واختلفت الرواية في الكي (١) فروي أن النبي ﷺ اكتوى من الكلم الذي أصابه في وجهه يوم أحد وكوى سعد بن زرارة من الشوكة وكوى سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن وأبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين وقطع رجله عروة بن الزبير. فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفا ففساد كلامه لا يخفى.
باب منه
أخبرنا ابن رواح إجازة قال: حدّثنا السّلفي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن جعفر، قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم الأسدآبادي الهمداني، قراءة عليه في شعبان سنة تسع وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق بن السني الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد المطبقي، قال: حدّثنا أبو بكر بن زنجويه، قال: حدّثنا عثمان بن صالح، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب، رجل غسّل ثوبه فلم يجد له خلفا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعي بشراب فلم يقل له أيهما تريد» (٢).
وقال ابن مسعود: من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا واحتسابا دخل الجنة بلا حساب.
باب منه
ذكر أبو نعيم، عن علي بن الحسين ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيكم أهل الفضل؟ فيقول ناس من الناس. فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا:
لنا، إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء علينا غفرنا، قالوا: ادخلوا
стр. 422
الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. قال: ثم ينادي مناد: ليقم جيران الله، فيقوم ناس من ناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك. قالوا: وبم جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله ، قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (١).
وذكر من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينادي مناد من تحت بطنان العرش: أين أهل المعرفة بالله، أين المحسنون؟ قال: فيقوم عنق من الناس حتى يقفوا بين يدي الله تعالى، فيقول - وهو أعلم بذلك -: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل المعرفة بك، الذي عرفتنا إياك وجعلتنا أهلا لذلك. فيقول: صدقتم، ثم يقول: ما عليكم من سبيل ادخلوا الجنة برحمتي. ثم تبسّم رسول الله ﷺ فقال: لقد نجاهم الله من أهوال يوم القيامة» (٢). قال أبو نعيم: هذا طريق مرضي، لولا الحارث بن منصور الوراق وكثرة وهمه.
(ابن المبارك) عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؛ ليقم الحامدون لله تعالى على كل حال، فيقومون: فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال:
فيقومون فيسرحون إلى الجنة، قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين كانوا: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]- الآية - فيسرحون إلى الجنة (٣).
وروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأن وجوههم البدر أو الكوكب الدري ركبانا على نجائب من نور أزمتها من الياقوت الأحمر تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا أحببتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب
стр. 423
فلا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فيفتح لهم أبوابها ثم إن الخلائق في المحشر موقوفن فيقول بعضهم لبعض يا قوم أين فلان بن فلان وذلك حين سأل بعضهم بعضا فينادي مناد ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥].
باب منه
خرّج الميانشي القرشي أبو جعفر عمر بن حفص، من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم فيسألهم من هم. فيأتيهم فيسألهم؛ فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلّون على نبيي ﷺ » (١).
وخرّج عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من درّ، ثم ينادي مناد: أين الفقهاء، وأين الأئمة، وأين المؤذّنون؟ اجلسوا على هذه، فلا روع عليكم اليوم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب» (٢).
وروى يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند عن الشّعبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مسألة واحدة يتعلّمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البارّ بوالديه يدخلون الجنة بغير حساب» (٣).
نقلته من الزيادات بعد الأربعين لإسماعيل بن عبد الغفار ﵀، قال: حدّثنا يحيى، عن الحسين بن علي، حدّثنا يزيد بن هارون، فذكره.
باب منه
(أبو نعيم) عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف، فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ زدنا. قال: وهكذا - وأشار سليمان بن حرب بيده، كذلك -. قال: يا رسول الله؛ زدنا. فقال عمر ﵁: إن
стр. 424
الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة. فقال رسول الله ﷺ : صدق عمر» (١). هذا حديث غريب من حديث قتادة، عن أنس، تفرّد به عن قتادة أبو هلال، واسمه محمد بن سليم الراسبي ثقة بصري (٢).
فصل
لا يحملنك يا أخي شيء من هذا الحديث ولا الذي قبله، ولا ما وقع في «صحيح مسلم» من قوله ﵇، مخبرا عن الله تعالى، كما تقدم: «فيقبض قبضة من النار» على التجسيم، وقد تقدّم القول في هذا المعنى عند قوله: «ويطوي السموات بيمينه» وإنما المعنى: أن الله تعالى يخرج من النار خلقا كثيرا، لا يأخذهم عدّ، ولا يدخلون تحت حصر، فيخرجون دفعة واحدة بغير شفاعة أحد، ولا ترتيب خروج، بل كما يلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة، فعبّر عنه ذلك بالحفنة والحثوة والقبضة فاعلم ذلك (٣).
***
١٣٩ - باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة وأكثر
(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله ﵎: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. قال: فيقول: أخرج بعث النار من ولدك. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. قال:
فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله؛ أينا ذلك الرجل؟ قالوا: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحد، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الدابة» (٤) خرّجه البخاري.
стр. 425
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا، طول كل صفّ مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرون ألف سنة. قيل له: يا رسول الله؛ كم المؤمنون؟ قال: ثلاثة صفوف. قيل له: والمشركون؟ قال: مائة وسبعة عشر صفا. قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود». ذكر هذا الخبر القتبي في «عيون الأخبار» له، وهو غريب جدا، مخالف لصفوف المؤمنين الوارد في الأحاديث.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثني موسى الجهني، عن الشعبي، قال: سمعته يقول: قال نبي الله ﷺ : «أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف، وإن أمتي من ذلك ثمانون صفا». ورواه مرفوعا عن عبد الله بن مسعود، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون صفا». في إسناده الحارث بن حضيرة ضعيف، ضعّفه مسلم في صدر كتابه.
وخرّج ابن ماجه والترمذي، عن بريدة بن حصيب قال: قال رسول الله ﷺ :
«أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» (١) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
فصل
تقدم من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: ثم يقول: «أخرجوا بعث النار».
وفي هذا يقال لآدم: «أخرج بعث النار». فقيل: إن آدم لما أمر أولا بالإخراج، أمر هو والملائكة أن يخرجوا ويميّزوا أهل الجنة وأهل النار، والله أعلم.
وقول الصحابة رضوان الله عليهم: «أينا ذلك الرجل؟» يريدون: من الواحد الذي لا يدخل النار، توهّما منهم أن القضية واردة فيهم. فقال ﷺ : «إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم رجلا». وأطلق لفظ البشارة وبيّن أن الألف كلها في النار، لكن من غير هذه الأمة المحمدية، ومن هذه الأمة واحد في الجنة على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ، وإذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد ﷺ ، فكانوا في الجنة أو أكثرهم، لأن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، على ما يأتي بيانه من ذكرهم في آخر الكتاب - إن شاء الله تعالى - والله أعلم.
стр. 426
١٤٠ - باب في ذكر أبواب جهنم وما جاء فيها وفي أهوالها وأسمائها أجارنا الله منها برحمته وفضله إنه ولي ذلك والقادر عليه
ذكر الله النار في كتابه، ووصفها على لسان نبيه ﷺ ، ونعتها فقال عز من قائل: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] الشوى: جمع شواة.
وهي جلدة الرأس.
وقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩]، أي:
مغيّرة، يقال: لاحته الشمس ولوّحته إذا غيرته. وقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ * نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠، ١١] وقال: ﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي: ليرمين فيها ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٤، ٥] الآية.
ذكر ابن المبارك، عن خالد بن أبي عمران، بسنده إلى النبي ﷺ قال: «إن النار لتأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم تعود كما كانت، ثم تستقبله أيضا فتطّلع على فؤاده، وهو كذلك أبدا فذلك قوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] الآية (١).
وقال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]، أي: أوقدت وأضرمت. وقال:
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠]، وقال: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] الآية، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وسيأتي بيان هذا. فأوعد بها الكافرين، وخوّف الطّغاة والمتمرّدين، والعصاة من الموحّدين، لينزجروا عمّا نهاهم عنه، فقال - وقوله الحق -: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] وقال: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]، والآي في هذا المعنى كثير، الله تعالى أعلم.
***
стр. 427
١٤١ - باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها
ذكر ابن المبارك: أخبرنا معمر، عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها، فلما خلق الله آدم سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يجدون (١).
وقال ميمون بن مهران: لما خلق الله جهنم؛ أمرها فزفرت زفرة فلم يبق في السموات السبع ملك إلا خرّ على وجهه، فقال لهم الجبار ﷻ : ارفعوا رؤوسكم أما علمتم أني خلقتكم لطاعتي وعبادتي، وخلقت جهنم لأهل معصيتي من خلقي. فقالوا: ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]. فالنار عذاب الله؛ فلا ينبغي لأحد أن يعذّب بها، وقد جاء النهي عن ذلك فقال: «لا تعذبوا بعذاب الله» (٢)، والله أعلم.
***
١٤٢ - باب ما جاء في البكاء عند ذكر النار والخوف منها
(ابن وهب) عن زيد بن أسلم، قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ومعه إسرافيل، فسلّما على النبي ﷺ ، وإذا إسرافيل منكسر الطّرف، متغيّر اللون، فقال النبي ﷺ : «يا جبريل ما لي أرى إسرافيل منكسر الطرف، متغير اللون»؟ قال: لاحت له آنفا حين هبط لمحة من جهنم، فذلك الذي ترى من كسر طرفه (٣).
(ابن المبارك) قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن الثقة؛ أن فتى من الأنصار دخلته خشية من ذكر النار، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت،
стр. 428
فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجاءه في البيت، فلما دخل النبي ﷺ اعتنقه الفتى، فخرّ ميتا، فقال النبي ﷺ : «جهّزوا صاحبكم فإن الفرق من النار قد فلذ كبده» (١).
وروي أن عيسى ﵇ مرّ بأربعة آلاف امرأة متغيرات الألوان، عليهن مدارع الشعر والصوف، فقال عيسى ﵇: ما الذي غير ألوانكن معاشر النسوة؟ قلن: ذكر النار غيّر ألواننا، يا ابن مريم إن من دخل النار لا يذوق فيها بردا ولا شرابا. ذكره الخرائطي في «كتاب القبور».
وروي أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] فرّ ثلاثة أيام هاربا من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى النبي ﷺ فسأله؛ فقال له: يا رسول الله؛ أنزلت هذه الآية، قوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فوالذي بعثك بالحق نبيا، لقد قطّعت قلبي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] الآية. ذكره الثعلبي وغيره.
***
١٤٣ - باب ما جاء فيمن سأل الله الجنة واستجار به من النار
(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل الله الجنة ثلاث مرات؛ قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار» (٢).
وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري - أو عن ابن حجيرة الأكبر - عن أبي هريرة أن أحدهما حدّثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم حارّ ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد حرّ هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ نار جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي منك، وإني أشهدك أني أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله؛ ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك ومن زمهريرك،
стр. 429
أشهدك أني قد أجرته، فقالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: جبّ يلقى فيه الكافر، فيتميز من شدة برده بعضه من بعض» (١).
قال الشيخ ﵀: تقرر من الكتاب والسنة؛ أن الأعمال الصالحة والإخلاص فيها مع الإيمان، موصلة إلى الجنان ومباعدة من النيران، وذلك يكثر إيراده والقطع به، مع الموافاة على ذلك يغني عن ذكر ذلك، ويكفيك الآن من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا» (٢).
خرجه النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا» (٣)، وخرّجه أبو عيسى الترمذي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين المشرق والمغرب» ويروى: «ما بين السماء والأرض» (٤). قال: هذا حديث غريب من حديث أبي أمامة.
وخرّج الطبراني سليمان بن أحمد، حدّثنا عمارة بن وثيمة المصري قال:
حدّثنا أبي وثيمة بن موسى بن الفرات قال: حدّثنا إدريس بن يحيى الخولاني، عن رجاء بن أبي عطاء، عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال:
قال رسول الله ﷺ : «من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه من ماء حتى يرويه، بعده الله من النار سبع خنادق. ما بين كل خندق مسيرة مائة عام» (٥).
стр. 430
وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم، بوعد من جهنم سبعين خريفا»، قلت: يا أبا حمزة: وما الخريف؟ قال: العام (١).
وفي «الصحيحين» عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشقّ تمرة فليفعل»، لفظ مسلم (٢).
١٤٤ - باب ما جاء في جهنم، وأنها أدراك، ولمن هي؟
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فالنار دركات سبعة، أي: طبقات ومنازل، وإنما قال: إدراك ولم يقل درجات، لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك ولما تعالى درج، فيقول للجنة درج، وللنار درك. فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهي الهاوية، لغلظ كفرهم وكثرة غوائلهم وتمكّنهم من أذى المؤمنين.
(ابن وهب) قال: حدّثني ابن يزيد قال: قال كعب الأحبار: إن في النار لبئرا ما فتحت أبوابها بعد، مغلّقة ما جاء على جهنم يوم منذ خلقها الله تعالى إلا تستعيذ بالله من شر ما في تلك البئر، مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها من عذاب الله ما لا طاقة لها به ولا صبر لها عليه، وهي الدرك الأسفل من النار.
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار (٣).
стр. 431
قال: وأخبرنا إبراهيم بن هارون الغنوي قال: سمعت حطّان بن عبد الله الرقاشي يقول: سمعت عليا يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قال: هي مثل أبوابنا هذه، قال: لا بل هي هكذا؛ بعضها فوق بعض (١).
وقال العلماء: أعلى الدركات؛ جهنم، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد ﷺ ، وهي التي تخلو من أهلها فتصفق الرياح أبوابها، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وقد يقال للدركات: درجات لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
ووقع في كتب «الزهد والرقائق» أسماء هذه الطبقات وأسماء أهلها من أهل الأديان، على ترتيب لم يرد في أثر صحيح.
قال الضحاك: في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني النصارى، وفي الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون.
وقال معاذ بن جبل - وذكر العلماء السوء من العلماء -: من إذا وعظ عنف، وإذا وعظ أنف، فذلك في الدرك الأول من النار، ومن العلماء من يأخذ علمه بأخذ السلطان، فذلك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يخزن علمه، فذلك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من يتخير العلم والكلام لوجوه الناس ولا يرى سفلة الناس له موضعا، فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتعلم كلام اليهود والنصارى وأحاديثهم ليكثر حديثهم، فذلك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا، يقول للناس سلوني، فذلك الذي يكتب عند الله متكلّف، والله لا يحبّ المتكلفين، فذلك في الدرك السادس من النار، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة وعقلا؛ فذلك في الدرك السابع من النار. ذكره غير واحد من العلماء.
قلت: ومثله لا يكون رأيا وإنما يدرك توقيفا، ثم من هذه الأسماء ما هو اسم علم للنار كلها بجملتها، نحو جهنم وسقر ولظى، وسموم، فهذه أعلام ليست لباب دون باب، فاعلم ذلك. وفي التنزيل: ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يريد النار بجملتها كما ذكرنا، أجارنا الله منها بمنّه وكرمه آمين.
***
стр. 432
١٤٥ - باب ما جاء أن جهنم تسعر كل يوم وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة
(أبو نعيم) قال: حدّثنا سليمان بن أحمد، قال: حدّثنا الحسين بن إسحاق التّستري، قال: حدّثنا علي بن بحر، قال: حدّثنا سويد بن عبد العزيز، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: «إن جهنم تسعّر في كلّ يوم، وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة، فإنها لا تسعّر يوم الجمعة ولا تفتح أبوابها» (١). غريب من حديث عبد الله ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث النعمان.
قال المؤلف ﵀: ولهذا المعنى كانت النافلة جائزة في يوم الجمعة عند قائم الظهيرة، دون غيرها من الأيام، والله أعلم.
***
١٤٦ - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾
قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] وقال: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١].
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي - أو قال -: على أمة محمد ﷺ » (٢). خرّجه الإمامان الحافظان الترمذيان؛ أبو عبد الله وأبو عيسى، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.
قلت: مالك بن مغول أبو عبد الله البجلي الكوفي إمام ثقة، خرّج له البخاري ومسلم والأئمة.
وقال أبي بن كعب: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية. وذكر أبو
стр. 433
نعيم الحافظ، عن عطاء الخراساني قال: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها غما وكربا وحرا وأنتنها ريحا للزناة الذين ارتكبوا بعد العلم (١).
وروى سلام الطويل، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ الآية: جزء أشركوا بالله، وجزء شكّوا في الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء آثروا شهواتهم على الله، وجزء شفوا غيظهم بغضب الله، وجزء صيّروا رغبتهم بحظهم عن الله، وجزء عتوا على الله.
ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب «منهاج الدين» له.
وقال: فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية، والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم، أو يشكّون في شريعته أنها من عنده أو لا، والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا، ولا يثبتونه وهم الدهرية، والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه، والشافون غيظهم بغضب الله تعالى هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين له، المعذّبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم، والمصيّرون رغبتهم بحظّهم من الله تعالى هم المنكرون للبعث والحساب منهم، يعبدون أي شيء يرغبون فيه لهم جميع حظهم من الله تعالى، والعاتون على الله هم الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، فلا يتفكّرون ولا يعتبرون ولا يستدلون، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ إن كان الحديث ثابتا.
وقال بلال: كان النبي ﷺ يصلي في مسجد المدينة حده، فمرّت به أعرابية فصلّت خلفه، ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾، فخرّت الأعرابية مغشيا عليها، وسمع رسول الله ﷺ وجبتها فانصرف، ودعا بماء فصبّ على وجهها، حتى أفاقت وجلست، فقال النبي ﷺ : يا هذه! ما لك؟ فقالت: هذا شيء من كتاب الله، أو شيء من تلقاء نفسك؟! فقال: يا أعرابية؛ بل هو من كتاب الله المنزّل، فقالت: كل عضو من أعضائي يعذّب على باب منها؟ قال: يا أعرابية، بل لكلّ باب منهم جزء مقسوم، يعذّب أهل كل باب على قدر أعمالهم. فقالت: والله إني امرأة مسكينة لا مال لي، ولا لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم على باب من أبواب جهنم حرّ لوجه الله تعالى، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله؛ بشّر الأعرابية أن الله قد غفر لها، وحرّم عليها أبواب جهنم كلّها، وفتح لها أبواب الجنة كلها، والله أعلم.
***
стр. 434
١٤٧ - باب منه، وفي بعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعدّ الله تعالى فيها من العذاب
ذكر عن بعض أهل العلم في قول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: من الكفار والمنافقين والشياطين، وبين الباب والباب خمسمائة عام.
فالباب الأول: يسمّى جهنم، لأنه يتجهّم في وجوه الرجال والنساء، فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابا من غيره.
والباب الثاني: يقال له لظى نزّاعة للشوى، يقول: أكلة اليدان والرجلان، تدعو من أدبر عن التوحيد، وتولى عما جاء به محمد ﷺ .
والباب الثالث: يقال لها سقر، وإنما سمي سقر، لأنه يأكل اللحم دون العظم.
والباب الرابع: يقال لها الحطمة، قال الله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ * نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٥، ٦] تحطم العظام وتحرق الأفئدة، قال الله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] تأخذ النار من قدميه، وتطلع على فؤاده، وترمي بشرر كالقصر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:
٣٢ - ، ٣٣]، يعني: سودا، فتطلع الشرر إلى السماء، ثم تنزل فتحرق وجوههم وأيديهم وأبدانهم، فيبكون الدمع حتى ينفد، ثم يبكون الدماء، ثم يبكون القيح حتى ينفد القيح، حتى لو أن السفن أرسلت تجري فيما خرج من أعينهم لجرت.
والباب الخامس: يقال له: الجحيم، وإنما سمّي جحيما، لأنه عظيم الجمرة، والجمرة الواحدة أعظم من الدنيا.
والباب السادس: يقال له: السعير، وإنما سمي السعير؛ لأنه يسعّر بهم، ولم يطفأ منذ خلق، فيه ثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثمائة بيت، في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب، وفيه الحيات والعقارب والقيود والسلاسل والأغلال، وفيه جبّ الحزن، ليس في النار عذاب أشدّ منه، إذا فتح باب الجب حزن أهل النار حزنا شديدا.
والباب السابع: يقال له: الهاوية، من وقع فيه لم يخرج منه أبدا، وفيه بئر الهباب، وذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء: ٩٧] إذا فتح
стр. 435
الهباب يخرج منه نار تستعيذ منه النار، وفيه الذين قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر: ١٧] أو هو جبل من نار يوضع أعداء الله على وجوههم على ذلك الجبل، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم إلى أقدامهم، والزبانية وقوف على رؤوسهم، بأيديهم مقامع من حديد، إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان.
وأبواب النار حديد، فرشها الشوك، غشاوتها الظلمة، أرضها نحاس ورصاص وزجاج، النار من فوقهم والنار من تحتهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة مدلهمة مظلمة، قد مزجت بغضب الله - ذكره القتبي في «عيون الأخبار».
وذكر ابن عباس أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها ولا لهب، وهي كما قال الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ على كل باب سبعون ألف جبل، في كل جبل سبعون ألف شعب من النار، في كل شعب سبعون ألف شق من النار، في كل شق سبعون ألف واد، في كل واد سبعون ألف قصر من نار، في كل قصر سبعون ألف بيت من نار، في كل بيت سبعون ألف قلة من سم، فإذا كان يوم القيامة كشف عنها الغطاء فيطير منها سرادق عن يمين الناس، وآخر عن شمالهم، وسرادق أمامهم، وسرادق فوقهم، وآخر من ورائهم، فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم، وكلّ ينادي: ربّ سلّم، ربّ سلّم.
وقال وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشدّ حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا.
ويقال: إن لجهنم سبعة أبواب؛ لكل باب منها سبعون واديا، قعر كل واد منها سبعون عاما، لكل واد منها سبعون ألف شعب، في كل شعب منها سبعون ألف مغارة، في جوف كل مغارة سبعون ألف شق، في كل شق منها سبعون ألف ثعبان، في شدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لكل عقرب منها سبعون ألف فقارة، في كل فقارة منها قلة سم، لا ينتهي الكافر ولا المنافق حتى يواقع ذلك كله. وذكره ابن وهب في كتاب «الأهوال» له، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو توقيف لأنه إخبار عن مغيب، والله تعالى أعلم.
***
стр. 436
١٤٨ - باب ما جاء في عظم جهنم وأزمّتها وكثرة ملائكتها، وفي عظم خلقهم وتفلّتها من أيديهم وفي قمع النبي ﷺ إياها وردها عن أهل الموقف
(مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (١).
وذكر ابن وهب قال: حدّثني زيد بن أسلم، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فناجاه، فقام النبي ﷺ منكس الطرف، فأرسلوا إلى علي فقالوا: يا أبا الحسن ما بال النبي ﷺ محزونا منذ خرج جبريل عنه؟ فأتاه عليّ فوضع يده على عضديه من خلفه، وقبّل بين كتفيه، وقال: ما هذا الذي نراه منك يا رسول الله؟ فقال: يا أبا الحسن أتاني جبريل فقال لي: ﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] الآية، وجيء بجهنم تفاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها (٢).
وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: أنهم يأتون بها تمشي على أربع قوائم، وتقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، بيد كل واحد حلقة، لو جمع حديد الدنيا كله ما عدل منها بحلقة واحدة، على كل حلقة سبعون ألف زبني، لو أمر زبني منهم أن يدك الجبال لدكّها، وأن يهد الأرض لهدها، وأنها إذا انفلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظم شأنها، فيجثو كل من في الموقف على الركب حتى المرسلون، ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش هذا قد نسي الذبيح، وهذا قد نسي هارون، وهذا قد نسي مريم ﵈، وكل واحد منهم يقول: نفسي نفسي؛ لا أسألك اليوم غيرها. قال: وهو الأصح عندي. ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي، سلّمها يا رب ونجها يا ربّ، وليس في الموقف من تحمله ركبتاه وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] الآية، وعن تفلّتها تكبو من الغيظ والحنق، وهو قوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
стр. 437
﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢] أي: تعظيما لغيظها وحنقها، يقول الله تعالى:
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي: تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها، فيقوم رسول الله ﷺ بأمر الله تعالى، ويأخذ بخطامها ويقول: ارجعي مدحورة مدحورة إلى خلقك حتى يأتيك أهلك أفواجا، فتقول: خلّ سبيلي فإنك يا محمد حرام عليّ، فينادي مناد من سرادقات العرش: اسمعي منه وأطيعي له، ثم تجذب وتجعل عن شمال العرش، ويتحدث أهل الموقف بجذبها فيخفّ وجلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وهناك تنصب الموازين، على ما تقدّم.
فصل
هذا يبيّن لك ما قلناه أن جهنم اسم علم لجميع النار، ومعنى «يؤتى بها» يجاء بها من المحل الذي خلقها الله تعالى فيه، فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما تقدم. والزمام: ما يزمّ به الشيء، أي: يشدّ ويربط به، وهذه الأزمّة التي تساق بها جهنم تمنع من خروجها على أرض المحشر، فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله بأخذه على ما تقدم ويأتي، وملائكتها كما وصفهم الله غلاظ شداد.
وقد ذكر ابن وهب، حدّثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ في خزنة جهنم: «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».
وقال ابن عباس: «ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحدة منهم أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم».
وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] فالمراد رؤساؤهم على ما يأتي، وأما جملتهم فالعبارة عنهم كما قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فصل
قال العلماء: إنما خصّ النبي بردها وقمعها وكفّها عن أهل المحشر دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنه رآها في مسراه، وعرضت عليه في صلاته، حسب ما ثبت في الصحيح، قال: وفي ذلك فوائد ثمان:
الأولى: أن الكفار لما كان يستهزءون به ويكذبونه في قوله، ويؤذونه أشد الأذى، أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره، تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده.
стр. 438
الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبائه بالتحية والشفاعة والإكرام.
الفائدة الثالثة: ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم منّة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.
الفائدة الرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، فيقول نبينا محمد ﷺ : أمتي أمتي، وذلك حين تسجّر جهنم، ولذلك أمر الله محمدا ﷺ فقال جل من قائل: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] الآية.
قال الحافظ أبو الخطاب: والحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته، ولو لم يؤمّنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء.
الفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها، فإذا رأوها جزعوا وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها، وشغلهم أنفسهم عن أممهم، وأمان بينا محمد ﷺ فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزعوا ليقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه ﵎ في القرآن المجيد، وثبت في صحيح السنة.
الفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار خلقتا، خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] والإعداد دليل الخلق والإيجاد.
الفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر، حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء.
الفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله تعالى أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد ﷺ مثلها، ولما كان لإدريس ﵇ كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة، أراد الله تعالى أن يكون ذلك لصفيّه ونجيّه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد ﷺ ، وكرم وعظم وبجل ووقّر، قال ذلك جميعه الحافظ بن دحية ﵁ في كتاب «الابتهاج في أحاديث المعراج».
***
стр. 439
١٤٩ - باب منه وفي كلام جهنم وذكر أزواجها، وأنه لا يجوزها إلا من عنده جواز
روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] الآية. قال النبي ﷺ : أين يكون الناس يوم القيامة يا جبريل؟ قال: يا محمد؛ يكونون على أرض بيضاء لم يعمل عليها خطيئة قط.
﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] قال: الصوف، تذوب الجبال من مخافة جهنم، يا محمد، إنه ليجاء بجهنم يوم القيامة تزفّ زفّا، عليها سبعون زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، حتى تقف بين يدي الله تعالى، فيقول لها: يا جهنم، تكلمي، فتقول: لا إله إلا الله، وعزّتك وعظمتك لأنتقمن اليوم ممن أكل رزقك وعبد غيرك، لا يجوزني إلا من عنده جواز. فقال النبي ﷺ : يا جبريل ما الجواز يوم القيامة؟ قال: أبشر وبشّر أن من شهد أن لا إله إلا الله جاز جسر جهنم، قال: فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي جعل أمتي أهل لا إله إلا الله (١).
وخرّج الحافظ أبو محمد عبد الغني الحافظ، من حديث سليمان بن عمرو، يتيم أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الخلائق في صعيد واحد يوم القيامة أقبلت النار يركب بعضها بعضا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلينّ بيني وبين أزواجي، أو لأغشينّ الناس عنقا واحدا، فيقولون: من أزواجك؟ فتقول: كل متكبر جبار» (٢).
***
стр. 440
١٥٠ - باب ما جاء أن التسعة عشر، خزنة جهنم
قال الله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠].
(ابن المبارك) قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] الآية ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فقال: ما تسعة عشر؟ قال: تسعة عشر ألف ملك، قال: أو تسعة عشر ملكا قلت: لا، بل تسعة عشر ملكا، قال: وأنّى تعلم ذلك؟ فقلت لقول الله : ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] قال: صدقت هم تسعة عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة، لها شعبتان، فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألف خريف (١).
وخرّج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ ، هل يعلم نبيكم عدة خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم! فقال:
وبماذا غلبوا؟ قال: سألهم اليهود هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: فماذا قالوا؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا، لا يغلب قوم سألوا عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك. فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا هكذا في مرة عشر وفي مرة تسعة، قالوا: نعم. قال لهم النبي ﷺ : ما تربة الجنة؟ قال: فسكتوا، ثم قال: خبزة يا أبا القاسم، فقال النبي ﷺ : الخبز من الدرمك. قال أبو عيسى:
هذا حديث إنما تعرفه من هذا الوجه من حديث خالد، عن الشعبي، عن جابر (٢).
***
стр. 441
١٥١ - باب ما جاء في سعة جهنم عظم سرادقها، وبيان قوله تعالى ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ﴾
قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩].
(ابن المبارك) قال: أخبرنا عنبسة بن سعيد، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قال: قلت: لا. قال: أجل؛ والله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا، تجري منها أودية القيح والدم. قلت: لها أنهار؟ قال: لا، بل أودية، ثم قال: أتدري ما سعة جسر جهنم؟ قلت: لا. قال: قلت: أجل؛ حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] قلت:
فأين الناس يومئذ؟ «قال: على جسر جهنم» (١). خرّجه الترمذي وصححه وقد تقدم.
وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «لسرادق النار أربع جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة» (٢). ذكره ابن المبارك وخرّجه الترمذي أيضا، وسيأتي.
وذكر ابن المبارك قال: حدّثنا محمد بن يسار، عن قتادة: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان: ١٣] قال: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح (٣). وذكره الثعلبي والقشيري عن ابن عباس.
***
١٥٢ - باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها
روى عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يركب البحر إلا رجل غاز
стр. 442
أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارا» (١) ذكره أبو عمر وضعّفه. وقال عبد الله بن عمرو: ولا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. ذكره أبو عمر أيضا وضعفه.
وفي تفسير سورة (ق) عن وهب بن منبه قال: أشرف ذو القرنين على جبل (ق) فرأى تحته جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف! قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل تلال الأرض أمرني فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، أخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إن شاء ربنا لعظيم تقصر دونه الأوهام، قال:
بأدنى ما يوصف منها، قال: إن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج، يحطم بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من جو جهنم، وذكر الخبر (٢).
(قال الشيخ المؤلف ﵀) وهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض، والله أعلم بموضعها، وأين هي من الأرض.
***
١٥٣ - باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ وما جاء أن الشمس والقمر يقذفان في النار
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قال:
أوقدت فصارت نارا. وذكر ابن وهب، عن عطاء بن يسار، أنه تلا هذه الآية:
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار فتكون نار الله الكبرى.
وخرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن يزيد الرقاشي، عن أنس يرفعه إلى النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : «إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» (٣).
стр. 443
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: يجاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار.
فصل
قلت: كذا الرواية «ثوران» بالثاء المثلثة، وإنما يجمعان في جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله، ولا تكون النار عذابا لهما، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، هكذا قال بعض أهل العلم.
وقال ابن قسي صاحب «خلع النعلين»: اعلم أن الشمس والقمر ثوران مكوّران في نار جهنم على شبه هذا التكوير، فنهار سعير وليل زمهرير، والدار دار قائمة لا فرق بينها وبين هذين في حركة التسيار والتدوار ومدار فلكي الليل والنهار، إلا أن تلك خالية من رحمة الله ومع هذه رحمة واحدة من رحمة الله، وعن الشمس والقمر يكون سواد الدار، ولهيب ظاهر النار، وهما من أشد الغضب لله تعالى بما عايناه من عصيان العاصين، وفسق الفاسقين، إذ لا يكاد يغيب عنهما أين، ولا تخفى عنها خائنة عين، فإنه لا يبصر أحد إلا بنورهما ولا يدرك إلا بضوئهما، ولو كان خلف حجاب من الغيب الليلي، أو وراء ستر من الغيم اليومي؛ فإن الضوء الباقي على البسيطة في ظل الأرض ضوؤهما، والنور نورهما، ومع ما هما عليه من الغضب لله فإنه لم يشتد غضبهما إلا من حيث نزع لجام الرحمة عنهما، وقبض ضياء اللين والرأفة منهما، وكذلك عن كل ظاهر من الحياة الدنيا في قبض الرحمة المستردة من هذه الدار إلى دار الحيوان والأنوار.
قال ﷺ : «إن لله مائة رحمة ينزل منها واحدة إلى الأرض، فبها تتعاطف البهائم ويتراحم الخلق وتتواصل الأرحام، فإذا كان يوم القيامة قبض الله هذه الرحمة وردها إلى التسعة والتسعين وأكملها مائة كما كانت، ثم جعل المائة كلها رحمة للمؤمنين» (١).
وخلت دار العذاب ومن فيها من الفاسقين من رحمة ربّ العالمين، فبزوال هذه الرحمة زال ما كان فيه القمر من رطوبة وأنوار، ولم يبق إلا ظلمة وزمهرير، وبزوالها زال ما كان بالشمس من وضح وإشراق، ولم يبق إلا فرط سواد واحتراق، وبما كانا به قبل من الصفة الرحمانية كان إمهالهما للعاصين، وإبقاؤهما على القوم الفاسقين، وهي زمام الإمساك ولجام المنع عن التدمير والإهلاك، وهي سنة الله تعالى في الإبقاء إلى الأوقات، والإمهال إلى الآجال، إلا أن يشاء غير ذلك، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه، لا إله إلا هو سبحانه.
стр. 444
قال المؤلف ﵀: وقد روى عكرمة، عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله، وقال: هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، والله أكرم وأجل من أن يعذب على طاعته، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] يعني: دءوبهما في طاعته، فكيف يعذّب عبدين أثنى الله عليهما أنهما دائبان في خدمته وطاعته؟ ثم حدث عن رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى لما أبرم خلقه إحكاما ولم يبق غير آدم؛ خلق شمسا وقمرا من نور عرشه». الحديث، وفي آخره: «فإذا قامت الساعة وقضى الله في أهل الدارين وميّز أهل الجنة والنار، ولم يدخلوها بعد أن يدعو الله بالشمس والقمر، يجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقفا في الزلازل، لأن فرائصهما ترعد من أهوال ذلك اليوم من مخافة الرحمن ﵎، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين لله تعالى، فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك ودأبنا في طاعتك، وسرعتنا للمضي في أمرك في أيام الدنيا، فلا تعذّبنا بعبادة المشركين إيانا، فيقول الله تعالى: صدقتما، إني قد قضيت على نفسي أني أبدئ وأعيد، إني معيدكما إلى ما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتكما منه، فيقولان: ربنا ممّ خلقتنا؟ فيقول: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نورا، فيختلطان بنور العرش، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]» (١).
ذكره الثعلبي في كتاب «العرائس» له، والله أعلم.
***
١٥٤ - باب ما جاء في صفة جهنم وحرّها وشدّة عذابها
(الترمذي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة» (٢). قال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة في هذا الباب موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير، عن شريك.
(ابن المبارك) عن أبي هريرة قال: «إن النار أوقدت ألف سنة فابيضّت، ثم
стр. 445
أوقدت ألف سنة فاحمرّت، ثم أوقدت ألف سنة فاسودّت، فهي مظلمة كسواد الليل» (١).
(مالك) عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال:
«أترونها حمراء كناركم هذه؟ لهي أشد سوادا من القار». والقار: هو الزفت (٢).
(ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن سلمان قال: النار سوداء لا يضيء لهيبها ولا جمرها، ثم قرأ: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] (٣).
(مالك) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». قالوا: يا رسول الله، وإن كانت لكافية. قال: «فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا» (٤). أخرجه مسلم وزاد: «كلها مثل حرها».
(ابن ماجه) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» (٥).
خرّجه سفيان بن عيينة من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا ولولا أنّها ضربت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة» (٦).
وفي خبر آخر عن ابن عباس: وهذه النار قد ضربت بماء البحر سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع بها. ذكره أبو عمر ﵀.
وقال عبد الله بن مسعود: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا، ولولا أنه ضرب بها البحر عشر مرات ما انتفعتم منها بشيء».
وسئل ابن عباس عن نار الدنيا مم خلقت؟ قال: من نار جهنم، غير أنها أطفئت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما قربت لأنها من نار جهنم.
(مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا
стр. 446
قط، هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشدّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: هل رأيت بؤسا قط، هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مرّ بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (١).
أخرجه ابن ماجه أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقول: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها ثم يخرج، فيقال له: أي فلان؛ هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشدّ المؤمنين ضرّا وبلاء فيقال: اغمسوه في الجنة، فيغمس غمسة ثم يخرج، فيقال له: أي فلان؛ هل أصابك ضرّ قط أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني ضر قط ولا بلاء» (٢).
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن جهنميا من أهل جهنم أخرج كفّه إلى أهل الدنيا حتى يبصروها، لأحرقت الدنيا من حرّها، ولو أن خازنا من خزنة جهنم خرج إلى أهل الدنيا حتى يبصروه، لمات أهل الدنيا حين يبصرونه من غضب الله تعالى» (٣).
وقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده، لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب، ثم كشفت عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها. يا قوم لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم! طاعة الله أهون عليكم من هذا العذاب فأطيعوه.
وخرّج البزار في «مسنده» عن أبي هريرة، قال في مسنده قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم» (٤).
стр. 447
فصل
قوله: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم»، يعني: أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها ابن آدم لكانت جزءا من أجزاء جهنم المذكور، وبيانه: أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا من حر نار الدنيا، كما بينه في آخر الحديث.
وقوله: «وإن كانت لكافية» إن - هنا - مخفّفة من الثقيلة عند البصريين، نظيره ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: إنها كانت كافية، فأجابهم النبي ﷺ بأنها كما فضّلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين، فضّلت عليها أيضا في شدّة الحر بتسعة وستين ضعفا، والله أعلم.
***
١٥٥ - باب منه، وما جاء في شكوى النار وكلامها وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها
روى الأئمة ﵏ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحرّ من سمومها» (١). أخرجه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، إذ سمع وجبة، فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها» (٢). أخرجه مسلم.
الوجبة: الهدة، وهي صوت وقع الشيء الثقيل.
(الترمذي) عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان، على منبرنا هذا - يعني منبر البصرة - عن النبي ﷺ قال: «إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما، وما تفضي إلى قرارها» قال: فكان ابن عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرّها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد (٣). قال أبو عيسى:
стр. 448
لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان، وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمرو ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
(ابن المبارك) قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: بلغنا أن معاذ بن جبل كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده، إن ما بين شفة النار وقعرها لصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار قبل أن تبلغ قعرها سبعين خريفا» (١).
حدّثنا هشيم بن بشير، قال: أخبرني زفر، حدّثنا ابن أبي مريم الخزاعي، قال:
سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم وقعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال: صخرة تهوي، عظمها كعشر عشراء عظام سمان. فقال لي مولى لعبد الرحمن بن خالد: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم؛ غي وآثام (٢).
(مسلم) عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميرا على البصرة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وولت جدا ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه ذكر لنا أن الحجر ليلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا والله لتملأن أفعجبتم؟ (٣) الحديث. وسيأتي بتمامه في أبواب الجنة - إن شاء الله تعالى.
وقال كعب: لو فتح من نار جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه، حتى يسيل من حرها، وإن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ جاثيا على ركبتيه، ويقول: نفسي نفسي.
فصل
قوله: «اشتكت النار»: شكواها إلى ربها بأن أكل بعضها بعضا، محمول على الحقيقة لا على المجاز، إذ لا إحالة في ذلك. وليس من شرط الكلام عند أهل السنة في القيام بالجسم إلا الحياة، وأما البنية واللسان والبلة فليس من شرطه، وليس يحتاج في الشكوى إلى أكثر من وجود الكلام. وأما الاحتجاج في قوله ﵇: «احتجت النار والجنة» فلا بد فيه من العلم والتفطن للحجة. وقيل: إن ذلك مجاز عبّر عنه بلسان الحال، كما قال عنترة:
стр. 449
فازورّ من وقع القنا بلبانه … وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
وقال آخر:
شكا إليّ جملي طول السّرى … صبرا جميلي فكلانا مبتلى
والأول أصح؛ إذ لا استحالة في ذلك، وقد قال تعالى - وهو أصدق القائلين -:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] الآية، وقد تقدم من كلامها: «لا إله إلا الله وعزتك وجلالك» وقال: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] الآية، أي: أدبر عن الإيمان، وتولى أي: أعرض عن اتباع الحق، و «جمع» يعني: المال، «فأوعى» أي: جعله في الوعاء؛ أي: كنزه، ولم ينفقه في طاعة الله تعالى. قال ابن عباس: تدعو المنافق والكافر بلسان فصيح، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطائر الحبّ.
قلت: قول ابن عباس هذا قد جاء معناه مرفوعا، وهو يدلّ على أن المراد بالشكوى والحجة؛ الحقيقة. ذكر رزين أن رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا» قيل: يا رسول الله؛ ولها عينان؟ قال: أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] الآية، يخرج عنق من النار، له عينان تبصران ولسان، فيقول: وكّلت بمن جعل مع الله إلها آخر، فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه. في رواية أخرى: «فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حبّ السمسم» (١). صححه أبو محمد بن العربي في قبسه، وقال: يفصلهم عن الخلق بالمعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة.
وخرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق؛ يقول: إني وكّلت بثلاث:
بكلّ جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوّرين» (٢). وفي الباب عن أبي سعيد، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب صحيح.
وذكر ابن وهب قال: حدّثني العلاء بن خالد في قوله الله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة يأكل بعضها بعضا، يقودها سبعون ألف ملك، فإذا رأت الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] الآية، فإذا رأتهم زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صدّيق إلا برك لركبتيه، يقول: يا ربّ نفسي نفسي، ويقول رسول الله ﷺ : أمتي أمتي.
стр. 450
وكان بعض الوعّاظ يقول: أيها المجترئ على النار! ألك طاقة بسطوة الجبار، ومالك خازن النار، ومالك إذا غضب على النار وزجرها زجرة كادت تأكل بعضها بعضا؟!
***
١٥٦ - باب ما جاء في مقامع أهل النار وسلاسلهم وأغلالهم وأنكالهم
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] وقال: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢] الآية وقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ [الحاقة: ٣٢] وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً﴾ [المزمل: ١٢] الآية.
وروي عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد، ولا مغار، ولا غل، ولا سلسلة، ولا قيد، إلا واسم صاحبها مكتوب عليه. وروي عن ابن مسعود، وسيأتي.
(الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة عام، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» (١). قال: هذا حديث إسناده صحيح.
وفي الخبر: إن الله تعالى ينشيء لأهل النار سحابة، فإذا رأوها ذكروا سحاب الدنيا، فتناديهم: يا أهل النار؛ ما تشتهون؟ فيقولون: نشتهي الماء البارد، فتمطرهم أغلالا تزاد في أغلالهم، وسلاسل تزاد في سلاسلهم.
وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديد الدنيا كله ما خلا منها وما بقي ما عدل حلقة من حلق السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ [الحاقة: ٣٢] الآية، ذكره أبو نعيم (٢).
وقال ابن المبارك: أخبرنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق؛ أنه سمع نوفا يقول
стр. 451
في قوله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾، قال: كل ذراع سبعون باعا، كل باع بعد ما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة (١).
أخبرنا بكّار بن عبد الله؛ أنه سمع ابن مليكة يحدّث عن أبيّ بن كعب قال: إن حلقة من السلسلة التي قال الله ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾؛ إن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا (٢).
سمعت سفيان يقول في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه.
وقال ابن زيد ويقال: ما يأتي يوم القيامة على أهل النار إلا ورحمة من الله تطلع طائفة منهم فيخرجون. ويقال: إن الحلقة من غل أهل جهنم لو ألقيت على أعظم جبل في الدنيا لهدته.
وروي عن طاوس: أن الله تعالى خلق ملكا له أصابع على عدد أهل النار، فما من أهل النار معذب إلا وملك يعذبه بإصبع من أصابعه، ولو وضع الملك إصبعا من أصابعه على السماء لأذابها. ذكره القتبي في كتاب «عيون الأخبار» له.
***
١٥٧ - باب منه وما جاء في كيفية دخول أهل النار النار
ذكر ابن وهب قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة بشرر كالنجوم، فيولّون هاربين، فيقول الجبار ﵎: ردّوهم عليها، فيردّونهم فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] أي: مانع يمنعكم ويلقاهم وهجها قبل أن يدخلوها، فتندر أعينهم فيدخلوها عميا مغلولين في الأغلال أيديهم وأرجلهم ورقابهم. قال: قال رسول الله ﷺ : «خزنة جهنم ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».
قال ابن زيد: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] يقمعون بها هؤلاء، فإذا قال: خذوه؛ فيأخذه كذا وكذا ألف ملك، فلا يضعون أيديهم على شيء من عظامه
стр. 452
إلا صار تحت أيديهم رفاتا، العظام واللحم يصير رفاتا. قال: فتجمع أيديهم وأرجلهم ورقابهم في الأغلال، فيلقون في النار مصفودين، فليس لهم شيء يتّقون به إلا الوجوه، فهم عمي قد ذهبت أبصارهم، ثم قرأ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] الآية. فإذا ألقوا فيها يكادون يبلغون قعرها؛ يلقاهم لهبها فيردهم إلى أعلاها، حتى إذا كادوا يخرجون تلقتهم الملائكة بمقامع من حديد، فيضربونهم بها، فجاء أمر غلب اللهب فهووا كما هم أسفل السافلين هكذا دأبهم، وقرأ: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] فهم كما قال الله تعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣، ٤].
والأنكال: القيود، عن الحسن ومجاهد، واحدها: نكل، وسمّيت القيود أنكالا لأنه ينكل بها، أي يمنع. قال الهروي: والأصفاد: هي الأغلال. ويقال:
القيود. أعاذنا الله منها بمنّه وكرمه.
***
١٥٨ - باب منه في رفع لهب النار أهل النار حتى يشرفوا على أهل الجنة
يروى أن لهب النار يرفع أهل النار حتى يطيروا كما يطير الشرر، فإذا رفعهم أشرفوا على أهل الجنة وبينهم حجاب، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآية، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يروا الأنهار تطرد بينهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية، فتردّهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد إلى قعر النار.
قال بعض المفسرين: هو معنى قول الله تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾. ذكره أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة له». قال: ولعلك تقول: كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة؟ وكيف يسمع بعضهم كلام بعض، وبينهم ما بينهم من المسافة وغلظ الحجاب؟ فيقال لك: لا تقل هذا فإن الله تعالى يقوي أسماعهم وأبصارهم، حتى يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، وهذا قريب في القدرة.
***
стр. 453
١٥٩ - باب ما جاء أن في جهنم جبالا وخنادق وأودية وبحارا وصهاريج وآبارا وجبابا وتنانير وسجونا وبيوتا وجسورا وقصورا وأرواحا، ونواعير وعقارب وحيات، أجارنا الله منها وفي وعيد من شرب الخمر والمسكر وغيره
(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «الصّعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ويهوي فيه كذلك أبدا» (١). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
وقد تقدم من حديث أنس: «أن من مات سكرانا فإنه يبعث يوم القيامة سكرانا إلى خندق في وسط جهنم يسمّى السكران» (٢).
واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ فذكر ابن المبارك: أخبرنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، أنه حدّثه عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «ويل؛ واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» (٣).
قال: وأخبرنا سعيد بن أبي أيوب، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر، لو سيّرت فيه الجبال لماعت من حرّه (٤).
قال: وأخبرنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض أنه قال: الويل؛ مسيل في أصل جهنم (٥).
وذكر ابن عطية في «تفسيره» عن أبي عياض: أن الويل صهريج في جهنم من صديد أهل النار. قال: وحكى الزهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم.
стр. 454
وقال أبو سعيد الخدري: إنه واد بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا، ذكره ابن عطية، وقد تقدم رفعه.
وخرّجه الترمذي أيضا مرفوعا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:
«الويل؛ واد في وسط جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة.
وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] اليحموم: جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار. ﴿لا بارِدٍ﴾ [الواقعة ٤٤] بل حار، لأنه من دخان شفير جهنم. ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أي: لا عذب، عن الضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ولا حسن منظره.
وذكر ابن وهب، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَوْبِقاً﴾ [الكهف: ٥٢] قال:
واد في جهنم يقال له موبق. وقال عكرمة: هو نهر في جهنم يسيل نارا، على حافتيه حيات مثل البغال الدّهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار. وقال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم.
وقال نوف البكالي في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ [الكهف: ٥٢] قال:
واد في جهنم بين أهل الضلالة وبين أهل الإيمان.
وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سئلت عن قول الله :
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قالت: نهر في جهنم.
واختلفوا في الفلق في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] فروى ابن عباس أنه سجن في جهنم. وقال كعب: هو بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ذكره أبو نعيم.
وذكر أبو نعيم عن حميد بن هلال قال: حدّثت أن في جهنم تنانير ضيقها كضيق زجّ أحدكم في الأرض، تضيق على قوم بأعمالهم (١).
(ابن المبارك) أخبرنا إسماعيل بن عياش، حدّثنا ثعلبة بن مسلم، عن أيوب بن بشير، عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم جبلا يدعى صعودا، يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، قال تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر: ١٧] وإن في جهنم قصرا يقال له هواء، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١]. وإن في جهنم واديا يدعى أثاما، فيه حيات وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من
стр. 455
سم، والعقرب منهن مثل البغلة المؤلفة، تلدغ الرجل فلا تلهيه عما يجد من حر جهنم حمة لدغتها، فهو لما خلق له، وإن في جهنم سبعين داء لأهلها، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم، وإن في جهنم واديا يدعى غيا، يسيل قيحا ودما، فهو لما خلق له، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١).
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في جهنم بحرا أسود مظلما منتن الريح، يغرق الله فيه من أكل رزقه وعبد غيره» (٢).
وذكر أبو نعيم، عن محمد بن واسع قال: دخلت يوما على بلال بن أبي بردة، فقلت: يا بلال؛ إن أباك حدّثني، عن جدّك، عن رسول الله ﷺ قال: «إن في جهنم واديا يقال له لملم، ولذلك الوادي بئر يقال له هبهب، حقّ على الله تعالى أن يسكنها كلّ جبار؛ فإياك أن تكون منهم» (٣).
(ابن المبارك) قال: حدّثنا يحيى بن عبيد الله قال: سمعت أبي يقول:
سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن في جهنم واديا يقال له لملم، وإن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حرّه» (٤).
(مالك بن أنس)، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مسكر خمر، وثلاثة غضب الله عليهم ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم، وهم في المنسأ، والمنسأ: بئر في جهنم للمكذب بالقدر، والمبتدع في دين الله، ومدمن الخمر» (٥). ذكره الخطيب أبو بكر من حديث أحمد بن سليمان الخفتاني القرشي الأسدي، عن مالك.
وذكر ابن وهب من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذرّ على صور الناس، يعلوهم كلّ شيء من الصّغار، يساقون حتى يدخلون سجنا في جهنم يقال له بولس، يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال».
стр. 456
أخرجه ابن المبارك: أخبرنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الناس، يغشاهم الذلّ من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» (١). أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
قلت: طينة الخبال: عرق أهل النار أو عصارتهم، شرابا أيضا لمن شرب المسكر، جاء ذلك في صحيح البخاري.
وعن جابر أن رجلا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبيّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة، يقال له: المزر، فقال رسول الله ﷺ : «أمسكر هو؟» قال: نعم. قال: «إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا:
يا رسول الله؛ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» (٢).
وروي عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة مهاجري، وفيها مضجعي، ومنها مخرجي، حقّ على أمتي حفظ جيراني فيها، من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة، ومن ضيّعها أورده الله حوض الخبال». قيل: وما حوض الخبال؟ قال: «حوض من صديد أهل النار» (٣). غريب من حديث خارجة بن زيد، عن أبيه.
لم يروه عنه غير أبي الزناد، تفرد به عنه ابنه عبد الرحمن.
وروى الترمذي وأسد بن موسى، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال:
стр. 457
«تعوذوا بالله من جبّ الحزن» فقيل يا رسول الله: وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين». وفي رواية:
«أعده الله للذين يراءون الناس بأعمالهم» (١).
وقال الترمذي في حديث أبي هريرة: «مائة مرة». قلنا: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: القراء المراءون بأعمالهم. قال: حديث غريب.
خرّجه ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ :
«تعوذوا بالله من جبّ الحزن». قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم أربعمائة مرة». قيل: يا رسول الله؛ من يدخله؟ قال: «أعدّ للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء». قال المحاربي: الجورة (٢).
وفي حديث آخر ذكره أسد بن موسى أنه ﵇ قال: «إن في جهنم لواديا، إن جهنم لتتعوذ من شرّ ذلك الوادي في كلّ يوم سبع مرات، وإن في ذلك الوادي لجبا، إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب، وإن في ذلك الجب لحيّة، إن جهنم والوادي وذلك الجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية، أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن [الذين يعصون الله فيه]» (٣).
وقال أبو هريرة: إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء، فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا، فيقول: ما صيّركم إلى هذا، وإنما كنا نتعلم منكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره.
قلت: وهذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد ﵁، وسيأتي في باب من أمر بالمعروف ولم يأته.
وقال أبو المثنّى الأملوكي: إن في النار أقواما يربطون بنواعير من نار تدور بهم تلك النواعير، ما لهم فيه راحة ولا فترة.
وقال محمد بن كعب القرظي: إن لمالك مجلسا في وسط جهنم وجسورا تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها .. الحديث، وسيأتي.
стр. 458
١٦٠ - باب منه وفي بيان قوله تعالى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وفي ساحل جهنم، ووعيد من يؤذي المؤمنين
(ابن المبارك) قال: أخبرنا رجل، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قال: وكان معاوية بعثه على الجيوش، فلقي عدوا فرأى أصحابه فشلا، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ اذكروا نعمة الله عليكم. وذكر الحديث، وفيه: «فإنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسماتكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ها نورك، يا فلان لا نور لك، إن لجهنم ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخت، وعقارب كالبغال الدّهم، فإذا استغاث أهل النار قالوا: الساحل! فإذا ألقوا فيه سلّطت عليهم تلك الهوام، فتأخذ شفار أعينهم وشفاههم وما شاء الله منهم، تكشطها كشطا، فيقولون: النار، النار! فإذا ألقوا فيها سلّط الله عليهم الجرب فيحكّ أحدهم جسده حتى يبدو عظمه، وإن جلد أحدهم لأربعون ذراعا، قال: يقال:
يا فلان؛ هل تجد هذا يؤذيك؟ فيقول: وأي شيء أشد من هذا؟ فيقال: هذا بما كنت تؤذي المؤمنين» (١).
قال ابن المبارك: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني أنه حدثه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: صعودا؛ صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت، اقتحامها فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة (٢).
وقال ابن عمر وابن عباس: هذه العقبة جبل في جهنم.
وقال محمد بن كعب، وكعب الأحبار: هي سبعون درجة في جهنم.
وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة صعبة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله .
وقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط، وقيل: النار نفسها.
وقال الكلبي أيضا: هي جبل بين الجنة والنار، يقول: فلا جاوز هذه العقبة بعمل صالح، ثم بين اقتحامها بما يكون فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية.
وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام، تقديره: أفلا
стр. 459
اقتحم العقبة، يقول: هلاّ أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي؟
وقيل: معنى الكلام، التمثيل والتشبيه، فشبّه عظم الذنوب وثقلها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله، فإذا أزالها بالأعمال الصالحة والتوبة الخالصة، كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها ويجوزها.
قلت: هذا حديث حسن.
قال الحسن: هي والله عقبة شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان.
وأنشد بعضهم.
إني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا
يا ربّ ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا
وأنشد غيره أيضا في معنى ذلك:
إني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل عن قوس لها توتير
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … يا ربّ أنت على الخلاص قدير
وقال آخر:
إني بليت بأربع ما سلطوا … إلا لعظم بليتي وشقائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف الخلاص وكلهم أعدائي
قال المؤلف ﵀: قال: فمن أطاع مولاه وجاهد نفسه وهواه، وخالف شيطانه ودنياه، كانت الجنة نزله ومأواه، ومن تمادى في غيه وطغيانه وأرخى في الدنيا زمام عصيانه، ووافق نفسه وهواه في مناه ولذاته وأطاع شيطانه في جميع شهواته كانت النار أولى به، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
ومعنى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]: أي: لم يقتحم العقبة، وهذا خبر، أي: أنه لم يفعل، والعرب تقول: لا فعل بمعنى لم يفعل. قال زهير:
وكان طوى كشحا عل مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتقدم
أي: فلم يبدها.
стр. 460
ثم قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢، ١٣]، يقول للنبي ﷺ : أي لم تكن تدريها حتى أعلمتك ما العقبة ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: أي: عتق رقبة من الرق، ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] مجاعة، ﴿يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أي قرابة.
﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني به اللاصق بالتراب من الحاجة، في تفسير الحسن.
وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه «وما أدراك»؛ فإنه أخبره به، وكل شيء قال فيه: «وما يدريك»، فإنه لم يخبره به.
وخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد في كتاب «مكارم الأخلاق» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لأن أجمع أناسا من أصحابي على صاع من طعام أحبّ إليّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فأعتقها.
***
١٦١ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾
الوقود، بفتح الواو على وزن الفعول بفتح الفاء: اسم الحطب، وكذلك الطّهور: اسم للماء، والسّحور: اسم الطعام، وبضم الفاء: اسم للفعل هو المصدر، والناس عموم، ومعناه: الخصوص ممن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها. قال: حطب النار شباب وشيوخ وكهول ونساء عاريات طال منهن العويل.
(ابن المبارك) عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله ﵎، ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن، فإذا قرءوه قالوا: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا! قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار». خرّجه عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ابن الهادي، عن العباس بن عبد المطلب فذكره (١).