات فليس لها ذلك من حيث الفلكية التي أحازتها عنا، والأفقية التي اقتطعتها منا، فهي في طرقاتنا ضلاّل، وبتعملاتنا وأحوال تصرفاتنا جهال، وأما من حيث شرعتها وباطن رؤيتها فعارفة عقال، قال رسول الله ﷺ حين أخذ الجمل القضم الذي ند وامتنع بحائط بني النجار، وغلب الخلق عن أخذه والوصال إليه، حتى جاء ﷺ

стр. 312

فلما مشى إليه ورآه الجمل برك لديه وجعل يمر بمشرفه على الأرض بين يديه، تذللا وتسخيرا؛ فقال ﷺ : «هات الخطام» فلما خطمه ورأى الناس يعجبون منه؛ ردّ رأسه إليه فقال: «ألا تعجبون» - أو كما قال - «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله، غير عاصي الجن والإنس» (١). وثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من دابة إلا وهي مصيخة بأذنها يوم الجمعة تنتظر قيام الساعة» (٢). وقال ﷺ : «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٣). قال المؤلف ﵀: خرجه مالك في «موطئه» وابن ماجه في «سننه» واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري. وقد تقدم أن الميت يسمع صوته كل شيء إلا الإنسان، وفي رواية إلا الثقلين. والأخبار في هذا المعنى كثيرة، قد أتينا على جملة منها في هذا الكتاب، فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور، من حيث هي لا من حيث نحن. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقال عز من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] لا يقال إن هذا السجود والتسبيح بلسان حال، ليس بلسان المقال، فإنا نقول هذا مجاز (٤)، والله سبحانه يقص الحق كما أخبر في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧]. ومن نظر بنور الله جاز العين إلى المعنى، وحل الرمز وفك المعمى. وهم

стр. 313

إنما نظروا من حيث هم، ومن حيث العقل البشري، ولم ينظروا الحياة الفلكية من حيث هي؛ فغابوا عن الحضور وجمدوا على القصور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قلت: هذا كله صحيح لحديث أبي سعيد الخدري المذكور، وهو صحيح. وكذلك حديث أبي هريرة في شهادة الأرض بما عمل عليها، وهو صحيح. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري في شهادة المال؛ صحيح، وسيأتي. وقد روى ليث بن سليم، عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهذيل، عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه مر بشاتين تنتطحان فقال: «إن الله تعالى ليقضينّ يوم القيامة لهذه الجلحاء من هذه القرناء» (١). وذكر ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، أن أبا سالم الجيشاني حدثه؛ أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر فسمعه رافعا صوته يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، قال ثابت: فدخلت، فقلت: ما شأنك يا أبا ذر؟ قال: هذه. قلت: وما عليك إن رأيتك تضربها؟ قال: والذي نفسي بيده أو نفس محمد بيده لتسألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما نكب إصبع الرجل (٢). وروى عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال: يا أبا ذر! أتدري فيم تنتطحان؟ قلت: لا يا رسول الله. قال: «لكن الله يدري، ويقضي بينهما يوم القيامة». أخرجه أبو داود الطيالسي؛ فقال: حدّثنا شعبة قال: أخبرني الأعمش قال: سمعت منذر الثوري يحدث عن أصحاب له عن أبي ذر بلفظه ومعناه. وقال عمرو بن العاص ﵁: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الناس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء تنطحها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني ترابا، فيراها الكافر فيقول: «يا ليتني كنت ترابا». وذكر عبد الكريم الإمام أبو القاسم القشيري في «التحبير» له، فقال: وفي خبر الوحوش والبهائم ثم تحشر يوم القيامة، فتسجد لله سجدة، فتقول الملائكة:

стр. 314

ليس هذا يوم سجود؛ هذا يوم الثواب والعقاب، وتقول البهائم: هذا سجود شكر؛ حيث لم يجعلنا الله من بني آدم. ويقال: إن الملائكة تقول للبهائم: لم يحشركم الله جل ثناؤه لثواب ولا لعقاب، وإنما يحشركم تشهدون فضائح بني آدم. ذكره القشيري في اسمه المقسط الجامع، وهذا قول ثابت فتأمله. فصل ظن بعض العلماء أن الصيام مختص بعامله موفرا له أجره، لا يؤخذ منه شيء لمظلمة ظلمها متمسكا بقوله تعالى: «الصيام لي وأنا أجزي به» (١). وأحاديث هذا الباب ترد قوله، وأن الحقوق تؤخذ من سائر الأعمال صياما كان أو غيره. وقيل: إن الصوم إذا لم يكن معلوما لأحد ولا مكتوبا في الصحف؛ هو الذي يستره الله ويخبؤه عليه، حتى يكون له جنّة من العذاب، فيطرحون أولئك عليه سيئاتهم فيذهب عنهم ويقيه الصوم، فلا يضر أصحابها لزوالها عنهم، ولا له لأن الصوم جنته. قال القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين»: وهو تأويل حسن إن شاء الله تعالى، ولا تعارض؛ والحمد لله. باب (أبو داود) عن صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه في حقّه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» (٢). صححه أبو محمد عبد الحق. *** ٩٦ - باب في إرضاء الله تعالى الخصوم يوم القيامة روينا في الأربعين وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله تعالى» عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالس إذ رأيته ضحك حتى بدت ثناياه. فقيل له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي.

стр. 315

فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته. فقال: يا رب ما بقي من حسناتي شيء. فقال: يا رب فليحمل من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله ﷺ ، ثم قال: إن ذلك اليوم ليوم يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم. ثم قال الله تعالى للطالب حقّه: ارفع بصرك فانظر إلى الجانان. فرفع بصره فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن هذا يا رب؟ فقال: لمن أعطاني ثمنه. قال: ومن يملك ثمن ذلك؟ قال: أنت. قال: بم إذا؟ قال بعفوك عن أخيك. قال: يا رب فإني قد عفوت عنه. قال خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال رسول الله ﷺ : «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» (١). وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: يجيء المؤمن يوم القيامة قد أخذه صاحب الدين، فيقول: ديني على هذا. فيقول الله تعالى: أنا أحق من قضى عن عبدي. قال: فيرضي هذا من دينه ويغفر لهذا. وقال ابن أبي الدنيا: وحدّثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل، قال: بلغني أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وما يكابدون في طلب مرضاتي، أتراني أنسى لهم عملا، كيف وأنا أرحم الراحمين بخلقي، لو كنت معاجلا بالعقوبة أحدا أو كانت العقوبة من شأني لعاجلت بها القانطين من رحمتي، ولو يرى عبادي المؤمنون كيف أستوهبهم ممن ظلموه، أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم في جواري؛ إذا ما اتهموا فضلي وكرمي. فصل قلت وهذا لبعض الناس ممن أراد الله أن لا يعذبه، بل يعفو عنه ويغفر له ويرضى عن خصمه، وقد يكون هذا في الظالمين الأوابين، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء: ٢٥] والأوّاب: الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه، كذا تأوله أبو حامد. وهو تأويل حسن. أو يكون ذلك فيمن يكون له خبيئة حسنة من عمل صالح يغفر الله له به، ويرضي خصماؤه كما تقدم. وظاهر حديث أنس الخصوص بذينك الرجلين لقوله: رجلان، ولفظ التثنية لا يقتضي الجمع، إلا ما روي في الحديث: «مثل المنافق كالشاة العاشرة بين الغنمين» (٢) خرجه مسلم. وليس هذا موضعه. ولو كان ذلك في جميع الناس ما دخل أحد النار. وكذلك ما روي عن النبي ﷺ : «ينادي مناد من تحت العرش يوم القيامة: يا

стр. 316

أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي» (١). ما دخل أحد النار … وهذا واضح فتأمله. *** ٩٧ - باب أول من يحاسب أمة محمد ﷺ روى ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمّة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (٢). وفي رواية عن ابن عباس ﵄: «فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّا محجّلين من آثار الوضوء فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلّها». خرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٣) بمعناه وقد تقدم. *** ٩٨ - باب أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء، وأول من يدعى للخصومة (مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (٤). أخرجه البخاري أيضا والنسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وللنسائي أيضا عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس الدماء» (٥).

стр. 317

وفي البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة» يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش. قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية (١). والخبر بهذا مشهور صحيح خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وعن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه: «فيكون أول ما يقضى بينهم في الدماء ويأتي كل قتيل قتل في سبيل الله، فيأمر الله كل من قتل فيمحل رأسه وتشخب أوداجه دما، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى له - وهو أعلم -: فيما قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لك. فيقول الله تعالى: صدقت. فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تشيعه الملائكة إلى الجنان، ثم يأتي كل من قتل يحمل رأسه وتشخب أوداجه دما فقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول له - وهو أعلم -: فيم قتلته؟ فيقول: رب قتلته لتكون العزة لي. فيقول الله تعالى: تعست ثم لا تبقى قتلة إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه». خرجه الغيلاني أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله البزار المعروف بالشافعي. حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا أبو عاصم الضحاك، عن مخلد، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب. وخرّجه إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما، حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه: هذا قتلني. فيقول الله تعالى للقائل: تعست ويذهب به إلى النار» (٢). وخرّجه ابن المبارك موقوفا على عبد الله بن مسعود قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره بمعناه. وخرّجه الترمذي في جامعه قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب

стр. 318

قتلني هذا، حتى يدنيه من العرش» (١). قال: هذا حديث حسن غريب. (مالك) عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله. قلت: وهذا الحديث وإن كان موقوفا بلاغا فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي مرفوعا بهذا المعنى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربّنا لملائكته: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا. قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» (٢). لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه ابن ماجه أيضا. فصل قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك - والله أعلم - فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك. وأما من تعمد تركها أو شيئا منها ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له؛ فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه، والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر، يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني، عن عائذ بن قرط، عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم» (٣). قال أبو عمرو: «هذا لا يحفظ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه: أخرجه من صلاة قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة». قلت: ينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من إتمام ركوع وسجود، وحضور قلب. فإن غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في

стр. 319

نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه، ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل لا جرم، بل تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل في التمام لخفة النفل عندهم وتهاونهم به، ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم بنفله، كذلك بل فرضه إذا ينقره نقر الديك، فكيف بالجهال الذين لا يعلمون؟! وإذا كان هذا فكيف يكمل بهذا النفل ما نقص من الفرض هيهات هيهات! فاعلموا أن الصلاة إذا كانت بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال جماعة من العلماء: التضييع للصلاة هو أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها، ولا يمتنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها. قالوا: فأما من تركها أصلا ولم يصلها فهو كافر. وروى الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (١). وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وروى البخاري عن زيد بن وهب عن حذيفة؛ ورأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: «ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير سنة محمد ﷺ » (٢). وأخرجه النسائي أيضا عنه عن حذيفة أنه رأى رجلا يصلي فخفف فقال له حذيفة: «منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير فطرة النبي ﷺ ، ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن». والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا قد أتينا عليها في غير هذا الباب، وهي تبين لك المراد من قوله تعالى: ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٥٩].

стр. 320

وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته من تطوعه، ثم سائر الأعمال تجري على ذلك»، وهذا نص. وقال عمر ﵁: ومن يضيعها فهو لما سواها أضيع. قلت: ولا اعتبار بقول من قال: إن الواجب من أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو أبو حنيفة، وأشار إلى ذلك القاضي عبد الوهاب في «تلقينه»، وهو يروي عن ابن القاسم، لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه أنه نقر الصلاة فدخل في الذم المترتب على ذلك بقوله ﵇: «تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (١). رواه مالك في «موطئه» ومسلم في «صحيحه». والأحاديث الثابتة تقتضي بفساد صلاته كما بيناه، مع قوله ﵇: «أما الركوع فعظّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (٢) خرجه مسلم. وفي موطأ مالك عن يحيى، عن سعيد، عن النعمان بن مرة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني قال: وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته. قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٣). وروى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلفّ كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه» (٤). فمن لم يحافظ على أوقات الصلاة لم يحافظ على الصلاة كما أن من لم
следующие страницы →