← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي» (١). ما دخل أحد النار … وهذا واضح فتأمله. *** ٩٧ - باب أول من يحاسب أمة محمد ﷺ روى ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمّة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (٢). وفي رواية عن ابن عباس ﵄: «فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّا محجّلين من آثار الوضوء فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلّها». خرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٣) بمعناه وقد تقدم. *** ٩٨ - باب أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء، وأول من يدعى للخصومة (مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (٤). أخرجه البخاري أيضا والنسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وللنسائي أيضا عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس الدماء» (٥).

стр. 317

وفي البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة» يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش. قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية (١). والخبر بهذا مشهور صحيح خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وعن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه: «فيكون أول ما يقضى بينهم في الدماء ويأتي كل قتيل قتل في سبيل الله، فيأمر الله كل من قتل فيمحل رأسه وتشخب أوداجه دما، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى له - وهو أعلم -: فيما قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لك. فيقول الله تعالى: صدقت. فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تشيعه الملائكة إلى الجنان، ثم يأتي كل من قتل يحمل رأسه وتشخب أوداجه دما فقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول له - وهو أعلم -: فيم قتلته؟ فيقول: رب قتلته لتكون العزة لي. فيقول الله تعالى: تعست ثم لا تبقى قتلة إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه». خرجه الغيلاني أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله البزار المعروف بالشافعي. حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا أبو عاصم الضحاك، عن مخلد، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب. وخرّجه إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما، حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه: هذا قتلني. فيقول الله تعالى للقائل: تعست ويذهب به إلى النار» (٢). وخرّجه ابن المبارك موقوفا على عبد الله بن مسعود قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره بمعناه. وخرّجه الترمذي في جامعه قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب

стр. 318

قتلني هذا، حتى يدنيه من العرش» (١). قال: هذا حديث حسن غريب. (مالك) عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله. قلت: وهذا الحديث وإن كان موقوفا بلاغا فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي مرفوعا بهذا المعنى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربّنا لملائكته: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا. قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» (٢). لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه ابن ماجه أيضا. فصل قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك - والله أعلم - فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك. وأما من تعمد تركها أو شيئا منها ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له؛ فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه، والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر، يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني، عن عائذ بن قرط، عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم» (٣). قال أبو عمرو: «هذا لا يحفظ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه: أخرجه من صلاة قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة». قلت: ينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من إتمام ركوع وسجود، وحضور قلب. فإن غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في

стр. 319

نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه، ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل لا جرم، بل تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل في التمام لخفة النفل عندهم وتهاونهم به، ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم بنفله، كذلك بل فرضه إذا ينقره نقر الديك، فكيف بالجهال الذين لا يعلمون؟! وإذا كان هذا فكيف يكمل بهذا النفل ما نقص من الفرض هيهات هيهات! فاعلموا أن الصلاة إذا كانت بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال جماعة من العلماء: التضييع للصلاة هو أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها، ولا يمتنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها. قالوا: فأما من تركها أصلا ولم يصلها فهو كافر. وروى الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (١). وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي ﷺ : «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وروى البخاري عن زيد بن وهب عن حذيفة؛ ورأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: «ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير سنة محمد ﷺ » (٢). وأخرجه النسائي أيضا عنه عن حذيفة أنه رأى رجلا يصلي فخفف فقال له حذيفة: «منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير فطرة النبي ﷺ ، ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن». والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا قد أتينا عليها في غير هذا الباب، وهي تبين لك المراد من قوله تعالى: ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٥٩].

стр. 320

وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته من تطوعه، ثم سائر الأعمال تجري على ذلك»، وهذا نص. وقال عمر ﵁: ومن يضيعها فهو لما سواها أضيع. قلت: ولا اعتبار بقول من قال: إن الواجب من أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو أبو حنيفة، وأشار إلى ذلك القاضي عبد الوهاب في «تلقينه»، وهو يروي عن ابن القاسم، لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه أنه نقر الصلاة فدخل في الذم المترتب على ذلك بقوله ﵇: «تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (١). رواه مالك في «موطئه» ومسلم في «صحيحه». والأحاديث الثابتة تقتضي بفساد صلاته كما بيناه، مع قوله ﵇: «أما الركوع فعظّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (٢) خرجه مسلم. وفي موطأ مالك عن يحيى، عن سعيد، عن النعمان بن مرة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني قال: وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته. قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٣). وروى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلفّ كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه» (٤). فمن لم يحافظ على أوقات الصلاة لم يحافظ على الصلاة كما أن من لم

стр. 321

يحافظ على وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ دينه، ولا دين لمن لا صلاة له. باب منه (ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول له ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس» (١). ورواه الفريابي قال حدثنا سفيان عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقّرنّ أحدكم نفسه إذا رأى أمر الله عليه فيه، مقال فلا يقول فيه فيقال يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تقول فيه، فيقول له: أي ربي خفت الناس. فيقال: إياي كنت أحقّ أن تخاف» (٢). قال الوائلي أبو نصر: ورواه أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله اليربوعي الكوفي، قال: حدثنا زهير قال: حدثنا عمر بن قيس، عن عمرو بن مرة المعنى واحد، وهذا محفوظ من الطريقين عن عمرو بن مرة ومخرجه من الكوفة. باب منه ذكر أبو نعيم الحافظ: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، حدثنا عبد الله ابن محمد بن زكريا، حدثنا إسماعيل بن عمرو، حدثنا مندل، عن أسد بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلما، فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذا لم تدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم على رجل يقتل ظلما، فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذا لم تدفعوا عنه» (٣). هذا حديث غريب من حديث أسد، وعكرمة لم يروه عنه فيما أعلم إلا مندل بن علي العنزي. ***

стр. 322

٩٩ - باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما ولقائهما الله قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقال: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] الآية. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث معاوية بن حيدة القرشي أن النبي ﷺ قال: «تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام وأول ما يتكلم من الإنسان فخذه وكفّه» وقد تقدم. (مسلم) عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هل تدرون لم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل» (١). (الترمذي) عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخّرت لك الأنعام، والحرث وترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني» (٢). قال: هذا حديث صحيح غريب، وأخرجه مسلم عن أبي هريرة بأطول من هذا وقد تقدم. (البخاري) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا كنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» (٣). وأخرجه مسلم وقال بدل «قد كنت»؛ «كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك». فصل قوله ﵇: «فأول ما يتكلم من الإنسان فخذه» يحتمل وجهين:

стр. 323

أحدهما: أن يكون ذلك زيادة في الفضيحة والخزي على ما نطق به الكتاب في قوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله تعالى، فلا يفعل ما يفعل خائفا مشفقا، فيجزيه الله بمجاهرته بفحشه على رؤوس الأشهاد. والوجه الآخر: أن يكون هذا فيمن قرأ كتابه ولا يعرف بما ينطق به، بل يجحد فيختم الله على فيه عند ذلك، وتنطق منه الجوارح التي لم تكن ناطقة في الدنيا فتشهد عليه سيئاته. وهذا أظهر الوجهين يدل عليه أنهم يقولون لجلودهم أي لفروجهم في قول زيد بن أسلم لم شهدتم علينا؟ فتمردوا في الجحود فاستحقوا من الله الفضح والإخزاء - نعوذ بالله منهما. فصل قوله: «وتركتك ترأس وتربع» أي: ترأس على قومك بأن تكون رئيسا عليهم ويأخذ الربع مما يحصل لهم من الغنائم والكسب، وكانت عادتهم أن أمراءهم كانوا يأخذون من الغنائم الربع ويسمونه المرباع، قال شاعرهم: لك المرباع منها والصّفايا … وحكمك والنشيطة والفضول وقال آخر: منا الذي ربع الجيوش لصلبه … عشرون وهو يعد في الأحياء يقال: ربع الجيش يربعه رباعة؛ إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام. وقوله: «اليوم أنساك كما نسيتني» أي: اليوم أتركك في العذاب كما تركت عبادتي ومعرفتي. فإن قيل: فهل يلقى الكافر ربه ويسأله؟ قلنا: نعم بدليل ما ذكرنا. وقد قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] في أحد التأويلين وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وقال: ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] الآيتين. وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] وقال: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢، ١٣] والآي في هذا المعنى كثير. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾

стр. 324

[الرحمن: ٤١] وقال ﵇: «يخرج عنق من النار فيقول: وكّلت بثلاث بكلّ جبار عنيد، وكل من جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين» (١). قلنا: هذا يحتمل أن يكون بعد الوزن والحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال وتعظيم الخلق كما تقدم، ويدل عليه قوله: «وبالمصورين» فإنهم وإن كانوا موحّدين فلا بد لهم من سؤال وحساب، وبعده يكونون أشد الناس عذابا، وإن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارا في الكلام. على أن نقول: قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك، وفي بعضها ما يدل على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار الناس إذا ثلاث فرق؛ فرقة لا يحاسبون أصلا، وفرقة تحاسب حسابا يسيرا، وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابا شديدا يكون منها مسلم وكافر وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله؛ فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب. وقد ذكر ابن المبارك في رقائقه عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: «أن بعد أخذ النار هؤلاء تنشر الصحف وتوضع الموازين، وتدعى الخلائق للحساب» (٢). فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وقال: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن: فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك، فلا يتناقض الآي والأخبار - والله المستعان. قال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. وقال ابن عباس: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لم عملتم كذا وكذا؟ والقاطع لهذا قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. قال أهل التأويل: عن لا إله إلا الله. وقد قيل: إن الكفار يحاسبون بالكفر بالله الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها، فإنهم يبكتون عليها ويسألون عنها عن الرسل وتكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم. وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ﴾

стр. 325

﴿بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخرها تبين له الصواب في ذلك - والحمد لله على ذلك. وذكر ابن المبارك عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄: «إن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة: تنشر الصحف وتوضع الموازين ويدعى الخلائق للحساب» وشهر ضعّفه مسلم في كتابه وغيره. فإن قيل: فقد ذكر اللالكائي في سننه عن عائشة ﵂ قالت: «لا يحاسب رجل يوم القيامة إلا دخل الجنة» (١). قالوا: ولأن الحساب إنما يراد للثواب والجزاء، ولا حسنات للكافر فيجازى عليها بحسابه، ولأن المحاسب له هو الله تعالى، وقد قال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. قلنا: ما روي عن عائشة قد خالفها غيرها في ذلك، للآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وهو الصحيح. ومعنى «ولا يكلمهم الله» أي: بما يحبونه، قاله الطبري. وفي التنزيل: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ و ﴿لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين أي: إن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحدا يوم القيامة، أن يقال: ما كان دينك وما كنت تصنع في الدنيا؟ حتى يتبين لهم بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمنا أو كان كافرا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه منشرحي الصدور، ويكون المشركون سود الوجوه زرقا مكروبين فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار وتمييزهم في الموقف كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم، ومن قال هذا فيحتمل أن يقول: إن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه فيسألونه عن ربه ونبيه، أي: إذا كان يوم القيامة لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى تمييز فريق عن هذا لاستغنائهم بمناظرهم عما وراءها، ومن قاله يحتج بقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أخبر أنهم يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين، ومن قال: يسألهم عن أصل كفرهم ثم عن تجريدهم إياه كل وقت باستهزائهم بآيات الله تعالى ورسله فقد سألهم عما كانوا يعملون. وذلك هو المراد.

стр. 326

١٠٠ - باب ما جاء في شهادة الأرض والليالي والأيام بما عمل فيها وعليها، وفي شهادة المال على صاحبه وقوله تعالى ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] قال: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا، فهذه أخبارها» (١). قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. (أبو نعيم) عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غدا شهيد، فاعمل فيّ خيرا أشهد لك به غدا، فإني لو قد مضيت لم ترن أبدا، ويقول الليل مثل ذلك» (٢). غريب من حديث معاوية تفرد عنه زيد العميّ، ولا أعلمه مرفوعا عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. (ابن المبارك) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «من سجد في موضع عند شجر أو حجر شهد له عند الله يوم القيامة» (٣). قال: وأخبرني ابن أبي خالد ﵁ قال: سمعت أبا عيسى يحيى بن رافع يقول: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ١٩ - ٢١] قال: سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد ليشهد عليها بما عملت (٤). وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وفيه: «وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل»

стр. 327

أو كما قال رسول الله ﷺ : «وإنه من يأخذه بغير حقّه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة» (١). وقد تقدم أنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة». رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ . ورواه الأئمة مالك وغيره. قال المؤلف: فتفكر يا أخي وإن كنت شاهدا عدلا بأنك مشهود عليك في كل أحوالك من فعلك ومقالك، وأعظم الشهود لديك المطلع عليك الذي لا تخفى عليه خافية عين، ولا يغيب عنه زمان ولا أين، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] فاعمل عمل من يعلم أنه راجع إليه وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير، والقليل والكثير، سبحانه لا إله إلا هو. *** ١٠١ - باب لا يشهد العبد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة (ابن المبارك) قال: أخبرنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن سليمان بن راشد أنه بلغه أن أمرا لا يشهد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (٢). قلت: هذا صحيح، يدل على صحته من الكتاب قول الحق: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. وقوله: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] والله أعلم. ***

стр. 328

١٠٢ - باب ما جاء في سؤال الله تعالى الأنبياء وفي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]، وقال: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فيبدأ بالأنبياء ﵈ ﴿فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص: ٦٥] قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم وعزبت أفهامهم ونسوا من شدة الهول وعظيم الخطب وصعوبة الأمر فقالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ثم يقربهم الله تعالى فيدعى نوح ﵇، ويقال: إن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم فيذهلون عن الجواب. ثم إن الله يثبتهم ويحدث لهم ذكرا فيشهدون بما أجابت به أممهم ويقال: إنما قالوا ذلك تسليما كما فعل المسيح في قوله: ﴿عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] والأول أصح لأن الرسل يتفاضلون، والمسيح من أجلّهم لأنه كلمة الله وروحه، قاله أبو حامد. وخرّج ابن ماجه؛ حدّثنا أبو كريب وأحمد بن سنان قالا: حدّثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: لا. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتدعى أمة محمد ﷺ فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقول: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولن: أخبرنا نبينا ﷺ بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه». قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (١) [البقرة: ١٤٣]. وذكره البخاري أيضا بمعناه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟

стр. 329

فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (١). أخرجه ابن المبارك في رقائقه مرسلا بأطول من هذا فقال: أخبرني رشدين بن سعد قال: أخبرني ابن أنعم المغافري، عن حبان بن أبي جبلة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل ﵇، فيقول له ربّه ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغت جبريل. فيدعى جبريل ﵇ فيقول: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل هل بلغت عهدي؟ فيقول جبريل: نعم قد بلغت الرسل. فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم. فيخلى عن جبريل ثم يقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: قد بلغنا أممنا. فتدعى الأمم فيقال لهم هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المصدق ومنهم المكذب فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: محمد وأمته. فتدعى أمة محمد فيقولون: تشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أن قد بلغوا. فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول لهم الربّ: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا إنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الربّ: صدقوا. فذلك قوله : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾، والوسط العدل ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. قال ابن أنعم فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد إلا من كان في قلبه حنة على أخيه» (٢). قلت: وذكر هذا الخبر أبو محمد في كتاب العاقبة له، فذكر بعد قوله والوسط العدل: «ثم يدعى غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ثم ينادى كل إنسان باسمه واحدا واحدا، وتعرض أعمالهم على ربّ العزة ﷻ قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها». قال المؤلف: وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» أن هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم ويقتص للجمّاء من القرناء، ويفصل بين الوحش والطير، ثم يقول لهم: كونوا ترابا، فتسوى بهم الأرض وحينئذ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] ويتمنى الكافر فيقول: يا ليتني كنت

стр. 330

ترابا. ثم يخرج النداء من قبل الله تعالى: أين اللوح المحفوظ؟ فيؤتى به له هرج عظيم، فيقول الله تعالى: أين ما سطرت فيك من توراة وزبور وإنجيل وفرقان؟ فيقول يا رب نقله مني الروح الأمين. فيؤتى به يرعد وتصطك ركبتاه، فيقول الله تعالى: يا جبريل هذا اللوح المحفوظ يزعم أنك نقلت منه كلامي ووحيي أصدق؟ قال: نعم يا رب. قال: فما فعلت فيه؟ قال: أنهيت التوراة إلى موسى، وأنهيت الزبور إلى داود وأنهيت الإنجيل إلى عيسى، وأنهيت الفرقان إلى محمد ﵈، وأنهيت إلى كلّ رسول رسالته وإلى أهل الصحف صحائفهم. فإذا بالنداء يا نوح فيؤتى به يرعد وتصطك فرائصه، فيقول: يا نوح زعم جبريل أنك من المرسلين. قال: صدق. فقيل له: ما فعلت مع قومك؟ قال: دعوتهم ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا. فإذا بالنداء: يا قوم نوح، فيؤتى بهم زمرة واحدة فيقال هذا أخوكم نوح يزعم أنه بلغكم الرسالة فيقولون: يا ربنا كذب، ما بلغنا من شيء! وينكرون الرسالة. فيقول الله: يا نوح ألك بينة؟ فيقول: نعم يا رب؛ بينتي عليهم محمد وأمته. فيقولون: كيف ونحن أول الأمم، وهم آخر الأمم؟ فيؤتى بالنبي ﷺ فيقول: يا محمد؛ هذا نوح يستشهد فيشهد له بتبليغ الرسالة فيقرأ ﷺ : ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخر السورة فيقول الجليل ﷻ : قد وجب عليكم الحق، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، فيؤمر بهم زمرة واحدة إلى النار من غير وزن عمل ولا حساب، ثم ينادى أين هود فيفعل قوم هود مع هود كما فعل قوم نوح مع نوح، فيستشهد عليهم بالنبي ﷺ وخيار أمته فيتلو: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] فيؤمر بهم إلى النار مثل أمة نوح، ثم ينادي: يا صالح ويا ثمود فيأتون فيستشهد صالح عندما ينكرون فيتلو النبي ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] إلى آخر القصة، فيفعل بهم مثلهم ولا يزال يخرج أمة بعد أمة قد أخبر عنهم القرآن بيانا وذكرهم فيه إشارة كقوله تعالى: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: ٣٨] وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٤٤] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [إبراهيم: ٩] وفي ذلك تنبيه على أولئك القرون الطاغية كقوم تارخ وتارح ودوحا وأسرا وما أشبه ذلك، حتى ينتهي النداء إلى أصحاب الرّسّ وقوم إبراهيم وفي كل ذلك لا يرفع لهم ميزان ولا يوضع لهم حساب، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، والترجمان يكلمهم لأن الرب تعالى من نظر إليه وكلمه لم يعذبه. ثم ينادى بموسى بن عمران فيأتي وهو كأنه ورقة في ريح عاصف اصفر لونه واصطكت ركبتاه فيقول له: يا ابن عمران جبريل يزعم أنه بلغك الرسالة والتوراة فتشهد له بالبلاغ؟ قال: نعم. قال: فارجع

стр. 331

إلى منبرك واتل ما أوحي إليك من ربك. فيرقى المنبر ثم يقرأ فينصت له كلّ من في الموقف فيأتي بالتوراة غضة طرية على حسنها يوم أنزلت حتى تتوهم الأحبار أنهم ما عرفوها يوما. ثم ينادى يا داود. فيأتي وهو يرعد وكأنه ورقة في ريح عاصف تصطك ركبتاه فيصفر لونه فيقول الله جل ثناؤه: يا داود؛ زعم جبريل أنه بلغك الزبور فتشهد له بالبلاغ؟ فيقول: نعم يا رب. فيقال له: ارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك. فيرقى ثم يقرأ وهو أحسن الناس صوتا. وفي الصحيح أنه صاحب المزامير. ثم ينادي المنادي: أين عيسى ابن مريم فيؤتى به على باب المرسلين فيقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦] ثم يحمد تحميدا ما شاء الله تعالى ويثني عليه كثيرا ثم يعطف على نفسه بالذم والاحتقار ويقول: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فيضحك الله ويقول: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] يا عيسى ارجع إلى منبرك واتل الإنجيل الذي بلغك جبريل. فيقول: نعم، ثم يرقى ويقرأ فتشخص إليه الرؤوس لحسن ترديده وترجيعه، فإنه أحكم الناس به رواية، فيأتي به غضا طريا حتى يظن الرهبان أنهم ما علموا به قط، ثم ينقسم قومه فرقتين المجرمون مع المجرمين والمؤمنون مع المؤمنين. ثم يخرج النداء أين محمد؟ فيؤتى به ﷺ فيقول: يا محمد هذا جبريل يزعم أنه بلغك القرآن فيقول: نعم يا رب. فيقال له: ارجع إلى منبرك واقرأ فيتلو ﷺ القرآن فيأتي به غضا طريا له حلاوة وعليه طلاوة يستبشر به المتقون وإذا وجوههم ضاحكة مستبشرة، والمجرمون وجوههم مغبرة مقترة، فإذا تلا النبي القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط. وقد قيل للأصمعي: تزعم أنك أحفظهم لكتاب الله؟ قال: يا ابن أخي يوم أسمعه من رسول الله ﷺ كأني ما سمعته فإذا فرغت قراءة الكتب خرج النداء من قبل سرادقات الجلال: ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فيرتج الموقف ويقوم فيه روع عظيم والملائكة قد امتزجت بالجن، والجن ببني آدم، والكل لجة واحدة، ثم يخرج النداء: يا آدم ابعث بعث النار. فيقول: كم يا رب؟ فيقال له: كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. على ما يأتي بيانه - فلا يزال يستخرج من سائر الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب كما قال الصديق ﵁: نحن حفنات بحفنات الرب على ما يأتي - إن شاء الله تعالى. ***

стр. 332

١٠٣ - باب ما جاء في الشهداء عند الحساب قال العلماء: وتكون المحاسبة بمشهد من النبيين وغيرهم قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١]. وشهيد كل أمة نبيها، وقيل: إنهم كتبة الأعمال، وهو الأظهر، فتحضر الأمة ورسولها فيقال للقوم ﴿ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ويقال للرسل ﴿أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فتقول الرسل: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] على ما تقدم في الباب قبل، ثم يدعى كل واحد على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباها فإنه قد أخبر في الدنيا أن عليه ملكين يحفظان أعماله وينسخانها. وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» أن المنادي ينادي من قبل الله ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] فيستخرج لهم كتاب عظيم يسد ما بين المشرق والمغرب فيه جميع أعمال الخلائق، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] وذلك أن أعمال الخلائق تعرض على الله في كل يوم، فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم وهو قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ثم ينادي بهم فردا فردا فيحاسب كل واحد منهم فإذا اللسان والأقدام تشهد واليدان وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقد جاء في الخبر أن رجلا منهم يوقف بين يدي الله ﵎ فيقول له: يا عبد السوء كنت مجرما عاصيا. فيقول: ما فعلت. فيقال له: عليك بينة، فيؤتى بحفظته فيقول كذبوا علي، فتشهد جوارحه عليه، فيؤمر به إلى النار فيجعل يلوم جوارحه فتقول له: ليس عن اختيارنا، أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى وتقدم أن الأرض والأيام والليالي والمال ممن يشهد وإذا قال الكافر لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني ختم على فيه فتشهد أركانه كما تقدم. ***

стр. 333

١٠٤ - باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته (ابن المبارك) أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو؛ حدّثنا أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] (١). فصل قلت: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله تعالى يوم الخميس ويوم الاثنين، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، ولا تعارض فإنه يحتمل أن يخص نبينا ﵇ بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء - والله أعلم. *** ١٠٥ - باب ما جاء في عقوبة مانعي الزكاة وفضيحة الغادر والغالّ في الموقف وقت الحساب مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالإبل. قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقّها ومن حقها حلبها يوم وردها إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مرّ عليه أولادها ردّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما

стр. 334

إلى الجنة وإما إلى النار» (١)، وذكر الحديث. أخرجه البخاري بمعناه. وروى مالك موقوفا، والنسائي والبخاري مرفوعا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (٢) الآية. وذكر مسلم من حديث جابر قال: «ولا صاحب كنز لا يؤدي فيه حقه إلا جاء يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدّ منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل» (٣). وذكر الحديث. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول وعظّم أمره ثم قال: «لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك؛ لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته شاة شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» (٤). أخرجه البخاري أيضا. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان» (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» (٦). وذكره أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا قرة بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن رافع بن شداد، عن عمرو بن الحمق الخزاعي؛ «أن النبي ﷺ قال: «إذا آمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء غدر يوم القيامة» (٧).

стр. 335

فصل قال علماؤنا ﵏ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أن ذلك على الحقيقة كما بينه ﷺ أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وكذا مانع الزكاة كما في صحيح الحديث. قال أبو حامد: فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة البقر يحمل ثورا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف، ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله أعدالا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به برّا كان أو شعيرا، أثقل ما يكون، ينادي تحته بالويل والثبور، ومانع زكاة المال يحمل شجاعا أقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب في منخريه واستدارت بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل رحى في الأرض، وكل واحد ينادي مثل هذا فتقول الملائكة: هذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه ورشحا عليه وهو قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. قلت وهذه الفضيحة التي أوقعها الله بالغالّ ومانعي الزكاة نظير الفضيحة التي يوقعها بالغادر، وجعل الله هذه المعاقبات حسب ما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الشاعر: أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة … رفع اللواء لنا بها في المجمع فكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحافل ومواسم الحج، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وذهب بعض العلماء إلى أن ما يجيء به الغال يحمله عبارة عن وزر ذلك وشهرة الأمر أي يأتي يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد أخبر النبي ﷺ بالحقيقة فهو أولى. وقد روى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسها ويقسمها، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: «يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة» قال: «أسمعت بلالا ثلاثا» قال: نعم قال: «فما منعك أن تجيء

стр. 336

به» فاعتذر إليه. فقال: «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك» (١). فصل وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الحجر ليرن بسبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفا ويؤتى بالغلول معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به» (٢). قال فهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ذكره علي بن سليمان المرادي في الأربعين له. وقوله: يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة دليل على أن في الآخرة للناس ألوية، فمنها خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم، قال رسول الله ﷺ : «لواء الحمد بيدي» وروى «لواء الكرم» وقد تقدم. وروى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» (٣). فعلى هذا من كان إماما ورأسا في أمر ما معروفا به فله لواء يعرف به خيرا كان أو شرّا، وقد يجوز أن يكون للصالحين الأولياء ألوية يعرفون بها تنويها بهم وإكراما لهم والله أعلم، وإن كانوا غير معروفين. قال النبي ﷺ : «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» (٤) وقال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (٥) أخرجهما مسلم. وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وفي الحديث الصحيح: «أن أول ما يقضي الله فيه الدماء، وأول من يعطى الله أجورهم الذين ذهبت أبصارهم ينادى يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم: أنتم أحرى (أحق) من ينظر إلينا ثم يستحيي الله تعالى منهم ويقول لهم: اذهبوا إلى ذات اليمين، ويعقد لهم راية وتجعل بيد شعيب ﵇ فيصير أمامهم ومعهم ملائكة النور ما لا يحصى عددهم إلا الله تعالى يزفونهم كما تزف العروس، فيمر بهم على الصراط كالبرق الخاطف وصفة أحدهم الصبر والحلم كابن عباس ومن ضاهاه من الأئمة، ثم ينادي أين أهل البلاء ويريد المجذومين فيؤتى بهم فيحييهم الله بتحية طيبة بالغة فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ﵇ فيصير أمامهم ذات اليمين وصفة المبتلي صبر وحلم وعلم كعقيل بن أبي طالب ومن ضاهاه من الأئمة، ثم ينادي: أين الشباب المتعففون فيؤتى بهم إلى الله فيرحب بهم نعما ويقول ما شاء الله أن يقول ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد

стр. 337

لهم راية خضراء ثم تجعل في يد يوسف ﵇ ويصير أمامهم فيؤمر بهم إلى ذات اليمين، وصفة الشباب صبر وعلم وحلم كراشد بن سليمان ومن ضاهاه من الأئمة، ثم يخرج النداء أين المتحابون في الله فيؤتى بهم إلى الله تعالى فيرحب بهم ويقول ما شاء الله أن يقول ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين، وصفة المتحاب في الله صبر وعلم وحلم لا يسخط ولا يسئ من رضي الأحوال الدنيوية كأبي تراب أعني علي بن أبي طالب ﵁ ومن ضاهاه من الأئمة، ثم يخرج النداء أين الباكون فيؤتى بهم إلى الله تعالى فتوزن دموعهم ودم الشهداء ومداد العلماء فيرجح الدمع فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة هذا بكى خوفا وهذا بكى طمعا وهذا بكى ندما وتجعل بيد نوح ﵇، فيهمّ العلماء بالتقدم عليهم ويقولون: علمنا بكاءهم فإذا النداء: على رسلك يا نوح فتوقف الزمرة، ثم يوزن مداد العلماء فيرجح دم الشهداء فيؤمر بهم إلى ذات اليمين، ويعقد لهم راية مزعفرة وتجعل في يد يحيى ﵇ ثم ينطلق أمامهم فيهمّ العلماء بالتقدم عليهم ويقولون: عن علمنا قاتلوا فنحن أحقّ بالتقدم، فيضحك لهم الجليل ﷻ ويقول لهم: أنتم عندي كأنبيائي اشفعوا فيمن تشاءون. فيشفع العالم في جيرانه وإخوانه ويأمر كل واحد منهم ملكا ينادي في الناس: ألا إن فلانا العالم قد أمر له أن يشفع فيمن قضى له حاجة أو أطعمه لقمة حين جاع أن سقاه شربة ماء حين عطش فليقم إليه فإنه يشفع له». وفي الصحيح: «أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء ويعقد لهم راية بيضاء وتجعل بيد إبراهيم ﵇ فإنه أشد المرسلين مكاشفة ثم ينادي: أين الفقراء؟ فيؤتى بهم إلى الله فيقول لهم مرحبا بمن كانت الدنيا سجنهم، ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى ابن مريم ﵇ ويصير أمامهم إلى ذات اليمين، ثم ينادي أين الأغنياء؟ فيؤتى بهم إلى الله فيعدد عليهم ما خولهم فيه خمسمائة عام ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية ملونة وتجعل بيد سليمان ﵇ ويصير أمامهم في ذات اليمين» (١). وفي الحديث: «أن أربعة يستشهد عليهم بأربعة: ينادى بالأغنياء وأهل الغبطة فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون: أعطانا الله ملكا وغبطة شغلنا عن القيام بحقه في دار الدنيا فيقال لهم: من أعظم ملكا؛ أنتم أم سليمان؟ فيقولون: بل سليمان. فيقال: أما شغله ذلك عن القيام بحق الله والدأب في ذكره. ثم يقال: أين أهل البلاء؟ فيؤتى بهم أنواعا فيقال لهم: أي شيء شغلكم عن عبادة الله تعالى؟ فيقولون: ابتلانا الله في دار الدنيا بأنواع من الآفات والعاهات شغلتنا عن ذكره والقيام بحقه فيقال لهم: من

стр. 338

أشد بلاء: أنتم أم أيوب؟ فيقولون: بل أيوب. فيقال لهم: ما شغله ذلك عن حقنا والدأب لذكرنا، ثم ينادي: أين الشباب العطرة والمماليك فتقول الشباب: أعطانا الله جمالا وحسنا فتنّا به فكنا مشغولين عن القيام بحقه، وكذلك المماليك فيقولون: شغلنا رق العبودية في الدنيا فيقال لهم: أنتم أكثر جمالا أم يوسف ﵇. فلقد كان في رق العبودية ما شغله ذلك عن القيام بحقنا ولا الدأب لذكرنا ثم ينادي: أين الفقراء؟ فيؤتى بهم أنواعا فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله تعالى؟ فيقولون: ابتلانا الله في دار الدنيا بفقر شغلنا فيقال لهم: من أشد فقرا. أنتم أم عيسى ﵇، فيقولون: بل عيسى. فيقول لهم: «ما شغله ذلك عن القيام بحقنا والدأب لذكرنا» فمن بلي بشيء من هذه الأربع فليذكر صاحبه. فصل وقوله: «هذه غدرة فلان ابن فلان»؛ دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقد تقدم هذا في غير موضع، وفي هذا ردّ على من قال إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سترا على آبائهم، وهذا الحديث خلاف قولهم: خرجه البخاري ومسلم وحسبك. فصل وقوله: «فيكوى بها جنبه» الحديث، إنما خص الجنب والجبهة والظهر بالكي لشهرته في الوجه وشناعته، وفي الجنب والظهر لأنه آلم وأوجع، وقيل: خص الوجه لتقطيبه في وجه السائل أولا والجنب لازوراره عن السائل ثانيا، والظهر لانصرافه إذا زاد في السؤال وأكثر منه، فرتب الله تعالى هذه العقوبات في هذه الأعضاء لأجل ذلك والله أعلم. وقالت الصوفية: لما طلبوا الجاه والمال شان الله وجوههم، ولما طووا كشحا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم. فصل وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قيل معناه لو حاسب فيها غير الله تعالى وإنما هو يفرغ منه في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا وفيها قدر مواقفهم للحساب عن الحسن، وقال ابن اليمان: كل موقف منها ألف سنة. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى

стр. 339

يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة» (١). وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: يقصر يومئذ على المؤمن حتى يكون كوقت الصلاة. وفي الحديث: «لا يتنصف النهار حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار». ذكره ابن عزيز في غريب القرآن له. وبطح ألقى على وجهه. قاله بعض المفسرين. وقال أهل اللغة: البطح هو البسط كيفما كان على غير الوجه أو على الوجه، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها. «وبقاع قرقر» أي: بموضع مستو واسع وأصل القاع: الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء وجمعه قيعان، والعقصاء الملتوية القرن والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء المكسورة داخلة القرن يريد: أنها كلها ذوات قرون صحاح ويمكن بها النطح والطعن حتى يكون أشد لألمه وأبلغ في عذابه - والله أعلم. *** ١٠٦ - باب منه، وذكر الولاة ذكر الغيلاني أبو طالب قال: حدّثنا أبو بكر الشافعي قال: حدّثنا محمد بن غالب قال: حدّثنا أمية بن بسطام، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا روح بن القاسم عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يفكه الله بعدله أو يوبقه بجرمه» (٢). وقال عمر لأبي ذر ﵄: حدّثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قال سمعته يقول: «يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجه لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فإن كان مطيعا لله في عمله مضى فيه، وإن كان عاصيا لله انحرف به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمسين عاما» فقال عمر: من يطلب العمل بعد هذا يا أبا ذر؟ قال من سلت الله أنفه وألصق خده بالتراب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ﵀. وروى الأئمة عن أبي حميد الساعدي عن النبي ﷺ أنه استعمل رجلا من بني

стр. 340

أسد يقال له ابن اللّتبيّة على الصدقة فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي؟ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كان بقرة فلها خوارا أو شاة تعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت» (١). وروى أبو داود عن بريدة عن النبي ﷺ : «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (٢). *** ١٠٧ - باب ما جاء في حوض النبي ﷺ وفي الموقف وسعته وكثرة أوانيه وذكر أركانه ومن عليها ذهب صاحب القوت وغيره: إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والثاني: في الجنة. وكلاهما يسمى كوثرا على ما يأتي، والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر فقيل: الميزان قبل. وقيل: الحوض قال أبو الحسن القابسي. والصحيح أن الحوض قبل. قلت: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم. وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وحكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله. قال المؤلف: هو كما قال. وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت إلى أين فقال إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل فقال

стр. 341

لهم: هلم. فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم لا مثل همل النعم» (١). قلت: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه فمن جازه سلم من النار على ما يأتي. وكذا حياض الأنبياء ﵈ تكون أيضا في الموقف على ما يأتي. وروي عن ابن عباس ﵄ قال سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي الله تعالى هل فيه ماء؟ قال: «أي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء الله تعالى ليردون حياض الأنبياء ويبعث الله سبعين ألف ملك بأيديهم عصيّ من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء». (مسلم) عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: «والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب، فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل» (٢). وعن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمين أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» فسئل عن عرضه فقال: «من مقامي إلى عمان». وسئل عن شرابه فقال: «أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق» (٣). في غير كتاب مسلم: «يعب فيه ميزابان من الكوثر» الحديث. وفي أخرى: «ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليه قدح». (مسلم) عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت عليّ آنفا سورة فقرأ: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال ما تدري ما أحدث بعدك» (٤) وفي رواية أخرى «ما أحدث».

стр. 342

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك، كيزانه كنجوم السماء من ورد من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا» (١). أخرجه البخاري. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمامكم حوضا كما بين جربا وأذرح فيه أباريق كنجوم السماء من ورد فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا» (٢). قال عبيد الله فسألته، فقال: قربتين بالشام بينهما مسيرة ثلاث، أخرج البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن لهو أشدّ بياضا من الثلج وأحلى من العسل واللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال: نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون عليّ غرّا محجلين من أثر الوضوء» (٣). (ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لي حوضا ما بين الكعبة، وبيت المقدس أبيض مثل اللبن آنيته عدد نجوم السماء وإني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة» (٤). فصل ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف وليس كذلك، وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة. وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام ما بين أذرح وجربا، ولأهل اليمن من صنعاء إلى عدن وهكذا وتارة أخرى يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها - والله أعلم. ولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامتة هذه الأقطار أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط كما تقدم، تطهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء.

стр. 343

(ويغت) معناه يصب، (ويشخب) أي يسيل (والعقر) مؤخر الحوض حيث يقف الإبل إذا وردته، وتسكن قافه وتضم فيقال: عقر وعقر كعسر وعسر قاله في الصحاح. (والمهمل) من النّعم الضّوالّ من الإبل واحدها هامل، قاله الهروي. والمعنى: الناجي منهم قليل كمهمل النعم، ويقال: إن على أحد أركانه أبا بكر وعلى الثاني عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع عليا. قلت: هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، وقد رفعه صاحب الغيلانيات من حديث حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن على حوضي أربعة أركان. فأول ركن منها في يد أبي بكر، والركن الثاني في يد عمر، والركن الثالث في يد عثمان، والركن الرابع في يد عليّ ﵃ أجمعين، فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر، ومن أحب عثمان وأبغض عليا لم يسقه عثمان، ومن أحب عليا وأبغض عثمان لم يسقه علي». وذكر الحديث (١). باب منه ذكر أبو داود الطيالسي: قال: حدّثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «ما أنتم بجزء من مائة ألف أو سبعين ألف جزء ممن يرد على الحوض» (٢). وكانوا يومئذ ثمان مائة أو تسع مائة. والله أعلم. *** ١٠٨ - باب فقراء المهاجرين أول الناس ورودا الحوض على النبي ﷺ (ابن ماجه) عن الصنابحي الأحمسي قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إني فرطكم على الحوض وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتتلنّ بعدي» (٣). وخرج ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي ما بين عدن إلى أيلة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل أكاويبه كعدد نجوم السماء من شرب منه لم يظمأ بعدها

стр. 344

أبدا، وأول الناس من يرد على الحوض فقراء المهاجرين الدنس ثيابا الشّعث رؤوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد قال: فبكى عمر حتى ابتلت لحيته فقال: لكني نكحت المتنعمات وفتحت لي أبواب السدد، لا جرم أني لا أغسل ثوبي يلي جسدي حتى يتسخ، ولا أدهن رأسي حتى تشعث» خرجه الترمذي (١). عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد، قال: فلما دخل عليه، قال يا أمير المؤمنين: لقد شق مركبي البريد فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن النبي ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به. قال أبو سلام: حدّثني ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد» (٢) … فذكره بمعناه وقال حديث غريب. وقال أنس بن مالك ﵁: أول من يرد الحوض على رسول الله ﷺ الذابلون الناحلون السائحون الذين إذا جهنم الليل استقبلوه بالحزن. *** ١٠٩ - باب ذكر من يطرد عن الحوض (البخاري) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقال لي: لا تدري ما أحدثوا بعدك». وعن أبي هريرة أنه كان يتحدث أن رسول الله ﷺ قال: «يرد الحوض رهط من أصحابي فيختلجون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى». (مسلم) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم». وفي حديث أنس: «فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعك»، وقد تقدم. وكذلك حديث البخاري «إذا زمرة حتى إذا عرفتهم» تقدم أيضا. وفي الموطأ

стр. 345

وغيره من حديث أبي هريرة فقالوا: «كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك يا رسول الله»؟ الحديث. وفيه قال: «فإنهم يأتون غرّا محجّلين من أثر الوضوء» (١). فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله؛ فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم سحقا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر. ثم يكشف لهم الغطاء فيقول لهم: سحقا سحقا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وقد يقال: إن من أنفذ الله عليه وعيده من أهل الكبائر إنه وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه إذا دخل النار بمشيئة الله تعالى لا يعذب بعطش - والله أعلم. وروى الترمذي عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليّ الحوض، يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصبر جنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به» (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وخرّجه أيضا في كتاب الفتن وصححه. وخرج الأوزاعي أبو عمر في مسنده قال: حدّثني عمو بن سعد قال: حدّثني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول: «حوضي ما بين أيلة إلى

стр. 346

مكة، أباريقه كنجوم السماء أو كعدد نجوم السماء، له ميزابان من الجنة كلما نضب أمدّاه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وسيأتيه قوم ذابلة شفاههم، لا يطعمون منه قطرة واحدة، من كذب به اليوم لم يصب منه الشرب يومئذ» (١). وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث عثمان بن مظعون عن النبي ﷺ أنه قال في آخره: «يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة»، وقد ذكرناه بكماله في آخر كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة. *** ١١٠ - باب ما جاء أن لكل نبي حوضا (الترمذي) عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل نبي حوضا، وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة» (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، رواه قتادة عن الحسن عن سمرة، وقد رواه الأشعث ابن عبد الملك عن الحسين ﵁ عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه غير سمرة. وقال البكري المعروف بابن الواسطي: «لكل نبي حوض إلا صالحا فإنه حوضه ضرع ناقته» والله أعلم. *** ١١١ - باب ما جاء في الكوثر الذي أعطيه ﷺ في الجنة (البخاري) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك فإذا طينه أو طينته مسك أذفر» (٣) - شك هدبة - خرجه أبو عيسى الترمذي

стр. 347

بمعناه وزاد: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وخرجه ابن وهب قال: أخبرني شبيب عن أبان عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال حين عرج به إلى السماء قال: «رأيت نهرا عجاجا مثل السهم يطرد أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حافتاه قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال هذا نهر الكوثر الذي أعطاك ربك، قال: فضربت بيدي إلى حمأته فإذا هو مسك أذفر، ثم ضربت بيدي إلى رضواضه فإذا هو در». (الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» (١). هذا حديث حسن - والله أعلم. تم بحمد الله الجزء الأول من كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله أبواب الميزان باب ما جاء في الميزان وأنه حق

стр. 348

أبواب الميزان ١١٢ - باب ما جاء في الميزان وأنه حق قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. قال العلماء: وإذا انقضى الحساب؛ كان بعد وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها. قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ الآية. وقال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [والمؤمنون: ١٠٣]. وهذه الآيات إخبار لوزن أعمال الكفار، لأن عامة المعنيين بقوله: ﴿خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ في هذه الآيات؛ هم الكفار. وقال في سورة المؤمنون: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] وفي الأعراف ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ وقال: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ وهذا الوعيد بإطلاقه للكفار، وإذا جمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ثبت أن الكفار يسألون عما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه، إذا لم يسألوا عما خالفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا به، ولم يعتد بها في الوزن أيضا، فإذا كانت موزونة دلّ على أنهم يحاسبون بها وقت الحساب. وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الآية فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان، والبعث، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها محاسبون

стр. 349

بها، مجزيون على الإخلال بها. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: ١٠٥]» (١). وقال العلماء: معنى هذا الحديث؛ أنه لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين يوم القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري: «يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا». وقيل: يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة؛ كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ، والله أعلم. وفيه من الفقه؛ ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلفه المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم كثرة الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغي به الترفه والسمن، وقد قال ﷺ : «إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين» (٢). *** ١١٣ - باب منه وبيان كيفية الميزان ووزن الأعمال فيه ومن قضى لأخيه حاجة (الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فقال: لا يا رب. فيقول: بل إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» (٣) قال حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» وقال بدل قوله في أول الحديث: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة»؛ «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق» وذكر الحديث.

стр. 350

وقال محمد بن يحيى: البطاقة: الرقعة، أهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. وفي الخبر: «إذا خفّت حسنات المؤمن أخرج رسول الله ﷺ بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمين التي فيها حسناته فيترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ بأبي أنت وأمي! ما أحسن وجهك، وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك علي التي كنت تصلي عليّ قد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها». ذكره القشيري في «تفسيره»، وذكره أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس والعمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له» (١). فصل قال المؤلف: الميزان حق، ولا يكون في حقّ كل أحد، بدليل قوله ﵇: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه». الحديث. وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ الآية. وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا من المؤمنين، وقد يكون للكافرين على ما ذكرنا ويأتي. وقال أبو حامد: والسبعون الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب؛ لا يرفع لهم ميزان، ولا يأخذون صحفا، وإنما هي براءات مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان بن فلان، قد غفر له، وسعد سعادة لا يشقى بعدها، فما مرّ عليه شيء أسرّ من ذلك المقام. قلت: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «تنصب الموازين يوم القيامة؛ فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر صبّا بغير حساب» (٢). ذكره القاضي منذر بن سعيد البلوطي ﵀. وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة؛ فينصب للحساب، ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، فيصب عليهم الأجر صبّا، حتى إن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسامهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله تعالى لهم» (٣).

стр. 351

هذا حديث غريب من حديث جابر الجعفي وقتادة، وتفرد به قتادة عن جابر عن ابن عباس عن مجاعة بن الزبير. وروى الحسن بن علي رضوان الله عليهما قال: قال لي جدّي ﷺ : «يا بنيّ عليك بالقناعة تكن أغنى الناس، وأد الفرائض تكن أعبد الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا. وقرأ ﷺ : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» (١) ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق». فصل فإن قيل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه فتقابل الحسنات بالسيئات، فتوجد حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات؛ فما الذي يقابل بكفره وسيئاته، وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟ فالجواب: إن ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره أو كفره وسيئاته في إحدى كفيته ثم يقال له: هل من طاعة تضعها في الكفة الأخرى؟ فلا يجدها؛ فيشال الميزان، فترتفع الكفة الفارغة، وتقع الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه. وهذا ظاهر الآية، لأن الله تعالى وصف الميزان بالخفة لا الموزون، وإذا كان فارغا فهو خفيف. والوجه الآخر: أن الكافر يكون منه صلة الأرحام، ومواساة الناس، وعتق المملوك، ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت قربة وطاعة، فمن كانت له مثل هذه الخيرات من الكفار، فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها بها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه الخيرات من ميزانه خفيفا، ولو لم يكن له إلا خير واحد أو حسنة واحدة لأحضرت ووزنت كما ذكرنا. فإن قيل: لو احتسبت خيراته حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان، وقيل له: «إنه كان يقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين في النوائب» فهل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا لأنه لم يقل يوما «ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» (٢) وسأله عدي بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: «إن أباك طلب أمرا فأدركه» - يعني الذكر (٣) - فدل أن الخيرات من

стр. 352

الكافر ليست بخيرات، وأن وجودها وعدمها بمنزلة واحدة سواء. والجواب: أن الله تعالى قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ ولم يفصّل بين نفس ونفس، فخيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرّم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفّف عنه، بدليل: حديث أبي طالب؛ فإنه قيل له: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ فقال: «نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (١). وما قاله ﵇ في ابن جدعان وأبي عدي إنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا يتنعمان بشيء من نعيمها، والله أعلم. فصل أصل ميزان: موزان؛ قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. قال ابن فورك (٢): وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول كذلك، وروي ذلك عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة، وقد تقدم هذا المعنى. والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف، كما دل عليه الحديث الصحيح والكتاب العزيز، قال الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] وهذا نص. قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا؛ فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه؛ أي: يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن. قلت: وهذا القول مجاز، وليس بشيء؛ وإن كان شائعا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفّة منهما طباق السموات والأرض.

стр. 353

وقد جاء أن كفّة الحسنات من نور، والأخرى من ظلام، والكفة النيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات. وجاء في الخبر: أن الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله تعالى، كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار. وذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وروي فيها عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: «توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضعت فيهن السموات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا ربنا ما هذا؟ فيقول: أزن به لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك». وقال ابن عباس ﵄: «توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان». قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي الصحيحين: «فيعطى صحيفة حسناته» وقوله: «فيخرج له بطاقة». وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله توفيقنا. ولقد أحسن من قال: تذكّر يوم تأتي الله فردا … وقد نصبت موازين القضاء وهتّكت الستور عن المعاصي … وجاء الذنب منكشف الغطاء فصل قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون؛ وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر، والثالث: الكفار. فأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي. وأما المخلطون؛ فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة (١) دخل

стр. 354

الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي. هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة، فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار على ما تقدم ويأتي. وقال أحمد بن حرب: تبعث الناس يوم القيامة على ثلاث فرق؛ فرقة أغنياء بالأعمال الصالحة وفرقة فقراء وفرقة فقراء وفرقة أغنياء ثم يصيرون فقراء مفاليس في شأن التبعات. وقال سفيان الثوري: «إنك أن تلقى الله بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد». قال المؤلف: هذا صحيح لأن الله غني كريم، وابن آدم فقير مسكين، محتاج في ذلك اليوم إلى حسنة يدفع بها سيئة إن كانت عليه، حتى ترجح ميزانه فيكثر خيره وثوابه. وأما الكافر؛ فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا يوجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة لفراغها وخلوها عن الخير، فيأمر الله بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره وآثامه. وأما المتقون؛ فإن صغائرهم تكفّر باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعته، فهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله تعالى لم يذكر إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع لمن ثقلت موازينه بالإفلاح والعيشة الراضية، ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر، وبقي الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فبينهم النبي ﷺ حسب ما ذكرنا. وإنما توزن أعمال المتقي لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن تبكيتا له على فراغه وخلوه عن كل خير، فكذلك توزن أعمال المتقي تحسينا لحاله وإشارة لخلوه من كل شر، وتزيينا لأمره على رؤوس الأشهاد. وأما المخلط السيئ بالصالح فإن دخل النار فيخرج بالشفاعة، على ما يأتي. فصل فإن قيل: أخبر الله عن الناس أنهم محاسبون مجزيون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنّة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم، وهل توزن أعمالهم؟

стр. 355

فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الجن والإنس فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية ما ثبت للإنس وقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٨، ١٩] وإنما أراد لكل من الجن والإنس فقد ذكروا في الوعد والوعيد مع الإنس، وأخبر تعالى أن الجن يسألون فقال خبرا عما يقال لهم: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] وهذا سؤال وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله وقد تقدم هذا، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] وهذا يدل صريحا على أن حكمهم في الآخرة كالمؤمنين وقال حكاية عنهم ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] الآيتين. ولما جعل رسول الله ﷺ : «زادهم كلّ عظم، وعلف دوابهم كل روث، فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجان» (١)، فجعلهم إخواننا، وإذا كان كذلك فحكمهم كحكمنا في الآخرة سواء، والله أعلم. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في باب ما جاء أن الله يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان. فصل قوله في الحديث: «فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» ليست هذه شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في كفة شيء وفي أخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فهذا غير مستحيل لأن العبد يأتي بهما جميعا، ويستحيل أن يأتي الكفر والإيمان جميعا عند واحد حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة، فذلك استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان، وأما بعد ما آمن العبد فإن النطق منه بلا إله إلا الله حسنة توضع في الميزان مع سائر الحسنات، قاله الترمذي الحكيم ﵀. وقال غيره: إن النطق بها زيادة ذكر على حسن نية، وتكون طاعة مقبولة، قالها على خلوة وخفية من المخلوقين، فتكون له عند الله ﵎ وديعة،
следующие страницы →