← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها» (١). قال: هذا حديث غريب. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة أسواقا لا شراء فيها ولا بيع، أهل الجنة لما أفضوا إلى روح الجنة جلسوا متكئين على لؤلؤ رطب، وترابها مسك يتعارفون في تلك الجنان كيف كانت الدنيا، وكيف كانت عبادة الرب، وكيف يحيى الليل ويصام النهار، وكيف كان فقر الدنيا وغناؤها وكيف كان الموت وكيف صرنا بعد طول البلاء من أهل الجنة» (٢). والله أعلم. *** ١٩٥ - باب لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز خرّج أبو بكر الخطيب أحمد بن علي، من حديث عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز؛ بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» (٣). ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده». قلت: لعل هذا فيمن لا يدخل الجنة بغير حساب وذلك بيّن في الباب بعد هذا. *** ١٩٦ - باب أول الناس يسبق إلى الجنة الفقراء (ابن المبارك) قال: أخبرنا عبد الوهاب بن الورد قال: قال سعيد بن المسيب: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة. قال: «هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا». قال: يا رسول الله؛ أفهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: «لا». قال: فمن أول الناس

стр. 527

يدخل الجنة؟ قال: «الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة فيخرج إليهم منها ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: على ما نحاسب؟ والله ما أفيض علينا من الأموال في الدنيا شيء فنقبض فيها ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين. فيقال: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين» (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الله في الفقراء فإنه يقول يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: من هم يا ربّنا؟ فيقول: الفقراء الصابرون الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة. قال: فيدخلون الجنة يأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون». (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام» (٢). خرّجه من حديث الأعمش سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد. وقال فيه: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم» (٣). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: «يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» (٤). قال: حديث حسن صحيح. وروي عن أبي الدرداء قال: حدّثني عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، قيل له: يا رسول الله؛ وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. قيل له: فكم السنة من شهر؟ قال: خمسمائة شهر. قيل له: فكم الشهر من يوم؟ قال: خمسمائة يوم. قيل له: فكم اليوم؟ قال: خمسمائة مما تعدون». ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا» (٥). قال: هذا حديث حسن صحيح، وخرّجه من حديث أنس أيضا (٦). وقال فيه: حديث غريب. وفي «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 528

يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا» (١). فصل قال المؤلف ﵀: اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء، وقد تقدم حديث أبي بكر بن أبي شيبة «أول ثلاثة يدخلون الجنة» ولا تعارض - والحمد لله - فإن الحديثين مختلفا المعنى. وقد اختلف في أي الفقراء هم السابقون وفي مقدار المدة التي بها يسبقون ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيّد روايته الأخرى، وكذلك حديث جابر يردّ أيضا إلى حديث عبد الله بن عمرو، ويكون المعنى: فقراء المسلمين المهاجرين، إذ المدة فيها أربعون خريفا، ويبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام في فقراء المهاجرين، وكذلك حديث أبي الدرداء في فقراء المسلمين بنصف يوم خمسمائة سنة. ووجه الجمع بينهما أن يقال: إن سباق الفقراء من المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منه بأربعين خريفا، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام، وقد قيل: إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وقيل: السباق بأربعين خريفا على ما تقدم من حديث جابر، والله أعلم. فصل قلت: وقد احتج بأحاديث هذا الباب من فضّل الفقير على الغني، وقد اختلف الناس في هذا المعنى وطال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبا وأبوابا (٢)، واحتج كل فريق لمذهبه في ذلك، والأمر قريب. وقد سئل أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل؛ الغنى أو الفقر؟ فقال: الغنى؛ لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق، ووصف الحق أفضل من وصف الخلق، قال الله تعالى: ﴿* يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. وبالجملة فالفقير بالحقيقة؛ العبد وإن كان له مال، وإنما يكون غنيا إذا عول على مولاه ولم ينظر إلى أحد سواه، فإن تعلق باله بشيء من الدنيا ورأى نفسه أنه

стр. 529

فقير إليه فهو عبده، قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار» (١) الحديث خرجه البخاري وغيره. وقد كتبناه في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة» وتكلمنا عليه، وبيّناه، والحمد لله، وإنما شرف العبد افتقاره إلى مولاه وعزه وخضوعه له. وقد أحسن من قال: وإذا تذلّلت الرقاب تواضعا … منا إليك فعزّ هخا في ذلّها فالغني المعلّق البال بالمال، الحريص عليه، الراغب فيه، هو الفقير حقيقة، وعادمه الذي يقول ما أبالي به، ولا لي رغبة فيه، وإنما هي ضرورة العيش فإذا وجدتها فغيرها زيادة تشغل عن الإرادة، فهو الغني حقيقة، قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» خرّجه مسلم (٢). وأخذ عثمان بن سعدان الموصلي هذا المعنى فقال: تقنع بما يكفيك استعمل الرضى … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال، إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب «قمع الحرص». وقد بقيت هنا درجة ثالثة رفيعة وهي الكفاف التي سألها رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» وفي رواية: «كفافا» خرّجه مسلم (٣). ومعلوم أنه ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال، وأسنى المقامات والأعمال، وقد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر وما أبطر من الغنى مذموم. وفي «سنن ابن ماجه» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من غنيّ ولا فقير إلا يودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا» (٤). الكفاف: حالة متوسطة بين الغنى والفقر. وقد قال ﵊: «خير الأمور أوسطها» (٥). فهي حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوذ منهما النبي ﷺ ، فكانت أفضل منهما. ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير الذي لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله

стр. 530

إلى الفقر أقرب، لقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكفي مرارته وآفاته، وعلى هذا فأهل الكفاف - وهم إن شاء الله صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام - لأنهم وسطهم والوسط العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولا خيارا، وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا. باب منه (الترمذي) عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب؛ حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. *** ١٩٧ - باب منه، وما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنّهم وطولهم وشبابهم وعرقهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم وأزواجهم، وفي لسانهم، وليس في الجنة عزب (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول زمرة يدخلون الجنة - وفي رواية: من أمتي - على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب دري في السماء أضاء - وفي رواية -: ثم هم بعد ذلك منازل، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب - وفي رواية -: الفضة، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين - وفي رواية -: لكل واحد منهم زوجتان؛ يرى مخّ ساقيها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» (٢).

стр. 531

قال أبو علي: الألوة: هو العود - وفي رواية -: «أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم» وفي رواية: «على صورة أبيهم ستون ذراعا في السماء». وقال أبو كريب: «على خلق رجل واحد». وقال أبو هريرة حين تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال: لكل رجل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقيها من وراء اللحم، وما في الجنة عزب. (الترمذي) عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة من أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك بأن الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه» (١). وروي موقوفا. (البخاري) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لو أن امرأة من أهل الجنة اطّلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (٢). (الترمذي) عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» (٣). قال: حديث غريب. وخرج عنه أيضا عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جرداء مرداء مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة» (٤). قال: حديث غريب، وروى عن قتادة مرسلا. وذكر الميانشي من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أهل الجنة مرد إلا موسى بن عمران فإنه له لحية إلى سرته» (٥). (الترمذي) عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: «لو أن ما يقلّه ظفر مما في الجنة بدا إلى الدنيا لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم» (٦). قال: حديث حسن غريب.

стр. 532

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردّون بني ثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها ولا ينقصون، وكذلك أهل النار» (١). قال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين. فصل في حديث أبي هريرة: «لكل واحد منهم زوجتان»، وقد تقدم من حديث عمران بن حصين «أن أقل ساكني الجنة النساء». قال علماؤنا: لم يختلفوا في جنس النساء، وإنما اختلفوا في نوع من الجنس، وهو نساء الدنيا ورجالها أيهما أكثر في الجنة، فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأول، وهو جنس النساء مطلقا؛ فحديث أبي هريرة حجة، وإن كانوا اختلفوا في نوع من الجنس وهم أهل الدنيا؛ فالنساء في الجنة أقل. قلت: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار، وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله؛ فالنساء في الجنة أكثر، وحينئذ يكون لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا، وأما الحور العين فقد تكون لكل واحد منهم الكثير منهم. وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة» (٢). ذكره الترمذي وقال فيه: حديث غريب. ومثله حديث أبي أمامة؛ خرّجه أبو محمد الدارمي، وسيأتي، والأخبار دالة على هذا. وقوله: «وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة»؛ قد يقال هنا: أي حاجة في الجنة للامتشاط، ولا تتلبد شعورهم، ولا تتسخ؟ وأي حاجة للبخور؛ وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعّمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله .

стр. 533

وقلت: وقد جاء مثل هذا في أهل النار حيث قال: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢] وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً﴾ [المزمل: ١٢] فعذبهم في النار بنوع ما كانوا يعذبون به في الدنيا. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في الرجل خشية أن يهربوا؟ لا والله؛ ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استثقلت بهم. (ابن المبارك) قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدّثني عقيل، عن ابن شهاب قال: لسان أهل الجنة عربي، وإذا خرجوا من قبورهم سرياني. وقد تقدم. وقال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية. *** ١٩٨ - باب منه في الحور العين وكلامهن وجواب نساء الآدميات وحسنهن ذكر أن الآدميات في الجنة على سن واحد، وأما الحور العين فأصناف مصنفة، صغار وكبار، على ما اشتهت أنفس أهل الجنة. (الترمذي) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له» (١). وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس. قال أبو عيسى: حديث علي حديث غريب. وقالت عائشة ﵂: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصلّيات وما صلّيتنّ، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتوضّئات وما توضّأتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدّقتنّ. قالت عائشة: فغلبنهن. والله أعلم.

стр. 534

وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو؛ لو أن امرأة من الحور العين أطلعت سوارها من العرش لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسوّرة؟ وإنه ما خلق الله شيئا تلبسه إلا عليه ما عليها من ثياب وحلي. وقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها: القيناء، إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف، عن يمينها وعن يسارها كذلك، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ وقال ابن عباس: إن في الجنة حوراء يقال لها لعبة، لو بزقت في البحر لعذب ماء البحر كله، مكتوب على نحرها: من أحبّ أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي (١). وروي عن النبي ﷺ أنه وصف حوراء ليلة الإسراء فقال: «ولقد رأيت جبينها كالهلال في طول البدر منها ألف وثلاثون ذراعا، في رأسها مائة ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذؤابة أضوأ من البدر مكلّل بالدّر وصفوف الجواهر، على جبينها سطران مكتوبان بالدر والجوهر، في السطر الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي السطر الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي، فقال لي جبريل: يا محمد؛ هذه وأمثالها لأمتك، فأبشر يا محمد وبشّر أمتك، وأمرهم بالاجتهاد». وذكر الختلي أبو القاسم، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي بكر، حدّثنا أبو إسحاق، حدّثني محمد بن صالح قال: قال عطاء السلمي لمالك بن دينار: يا أبا يحيى شوّقنا. قال: يا عطاء؛ إن في الجنة حوراء يتباهى بها أهل الجنة من حسنها، لولا أن الله كتب على أهل الجنة أن يموتوا لماتوا عن آخرهم من حسنها. قال: فلم يزل عطاء كمدا من قول مالك أربعين يوما (٢). (ابن المبارك) قال: أخبرنا معمر بن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخّ ساقيها من وراء اللحم والعظم ومن تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (٣). قال: وأخبرنا رشدين، عن ابن أنعم، عن حيّان بن أبي جبلة قال: إن نساء

стр. 535

الدنيا من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا (١). وروى مرفوعا أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف (٢). *** ١٩٩ - باب ما جاء أن الأعمال الصالحة مهور الحور العين قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا الخطاب أبو الخطاب قال: حدّثنا سهل بن حماد أبو عتاب، قال: حدّثنا جرير بن أيوب البجلي قال: حدّثنا الشعبي، عن نافع بن بردة، عن أبي مسعود الغفاري، سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجوفة، مما نعت الله: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] على كل امرأة منهن سبعون حلة، ليس منها حلة على لون الأخرى، ويعطى سبعين لونا من الطّيب، ليس منهنّ لون على ريح الآخر، لكلّ امرأة منهم سبعون سريرا من ياقوتة حمراء، موشحة بالدّر والياقوت، على كل سرير سبعون فراشا، على كل فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها، وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيفة صحفة من ذهب فيها لون من طعام تجد لآخر لقمة لذة لم تجد لأوله، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سواران من ذهب موشّح بياقوت أحمر، هذا بكل يوم صامه من شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات» (٣).

стр. 536

وخرّج أبو عيسى الترمذي، من حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ست خصال» .. الحديث؛ وفيه: «ويزوّج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين». وقد تقدّم في باب ما ينجي من أهوال القبر وفتنته. قلت: وهذا ما يؤيد ما ذكرناه في حديث أبي هريرة: «لكل واحد منهم زوجتان» أن ذلك من نساء الدنيا، والله أعلم. وقال يحيى بن معاذ: ترك الدنيا شديد، وفوت الجنة أشد، وترك الدنيا مهر الآخرة. ويقال: مهر الحور العين كنس المساجد. ورفعه الثعلبي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «كنس المساجد مهور الحور العين» (١). وعن أبي قرصافة أيضا قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» (٢). القمامة: الكناسة، والجمع قمام، قاله الجوهري. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز» (٣). ذكره الثعلبي أيضا. وقال أبو هريرة: «يتزوج أحدكم فلانة بنت فلان بالمال الكثير، ويدع الحور العين باللقمة والتمرة والكسوة»! وقال محمد بن النعمان المقرئ: كنت قاعدا عند الجلاء المقرئ بمكة في

стр. 537

المسجد الحرام، إذ مرّ بنا شيخ طويل نحيل الجسم، عليه أطمار خلقة، فقام إليه الجلاء ووقف معه ساعة ثم انصرف إلينا، فقال: هل تعرفون من هذا الشيخ؟ فقلنا: لا. فقال: ابتاع من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما أكملها رآها في المنام في حليّها وحللها، فقال: لمن أنت؟ فقالت: أنا الحور التي ابتعتني من الله تعالى بأربعة آلاف ختمة، هذا الثمن فما نحلتي أنا منك؟ قال: ألف ختمة. قال الجلا: فهو يعمل فيها بعد. وروي عن سحنون أنه قال: كان بمصر رجل يقال له سعيد، وكانت له أم من المتعبّدات، وكانت إذا قام من الليل يصلّي تقوم والدته خلفه، فإذا غلب عليه النوم ونعس تناديه والدته: يا سعيد؛ إنه لا ينام من يخاف النار، ويخطب الحور الحسان، فيقوم مرعوبا. ويروى عن ثابت أنه قال: كان أبي من القوّامين لله في سواد الليل، قال: رأيت ذات ليلة في منامي امرأة لا تشبه النساء، فقلت لها: من أنت؟ فقالت: حوراء أمة الله، فقلت لها: زوّجيني نفسك، فقالت: اخطبني من عند ربي وأمهرني. فقلت: وما مهرك؟ فقالت: طول التهجد. وأنشدوا: يا خاطب الحور في خدرها … وطالبا ذاك على قدرها انهض بجدّ لا تكن وانيا … وجاهد النفس على صبرها وجانب الناس وارفضهم … وحالف الوحدة في ذكرها وقم إذا الليل بدا وجهه … وصم نهارا فهو من مهرها فلو رأت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها وهي تماشي بين أترابها … وعقدها يشرق في نحرها لهان في نفسك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها وقال مضر القارئ: غلبني النوم ليلة فنمت عن حزبي، فرأيت في منامي فيما يرى النائم جارية كأن وجهها القمر المستتم، ومعها رقّ؛ فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قلت: نعم، فقالت: اقرأ هذا الكتاب، ففتحته فإذا فيه مكتوب، فو الله ما ذكرته قط إلا ذهب عني النوم: ألهتك اللذائذ والأماني … عن الفردوس والظلل الدواني ولذّة نومة عن خير عيش … مع الخيرات في غرف الجنان تيقّظ من منامك إن خيرا … من النوم التهجد بالقرآن

стр. 538

وقال مالك بن دينار: كان لي أجزاء أقرؤها كل ليلة، فنمت ذات ليلة، فإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال وبيدها رقعة، فقالت: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت: نعم، فدفعت إلى الرقعة، فإذا مكتوب هذه الأبيات: لهاك النوم عن طلب الأماني … وعن تلك الأوانس في الجنان تعيش مخلّدا لا موت فيها … وتلهو في الخيام مع الحسان تنبه من منامك إن خيرا … من النوم التهجّد بالقرآن وروى عن يحيى بن عيسى بن ضرار السعدي وكان قد بكى شوقا إلى الله ستين عاما - قال: رأيت كأن ضفّة نهر يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر اللؤلؤ ونبت من قضبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبّح بكل لسان، سبحان الموجود بكل مكان، سبحان الدائم في كل زمان سبحانه سبحانه، قال: فقلت: من أنتن؟ قلن: خلق من خلق الله سبحانه، قلت: وما تصنعن هاهنا؟ فقلن: ذرأنا إله الناس ربّ محمد … لقوم على الأقدام بالليل قوّم يناجون ربّ العالمين لحقّهم … وتسرى هموم القوم والناس نوّم فقلت: بخ. بخ لهؤلاء من هؤلاء، لقد أقرّ الله أعينهم، فقلن: أما تعرفهم؟ فقلت: والله ما أعرفهم، قلن: هؤلاء المتهجدون بالليل أصحاب السهر. *** ٢٠٠ - باب في الحور العين ومن أيّ شيء خلقن روي أن رسول الله ﷺ سئل عن الحور العين من أي شيء خلقن؟ فقال: «من ثلاثة أشياء: أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وشعورهنّ وحواجبهن سواد خط من نور» (١). وروي عنه ﵊ أنه قال: «سألت جبريل ﵇ فقلت: أخبرني كيف يخلق الله الحور العين؟ فقال لي: يا محمد؛ يخلقهن الله من قضبان العنبر والزعفران، مضروبات عليهن الخيام، أول ما يخلق الله منهن نهدا من مسك أذفر أبيض عليه يلتئم البدن».

стр. 539

وروى عن ابن عباس أنه قال: خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلّة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها نورا ساطعا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أقبلت يرى كبدها من رقة وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك الأذفر، ولكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي: هذا ثواب الأولياء جزاء بما كانوا يعملون. *** ٢٠١ - باب إذا ابتكر الرجل امرأة في الدنيا كانت زوجته في الآخرة (ابن وهب) عن مالك؛ أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج عليه حتى عوتب في ذلك، قال: وغضب عليها وعلى ضرّتها فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتّقاء، وكانت أسماء لا تتّقي، فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر، فقال لها: أي بنية، اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة (١). ولقد بلغني «أن الرجل إذا ابتكر المرأة تزوجها في الجنة» (٢). قال أبو بكر بن العربي: هذا حديث غريب ذكره في أحكام القرآن له. فإن كانت المرأة ذات أزواج فقيل: إن من مات عنها من الأزواج أخراهن له. قال حذيفة لامرأته: إن سرّك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا الله فيها فلا تتزوّجي من بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها في الدنيا (٣). وخطب معاوية بن أبي سفيان أم الدرداء فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء

стр. 540

يحدّث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرأة لآخر أزواجها في الجنة». وقال لي: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوّجي من بعدي (١). وذكر أبو بكر النجاد قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدّثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدّثنا سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس، أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا ثم يموتون ويجتمعون في الجنة، لأيهما تكون للأول أو للآخر؟ قال: «لأحسنهما خلقا كان معها يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (٢). وقيل: إنها تخيّر إذا كانت ذات أزواج. *** ٢٠٢ - باب ما جاء أن في الجنة أكلا وشربا ونكاحا حقيقة ولا قذر فيها، ولا نقص، ولا نوم (مسلم) عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون». قالوا: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء أو رشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد» وفي رواية: «والتكبير، كما يلهمون النّفس» (٣). (الترمذي) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع». قيل: يا رسول الله؛ أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة» (٤). وفي الباب عن زيد بن أرقم. قال أبو عيسى: هذا حسن صحيح. وذكر الدارمي في «مسنده» عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة». فقال

стр. 541

رجل من اليهود: إن الذي يأكل ويشرب يكون منه الحاجة. قال: «ثم يفيض من جلده عرق، فإذا بطنه قد ضمر» (١). وذكر المخرمي عبد الله بن أيوب قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن زيد بن أبي الحواري - وهو زيد العمي - عن ابن عباس قال: قلنا: يا رسول الله؛ أنفضي إلى نسائنا في الجنة، كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: «أي والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» (٢). خرّجه البزار في «مسنده» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله؛ أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ قال: «أي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» (٣). وخرّج عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكارا» (٤). وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. (ابن المبارك) قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن أبي قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتضمر لذلك بطونهم وتفيض عرقا من جلودهم، أطيب من ريح المسك، ثم قرأ: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] (٥). (أبو محمد الداراني) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه الله اثنتين وسبعين زوجة، اثنتين من الحور وسبعين من ميراثه من أهل النار، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهيّ، وله ذكر لا ينثني» (٦). قال هشام بن خالد: من ميراثه من أهل النار؛ يعني رجالا دخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم، كما ورثت امرأة فرعون. وروي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : هل تمس أهل الجنة

стр. 542

أزواجهم؟ فقال: «نعم؟ بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» (١). (الدارقطني) عن جابر بن عبد الله، قيل: يا رسول الله؛ أينام أهل الجنة؟ قال: «لا؛ النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها» (٢)، والله أعلم. *** ٢٠٣ - باب المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة واحدة (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة كما يشتهي» (٣). قال: حديث حسن غريب. أخرجه ابن ماجه وقال: «في ساعة واحدة في الجنة» (٤). قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا؛ فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد. هكذا يروى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي. وقال محمد: قال إسحاق بن إبراهيم، في حديث النبي ﷺ : «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان في ساعة كما يشتهي، ولكن لا يشتهي هذا أبدا»، وقد روى عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد»، والله أعلم. *** ٢٠٤ - باب ما جاء أن كل ما في الجنة دائم لا يبلى ولا يفنى ولا يبيد (مسلم) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا

стр. 543

فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]» (١). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» (٢). وقد تقدم قول الحور العين: «نحن الخالدات فلا نبيد». *** ٢٠٥ - باب ما جاء أن المرأة من أهل الجنة ترى زوجها من أهل الدنيا في الآخرة (ابن وهب) قال: وحدّثنا ابن زيد قال: يقال للمرأة من أهل الجنة وهي في السماء: أتحبين أن نريك زوجك من أهل الدنيا؟ فتقول: نعم، فيكشف لها عن الحجب ويفتح الأبواب بينها وبينه حتى تراه وتعرفه، وتعاهده بالنظر حتى تستبطئ قدومه وتشتاق إليه، كما تشتاق المرأة إلى زوجها الغائب عنها. ولعله يكون بينه وبين زوجته في الدنيا ما يكون بين النساء وأزواجهن من مكالمة أو مخاصمة فتغضبه زوجته التي في الدنيا، فيشقّ ذلك عليها، وتقول: ويحك دعيه من شرّك، إنما هو معك ليال قلائل. أخرجه الترمذي بمعناه عن معاذ بن جبل، وقال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا» (٣). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، خرّجه ابن ماجه أيضا. *** ٢٠٦ - باب ما جاء في طير الجنة وخيلها وإبلها (الترمذي) عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: «نهر أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشدّ بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها

стр. 544

كأعناق الجزر». فقال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ : «آكلها أنعم منها» (١). قال: هذا حديث حسن. وخرّجه الثعلبي، من حديث أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطفّ على يد وليّ الله، فتقول أحدها: يا وليّ الله؛ رعيت في مروج الجنة تحت العرش، وشربت من عيون التسنيم، فكل مني فلا تزال تفتخر بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها. فيخرّ بين يديه على ألوان مختلفة، فيأكل منه ما أراد فإذا شبع تجمع عظام الطير، فيطير يرعى في الجنة حيث شاء». فقال عمر: يا نبي الله؛ إنها لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها» (٢). (الترمذي) عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ هل في الجنة من خيل؟ قال: «إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك حيث شئت إلا فعلت». قال: وسأله رجل، فقال: يا رسول الله؛ هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له ما قال لصاحبه. فقال: «إن يدخلك الله الجنة فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك» (٣). وخرّج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (٤). وذكر ابن وهب قال: حدّثنا ابن زيد قال: كان الحسن البصري يذكر عن رسول الله ﷺ : إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلّدين على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ (٥) [الإنسان: ٢٠]. وذكر ابن المبارك عن شفي بن ماتع، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من نعيم أهل الجنة أنهم ليتزاورون على المطايا والنّجب، وأنهم يؤتون في يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجّمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله» (٦) وذكر الحديث.

стр. 545

وعن عكرمة، عن ابن عباس، أنه ذكر مراكبهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾. وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه خرج إلى غزو فرأى رجلا حزينا قد مات فرسه فبقي محزونا، فقال له: بعني إياه بأربعمائة درهم ففعل الرجل ذلك - أي باعه له - فرأى من ليلته في المنام كأن القيامة قد قامت، وفرسه في الجنة وخلفه سبعمائة فرس. فأراد أن يأخذه فنودي أن دعه، فإنه لابن المبارك وقد كان لك بالأمس، فلما أصبح جاء إليه وطلب الإقالة فقال له: ولم؟ قال: فقص عليه القصة، فقال له: اذهب فما رأيته في المنام رأيناه في اليقظة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذه الحكاية صحيحة لأنها في معنى ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود كما ذكرناه. *** ٢٠٧ - باب ما جاء أن الحناء سيد ريحان الجنة وأن الجنة حفّت بالريحان (ابن المبارك) أنبأنا همام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمر قال: «الحناء سيد ريحان الجنة، وإن فيها من عناق الخيل وكرام النجائب، يركبها أهلها» (١). وقد تقدم عن أبي هريرة موقوفا، أن شجرة طوبى تتفتق عن النجائب والثياب. ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، فاعلمه. وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت من حديث سعيد بن معن المدني قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الجنة حففها بالريحان، وحفف الريحان بالحناء، وما خلق الله شجرة أحبّ إليه من الحناء، وإن المختضب بالحناء لتصلّي عليه ملائكة السماء إذا غدا، وتقدس الأرض». قال السّكري: «وتقدس عليه ملائكة الأرض إذا راح». هذا حديث منكر لا يصح، وفي إسناده غير واحد لا يعرف. وروى الترمذي في كتاب «الشمائل»: حدّثنا محمد بن خليفة وعمرو بن علي قالا: حدّثنا يزيد بن زريع قال: حدّثنا الحجّاج الصواف، عن حنان، عن أبي

стр. 546

عثمان النهدي، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردّه، فإنه خرج من الجنة» (١). قال أبو عيسى: لا يعرف لحنان غير هذا الحديث. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الجرح والتعديل» (٢): «حنان الأسدي من بني أسد بن شريك، وهو حنان صاحب الرقيق، عم مسرهد والد مسدد، وروى عن أبي عثمان النهدي، وروى عنه الحجاج بن أبي عثمان الصواف، سمعت أبي يقول ذلك». وقد تقدّم عن أبي هريرة موقوفا أن شجرة طوبى تتفتق عن النجائب والثياب، ومثل هذا كله لا يقال من جهة الرأي، وإنما هو توقيف، فاعلمه. *** ٢٠٨ - باب ما جاء أن الشاة والمعزى من دواب الجنة (ابن ماجه) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الشاة من دوابّ الجنة» (٣). وفي كتاب البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أحسنوا إلى المعزى وأميطوا عنها الأذى فإنها من دوابّ الجنة» (٤). وفي التنزيل: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وإنما سمّي عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، روي ذلك عن ابن عباس ﵁. ***

стр. 547

٢٠٩ - باب ما جاء أن للجنة ربضا وريحا وكلاما (البيهقي) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]» (١). خرّجه البزار من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وقال لها تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال: طوبى لك منزل الملوك» (٢). وهذا يروى موقوفا عن أبي سعيد الخدري قال: «لما خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها. قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فدخلتها الملائكة. فقالت: طوبى لك منزل الملوك» (٣). وروي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الجنة قال لها: تزيّني؛ فتزيّنت، ثم قال لها: تكلّمي؛ فتكلّمت، ثم قالت: طوبى لمن رضيت عنه» (٤). (النسائي) عن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله بيت له في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة، من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ولا من الشرّ مهربا يموت حيث شاء أن يموت» (٥). وقال عمر بن عبد العزيز والزهدي والكلبي ومجاهد: مؤمنو الجن في ربض ورحاب حول الجنة وليسوا فيها. وروى مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن

стр. 548

ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة» (١). هذا موقوف، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد رواه عبد الله بن نافع الصائغ عن مالك بهذا الإسناد عن النبي ﷺ . وخرّج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمّة الله وذمّة رسوله؛ فقد أخفر بذمّة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» (٢). لفظ الترمذي قال: وفي الباب عن أبي بكر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وخرّج البخاري عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» (٣). *** ٢١٠ - باب ما جاء في أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله (الترمذي) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي فقال: يا محمد؛ أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» (٤). قال: وفي الباب، عن أبي أيوب وهذا حديث حسن غريب. (ابن ماجه) عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ به وهو يغرس غرسا فقال: «يا أبا هريرة؛ ما الذي تغرس؟ قال: غرسا. قال: ألا أدلك على غراس خير من هذا؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة» (٥). (الترمذي) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» (٦). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.

стр. 549

٢١١ - باب ما جاء أن الذّكر نفقة بناء الجنة ذكر الطبري في كتاب «آداب النفوس» قال: حدّثنا الفضل بن الصباح قال: سألت النضر بن إسماعيل، فحدّثني عن حكيم بن محمد الأحمسي، قال: بلغني أن الجنة تبنى بالذّكر، فإذا حبسوا الذكر كفوا عن البناء. فيقال لهم في ذلك، فيقولون: حتى تجيئنا نفقة. قال المؤلف ﵀: الذّكر طاعة الله في امتثال أمره واجتناب نهيه، ودليله ما روي عن النبي ﷺ : «من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلّت صلاته وصومه وصنيعه للخير، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصومه وصنيعه للخير» (١). وذكره أبو عبد الله؛ محمد بن خوازمنداد في «أحكام القرآن» له، وذكره أيضا العامري في «شرح الشهاب» له. قلت: حقيقة الذكر طاعة الله تعالى في امتثال أمره واجتناب نهيه. ولفظه عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطاع الله فقد ذكره وإن كان ساكتا، ومن عصى الله فقد نسيه وإن كان قارئا مسبحا». قال سعيد بن جبير: «الذكر طاعة الله فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن». قال المؤلف ﵀: وهذا والله أعلم لأنه كالمستهزئ والمتهاون ومن اتخذ آيات الله هزوا. وقد قال العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لا تتركوا أمر الله فتكونوا مقصّرين لاعبين، قالوا: ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى، والله أعلم. ***

стр. 550

٢١٢ - باب ما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم (مسلم) عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «سأل موسى ﵇ ربه، فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يأتي بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربّ؛ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربّ، فيقول: لك ذلك ومثله معه، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة، رضيت ربّ، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال: يا رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت؛ غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر»، قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١) [السجدة: ١٧]. وقد روي موقوفا على المغيرة من قوله. (البخاري) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر الناس خروجا من النار، رجل يخرج حبوا، فيقول له ربّه: ادخل الجنة. فيقول: ربّ الجنة ملأى! فيقول له. ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد عليه الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات» (٢). وقد تقدم هذا. وروى عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع قصور قصر من ذهب، وقصر من فضة، وقصر من در، وقصر من زمرد، وقصر من ياقوت وقصر لا تدركه الأبصار، وقصر على لون العرش، في كل قصر من الحلي والحلل والحور العين ما لا يعلمه إلا الله ». ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له. وفي مراسيل الحسن عن رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه» الحديث وقد تقدم. وخرّج الترمذي، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته ونعيمه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّا»، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٣) [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: حديث غريب، وقد روي عن ابن عمر ولم يرفعه.

стр. 551

وخرّج عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، كما بين الجابية إلى صنعاء» (١). قال: هذا حديث غريب. (ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يسير في ملكه مسيرة ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأرفعهم هو الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي» (٢). وقد تقدم هذا مرفوعا وفي الباب عن ابن عمر موقوفا، وهذا الباب والذي قبله يدل على أن أدنى أهل الجنة منزلة له الكثير من الزوجات من الحور العين على ما قررناه فيما تقدم، والله أعلم. *** ٢١٣ - باب رضوان الله تعالى لأهل الجنة أفضل من الجنة (البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّ! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربّنا أيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (٣). أخرجه مسلم بمعناه في حديث فيه طول. *** ٢١٤ - باب رؤية أهل الجنة لله تعالى أحب إليهم مما هم فيه وأقرّ لأعينهم (مسلم) عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك

стр. 552

وتعالى لهم: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟! قال: فيكشف لهم الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » في رواية: ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (١) [يونس: ٢٦]. وخرّجه النسائي عن صهيب قال: «قيل لرسول الله هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ينادي مناد: يا أهل الجنة؛ إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فقالوا: ألم تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى وجه الله ولا أقرّ لأعينهم» (٢). وخرّجه أبو داود الطيالسي أيضا، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله تعالى موعدا، فيقولون: ما هو أليس قد بيّض وجوهنا وثقل موازيننا وأدخلنا الجنة؟ فيقال لهم ثلاثا، فيتجلّى لهم الربّ ﵎ فينظرون إليه فيكون ذلك عندهم أعظم مما أعطوا» (٣). أخبرنا الشيخ الراوية: أبو محمد عبد الوهاب قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماه الله: قرئ على الحافظ السّلفي وأنا أسمع، قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف، حدّثنا أبو القاسم بن بشران، حدّثنا أبو بكر الآجرّي، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، حدّثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الورّاق النيسابوري. حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة نودوا أن يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم تروه قالوا: وما هو؛ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئا هو أحبّ إليهم منه»، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (٤). وكذا أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (٥) والحارث بن أبي أسامة عن يزيد بن

стр. 553

هارون، وانفرد مسلم بإخراجه، فرواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون. ورواه نوح ابن أبي مريم عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: «سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ فقال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى، وهي الجنة» قال: «والزيادة؛ النظر إلى وجهه الكريم» (١). فأخطأ فيه خطأ بينا، ووهم وهما قبيحا. وذكر ابن المبارك. قال: أخبرنا أبو بكر الهذلي، قال: نا أبو تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري على منبر البصرة يقول: إن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون؛ فيرون الحلي والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، أنجزنا الله ما وعدنا. فيقول الملك: هل أنجزكم ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئا مما وعدوا، فيقولون: نعم. فيقول: بقي لكم شيء؛ إن الله تعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى الله تعالى (٢). فصل ما رواه النسائي مرفوعا، وكذلك أبو داود الطيالسي، وأسنداه عن الآجري، وذكره ابن المبارك موقوفا؛ يبين حديث مسلم، وأن المعني بقوله: قال الله تعالى: قال ملك عن الله: تريدون شيئا أزيدكم؟ أي: يزيدكم. وقوله: «فيكشف الحجاب»؛ معناه: أنه يرفع الموانع من الإدراك عن أبصارهم، حتى يروه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال والبهاء والكمال والرفعة والجمال، لا إله إلا هو سبحانه عما يقول الزائفون والمبطلون، فذكر الحجاب إنما هو في حقّ المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون، والباري جل اسمه وتقدّست أسماؤه منزّه عما يحجبه، إذ الحجب إنما يحيط بمقدار محسوس وذلك من نعوتنا، ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم ما شاء وكيف شاء. وروي في صحيح الأحاديث، أن الله تعالى إذا تجلّى لعباده ورفع الحجب عن أعينهم فإذا رأوه؛ تدفّقت الأنهار، واصطفّت الأشجار، وتجاوبت السرر والغرفات بالصرير، والأعين المتدفقات بالخرير، واسترسلت الريح المثيرة، وبثت في الدور والقصور المسك الأذفر والكافور، وغرّدت الطيور، وأشرقت الحور

стр. 554

العين. ذكره أبو المعالي في كتاب الرد له على السجزي. وقال: وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وإن لم يكن منها شيء عن الرؤية والنظر، ولكن الله تعالى يعرف بما شاء من آيات عظمته ودلالات هيبته، وذلك بمثابة تدكدك الجبل الذي تجلّى الله له، وترضرضه حتى صار رملا هائلا سائلا، والله أعلم. *** ٢١٥ - باب منه في الرؤية (مسلم) عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ، إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (١). وعن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربّكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها»، فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٢) [طه: ١٣٠]. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وخرّج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله؛ أكلّنا يرى الله مخليا به يوم القيامة. قال: «نعم». قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين، أليس كلّكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به»؟ قلت: بلى. قال: «فالله أعظم قال ابن معاذ: قال: إنما هو خلق من خلق الله - يعني القمر - فالله أجل وأعظم» (٣). فصل قوله: «إلا رداء الكبرياء على وجهه»؛ الرداء هنا مستعار، كنّى به عن كبريائه وعظمته، يبينه الحديث الآخر: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري» (٤). يريد بذلك: صفتي. فقوله: «رداء الكبرياء» يريد: صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد

стр. 555

أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية القيامة، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن. قال معناه البيهقي وغيره. وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة، وإنما هي توسعات، ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به، ولا يشاركه فيهما غيره؛ عبّر عن عظمته وكبريائه بهما، لأنهما مما لا يجوز مشاركة الله تعالى فيهما، ألا ترى آخر الحديث: «فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم قذفته في النار». *** ٢١٦ - باب منه، وفي سلام الله تعالى عليهم روى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم، فإذا الربّ سبحانه قد أشرف عليهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة، حتى يحتجب عنهم، فإذا احتجب عنهم بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم» (١). فصل قوله: «قد أشرف عليهم» أي: اطّلع، كما يقال: فلان مشرف عليك، أي: مطّلع عليك من مكان عال، والله تعالى لا يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكّن، وإنما يوصف من جهة العلوّ والرفعة، فعبّر عن اطلاعهم عليهم ونظره إليهم بالإشراف، ولما كان سبحانه قائلا متكلما وكان الكلام له صفة في ذاته، لم يزل ولا يزال، فهو يسلّم عليهم سلاما هو قول منه، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. وقوله: «فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة» أي: لهوا عنه بلذة النظر إلى وجهه الكريم، وذلك أن ما دون الله تعالى لا يقاوم تجليه، ولولا أن الله تعالى يثبّتهم ويبقيهم لحلّ بهم ما حلّ بالجبل حين تجلّى له. وقوله: «حتى يحتجب عنهم»؛ يجوز أن يكون معناه: حتى يردّهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه، وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي سهوا عنها، فانتفعوا بنعيم

стр. 556

الجنة الذي وعده لهم، وتنعّموا بشهوات النفوس التي أعدّت لهم وليس ذلك إن شاء الله تعالى على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو بمعنى الغيبة والاستتار، فيكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين، وإلى نعيم الجنة ساكنين، ولكنه يردّهم إلى ما نسوه، ولا تحجبهم عما شاهدوه حجبة غيبة واستتار، يدل على ذلك قوله: «بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم». وكيف يحجبهم عنه وهو ينعت المزيد عليهم، وما وعدهم به من النعيم؟ والنظر إذا صحّ، والحجبة إذا ارتفعت لم يكن بين نظر البصر وشهود السر فرق، ولا بين حال الشهود والغيبة فرق، فيكون محجوبا في حال الغيبة بل تتفق الأوقات وتتساوى الأحوال، فيكون في كل حال شاهدا وبكل جارحة ناظرا، ولا يكون في حال محجوبا ولا بالغيب موصوفا. حكاية حكي عن قيس المجنون أنه قيل له: ندعو لك ليلى؟ فقال: وهل غابت عني فتدعى؟! فقيل له: أتحبّ ليلى؟ فقال: المحبة ذريعة الوصلة، وقد وقع الوصل، فأنا ليلى وليلى أنا! والله أعلم. *** ٢١٧ - باب منه، وبيان قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (يحيى بن سلام) قال: أخبرنا رجل من أهل الكوفة، عن داود بن أبي هند، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة لينظرون إلى ربّهم في كل جمعة على كثيب من كافور، لا يرى طرفاه، وفيه نهر جار حافتاه المسك، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأوّلون والآخرون، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كلّ رجل بيد من شاء منهنّ ثم يمرّون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم، فلولا أن الله تعالى يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها، لما يحدث الله إليهم في كل جمعة» (١). وخرّج عن بكر بن عبد الله المزني قال: إن أهل الجنة ليزورون ربهم في مقدار كل عيد، كأنه يقول: في كل سبعة أيام مرة، فيأتون ربّ العزّة في حلل خضر ووجوه مشرقة وأساور من ذهب مكلّلة بالدرّ والزمرد، عليهم أكاليل الذهب ويركبون نجائبهم ويستأذنون على ربهم، فيأمر لهم ربنا بالكرامة.

стр. 557

وذكر هو وابن المبارك جميعا قال: حدّثنا المسعودي، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة، فإن الله يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون معه في القرب (١). قال ابن المبارك: على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا، وزاد: فيحدث لهم شيئا من الكرامة لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: الزيادة النظر إلى وجه الله ، وليس شيء أحب إلى أهل الجنة من يوم الجمعة يوم المزيد، لأنهم يرون فيه الجبار ﷻ وتقدّست أسماؤه. فصل قلت: قوله: «في كثيب»؛ يريد أهل الجنة، أي: هم على كثيب، كما في مرسل الحسن أول الباب. وقيل: المزيد؛ ما يزوجون به من الحور العين، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا. وذكر أبو نعيم الحافظ، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، قال: إن من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يتمنّون شيئا إلا مطروا. قال خالد: يقول كثير: لئن أشهدني الله ذلك لأقولن لها: أمطرينا جواري مزينات (٢). وقد تقدم من حديث ابن عمرو: «أكرمهم على الله من ينظر إلى الله غدوة وعشية» وهذا يدل على أن أهل الجنة في الرؤية مختلفو الحال. وقد روي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن الله تعالى عبادا لو حجبهم في الجنة ساعة، لاستغاثوا من الجنة ونعيمها، كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها. ***

стр. 558

٢١٨ - باب نبذ من أقوال العلماء في تفسير كلمات وآيات من القرآن وردت في ذكر الجنة وأهلها من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] قال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين، فيذهب الله تعالى ما في قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى؛ فيغتسلون فيها، فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم. وقال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] قال: إذا توجّه أهل الجنة إلى الجنة؛ مرّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغيّر أبشارهم، ولا تتشعّث أشعارهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فتقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وذكره ابن المبارك قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه تلا هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها﴾ [الزمر: ٧٣] حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عند باب الجنة شجرة يخرج من ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها فاغتسلوا منها، فلم تشعث رؤوسهم بعدها أبدا، ولم تغير جلودهم بعدها أبدا، كأنما دهنوا بالدهن، ثم عمدوا إلى الأخرى فشربوا منها، فطهرت أجوافهم وغسلت كل قذر فيها، وتتلقاهم على كل باب من أبواب الجنة ملائكة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ثم تتلاقهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان الدنيا بالحميم يجيء من الغيبة يقولون: أبشر أعد الله لك كذا وكذا، ثم يذهب الغلام منهم إلى الزوجة من أزواجه، فيقول: قد جاء فلان، باسمه الذي كان يدعى في الدنيا، فتقول له: أنت رأيته؟ فيستخفّها الفرح حتى تقوم على أسكفة الباب، ثم ترجع؛ فتجيء فتنظر إلى تأسيس بنيانه من جندل اللؤلؤ أخضر وأصفر وأحمر، من كل لون، ثم يجلس فينظر؛ فإذا زرابيّ مبثوثة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، ثم يرفع رأسه إلى سقف بنيانه، فلولا أن الله قدّر ذلك لأذهب بصره، إنما هو مثل البرق، ثم يقول كما أخبر تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] (١).

стр. 559

وذكره القتبي في «عيون الأخبار» له مرفوعا عن علي ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥] ما هؤلاء الوفد؟ قال: يحشرون ركبانا ثم قال: والذي نفسي بيده؛ إنه إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل الذهب، مرصّعة بأنواع الجوهر، فتسير بهم إلى باب الجنة، قال: وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحدى تلك العيون، فإذا بلغ الشراب البطن؛ طهّرهم الله به من دنس الدنيا وقذرها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾. قال: ثم يغتسلون من العين الأخرى، فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغيّر ألوانهم. قال: ثم يضربون حلق أبواب الجنة، فلو سمعت الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا بها، فيبادر رضوان فيفتح لهم، فينظرون إلى حسن وجهه فيخرّون ساجدين، فيقول لهم رضوان: يا أولياء الله؛ أنا قيّمكم الذي وكلت بكم وبمنازلكم، فينطلق بهم إلى قصور من فضة، شرفاتها من ذهب، يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن، قال: فيقول أولياء الله عند ذلك: يا رضوان! لمن هذا؟ فيقول: هذا لكم. فقال رسول الله ﷺ : «فلولا أن الموت يرفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم فرحا». قال: «ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره»، فيقول له رضوان: اتبعني حتى أريك ما أعدّ الله لك. قال: فيمرّ به فيريه قصورا وخياما، وما أعطاه الله . قال: ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع، قد لوّنت بجميع الألوان، على جنادل الدر والياقوت، وفي الغرفة سرير طوله فرسخ في عرض مثل ذلك، عليه من الفراش كقدر خمسين غرفة، بعضها فوق بعض. قال رسول الله ﷺ : فذلك قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهي من نور والسرير من نور، وعلى رأس ولي الله تاج له سبعون ركنا، في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء، وقد رد الله وجهه كالبدر، وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور، وقد سور بثلاثة أسورة؛ سوار من الذهب وسوار من الفضة وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: الجنات سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم. وقيل: إن الجنان أربع، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. وقال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ولم يذكر سوى هذه الأربع جنة خامسة، فإن قيل: فقد قال: ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ [النجم: ١٥]

стр. 560

قيل: جنة المأوى اسم لجميع الجنان، يدل عليه أنه تعالى قال: ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩]. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال: جنة، ومرة يقال: جنات. وكذلك جنة عدن، وجنات عدن، لأن العدن: الإقامة، وكلّها دار الإقامة، كما أن كلها مأوى المؤمنين، وكذلك دار الخلد ودار السلام لأن جميعها للخلد والسلامة من كل خوف وحزن، وكذلك جنات النعيم وجنة النعيم، لأن كلها مشحونة بأصناف النعيم، ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» له، وقال: إنما منعنا أن نجعل كل واحدة من العدن والمأوى والنعيم جنة سوى الأخرى؛ لأن الله تعالى إن كان سمي شيئا من هذه الأسماء جنة في موضع فقد سمى الجنات كلها بذلك الاسم في موضع آخر، فعلمنا أن هذه الأسماء ليست لتميز جنة من جنة ولكنها للجنان أجمع، لا سيما وقد أتى الله بذكر العدد فلم يثبت إلا أربعا. وقد أثبت لهذه الجنان أبوابا فقال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال ﵊: «إن أبواب الجنة ثمانية». فيحتمل أن يكون ذلك، لأن لكل جنة من الجنان الأربع بابين، ووصف أهل الجنة فصنفهم صنفين أحدهما السابقون المقربون، والآخرون أصحاب اليمين، فعلمنا أن السابقين أهل الجنتين العليتين في قوله: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وأهل اليمين أهل الجنتين الدنيتين في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ وبهذا جاءت الروايات. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال: فتلك للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك (١). قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [الحج: ٢٣] قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وقال هنا: ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]. وفي الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (٢). وقرئ «لؤلؤا» بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤا وأساورا؛ جمع أسورة،

стр. 561

وأسورة واحدها سوار، فيها ثلاث لغات: ضم السين وكسرها، وأسوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة إذ هم ملوك، قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]. روي عن يحيى بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: دار المؤمن في الجنة درة مجوفة وسطها شجرة تنبت الحلل، ويأخذ بإصبعه. أو قال بإصبعيه - سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان. وأخرج ابن المبارك بهذا السند، عن حماد، عن أبي المهزم قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن دار المؤمن في الجنة من لؤلؤة فيها أربعون بيتا، في وسطها شجرة تنبت الحلل، فيذهب فيأخذ بإصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان (١). وقد تقدم هذا المعنى، وأبو المهزم ضعيف. وروي عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن وليّ الله يلبس حلّة ذات وجهين يتجاوبان بصوت مليح، تقول التي تلي جسده: أنا أكرم على ولي الله، أنا أمس بدنه، وأنت لا تمسّينه، وتقول التي تلي وجهه: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أرى وجهه وأنت محجوبة لا ترين وجهه. وقد تقدم أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، من حديث أبي سعيد الخدري، صحّحه أبو عمرو ﵀ وقال: هذا عندي على نحو المعنى الذي نزعنا به في شارب الخمر؛ أنه إذا دخل الجنة لا يشرب فيها خمرا ولا يذكرها ولا يراها ولا تشتهيها نفسه، فكذلك لابس الحرير في الدنيا إن لم يتب منه. قلت: وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة ولم يتب من استعمالها. وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين» فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: «قراء أهل الجنة» (٢). خرّجه الترمذي أبو عبد الله في «نوادر الأصول». وقد قيل: إن حرمانه الخمر ولباسه الحرير وشربه في إناء الذهب والفضة واستماعه الروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذّب في النار ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة؛ أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها، لا خمرا ولا حريرا ولا غيره، لأن

стр. 562

حرمان شيء من لذّات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري يردّ هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك لعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة. قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وقال: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]: الإستبرق: الديباج الكثيف، والسندس: الرقيق الخفيف، وخصّ الأخضر لأنه الموافق البصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم والسواد يورم، والخضرة لون بين السواد والبياض، وتلك تجمع الشعاع. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] الأرائك: جمع أريكة وهي السّرر في الحجل، وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج في شهر واحد ألف حوراء، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا». وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحور سبعين سنة لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها. وقال المسيب بن شريك: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْراباً﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] قال: «هن عجائز الدنيا أنشأهنّ الله خلقا جديدا، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا». فلما سمعت عائشة ذلك قالت: وا وجعاه، فقال النبي ﷺ : «ليس هناك وجع» (١). وذكر يحيى بن سلام، عن صاحب له، عن أبان بن عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم مع زوجته في تكأة واحدة سبعين عاما، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد! فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فيتحول إليها يتنعم معها سبعين عاما في تكأة واحدة فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد؟ فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ﴾

стр. 563

﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فيتحول إليها فيتنعم معها في تكأة واحدة سبعين عاما فهم كذلك يزورون» (١). قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] الحور البيض في قول قتادة والعامة، والعين: العظام العيون. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] يعني: في الآخرة ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال: يعني افتضاض العذارى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال الحسن: مسرورون ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ [يس: ٥٦]. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] فيه قولان: أحدهما: حين يشتهونه، قاله مقاتل. الثاني: بمقدار الغداة والعشي؛ قاله ابن السائب. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قال العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبدا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي. وخرّج أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» له من حديث أبان، عن الحسن وأبي قلابة قال: قال رجل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من ليل؟ قال: «وما هيجك على هذا؟». قال: سمعت الله تعالى يقول في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي، فقال رسول الله ﷺ : «ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يرد الغدوّ على الرواح والرواح على الغدوّ، ويأتيهم طرف الهدايا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّون فيها وتسلم عليهم الملائكة» (٢). قوله تعالى ذكره: ﴿فَواكِهُ﴾ [الصافات: ٤٢] جمع فاكهة. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها، قاله ابن عباس. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ يعني ظلال الشجر ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ أي: ذلّلت ثمارها، يتناولون منها كيف شاءوا، إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلّت إليه، وإن اضطجع تدلّت إليه حتى يتناولها. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤] قال: أهل الجنة يأكلون الثمار من الشجر كيف شاءوا جلوسا ومضطجعين وكيف شاءوا (٣).

стр. 564

واحد القطوف: قطف بكسر القاف. وذكر ابن وهب قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إن خلق أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ستّون ذراعا كالنخلة السّحوق يأكلون من ثمار الجنة قياما» (١). وذكر يحيى بن سلام، عن عثمان، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فراشهم فما تصل إلى أحدهم حتى يبدل مكانها أخرى». قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة ذهب والأخرى فضة، في كل واحدة لون لا يشبه الأخرى». ذكره القتبي في «عيون الأخبار». وقال المفسّرون: يطوف على أدناهم منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا. وأكواب: أي: ويطاف عليهم بأكواب كما قال تعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] قال قتادة: الكوب: المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق المستطيل الطويل العنق الطويل العروة. وقال ابن عزيز: أكواب: أباريق لا عرى لها ولا خراطيم واحدها كوب، قاله الأخفش وقطرب. وقال الجوهري في «الصحاح»: الكوب: كوز لا عروة له، ونحوه قول مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة؛ التي لا آذان لها ولا عرى. ﴿وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] أي: اجتمع فيها صفاء القوارير في بياض الفضة، وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير، قال: وإن تراب الجنة فضة فهي قوارير من فضة، قاله ابن عباس. وقال: هي في صفاء الفضة، وفي ذلك دليل على أن أرض الجنة من فضة، إذ المعهود في الدنيا اتخاذ الآنية من الأرض، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، كالقوارير يرى الشراب من جدر القوارير، وهذا لا يكون في فضة الدنيا.

стр. 565

﴿قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ [الإنسان: ١٦] أي: في أنفسهم؛ فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط، هذا تفسير قتادة. وقال ابن عباس ومجاهد: أتوا بها على قدر رتبهم بغير زيادة ولا نقصان، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً﴾ [الإنسان: ١٧] أي: من كأس، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] يعني: الخمر، قال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] أي من خمر، والمعين: الماء الجاري الظاهر ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، أي: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها صداع ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أي: لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول للحليم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. وقرأ حمزة والكسائي: ينزفون بكسر الزاي، من أنزف القوم إذا حان منهم النزف؛ وهو السّكر، كما يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه، وقيل: المعنى: لا ينفدون شرابهم لأنه دأبهم، والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه فإن كان فارغا فليس بكأس. ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان: ٥] قال الكلبي: كافورا: عينا في الجنة يشرب بها، أي: منها، وقيل الباء زائدة والمعنى: يشربها ومنه ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن. وقال: ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] وكانت العرب تستطيب الزنجبيل وتضرب به المثل وبالخمر ممزوجين، فخاطبهم الله بما كانوا عارفين ويستحبون، كأنه يقول: لكم في الآخرة مثل ما تستحبون في الدنيا إن آمنتم. ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] السلسبيل: اسم العين، والسلسبيل في اللغة صفة لما كان غاية في السلاسة، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ يعني الشراب وهي الخمر ﴿مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦] قال مجاهد: يختم به آخر جرعة. وقيل: المعنى: إذا شربوا هذا الرحيق ففني ما في الكأس وانقطع الختم، ذلك بطعم المسك. وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾: خلطه ليس بخاتم يختم. ألم تر إلى قول المرأة من نسائكم: خلطه من الطيب كذا وكذا، إنما خلطه مسك ليس بخاتم يختم، ذكره ابن المبارك وابن وهب واللفظ لابن وهب. وذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل
следующие страницы →