← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أخرجه ابن المبارك: أخبرنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الناس، يغشاهم الذلّ من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» (١). أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. قلت: طينة الخبال: عرق أهل النار أو عصارتهم، شرابا أيضا لمن شرب المسكر، جاء ذلك في صحيح البخاري. وعن جابر أن رجلا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبيّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة، يقال له: المزر، فقال رسول الله ﷺ : «أمسكر هو؟» قال: نعم. قال: «إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا: يا رسول الله؛ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» (٢). وروي عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة مهاجري، وفيها مضجعي، ومنها مخرجي، حقّ على أمتي حفظ جيراني فيها، من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة، ومن ضيّعها أورده الله حوض الخبال». قيل: وما حوض الخبال؟ قال: «حوض من صديد أهل النار» (٣). غريب من حديث خارجة بن زيد، عن أبيه. لم يروه عنه غير أبي الزناد، تفرد به عنه ابنه عبد الرحمن. وروى الترمذي وأسد بن موسى، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال:

стр. 457

«تعوذوا بالله من جبّ الحزن» فقيل يا رسول الله: وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين». وفي رواية: «أعده الله للذين يراءون الناس بأعمالهم» (١). وقال الترمذي في حديث أبي هريرة: «مائة مرة». قلنا: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: القراء المراءون بأعمالهم. قال: حديث غريب. خرّجه ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من جبّ الحزن». قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم أربعمائة مرة». قيل: يا رسول الله؛ من يدخله؟ قال: «أعدّ للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء». قال المحاربي: الجورة (٢). وفي حديث آخر ذكره أسد بن موسى أنه ﵇ قال: «إن في جهنم لواديا، إن جهنم لتتعوذ من شرّ ذلك الوادي في كلّ يوم سبع مرات، وإن في ذلك الوادي لجبا، إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب، وإن في ذلك الجب لحيّة، إن جهنم والوادي وذلك الجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية، أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن [الذين يعصون الله فيه]» (٣). وقال أبو هريرة: إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء، فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا، فيقول: ما صيّركم إلى هذا، وإنما كنا نتعلم منكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره. قلت: وهذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد ﵁، وسيأتي في باب من أمر بالمعروف ولم يأته. وقال أبو المثنّى الأملوكي: إن في النار أقواما يربطون بنواعير من نار تدور بهم تلك النواعير، ما لهم فيه راحة ولا فترة. وقال محمد بن كعب القرظي: إن لمالك مجلسا في وسط جهنم وجسورا تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها .. الحديث، وسيأتي.

стр. 458

١٦٠ - باب منه وفي بيان قوله تعالى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وفي ساحل جهنم، ووعيد من يؤذي المؤمنين (ابن المبارك) قال: أخبرنا رجل، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قال: وكان معاوية بعثه على الجيوش، فلقي عدوا فرأى أصحابه فشلا، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ اذكروا نعمة الله عليكم. وذكر الحديث، وفيه: «فإنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسماتكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ها نورك، يا فلان لا نور لك، إن لجهنم ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخت، وعقارب كالبغال الدّهم، فإذا استغاث أهل النار قالوا: الساحل! فإذا ألقوا فيه سلّطت عليهم تلك الهوام، فتأخذ شفار أعينهم وشفاههم وما شاء الله منهم، تكشطها كشطا، فيقولون: النار، النار! فإذا ألقوا فيها سلّط الله عليهم الجرب فيحكّ أحدهم جسده حتى يبدو عظمه، وإن جلد أحدهم لأربعون ذراعا، قال: يقال: يا فلان؛ هل تجد هذا يؤذيك؟ فيقول: وأي شيء أشد من هذا؟ فيقال: هذا بما كنت تؤذي المؤمنين» (١). قال ابن المبارك: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني أنه حدثه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: صعودا؛ صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت، اقتحامها فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة (٢). وقال ابن عمر وابن عباس: هذه العقبة جبل في جهنم. وقال محمد بن كعب، وكعب الأحبار: هي سبعون درجة في جهنم. وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة صعبة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله . وقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط، وقيل: النار نفسها. وقال الكلبي أيضا: هي جبل بين الجنة والنار، يقول: فلا جاوز هذه العقبة بعمل صالح، ثم بين اقتحامها بما يكون فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية. وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام، تقديره: أفلا

стр. 459

اقتحم العقبة، يقول: هلاّ أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي؟ وقيل: معنى الكلام، التمثيل والتشبيه، فشبّه عظم الذنوب وثقلها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله، فإذا أزالها بالأعمال الصالحة والتوبة الخالصة، كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها ويجوزها. قلت: هذا حديث حسن. قال الحسن: هي والله عقبة شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان. وأنشد بعضهم. إني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا إبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا يا ربّ ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا وأنشد غيره أيضا في معنى ذلك: إني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل عن قوس لها توتير إبليس والدنيا ونفسي والهوى … يا ربّ أنت على الخلاص قدير وقال آخر: إني بليت بأربع ما سلطوا … إلا لعظم بليتي وشقائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف الخلاص وكلهم أعدائي قال المؤلف ﵀: قال: فمن أطاع مولاه وجاهد نفسه وهواه، وخالف شيطانه ودنياه، كانت الجنة نزله ومأواه، ومن تمادى في غيه وطغيانه وأرخى في الدنيا زمام عصيانه، ووافق نفسه وهواه في مناه ولذاته وأطاع شيطانه في جميع شهواته كانت النار أولى به، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. ومعنى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]: أي: لم يقتحم العقبة، وهذا خبر، أي: أنه لم يفعل، والعرب تقول: لا فعل بمعنى لم يفعل. قال زهير: وكان طوى كشحا عل مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتقدم أي: فلم يبدها.

стр. 460

ثم قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢، ١٣]، يقول للنبي ﷺ : أي لم تكن تدريها حتى أعلمتك ما العقبة ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: أي: عتق رقبة من الرق، ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] مجاعة، ﴿يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أي قرابة. ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني به اللاصق بالتراب من الحاجة، في تفسير الحسن. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه «وما أدراك»؛ فإنه أخبره به، وكل شيء قال فيه: «وما يدريك»، فإنه لم يخبره به. وخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد في كتاب «مكارم الأخلاق» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لأن أجمع أناسا من أصحابي على صاع من طعام أحبّ إليّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فأعتقها. *** ١٦١ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ الوقود، بفتح الواو على وزن الفعول بفتح الفاء: اسم الحطب، وكذلك الطّهور: اسم للماء، والسّحور: اسم الطعام، وبضم الفاء: اسم للفعل هو المصدر، والناس عموم، ومعناه: الخصوص ممن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها. قال: حطب النار شباب وشيوخ وكهول ونساء عاريات طال منهن العويل. (ابن المبارك) عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله ﵎، ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن، فإذا قرءوه قالوا: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا! قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار». خرّجه عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ابن الهادي، عن العباس بن عبد المطلب فذكره (١).

стр. 461

والحجارة: هي حجارة الكبريت، خلقها الله تعالى عنده كيف شاء أو كما شاء، عن ابن مسعود وغيره. ذكره ابن المبارك، وعن عبد الله بن مسعود. وخصّت بذلك لأنها تزيد على جميع الحجارة بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. وقيل: المراد بالحجارة: الأصنام لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي: حطب، وهو ما يلقى في النار مما تذكى به، وعليه فيكون الناس والحجارة وقودا للنار على التأويل الأول، وعلى التأويل الثاني يكونون معذبين بالنار والحجارة. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مؤذ في النار» (١). وفي تأويله وجهان: أحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. الثاني: أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرهما في النار معد لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة، والله أعلم. *** ١٦٢ - باب ما جاء في تعظيم جسد الكافر وأعضائه بحسب اختلاف كفره، وتوزيع العذاب على العاصي المؤمن بحسب أعمال الأعضاء (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (٢). (الترمذي) عنه، عن النبي ﷺ قال: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة» (٣). قال: هذا

стр. 462

حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش. وفي رواية: «وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة» (١). أخرجه عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال: مثل الربذة، يعني به كما بين مكة والمدينة، والبيضاء: جبل. (ابن المبارك) أنبأنا يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: «ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد، يعظمون لتمتلئ منهم وليذوقوا العذاب» (٢). أخبرنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: «ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، وجبينه مثل الورقان، ومجلسه من النار كما بيني وبين الرّبذة، وكثف بصره سبعون ذراعا، وبطنه مثل إضم» (٣). إضم بالكسرة جبل، قاله الجوهري. قلت: والورقان جبل بالمدينة، كما روي عن أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ : «فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحراء، وبالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى». وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ : «بصر الكافر - يعني غلظ جلده - سبعون ذراعا، وضرسه مثل أحد في سائر خلقه» (٤). وذكر عن عمرو بن ميمون أنه يسمع بين جلد الكافر وجسده دوي كدويّ الوحش (٥). (الترمذي) عن أبي المخارق، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس» (٦). (مسلم) عن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته». وفي رواية: «حقويه»: مكان حجزته (٧).

стр. 463

فصل هذا الباب يدلّك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرّد وعصى، ولا شكّ في أن الكفّار في عذاب جهنم متفاوتون، كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساويا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين. ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي ﷺ إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذّب من الموحّدين، إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، حسب ما تقدّم بيانه. وفي خبر كعب الأحبار: يا مالك؛ مر النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرءون القرآن، يا مالك: قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقدار استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرّته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، وذكر الحديث سيأتي بكماله إن شاء الله تعالى. وذكر القتبي في «عيون الأخبار» له مرفوعا عن أبي هريرة أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إن الله إذا قضى بين خلقه وزادت حسنات العبد دخل الجنة، وإن استوت حسناته وسيئاته حبس على الصراط أربعين سنة، ثم بعد ذلك يدخل الجنة، وإن زادت سيئاته على حسناته دخل النار من باب التوحيد، فيعذّبون في النار على قدر أعمالهم. فمنهم من تنتهي له النار إلى كعبيه، ومنهم من تنتهي إلى ركبتيه، ومنهم من تنتهي النار إلى وسطه». وذكر الحديث. وذكر الفقيه أبو بكر بن برجان أن حديث مسلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] قال: أرى - والله أعلم - أن هؤلاء الموصوفين في هذه الآية والحديث أهل التوحيد، فإن الكافر لا تعاف النار منه شيئا، وكما اشتمل في الدنيا على الكفر شملته النار في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، أي: أن ما فوقهم ظلل لهم، وما تحتهم ظلل لمن تحتهم. ***

стр. 464

باب منه (ابن ماجه) عن الحارث بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعتي أكثر من مضر، وإن من أمتي من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها» (١). *** ١٦٣ - باب ما جاء في شدة عذاب أهل المعاصي وأذيتهم أهل النار بذلك (مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصورون» (٢). وذكره قاسم بن أصبغ من حديث عبد الله بن مسعود أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبيّ، أو مصوّر يصوّر التماثيل» (٣). وذكر أبو عمر بن عبد البر وابن ماجه وابن وهب من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه» (٤). إسناده فيه عثمان بن مقسم البزي لم يرفعه غيره، وهو ضعيف عند أهل الحديث، معتزلي المذهب، ليس حديثه بشيء، قاله أبو عمر. وذكر ابن وهب قال: حدّثنا ابن زيد قال: يقال إنه ليؤذي أهل النار نتن فروج الزناة يوم القيامة. (ابن المبارك) قال: أخبرنا موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يذكر عن بعض من حدّث، قال: ثلاثة قد آذوا أهل النار - وكل أهل النار في أذى -: رجال مغلقة عليهم توابيت من نار، وهم في أصل الجحيم فيضجون حتى تعلو أصواتهم أهل النار فيقول لهم أهل النار: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟

стр. 465

فقالوا: كنا متكبرين. ورجال قد شقت بطونهم يسحبون أمعاءهم في النار، فقال لهم أهل النار: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نقتطع حقوق الناس بأيماننا وأمانتنا. ورجال يسعون بين الجحيم والحميم لا يقرون، قيل لهم: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نسعى بين الناس بالنميمة (١). أخبرنا إسماعيل بن عياش، حدثني ثعلبة بن مسلم، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع الأصبحي، عن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى، يسعون بين الجحيم والحميم يدعون بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ قال: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحا دما، ورجل يأكل لحمه. قال فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها قضاء، أو قال وفاء. ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم لا يغسله. ثم يقال للذي يسيل فوه دما وقيحا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان ينظر في كلّ كلمة قذيعة خبيثة فيذيعها، يستلذها ويستلذ الرفث بها، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة» (٢). خرّجه أبو نعيم الحافظ وقال: تفرد به إسماعيل بن عياش، وشفي مختلف فيه، فقيل: له صحبة. قلت: وقد تقدّم حديث البخاري الطويل عن سمرة بن جندب، وحديث ابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود، في باب ما يكون منه في عذاب القبر، وحديث أبي هريرة في الذين تسعّر بهم جهنم، وغير ذلك مما تقدم في هذا الباب، فتأمل ذلك. وقد تقدم أن من ادّان أموال الناس في غير سفه ولا إسراف ولم يجد قضاء، ونيته الأداء ومات؛ أن الله لا يحبسه عن الجنة ولا يعذّبه، بل يرضي عنه خصماءه، إن شاء الله. ويكون الجميع في رحمته بكرمه وفضله، فأما من ادّانها لينفقها في المعاصي ثم لا يقدر على الأداء، فلعله الذي يعذب. ***

стр. 466

١٦٤ - باب منه وفي عذاب من عذّب الناس في الدنيا (أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي نجيح، عن خالد بن حكيم، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة أشدّهم عذابا للناس في الدنيا» (١). خرّجه البخاري في «التاريخ» فقال: حدّثنا علي، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن خالد بن حكيم بن حزام أن أبا عبيدة تناول رجلا من أهل الأرمن فكلمه خالد بن الوليد، فقالوا: أغضبت الأمير؟ فقال: لم أرد غضبه، سمعت النبي ﷺ يقول: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة أشدّهم عذابا للناس في الدنيا». خرّجه مسلم بمعناه من حديث هشام بن حكيم بن حزام، أنه مرّ على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا على الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» (٢). *** ١٦٥ - باب ما جاء في شدّة عذاب من أمر بالمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه، وذكر الخطباء، وفيمن خالف قوله فعله، وفي أعوان الظلمة كلاب النار (البخاري) عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان! ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله» (٣).

стр. 467

خرّجه مسلم أيضا بمعناه عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل «يوم القيامة» فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان بن فلان؛ ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى! كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (١). وخرّج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت ردّت، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون» (٢). وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قال فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء، أي: من الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب»، الآية (٣). قال: وأخبرنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون: ما أدخلكم النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله (٤). وذكر أبو نعيم الحافظ، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا سيار بن حاتم، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء» (٥). هذا حديث غريب تفرد به سيار بن جعفر، لم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل ﵁. قال: وحدّثنا أحمد بن إسحاق بن حمزة، حدّثنا محمد بن علوش بن الحسين الجرجاني، قال: حدّثنا علي بن المثنى، قال: حدّثنا يعقوب بن خليفة أبو

стр. 468

يوسف الأعشى، قال: حدّثني محمد بن مسلم الطائفي، قال: حدّثني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «الجلاوزة والشرط أعوان الظلمة كلاب النار» (١). غريب من حديث طاوس، تفرد به محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس. الجلاوزة: جمع جلواز، قال الجوهري: والجلواز الشرطي، والجمع: الجلاوزة. فصل قال بعض السادة: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل ملك عبدا فعلّمه شرائع الإسلام، فأطاع وأحسن وعصى السيد، فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة، وأمر بسيده إلى النار، فيقول عند ذلك: وا حسرتاه! وا غبناه! أما هذا عبدي! أما كنت مالكا لمهجته وماله؟ وقادرا على جميع ماله؟ فما له سعد، وما لي شقيت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنه تأدّب وما تأدبت، وأحسن وأسأت. ورجل كسب مالا فعصى الله تعالى في جمعه ومنعه ولم يقدمه بين يديه، حتى صار إلى وارثه، فأحسن في إنفاقه وأطاع الله سبحانه في إخراجه، وقدّمه بين يديه، فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة، وأمر بصاحب المال إلى النار، فيقول: وحسرتاه! وا غبناه! أما هذا مالي؛ فما أحسنت به أحوالي وأعمالي؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنه أطاع الله، وما أطعت، وأنفق لوجهه وما أنفقت، فسعد وشقيت. ورجل علّم قوما ووعظهم فعملوا بقوله ولم يعمل؛ فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة، وأمر به إلى النار، فيقول: وا حسرتاه! وا غبناه! أما هذا علمي؟ فما لهم فازوا به وما فزت؟ وسلموا به وما سلمت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنهم عملوا بما قلت، وما عملت، فسعدوا وشقيت. ذكره أبو الفرج بن الجوزي. فصل قال إبراهيم النخعي ﵁: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وقوله تعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. قلت: وألفاظ هذه الآيات تدل مع ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر، وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن

стр. 469

لم يعلمه وإنما كان كذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله، ومستحق لأحكامه، وهو كمن لم ينتفع بعلمه. وقد قال رسول الله ﷺ : «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» وقد تقدم. وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا» (١). وقوله: تندلق، أي: تخرج، والاندلاق: الخروج بسرعة، يقال: اندلق السيف؛ خرج من غمده. وروي: فتنفلق، بدل فتندلق. والأقتاب: الأمعاء، واحدها: قتب، بكسر القاف، وقال الأصمعي: واحدها: قتيبة، ويقال لها أيضا: الأقصاب، واحدها: قصبة، قاله أبو عبيد. وقد قال ﷺ : «رأيت عمرو بن لحي يجرّ قصبه في النار، وهو أول من سيّب السوائب» (٢). قلت: إن قال قائل: قد تقدّم من حديث أبي سعيد الخدري أن من ليس من أهل النار إذا دخلوها أحرقوا فيها وماتوا، على ما ذكرتموه في أصح القولين، وهذه الأحاديث التي جاءت في العصاة بخلافه، فكيف الجمع بينهما؟ قيل له: الجمع ممكن، وذلك - والله أعلم - أن أهل النار الذين هم أهلها، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] قال الحسن: تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة، والعصاة بخلاف هؤلاء فيعذبون وبعد ذلك يموتون. وقد تختلف أيضا أحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم. وقد قيل: إنه يجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم، غير أن آلام المؤمنين تكون أخف من آلام الكفار، لأن آلام المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء، دليله قوله تعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى.

стр. 470

ومثله ما جاء في حديث البراء من قول الكافر: «ربّ لا تقم الساعة، ربّ لا تقم الساعة، ربّ لا تقم الساعة». يرى أن ما يخلص له من عذاب الآخرة أشد مما هو فيه، وقد يكون ما جاء في الخطباء هو عذابهم في القبور، وفي أعضاء مخصوصة كغيرهم، كما جاء في حديث سمرة الطويل على ما تقدم، إلا أن قوله في حديث أسامة بن زيد يوم القيامة يدل على غير ذلك. وقد يحتمل أن يجمع لهم الأمران لعظم ما ارتكبوه من مخالفة قولهم فعلهم، ونعوذ بالله من ذلك. *** ١٦٦ - باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ [الحج: ١٩] وقال: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] وقال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً﴾ [النبأ: ٢٤] أي نوما ﴿وَلا شَراباً * إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً * جَزاءً وِفاقاً﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٦] وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] وقال عز من قائل: ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٥] وقال: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥، ٣٦] قال الهروي: معناه: صديد أهل النار، وما ينغسل ويسيل من أبدانهم. قلت: وهو الغسّاق أيضا. وذكر ابن المبارك: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم وأبي رزين في قوله تعالى: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] قالا ما يسيل من صديد أهل النار (١). وقيل الغساق: القيح الغليظ المنتن. وذكر ابن وهب، عن عبد الله بن عمر، قال الغساق: القيح الغليظ، لو أن قطرة منها تهراق في المغرب أنتنت أهل المشرق، ولو أنها تهراق في المشرق أنتنت أهل المغرب. وقيل: الغساق الذي لا يستطاع من شدة برده، وهو الزمهرير. وقال كعب: الغسّاق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة

стр. 471

فتستنقع، ويؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة فيسقط جلده ولحمه عن العظام، فيجر لحمه في كعبيه كما يجر الرجل ثوبه. وقوله: ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وافق أعمالهم الخبيثة. واختلفت في الضريع؛ فقيل: هو النبت ينبت في الربيع، فإذا كان في الصيف يبس، واسمه إذا كان ورقه شبرق، وإذا تساقط ورقه فهو الضريع؛ فالإبل تأكله، حضر، فإذا يبس لم تذقه، وقيل: هو حجارة، وقيل الزقوم واد في جهنم. وقال المفسرون: إن شجرة الزقوم أصلها في الباب السادس، وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن يتحدر إليها من كان فوقها فيأكلوا منها. وقال أبو عمران الجوني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] قال: بلغنا أن ابن آدم لا ينهش منها نهشة إلا نهشت منه مثلها. والمهل ما كان ذائبا من الفضة والنحاس، وقيل: المهل عكر الزيت الشديد السواد. وقوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٥، ٤٦] يعني: الماء الشديد الحر. *** ١٦٧ - باب منه، وما جاء أن أهل النار يجوعون ويعطشون وفي دعائهم وإجابتهم قال الله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية. (البيهقي) عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربع فإذا كان في الخامسة لا يتكلّمون بعدها أبدا، يقولون: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]. قال: فيجيبهم الله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]

стр. 472

فيجيبهم الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فيجيبهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلا يتكلمون بعدها أبدا. وخرّجه ابن المبارك بأطول من هذا فقال: أخبرنا الحكم بن عمر عن أبي ليلى، حدّثني عامر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني - أو ذكر لي - أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب، فردت عليهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٥٠]. فيقولون: بلى، فردت عليهم الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكا - وهو عليهم وله مجلس في وسطها وجسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال: سألوا الموت، فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة. قال: والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فلما سمعوا منه ما سمعوا وأيسوا مما قبله، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذا صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أي: من منجى. قال: فقام إبليس عند ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ

стр. 473

فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] يقول: بمغن عنكم شيئا ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. قال: فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، قال: فنودوا ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١٠، ١١]. قال: فرد عليهم ذلك بأنه: ﴿إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. قال فهذه واحدة: فنادوا الثانية: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]. يقول: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٣، ١٤]. قال: فهذه ثنتان؛ فنادوا الثالثة: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. فيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٦]. قال: فهذه الثالثة. قال: ثم نادوا الرابعة: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]. قال فيجيبهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ثم مكث عنهم ما شاء الله. ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥]. قال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرضى ربنا عنا، فقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]- أي: الكتاب الذي كتب علينا - ﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧] فقال عند ذلك: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فانقطع عن ذلك الرجاء والدعاء

стр. 474

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٢٧] ينبح بعضهم في وجه بعض وأطبقت عليهم. قال: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر، أنه ذكر له أن ذلك قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. قال ابن المبارك: وحدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال: هانت والله دعوتهم على مالك، ورب مالك. قال: ثم يدعون ربهم. قال فيقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾. قال فسكت عنهم قدر الدنيا مرتين: قال ثم يرد عليهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فو الله ما نبس القوم بعدها بكلمة؛ وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم (١). فشبه أصواتهم بصوت الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. ومعنى ما نبس: ما تكلم. قال الجوهري: يقال ما نبس بكلمة، أي: ما تكلم. وما نبّس بالتشديد أيضا. وقال الراجز: إن كنت غير هالك فنبّس (الترمذي) عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «يلقى على أهل النار الجوع مع ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب؛ فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قال فيقولون: ادعوا مالكا، فيقولون: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]».

стр. 475

قال الأعمش: ثبت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام، قال: فيقولون: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر: ٤٩] فلا أحد خير من ربكم، قال فيقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ قال فيجيبهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل (١). رفعه قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن شمر ابن عطية، عن شهر وهو ثقة عند أهل الحديث، والناس يوقفونه على أبي الدرداء. وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. ولسرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة، ولو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» (٢). قال: هذا حديث صحيح غريب. وعنه عن النبي ﷺ في قوله: «كالمهل»، قال: «كعكر الزيت، وإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه» (٣). قال أبو عيسى هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلّم فيه من جهة حفظه. قلت: وقع في هذا الحديث «فروة وجهه» وهو شاذ، إنما يقال: فروة رأسه أي جلدته، هذا هو المشهور عند أهل اللغة، وكذا جاء في حديث أبي أمامة. وعن أبي حجيزة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» (٤). قال هذا حديث حسن صحيح غريب. وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧] قال: يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ﴾

стр. 476

﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (١) [الكهف: ٢٩] قال: هذا حديث غريب. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه» (٢)؟! قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، خرّجه ابن ماجه أيضا. *** ١٦٨ - باب في ما جاء في بكاء أهل النار، ومن أدناهم عذابا فيها (ابن المبارك) قال: أخبرنا عمران بن زيد الثعلبي، حدّثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت» (٣). خرّجه ابن ماجه أيضا، من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت» (٤). (مسلم) عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» (٥). وروي عن أبي موسى الأشعري موقوفا أنه قال: «إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت فيها السفن لجرت، ثم إنهم يبكون الدم بعد الدموع، ولمثل ما هم فيه فليبك» (٦).

стр. 477

(قال المؤلف ﵀ وهو يستند من معنى ما تقدم: وفي التنزيل: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]. وفي الترمذي من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (١). فمن كثر بكاؤه خوفا من الله تعالى وخشية منه ضحك كثيرا في الآخرة. قال الله تعالى مخبرا عن أهل الجنة: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ووصف أهل النار فقال: ﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] قال: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠]، وسيأتي بيانه. *** ١٦٩ - باب ما جاء أن لكل مسلم فداء من النار من الكفار (ابن ماجه) قال: أخبرنا جبارة بن المغلّس، حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد ﷺ في السجود فسجدوا طويلا، ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم فقد جعلنا عدّتكم فداءكم من النار» (٢). حدّثنا جبارة بن المغلس، حدّثنا كثير بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذه الأمة أمة مرحومة؛ عذابها بأيديها، إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين؛ فيقال: هذا فداؤك من النار» (٣). قلت: هذان الحديثان وإن كان إسنادهما ليس بالقوي - قال الدارقطني: جبارة بن المغلس؛ متروك - فإن معناهما صحيح بدليل حديث مسلم. عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكلّ مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» (٤). وفي رواية أخرى: «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه من النار يهوديا أو نصرانيا». قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات -: أن أباه حدّثه عن رسول الله ﷺ ، قال: فحلف له.

стр. 478

فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذه الأحاديث ظاهرها الإطلاق والعموم، وليست كذلك؛ وإنما هي في ناس مذنبين تفضّل الله تعالى عليهم برحمته ومغفرته، فأعطى كل إنسان منهم فكاكا من النار من الكفار، واستدلّوا بحديث أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى». خرّجه مسلم عن محمد بن عمرو بن عياد بن جبلة بن أبي رواد، قال: حدّثنا حرميّ بن عمارة، قال: حدّثنا شداد أبو طلحة الراسبي، عن عباس، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، [عن أبيه]، عن النبي ﷺ (١). قالوا: وما معنى فيغفرها لهم؟ أي: يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا. ومعنى قوله: «ويضعها على اليهود والنصارى» أنه يضاعف عليهم عذاب ذنوبهم، حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين، لو أخذوا بذلك، لأنه تعالى لا يأخذ أحدا بذنب أحد، كما قال تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] وله سبحانه أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخفف عمن يشاء بحكم إرادته ومشيئته، إذ لا يسأل عن فعله. قالوا: وقوله في الرواية الأخرى: «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل مكانه يهوديا أو نصرانيا»؛ فمعنى ذلك: أن المسلم المذنب لما كان يستحق مكانا من النار بسبب ذنوبه، وعفا الله عنه وبقي مكانه خاليا منه، أضاف الله تعالى ذلك المكان إلى يهودي أو نصراني ليعذب فيه زيادة على تعذيب مكانه الذي يستحقه بحسب كفره، ويشهد لهذا قوله ﵇ في حديث أنس للمؤمن الذي يثبت عند السؤال في القبر فيقال له: «انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة» (٢). قلت: قد جاءت أحاديث دالة على أن لكل مسلم مذنبا كان أو غيره مذنب منزلين: منزلا من الجنة، ومنزلا من النار. وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أي: يرث المؤمنون منازل الكفار، ويجعل الكفار في منازلهم في النار، على ما يأتي بيانه. وهو مقتضى حديث أنس عن النبي ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره» الحديث، وقد تقدم. إلا أن هذه الوارثة تختلف؛ فمنهم من

стр. 479

يرث ولا حساب، ومنهم من يرث بحسابه وبمناقشته، وبعد الخروج من النار، حسب ما تقدم من أحوال الناس، والله أعلم. وقد يحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]. *** ١٧٠ - باب في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (مسلم) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربّ العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة» (١). وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة: «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله، فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقا» (٢). فصل للعلماء في قول النار: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] تأويلان: أحدهما: وعدها ليملأنّها. فقال: أوفيتك؟ فقالت: وهل من مسلك؟ أي: قد امتلأت، كما قال الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد وغيره، وهو ظاهر الحديث. الثاني: زدني، تقول ذلك غيظا على أهلها وحنقا عليهم، كما قال: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي: تنشق، ويبين بعضها من بعض. وقوله: «حتى يضع فيها قدمه» - وفي رواية أخرى: «حتى يضع عليها» وفي أخرى: «رجله» ولم يذكر فيها ولا عليها - فمعناه: عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها، وهم جماعات كثيرة لأن أهل النار يلقون فيها فوجا فوجا، كما

стр. 480

قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]. ويؤيده أيضا قوله في الحديث: «لا يزال يلقى فيها فالخزنة تنظر أولئك المتأخرين إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم»، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه؛ فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منه أحد، قالت الخزنة: قط قط، أي: حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق، إذ لم يبق أحد ينتظر». فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرّجل والقدم، لا أن الله جسم من الأجسام، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. والعرب تعبّر عن جماعة الناس والجراد بالرجل، فتقول: جاءنا رجل من جراد، ورجل من الناس، أي: جماعة منهم، والجمع: أرجل. ويشهد لهذا التأويل (١) قوله في نفس الحديث: «ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله خلقا فيسكنهم فضل الجنة». وفي الحديث تأويلات أتينا عليها في الأسماء والصفات أشبهها ما ذكرناه. وفي التنزيل: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] قال ابن عباس: المعنى: منزل صدق، وقال الطبري: معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عمل صالح. وقيل: هو السابقة الحسنة؛ فدل على أن القدم ليس حقيقة في الجارحة، والله الموفق. قال ابن فورك: وقال بعضهم: القدم خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسمّيه قدما، ويضيفه إليه من طريق الفعل يضعه في النار فتمتلئ النار منه، والله أعلم. قلت: وهذا نحو مما قلناه في الرجل. قال الشاعر: فمرّ بنا رجل من الناس وانزوى … إليهم من الحيّ اليمانيّ أرجل قبائل من لخم وعكّ وحمير على … ابني نزار بالعداوة أحفل وقال آخر: يرى الناس أفواجا إلى باب داره … كأنهم رجلا دبا وجراد فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى … ويوم رقاب بوكرت بحصاد الدبى: الجراد قبل أن يطير، والله أعلم. ***

стр. 481

١٧١ - باب ذكر آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وفي تعيينه وتعيين قبيلته واسمه (مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل النار دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربّ وجدتها ملأى! فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي؟ أو أتضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» (١). وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة؛ فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: أي ربّ أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلّها وأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول: لا يا رب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه رأى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظلّ بظلها، لا أسألك غيرهما، فيقول: يا ابن آدم: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر عليه فيدنيه منها؛ فإذا أدناه منها ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول مثله. فيدنيه منها؛ فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ بي، وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين، فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر» (٢).

стр. 482

وقال ابن عمر عن النبي ﷺ : «آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، تقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين» (١). ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي في كتاب «الاختيار» له في الملح من الأخبار والآثار. ورواه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، من حديث عبد الملك بن الحكم قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه؛ هل بقي من الخلائق أحد»؟ ورواه الدارقطني أيضا في كتاب «رواة مالك» ذكره السهيلي. وقد قيل: إن اسمه هناد، والله أعلم. فصل قوله: «أتستهزئ مني»؟ - وفي رواية: أتسخر؟ - والهزء، والسخرية بمعنى واحد، وفيه تأويلان: أحدهما: أنه صدر منه هذا القول عند غلبة الفرح عليه واستخفافه إياه، كما غلط الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». خرجه مسلم (٢). الثاني: أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلّة احتفالي بأعمالي، وعدم مبالاتي بها؟ فيكون هذا على وجه المقابلة، كما قال الله تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] أي: ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم، والاستهزاء في اللغة: الانتقام. قال الشاعر: قد استهزءوا منهم بألفي مدجّج … سراتهم وسط الصّحاصح جثّم ومثله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] الآية. وهو كثير، وسيأتي لبيان الاستهزاء من الله مزيد بيان (٣)، إن شاء الله تعالى والضحك من الله تعالى راجع إلى معنى الرضى عن العبد، فاعلم ذلك.

стр. 483

١٧٢ - باب منه، وما جاء في خروج الموحّدين من النار وذكر الرجل الذي ينادي: يا حنّان يا منّان، وبيان قوله تعالى ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، وفي أحوال أهل النار خرّج الطبراني أبو القاسم، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا محمد بن عباد المكي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، بن بسام الصيرفي، عن يزيد الفقير، عن رجل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيّرهم أهل الشرك، فيقولون: ما نرى ما كنتم تخالفوننا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، فلا يبقى موحّد إلا أخرجه الله من النار» ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١) [الحجر: ٢]. وروى أبو ظلال، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن عبدا في جهنم ينادي ألف سنة: يا حنّان يا منّان، فيقول الله تعالى لجبريل: ائت عبدي فلانا، فينطلق جبريل ﵇ فيرى أهل النار منكبّين على وجوههم، فيرجع فيقول: يا ربّ؛ لم أره، فيقول الله تعالى: إنه في مكان كذا وكذا، قال فيأتيه فيجيء به، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال فيقول: شرّ مكان، وشرّ مقيل، قال فيقول: ردّوا عبدي، قال فيقول: يا ربّ، ما كنت أرجو أن تردّني إذ أخرجتني منها، فيقول الله تعالى: دعوا عبدي» (٢). وأبو ظلال هذا اسمه هلال بن أبي مالك القسملي، يعدّ في البصريين.

стр. 484

وعن سعيد بن جبير قال: إن في النار لرجلا - أظنه في شعب من شعابها - ينادي مقدار ألف عام: يا حنّان يا منّان، فيقول رب العزّة لجبريل: يا جبريل، أخرج عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع، فيقول: يا رب، إنها عليهم مؤصدة، فيقول: يا جبريل؛ ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار، فيفكّها فيخرج مثل الخيال، فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما. ذكره أبو نعيم (١). وروى ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي» الحديث وقد تقدم. وفيه بعد قوله: «وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إن الله إذا أراد أن يخرج الموحّدين منها قذف في قلوب أهل الأديان فقالوا لهم: كنا وأنتم وآباؤنا جميعا في الدنيا؛ فآمنتم وكفرنا وصدّقتم وكذبنا، وأقررتم وجحدنا؛ فما أغنى ذلك عنكم، نحن وأنتم اليوم فيها سواء، تعذّبون كما نعذب، وتخلدون فيها كما نخلد؛ فيغضب الله عند ذلك غضبا شديدا لم يغضب مثله من شيء فيما مضى؛ ولا يغضب من شيء فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والنار والصراط يقال لها: نهر الحياة، فيرش عليهم الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل؛ فما يلي الظل منها أخضر، وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة فيكتب على جباههم: هؤلاء عتقاء الله من النار، إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنان يا منان؛ فيبعث الله إليه ملكا فيخوض في النار في طلبه سبعين عاما لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من النار منذ سبعين عاما فلم أقدر عليه، فيقول الله تعالى: انطلق فهو في وادي كذا تحت صخرة فأخرجه؛ فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة. ثم إن الجهنميين يطلبون من الله تعالى أن يمحو عنهم ذلك الاسم، فيبعث الله ملكا فيمحوه عن جباههم. ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين: اطّلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى جاره وصديقه، ويرى العبد مولاه، ثم إن الله تعالى يبعث إليهم الملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار: فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام؛ فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩]. وقال ابن مسعود: في عمد، أي: بعمد، وكذا في مصحفه «إنها عليهم مؤصدة بعمد».

стр. 485

وخرّج أبو نعيم الحافظ، عن زاذان قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فنزلت الملائكة فصاروا صفوفا، فيقول الله لجبريل: ائت بجهنم، فيجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله، حتى إن إبراهيم الخليل يقول: بخلّتي لا أسألك إلا نفسي، ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي، ويقول عيسى: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني، ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي، إنما أسألك أمتي. قال فيجيبه الجليل ﷻ : إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فو عزّتي وجلالي لأقرنّ عينك في أمتك. ثم يقف الملائكة بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون به. فيقول لهم تعالى وتقدس: معاشر الزبانية؛ انطلقوا بالمصرّين من أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ إلى النار، فقد اشتدّ غضبي عليهم بتهاونهم بأمري في دار الدنيا، واستخفافهم بحقي وانتهاكهم حرمي، يستخفون من الناس ويبارزونني مع كرامتي لهم وتفضيلي إياهم على الأمم، ولم يعرفوا فضلي وعظيم نعمتي؛ تأخذ الزبانية بلحى الرجال وذوائب النساء فينطلق بهم إلى النار، وما من عبد يساق إلى النار؛ من غير هذه الأمة، إلا مسود وجهه، قد وضعت الأنكال في رجليه والأغلال في عنقه، إلا من كان من هذه الأمة، فإنهم يساقون بألوانهم؛ فإذا وردوا على مالك قال لهم: معاشر الأشقياء، من أي أمة أنتم؟ فما ورد عليّ أحسن وجوها منكم! فيقولون: يا مالك، نحن من أمة القرآن، فيقول لهم: يا معشر الأشقياء، أوليس القرآن أنزل على محمد ﷺ ؟ قال: فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء، فيقولون: وا محمداه! وا محمداه! اشفع لمن أمر به إلى النار من أمتك. قال: فينادي مالك بتهدد وانتهار: يا مالك؛ من أمرك بمعاتبة أهل الشقاء ومحادثتهم والتوقف عن إدخالهم العذاب؟ يا مالك، لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا. يا مالك: لا تغلهم بالأغلال، فقد كانوا يغتسلون من الجنابة. يا مالك، لا تعذبهم بالأنكال، فقد طافوا بيتي الحرام. يا مالك؛ لا تلبسهم القطران، فقد خلعوا ثيابهم للإحرام. يا مالك، مر النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرءون القرآن. يا مالك، قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها. فمنهم من تأخذه النار إلى

стр. 486

كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، ومنهم دون ذلك. فإذا انتقم الله منهم على قدر كبائرهم وعتوّهم وإصرارهم، فتح بينهم وبين المشركين بابا فرأوهم في الطبق الأعلى من النار، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، يبكون ويقولون: يا محمداه، ارحم من أمتك الأشقياء واشفع لهم، فقد أكلت النار لحومهم ودماءهم وعظامهم، ثم ينادون: يا رباه يا سيداه، ارحم من لم يشرك بك في دار الدنيا وإن كان قد أساء وأخطأ وتعدى؛ فعندها يقول المشركون: ما أغنى عنكم إيمانكم بالله وبمحمد شيئا، فيغضب الله تعالى لذلك؛ فعندها يقول: يا جبريل انطلق فأخرج من في النار من أمة محمد، فيخرجهم ضبائر قد امتحشوا فيلقيهم على نهر على باب الجنة يقال له نهر الحياة، فيمكثون حتى يعودوا أنضر ما كانوا، ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوبا على جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد ﷺ فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك، فيتضرعون إلى الله أن يمحو عنهم تلك السمة فيمحوها الله تعالى عنهم، فلا يعرفون بها بعد ذلك أبدا (١). وذكر أبو نعيم الحافظ عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبّار، وكل شيطان، وكل من يخاف الناس شره في الدنيا، فيوثقون بالحديد، ثم أمر بهم إلى النار، ثم أوصدها عليهم، أي: أطبقها؛ فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرارها أبدا، ولا والله ما ينظرون إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفونهم على غمض نوم، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا. قال: ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة افتحوا اليوم الأبواب، فلا تخافوا شيطانا، ولا جبارا، وكلوا اليوم واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية. قال أبو عمران: إذا هي والله يا إخوتاه أيامكم هذه (٢). فصل قوله: «فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل» وجاء في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، ثم يقال: «يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء» والمعنى واحد. والنبات معروف، وهو خروج الشيء. والحبة بكسر الحاء: بذور البقول. وحميل السيل: ما احتمله من طين وغثاء؛ فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتا، فشبّه النبي ﷺ سرعة نبات أجسادهم

стр. 487

بسرعة نبات تلك الحبة، وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]. وقوله: «وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة». اختلف في انقضاء هذا العالم، وفي مدة الدنيا، وأكثر المنجّمون في ذلك، فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة، لكل واحد ألف سنة. وقال بعضهم: بأنها اثنتا عشرة ألف سنة بعدد البروج، لكل ألف سنة. وقال بعضهم: بأنها ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة. وقوله: «إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنان يا منان»؛ الحنان: الذي يقبل على من أعرض عنه (١)، والمنان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، لا إله إلا هو (٢). روي ذلك عن علي ﵁. وقد ذكرنا في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا» مستوفى والحمد لله. وقد تقدم الكلام في نحو ذلك الاسم عنهم، فلا معنى لإعادته. وقوله: «وينساهم على عرشه»؛ أي: يتركهم في العذاب، كما قال: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا عبادته وتوحيده فتركهم. والعرش في كلام العرب له محامل كثيرة، قد أتينا عليها في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» منها: الملك، كما قال زهير: تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها … وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل وقال آخر: بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه … والحارثين يؤمّلون فلاحا وتقول العرب: ثلّ عرش فلان؛ إذا ذهب عزه وسلطانه وملكه. فالمعنى: وينساهم الرحمن على عرشه، أي: بما هو عليه من الملك والسلطان والعظمة والجلال، لا يعبأ بهم، ولا يلتفت إليهم لما حكم به في الأزل عليهم من خلودهم في النار، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط. وأجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلّدون فيها غير خارجين منها، كإبليس، وفرعون، وهامان، وقارون، وكل من كفر وتكبّر وطغى؛ فإن له جهنم لا

стр. 488

يموت فيها ولا يحيا. وقد وعدم الله عذابا أليما، فقال : ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وأجمع أهل السنة أيضا على أنه لا يبقى فيها مؤمن، ولا يخلد إلا كافر جاحد، فاعلم. قلت: وقد زلّ هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء، فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة، فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب، فيعكس عليه فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذّبون فيها، وهذا فساد مردود بوعده الحق وقوله الصدق، قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] وقال: ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ [التوبة: ٢١، ٢٢] وقال في حق الكافرين: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. *** ١٧٣ - باب ما جاء في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] قال: يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار؛ فإذا انتهوا إلى أبوابها أغلقت دونهم، فذلك قوله : ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله : ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦]. قال ابن المبارك: وأخبرنا محمد بن بشار، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له في الدنيا اطّلع من بعض الكوى، قال

стр. 489

الله في آية أخرى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قال: ذكر لنا أنه يطلع فيرى جماجم القوم تغلي. أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه، لقد تغير حبره وسبره، فعند ذلك يقول: ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٦، ٥٧] في النار. والحبر والسّبر: اللون والهيئة، من قولهم: جاءت الإبل حسنة الأحبار والأسبار، قاله الفراء. وقال الأصمعي: هو البهاء والجمال وأثر النعمة، يقال: فلان حسن الحبر والسبر، إذا كان جميلا حسن الهيئة. قال ابن أحمد: لبسنا حبرة حتى اقتضينا … لآجال وأعمار قضينا ويقال أيضا: فلان حسن الحبر والسّبر بالفتح، وهذا كله مصدر قولك: حبرته تحبيرا. والأول اسم، وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه وتزيينه. باب منه وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المستهزئين بعباد الله في الدنيا تفتح لهم أبواب الجنة يوم القيامة يقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم. وتفتح الثانية فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم، وتفتح لهم الثالثة، فيدعون فلا يجيبون، قال فيقول لهم الرب: أنتم المستهزءون بعبادي؟ أنتم آخر الناس حسابا؛ فيقومون حتى يغرقوا في عرقهم، فينادون: يا ربنا إما صرفتنا إلى جهنم وإما إلى رضوانك» (١). باب منه وقال رسول الله ﷺ : «يؤمر يوم القيامة بأناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما رأيتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا، قال: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مختبئين، تراءون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثواب» (٢). ذكره أبو حامد ﵀.

стр. 490

١٧٤ - باب ما جاء في ميراث أهل الجنة منازل أهل النار جاء في الخبر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار، ويجعل الكفار في منازلهم من النار» (١). خرّجه ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار؛ فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]» (٢) إسناده صحيح. قلت: وهذا بيّن في أن لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار، كما تقدم. وقد قال هاهنا: «ما منكم»؛ فخاطب أصحابه الكرام المنزّهين عن الذنوب العظام الموجبة للنيران ﵃، وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب الجنان، إن شاء الله تعالى. *** ١٧٥ - باب ما جاء في خلود أهل الدارين وذبح الموت على الصراط ومن يذبحه (البخاري) عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (٣).

стр. 491

(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم! هذا الموت، قال ثم يقال: يا أهل النار؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت فيها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» (١). وأخرجه أبو عيسى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: «إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار؛ فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار» (٢). قال: حديث حسن صحيح. وذكر ابن ماجه في حديث فيه طول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط، فيقال يا أهل الجنة: فيطّلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا نعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كليهما: خلود فيما تجدون، لا موت فيه أبدا» (٣). خرّجه الترمذي بمعناه مطولا عن أبي هريرة أيضا، وفيه: «فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار أتي بالموت ملبّيا فيوقف على السور الذي بين الجنة وبين النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار؛ فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: عرفناه، هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت» (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح. فصل قلت: هذه الأحاديث مع صحتها نصّ في خلود أهل النار فيها، لا إلى

стр. 492

غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم، وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ إلى قوله ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦، ٣٧ وقال: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقد تقدمت هذه المعاني كلها. فمن قال: إنهم يخرجون منها وإن النار تبقى خالية بجملتها، خاوية على عروشها، وإنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها فيما يقال الجرجير. قال فضل بن صالح المعافري: كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا لأنه جاءني رجل يستأذن عليّ، زعم أنه قدم من الشام في مسألة، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل الجرجير؛ فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به؛ فقال: أستودعك الله وأقرأ عليك السلام. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀. وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد - يعني من الموحدين - هكذا رواه موقوفا من قول عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي ﷺ ، ومثله لا يقال من جهة الرأي؛ فهو مرفوع. فصل قد تقدّم أن الموت معنى، والكلام في ذلك وفي الأعمال وأنها لا تنقلب جوهرا، بل يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذلك الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت، ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا هو الموت، ويكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين.

стр. 493

قال الترمذي: والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة ﵃؛ مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم، أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: ونروي هذه الأحاديث، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء ويؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. قال المؤلف ﵀: وإنما يؤتى بالموت كالكبش - والله أعلم - لما جاء أن ملك الموت أتى آدم ﵇ في صورة كبش أملح، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح على ما تقدم أول الكتاب، في باب: ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر. وفي التفسير من سورة الملك عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها، خطوها مدّ البصر، فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي عن مقاتل والكلبي. ومعنى يشرئبون: يرفعون رؤوسهم. والأملح من الكباش: الذي يكون فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. قاله الكسائي. وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض. وذكر صاحب «خلع النعلين»: أن هذا الكبش المذبوح بين الجنة والنار؛ أن الذي يتولى ذبحه يحيى بن زكريا ﵉، بين يدي النبي ﷺ ، وبأمره الأكرم. وذكر في ذبحه كلاما مناسبا لحياة أهل الجنة وحياة أهل النار. وذكر صاحب كتاب العروس: أن الذي يذبحه جبريل ﵇، فالله أعلم. تم كتاب النار بحمد الله العزيز الغفار، أجارنا الله منها بمنه وبفضله وكرمه، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه، لا إله إلا هو العزيز الغفار، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 494

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها وصف الله تعالى الجنات في كتابه وصفا مقام العيان في غير ما سورة من القرآن، وأكثر ذلك في سورة الواقعة والرحمن، و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وسورة الإنسان، وبيّن ذلك أيضا نبينا محمد ﷺ بأوضح بيان، فنذكر من ذلك ما بلغنا في الأخبار الصحاح والحسان، وعن السلف الصالح أهل الفضل والإحسان ﵃، وحشرنا معهم؛ آمين. ذكر ابن وهب، قال: وحدّثنا ابن زيد قال: إن رسول الله ﷺ ليقرأ: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود قد كان يسأل النبي ﷺ ، فقال له عمر بن الخطاب: حسبك لا تثقل على النبي ﷺ ، قال: دعه يا ابن الخطاب، قال: فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه؛ فقال رسول الله ﷺ : «أخرج نفس صاحبكم أو أخيكم الشوق إلى الجنة» (١). *** ١٧٦ - باب صفة أهل الجنة في الدنيا قال ابن وهب: سمعت ابن زيد يقول: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن وبالبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله : ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلى﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥] وقد تقدم من صفة أهلها ما فيه كفاية، والحمد لله وحده.

стр. 495

١٧٧ - باب منه، وهل تفضل جنة جنة؟ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم وصفهما، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ أي: بعد أداء الفرائض جنتان، قيل: على حدة؛ فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر. قال الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهوته. والمقام: الموضع، أي: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. وقيل: خاف مقام ربه عليه، أي: إشرافه واطلاعه عليه، بيانه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال مجاهد والنخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله، فيدعها من خوفه. وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كلّ بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها نابت». ذكره الهروي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال ابن عباس: أي: وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: ومن دونهما؛ أي: في الدرج، والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين: النخل والشجر، وفي الأخريين: الزرع والنبات وما انبسط. قال الماوردي: ويحتمل أن يكون ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلّدين ليتميز فيها الذكور من الإناث. وقال ابن جريج: هي أربع جنان؛ جنتان منها للسابقين المقربين؛ فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين؛ فيهما فاكهة ونخل ورمان، وفيهما عينان نضاختان.
следующие страницы →