← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم! هذا الموت، قال ثم يقال: يا أهل النار؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت فيها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» (١). وأخرجه أبو عيسى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: «إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار؛ فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار» (٢). قال: حديث حسن صحيح. وذكر ابن ماجه في حديث فيه طول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط، فيقال يا أهل الجنة: فيطّلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا نعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كليهما: خلود فيما تجدون، لا موت فيه أبدا» (٣). خرّجه الترمذي بمعناه مطولا عن أبي هريرة أيضا، وفيه: «فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار أتي بالموت ملبّيا فيوقف على السور الذي بين الجنة وبين النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار؛ فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: عرفناه، هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت» (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح. فصل قلت: هذه الأحاديث مع صحتها نصّ في خلود أهل النار فيها، لا إلى

стр. 492

غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم، وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ إلى قوله ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦، ٣٧ وقال: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقد تقدمت هذه المعاني كلها. فمن قال: إنهم يخرجون منها وإن النار تبقى خالية بجملتها، خاوية على عروشها، وإنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها فيما يقال الجرجير. قال فضل بن صالح المعافري: كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا لأنه جاءني رجل يستأذن عليّ، زعم أنه قدم من الشام في مسألة، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل الجرجير؛ فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به؛ فقال: أستودعك الله وأقرأ عليك السلام. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀. وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد - يعني من الموحدين - هكذا رواه موقوفا من قول عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي ﷺ ، ومثله لا يقال من جهة الرأي؛ فهو مرفوع. فصل قد تقدّم أن الموت معنى، والكلام في ذلك وفي الأعمال وأنها لا تنقلب جوهرا، بل يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذلك الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت، ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا هو الموت، ويكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين.

стр. 493

قال الترمذي: والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة ﵃؛ مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم، أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: ونروي هذه الأحاديث، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء ويؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. قال المؤلف ﵀: وإنما يؤتى بالموت كالكبش - والله أعلم - لما جاء أن ملك الموت أتى آدم ﵇ في صورة كبش أملح، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح على ما تقدم أول الكتاب، في باب: ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر. وفي التفسير من سورة الملك عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها، خطوها مدّ البصر، فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي عن مقاتل والكلبي. ومعنى يشرئبون: يرفعون رؤوسهم. والأملح من الكباش: الذي يكون فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. قاله الكسائي. وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض. وذكر صاحب «خلع النعلين»: أن هذا الكبش المذبوح بين الجنة والنار؛ أن الذي يتولى ذبحه يحيى بن زكريا ﵉، بين يدي النبي ﷺ ، وبأمره الأكرم. وذكر في ذبحه كلاما مناسبا لحياة أهل الجنة وحياة أهل النار. وذكر صاحب كتاب العروس: أن الذي يذبحه جبريل ﵇، فالله أعلم. تم كتاب النار بحمد الله العزيز الغفار، أجارنا الله منها بمنه وبفضله وكرمه، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه، لا إله إلا هو العزيز الغفار، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 494

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها وصف الله تعالى الجنات في كتابه وصفا مقام العيان في غير ما سورة من القرآن، وأكثر ذلك في سورة الواقعة والرحمن، و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وسورة الإنسان، وبيّن ذلك أيضا نبينا محمد ﷺ بأوضح بيان، فنذكر من ذلك ما بلغنا في الأخبار الصحاح والحسان، وعن السلف الصالح أهل الفضل والإحسان ﵃، وحشرنا معهم؛ آمين. ذكر ابن وهب، قال: وحدّثنا ابن زيد قال: إن رسول الله ﷺ ليقرأ: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود قد كان يسأل النبي ﷺ ، فقال له عمر بن الخطاب: حسبك لا تثقل على النبي ﷺ ، قال: دعه يا ابن الخطاب، قال: فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه؛ فقال رسول الله ﷺ : «أخرج نفس صاحبكم أو أخيكم الشوق إلى الجنة» (١). *** ١٧٦ - باب صفة أهل الجنة في الدنيا قال ابن وهب: سمعت ابن زيد يقول: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن وبالبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله : ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلى﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥] وقد تقدم من صفة أهلها ما فيه كفاية، والحمد لله وحده.

стр. 495

١٧٧ - باب منه، وهل تفضل جنة جنة؟ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم وصفهما، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ أي: بعد أداء الفرائض جنتان، قيل: على حدة؛ فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر. قال الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهوته. والمقام: الموضع، أي: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. وقيل: خاف مقام ربه عليه، أي: إشرافه واطلاعه عليه، بيانه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال مجاهد والنخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله، فيدعها من خوفه. وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كلّ بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها نابت». ذكره الهروي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال ابن عباس: أي: وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: ومن دونهما؛ أي: في الدرج، والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين: النخل والشجر، وفي الأخريين: الزرع والنبات وما انبسط. قال الماوردي: ويحتمل أن يكون ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلّدين ليتميز فيها الذكور من الإناث. وقال ابن جريج: هي أربع جنان؛ جنتان منها للسابقين المقربين؛ فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين؛ فيهما فاكهة ونخل ورمان، وفيهما عينان نضاختان.

стр. 496

وقال: ابن زيد: الأوليان من ذهب للمقربين، والأخريان من ورق لأصحاب اليمين. قال المؤلف ﵀: وإلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب «منهاج الدين» له واحتجّ بما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى قوله: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٦٤] قال: هاتان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك. ولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] وفي الأخريين: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أي: فوارتان بالماء، لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] معروف وغريب أو رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو الديباج، وفي الأخريين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] والعبقري: الوشي. ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف: كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وقال في الأوليين في صفة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] وفي الأخريين: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] وفي الأخريين: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي: خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان. ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما يكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب؛ فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من الله تعالى. قال المؤلف ﵀: فهذا قول، والقول الثاني: أن الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أعلى وأفضل من الأوليين، ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقوت وزمرد.

стр. 497

قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أي: ومن أمامهما ومن قبلهما، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله محمد الترمذي الحكيم في: «نوادر الأصول» وقال: ومعنى ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أي: دون هاتين إلى العرش أي: أقرب وأدنى إلى العرش. وقال مقاتل: الجنتان الأوليان؛ جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. قال المؤلف ﵀: ويدل على هذا قوله ﵊: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» (١)، الحديث، وسيأتي. قال الترمذي: وقوله: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أي: بألوان الفواكه والنعيم والجواري المزينات، والدواب المسرجات، والثياب الملونات، وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري. قال المؤلف ﵀: على هذا تدل أقوال المفسرين؛ روي عن ابن عباس نضاختان: أي فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء. وعنه أيضا: أن المعنى نضاختان بالخير والبركة، قاله الحسن ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا وابن مسعود: تنضخ على أولياء الله بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر. وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء. وقوله: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور: هما من الفواكه، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفواكه، كقوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقوله: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليها، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، وإنما ذكر الفواكه ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم بالمدينة إلى مكة إلى ما والاهما من بلاد اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ يعني: النساء، والواحدة خيرة، قال الترمذي: الخيرة ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، واختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال: ﴿حِسانٌ﴾ فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الشيء شيئا بالحسن، فمن

стр. 498

ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن؟ فانظر ما هنالك، وفي الأوليين ذكر بأنهن قاصرات الطرف وكأنهن الياقوت والمرجان؛ فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة الله وبين قاصرات الطرف؟ ثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] وقال في الأوليين: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] قصرن طرفهن على الأزواج، ولم يذكر أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل. وقد بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار، سعتها أربعون ميلا وليس لها باب، حتى إذا حل ولي الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها وهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين، والله أعلم. ثم قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ اختلف في الرفرف، ما هو؟ فقيل: كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها، الواحدة رفرفة. وقيل: الرفرفة شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا، ورفعا وخفضا. يتلذذ به مع أنيسته، واشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء وربما سمي الظليم رفرفا بذلك، لأنه يرف بجناحيه ثم يعدو. ورفرف الطائر أيضا؛ إذا حرّك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه. قال الترمذي الحكيم: فالرفرف أعظم خطرا من العرش. وذكر في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقال هنا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به، أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح. وروي لنا في حديث المعراج: «أن رسول الله ﷺ لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش، فذكر أنه طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أدله إلى جبريل صلوات الله عليهما، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد». والرفرف خادم من الخدم بين يديّ الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء صلوات الله عليهم مخصوصة بذلك في أرضه. فهذا الرفرف الذي سخّره الله لأجل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان.

стр. 499

ثم قال: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ والعبقري: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنها حسان، فما ظنك بتلك العباقر، والعبقري: قرية من ناحية اليمن - فيما بلغنا - ينسج فيها بسط منقوشة (١)، فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر. وإنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا؛ فبان تفاوت هاتين الجنتين. وقد روي عن بعض السلف: فإذا هو يشير إلى أن هاتين الجنتين من دونهما، أي: أسفل منهما وأدون، فكيف يكون مع هذه الصفة أدون؟ فحسبته لم يفهم الصفة. ذكره في الأصل التاسع والثمانين من كتاب «نوادر الأصول». فصل لما قال الله : ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ دل على أن الجنان أربع، لا سبع، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. *** ١٧٨ - باب صفة الجنة ونعيمها، وما أعدّ الله لأهلها فيها (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بله ما أطلعتكم عليه»، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢) [السجدة: ١٧]. بله: بمعنى غير. وقيل: اسم من أسماء الأفعال بمعنى دع. (ابن ماجه) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ، ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمّر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي وربّ الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيّد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد في جدة ونضرة، في دار عالية سليمة بهية» قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله. قال: «قولوا إن شاء الله». ثم ذكر الجهاد وحضّ عليه (٣).

стр. 500

(الترمذي) عن أبي هريرة قال: «قلت: يا رسول الله؛ مم خلق الخلق؟ قال: من الماء. قلت: الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، بلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» (١). وذكر الحديث. وقال: ليس إسناده ذلك بالقوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روى هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: خرّجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدّثنا إبراهيم بن معاوية، عن سعد الطائي، قال: حدّثني أبو المدلّة؛ مولى أم المؤمنين، أنه سمع أبا هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله؛ إذا كنا عندك رقّت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك وشممنا النساء والأولاد أعجبتنا الدنيا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لو أنكم تكونون إذا فارقتموني كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأكفّها ولزارتكم في بيوتكم، ولو كنتم لا تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون كي يستغفروا فيغفر لهم». قلنا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن الجنة؛ ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها الدر والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها يبقى لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (٢). (مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ لابن صياد: «ما تربة الجنة»؟ قال در مكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال: «صدقت» (٣). وعنه، أن ابن صياد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال: «در مكة بيضاء مسك خالص» (٤). (ابن المبارك)، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن العلاء بن يزيد، عن أبي هريرة قال: حائط الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ودرجها اللؤلؤ والياقوت، قال: وكنا تحدّث أن رضاختها اللؤلؤ، وترابها الزعفران (٥). قلت كل هذا مرفوع حسب ما تقدم في هذا الباب، ويأتي. ***

стр. 501

١٧٩ - باب ما جاء في أنهار الجنة وجبالها وما جاء في الدنيا منها قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. وروي أنها تجري في غير أخدود، منضبطة بالقدرة. ويروى عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أنهار الجنة تخرج من تحت تلال أو جبال مسك»، ذكره العقيلي (١). وذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال: حدّثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة جبال من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة». وقيل: فمن الأجبل؟ قال: «جبل أحد، يحبّنا ونحبه، والطور؛ جبل من جبال

стр. 502

الجنة، ولبنان؛ جبل من جبال الجنة، والجودي: جبل من جبل الجنة، والأنهار: النيل والفرات، وسيحان وجيحان، والملاحم: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر» (١). وبالسند المذكور قال: غزونا مع النبي ﷺ أول غزوة غزاها الأبواء حتى إذا كنا بالروحاء نزل بعرق الظبية فصلّى بهم، ثم قال: «هل تدرون ما اسم هذا الجبل»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا خصيب؛ جبل من جبال الجنة، اللهم فبارك فيه وبارك لأهله، وقال للروحاء: هذه سجاسج واد من أودية الجنة، لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيّا؛ ولقد مر بها موسى ﵇، عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورد في سبعين ألفا من بني إسرائيل، حتى جاء البيت العتيق (٢). الحديث. وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. (الترمذي) عن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تنشق الأنهار بعد ذلك» (٣). قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحكيم بن معاوية هو والد بهز بن حكيم. (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة» (٤). وقال كعب: نهر دجلة نهر بالجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر (٥). وذكر البخاري من طريق شريك عن أنس في حديث الإسراء: «فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان يا جبريل؟ قال: النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى في السماء؛ فإذا بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك» (٦). ***

стр. 503

١٨٠ - باب منه وما جاء في رفع هذه الأنهار آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج، ورفع القرآن والعلم ذكر أبو جعفر النحاس: قرئ على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس، عن جامع بن سوادة، قال: حدّثنا سعيد بن سابق، حدّثنا مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل الله إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ؛ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل هو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل ﵇، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة؛ فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والدين» (١). قلت: رفع القرآن عند خروج يأجوج ومأجوج فيه نظر، وسيأتي بيانه آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى. وروي عن المسعودي أنه قال: مدّ الفرات على عهد ابن مسعود فكره الناس مده؛ فقال ابن مسعود: لا تكرهوا مده فإنه سيأتي زمان يلتمس فيه طست مملوء من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون بقية الماء والعيون بالشام، وسيأتي بيان هذا، إن شاء الله تعالى.

стр. 504

١٨١ - باب من أين تفجّر أنهار الجنة؟ (البخاري) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله؛ أفلا تبشر الناس؟ قال: إن في الجنة، مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله: ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة» (١). خرّجه ابن ماجه أيضا وغيره. وقال أبو حاتم البستي: معنى قوله: «فإنه أوسط الجنة» يريد: في الارتفاع، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. وقد قيل: إن الفردوس اسم يشمل جميع الجنة، كما أن جهنم اسم لجميع النيران كلها، لأن الله تعالى مدح في أول سورة المؤمنين أقواما وصفهم، ثم قال: ﴿هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] ثم أعاد ذكرهم في سورة المعارج فقال: ﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، فعلمنا أن الفردوس جنات لا جنة واحدة، قاله وهب بن منبه. *** ١٨٢ - باب ما جاء أن الخمر شراب أهل الجنة ومن شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة وفي لباس أهل الجنة وآنيتهم (النسائي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة». ثم قال رسول الله ﷺ : «لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» (٢).

стр. 505

قلت: إن قال قائل: قد سوّى النبي ﷺ بين الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة، فهل يحرمها إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم؛ إذا لم يتب منها، لقوله ﵊: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» (١). خرّجه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وكذلك لابس الحرير، ومن أكل في آنية الذهب والفضة، أو شرب فيها لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة، وارتكاب ما حرم الله عليه في الدنيا. وقد روى أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو» (٢). وهذا نص صريح، وإسناده صحيح، فإن كان «وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» من قول النبي ﷺ فهو الغاية في البيان، وإن كان من قول الراوي على ما ذكر أنه موقوف (٣)؛ فهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان. *** ١٨٣ - باب ما جاء في أشجار الجنة وفي ثمارها وما يشبه ثمر الجنة في الدنيا. (الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام ولا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها،

стр. 506

واقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١) [آل عمران: ١٨٥]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (ابن المبارك) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو قال - مائة سنة؛ وهي شجرة الخلد» (٢). قال: وأخبرنا ابن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، سمع أبا هريرة يقول: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق؛ والذي أنزل التوراة على لسان موسى بن عمران، والفرقان على محمد ﷺ ؛ لو أن رجلا ركب حقّة أو جذعة ثم دار في أصل تلك الشجرة ما يبلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا ويخرج من أصل تلك الشجرة (٣). (الترمذي) عن أسماء بنت أبي بكر وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول - وذكر لها سدرة المنتهى - قال: «يسير الراكب في ظلّ الفنن مائة سنة أو يستظل بظلها مائة راكب - شك يحيى - فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال» (٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لما رفعت سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، قلت: يا جبريل ما هذه؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران؛ فالنيل والفرات» (٥). قلت: هذا كله لفظ مسلم إلا قوله: «نبقها مثل قلال هجر». أخرجه الدارقطني في «سننه» (٦)، قال: حدّثنا أبو بكر النيسابوري، حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، فذكره. وخرّج البخاري أيضا من حديث قتادة قال: حدّثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله ﷺ : - الحديث حديث الإسراء - وفيه: «ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيلة، وفي

стр. 507

أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان» (١). وذكر الحديث. وفي حديث ابن مسعود «سدرة المنتهى: صبر الجنة». قال أبو عبيدة: صبرها: أعلاها، وكذلك صبر كل شيء أعلاه، والجمع: أصبار. قال النّمر بن تولب يصف روضة: عزبت وباكرها الربيع بديمة … وطفاء تملؤها إلى أصبارها يعني: إلى أعاليها، وهي جماعة للصبر. وقال الأحمر: الصبر جانب الشيء، لغتان: صبر، وبصر، كما قالوا: جبذ وجذب، وقال أبو عبيد: - وقول أبي عبيدة أعجب - إلى أن يكون في أعلاها من أن يكون في جانبها. (ابن المبارك) قال: حدّثنا صفوان، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: إنه لتنفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما، فقال: يا رسول الله؛ لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله ﷺ : «وما هي»؟ قال: السدر؛ فإن له شوكا مؤذيا. فقال رسول الله ﷺ : «أوليس يقول الله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨]؟ يخضد شوكه، فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا، تفتق الثمرة منها على اثنين وسبعين لونا طعام، ما في لون يشبه الآخر» (٢). ويروى التمر بالتاء باثنين فيها كلها، قاله أبو محمد عبد الحق. وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن يزيد البكالي، عن عتبة بن عبد السّلمي قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الجنة، وذكر له الحوض، فقال: فيها فاكهة؟ قال: «نعم؛ فيها شجرة تدعى طوبى» قال: يا رسول الله؛ أي شجر أرضنا يشبهه؟ قال: «لا يشبهه شيء من شجر أرضك، أأتيت الشام؟ هنالك شجرة تدعى الجوزة، تنبت على ساق وتفرش أعلاها. قال: يا رسول الله؛ فما أعظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تتكسّر ترقوتها هرما» قال: فهل فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: «مسيرة الغراب شهرا لا يقع ولا يفتر». قال: فما عظم الحبة منها؟ قال: «أما عمد أبواك وأهلك إلى جذعة فذبحوها وسلخ إهابها، فقال: افروا لنا منها دلوا»؟ فقال: يا رسول الله؛ إن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال:

стр. 508

«نعم وعامة عشيرتك» (١). ذكره أبو عمر في «التمهيد» بإسناده، وهو إسناد صحيح. وذكر مسلم من حديث ابن عباس، في صلاة الكسوف، قالوا: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت في مقامك شيئا، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منها ما بقيت الدنيا» (٢). تكعكعت؛ معناه: تأخّرت، يقال منه: كع يكع كعوعا تأخر، والكع: الضعيف العاجز، قال الشاعر: ولكنني أمضي على ذاك مقدما … إذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا وذكر ابن المبارك: حدّثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها كأمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجرى في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا، ثم أتى على الشيخ فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: مسروق (٣). وذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب، عن أبي أمامة الباهلي قال: طوبى شجرة في الجنة! ليس منها دار إلا فيها غصن منها، ولا طير حسن إلا وهو فيها، ولا ثمرة إلا وهي فيها. وذكر الخطيب أبو بكر أحمد؛ عن إبراهيم بن نوح قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ليس في الدنيا من ثمارها شيء يشبه ثمار الجنة إلا الموز لأن الله تعالى يقول: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] وإننا نجد الموز في الشتاء والصيف. وذكر الثعلبي بإسناده من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني الثقة، عن أبي ذر، قال: أهدي للنبي ﷺ طبق من تين، فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من السماء قلت: هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» (٤). ذكره القشيري أبو نصر، وهذا أتم.

стр. 509

قلت: ورأيت بخط الفقيه الإمام المحدّث أبي الحسن علي بن خلف الكوفي أبي شيخنا أبي القاسم عبد الله، وحدّث حديثا عليه سماع جماعة، على أبي الفرج محمد بن أبي حاتم محمود بن أبي الحسن القزويني في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن زيد الجعفري، في شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا يحيى بن الحسين الحسيني، قال: حدّثنا عقيل بن سمير، حدّثنا علي بن حماد الغازي، حدّثنا عباس بن حميد قال: حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا علي؛ تفكّهوا بالبطيخ وعظّموه، فإن ماءه من الجنة، وحلاوته من حلاوة الجنة، وما من عبد أكل منها لقمة إلا أدخل الله جوفه سبعين دواء، وأخرج منه سبعين داء، وكتب الله له بكل لقمة شعر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] قال: الدباء والبطيخ من الجنة» (١). *** ١٨٤ - باب في كسوة الجنة وكسوة أهلها قال الله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. وقال: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وذكر هناد بن السري قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «أهدي لرسول الله ﷺ سرقة من حرير فجعلوا يتداولونها بينهم، فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يا رسول الله؛ قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها» (٢). قال هناد بن السري: وحدّثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن محمد [بن

стр. 510

زياد، عن] (١) عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أن عطارد بن حاجب أهدى لرسول الله ﷺ ثوبا من ديباج كساه إياه كسرى، فاجتمع إليه الناس فجعلوا يلمسونه ويعجبون ويقولون: يا رسول الله؛ أنزل عليك هذا من السماء؟! فقال: «ما تعجبون! فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، يا غلام اذهب بهذا إلى أبي جهم وجئنا بأنبجانيّته» (٢). *** ١٨٥ - باب ما جاء أن شجر الجنة وثمارها تنفتق عن ثياب الجنة، وخيلها ونجبها (ابن المبارك) أخبرنا معمر، عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله تعالى: تفتقي لعبدي ما شاء، فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيأته كما يشاء، وتنفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيأتها كما يشاء، وعن النجائب والثياب (٣). (النسائي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ أخبرنا عن ثياب أهل الجنة، أخلقا تخلق، أو نسجا تنسج؟ فضحك بعض القوم. فقال: «مم تضحكون؛ إن جاهلا يسأل عالما» فجلس يسيرا أو قليلا، فقال رسول الله ﷺ : «أين السائل عن ثياب الجنة»؟ فقالوا: ها هو ذا يا رسول الله. قال: «لا، بل تنفتق عنها ثمر الجنة، قالها ثلاثا» (٤) والله أعلم. ***

стр. 511

١٨٦ - باب ليس في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب (الترمذي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب» (١). قال: حديث حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بيان آنفا في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. *** ١٨٧ - باب ما جاء في نخيل الجنة وثمرها وخيرها (ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، ولونها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطّعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى حلاوة من العسل، وألين من الزبد، ليس فيها عجم» (٢). (ابن وهب) قال: حدّثنا ابن زيد قال: قال رجل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من نخل، فإني أحب النخل؟ قال: «أي والذي نفسي بيده لها جذوع من ذهب، وكرانيف من ذهب، وجريد من ذهب، وسعف كأحسن حلل يراها امرؤ من العالمين، وعراجين من ذهب، وشماريخ وكرانيف من ذهب، وأقماع من ذهب، وثمارها كالقلال، ألين من الزبد، وأحلى من العسل». وذكر أبو الفرج ابن الجوزي، عن جرير بن عبد الله البجلي، عن النبي ﷺ أنه أخذ عودا بيده فقال: «يا جرير؛ لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال: فقلت: فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر» (٣). ***

стр. 512

١٨٨ - باب الزرع في الجنة (البخاري) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يوما يحدّث وعنده رجل من أهل البادية أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربّه في الزرع، فقال له: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى! ولكني أحب أن أزرع، فأسرع وبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره، أمثال الجبال؛ فيقول الله: دونك يا بن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الأعرابي: يا رسول الله؛ لا تجد هذا إلا قرشيّا أو أنصاريا. فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع. فضحك رسول الله ﷺ (١). *** ١٨٩ - باب ما جاء في أبواب الجنة وكم هي، ولمن هي، وفي تسميتها وسعتها قال الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]. قال جماعة من أهل العلم: هذه واو الثمانية فللجنة ثمانية أبواب. واستدلوا بقوله ﵊: «وما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» رواه عمر بن الخطاب؛ خرّجه مسلم (٢). وجاء في تعيين هذه الأبواب لبعض العلماء كما جاء في حديث «الموطأ» و «صحيح البخاري» ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله؛ هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرّيان» فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما على أحد يدعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب؟ قال: «نعم؛ وأرجو أن تكون منهم» (٣).

стр. 513

قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها: باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. قلت: فذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله أبواب الجنة في «نوادر الأصول» فذكر باب محمد ﷺ ، وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة؛ فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق؛ فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر. فباب منها للصلاة، وباب للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب للصلة، وباب للعمرة، فزاد باب الحج وباب العمرة، وباب الصلة، فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابا (١). وقد ذكر الآجري أبو الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابا يقال له باب الضّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه» (٢). ذكره في كتاب النصيحة. ولا يبعد أن يكون لنا ثالث عشر على ما ذكره أبو عيسى الترمذي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «باب أمتي الذين يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجدّ ثلاثا، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول» (٣). قال الترمذي: سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير، عن سالم بن عبد الله. قلت: فقوله: «باب أمتي»؛ يدل على أنه لسائر أمته، فمن لم يغلب عليه عمل يدعى به، وعلى هذا يكون ثالث عشر، ولهذا يدخلون مزدحمين، وقد تقدم أن أكثر أهل الجنة البله، والله أعلم. ومما يدل على أنها أكثر من ثمانية حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صادقا من نفسه أو قلبه - شك أيهما قال - فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء» (٤). خرّجه الترمذي وغيره.

стр. 514

قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (١) هكذا قال: «فتح له من أبواب الجنة»، وذكره أبو داود والنسائي وابن سنجر «فتحت له أبواب الجنة الثمانية»، ليس فيها ذكر «من»؛ فعلى هذا أبواب الجنة ثمانية كما قالوا. قلت: قد ذكرنا أنها أكثر من ثمانية، وبالله توفيقنا. وأما كون الواو في «وفتحت أبوابها» واو الثمانية، وأن أبواب الجنة كذلك ثمانية أبواب، فقد جاء ما يدل على أنها ليست كذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فخلوّ المتكبر وهو ثامن اسم من الواو يدل على بطلان ذلك القول وتضعيفه. وقد بيناه في سورة براءة والكهف، من كتاب «جامع أحكام القرآن» والحمد لله. وقد خرّج مسلم، عن خالد بن عمير، قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرا على البصرة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الحديث على ما تقدم، وفيه: «ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» (٢) .. الحديث. وخرّج عن أنس في حديث الشفاعة: «والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرا» (٣). وخرّج عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، - لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون آخذ بعضهم بعضا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (٤). فهذه الأحاديث مع صحتها تدل على أنها أكثر من الثمانية، إذ هي غير ما تقدم، فيحصل منها والحمد لله على هذا ستة عشر بابا. وقد ذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتاب (التحبير) له، وقال رسول الله ﷺ : «الخلق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة باب الجنة، حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى الجنة. والخلق السوء طوق من سخط الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من عذاب الله، والسلسلة

стр. 515

مشدودة من باب النار، حيث ما ذهب الخلق السوء جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى النار» (١). وذكر صاحب الفردوس من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «للجنة باب يقال له الفرح، لا يدخل منه إلا من فرّح الصبيان» (٢). فصل قوله: «من أنفق زوجين في سبيل الله»؛ قال الحسن البصري: يعني اثنين من كل شيء؛ دينارين، درهمين، ثوبين، خفّين. وقيل: شيئين؛ دينارا أو درهما، درهما وثوبا، خفا ولجاما، ونحو ذلك. وقال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين. قلت: والأول من التفسير أولى، لأنه مرويّ عن النبي المصطفى ﷺ ، وذكر الآجري عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة»، ثم قال ﷺ : «بعيرين، درهمين، قوسين، نعلين». وأما ما جاء من سعة أبواب الجنة فيحتمل أن يكون بعضها سعته كذا، وبعضها سعته كذا، كما ورد في الأخبار، فلا تعارض والحمد لله. باب منه روى البخاري ومسلم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون فيدخلون منه؛ فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد» (٣). قلت: وهكذا - والله أعلم - سائر الأبواب المختصة بالأعمال. وجاء في حديث أبي هريرة: إن من الناس من يدعى من جميع الأبواب، فقيل: ذلك الدعاء دعاء تنويه وإكرام وإعظام ثواب العاملين تلك الأعمال، إذ قد جمعها ونيله ذلك، ثم يدخل من الباب الذي غلب عليه العمل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال: أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم

стр. 516

مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١). باب منه خرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدّثنا جعفر بن الزبير الحنفي، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «انطلق برجل إلى باب الجنة فرفع رأسه فإذا على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها، والقرض الواحد بثمانية عشر، لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، والصدقة ربما وضعت في يد غني» (٢). خرّجه ابن ماجه في السنن، قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الكريم، حدّثنا هشام بن خالد، حدثنا خالد بن يزيد؛ وحدثنا أبو حاتم، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوب: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر؛ فقلت لجبريل: ما بال القرض أكثر من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» (٣). *** ١٩٠ - باب ما جاء في درج الجنة وما يحصلها للمؤمن (الترمذي) ﵀ عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجنة مائة درجة، كلّ درجة منها ما بين السماء والأرض، وإن أعلاها الفردوس وأوسطها الفردوس، وإن العرش على الفردوس، منها تفجر أنهار الجنة؛ فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» (٤). قال الترمذي: عطاء هذا لم يدرك معاذ بن جبل. قلت: قد خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ كما تقدم، فهو صحيح متصل.

стр. 517

وذكر ابن وهب قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم؛ أنه سمع عتبة بن عبيد الضبي، يذكر عمّن حدّثه أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ كم في الجنة من درجة؟ قال: «مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من فضة، والدرجة الثانية دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، وسبع وتسعون درجة لا يعلم ما هي إلا الله» (١). (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إن الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» (٢). قال: هذا حديث غريب. (ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد؛ فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه» (٣). وخرّجه أبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٤). وذكر أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب «الاختبار في الملح من الأخبار والآثار» عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «درج الجنة على عدد آي القرآن، لكل آية درجة. فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة عشر آية، بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض، وينتهي به إلى أعلى عليين، لها سبعون ألف ركن وهي ياقوتة تضيء مسيرة أيام وليالي» (٥). وقالت عائشة ﵂: «إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن» (٦). ذكره مكي ﵀.

стр. 518

فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: حملة القرآن وقراؤه هم العالمون بأحكامه وبحلاله وحرامه والعاملون بما فيه. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. وقد تقدم حديث العباس بن عبد المطلب في أبواب النار، وحديث أبي هريرة فيمن تعلم العلم وقرأ القرآن عجبا ورياء، ما فيه كفاية لمن تدبر. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم القرآن وعلمه ولم يأخذ بما فيه وحرّفه؛ كان عليه شهيدا ودليلا إلى جهنم، ومن تعلم القرآن وأخذ بما فيه كان له شهيدا ودليلا إلى الجنة» (١). وفي البخاري: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها» (٢)، وذكر الحديث. وقد أشبعنا القول فيه في قارئ القرآن وأحكامه في كتاب «التذكار في فضل الأذكار» وفي مقدمة «جامع أحكام القرآن» ما فيه كفاية والحمد لله. وقد تقدم أن في الجنة مائة درجة أعدها للمجاهدين في سبيله فالجهاد يحصل مائة درجة، وقراءة القرآن تحصل جميع الدرجات، والله المستعان على ذلك، والإخلاص فيه بمنه وفضله. *** ١٩١ - باب ما جاء في غرف الجنة ولمن هي قال الله تعالى: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآية. وقال: ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. وروى مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها

стр. 519

غيرهم؟ قال: «بلى والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين» (١). وخرّج الترمذي الحكيم؛ أخبرنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ : في قوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾. قال: «الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصل وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (٢). قال: وحدّثنا صالح بن عبد الله، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، قالوا: حدّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: «إن المتحابين في الله تعالى لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول أهل الجنة بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله ، فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله » (٣). وذكر الثعلبي من حديث أبي عمران بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال: أشرف رجل من أهل عليين الأبرار، أهل الطاعة والصدق» (٤). وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الغرف ليتراءون عليين كما تتراءون الكوكب الدريّ في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (٥)، ذكره الثعلبي. (الترمذي) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (٦).

стр. 520

وذكر أبو نعيم الحافظ، من حديث محمد بن واسع، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «ألا أخبركم بغرف الجنة»؟ قلنا: بلى؛ بأبينا وأمنا يا رسول الله. قال: «إن في الجنة غرفا من ألوان الجواهر يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت». فقلنا: بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله؛ لمن تلك؟ فقال: «لمن أفشى السلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وصلى والناس نيام». فقلنا: بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله؛ ومن يطيق ذلك؟ فقال: «أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم من يطيق ذلك؛ من لقي أخاه المسلم فسلّم عليه فقد أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى أشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام، ومن صلى العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى والناس نيام، واليهود، والنصارى، والمجوس» (١). فصل اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع. وقوله: «الغائر من المشرق أو المغرب» يروى بالياء؛ اسم فاعل، من غار. وقد روى مسلم «في غير الغارب بتقديم الراء» والمعنى واحد. وروى «الغابر» بالباء بواحدة، ومعناه: الذاهب أو الباقي، فإن غبر من الأضداد، يقال: غبر إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرا لبعده، وقد بيّنه بقوله: «من المشرق أو المغرب». وقد روي «العازب» بالعين المهملة والزاي، أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. وقوله: «والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» ولم يذكر عملا ولا شيئا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة؟ ولو كان كذلك كان جميع الموحّدين في أعالي الغرفات وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والصبر: بذل النفس والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودية، وهذه صفة المقرّبين. وقال في آية أخرى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ﴾

стр. 521

﴿آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] فذكر شأن الغرفة وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بيّن لهم جزاء الضعف وأن محلّهم الغرفات، يعلّمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به مطمئنا به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه؛ فإذا عمل صالحا فلا يخلطه بضده وهو الفاسد. فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره. قلت: ذكره الترمذي الحكيم رحمة الله عليه، وهذا واضح بين، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان: ٥] قال: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] وقال: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧، ٢٨] فلما باين بين الأبرار والمقربين في الشراب - على ما يأتي بيانه - باين بينهم في المنازل والدرجات وأعالي الغرفات، حسب ما باين بينهم في الأعمال الصالحات، بالاجتهاد في الطاعات، قال الله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فيجتهد الإنسان أن يكون من الأبرار المقربين ليكون في عليين، وأصحاب عليين جلساء الرحمن، وهم أصحاب المنابر من النور في المقعد الصدق، وقال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٢]، فأصحاب اليمين في علو الجنان أيضا، وجميعها عوالي، وجنات المقربين جميعها علالي، وإحداهن علية، كقول الشاعر: ألا يا عين ويحك أسعديني … بغزر الدمع في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي … بخير الدار في تلك العلالي باب منه روى من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا ليس لها مغاليق من فوقها، ولا عماد من تحتها». قيل: يا رسول الله؛ وكيف يدخلها أهلها؟ قال: «يدخلونها أشباه الطير». قيل: هي يا رسول الله لمن؟ قال: «لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى» (١). خرّجه أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي.

стр. 522

باب منه روى الليث بن سعد قال: حدّثنا محمد بن عجلان، أن واقد البصري أخبره، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله، يكونوا على منابر من نور». قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «هم يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله، ويمشون لله في الأرض نصحا». قلنا: يا رسول الله؛ هذا يحببون الله إلى الناس فكيف يحببون الناس إلى الله؟ قال: «يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوهم أحبهم الله تعالى» (١). *** ١٩٢ - باب ما جاء في قصور الجنة ودورها وبيوتها وبما ينال ذلك المؤمن خرج الآجري، عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة ﵄ عن تفسير هذه الآية ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف: ١٢] فقالا: على الخبير سقطت؛ سألنا عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «قصر من لؤلؤ في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، فيعطي الله ﵎ المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله» (٢). ذكره في كتاب «النصيحة». وذكر ابن وهب: قال أخبرنا ابن زيد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه ليجاء للرجل الواحد بالقصر من اللؤلؤة الواحدة في ذلك القصر سبعون غرفة، في كل غرفة زوجة من الحور العين، في كل غرفة سبعون بابا يدخل عليه من كل باب رائحة من رائحة الجنة سوى الرائحة التي تدخل عليه من الباب الآخر، وقرأ قول الله

стр. 523

: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (١). (الترمذي) عن بريدة بن الخصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: «يا بلال بما سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل عربي. فقلت: أنا عربي؛ لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا من قريش؛ لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد. قلت: أنا من أمة محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول الله؛ ما أذنت قط إلا صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى عليّ ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : بهما» (٢). قال: حديث حسن صحيح. وخرّج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد مختصرا من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب؛ فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب» (٣). وذكر الدارمي أبو محمد في «مسنده» قال: حدّثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدّثنا حياة، قال: أخبرنا أبو عقيل؛ أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عشر مرات بني له قصر في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا لتكثرن قصورنا! فقال رسول الله ﷺ : «الله أوسع من ذلك» (٤). قال الدارمي: أبو عقيل زاهر بن معبد زعموا أنه كان من الأبدال. وقد تقدّم من حديث سمرة أن النبي ﷺ دخل دار الشهداء أو دار المؤمنين. وخرّج أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، قال: دفنت ابني سنانا؛ وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فقال: حدّثني الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبض الله ابنا لعبد قال للملائكة: ماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد» (٥).

стр. 524

١٩٣ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: «ارتفاعها لكما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام» (١). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الخبر: الفرش في الدرجات، وبين الدرجات كما بين السماء والأرض. قلت: وقد قيل: إن الفرش كناية عن النساء اللواتي في الجنة، والمعنى: نساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا ونعجة، على الاستعارة، لأن الفرش محل النساء، وفي الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢). وقال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. وقال: ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣]. *** ١٩٤ - باب ما جاء في خيام الجنة وأسواقها وتعارف أهل الجنة في الدنيا وعبادتهم فيها (مسلم) عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن». وفي رواية، قال: «الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين» (٣). وخرّج مسلم أيضا، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة لسوقا يأتونها كلّ جمعة فتهبّ ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم المسك فيزدادون

стр. 525

حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» (١). (الترمذي) عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل الله أنه يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم؛ وذكر الحديث، وفيه: «فتأتي سوقا حفّت به الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا، فيقبل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دنيّ فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها» (٢). وذكر الحديث في طريقه أبو العشرين وهو ضعيف. وخرّجه ابن ماجه مكملا، وفيه بعد قوله: قال نعم؛ أخبرني رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ويبرز لهم عرشه، ويبدو لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم - وما فيهم دنيّ - على كثبان المسك والكافور، لا يرون بأن أصحاب الكراسيّ بأفضل منهم مجلسا». قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله؛ هل نرى ربنا؟! قال: نعم؛ هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال: «كذلك لا تمارون في رؤية ربّكم ، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى إنه يقول للرجل منكم ألا تذكر يا فلان يوم علمت كذا وكذا، يذكّره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى؛ فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا، لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ثم يقول: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم. قال: فيأتون سوقا» الحديث بلفظه ومعناه إلى أن قال: «وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقولون: إنا جالسنا اليوم ربّنا الجبار وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا» (٣). وخرّج الترمذي أيضا عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في

стр. 526

الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها» (١). قال: هذا حديث غريب. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة أسواقا لا شراء فيها ولا بيع، أهل الجنة لما أفضوا إلى روح الجنة جلسوا متكئين على لؤلؤ رطب، وترابها مسك يتعارفون في تلك الجنان كيف كانت الدنيا، وكيف كانت عبادة الرب، وكيف يحيى الليل ويصام النهار، وكيف كان فقر الدنيا وغناؤها وكيف كان الموت وكيف صرنا بعد طول البلاء من أهل الجنة» (٢). والله أعلم. *** ١٩٥ - باب لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز خرّج أبو بكر الخطيب أحمد بن علي، من حديث عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز؛ بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» (٣). ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده». قلت: لعل هذا فيمن لا يدخل الجنة بغير حساب وذلك بيّن في الباب بعد هذا. *** ١٩٦ - باب أول الناس يسبق إلى الجنة الفقراء (ابن المبارك) قال: أخبرنا عبد الوهاب بن الورد قال: قال سعيد بن المسيب: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة. قال: «هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا». قال: يا رسول الله؛ أفهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: «لا». قال: فمن أول الناس

стр. 527

يدخل الجنة؟ قال: «الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة فيخرج إليهم منها ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: على ما نحاسب؟ والله ما أفيض علينا من الأموال في الدنيا شيء فنقبض فيها ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين. فيقال: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين» (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الله في الفقراء فإنه يقول يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: من هم يا ربّنا؟ فيقول: الفقراء الصابرون الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة. قال: فيدخلون الجنة يأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون». (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام» (٢). خرّجه من حديث الأعمش سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد. وقال فيه: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم» (٣). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: «يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» (٤). قال: حديث حسن صحيح. وروي عن أبي الدرداء قال: حدّثني عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، قيل له: يا رسول الله؛ وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. قيل له: فكم السنة من شهر؟ قال: خمسمائة شهر. قيل له: فكم الشهر من يوم؟ قال: خمسمائة يوم. قيل له: فكم اليوم؟ قال: خمسمائة مما تعدون». ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا» (٥). قال: هذا حديث حسن صحيح، وخرّجه من حديث أنس أيضا (٦). وقال فيه: حديث غريب. وفي «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 528

يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا» (١). فصل قال المؤلف ﵀: اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء، وقد تقدم حديث أبي بكر بن أبي شيبة «أول ثلاثة يدخلون الجنة» ولا تعارض - والحمد لله - فإن الحديثين مختلفا المعنى. وقد اختلف في أي الفقراء هم السابقون وفي مقدار المدة التي بها يسبقون ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيّد روايته الأخرى، وكذلك حديث جابر يردّ أيضا إلى حديث عبد الله بن عمرو، ويكون المعنى: فقراء المسلمين المهاجرين، إذ المدة فيها أربعون خريفا، ويبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام في فقراء المهاجرين، وكذلك حديث أبي الدرداء في فقراء المسلمين بنصف يوم خمسمائة سنة. ووجه الجمع بينهما أن يقال: إن سباق الفقراء من المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منه بأربعين خريفا، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام، وقد قيل: إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وقيل: السباق بأربعين خريفا على ما تقدم من حديث جابر، والله أعلم. فصل قلت: وقد احتج بأحاديث هذا الباب من فضّل الفقير على الغني، وقد اختلف الناس في هذا المعنى وطال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبا وأبوابا (٢)، واحتج كل فريق لمذهبه في ذلك، والأمر قريب. وقد سئل أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل؛ الغنى أو الفقر؟ فقال: الغنى؛ لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق، ووصف الحق أفضل من وصف الخلق، قال الله تعالى: ﴿* يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. وبالجملة فالفقير بالحقيقة؛ العبد وإن كان له مال، وإنما يكون غنيا إذا عول على مولاه ولم ينظر إلى أحد سواه، فإن تعلق باله بشيء من الدنيا ورأى نفسه أنه

стр. 529

فقير إليه فهو عبده، قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار» (١) الحديث خرجه البخاري وغيره. وقد كتبناه في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة» وتكلمنا عليه، وبيّناه، والحمد لله، وإنما شرف العبد افتقاره إلى مولاه وعزه وخضوعه له. وقد أحسن من قال: وإذا تذلّلت الرقاب تواضعا … منا إليك فعزّ هخا في ذلّها فالغني المعلّق البال بالمال، الحريص عليه، الراغب فيه، هو الفقير حقيقة، وعادمه الذي يقول ما أبالي به، ولا لي رغبة فيه، وإنما هي ضرورة العيش فإذا وجدتها فغيرها زيادة تشغل عن الإرادة، فهو الغني حقيقة، قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» خرّجه مسلم (٢). وأخذ عثمان بن سعدان الموصلي هذا المعنى فقال: تقنع بما يكفيك استعمل الرضى … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال، إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب «قمع الحرص». وقد بقيت هنا درجة ثالثة رفيعة وهي الكفاف التي سألها رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» وفي رواية: «كفافا» خرّجه مسلم (٣). ومعلوم أنه ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال، وأسنى المقامات والأعمال، وقد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر وما أبطر من الغنى مذموم. وفي «سنن ابن ماجه» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من غنيّ ولا فقير إلا يودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا» (٤). الكفاف: حالة متوسطة بين الغنى والفقر. وقد قال ﵊: «خير الأمور أوسطها» (٥). فهي حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوذ منهما النبي ﷺ ، فكانت أفضل منهما. ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير الذي لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله

стр. 530

إلى الفقر أقرب، لقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكفي مرارته وآفاته، وعلى هذا فأهل الكفاف - وهم إن شاء الله صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام - لأنهم وسطهم والوسط العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولا خيارا، وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا. باب منه (الترمذي) عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب؛ حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. *** ١٩٧ - باب منه، وما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنّهم وطولهم وشبابهم وعرقهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم وأزواجهم، وفي لسانهم، وليس في الجنة عزب (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول زمرة يدخلون الجنة - وفي رواية: من أمتي - على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب دري في السماء أضاء - وفي رواية -: ثم هم بعد ذلك منازل، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب - وفي رواية -: الفضة، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين - وفي رواية -: لكل واحد منهم زوجتان؛ يرى مخّ ساقيها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» (٢).
следующие страницы →