هذا حديث غريب من حديث جابر الجعفي وقتادة، وتفرد به قتادة عن جابر عن ابن عباس عن مجاعة بن الزبير.
وروى الحسن بن علي رضوان الله عليهما قال: قال لي جدّي ﷺ : «يا بنيّ عليك بالقناعة تكن أغنى الناس، وأد الفرائض تكن أعبد الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا. وقرأ ﷺ : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» (١) ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق».
فصل
فإن قيل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه فتقابل الحسنات بالسيئات، فتوجد حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات؛ فما الذي يقابل بكفره وسيئاته، وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟
فالجواب: إن ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره أو كفره وسيئاته في إحدى كفيته ثم يقال له: هل من طاعة تضعها في الكفة الأخرى؟ فلا يجدها؛ فيشال الميزان، فترتفع الكفة الفارغة، وتقع الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه. وهذا ظاهر الآية، لأن الله تعالى وصف الميزان بالخفة لا الموزون، وإذا كان فارغا فهو خفيف.
والوجه الآخر: أن الكافر يكون منه صلة الأرحام، ومواساة الناس، وعتق المملوك، ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت قربة وطاعة، فمن كانت له مثل هذه الخيرات من الكفار، فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها بها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه الخيرات من ميزانه خفيفا، ولو لم يكن له إلا خير واحد أو حسنة واحدة لأحضرت ووزنت كما ذكرنا.
فإن قيل: لو احتسبت خيراته حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان، وقيل له: «إنه كان يقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين في النوائب» فهل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا لأنه لم يقل يوما «ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» (٢) وسأله عدي بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: «إن أباك طلب أمرا فأدركه» - يعني الذكر (٣) - فدل أن الخيرات من
стр. 352
الكافر ليست بخيرات، وأن وجودها وعدمها بمنزلة واحدة سواء.
والجواب: أن الله تعالى قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ ولم يفصّل بين نفس ونفس، فخيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرّم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفّف عنه، بدليل: حديث أبي طالب؛ فإنه قيل له: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ فقال:
«نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (١). وما قاله ﵇ في ابن جدعان وأبي عدي إنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا يتنعمان بشيء من نعيمها، والله أعلم.
فصل
أصل ميزان: موزان؛ قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
قال ابن فورك (٢): وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول كذلك، وروي ذلك عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة، وقد تقدم هذا المعنى.
والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف، كما دل عليه الحديث الصحيح والكتاب العزيز، قال الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] وهذا نص. قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا؛ فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول:
هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه؛ أي: يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن.
قلت: وهذا القول مجاز، وليس بشيء؛ وإن كان شائعا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفّة منهما طباق السموات والأرض.
стр. 353
وقد جاء أن كفّة الحسنات من نور، والأخرى من ظلام، والكفة النيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات. وجاء في الخبر: أن الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله تعالى، كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار. وذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول».
وروي فيها عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: «توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضعت فيهن السموات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا ربنا ما هذا؟ فيقول: أزن به لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك». وقال ابن عباس ﵄: «توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان».
قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي الصحيحين:
«فيعطى صحيفة حسناته» وقوله: «فيخرج له بطاقة». وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله توفيقنا.
ولقد أحسن من قال:
تذكّر يوم تأتي الله فردا … وقد نصبت موازين القضاء
وهتّكت الستور عن المعاصي … وجاء الذنب منكشف الغطاء
فصل
قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون؛ وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر، والثالث: الكفار.
فأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.
وأما المخلطون؛ فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة (١) دخل
стр. 354
الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي. هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة، فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار على ما تقدم ويأتي.
وقال أحمد بن حرب: تبعث الناس يوم القيامة على ثلاث فرق؛ فرقة أغنياء بالأعمال الصالحة وفرقة فقراء وفرقة فقراء وفرقة أغنياء ثم يصيرون فقراء مفاليس في شأن التبعات.
وقال سفيان الثوري: «إنك أن تلقى الله بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد».
قال المؤلف: هذا صحيح لأن الله غني كريم، وابن آدم فقير مسكين، محتاج في ذلك اليوم إلى حسنة يدفع بها سيئة إن كانت عليه، حتى ترجح ميزانه فيكثر خيره وثوابه.
وأما الكافر؛ فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا يوجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة لفراغها وخلوها عن الخير، فيأمر الله بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره وآثامه.
وأما المتقون؛ فإن صغائرهم تكفّر باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعته، فهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله تعالى لم يذكر إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع لمن ثقلت موازينه بالإفلاح والعيشة الراضية، ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر، وبقي الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فبينهم النبي ﷺ حسب ما ذكرنا.
وإنما توزن أعمال المتقي لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن تبكيتا له على فراغه وخلوه عن كل خير، فكذلك توزن أعمال المتقي تحسينا لحاله وإشارة لخلوه من كل شر، وتزيينا لأمره على رؤوس الأشهاد. وأما المخلط السيئ بالصالح فإن دخل النار فيخرج بالشفاعة، على ما يأتي.
فصل
فإن قيل: أخبر الله عن الناس أنهم محاسبون مجزيون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنّة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم، وهل توزن أعمالهم؟
стр. 355
فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الجن والإنس فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية ما ثبت للإنس وقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٨، ١٩] وإنما أراد لكل من الجن والإنس فقد ذكروا في الوعد والوعيد مع الإنس، وأخبر تعالى أن الجن يسألون فقال خبرا عما يقال لهم:
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] وهذا سؤال وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله وقد تقدم هذا، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله:
﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] وهذا يدل صريحا على أن حكمهم في الآخرة كالمؤمنين وقال حكاية عنهم ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] الآيتين.
ولما جعل رسول الله ﷺ : «زادهم كلّ عظم، وعلف دوابهم كل روث، فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجان» (١)، فجعلهم إخواننا، وإذا كان كذلك فحكمهم كحكمنا في الآخرة سواء، والله أعلم. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في باب ما جاء أن الله يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان.
فصل
قوله في الحديث: «فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» ليست هذه شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في كفة شيء وفي أخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فهذا غير مستحيل لأن العبد يأتي بهما جميعا، ويستحيل أن يأتي الكفر والإيمان جميعا عند واحد حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة، فذلك استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان، وأما بعد ما آمن العبد فإن النطق منه بلا إله إلا الله حسنة توضع في الميزان مع سائر الحسنات، قاله الترمذي الحكيم ﵀.
وقال غيره: إن النطق بها زيادة ذكر على حسن نية، وتكون طاعة مقبولة، قالها على خلوة وخفية من المخلوقين، فتكون له عند الله ﵎ وديعة،
стр. 356
يردها عليه في ذلك اليوم بعظم قدرها ومحل موقعها، وترجح بخطاياه وإن كثرت، وبذنوبه وإن عظمت، ولله الفضل على عباده، ويتفضل على من يشاء بما شاء.
قلت: ويدل على هذا قوله في الحديث فيقول: «بلى إن لك عندنا حسنة» ولم يقل: إن لك إيمانا. وقد سئل رسول الله ﷺ عن لا إله إلا الله أمن الحسنات هي؟ فقال: «من أعظم الحسنات» (١). خرجه البيهقي وغيره.
ويجوز أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (٢). رواه صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ وقد تقدم أول الكتاب.
وقيل: يجوز حمل هذه الشهادة على الشهادة التي هي الإيمان، ويكون ذلك في كل مؤمن ترجح حسناته، ويوزن إيمانه كما توزن سائر حسناته، وإيمانه يرجح سيئاته، كما في هذا الحديث، ويدخله النار بعد ذلك فيطهره من ذنوبه، ويدخله الجنة بعد ذلك. وهذا مذهب قوم يقولون: إن كل مؤمن يعطي كتابه بيمينه، وكل مؤمن يثقل ميزانه، ويتأولون قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] أي: الناجون من الخلود، وهو في قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] يوما ما، وكذلك في قول النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» إنه صائر إليها لا محالة أصابه قبل ذلك ما أصابه.
قلت: هذا تأويل فيه نظر إلى دليل من خارج ينص عليه، والذي تدل عليه الآي والأخبار أن من ثقل ميزانه فقد نجا وسلم، وبالجنة أيقن وعلم أنه لا يدخل النار بعد ذلك، والله أعلم.
وقال ﵇: «ما شيء يوضع في الميزان أثقل من خلق حسن» (٣) خرجه الترمذي عن أبي الدرداء وقال فيه: حديث حسن صحيح. وقد تقدم من حديث سمرة بن جندب ﵁ قوله ﵇: «ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه». وكذلك الأعمال الصالحة دليل على فضل الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 357
وذكر القشيري في التحبير له: يحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعضهم في المنام فقلت ما فعل الله بك؟ فقال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات فجاءت صرة من السماء وسقطت في كفة الحسنات فحللت الصرة فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم.
وذكر أبو عمر في كتاب «جامع بيان العلم» بإسناده عن حماد بن زيد، عن أبي حنيفة، عن حماد بن إبراهيم في قوله عن وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال: «يجاء بعمل الرجل فيوضع كفة ميزانه يوم القيامة فتخفّ، فيجاء بشيء أمثال الغمام - أو قال -: مثل السحاب، فيوضع في ميزانه فترجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا. فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلّمه الناس» أو نحو ذلك (١).
باب منه
(الترمذي) عن عائشة ﵂ أن رجلا قعد بين يدي النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله؛ إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: «بحسبك ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله ﷺ : أما تقرأ كتاب الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ الآية. فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان.
وقد روى أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان هذا الحديث وعن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها وإذا أراد الله بعبد خيرا ختم له بخير وإذا أراد الله به شرا ختم له بشرّ عمله. ذكره أبو نعيم.
قال المؤلف هذا صحيح يدل عليه قوله ﵇: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (٣) والله تعالى أعلم.
***
стр. 358
١١٤ - باب منه وذكر أصحاب الأعراف
ذكر خيثمة بن سليمان في «مسنده» عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن السيئات والحسنات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار» قيل: يا رسول الله! فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون».
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو ترجح، قال:
ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. وذكر الحديث (١).
وقال كعب الأحبار: إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة أنجو بها خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة.
وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد له حسنة ترجح ميزانه وقد اعتدلت بالسوية فيقول الله تعالى رحمة منه:
اذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة فيصير يجوس خلال العالمين فما يجد أحدا يكلمه في ذلك الأمر إلا يقول له خفت أن يخف ميزاني فإني أحوج منك إليها، فييأس فيقول له رجل: ما الذي تطلب؟ فيقول: حسنة واحدة فلقد مررت بقوم لهم منها الألف فبخلوا علي فيقول له الرجل لقد لقيت الله تعالى فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظنها تغني عني شيئا خذها هبة مني إليك فينطلق فرحا مسرورا فيقول الله له ما بالك وهو أعلم فيقول رب اتفق من أمري كيت وكيت ثم ينادي سبحانه بصاحبه الذي وهبه الحسنة فيقول له سبحانه
стр. 359
كرمي أوسع من كرمك خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل فيقول الله تعالى له لست من أهل الجنة ولا من أهل النار فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان فيها مكتوب أف فترجح على الحسنات لأنها كلمة عقوق ترجح بها جبال الدنيا فيؤمر به إلى النار قال: فيطلب الرجل أن يرده الله تعالى فيقول له أيها العبد العاق لأي شيء تطلب الرد إلي فيقول إلهي رأيت أني سائر إلى النار وإذ لا بد لي منها وكنت عاقا لأبي وهو سائر إلى النار مثلي فضعف علي به عذابي وأنقذه منها قال فيضحك الله تعالى ويقول عققته في الدنيا وبررته في الآخرة خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة.
فصل
ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع فقيل يجوز أن يكون هناك موازين للعمل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من الأعمال. كما قال:
ملك تقوم الحادثات لعدله … فلكل حادثة لها ميزان
تتصرف الأشياء في ملكوته … ولكل شيء مدة وأوان
ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنما هو رسول واحد.
وقيل: المراد بالموازين جمع موزون أي الأعمال الموزونة لا جمع ميزان.
وخرج اللالكائي في «سننه» عن أنس رفعه: أن ملكا موكل بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق كلها: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف نادى الملك: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (١). وخرّج عن حذيفة قال: صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇ (٢).
فصل
وأما أصحاب الأعراف فيقال: إنهم مساكين أهل الجنة، ذكر هناد بن السري قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن مجاهد، عن حبيب، عن عبد الله بن الحارث
стр. 360
قال: أصحاب الأعراف ينتهي بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قصب الذهب، قال: أراه قال: مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالة فيبدو في نحورهم شامة بيضاء ثم يعودون فيغتسلون فكلما اغتسلوا زادت بياضا فيقال لهم تمنوا فيتمنّون ما شاءوا قال فيقال لهم لكم ما تمنيتم وسبعين ضعفا قالوا فهم مساكين أهل الجنة - وفي رواية -: فإذا دخلوا الجنة وفي نحورهم تلك الشامة البيضاء فيعرفون بها قال فهم يسمون في الجنة مساكين أهل الجنة (١).
واختلف العلماء في تعيينهم على اثني عشر قولا:
الأول: ما تقدم ذكره في الحديث وهو قول ابن مسعود وكعب الأحبار كما ذكرنا وذكره ابن وهب عن ابن عباس.
الثاني: قوم صالحون فقهاء علماء قال مجاهد.
الثالث: هم الشهداء ذكره المهدوي.
الرابع: هم فضلاء المؤمنين والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس ذكره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري.
الخامس: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم قاله شرحبيل بن سعد وذكر الطبري في ذلك حديثا عن رسول الله ﷺ وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم.
السادس: هم العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه مبغضيهم بسواد الوجوه ذكره الثعلبي عن ابن عباس.
السابع: هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة ذكره الزهراوي واختاره النحاس.
الثامن: هم قوم أنبياء قاله الزجاج.
التاسع: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فوقفوا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم حكاه ابن عطية القاضي أبو محمد في تفسيره.
العاشر: ذكره ابن وهب عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة. وذكره ابن المبارك قال:
стр. 361
أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: «أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان جسيم أمرهم لله فأقيموا ذلك المقام إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه وقالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم».
قال ابن عباس: أدخل الله أصحاب الأعراف الجنة، وفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود: وكانوا آخر أهل الجنة دخولا الجنة.
قال ابن عطية: وتمنى سالم مولى حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون.
الحادي عشر: أنهم أولاد الزنا، ذكره أبو نصر القشيري عن ابن عباس.
الثاني عشر: أنهم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، قاله أبو مجلز لاحق بن حميد. فقيل: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وضع على الجن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦].
والأعراف: سور بين الجنة والنار، قيل: هو جبل أحد يوضع هناك، روي عن النبي ﷺ من طريق أنس وغيره ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره حسب ما ذكرناه في كتاب «جامع أحكام القرآن» من سورة الأعراف (١) والحمد لله.
(حكاية) روي عن بعض الصالحين ﵁ أنه قال: أخذتني ذات ليلة سنة فنمت فرأيت في منامي كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضي بهم إلى الجنة وقوم يمضي بهم إلى النار قال فأتيت إلى الجنة فناديت أهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنة في محل الرضوان؟ فقالوا بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان ثم أتيت إلى باب النار فناديت يا أهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمن قال فنظرت فإذا أنا بقوم موقوفون بين الجنة والنار فقلت لهم ما بالكم موقوفون بين الجنة والنار فقالوا لي: لنا ذنوب جلت وحسنات قلت فالسيئات منعتنا من دخول الجنة والحسنات منعتنا دخول النار. وأنشدوا:
نحن قوم لنا ذنوب كبار … منعتنا من الوصول إليه
تركتنا مذبذبين حيارى … أمسكتنا من القدوم عليه
***
стр. 362
١١٥ - باب إذا كان يوم القيامة تتبع كل أمة ما كانت تعبد فإذا بقي في هذه الأمة منافقون امتحنوا، وضرب الصراط
(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون» (١). وذكر الحديث بطوله.
وخرج مسلم عنه؛ أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؟ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا.
قال: «فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المجازي حتى ينجى» (٢) وذكر الحديث وسيأتي.
فصل
ذكر الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له بعد قوله: يلهم رؤوس المحشر لطلب من يشفع ويريحهم مما هم فيه وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون ذلك، ثم يؤمر آدم ﵇ بأن يخرج بعث النار من ذريته، وهم سبعة أصناف البعثان الأولان يلتقطهم عنق النار من بين الخلائق لقط الحمام حب السمسم وهم
стр. 363
أهل الكفر بالله جحدا وعتوّا، وأهل الكفر بالله إعراضا وجهلا، ثم يقال لأهل الجمع: أين ما كنتم تعبدون من دون الله لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فمن كان يعبد من دون الله شيئا اتبعه حتى يقذف به في جهنم، قال الله : ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤، ٩٥].
وقال رسول الله ﷺ : «تمد الأرض مد الأديم يوم القيامة لعظمة الله ثم لا يكون لبشر من بني آدم منها إلا موضع قدميه، ثم ادعى أنا أول الناس فأخر ساجدا، ثم يؤذن لي فأقول يا رب: خبرني هذا جبريل ﷺ وهو عن يمين عرش الرحمن ﵎ أنك أرسلته إليّ، وجبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله صدق، ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أقطار الأرض فذلك المقام المحمود» (١).
ثم يبعث البعث الرابع وهم قوم وحدوا الله وكذبوا المرسلين جهلوا صفات الله ﷻ ، وردوا عليه كتبه ورسله، ثم يبعث البعث الخامس والسادس وهم أهل الكتابين يأتون ربهم عطاشا يقال لهم: ما كنتم تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيقال لهم: ألا ترون فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيردونها سقوطا فيها، ثم تقع المحنة بالمنافقين والمؤمنين في معرفة ربهم وتمييزه من المعبودات من دونه فيذهب الله المنافقين ويثبت المؤمنين، ثم ينصب الصراط مجازا على متن جهنم أعاذنا الله منها أرق من الشعر وأحدّ من الموسى كما وصفه رسول الله ﷺ فيسقط أهل البدع في الباب السادس منه أو الخامس، وأهل الكبائر في السابع أو السادس وإنما يسقط الساقط بعد ما يعجز عن عمله ويخلص المؤمنون على درجاتهم في تفاوتهم في النجاة ويحبسون على قنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا صفوا وهذبوا، أدخلوا الجنة، ومن ذلك المقام يوقف أصحاب الأعراف.
قال المؤلف: هكذا ذكر هذا الترتيب وهو ترتيب حسن، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
فصل
قوله: «هل تضارون» بضم التاء وفتحها وبتشديد الراء وتخفيفها، وضم التاء وتشديد الراء أكثر، وأصله تضاررون أسكنت الراء الأولى وأدغمت مع الثانية وماضيه ضورر على ما لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون مبنيا للفاعل بمعنى تضارون
стр. 364
بكسر الراء إلا أنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره مخففا.
والمعنى: أن أهل الجنة إذا امتن الله عليهم برؤيته سبحانه تجلى لهم ظاهرا بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.
وقد روي: «تضامّون» من المضامة وهي الازدحام أيضا أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة.
وروي تضامون بتخفيف الميم، من الضيم الذي هو الذل أي لا يذل بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة وسيأتي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ في أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.
قوله: «فإنكم ترونه كذلك» هذا تشبيه للرؤية وحالة الرائي لا المرئي، لأن الله سبحانه لا يحاط به، وليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء.
وقوله: «فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون» هذا موضع الامتحان ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين، زاعمين أنهم منهم، وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله في دار الدنيا، وأنه منزه عن صفات هذه الصور إذ سماتها سمات المحدثات.
ولهذا قال في حديث أبي سعيد الخدري فيقولون: «نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا» مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب.
قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب «المفهم لشرح اختصار كتاب مسلم»: «وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجزموا عليه من غير بصيرة ولذلك كان اعتقادهم قابلا للانقلاب» (١)، والله أعلم.
قلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه والله أعلم، لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك، لأن في حديث أبي سعيد بعد قوله: «حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفوه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم
стр. 365
يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوا فيها فيقول: أنا ربكم؟ فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة». وسيأتي. قوله: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» أي: يتجلى لهم في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد أن رفع الموانع عن أبصارهم. فيتبعونه؛ أي يتبعون أمره أو ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة. والله أعلم.
والدعوى: الدعاء قال الله : ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أي دعاؤهم. والكلاليب: جمع كلوب. والسعدان: نبت كثير الشوك شوكه كالخطاطيف والمحاجن ترعاه الإبل فيطيب لبنها. تقول العرب: مرعى ولا كالسعدان. والموبق: المهلك أوبقه ذنبه: أهلكه.
ومنه الحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» (١) وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. والمجازى: الذي جوزي بعمله.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] كشف الساق، عبارة عن عظم الأمر وشدته، ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: يوم كرب وشدة (٢). أخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده قال مجاهد: وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة (٣).
وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل: كشف الأمر عن ساقه.
والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة، وكذا قال القتبي؛ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ هذا من الاستعارة فسمى الشدة ساقا لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة.
قال الشاعر:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة … أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وقال آخر:
فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها … وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
стр. 366
وقال آخر يصف سنة شديدة:
قد شمرت عن ساقها
وقال آخر:
كشفت لهم عن ساقها … وبدا من الشر البراح
وقال آخر:
أبشر عناق، إنه شر باق قد سن لي … قومك ضرب الأعناق
وقامت الحرب بنا على ساق
والشعر في هذا المعنى كثير.
وقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش.
فأما ما روي: «أن الله تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة» كما في «صحيح البخاري» (١)؛ فإنه تعالى على التبعيض والأعضاء، وأن يكشف ويتغطى ومعناه أن يكشف على العظيم من أمره (٢).
وقال الخطابي: «إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما يرتفع معه سواتر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم في السجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا يستطيعون السجود قال: وقد تأوله بعض الناس فقال:
لا ينكر أن يكون الله سبحانه قد يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوقين من ملائكته أو غيرهم فيجعل ذلك سببا لبيان ما شاء من حكمه في أهل الإيمان وأهل النفاق».
قال الخطابي: «وفيه وجه آخر لم أسمعه من قدوة وقد يحتمله معنى اللغة سمعت أبا عمر يذكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي فيما عده من المعاني المختلفة الواقعة تحت هذا الاسم، قال: والساق النفس، ومنه قول علي ﵁، حين راجعه أصحابه في قتل الخوارج فقال: «والله لأقاتلنهم حتى ولو تلفت ساقي» يريد نفسه.
وقال أبو سليمان: وقد يحتمل على هذا أن يكون المراد التجلي لهم وكشف الحجب عن أبصارهم حتى إذا رأوه سجدوا له قال: ولست أقطع به القول، ولا أراه واجبا فيما أذهب إليه من ذلك».
قال المؤلف: هذا القول أحسن الأقوال إن شاء الله، وقد جاء فيه حديث
стр. 367
حسن ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسير سورة ن والقلم، فقال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدّثنا ابن منيع قال: حدّثنا هدبة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة عن بردة بن أبي موسى قال: حدّثني أبي قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره، قال:
وتعرفونه إذ رأيتموه؟ فيقولون نعم، فقال: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] فيقول الله تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم من اليهود والنصارى في النار (١).
قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: آلله الذي لا إله إلا هو حدّثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلفت له ثلاث أيمان فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثا هو أحب إليّ من هذا.
قال المؤلف: فهذا الحديث يبين لك معنى كشف الساق وأنه عبارة عن رؤيته سبحانه وهو معنى ما في صحيح مسلم، والحديث يفسر بعضه بعضا فلا إشكال فيه، والحمد لله. وقد ذكر البيهقي عن روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: «عن نور عظيم يخرون له سجدا» (٢). تفرد به روح بن جناح، وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة.
قال المؤلف: الحديث الذي قبله أبين وأصح إسنادا فليعول عليه.
وقد هاب الإمام أبو حامد الغزالي القول فيه وأشفق من تأويله فقال في كتاب «كشف علوم الآخرة»: ثم يكشف الجليل عن ساقه فيسجد الناس كلهم تعظيما له وتواضعا إلا الكفار الذين قد أشركوا به أيام حياتهم، وعبدة الحجارة والخشب، وما لم ينزل به سلطانا فإن صياصي أصلابهم تعود حديدا فلا يقدرون على السجود وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
стр. 368
وروى البخاري في تفسيره مسندا إلى رسول الله ﷺ قال: «يكشف الله عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة». وقد أشفقت من تأويل الحديث، وعدلت عن منكر به، وكذا أشفقت من صفة الميزان وزيفت قول واصفيه، وجعلته متحيزا إلى العالم الملكوتي فإن الحسنات والسيئات أعراض ولا يصح وزن الأعراض إلا بميزان ملكوتي.
قال المؤلف: قد ذكرنا الميزان وبيّنا القول فيه، وفي الأعمال الموزونة غاية البيان بالأخبار الصحيحة والحسان وبيّنا القول هنا في كشف الساق (١)، بحيث لم يبق فيه لأحد ريب ولا مخالفة ولا شقاق، فلله الحمد على ما به أنعم وفهم وعلم.
***
١١٦ - باب كيف الجواز على الصراط؟ وصفته ومن يحبس عليه ويزل عنه، وفي شفقة النبي ﷺ على أمته عند ذلك، وفي ذكر القناطر قبله والسؤال عليها وبيان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾
روي عن بعض أهل العلم أنه قال: لن يجوز أحد الصراط حتى يسأل في سبع قناطر؛ فأما القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصا، والإخلاص قول وعمل جاز، ثم يسأل على القنطرة الثانية: عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل على القنطرة الثالثة: عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تاما جاز، ثم سأل على القنطرة الرابعة: عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في الخامسة: عن الحج والعمرة فإن جاء بهما تامتين جاز، ثم يسأل في القنطرة السادسة: عن الغسل والوضوء فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السابعة:
وليس في القناطر أصعب منها فيسأل عن ظلامات الناس.
وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: «أنه إذا لم يبق في الموقف إلا المؤمنون والمسلمون والمحسنون والعارفون والصديقون والشهداء والصالحون والمرسلون
стр. 369
ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق فيقول الله تعالى: يا أهل الموقف من ربكم؟ فيقولون:
الله، فيقول لهم: أتعرفونه؟ فيقولون: نعم. فيتجلى لهم ملك عن يسار العرش، لو جعلت البحار السبع في نقرة إبهامه لما ظهرت، فيقول لهم بأمر الله: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم ملك العرش عن يمين العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه لما ظهرت فيقول لهم: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم الرب سبحانه في صورة غير صورته التي كانوا يعرفونها، ويسمعونه وهو يضحك فيسجدون له جميعهم، فيقول: أهلا بكم، ثم ينطلق بهم سبحانه إلى الجنة فيتبعونه فيمر بهم على الصراط. والناس أفواج: المرسلون، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم المؤمنون ثم العارفون، ثم المسلمون. منهم المكتوب لوجهه ومنهم المحبوس في الأعراف ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان فمنهم من يجوز الصراط على مائة عام وآخر يجوز على ألف، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته» (١).
فتوهّم نفسك يا أخي إذا صرت على الصراط ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة قد لظى سعيرها وعلا لهيبها وأنت تمشي أحيانا وتزحف أخرى.
قال الشاعر:
أبت نفسي تتوب فما احتيالي … إذا برز العباد لذي الجلال
وقاموا من قبورهم سكارى … بأوزار كأمثال الجبال
وقد نصب الصراط لكي يجوزوا … فمنهم من يكب على الشمال
ومنهم من يسير لدار عدن … تلقاه العرائس بالغوالي
يقول له المهيمن يا وليي … غفرت لك الذنوب فلا تبالي
وقال آخر:
إذا مدّ الصراط على جحيم … تصول على العصاة وتستطيل
فقوم في الجحيم لهم ثبور … وقوم في الجنان لهم مقيل
وبان الحقّ وانكشف الغطاء … وطال الويل واتصل العويل
وذكر مسلم من حديث أبي هريرة: «فيأتون محمدا ﷺ فيؤذن لهم وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق الخاطف». قال: قلت بأبي أنت وأمي وأي شيء كمر البرق؟ قال: «ألم تر إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ
стр. 370
قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل ولا يستطيع السير إلا زحفا». قال: «وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه فمخدوش ناج، ومنكوس في النار، والذي نفسي بيده: إن قعر جهنم لسبعون خريفا» (١). وروى من حديث حذيفة أيضا.
وذكر مسلم أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم» قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شوكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومنكوس في نار جهنم» (٢) الحديث وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى.
وفي رواية قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف» وفي رواية «أرق من الشعر» رواها مسلم (٣).
وخرج ابن ماجه حديث أبي سعيد الخدري: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان. ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوج به ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها» (٤).
وذكر ابن المبارك قال: حدّثنا هشام بن حسان، عن موسى، عن أنس، عن عبيد بن عمير: «إن الصراط مثل السيف على جسر جهنم وإن لجنبتيه كلاليب وحسكا، والذي نفسي بيده إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر» (٥).
وأخبرنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال قال:
«بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع» (٦).
قال: وأخبرنا عوف عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: «يجوز الناس يوم القيامة على الصراط على قدر إيمانهم وأعمالهم فيجوز الرجل كالطرف في السرعة
стр. 371
وكالسهم المرمي وكالطائر السريع الطيران وكالفرس الجواد المضمر ويجوز الرجل يعدو عدوا، والرجل يمشي مشيا حتى يكون آخر من ينجو يحبو حبوا» (١).
وذكر هناد بن السري حدّثنا عبد الله بن نمير حدّثنا سفيان حدّثنا سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال عبد الله: «يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم». قال:
«فيمر الناس على قدر أعمالهم. أولهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كأسرع البهائم ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا وحتى يمر الرجل ماشيا ثم يكون آخرهم يتلبط على بطنه يقول يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك إنما أبطأ بك عملك» (٢).
قال: وحدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود: «تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمون المنازل بأعمالكم» (٣).
(أبو داود) عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي ﷺ قال: «من حمى مؤمنا من منافق - أراه قال -: بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (٤).
وقال رسول الله ﷺ : «الزالّون على الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء» ذكره أبو الفرج ابن الجوزي.
وقال المصطفى ﷺ : «فإذا صار الناس على طرف الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط، وليقف كل عاص منكم وظالم، فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حرّها، يتقدم فيها، من كان في الدنيا ضعيفا مهينا، ويتأخر عنها من كان في الدنيا عظيما مكينا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك بالجواز على الصراط على قدر أعمالهم في ظلمتهم وأنوارهم، فإذا عصف الصراط بأمتي نادوا:
وا محمداه وا محمداه فأبادر من شدة إشفاقي عليهم وجبريل آخذ بحجزتي، فأنادي رافعا صوتي رب أمتي أمتي لا أسألك اليوم نفسي، ولا فاطمة ابنتي والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون: رب سلم سلم. وقد عظمت الأهوال، واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال وينادونهم:
أما نهيتم عن كسب الأوزار؟ أما خوفتم عذاب النار؟ أما أنذرتم كل الإنذار أما جاءكم النبي المختار»؟ ذكره أبو الفرج بن الجوزي أيضا في كتاب (روضات المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق).
стр. 372
فتفكر الآن فيما يحلّ بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار، وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكّسون فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجاز ما أضيقه.
فصل
ذهب بعض من تكلم على أحاديث هذا الباب في وصف الصراط بأنه أدق من الشعر وأحدّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي. ولا يعلم حدود ذلك إلاّ الله تعالى لخفائها وغموضها. وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي: دقيقا. فضرب المثل له بدقة الشعر. فهذا والله أعلم من هذا الباب.
ومعنى قوله: «وأحدّ من السيف»: أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعا منهم إلى طاعته وامتثاله. ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحدة وقوة ضاربه في شيء لم يكن بعد ذلك مرد.
وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحدّ من السيف وأدق من الشعر، فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه وأن فيه كلاليب وحسكا، أي أن من يمر عليه يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم. وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه. وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن رقة الشعر لا يحتمل هذا كله. وقال بعض الحفاظ: إن هذه اللفظة ليست بثابتة.
قال المؤلف: ما ذكره القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك. وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة ولا استحالة في ذلك، للآثار الواردة في ذلك وثباتها بنقل الأئمة العدول ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
стр. 373
وعن يحيى بن اليمان: رأيت رجلا نام وهو أسود الرأس واللحية شاب يملأ العين فرأى في منامه كأن الناس قد حشروا، وإذا بنهر من نار، وجسر يمر الناس عليه، فدعي فدخل الجسر، فإذا هي كحد السيف يمر يمينا وشمالا، فأصبح أبيض الرأس واللحية.
فصل
أحاديث هذا الباب تبين لك معنى الورود المذكور في القرآن في قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١].
روي عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط، رواه السدي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ .
وذكر أبو بكر النجاد سلمان بن أحمد قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة السليطي، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي قال: حدّثنا سليم بن منصور بن عمار قال: حدّثنا أبي، منصور بن عمار قال: حدّثني بشير بن طلحة الخزاعي، عن خالد بن الدريك، عن يعلى بن منبه، عن رسول الله ﷺ قال: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» (١).
وقيل: الورود الدخول. روي عن ابن مسعود وعن ابن عباس أيضا وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم، وحديث أبي سعيد الخدري نصّ في ذلك على ما يأتي، فيدخلها العصاة بجرائمهم، والأولياء بشفاعتهم.
وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود:
الدخول، لا يبقى برّ، ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم»، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ (٢) [مريم: ٧١].
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن رجل، عن خالد بن معدان قال:
قالوا ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟ فقال: إنكم مررتم بها وهي خامدة (٣).
قال ابن المبارك: وأخبرنا سعيد الجريري عن أبي السليل عن غنيم عن أبي العوام عن كعب أنه تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قال: هل
стр. 374
تدرون ما ورودها؟ قالوا: الله أعلم. قال: فإن ورودها أن يجاء بجهنم وتمسك للناس كأنها متن إهالة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلق برهم وفاجرهم نادى مناد: أن خذي أصحابك، وذري أصحابي. فتخسف بكل ولي لها، فهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون (١).
وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها.
وأسند أبو عمر بن عبد البر في ذلك حديثا في «التمهيد» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ عاد مريضا من وعك به، فقال النبي ﷺ : «أبشر فإن الله تعالى يقول:
هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار» (٢).
وقالت طائفة: الورود النظر إليها في القبر فينجي منها الفائز، ويصلاّها من قدّر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى، واحتجّوا بحديث ابن عمر: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي» الحديث.
وقيل: المراد بالورود الإشراف على جهنم والاطلاع عليها والقرب منها.
وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ أي: يؤمر بهم إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: أشرف عليه، لا أنه دخله. وروت حفصة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية». قالت: فقلت: يا رسول الله! وأين قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] خرّجه مسلم من حديث أم مبشر قالت: سمعت رسول الله ﷺ عند حفصة الحديث (٣).
وقيل: الخطاب للكفار في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ روى وكيع، عن شعبة، عن عبد الله بن السائب، عن رجل، عن ابن عباس أنه قال في قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال: هذا خطاب للكفار.
وروي عنه أنه كان يقرأ: «وإنّ منهم» ردا على الآيات التي قبلها من الكفار
стр. 375
قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ و ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ و ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧١]. وكذلك قرأ عكرمة وجماعة.
وقالت فرقة: المراد ﴿مِنْكُمْ﴾: الكفرة. والمعنى: قل لهم يا محمد وإن منكم.
وقال الجمهور: المخاطب العالم كلّه ولا بد من ورود الجميع، وعليه نشأ الخلاف في الورود، كما ذكرنا، والصحيح أن الورود: الدخول لحديث أبي سعيد، كما ذكرنا.
وفي «مسند» الدارمي أبي محمد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجل في مشيه» (١).
وقال ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلاّ تحلّة القسم» (٢) خرّجه الأئمة. قال الزهري كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده.
وهذا يبين لك ما ذكرناه لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين، قال خالد بن معدان: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا إنا نرد النار؟ فيقال: قد وردتموها فألقيتموها رمادا».
قلت: والذي يجمع شتات الأقوال؛ أن يقال: إن من وردها، ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونجى منها، نجانا الله منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها سالما، وخرج منها غانما.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري لابن عباس: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فقال له ابن عباس: أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] وقوله: ﴿إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦].
ولقد كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة فائزا.
стр. 376
وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود، والجهل بالصدر، كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه يقول: ليت أمي لم تلدني. فتقول له امرأته: يا أبا ميسرة إن الله قد أحسن إليك وهداك إلى الإسلام، قال: أجل ولكن الله قد بين لنا أنّا واردو النار ولم يبين لنا أنّا صادرون (١).
وعن الحسن قال: قال رجل لأخيه: أي أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال:
نعم. قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك إذا؟ قال: فما رئي ضاحكا حتى مات (٢).
وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي:
«أمّا أنا وأنت فلا بد أن نردها أما أنا فينجيني الله منها وأما أنت فما أظنه ينجيك».
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: «بكى ابن رواحة فبكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: بكيت حين رأيتك تبكي.
فقال عبد الله: إني قد علمت أني وارد النار، فما أدري أناج منها أم لا» (٣)؟.
وفي معناه قيل:
وقد أتانا ورود النار ضاحية … حقا يقينا، ولما يأتنا الصّدر
***
١١٧ - باب ما جاء في شعار المؤمنين على الصراط
(الترمذي) عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «شعار المؤمنين على الصراط: رب سلّم سلم» (٤). قال: حديث غريب.
وفي «صحيح مسلم»: «ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم».
وقد تقدم.
***
стр. 377
١١٨ - باب فيمن لا يوقف على الصراط طرفة عين
ذكر الوائلي أبو نصر، في كتاب الإبانة: أخبرنا محمد بن الحجاج قال:
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الربعي، حدّثنا علي بن الحسين، أبو عبيد قال:
حدّثنا زكريا بن يحيى أبو السكن قال: حدّثني عبد الله بن صالح الهماني قال:
حدّثني أبو همام القرشي، عن سليمان بن المغيرة، عن قيس بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: قل لي رسول الله ﷺ : «علّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك» (١). قال: وهذا غريب الإسناد والمتن حسن.
باب منه
(أبو نعيم) قال: حدّثنا سليمان بن أحمد، قال: حدّثنا جبير بن عرفة قال:
حدّثنا هاني بن المتوكل قال: حدّثنا أبو ربيعة سليمان بن ربيعة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحسن الصدقة في الدنيا جاز على الصراط، ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته» (٢). قال: هذا حديث غريب من حديث محمد، تفرد به سليمان [بن ربيعة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب] (٣).
وذكر الختلي أبو القاسم، حدّثنا عثمان بن سعيد أبو عمرو الأنطاكي، قال:
حدّثنا علي بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن يسار، حدّثنا شيخ يكنى أبا جعفر قال:
رأيت في منامي كأني واقف على قناطر جهنم فنظرت إلى هول عظيم فجعلت أفكر في نفسي كيف العبور على هذه؟ فإذا قائل يقول من خلفي: يا عبد الله؛ ضع حملك واعبر، فقلت: وما حملي؟ قال: دع الدنيا واعبر.
قال: وحدّثني أبو بكر خليفة الحارث بن خليفة قال: حدّثنا عمرو بن جرير، حدّثني إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا الدرداء يقول لابنه: يا بنيّ لا يكن بيتك إلا المسجد، فإن المساجد بيوت المتّقين،
стр. 378
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يكن المسجد بيته، ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط» (١).
قلت: وهذا الحديث يصحّح ما ذكرناه من الرؤيا، فإن من سكن المسجد واتخذه بيتا أعرض عن الدنيا وأهلها، وأقبل على الآخرة وعمل لها.
***
١١٩ - باب ثلاثة مواطن لا يخطئها النبي ﷺ لعظم الأمر فيها وشدته
(الترمذي) عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة قال:
«أنا فاعل إن شاء الله». قال: فأين أطلبك؟ قال: «أول ما تطلبني على الصراط»، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: «فاطلبني عند الميزان». قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن» (٢). قال هذا حديث حسن، وقد تقدم من حديث عائشة أنه ﵇ قال: «أما ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا؛ عند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط».
***
١٢٠ - باب في تلقي الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم بعد الصراط، وفي هلاك أعدائهم
(ابن المبارك) عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأنبياء نبيا نبيا، وأمة أمة، حتى يكون آخرهم مركزا محمد وأمته، ويضرب الجسر على جهنم، وينادي مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم نبي الله ﷺ ، وتتبعه أمته برّها وفاجرها، حتى إذا
стр. 379
كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه، فتهافتوا في النار يمينا وشمالا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة رتبا، فيدلونهم على طريق الجنة على يمينك على شمالك، حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي عن يمين الرحمن، ثم يتبعهم عيسى ﵇ على مثل سبيله، وتتبعه أمّته برّها وفاجرها، حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فتهافتوا في النار يمينا وشمالا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه فتلقاهم الملائكة رتبا، فيدلونهم على طريق الجنة؛ على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي من الجانب الآخر. ثم يدعى نبي نبي وأمة أمة، حتى يكون آخرهم نوحا، رحم الله نوحا (١).
***
١٢١ - باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين الجنة والنار
اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو من يلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه، ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم، حبسوا على آخر خاص لهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه.
(البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان له في الدنيا» (٢).
فصل
قلت: معنى «يخلص المؤمنون من النار» أي: يخلصون من الصراط المضروب على النار. ودل هذا الحديث على أن المؤمنين في الآخرة مختلفو الحال. قال
стр. 380
مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا وطيّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى التحية ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
وقد ذكر الدارقطني حديثا ذكر فيه أن الجنة بعد الصراط.
قلت: ولعله أراد بعد القنطرة بدليل حديث البخاري - والله أعلم. أو يكون ذلك في حق من دخل النار وخرج بالشفاعة فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة، على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى.
وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «أصحاب الجدّ محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم» (١). ولا تعارض بين هذا وبين حديث البخاري، فإن الحديثين مختلفا المعنى لاختلاف أحوال الناس. وكذلك لا تعارض بين قوله ﵇: «لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة» وبين قول عبد الله بن سلام: «إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينا وشمالا»، فإن هذا يكون فيمن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع، فإذا وصلت بهم الملائكة إلى باب الجنة كان أحد منهم أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها منه بمنزله كان في الدنيا - والله أعلم - وهو معنى قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. قال أكثر أهل التفسير: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم.
وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل؛ وهو أن الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه، وحديث أبي سعيد الخدري يرده - والله أعلم -.
***
١٢٢ - باب من دخل النار من الموحّدين مات واحترق، ثم يخرجون بالشفاعة
(مسلم) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار
стр. 381
بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن لهم في الشفاعة، فيجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل». فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان يرعى الغنم بالبادية (١).
فصل
هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية؛ لأنه أكّدها بالمصدر، وذلك تكريما لهم حتى لا يحسوا ألم العذاب بعد الاحتراق بخلاف الحي الذي هو من أهلها ومخلد فيها ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] وقيل يجوز أن تكون إماتتهم عبارة عن تغييبه إياهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة فإن النوم قد يغيب عن كثير من الآلام والملاذ وقد سماه الله وفاة، فقال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] فهو وفاة وليس بموت على الحقيقة الذي هو خروج الروح عن البدن وكذلك الصعقة قد عبر الله بها عن الموت في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
وأخبر عن موسى ﵇ أنه خرّ صعقا، ولم يكن ذلك موتا على الحقيقة، غير أنه لما غيّب عن أحوال المشاهدة من الملاذ والآلام، جاز أن يسمى موتا.
وكذلك يجوز أن يكون أماتهم؛ غيّبهم عن الآلام وهم أحياء، بلطيفة يحدثها الله فيهم، كما غيب النسوة اللاتي قطعن أيديهن بشاهد ظهر لهن، فغيبهن فيه عن آلامهن، والتأويل الأول أصح لما ذكرناه من تأكيده بالمصدر، ولقوله في نفس الحديث: «حتى إذا كانوا فحما» فهم أموات على الحقيقة كما أن أهلها أحياء على الحقيقة وليسوا بأموات.
فإن قيل: فما معنى إدخالهم النار وهم فيها غير عالمين؟
قيل: يجوز أن يدخلهم تأديبا لهم وإن لم يعذبهم فيها، ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجون، فإن الحبس عقوبة لهم وإن لم يكن معه غل ولا قيد - والله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب النار - إن شاء الله تعالى.
وقوله: «ضبائر ضبائر» معناه جماعات جماعات، الواحدة ضبارة بكسرة الضاد وهي الجماعة من الناس. و «بثوا»: فرّقوا، و «الحبة» بكسر الحاء، بزر البقول، و «حميل السيل»: ما احتمله من غثاء وطين، وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.
стр. 382
١٢٣ - باب فيمن يشفع لهم قبل دخول النار من أجل أعمالهم الصالحة وهم أهل الفضل في الدنيا
ذكر أبو عبد الله محمد بن ميسرة الجبلي القرطبي في كتاب «السنن» له، روى أبي وابن وضّاح من حديث أنس يرفعه، قال: «يصفّ أهل النار فيقرنون فيمرّ بهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل منهم: يا فلان، أما تذكر رجلا سقاك شربة ماء يوم كذا وكذا؟ فيقول إنك لأنت هو؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيشفع له فيشفع فيه.
ويقول الرجل منهم: يا فلان لرجل من أهل الجنة - أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيشفع له فيشفّع فيه».
قلت: أخرجه ابن ماجه في «سننه» بمعناه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد قالا: حدّثنا الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يصفّ الناس يوم القيامة صفوفا» وقال ابن نمير «أهل الجنة» - «فيمر الرجل من أهل النار على الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان؛ أما تذكر يوم استسقيتني فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له. ويمر الرجل على الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع له» قال ابن نمير: «ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك فيشفع له» (١).
وخرّج أبو نعيم الحافظ بإسناده، عن الثوري؛ حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] قال: «أجورهم، يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله؛ الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا» (٢).
وذكر أبو جعفر الطحاوي أيضا، عن أنس بن مالك ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الجنة صفوفا وأهل النار صفوفا، فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى الرجل من صفوف أهل الجنة؛ فيقول: يا فلان؛ تذكر يوم اصطنعت معروفا إليك؟ فيقول: اللهم إن هذا اصطنع إليّ في الدنيا معروفا. قال: فيقال له: خذ بيده وأدخله الجنة برحمة الله ». قال
стр. 383
أنس ﵁: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله (١).
قال أبو عبد الله محمد بن ميسرة؛ ورأيت في الكتاب الذي يقال إنه الزبور:
«إني أدعو عبادي الزاهدين يوم القيامة فأقول لهم: عبادي إني لم ازو عنكم الدنيا لهوانكم عليّ، ولكن أردت أن تستوفوا نصيبكم موفورا اليوم، فتخللوا الصفوف؛ فمن أجبتموه في الدنيا، أو قضى لكم حاجة، أو ردّ عنكم غيبة، أو أطعمكم لقمة ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي؛ فخذوا بيده وأدخلوه الجنة».
فصل
وذكر أبو حامد: في آخر كتاب «الإحياء»، قال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار، ويقول: يا فلان؛ هل تعرفني؟ فيقول: لا والله؛ ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في الدنيا يوما فاستسقيتني شربة ماء؛ فسقيتك. قال: قد عرفت قال: فاشفع لي بها عند ربك، فيسأل الله تعالى، ويقول: إني أشرفت على أهل النار، فناداني رجل من أهلها فقال: هل تعرفني؟ فقلت: لا؛ من أنت؟ قال: أنا الذي استسقيتني في الدنيا فسقيتك فاشفع لي بها، فشفّعني، فيشفّعه الله تعالى، فيؤمر به فيخرج من النار» (٢) والله تعالى أعلم.
***
١٢٤ - باب في الشافعين لمن دخل النار وما جاء أن النبي ﷺ يشفع رابع أربعة وذكر من يبقى في جهنم بعد ذلك
(ابن ماجه) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (٣).
وذكر ابن السماك أبو عمرو عثمان بن أحمد قال: حدّثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: حدّثنا خالد الحذّاء، عن سلمة بن
стр. 384
كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: يشفع نبيكم رابع أربعة:
جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم ﷺ ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصدّيقون ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]. قال عبد الله بن مسعود ﵁: فهؤلاء الذين يبقون في جهنم.
قال المؤلف ﵀: وقد قيل: إن هذا هو المقام المحمود لنبيّنا ﷺ .
خرّجه أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبد الله قال: «ثم يأذن الله في الشفاعة فيقوم روح القدس جبريل ﵊ ثم يقوم إبراهيم خليل الله ﷺ ثم يقوم موسى أو عيسى ﵉». قال أبو الزعراء: - لا أدري أيهما قال - ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعا فيشفع لا يشفع لأحد بعده في أكثر مما يشفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى:
﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩].
(ابن ماجه) عن عبد الله بن أبي الجدعاء؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم». قالوا: يا رسول الله! سواك؟ قال: «سواي» (١) قلت: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا سمعته. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب، ولا نعرف لابن أبي الجدعاء غير هذا الحديث الواحد.
قال المؤلف ﵀: وخرّجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢) وقال في آخره: قال عبد الوهاب الثقفي: قال هشام بن حيان: كان الحسن يقول: إنه أويس القرني.
وذكر ابن السماك قال: حدّثنا يحيى بن جعفر، حدّثنا شبابة بن سوار، حدّثنا حريز بن عثمان، عن عبد الله بن ميسرة وحبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل أحد الحيين: ربيعة ومضر» قال: قيل: يا رسول الله! ما ربيعة ومضر؟ قال: «إنما أقول ما أقول» قال فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان.
(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أمتي من
стр. 385
يشفع للفئام، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل، حتى يدخلوا الجنة» (١). قال حديث حسن.
وذكر البزار في «مسنده» عن ثابت: أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة» (٢).
وذكر القاضي عياض في «الشفا» عن كعب: إن لكل رجل من الصحابة ﵃ شفاعة.
ذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في أمتي رجل يقال له: صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا» (٣).
فصل
إن قال قائل كيف تكون الشفاعة لمن دخل النار والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال: ﴿* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، ومن ارتضاه الله لا يخزيه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] الآية.
قلنا: هذا مذهب أهل الوعيد الذين ضلوا عن الطريق، وجادوا عن التحقيق.
وأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة؛ فإن الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة، حتى لا يبقى منهم أحد إلاّ دخل الجنة.
والجواب عن الآية الأولى ما قاله أنس بن مالك ﵁ أنّ معنى ﴿مَنْ تُدْخِلِ النّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢]: من يخلد. وقال قتادة: يدخل مقلوب يخلد، ولا تقول كما قال أهل حروراء، فيكون في قوله على هذا ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] على بابه من الهلاك، أي: أهلكته وأبعدته ومقته، وبهذا قال سعيد بن المسيب.
فإن الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار، دليله قوله في آخر الآية ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] أي: الكفار.
стр. 386
وإن قدّرنا الآية في العصاة من الموحّدين؛ فيحتمل أن يكون الخزي بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية، إذا استحيى فهو خزيان، وامرأة خزيانة، كذا قال أهل المعاني. فخزي المؤمنين يومئذ؛ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها، والخزي للكافرين هو هلاكهم فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون، فافترقوا في الخزي والهوان، ثم يخرجون بشفاعة من أذن الله له في الشفاعة وبرحمة الرحمن وشفاعته على ما يأتي في الباب بعد هذا، وعند ذلك يكونون مرضيين قد رضي عنهم، ثم لا يأتي الإذن في أحد حتى لا يبقى عليه من قصاص ذنبه إلا ما تجيزه الشفاعة، فيؤذن فيه فيلحق بالفائزين الراضين، والحمد لله رب العالمين.
وأما قوله تعالى: ﴿يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ فمعناه:
لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا وإن عذب العصاة وأماتهم فإنه يخرجهم بالشفاعة وبرحمته على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - والله أعلم (١).
***
١٢٥ - باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين
ذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد، عن حييّ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: ربّ منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه؛ فيشفعان» (٢).
стр. 387
وذكر مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه بعد قوله: في نار جهنم: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله تعالى في استيفاء الحقّ من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار» (١). وخرّجه ابن ماجه؛ ولفظه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحقّ يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين دخلوا النار. قال: يقولون: ربّنا إخواننا كانوا - فذكره بمعناه - يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم:
أخرجوا من عرفتم، فتحرّم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا». وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: «إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠] فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون،؟؟؟ يبق إلا أرحم الراحمين» (٢).
في البخاري «وبقيت شفاعتي» بدل قوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين» فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، عادوا فحما، فيلقيهم في نهر على أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر
стр. 388
وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربّنا وأيّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١).
وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له؛ حدّثنا أحمد بن أبي الحارث قال: حدّثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن معمر بن راشد، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش؛ إن رحمتي سبقت غضبي، فأنا أرحم الراحمين. قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلي أهل الجنة - قال: وأكثر ظني أنه قال مثلي أهل الجنة، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» (٢).
فصل
هذا الحديث بيّن أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيّناه في آخر سورة آل عمران من كتاب «جامع أحكام القرآن». فإن قوله: «أخرجوا من في قلبه مثقال دينار ونصف دينار وذرّة»؛ يدل على ذلك. وقوله: «من خير»؛ يريد: إيمان. وكذلك ما جاء ذكره في الخير في حديث قتادة عن أنس: «وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ما يزن برة، ما يزن ذرة» أي: من الإيمان، بدليل الرواية الأخرى التي رواها معبد بن هلال العنزي، عن أنس، وفيها: «فأقول يا ربّ أمتي أمتي» فيقال: «انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل» الحديث بطوله، أخرجه مسلم.
فقوله: «من إيمان» أي: من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم.
وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب؛ كأنه يقول: أخرجوا
стр. 389
من عمل عملا بنية من قلبه، كقوله: «الأعمال بالنيات» وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي ذكره آنفا إن شاء الله تعالى.
ويجوز أن يراد به رحمة على مسلم، رقّة على يتيم، خوفا من الله، رجاء له، توكّلا عليه، ثقة به، مما هي أفعال القلوب دون الجوارح، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان.
والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد له، ونفي الشركاء والإخلاص، بقول لا إله إلا الله؛ ما في الحديث نفسه من قوله: «أخرجوا أخرجوا». ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط، يريد إلاّ التوحيد المجرّد من الأعمال. وقد جاء هذا مبينا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة:
«ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجدا، قال: فيقال لي:
يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفّع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك - أو قال: ليس ذلك إليك - وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجنّ من قال لا إله إلا الله» (١).
وذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه» وفي رواية: «فيبعث الله ملكا فيمحوه عن جباههم» الحديث وسيأتي.
يقال: محا لوحه يمحوه محوا، ويمحيه محيا، ومحاه أيضا فهو ممحوّ وممحي، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل.
وأنشد الأصمعي:
كما رأيت الورق الممحيا
وانمحى: انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة. قاله الجوهري.
وذكره أبو بكر البزار في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها، فيلقون على نهر الحياة، فيرسل الله عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة:
الجهنميين، فيدعون الله تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم» (٢).
стр. 390
(البخاري) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (١).
(الترمذي) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «ليخرجن قوم من النار بشفاعتي يسمون الجهنميين» قال حديث حسن (٢).
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣).
خرجه الترمذي، وصححه أبو محمد بن عبد الحق، وخرجه أبو داود الطيالسي وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». زاد الطيالسي قال: فقال لي جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة؟ قال أبو داود: وحدّثناه محمد بن ثابت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.
وذكر أبو الحسن الدارقطني عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «نعم أنا لشرار أمتي» فقالوا: فكيف أنت لخيارها؟ قال: «أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرارهم فيدخلون الجنة بشفاعتي».
وخرج ابن ماجه حدّثنا إسماعيل بن أسد، حدّثنا أبو بدر شجاع بن الوليد السلوي، حدّثنا زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين لا ولكنها للخاطئين المذنبين المتلوثين» (٤).
قلت: وأنبأناه الشيخ الفقيه أبو القاسم عبد الله بن علي بن خلف الكومي إجازة عن أبيه الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف الكومي قال: قرئ على الشيخة الصالحة فخر النساء خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم النهرواني في منزلها وأنا حاضر أسمع، قيل لها: أخبركم الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد النعالي فأقرّت به، وقالت: نعم. قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن زرقويه البزار، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح الصفار، حدّثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، حدّثنا