← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وإن قدّرنا الآية في العصاة من الموحّدين؛ فيحتمل أن يكون الخزي بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية، إذا استحيى فهو خزيان، وامرأة خزيانة، كذا قال أهل المعاني. فخزي المؤمنين يومئذ؛ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها، والخزي للكافرين هو هلاكهم فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون، فافترقوا في الخزي والهوان، ثم يخرجون بشفاعة من أذن الله له في الشفاعة وبرحمة الرحمن وشفاعته على ما يأتي في الباب بعد هذا، وعند ذلك يكونون مرضيين قد رضي عنهم، ثم لا يأتي الإذن في أحد حتى لا يبقى عليه من قصاص ذنبه إلا ما تجيزه الشفاعة، فيؤذن فيه فيلحق بالفائزين الراضين، والحمد لله رب العالمين. وأما قوله تعالى: ﴿يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ فمعناه: لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا وإن عذب العصاة وأماتهم فإنه يخرجهم بالشفاعة وبرحمته على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - والله أعلم (١). *** ١٢٥ - باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين ذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد، عن حييّ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: ربّ منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه؛ فيشفعان» (٢).

стр. 387

وذكر مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه بعد قوله: في نار جهنم: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله تعالى في استيفاء الحقّ من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار» (١). وخرّجه ابن ماجه؛ ولفظه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحقّ يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين دخلوا النار. قال: يقولون: ربّنا إخواننا كانوا - فذكره بمعناه - يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرّم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا». وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: «إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠] فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون،؟؟؟ يبق إلا أرحم الراحمين» (٢). في البخاري «وبقيت شفاعتي» بدل قوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين» فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، عادوا فحما، فيلقيهم في نهر على أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر

стр. 388

وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربّنا وأيّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١). وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له؛ حدّثنا أحمد بن أبي الحارث قال: حدّثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن معمر بن راشد، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش؛ إن رحمتي سبقت غضبي، فأنا أرحم الراحمين. قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلي أهل الجنة - قال: وأكثر ظني أنه قال مثلي أهل الجنة، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» (٢). فصل هذا الحديث بيّن أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيّناه في آخر سورة آل عمران من كتاب «جامع أحكام القرآن». فإن قوله: «أخرجوا من في قلبه مثقال دينار ونصف دينار وذرّة»؛ يدل على ذلك. وقوله: «من خير»؛ يريد: إيمان. وكذلك ما جاء ذكره في الخير في حديث قتادة عن أنس: «وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ما يزن برة، ما يزن ذرة» أي: من الإيمان، بدليل الرواية الأخرى التي رواها معبد بن هلال العنزي، عن أنس، وفيها: «فأقول يا ربّ أمتي أمتي» فيقال: «انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل» الحديث بطوله، أخرجه مسلم. فقوله: «من إيمان» أي: من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم. وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب؛ كأنه يقول: أخرجوا

стр. 389

من عمل عملا بنية من قلبه، كقوله: «الأعمال بالنيات» وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي ذكره آنفا إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يراد به رحمة على مسلم، رقّة على يتيم، خوفا من الله، رجاء له، توكّلا عليه، ثقة به، مما هي أفعال القلوب دون الجوارح، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان. والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد له، ونفي الشركاء والإخلاص، بقول لا إله إلا الله؛ ما في الحديث نفسه من قوله: «أخرجوا أخرجوا». ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط، يريد إلاّ التوحيد المجرّد من الأعمال. وقد جاء هذا مبينا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة: «ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجدا، قال: فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفّع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك - أو قال: ليس ذلك إليك - وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجنّ من قال لا إله إلا الله» (١). وذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه» وفي رواية: «فيبعث الله ملكا فيمحوه عن جباههم» الحديث وسيأتي. يقال: محا لوحه يمحوه محوا، ويمحيه محيا، ومحاه أيضا فهو ممحوّ وممحي، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل. وأنشد الأصمعي: كما رأيت الورق الممحيا وانمحى: انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة. قاله الجوهري. وذكره أبو بكر البزار في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها، فيلقون على نهر الحياة، فيرسل الله عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين، فيدعون الله تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم» (٢).

стр. 390

(البخاري) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (١). (الترمذي) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «ليخرجن قوم من النار بشفاعتي يسمون الجهنميين» قال حديث حسن (٢). وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣). خرجه الترمذي، وصححه أبو محمد بن عبد الحق، وخرجه أبو داود الطيالسي وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». زاد الطيالسي قال: فقال لي جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة؟ قال أبو داود: وحدّثناه محمد بن ثابت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وذكر أبو الحسن الدارقطني عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «نعم أنا لشرار أمتي» فقالوا: فكيف أنت لخيارها؟ قال: «أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرارهم فيدخلون الجنة بشفاعتي». وخرج ابن ماجه حدّثنا إسماعيل بن أسد، حدّثنا أبو بدر شجاع بن الوليد السلوي، حدّثنا زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين لا ولكنها للخاطئين المذنبين المتلوثين» (٤). قلت: وأنبأناه الشيخ الفقيه أبو القاسم عبد الله بن علي بن خلف الكومي إجازة عن أبيه الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف الكومي قال: قرئ على الشيخة الصالحة فخر النساء خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم النهرواني في منزلها وأنا حاضر أسمع، قيل لها: أخبركم الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد النعالي فأقرّت به، وقالت: نعم. قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن زرقويه البزار، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح الصفار، حدّثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، حدّثنا

стр. 391

أبو بدر شجاع بن الوليد السكوني، عن زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن النبي ﷺ قال: «خيرت بين الشفاعة ونصف أمتي؛ فاخترت الشفاعة، أترونها للمتقين لا، ولكنها للخاطئين المتلوّثين» (١). وخرّج ابن ماجه، قال: حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا صدقة بن خالد، حدّثنا ابن جابر، قال: سمعت سليم بن عامر يقول: سمعت عوف بن مالك الأشجعي يقول: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما خيرني ربي الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها. قال: هي لكل مسلم» (٢). وأما الخبر العجيب الذي أوعدنا بذكره؛ فذكره الكلاباذي أبو بكر محمد بن إبراهيم في «بحر الفوائد» له؛ حدّثنا أبو النصر محمد بن إسحاق الرشادي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي، قال: حدّثنا نعيم بن حماد، قال: حدّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن أبي قلابة قال: كان لي ابن أخ يتعاطى الشراب فمرض، فبعث إليّ ليلا؛ أن الحق بي فأتيته فرأيت أسودين قد دنيا من ابن أخي. فقلت: إنا لله؛ هلك بن أخي، فاطّلع أبيضان من الكوّة التي في البيت، فقال أحدهما لصاحبه: انزل إليه، فلما نزل تنحّى الأسودان، فجاء فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم شمّ بطنه، فقال: ما أرى فيه صوما، ثم شمّ رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة، فقال له صاحبه: إنا لله وإنا إليه راجعون، رجل من أمة محمد ﷺ ليس له من الخير شيء، ويحك! عد فانظر، فعاد فشمّ فاه. فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم عاد فشم بطنه فقال: ما أرى فيه صوما، ثم عاد فشم رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة، فقال: ويحك! رجل من أمة محمد ﷺ ليس معه من الخير شيء، اصعد حتى أنزل أنا، فنزل الآخر فشم فاه فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم شم بطنه فقال: ما أرى فيه صوما، ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة. قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فشم لسانه، فقال: الله أكبر، أراه قد كبّر تكبيرة في سبيل الله، يريد بها وجه الله بإنتاكية. قال: ثم فاضت نفسه، وشممت في البيت رائحة المسك، فما صليت الغداة قلت لأهل المسجد: هل لكم في رجل من أهل الجنة؟ وحدثتهم حديث ابن أخي؛ فلما بلغت ذكر أنتاكية، قالوا: ليست بإنتاكية، هي أنطاكية. قلت: لا والله لا أسميتها إلا كما سماها الملك. قال علماؤنا: فهذا أنجته تكبيرة أراد بها وجه الله تعالى، وهذه التكبيرة كانت

стр. 392

سوى الشهادة التي هي شهادة الحق، التي هي الإيمان بالله تعالى، كما قرّرناه، فشفاعة النبيّ ﷺ والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق، ومن لم يكن معه من الإيمان خير كان من الذين يتفضّل الله عليهم فيخرجهم من النار فضلا وكرما، وعدا منه حقا، وكلمة صدقا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فسبحان الرؤوف بعباده الموفي بعهده. فصل قلت: جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم». وفي حديث أبي هريرة ﵁: «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن»، وهذا تعارض. ووجه الجمع بين الحديثين أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم، وبعضهم سيماهم في رقابهم، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري وفيه بعد إخراج الشافعين، ثم يقول ﵎: «أنا الله أخرج بعلمي ورحمتي، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم، ويكتب في رقابهم عتقاء الله ، فيدخلون الجنة، فيسمون فيها بالجهنميين». قلت: وقد يعبّر بالرقبة عن جملة الشخص، قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال ﵇: «ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها». وقد تعبر العرب بالرقاب عن جملة المال، قال الشاعر: غمر الرداء إذا تبسّم ضاحكا … علقت لضحكته رقاب المال فيحتمل أن يكون المعنى في حديث أبي سعيد وجابر ﵄: فيخرجون مثل اللؤلؤ يعرف أهل الجنة أشخاصهم بالخواتيم المكتوبة على جباههم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ولا تعارض على هذا، والله أعلم. فصل إن قال قائل: لم سألوا محو ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف، لأنه سبحانه أضافه إليه كما أضاف الأسماء الشريفة، فقال: نبيي وبيتي وعرشي وملائكتي، وقد جاء في الخبر: أن المتحابين في الله مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله، ولم يسألوا محوه؟ قيل: إنما سألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في الله تعالى؛ لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما منّ عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم. وقد روي

стр. 393

مرفوعا بأنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فعند ذلك يقولون: إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار، فيرسل الله ريحا من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتهب على وجوههم فتمحي الكتابة، وتزيدهم بهجة وجمالا وحسنا. أخبرنا الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب - عرف بابن رواحة - قراءة عليه، قال: قرئ على الحافظ السّلفي وأنا أسمع، قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف، أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرن الآجرّي أبو بكر محمد بن الحسين، حدّثنا أبو علي الحسن بن محمد بن سعيد الأنصاري، حدّثنا علي بن مسلم الطوسي، حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدّثني عمرو بن رفاعة الربعي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون وأهلها الذين يخرجون منها إذا أسقطوا فيها كانوا فحما حتى يأذن الله فيخرجهم فيلقيهم على نهر يقال له الحياة أو الحيوان، فيرش أهل الجنة عليهم الماء فينتبهون ثم يدخلون الجنة، يسمون الجهنميين ثم يطلبون من الرحيم فيذهب ذلك الاسم عنهم ويلحقون بأهل الجنة» (١). وأما سيما المتحابين فعلامة شريفة ونسبة رفيعة فلذلك لم يسألوا محوها ولا طلبوا زوالها وإزالتها - والله أعلم. فإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من يدخل الجنة قد يلحقه تنغيص ما والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد. قيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك، وأن ذلك يلحقهم عند دخول الجنة ثم يزول ذلك الاسم عنهم، وقد مثّل بعض علماؤنا هذا الذي أصاب هؤلاء؛ بالبحر تقع فيه النجاسات أنه لا حكم لها، كذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة، وهو تشبيه حسن. قلت: وقد يلحق الجميع خوف ما عند ذبح الموت على الصراط على ما يأتي، وبعده يكونون آمنين مسرورين، قد زال عنهم كل متوقع، والله أعلم. فصل إن قال قائل: كيف يشفع القرآن والصيام، وإنما ذلك عمل العاملين؟ قيل له - وقد تقدم هذا المعنى ونزيده وضوحا - فنقول: قال رسول الله ﷺ : «يجيء القرآن

стр. 394

يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك» (١). خرّجه ابن ماجه في سننه من حديث بريدة وإسناده صحيح. فقوله: «يجيء القرآن» أي: ثواب قارئ القرآن، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تتقدمه سورة البقرة وآل عمران» وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: «كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» (٢). قال علماؤنا: فقوله: «تحاجان عن صاحبهما» أي: يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة، كما جاء في بعض الحديث: «أنه من قرأ ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق الله سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة». قلت: وكذلك يخلق الله من ثواب القرآن والصيام ملكين كريمين فيشفعان له، وكذلك إن شاء الله سائر الأعمال الصالحة، كما ذكر ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا رجل، عن زيد بن أسلم، قال: بلغني أن المؤمن يتمثل له عمله يوم القيامة في أحسن صورة وأحسن ما خلق الله وجها وثيابا، وأطيبه ريحا، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمّنه، وكلما تخوف شيئا هوّن عليه، فيقول له: جزاك الله من صاحب خيرا، من أنت؟ فيقول: أما تعرفني وقد صحبتك في قبرك وفي دنياك! أنا عملك كان والله حسنا، فلذلك تراني حسنا، وكان طيبا فلذلك تراني طيبا، تعال فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] الآية، حتى يأتي به إلى ربه فيقول: يا رب، إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله، وكل صاحب تجارة وصانع قد أصاب في تجارته، غير صاحبي هذا قد شغل فيّ نفسه، فيقول الله تعالى: فما تسأل؟ فيقول: المغفرة والرحمة، أو نحو هذا. فيقول: فإني قد غفرت له، ثم يكسى حلّة الكرامة، ويجعل عليه تاج الوقار؛ فيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين، ثم يقول: يا رب إن أبويه قد شغل عنهما وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يدخل على أبويه من عمله، فيعطي أبويه مثل ما أعطي، ويتمثل للكافر عمله في أقبح ما يكون صورة وأنتن رائحة، ويجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده، وكلما تخوّف شيئا زاد خوفا منه، فيقول: بئس الصاحب أنت، ومن أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟

стр. 395

فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، فطأطئ رأسك أركبك، فطالما ركبتني في الدنيا. فذلك قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (١) [النحل: ٢٥]. قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي، ومعناه يستمدّ من حديث قيس بن عاصم المنقري أن النبي ﷺ قال: «إنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فإن كان صالحا فلا تأنس إلا به، وإن كان فاحشا فلا تستوحش إلا منه؛ وهو فعلك». وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق، والطريق إلى الملك الخلاق»: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بالتوبة في صورة حسنة ورائحة طيبة، فلا يجد رائحتها، ولا يرى صورتها إلا مؤمن فيجدون لها رائحة وأنسا، فيقول الكافر والعاصي المصرّ: ما لنا ما وجدنا ما وجدتم، ولا رأينا ما رأيتم؟ فتقول التوبة: طال ما تعرضت لكم في الدنيا فما أردتموني فلو كنتم قبلتموني لكنتم اليوم وجدتموني فيقولون: نحن اليوم نتوب فينادي مناد من تحت العرش: هيهات ذهبت أيام المهلة وانقضى زمان التوبة فلو جئتموني بالدنيا وما اشتملت عليه ما قبلت توبتكم ولا رحمت عبرتكم فعند ذلك تنأى التوبة عنهم وتبعد ملائكة الرحمة عنهم وينادي مناد من تحت العرش: يا خزنة النار هلموا إلى أعداء الجبار» (٢). وهذا بين فيما ذكرناه وبالله توفيقنا، والله أعلم. *** ١٢٦ - باب يعرف المشفوع فيهم بأثر السجود وبياض الوجوه قد تقدّم من حديث أبي سعيد الخدري أن المؤمنين يقولون: «ربنا إخواننا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون أدخلتهم النار، فيقول لهم: اذهبوا فمن عرفتم أخرجوه». وذكر الحديث. وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: «ومنه المجازى

стр. 396

حتى ينجّى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما نبتت الحبة في حميل السيل» وذكر الحديث (١). وخرّج عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارت وجوههم حتى يدخلوا الجنة» (٢). فصل هذا الحديث أدلّ دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسودّ لهم وجوه، ولا تزرقّ لهم أعين، ولا يغلّون، بخلاف الكفّار، وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها، فهم في الباب الأول من جهنم لا تسودّ وجوههم، ولا تزرقّ أعينهم، ولا يغلّون بالأغلال، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الإدراك، ومنهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأكثرها مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة» الحديث بطوله وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - خرّجه الترمذي في «نوادر الأصول». وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: إنه يؤتى بأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ شيوخا وعجائز وكهولا ونساء وشبابا، فإذا نظر إليهم مالك خازن النار، قال من أنتم معاشر الأشقياء ما لي أرى أيديكم لا تغل، ولم توضع عليكم الأغلال والسلاسل ولم تسود وجوهكم وما ورد عليّ أحسن منكم؟ فيقولون: يا مالك نحن أشقياء أمة محمد ﷺ دعنا نبكي على ذنوبنا. فيقول لهم: ابكوا فلن ينفعكم البكاء. فكم من شيخ وضع يده على لحيته ويقول: وا شيبتاه وا طول حسرتاه وا ضعف قوتاه، وكم من كهل ينادي وا مصيبتاه وا طول مقاماه. وكم من شاب ينادي وا أسفاه شباباه على تغيير حسناه، وكم من امرأة قد قبضت على ناصيتها وشعرها وهي تنادي وا سوأتاه وا هتك أستارها، فيبكون ألف عام، فإذا النداء من قبل الله: يا مالك أدخلهم النار في أول باب منها، فإذا همت النار أن تأخذهم فيقولون بجمعهم: لا إله إلا الله فتنفر عنهم النار خمسمائة عام، ثم يأخذون في البكاء فتشتد أصواتهم، وإذا النداء من

стр. 397

قبل الله تعالى: يا نار خذيهم، يا مالك أدخلهم الباب الأول من النار، فعند ذلك يسمع صلصلة كالرعد القاصف، فإذا همت النار أن تحرق القلوب زجرها مالك وجعل يقول: لا تحرق قلبا فيه القرآن، وكان وعاء الإيمان، فإذا الزبانية قد جاءوا بالحميم ليصبوه في بطونهم فيزجرهم مالك، فيقول: لا تدخلوا الحميم بطونا أخمصها رمضان، ولا تحرق النار جباها سجدت لله تعالى، فيعودون فيها حمما كالغاسق المحلولك والإيمان يتلألأ في القلوب. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر أبواب النار، نجانا الله منها ولا يجعلنا ممن يدخلها فيحترق فيها، وأعاذنا من عذابها بمنّه وكرمه. فصل قوله: «إذا فرغ الله» مشكل، وفي التنزيل: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ومعناه: المبالغة في التهديد والوعيد من عند الله تعالى لعباده، كقول القائل: سأفرغ لك، وإن لم يكن مشغولا عنه بشغل، وليس بالله تعالى شغل، تعالى عن ذلك. وقيل: المعنى: سنقصد لمجازاتكم وعقوبتكم، كما يقول القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك. وفرغ بمعنى قصد وأحكم. قال جرير بن نمير الجعفي: الآن وقد فرغت إلى نمير … فهذا حين كنت لها عذابا يريد: وقد قصدت نحوه. فمعنى فرغ الله من القضاء بين العباد أي: تمم عليهم حسابهم وفصل بينهم، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، . *** ١٢٧ - باب ما يرجى من رحمة الله تعالى ومغفرته وعفوه ورضوانه يوم القيامة قال الحسن: يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم». وقال ﵇: «ينادي مناد من تحت العرش: يا أمة محمد أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها فيما بينكم، وادخلوا الجنة برحمتي» (١).

стр. 398

وروي أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ [آل عمران: ١٠٣] فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها، وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه (١). وقال الصّنابحي: دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلا لم تبك؟ فو الله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثا واحدا، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار» (٢) خرّجه مسلم وغيره من الأئمة. وخرّج مسلم من حديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فجعل في الأرض منها رحمة واحدة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» (٣). أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد (٤). وفي بعض الطرق لأبي هريرة: «فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على تلك التسعة والتسعين فأكملها مائة رحمة فرحم بها عباده يوم القيامة» (٥). قلت: أخبرناه عاليا الشيخ الإمام الحافظ المسند أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁، قراءة عليه بالمنصورة بالديار المصرية، في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة سبع وأربعين وستمائة، قال: حدّثنا الشيخ المسند أبو حفص عمر بن محمد بن معمر الدارقري، قدم علينا دمشق، قال: أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الكاتب ببغداد، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن عيلان البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرنا موسى بن سهل الوشاء، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعت أبا عثمان النهدي، يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله تعالى السموات والأرض أنزل مائة رحمة كل رحمة طباقهما

стр. 399

فقسم رحمة واحدة منها على جميع الخلائق، فمنها يتعاطفون فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على التسعة والتسعين فأكملها مائة يرحم الله بها عباده يوم القيامة حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن ينال منها شيئا». وقال ابن مسعود: لن تزال الرحمة بالناس حتى إن إبليس ليهتز صدره يوم القيامة مما يرى من رحمة الله تعالى وشفاعة الشافعين. وقال الأصمعي: كان رجل يحدث بأهوال يوم القيامة وأعرابي جالس يسمع، فقال: يا هذا من يلي هذا من العباد؟ قال: الله، فقال الأعرابي: إن الكريم إذا قدر عفا وغفر. وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: فقال الله تعالى: أنا أهل أن أتّقى فلا يجعل معي إله آخر، فمن اتقى ألاّ يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له (١). وخرّجه أبو عيسى الترمذي بمعناه، وقال: حديث حسن غريب (٢). وروي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده من الوالدة الشفيقة بولدها» (٣). وروى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «قدم على رسول الله ﷺ بسبي، وإذا بامرأة من السبي تبتغي ولدا لها؛ إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها؟ قلنا: لا والله، وهي قادرة على أن تطرحه. فقال رسول الله ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (٤) أخرجه البخاري أيضا. وقال أبو غالب: كنت أختلف إلى أبي أمامة بالشام، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول له: يا عدو الله ألم آمرك؟ ألم أنهك؟ فقال الصبي: يا عماه لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي كيف كانت صانعة بي؟ قال: كانت تدخلك الجنة، قال: إن ربي الله أشفق من والدتي وأرحم بي منها. وقبض الفتى من ساعته، فلما جهزه عمه وصلى عليه، وأراد أن يضعه في لحده فدخلت القبر مع عمه فلما سوّاه صاح وفزع فقلت له: ما شأنك؟ قال: فسح له في قبره وملئ نورا، فدهشت منه.

стр. 400

وقال هلال بن سعد: يؤمر بإخراج رجلين من النار فيقول الله تعالى لهما: كيف وجدتما مقيلكما؟ فيقولان: شر مقيل. فيقول الله تعالى ذلك بما قدمت أيديكما، وما أنا بظلام للعبيد، ثم يؤمر بصرفهما إلى النار، فيعدو أحدهما في سلاسله حتى يقتحمها. ويتلكأ الآخر فيؤمر بردهما ويسألهما عن حالهما، فيقول الذي عدا: قد خبرت من وبال المعصية ما لم أكن لأتعرض لمخالفتك ثانية، ويقول الذي تلكأ: حسن ظني بك أن لا تردني إليها بعد ما أخرجتني منها، فيؤمر بهما إلى الجنة. قال المؤلف ﵀: وهذا الخبر رفعه الترمذي أبو عيسى بمعناه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما فقال الرب ﵎: أخرجوهما، فلما أخرجا قال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: إن رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها له بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه فيقول الله ﵎ ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني لأرجو ألا تعيدني بعد ما أخرجتني، فيقول الله تعالى: لك رجاؤك فيدخلان الجنة برحمته» (١). قال أبو عيسى: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد، ورشدين ضعيف عن ابن نعم الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام» (٢) قال: حديث غريب. وذكر أبو نعيم الحافظ عن إسحاق بن سويد قال: صحبت مسلم بن يسار عاما إلى مكة فلم أسمعه يتكلم بكلمة حتى بلغنا ذات عرق قال: ثم حدّثنا قال: بلغني أنه يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول: انظروا في حسناته فينظر في حسناته فلا يوجد له حسنة فيقول: انظروا في سيئاته فتوجد له سيئات كثيرة، فيؤمر به إلى النار فيذهب إلى النار وهو يلتفت، فيقول: ردوه إليّ، لم تلتفت؟ فيقول: أي رب لم يكن هذا ظني، أو رجائي فيك - شك إبراهيم - فيقول: صدقت، فيؤمر به إلى الجنة (٣). قلت وهذا الحديث رفعه ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد قال: حدّثني أبو هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك أن فضالة بن عبيد، وعبادة بن

стр. 401

الصامت ﵄ حدثاه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة وفرغ الله من قضاء الخلق، فيبقى رجلان فيؤمر بهما إلى النار فيلتفت أحدهما فيقول الجبار ﵎ ردوه فيردّونه فقال له: لم التفت؟ فيقول: كنت أرجو أن تدخلني الجنة فيؤمر به إلى الجنة، قال: فيقول: لقد أعطاني ربي حتى إني لو أطعمت أهل الجنة ما نقص ذلك مما عندي شيئا، قالا: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكره يرى السرور في وجهه» (١). قال المؤلف: وفي هذا المعنى خبر الرجل الذي ترفع له شجرة بعد أخرى حتى يخرج من النار إلى أن يدخل الجنة. خرّجه مسلم في الصحيح (٢) وسيأتي. *** ١٢٨ - باب منه، وفي أول ما يقول الله تعالى للمؤمنين وفي أول ما يقولون له (أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا عبد الله المبارك قال: حدّثني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون له؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإن الله تعالى يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا قال: وما حملكم على ذلك؟ قال: فيقولون: عفوك ورحمتك ورضوانك، فيقول: فإني قد أوجبت لكم رحمتي» (٣). باب منه ذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان بن أحمد قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن رجلا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة ويشدد على نفسه ويقنط الناس من رحمة الله ثم مات قال: إي ربّ ما لي عندك؟ قال: النار. قال: فأين عبادتي واجتهادي؟ قيل له: إنك

стр. 402

كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا وأنا أقنطك من رحمتي (١). وقال مقاتل: قال علي بن أبي طالب ﵁: الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخص لهم في معاصي الله . *** ١٢٩ - باب حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات (مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «حفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (٢). خرّجه البخاري أيضا، والترمذي وقال فيه: حديث صحيح غريب. وخرّج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها قال: فرجع إليه وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها. قال: فأمر بها فحفت بالمكاره فقال: فارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت ألا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها» (٣) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فصل المكاره: كلّ ما يشق على النفس ويصعب عليها عمله كالطهارة في السّبرات (٤)، وغيرها من أعمال الطاعات، والصبر على المصائب، وجميع

стр. 403

المكروهات. والشهوات: كل ما يوافق النفس ويلائمهما وتدعو إليه ويوافقها. وأصل الحفاف: الدائر بالشيء المحيط به، الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى، فمثّل ﷺ المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روي عن النبي ﷺ أنه مثّل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر؛ فقال: «طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة» ذكره صاحب الشهاب (١). والحزن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: هو المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي، والسهوة: بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين» له: ومعنى قوله ﵇: «حفت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» أي جعلت على حافاتها وهو جوانبها، ويتوهم الناس أنه ضرب فيها المثل، فجعله في جوانبها من الخارج، ولو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا وإنما هي من داخل، وهذه صورته: وعن هذا عبّر ابن مسعود: حفت الجنة بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه، وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث وعن حقيقة الحال (٢). فإن قيل: فقد حجبت النار بالشهوات. قلنا: المعنى واحد، لأن الأعمى عن التقوى، الذي أخذت سمعه وبصره الشهوات يراها ولا يرى النار التي هي فيها، وإن كانت باستيلاء الجهالة ورين الغفلة على قلبه، كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة عنه، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلّق باله بها، وجهله بما جعلت فيها وحجبت.

стр. 404

١٣٠ - باب احتجاج الجنة والنار، وصفة أهلهما (البخاري) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «احتجت الجنة والنار فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون. وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء. وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكلّ واحد منكما ملؤها» (١). خرّجه مسلم والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. فصل قال الحاكم أبو عبد الله في «علوم الحديث» (٢): سئل محمد بن خزيمة عن قول النبي ﷺ : «تحاجت النار والجنة فقالت هذه: يدخلني الضعفاء» قال: من الضعيف؟ قال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة، يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. قال المؤلف: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، والله أعلم. وأما المساكين: فالمراد بهم المتواضعون، وهم المشار إليهم في قوله ﵇: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» (٣). ولقد أحسن من قال: إذا أردت شريف الناس كلهم … فانظر إلى ملك في زيّ مسكين ذاك الذي عظمت في الله رغبته … وذاك يصلح للدنيا وللدين ومعنى تحاجّت الجنة والنار؛ أي: حاجّت كل واحدة صاحبتها وخاصمتها، وسيأتي بيانه عند قوله ﵇: «اشتكت النار إلى ربّها» إن شاء الله، وهو حسبنا وكفى. ***

стр. 405

١٣١ - باب منه في صفة أهل الجنة وأهل النار، وفي شرار الناس من هم؟ (مسلم) عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال يوما في خطبته: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم وعفيف ضعيف متضعّف ذو عيال، قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب والشنظير الفحاش» (١). وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأهل الجنة كلّ ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا أخبركم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ مستكبر» (٢). وفي رواية: زنيم متكبر. خرّجه ابن ماجه أيضا. (أبو داود) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة الجوّاظ ولا الجعظري» (٣) قال: الجواظ الغليظ الفظّ. (ابن ماجه) عن عمران قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي تمرد على الله وأبى أن يقول لا إله إلا الله» (٤). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا شقي. قيل: يا رسول الله ومن الشقي؟ قال: من لم يعمل لله بطاعة ولم يترك له معصية» (٥). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرا وهو يسمع، وأهل النار من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس شرّا وهو يسمع» (٦). (مسلم) عن أنس قال: «مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقال رسول الله ﷺ : وجبت

стр. 406

وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقال رسول الله ﷺ : وجبت وجبت وجبت. فقال عمر: فداك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت: وجبت وجبت وجبت فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض» قالها ثلاثا (١). وقالت عائشة ﵂: الجنة دار الأسخياء، والنار دار البخلاء. وقال زيد بن أسلم: أمرك الله تعالى أن تكون كريما فيدخلك الجنة، ونهاك أن تكون بخيلا فيدخلك النار. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده، أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه. قال: أفأنبئكم بشرّ من هذا؟، قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من لا يقبل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبا. قال: أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إن عيسى ابن مريم قائم في بني إسرائيل خطيبا فقال: يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموها وقال مرة: فتظلموهم، ولا تظلموا طالبا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم عن ربكم، يا بني إسرائيل الأمر ثلاث: أمر بيّن رشده فاتبعوه وأمر بين غيه فاجتنبوه وأمر اختلف فيه فردوه إلى الله » (٢). قال أبو نعيم: وهذا الحديث لا يحفظ بهذا السياق عن النبي ﷺ إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس. فصل قوله: «ذو سلطان مقسط» وما بعده؛ مرفوع على أنها صفات «لذو» وهي بمعنى صاحب، والمقسط: العادل، والمتصدق: المعطي الصدقات، والموفق:

стр. 407

المسدد لفعل الخيرات، ورقيق القلب: لينه عند التذكر والموعظة، ويصلح أن يكون بمعنى الشقيق. وقوله: «ضعيف متضعف» يعني: ضعيف في أمور الدنيا، قوي في أمر دينه، كما قال ﵇: «المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير» الحديث خرّجه مسلم (١). أمّا من كان ضعيفا في أمور دينه لا يعنى بها فمذموم، وذلك من صفات أهل النار. كما قال: «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له» أي: لا عقل له، ومن لا عقل له ينفك به عن المفاسد ولا ينزجر به عنها، فحسبك به ضعفا وخسارة في الدين، وقد قيل في الزبر: إنه المال وليس بشيء لأن النبي ﷺ فسّر ذلك بقوله: «الذين هم فيكم تبع لا يتبعون أهلا ولا مالا». قال شيخنا أبو العباس ﵁: «فيعني أن هؤلاء [القوم] (٢) ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية ولا دينية، بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة (٣) هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية» (٤). وقد قال: مطرف بن عبد الله بن الشّخّير راوي الحديث: «والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطاولها». و «يخفى» بمعنى: يظهر وهو من الأضداد. وقوله: «وذكر البخل والكذب» هكذا الراوية المشهورة بالواو الجامعة، والكذب. وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبراني «بأو» التي للشك، قاله القاضي عياض، ولعله الصواب، وبه تصحّ القسمة، لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذي وصفه، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف. قال: وذكر البخل والكذب ثم ذكر الشنظير والفحاش فرأى هذا القائل أن الرابع هو أحد الصنفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع قد جمعهما على رواية واو العطف كما جمعهما في الشنظير الفحاش. وقوله: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال».

стр. 408

قال القاضي عياض: كذا قيدناه بخفض مسلم عطفا على ما قبله. وفي رواية أخرى «ومسلم عفيف» بالرفع، وحذف الواو شيخنا. انتهى كلام القاضي عياض ﵀. والعفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش وعن ما لا يليق، والمتعفف: المتكلف العفة، والشنظير السيئ الخلق، ويقال: شنظيرة أيضا، قاله الجوهري. وأنشد قول أعرابية: شنظيرة زوجنيه أهلي … من حمقه يحسب رأسي رجلي كأنه لم ير أنثى قبلي وربما قالوا: شنذيرة بالذال المعجمة، لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفحّاش: الكثير الفحش، وقيل الشنظير: هو الفحاش. قال صاحب «العين»: يقال: شنظر بالقوم إذا شتم أعراضهم، والشنظير: الفحاش من الرجال القلق، وكذلك من الإبل والجواظ: الجموع المنوع ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج: ١٨]. وقيل: الجواظ الكثير اللحم المختال. وقيل: هو الجافي القلب. والعتلّ، قيل: الجافي الشديد الخصومة. وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم. قال المؤلف: ويقال: إنه الفظّ الغليظ الذي لا ينقاد لخير، والجعظري: الفظّ الغليظ القصير، وجاء في تفسيره في بعض الأحاديث: هم الذين لا تصدع رؤوسهم. قال شيخنا: والزنيم المعروف بالشر، وقيل: اللئيم، وأما الزنيم المذكور في القرآن فرجل معين له زنمة كزنمة التيس. وقيل: هو الوليد وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم، وقيل: هو الأخنس بن شريق (١). فصل وقوله ﵇: «من أثنيتم عليه شرا وجبت له النار» (٢) يعارضه قوله ﵇: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (٣). أخرجه البخاري والثناء بالشر سبّ. فقيل: ذلك خاص بالمنافقين الذين شهدت الصحابة فيهم بما ظهر لهم، ولذلك قال ﵇: «وجبت له النار»، والمسلم لا تجب له النار، واختار هذا القول القاضي عياض.

стр. 409

وقيل: ذلك جائز فيمن كان يظهر الشر ويعلن به، فيكون ذلك من باب لا غيبة لفاسق. وقيل: إن النهي إنما هو بعد الدفن، وأما قبله فممنوع، لقوله ﵇: «لا تسبوا الأموات»، فالنهي عن سبّ الأموات متأخر، فيكون ناسخا، والله أعلم. وقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» معناه عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق والعدالة، لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث، وكذلك لو كان القائل فيه عدوا له وإن كان فاضلا، لأن شهادته في حياته لو كانت عليه كانت غير مقبولة، وكذلك الحكم في الآخرة، والله أعلم. وقيل: إن تكرار «أنتم شهداء الله في الأرض» ثلاثا إشارة إلى القرون الثلاثة؛ الذين قال فيهم النبي ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). قلت: الأول أصح؛ لأن الله تعالى مدح هذه الأمة بالفضل والعدالة إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني في الآخرة كما تقدم، فلا يشهد إلا العدول. وقد خرج البخاري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: «مرّ على النبيّ ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت، ثم مرّ عليه بأخرى، فأثنوا عليها شرا، أو قال غير ذلك، فقال: وجبت. فقيل: يا رسول الله؛ قلت لهذا وجبت، ولهذا وجبت، قال: المؤمنون شهداء الله في الأرض». وخرجه ابن ماجه (٢) بهذا الإسناد وقال: «شهادة القوم والمؤمنون شهود الله في الأرض». وفي البخاري أيضا عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد (٣). قال أبو محمد عبد الحق: وهذا الحديث مخصوص - والله أعلم - والذي قبله يعطي العموم، وإن كثرت شهوده وانطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة، والله أعلم. قال المؤلف ﵀: ومن هذا المعنى ما ذكره هنّاد بن السّرى: أخبرنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عبد الله بن السائب قال: مرّت جنازة

стр. 410

بعبد الله بن مسعود فقال لرجل: ««قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار. قال الرجل: ما يدريني أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار؟! وكيف أنظر؟ قال: ثناء الناس عليه، فإنهم شهداء الله في الأرض» (١). قال أبو محمد وغير مستنكر إذا أحب الله عبدا أمر أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وقال ﵇: «إذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل؛ إني أحبّ فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحبّ فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وذكر في البغضاء مثل ذلك، وهذا حديث صحيح خرّجه البخاري ومسلم (٢). قال أبو محمد عبد الحق: وقد شوهد رجال من المسلمين علماء صالحون كثر الثناء عليهم وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم، ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها، والمشتغلون بها، وربما كثّر الله الخلق بما شاء من الجن المؤمنين أو غيرهم، مما يكون في صور الناس. ذكر قاسم بن أصبغ قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي قال: مات عمرو بن قيس الملائي بناحية فارس؛ فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدا، قال الرفاعي: سمعت هذا ممن لا أحصي كثرة، وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا! ولما مات أحمد بن حنبل ﵁ صلّى عليه من المسلمين ما لا يحصى، فأمر المتوكّل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض، فوجد موقف ألفي ألف وثلاث مائة ألف أو نحوها. ولما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلّون على قبره، فصلّى عليه ما لا يحصى. ولما مات الأوزاعي ﵁ اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة اليهود والنصارى نحو من ثلاثين ألفا، لما رأوا من كثرة الخلق على جنازته، ولما رأوا من العجب في ذلك اليوم. ولما مات سهل بن عبد الله التّستري ﵀ انكبّ الناس على جنازته، وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكانت في البلد ضجة فسمع بها

стр. 411

يهودي شيخ كبير، فخرج، فلما رأى الجنازة صاح وقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: وما ترى؟ قال: أرى قوما ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة، ثم أسلم وحسن إسلامه. ويقال: إن الكعبة لم تخل من طواف طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم، فإنها خلت لانحشار الناس لجنازته، تبركا بها ورغبة في الصلاة عليه. وقد شوهد من جنائز الصالحين من يشيّعها الطير ويسير معها حيث سارت، منهم: أبو الفيض ذو النون المصري، وأبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي، حدّث بذلك الثقات. قاله أبو محمد عبد الحق في كتاب (العاقبة) له. *** ١٣٢ - باب منه؛ في صفة أهل الجنة وأهل النار (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (١). وقال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب: الراوية بالياء بلا خلاف، وتحكّم أبو الوليد الكتاني فرواه بالثاء المثلثة وهي المنتصبة، وهذا خطأ منه وتصحيف. وخرّجه مسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» (٢). فصل للعلماء في تأويل هذا الحديث وجهان، أحدهما: أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير أكثر الحيوانات خوفا حتى قالوا: «أحذر من غراب» وقد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا. الثاني: أنه مثلها في الضعف والرقة، كما جاء في الحديث الآخر في أهل اليمن: «هم أرق قلوبا وأضعف أفئدة» (٣).

стр. 412

قلت: ويحتمل وجها ثالثا؛ أنها مثلها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، كما يروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر أهل الجنة البله» (١) - وهو حديث صحيح - أي: البله عن معاصي الله، والله أعلم.

стр. 413

قال الأزهري: الأبله في كلامهم على وجوه: يقولون: عيش أبله؛ إذا كان ناعما، ومنه أخذ بلهنيّة العيش. قال بعضهم: وطالما عشت في بلهنية. والأبله: الذي لا عقل له، والأبله: الذي طبع على الخير، وهو غافل عن الشر لا يعرفه، وقال: هذا هو المراد بالحديث. وقال العتبي: البله: هم الذين غلب عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس. وأنشد: ولقد لهوت بطفلة ميالة … بلهاء تطلعني على أسرارها يعني: أنه أغرّ لا دهاء فيها. قلت: ونظير ما ذكرناه وما قاله هؤلاء الأئمة من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] وقوله ﵇ وقد سئل أي الناس أفضل؟ قال: «الصادق اللسان المخموم القلب» قالوا: أما الصادق اللسان فقد عرفناه. أنه ذلك، فما المخموم القلب؟ قال: «النقي الذي لا غلّ فيه ولا حسد» ذكره أبو عبيدة (١). والعرب تقول: خممت البيت أي كنسته، ومنه سميت الخمامة وهي مثل القمامة والكناسة. وقال بعض العلماء في البله وجها آخر لطيفا؛ وهو أنهم سمّوا بذلك لقصورهم عن كمال المعرفة بحق الله تعالى، ورؤية استحقاقه العبادة، وإيثار طلبه والشغف بحبه وخدمته، وطلب رضاه الذي هو جنة الخلد، إذا وقفوا بخواطرهم على الجنة نعيمها، وعبدوه وأطاعوه في نيل درجاتها ولذاتها، غافلين عن مراقبة جلاله وملاحظة كماله، بعكوف هممهم على نيل نعمه وأفضاله، فهم بله أيضا بالإضافة إلى العقلاء عن الله ، ذوي الألباب المقبلة على مشاهدة عظمة الله تعالى، المتوجهين بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه، ولهذا قال النبي ﷺ في سياق قوله: «أكثر أهل الجنة البله وعليّون لأولي الألباب». وفي الخبر: أن طائفة من العقلاء بالله تزفّهم الملائكة إلى الجنة، والناس في الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: إنكم لتحملونا إلى غير بغيتنا. فتقول لهم الملائكة: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب، كما أخبر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ولعل من هذا القبيل من يسأل الله الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها، بل موافقة لمولاه، لما علم أنه

стр. 414

يحب أن يسأل من ثوابه ويستعاذ من عذابه، فوافق مولاه في إيثاره، لا لحظّ نفسه كما قال ﵇ لأحد أصحابه الذي قال: أما أنا فأقول في دعائي: اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال له النبي ﷺ : «حولها ندندن» (١). قلت: خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه أيضا. فصل قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب: قوله: «صنفان من أهل النار لم أرهما» الصنف فيما ذكر عن الخليل: الطائفة من كل شيء، والسوط في اللغة: اسم للعذاب، وإن لم يكن له ثمّ ضرب، قاله الفراء. وقال ابن فارس في «المجمل» (٢): السّوط من العذاب: النصيب، والسّوط: خلط الشيء بعضه ببعض. وإنما سمّي سوطا لمخالطته. وإنما أراد النبي ﷺ عظم السياط وخروجها عن حد ما يجوز به الضرب في التأديب، وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن وغيره. وقوله: «نساء كاسيات عاريات»؛ يعني: أنهن كاسيات من الثياب، عاريات من الدين لانكشافهن وإبدائهن بعض محاسنهن. وقيل: كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما خلفها وما تحتها، فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة. وقيل: كاسيات في الدنيا بأنواع الزينة من الحرام وما لا يجوز لبسه، عاريات يوم القيامة. ثم قال ﵇: «مائلات مميلات» قيل: معناه زائغات عن طاعة الله تعالى وطاعة الأزواج، وما يلزمهن من صيانة الفروج والتستر على الأجانب، ومميلات يعلّمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن. وقيل: «مائلات» متبخترات في مشيهن، مميلات: يملن رؤوسهن وأعطافهن من الخيلاء والتبختر، ومميلات لقلوب الرجال إليهن لما يبدين من زينتهن وطيب رائحتهن. وقيل: يتمشطن الميلاء، وهي مشطة البغايا، «والمميلات»: اللواتي يمشطن غيرهن المشطة الميلاء، قال ﷺ : «رؤوسهن كأسنمة البخت» معناه: يعظمن رؤوسهن بالخمر والمقانع ويجعلن على رؤوسهن شيئا يسمى عندهن التازة، لا

стр. 415

عقص الشعر. والذوائب المباح للنساء حسب ما ثبت في الصحيح عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله: «إني امرأة أشد ضفر رأسي» الحديث (١). *** ١٣٣ - باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار (مسلم) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء» (٢). ومن حديث ابن عباس في حديث كسوف الشمس: «ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال بكفرهن، قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كلّه ثم رأت منك ما تكره قالت ما رأيت منك خيرا قطّ» (٣). وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء» (٤). فصل قال علماؤنا: إنما كان النساء أقلّ ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذن بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين بها ولها، ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما لهم فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن، صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين. وعن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «أيها الناس لا تطيعوا للنساء أمرا، ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تدعوهن يدبرن أمر عشير، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك وعصين المالك، وجدناهنّ لا دين لهن في خلواتهن، ولا

стр. 416

ورع لهن عند شهواتهن، اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن فعاهرات، وأما المعصومات فهن المعدومات، فيهن ثلاث خصال من اليهود: يتظلمن وهنّ ظالمات، ويحلفن وهنّ كاذبات، ويتمنّعن وهنّ راغبات، فاستعيذوا بالله من شرارهنّ، وكونوا على حذر من خيارهن، والسلام». وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (١) وسيأتي. وقال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للبّ للرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء» (٢). وهو معنى قوله ﵇ في الحديث المتقدم: «مائلات مميلات». قال الحافظ ابن دحية: «تحفّظوا عباد الله منهنّ، وتجنّبوا غيهن، ولا تثقوا بودّهن ولا عهدهن، ففي نقصان عقولهن ودينهن ما يغني عن الإطناب فيهن» (٣). باب منه (البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمتي يدخلون الجنة إلا من يأبى قيل: ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (٤). وذكر ابن أبي الدنيا قال: حدّثنا محمد بن علي، حدّثنا أبو إسحاق بن الأشعث قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: سمعت ابن عباس يقول: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية، مشوهة خلقتها فتشرف على الخلائق فيقال: هل تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ الله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها قطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم فتنادي: أي رب أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله تعالى: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها (٥).

стр. 417

١٣٤ - باب ما جاء أن العرفاء في النار (أبو داود) عن غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده الحديث، وفيه: أن أباه أرسله إلى النبي ﷺ وأنه قال: إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وأنه يسألك أن تجعل إليّ العرافة بعده. فقال: «إن العرافة حق، ولا بد للناس من عرفاء، ولكن العرفاء في النار» (١). وفي الصحيح في قصة هوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» (٢). فصل قال علماؤنا: العريف هنا: القيّم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمورهم، ويتعرف أخبارهم، ويعرّف الأمير منه أحوالهم. وقوله: «العرافة حق»، يريد أن فيها مصلحة للناس ورفقا بهم ألا تراه يقول: «ولا بد للناس من عرفاء»، وقوله: «في النار»: معناه التحذير من الرئاسة والتأمر على الناس لما فيه من الفتنة، والله أعلم. باب منه (أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا هشام، عن عباد بن أبي علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للأمناء وويل للعرفاء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريّا يتذبذبون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا» (٣). *** ١٣٥ - باب لا يدخل الجنة صاحب مكس ولا قاطع رحم قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ﴾

стр. 418

﴿آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ [الأعراف: ٨٦] نزلت في المكاسين والعشارين في قول بعض العلماء، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣] الآية. (مسلم) عن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم. ورواه البخاري (١). (أبو داود) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» (٢). فصل قال علماؤنا صاحب المكس هو الذي يعشر أموال الناس ويأخذ من التجار والمختلفين ما لا يجب عليهم إذا مروا به مكسا باسم العشر أو الزكاة، وليس هو الساعي الذي يأخذ الصدقات والحقّ الواجب للفقراء، وقد قدّمنا أن التبديل إذا كان في الأعمال وليس في العقائد؛ صاحبه في المشيئة، وإن عذّب فإنه يخرج بالشفاعة، على ما تقدم. وهكذا القول في أهل الكبائر والمتوعّد عليها بالنار واللعنة، يخرجون بالشفاعة إذا ارتكبوها على غير وجه الاستحلال. *** ١٣٦ - باب ما جاء في أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار (أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، ورجل عفيف متعفف، ذو عيال، وعبد أحسن عبادة ربّه وأدى حقّ مواليه. وأول ثلاثة يدخلون النار: أمير متسلّط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حقه، وفقير فخور» (٣). ***

стр. 419

١٣٧ - باب ما جاء في أول من تسعّر بهم جهنم (مسلم) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنّك قاتلت ليقال فلان جريء، فقال قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: ما تركت سبيلا تحبّ أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». خرجه أبو عيسى الترمذي بمعناه وقال في آخره: «ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعّر بهم النار يوم القيامة» (١). *** ١٣٨ - باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب (مسلم) عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون ولا يكتوون وعلى ربّهم يتوكلون» (٢). (الترمذي) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي» (٣). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد أخرجه ابن ماجه أيضا.

стр. 420

وخرّج أبو بكر البزار من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا» (١). وخرّج أيضا هو وأبو عبد الله الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. فقال عمر: يا رسول الله، فهلاّ استزدته؟ قال: لقد استزدته فأعطاني هكذا» (٢) وفتح أبو وهب يديه قال: أبو وهب: قال هشام: هذا من الله لا يدرى ما عدده. وخرّج الترمذي الحكيم أيضا عن نافع أن أم قيس حدثته «أن رسول الله ﷺ خرج آخذا بيدها في سكة من سكك المدينة حتى انتهى إلى بقيع الغرقد فقال: يبعث من هاهنا سبعون ألفا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب. فقام رجل فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم فقام آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكّاشة» (٣). قال أبو عبد الله: فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف بسائر مقابر أمته، وإنما قال رسول الله ﷺ : «أنت منهم» كأنه رأى فيه أنه منهم، والآخر لم يره بموضع ذلك، فقال: سبقك بها عكّاشة. وأم قيس هي بنت محصن أخت عكاشة بن محصن الأسدي. قلت: خرّجه مسلم في صحيحه بمعناه. فصل لا تظن أن من استرقى واكتوى لا يدخل الجنة بغير حساب فإن النبي ﷺ رقى نفسه وأمر بالرقى، وكذلك كوى أصحابه ونفسه، فيما ذكر الطبري وغيره. فمحمل النهي عن رقى مخصوصة بدليل قول رسول الله ﷺ لآل عمرو بن حزم: «أعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (٤). وكذلك الكي الذي لا يوجد عنه غنى؛ فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروها في حقه، ولا منقصا له من فضله، ويجوز أن يكون من السبعين ألفا، وقد كوى النبي ﷺ نفسه فيما ذكر الطبري في كتاب «آداب النفوس» له ذكره الحليمي في كتاب «المنهاج في الدين» له.

стр. 421

واختلفت الرواية في الكي (١) فروي أن النبي ﷺ اكتوى من الكلم الذي أصابه في وجهه يوم أحد وكوى سعد بن زرارة من الشوكة وكوى سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن وأبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين وقطع رجله عروة بن الزبير. فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفا ففساد كلامه لا يخفى. باب منه أخبرنا ابن رواح إجازة قال: حدّثنا السّلفي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن جعفر، قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم الأسدآبادي الهمداني، قراءة عليه في شعبان سنة تسع وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق بن السني الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد المطبقي، قال: حدّثنا أبو بكر بن زنجويه، قال: حدّثنا عثمان بن صالح، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب، رجل غسّل ثوبه فلم يجد له خلفا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعي بشراب فلم يقل له أيهما تريد» (٢). وقال ابن مسعود: من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا واحتسابا دخل الجنة بلا حساب. باب منه ذكر أبو نعيم، عن علي بن الحسين ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيكم أهل الفضل؟ فيقول ناس من الناس. فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: لنا، إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء علينا غفرنا، قالوا: ادخلوا

стр. 422

الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. قال: ثم ينادي مناد: ليقم جيران الله، فيقوم ناس من ناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك. قالوا: وبم جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله ، قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (١). وذكر من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينادي مناد من تحت بطنان العرش: أين أهل المعرفة بالله، أين المحسنون؟ قال: فيقوم عنق من الناس حتى يقفوا بين يدي الله تعالى، فيقول - وهو أعلم بذلك -: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل المعرفة بك، الذي عرفتنا إياك وجعلتنا أهلا لذلك. فيقول: صدقتم، ثم يقول: ما عليكم من سبيل ادخلوا الجنة برحمتي. ثم تبسّم رسول الله ﷺ فقال: لقد نجاهم الله من أهوال يوم القيامة» (٢). قال أبو نعيم: هذا طريق مرضي، لولا الحارث بن منصور الوراق وكثرة وهمه. (ابن المبارك) عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؛ ليقم الحامدون لله تعالى على كل حال، فيقومون: فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين كانوا: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]- الآية - فيسرحون إلى الجنة (٣). وروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأن وجوههم البدر أو الكوكب الدري ركبانا على نجائب من نور أزمتها من الياقوت الأحمر تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا أحببتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب

стр. 423

فلا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فيفتح لهم أبوابها ثم إن الخلائق في المحشر موقوفن فيقول بعضهم لبعض يا قوم أين فلان بن فلان وذلك حين سأل بعضهم بعضا فينادي مناد ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥]. باب منه خرّج الميانشي القرشي أبو جعفر عمر بن حفص، من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم فيسألهم من هم. فيأتيهم فيسألهم؛ فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلّون على نبيي ﷺ » (١). وخرّج عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من درّ، ثم ينادي مناد: أين الفقهاء، وأين الأئمة، وأين المؤذّنون؟ اجلسوا على هذه، فلا روع عليكم اليوم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب» (٢). وروى يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند عن الشّعبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مسألة واحدة يتعلّمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البارّ بوالديه يدخلون الجنة بغير حساب» (٣). نقلته من الزيادات بعد الأربعين لإسماعيل بن عبد الغفار ﵀، قال: حدّثنا يحيى، عن الحسين بن علي، حدّثنا يزيد بن هارون، فذكره. باب منه (أبو نعيم) عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف، فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ زدنا. قال: وهكذا - وأشار سليمان بن حرب بيده، كذلك -. قال: يا رسول الله؛ زدنا. فقال عمر ﵁: إن

стр. 424

الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة. فقال رسول الله ﷺ : صدق عمر» (١). هذا حديث غريب من حديث قتادة، عن أنس، تفرّد به عن قتادة أبو هلال، واسمه محمد بن سليم الراسبي ثقة بصري (٢). فصل لا يحملنك يا أخي شيء من هذا الحديث ولا الذي قبله، ولا ما وقع في «صحيح مسلم» من قوله ﵇، مخبرا عن الله تعالى، كما تقدم: «فيقبض قبضة من النار» على التجسيم، وقد تقدّم القول في هذا المعنى عند قوله: «ويطوي السموات بيمينه» وإنما المعنى: أن الله تعالى يخرج من النار خلقا كثيرا، لا يأخذهم عدّ، ولا يدخلون تحت حصر، فيخرجون دفعة واحدة بغير شفاعة أحد، ولا ترتيب خروج، بل كما يلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة، فعبّر عنه ذلك بالحفنة والحثوة والقبضة فاعلم ذلك (٣). *** ١٣٩ - باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة وأكثر (مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله ﵎: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. قال: فيقول: أخرج بعث النار من ولدك. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله؛ أينا ذلك الرجل؟ قالوا: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحد، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الدابة» (٤) خرّجه البخاري.

стр. 425

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا، طول كل صفّ مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرون ألف سنة. قيل له: يا رسول الله؛ كم المؤمنون؟ قال: ثلاثة صفوف. قيل له: والمشركون؟ قال: مائة وسبعة عشر صفا. قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود». ذكر هذا الخبر القتبي في «عيون الأخبار» له، وهو غريب جدا، مخالف لصفوف المؤمنين الوارد في الأحاديث. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثني موسى الجهني، عن الشعبي، قال: سمعته يقول: قال نبي الله ﷺ : «أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف، وإن أمتي من ذلك ثمانون صفا». ورواه مرفوعا عن عبد الله بن مسعود، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون صفا». في إسناده الحارث بن حضيرة ضعيف، ضعّفه مسلم في صدر كتابه. وخرّج ابن ماجه والترمذي، عن بريدة بن حصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» (١) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. فصل تقدم من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: ثم يقول: «أخرجوا بعث النار». وفي هذا يقال لآدم: «أخرج بعث النار». فقيل: إن آدم لما أمر أولا بالإخراج، أمر هو والملائكة أن يخرجوا ويميّزوا أهل الجنة وأهل النار، والله أعلم. وقول الصحابة رضوان الله عليهم: «أينا ذلك الرجل؟» يريدون: من الواحد الذي لا يدخل النار، توهّما منهم أن القضية واردة فيهم. فقال ﷺ : «إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم رجلا». وأطلق لفظ البشارة وبيّن أن الألف كلها في النار، لكن من غير هذه الأمة المحمدية، ومن هذه الأمة واحد في الجنة على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ، وإذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد ﷺ ، فكانوا في الجنة أو أكثرهم، لأن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، على ما يأتي بيانه من ذكرهم في آخر الكتاب - إن شاء الله تعالى - والله أعلم.
следующие страницы →