← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأسورة واحدها سوار، فيها ثلاث لغات: ضم السين وكسرها، وأسوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة إذ هم ملوك، قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]. روي عن يحيى بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: دار المؤمن في الجنة درة مجوفة وسطها شجرة تنبت الحلل، ويأخذ بإصبعه. أو قال بإصبعيه - سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان. وأخرج ابن المبارك بهذا السند، عن حماد، عن أبي المهزم قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن دار المؤمن في الجنة من لؤلؤة فيها أربعون بيتا، في وسطها شجرة تنبت الحلل، فيذهب فيأخذ بإصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان (١). وقد تقدم هذا المعنى، وأبو المهزم ضعيف. وروي عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن وليّ الله يلبس حلّة ذات وجهين يتجاوبان بصوت مليح، تقول التي تلي جسده: أنا أكرم على ولي الله، أنا أمس بدنه، وأنت لا تمسّينه، وتقول التي تلي وجهه: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أرى وجهه وأنت محجوبة لا ترين وجهه. وقد تقدم أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، من حديث أبي سعيد الخدري، صحّحه أبو عمرو ﵀ وقال: هذا عندي على نحو المعنى الذي نزعنا به في شارب الخمر؛ أنه إذا دخل الجنة لا يشرب فيها خمرا ولا يذكرها ولا يراها ولا تشتهيها نفسه، فكذلك لابس الحرير في الدنيا إن لم يتب منه. قلت: وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة ولم يتب من استعمالها. وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين» فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: «قراء أهل الجنة» (٢). خرّجه الترمذي أبو عبد الله في «نوادر الأصول». وقد قيل: إن حرمانه الخمر ولباسه الحرير وشربه في إناء الذهب والفضة واستماعه الروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذّب في النار ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة؛ أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها، لا خمرا ولا حريرا ولا غيره، لأن

стр. 562

حرمان شيء من لذّات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري يردّ هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك لعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة. قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وقال: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]: الإستبرق: الديباج الكثيف، والسندس: الرقيق الخفيف، وخصّ الأخضر لأنه الموافق البصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم والسواد يورم، والخضرة لون بين السواد والبياض، وتلك تجمع الشعاع. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] الأرائك: جمع أريكة وهي السّرر في الحجل، وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج في شهر واحد ألف حوراء، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا». وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحور سبعين سنة لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها. وقال المسيب بن شريك: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْراباً﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] قال: «هن عجائز الدنيا أنشأهنّ الله خلقا جديدا، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا». فلما سمعت عائشة ذلك قالت: وا وجعاه، فقال النبي ﷺ : «ليس هناك وجع» (١). وذكر يحيى بن سلام، عن صاحب له، عن أبان بن عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم مع زوجته في تكأة واحدة سبعين عاما، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد! فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فيتحول إليها يتنعم معها سبعين عاما في تكأة واحدة فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد؟ فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ﴾

стр. 563

﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فيتحول إليها فيتنعم معها في تكأة واحدة سبعين عاما فهم كذلك يزورون» (١). قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] الحور البيض في قول قتادة والعامة، والعين: العظام العيون. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] يعني: في الآخرة ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال: يعني افتضاض العذارى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال الحسن: مسرورون ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ [يس: ٥٦]. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] فيه قولان: أحدهما: حين يشتهونه، قاله مقاتل. الثاني: بمقدار الغداة والعشي؛ قاله ابن السائب. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قال العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبدا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي. وخرّج أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» له من حديث أبان، عن الحسن وأبي قلابة قال: قال رجل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من ليل؟ قال: «وما هيجك على هذا؟». قال: سمعت الله تعالى يقول في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي، فقال رسول الله ﷺ : «ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يرد الغدوّ على الرواح والرواح على الغدوّ، ويأتيهم طرف الهدايا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّون فيها وتسلم عليهم الملائكة» (٢). قوله تعالى ذكره: ﴿فَواكِهُ﴾ [الصافات: ٤٢] جمع فاكهة. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها، قاله ابن عباس. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ يعني ظلال الشجر ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ أي: ذلّلت ثمارها، يتناولون منها كيف شاءوا، إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلّت إليه، وإن اضطجع تدلّت إليه حتى يتناولها. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤] قال: أهل الجنة يأكلون الثمار من الشجر كيف شاءوا جلوسا ومضطجعين وكيف شاءوا (٣).

стр. 564

واحد القطوف: قطف بكسر القاف. وذكر ابن وهب قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إن خلق أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ستّون ذراعا كالنخلة السّحوق يأكلون من ثمار الجنة قياما» (١). وذكر يحيى بن سلام، عن عثمان، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فراشهم فما تصل إلى أحدهم حتى يبدل مكانها أخرى». قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة ذهب والأخرى فضة، في كل واحدة لون لا يشبه الأخرى». ذكره القتبي في «عيون الأخبار». وقال المفسّرون: يطوف على أدناهم منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا. وأكواب: أي: ويطاف عليهم بأكواب كما قال تعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] قال قتادة: الكوب: المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق المستطيل الطويل العنق الطويل العروة. وقال ابن عزيز: أكواب: أباريق لا عرى لها ولا خراطيم واحدها كوب، قاله الأخفش وقطرب. وقال الجوهري في «الصحاح»: الكوب: كوز لا عروة له، ونحوه قول مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة؛ التي لا آذان لها ولا عرى. ﴿وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] أي: اجتمع فيها صفاء القوارير في بياض الفضة، وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير، قال: وإن تراب الجنة فضة فهي قوارير من فضة، قاله ابن عباس. وقال: هي في صفاء الفضة، وفي ذلك دليل على أن أرض الجنة من فضة، إذ المعهود في الدنيا اتخاذ الآنية من الأرض، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، كالقوارير يرى الشراب من جدر القوارير، وهذا لا يكون في فضة الدنيا.

стр. 565

﴿قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ [الإنسان: ١٦] أي: في أنفسهم؛ فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط، هذا تفسير قتادة. وقال ابن عباس ومجاهد: أتوا بها على قدر رتبهم بغير زيادة ولا نقصان، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً﴾ [الإنسان: ١٧] أي: من كأس، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] يعني: الخمر، قال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] أي من خمر، والمعين: الماء الجاري الظاهر ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، أي: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها صداع ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أي: لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول للحليم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. وقرأ حمزة والكسائي: ينزفون بكسر الزاي، من أنزف القوم إذا حان منهم النزف؛ وهو السّكر، كما يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه، وقيل: المعنى: لا ينفدون شرابهم لأنه دأبهم، والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه فإن كان فارغا فليس بكأس. ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ [الإنسان: ٥] قال الكلبي: كافورا: عينا في الجنة يشرب بها، أي: منها، وقيل الباء زائدة والمعنى: يشربها ومنه ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن. وقال: ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] وكانت العرب تستطيب الزنجبيل وتضرب به المثل وبالخمر ممزوجين، فخاطبهم الله بما كانوا عارفين ويستحبون، كأنه يقول: لكم في الآخرة مثل ما تستحبون في الدنيا إن آمنتم. ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان: ١٧] السلسبيل: اسم العين، والسلسبيل في اللغة صفة لما كان غاية في السلاسة، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ يعني الشراب وهي الخمر ﴿مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦] قال مجاهد: يختم به آخر جرعة. وقيل: المعنى: إذا شربوا هذا الرحيق ففني ما في الكأس وانقطع الختم، ذلك بطعم المسك. وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾: خلطه ليس بخاتم يختم. ألم تر إلى قول المرأة من نسائكم: خلطه من الطيب كذا وكذا، إنما خلطه مسك ليس بخاتم يختم، ذكره ابن المبارك وابن وهب واللفظ لابن وهب. وذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل

стр. 566

الفضة يختمون به آخر شربتهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها (١). أي: في الدنيا بالأعمال الصالحة. قال ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: مزاج ذلك الشراب. ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] قال قتادة: يشرب بها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة، ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] أشرف شراب في الجنة، وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور، وقد تسنم العيون والمياه، فتشرف عليهم تجري من أعلى العرش، يحقق ذلك ما رواه أبو مقاتل، عن صالح بن سعيد، عن أبي سهل، عن الحسن بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكرها الله ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ [الإنسان: ٦] والأخرى ﴿نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] من فوق العرش. إحداهما التي ذكرها الله سلسبيلا والأخرى التسنيم» (٢). ذكره الترمذي الحكيم «في نوادر الأصول» في الأصل التاسع والثمانين وقال: التسنيم للمعذبين خاصة شربا لهم. والكافور للأبرار شربا لهم. والكافور يمزج للأبرار، من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مزاج، هكذا ذكره في التنزيل، وسكت عن ذلك لمن هي له شرب، فما كان للأبرار مزاجا فهو للمقربين صرفا، وما كان للأبرار صرفا فهو لسائر أهل الجنة مزاجا، والأبرار: هم الصادقون، والمقربون هم الصدّيقون. قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وفي التنزيل: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٥، ٤٦] أي: لذيذة، يقال شراب لذيذ إذا كان طيبا. قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [ص: ٥٢] أي: نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم. قال ابن زيد: إن المرأة منهنّ تقول لزوجها: وعزّة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك. و ﴿عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]: عظام العيون، الواحدة منها عيناء. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أي: مصون. وقال الحسن وابن زيد: شبّههنّ ببيض تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونه أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء. قيل: المراد بالبيض:

стр. 567

اللؤلؤ، كقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣] أي: في أصدافه. وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] يعني النساء، الواحدة خيرة، وأصله خيّرات فخفّف كهيّن وليّن. (ابن المبارك) قال: أنبأنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن أبي عامر قال: لو أن خيّرة من خيّرات حسان اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها (١). والنصيف: القناع. وقوله: ﴿حِسانٌ﴾ أي: حسان الخلق. وإذا قال تعالى: ﴿حِسانٌ﴾؛ فمن يقدر أن يصف حسنهن. ﴿حُورٌ﴾ أي: بيض مقصورات؛ أي: محبوسات في الخيام، جمع خيمة. وقد تقدّم صفتها. وقال ابن عباس: الخيمة درة مجوّفة فرسخ في مثله لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ذكره ابن المبارك: أنبأنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس (٢). وذكر عن أبي الدرداء: قال الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها در (٣). وعن أبي الأحوص: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قال: الدر المجوف (٤). وقال الترمذي الحكيم في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ قال: بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار لسعتها أربعون ميلا، وليس لها في ذلك باب، حتى إذا حل وليّ الله بالجنة انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم وليّ الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين. وذكر الدارقطني في كتاب «المدبج» عن المعتمر بن سليمان، قال: إن في الجنة نهرا ينبت الجواري الأبكار. والرفرف: المجالس، قاله قتادة. وقيل: فضول المجالس. وقال أبو عبيد: الرفرف: العرش.

стр. 568

وقال الترمذي الحكيم: إن الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا، يتلذذ به مع أنيسته، فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل في السماع، فيروى في الخبر أنه ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحاتهم، فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل في السماع بأنواع الأغاني تسبيحا وتقديسا للملك القدوس فلم تبق شجرة في الجنة إلا وردت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة على باب إلا طنت بأنواع طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحي الله ﵎ إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان، فيجاوبون بألحان وأصوات روحانية، فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله ذكره: يا داود قم عند ساق العرش تجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يعم الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة وأهل الخيام من تلك الرفارف تهوي بهم وقد حفت بهم أفانين اللذات والأغاني، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]. وعن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قال: الروضة: اللذات والسماع، قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] العبقري: الفرش له، قال ابن عباس: الواحدة عبقرة؛ وهي النمارق، أيضا في قوله تعالى: ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥، ١٦] والزرابي: البسط، مبثوثة: مبسوطة، وقيل: أي: منسوجة بالدر والياقوت، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] يعني: أهل الجنة من غير السابقين، وأهل الجنة كلهم أصحاب يمين. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] وهو الذي نزع شوكه، وقد تقدم. ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] أي: بعضه على بعض، وقال المفسرون: الطلح: شجر الموز هاهنا، وهو عند العرب شجر حسن اللون لخضرته، وإنما خصّ بالذكر لأن قريشا كانوا يتعجبون من خضرته وكثرة ظلاله من طلح وسدر، فخوطبوا ووعدوا لما يحبون مثله، قاله مجاهد وغيره. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] قال مجاهد: مطهرة من البول والغائط والحيض والنخام والبصاق والمني والولد. ذكره ابن المبارك؛ أنبأنا ابن جريج عن مجاهد فذكره. ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: باقون لا خروج لهم منها وقد تقدم.

стр. 569

وقال مجاهد أيضا في قوله تعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] قال: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا، وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، السرير منها ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة، وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد، والله أعلم. *** ٢١٩ - باب ما جاء في أطفال المسلمين والمشركين وذكر أبو عمر في كتاب «التمهيد» و «الاستذكار» وأبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» والمفسرون، عن علي بن أبي طالب ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩] قال: هم أطفال المسلمين (١). زاد الترمذي: لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. وقال أبو عمر: الجمهور من العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، وقد ذهب طائفة العلماء إلى الوقف في أطفال المسلمين وأولاد المشركين أن يكونوا في جنة أو في نار، منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الأطفال، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢). هكذا قال: الأطفال، ولم يخص طفلا عن طفل. قال الحليمي في كتاب «منهاج الدين»: وقد توقّف في ولدان المسلمين من توقّف في ولدان المشركين. وقال: إذا كان كل منهم يعمل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين. واحتجّ بأن صبيّا صغيرا مات لرجل من المسلمين، فقالت إحدى نساء النبي ﷺ : طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ : «وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا» (٣)، قال: فهذا يدل على أنه لا يمكن أن يقطع في أطفال المسلمين بشيء.

стр. 570

قال الحليمي: وهذا الحديث يحتمل أن يكون إنكار من النبي ﷺ على التي قطعت بأن الصبي في الجنة، لأن القطع بذلك قطع بإيمان أبويه، وقد يحتمل أن يكونا منافقين فيكون الصبي ابن كافرين، فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار. وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء ثم أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وقد قرئ: «وأتبعناهم ذريتهم» فأخبر تعالى أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا جعل ذرياتهم أتباعهم في الإيمان، وأنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة، فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة، وقال النبي ﷺ : «سألت ربي أن يريني أهل الجنة وأهل النار فجاءني جبريل وميكائيل ﵉ في النوم فقالا: انطلق يا أبا القاسم، إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم، يكفل بهم إبراهيم ﵇ حتى يلحق آباؤهم» (١). فدل أنهم في الجنة. قال المؤلف ﵀: الحديث الذي احتجوا به خرّجه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «أتي بصبي من الأنصار ليصلّى عليه فقلت: يا رسول الله؛ طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا قط ولم يدره». فقال: «يا عائشة؛ أولا تدرين أن الله ﵎ خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم» (٢). وقالت طائفة: أولاد المسلمين في الجنة وأولاد المشركين في النار، واحتجّوا بما ذكرناه من الآية والحديث؛ بحديث سلمة بن يزيد الجعفي، قال: أتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلنا: يا رسول الله إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتصوم، وتفعل وتفعل، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: «لا» قال: فقلنا إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية، لم تبلغ الحنث، فهل ذلك نافع أختنا، فقال رسول الله ﷺ : «أرأيتم الوائدة والموءودة؛ فإنهما في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها» (٣).

стр. 571

قال أبو عمرو: هذا الحديث صحيح الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين مقصودة، فكانت الإشارة لها. وفي بعض طرق حديث سلمة بن زيد: فلما رأى ما قد دخل علينا، قال: «وأمي مع أمكما» خرّجه ورواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن سلمة بن يزيد، قال: سألت النبي ﷺ فقلت: أمي ماتت وكانت تقري الضيف وتطعم الجار، وكانت وأدت وأدا في الجاهلية، ولها سعة من مال، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفع الإسلام إلا من أدركه، إنها وما وأدت في النار» ورأى ذلك قد شق عليّ فقال: «وأم محمد معها، وما فيهما خير» (١). وخرّج أبو نعيم الحافظ وغيره عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله، إن أمنا كانت تكرم الزوج وتعطف على الولد، وذكر الضيف، غير أنها وأدت في الجاهلية فقال: «أمكما في النار» فأدبرا والشرّ يرى في وجوههما، فأمر بهما فردّا والبشرى ترى في وجوههما رجاء أن يكون حدث شيء، قال: «أمي مع أمكما». وذكر الحديث (٢). وروى بقية بن الوليد عن محمد بن يزيد الألمعاني، قال: سمعت عبد الله بن قيس يقول: سمعت عائشة سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المسلمين، فقال: «هم مع آبائهم» قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وسألته عن ذراري المشركين فقال: «مع آبائهم» فقلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». قال أبو عمر: عبد الله بن قيس هذا شامي تابعي ثقة، وأما بقية بن الوليد فضعيف وأكثر حديثه مناكير. ولكن هذا الحديث قد روى مرفوعا عن عائشة من غير هذا الوجه، قالت عائشة سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين أين هم يوم القيامة؟ قال: «في الجنة» قالت: وسألته عن ولدان المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار» فقلت مجيبة له: يا رسول الله؛ لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام، قال: «ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». قال أبو عمر: في طريقة أبو عقيل صاحب بهية لا يحتج بمثله عند أهل العلم.

стр. 572

قال المؤلف ﵀: كذا ذكر أبو عمر هذا الحديث بهذا اللفظ، وكذلك ذكره أبو أحمد بن علي فيما ذكر أبو محمد عبد الحق. وذكره أبو داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عقيل، عن بهية، عن عائشة قالت: سألت النبي ﷺ عن أطفال المشركين، قال: «هم في النار يا عائشة» قالت: فقلت: فما تقول في المسلمين؟ قال: «هم في الجنة يا عائشة». قالت: قلت: وكيف ولم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام؟ قال رسول الله ﷺ : «ربك أعلم بما كانوا عاملين» (١). قال: أبو محمد عبد الحق: ويحيى بن المتوكّل ضعيف عندهم، وبهية لم يرو عنها إلا أبو عقيل. وقالت طائفة: إن الأطفال يمتحنون في الآخرة، واحتجّوا بحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول» ثم تلا: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] الآية. ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا، ويقول المولود: ربّ لم أدرك العمل! فترفع لهم نار فيقول لهم ردّوها وادخلوها قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّا لو أدرك العمل قال: فيقول الله: «إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم؟» (٢). قال أبو عمر: من الناس من يوقف هذا الحديث على أبي سعيد، ولا يرفعه منهم ألا أبو نعيم الملائي. قلت: ويضعّفه من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء ثواب وعقاب. قال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار الامتحان فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة ولا محنة مع الضرورة، ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء، فإن كانوا مضطرين إلى المعرفة فلا يليق بأحوالهم المحنة، وإن كانوا غير عقلاء فهم من المحنة أبعد. وقال أبو عمر ﵀: هذه الأحاديث من أحاديث الشيوخ، وفيها علل،

стр. 573

وليست أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيف في العلم والنظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيبا منها. ذكر البخاري حديث أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ الحديث الطويل وفيه قوله ﵊: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». فقيل: يا رسول الله؛ وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين» (١). وخرّج البخاري أيضا في رواية أخرى عن أبي رجاء العطاردي: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله أولاد الناس» (٢). وهذا يقتضي عمومه جميع الناس. قلت: ذهب إلى هذا الجماعة من العلماء - وهو أصحّ شيء في الباب - قالوا: أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا في الجنة، واحتجوا بحديث عائشة؛ ذكره أبو عمر في «التمهيد» قالت: سألت خديجة رسول الله ﷺ : عن أولاد المشركين فقال: «هم مع آبائهم» ثم سألته بعد ذلك، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الزمر: ٧] قال: «هم على الفطرة - أو قال -: هم في الجنة» (٣). قلت: هذا حديث مرتب في غاية البيان وهو يقضي على ما روي عن النبي ﷺ في أحاديث صحاح من قوله في الأطفال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». فكان ذلك منه قبل أن يعلم أن أولاد المشركين في الجنة، وقبل أن ينزل عليه: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. وقد كان ﵊ أنزل عليه بمكة: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] ولم يكشف له عن عاقبة أمرهم وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ [التوبة: ٣٣] الآية، وأنزل عليه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وأنزل عليه: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] فأعلمه بأن الذي يفعل به أن يظهر عليهم.

стр. 574

وقد ذكر ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - قال: حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية قالت: حدثني عمّي قال: قلت يا رسول الله! من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيدة في الجنة، والشريد في الجنة» (١). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم» (٢). قال أبو عمر: إنما قيل للأطفال اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم لهيت في الشيء، أي: لم أعتقده، كقوله: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. وقالت طائفة: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، وحجتهم ما رواه الحجاج بن نصير، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ : أنه قال: «أولاد المشركين خدم أهل الجنة» ذكره أبو عمر (٣). قلت: وإسناد هذا الحديث ليس بالقوي، لكن يدل على صحّة هذا القول - أعني أنهم في الجنة، أو أنهم خدم أهل الجنة - ما ذكر جماعة من العلماء بالتأويل أن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذّر؛ أقروا له بالربوبية، وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بأنه لا إله إلا هو، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيّا أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ﵇، ولم ينقضوا الميثاق.

стр. 575

قلت: وهذا أيضا حسن؛ فإنه جمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﵊ لما سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يعني: لو بلغوا، بدليل حديث البخاري وغيره مما ذكرناه. وقد روى يزيد بن أبان، عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «لم يكن لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم يكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة» (١). ذكره يحيى بن سلام في تفسيره، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» وأبو نعيم الحافظ أيضا عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون عليها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنات يجازون بها فيكونوا ملوك الجنة. فقال النبي ﷺ : «هم خدم أهل الجنة». وروى أبو عبد الله الترمذي الحكيم قال: حدثنا أبو طالب الهروي قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ مولود يولد من ولد كافر أو مسلم فإنما يولدون على الفطرة على الإسلام كلهم، ولكن الشياطين أتتهم فاختالتهم عن دينهم فهوّدتهم ونصّرتهم ومجّستهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا» (٢). وخرّج من حديث عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله ﷺ أنه قال في خطبته: «إن الله أمرني أن أعلّمكم، وقال: إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاختالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم» (٣). قال أبو عبد الله الترمذي: وهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار، فلما غلبت أهواؤهم عليهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية بأهوائهم يمينا وشمالا. قلت: وهذا أيضا يقوّي ما أخذناه من أن أطفال المشركين في الجنة، وحديث عياض بن حمار خرّجه مسلم في صحيحه، وحسبك حسبك. وللعلماء في الفطرة أقوال قد ذكرناها في كتاب «جامع أحكام القرآن» من سورة الروم، والحمد لله.

стр. 576

٢٢٠ - باب منه وفي باب ثواب من قدم ولدا (مسلم) عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة ﵁ أنه مات لي ابنان فما أنت محدّثي عن رسول الله ﷺ ، تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم؛ «صغارهم دعاميص الجنة يتلقّى أحدهم أباه» - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو - قال بيده - كما آخذ أنا بصنيعة ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال فلا ينتهي - حتى يدخله الله وأبويه الجنة (١). وخرّج أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان يختلف إليه رجل من الأنصار معه ابن له فقال له رسول الله ﷺ ذات يوم: «أتحبه يا فلان»؟ فقال: نعم. قال: «أحبك الله كما أحبه». ففقده النبي ﷺ ، فسأله عنه، فقالوا: يا رسول الله؛ مات ابنه. فقال رسول الله ﷺ : «أما ترضى - أو ألاّ ترضى - أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى، حتى يفتحه لك». فقالوا: يا رسول الله؛ أله وحده، أم لنا كلنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «بل لكلّكم» (٢). ذكره أبو عمرو في «التمهيد» أيضا. وقال هذا حديث ثابت صحيح. وخرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن راشد، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: «والنفساء يجرّها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة» (٣). فصل هذا الحديث يدل على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة وهو قول أكثر أهل العلم كما بينا في الباب قبل هذا، وهو مقتضى قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] كما تقدم. وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء ﵈، فإنه قد تقرّر الإجماع على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري.

стр. 577

و «دعاميص» جمع دعموص، وهو دويبة تغوص في الماء، والجمع دعاميص ودعامص. قال الأعشى: فما ذنبنا أن جاش لي بحر عمّكم … وبحرك ساج لا يواري الدعامصا وقد قيل: إن الدعموص يراد به: الآذن على الملوك المتصرف بين أيديهم. قال أمية بن الصلت: دعموص أبواب الملو … ك وجائب للخرق فاتح وهذا هو المراد بالحديث، والله أعلم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابا من النار وأدخل الجنة» (١). قال المؤلف ﵀: قوله ﵊: «لم يبلغوا الحنث» معناه عند أهل العلم: لم يبلغوا الحلم، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث. وقد روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قدّم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم كانوا له حصنا حصينا من النار». قال أبو ذر: قدمت اثنين. قال: واثنين. فقال أبي بن كعب سيد القراء: قدمت واحدا. قال: «وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى» (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. خرّجه ابن ماجه أيضا. وفي هذا كله دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة، لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم. قال أبو عمر ابن عبد البر: «وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذّت فجعلتهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط»، إلا ما روي عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد الثقات العدول، وأن قوله ﷺ : «الشقي من شقي في بطن أمه، وأن الملك ينزل فيكتب أجله ورزقه» الحديث؛ مخصوص، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد وهو في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والإجماع.

стр. 578

وكذلك قوله ﷺ لعائشة: «إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» ساقط ضعيف مردود بالإجماع والآثار، وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرج عليه. *** ٢٢١ - باب ما جاء في نزل أهل الجنة وتحفهم إذا دخلوها روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة». قال: فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: «بلى» قال: تكون الأرض خبزة واحدة - كما قال رسول الله ﷺ قال: فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه. قال: «ألا أخبرك بإدامهم؟» قال: بلى. قال: «إدامهم بالام ونون». قالوا: وما هذا؟ قال: «ثور ونون، يؤكل من زائدة كبدها سبعون ألفا» (١). وخرج مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي». فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : «أينفعك شيء إن حدثتك»؟ قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: «سل». فقال اليهودي: أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظلمة دون الجسر». قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجرين». قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون». قال: فما غذاؤهم؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم على إثرها؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» قال: صدقت وذكر الحديث (٢).

стр. 579

فصل قلت: هذا الحديث انفرد به مسلم وهو أبين من الحديث الآخر الذي قبله، لأنه من قول النبي ﷺ جوابا لليهودي، والحديث الذي قبله، لأنه من قول النبي ﷺ جوابا لليهودي، والحديث الذي قبله آخره من قول اليهودي، وهو يدخل في المسند لإقرار النبي ﷺ . والجبار؛ اسم من أسماء الله تعالى قد أتينا على ذكره في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى». ويتكفؤها؛ يقلبها ويميلها، من قولك كفأت الإناء إذا كببته، وقد تقدم أن أرض المحشر كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد. والنّزل: ما يعدّ للضيف من الطعام والشراب، ويقال نزل أو نزّل بتخفيف الزاي وتثقيلها. وقرئ بذلك قوله: «نزلا من عند الله» قال أهل اللغة: النّزل ما يهيأ للنزيل. والنزيل الضيف. قال الشاعر: نزيل القوم أعظمهم حقوقا … وحقّ الله في حقّ النزيل وحظّ النزيل مجتمع. والتّحفة: ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنة وملاطفة. وزيادة كبد النون: قطعة منه كالإصبع. وبالام: قد جاء مفسرا في متن الحديث أنه الثور، ولعل اللفظة عبرانية. والنون: الحوت وهو عربي. وفي الخبر عن النبي ﷺ قال: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم» (١) ذكره أبو عمر في «التمهيد». وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال حدثني يزيد بن أبي حبيب؛ أن أبا الخير أخبره، أن ابن العوام مؤذّن إيليا أول رجل أذّن بإيليا، أخبره أنه سمع كعبا يقول: إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا، وإني أجزركم اليوم حوتا وثورا، فيجزر لأهل الجنة (٢). ***

стр. 580

٢٢٢ - باب ما جاء أن مفتاح الجنة: لا إله إلا الله، والصلاة (أبو داود الطيالسي) قال: حدثنا سليمان بن معاذ الضبي، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الوضوء، ومفتاح الجنة الصلاة» (١). والبيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي أهل الكتاب فيسألونك عن مفتاح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلا الله» (٢). وفي البخاري: وقيل لوهب: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك (٣). فصل قلت: الأسنان عبارة عن توحيد الله وعبادته جميعا، وعن توحيده أيضا فقد. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] وهو في القرآن كثير الإيمان مع العمل وهو مقتضى الحديث الأول حديث جابر ﵁، وعن توحيد الله فقط. وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» (٤). وذكر الطبراني من حديث موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حضر ملك الموت ﵇ رجلا فنظر في كل عضو من أعضائه فلم يجد فيه حسنة، ثم شقّ عن قلبه فلم يجد فيه شيئا، ثم فكّ عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله. فقال: وجبت لك الجنة بقول كلمة الإخلاص» (٥).

стр. 581

كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة ٢٢٣ - باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله» (١). *** ٢٢٤ - باب ما جاء أن المؤمن حرام دمه وماله وعرضه، وفي تعظيم حرمته عند الله تعالى (ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا، وإن أحرم الشهور شهركم هذا، وإن أحرم البلد بلدكم هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد» (٢). خرّجه مسلم من حديث أبي بكرة وجابر بمعناه. وخرّج ابن ماجه أيضا عن عبد الله بن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب رائحتك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وأن لا نظنّ به إلا خيرا» (٣).

стр. 582

(مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١). (النسائي) عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «قتل المؤمن عند الله أعظم من زوال الدنيا» (٢). (الترمذي) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة» (٣). قال: حديث حسن صحيح غريب. *** ٢٢٥ - باب ما جاء في قتل المؤمن والإعانة على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. وروى عبد العزيز بن يحيى المدني قال: حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجه بن زيد عن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يعظنا ويحدّثنا ويقول: «والذي نفسي بيده ما عمل على وجه الأرض قط عمل أعظم عند الله بعد الشرك من سفك دم حرام، والذي نفسي بيده إن الأرض لتضجّ إلى الله تعالى ضجيجا تستأذنه فيمن عمل ذلك على ظهرها لتخسف به» ذكره أبو نعيم؛ قال حدثنا شافع بن محمد بن أبي عوانة الأسفراييني قال: حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثنا مالك (٤). وذكره أبو داود عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» (٥).

стр. 583

وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلّح» (١). قال الهروي: بلح: أي أعيا وانقطع به، يقال: بلح الفرس إذا انقطع جريه، وبلّحت الركية إذا انقطع ماؤها. وذكر أبو بكر النيسابوري قال: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عمرو، قال حدثنا الفزاري، عن زياد بن أبي زياد الشامي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله» (٢). قال الهروي وفي الحديث: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة». قال شقيق: هو أن يقول: في أقتل (اق) كما قال ﵊: «كفى بالسيف شا» (٣) معناه: شاهدا. *** ٢٢٦ - باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر والظلل، ومن أين تجيء والتحذير منها، وفضل العبادة عندها قال الله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقال ﵎: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] ففي هذا تنبيه بالغ على التحذير من الفتن. (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٤). وعن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا

стр. 584

محمرا وجهه يقول: «لا إله إلا الله؛ ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلّق بإصبعين؛ الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم؛ إذا كثر الخبث» (١). وعن أسامة ﵁: أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة، ثم قال: «هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» (٢) أخرجهما البخاري. (البيهقي) عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: سأل رجل النبيّ ﷺ : هل للإسلام من منتهى؟ فقال رسول الله ﷺ : «أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام». فقال: ثم ماذا؟ قال: «ثم تقع الفتن كالظّلل». فقال الرجل: كلا والله؛ إن شاء الله. قال: «بلى؛ والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبّا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣). قال الزهري: أساود صبا: الحية السوداء إذا أراد أن ينهش ارتفع هكذا ثم انصب. خرّجه أبو داود الطيالسي أيضا. قال ابن دحية أبو الخطاب الحافظ: هذا الحديث لا مطعن في صحّة إسناده. رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن كرز. قرأته بجامع قرطبة وبمسجد الغدير وبمسجد أبي علاقة على المحدّث المؤرّخ أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، قال: سمعت جميع هذا الكتاب وهو «جامع الخير» للإمام سفيان بن عيينة عن الشيخين الجليلين الثقة المفتي أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، والوزير الكاتب الثقة أبي الوليد أحمد بن فراس ﵀ بمكة حرسها الله تعالى بالمسجد الحرام، بحق سماعه على الثقة أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن طريف قالا: قرأناه على العدل أبي القاسم حاتم بن محمد التميمي بحق سماعه على الثقة الفاضل أبي الحسن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الديلي، بحق سماعه على الثقة الصالح أبي عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، بحق سماعه من الإمام الفقيه أبي محمد سفيان بن عيينة. قال المؤلف ﵀: وقد حدثني بهذا السند المذكور الفقيه القاضي أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن إجازة، عن أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال.

стр. 585

وكرز هو: كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي أسلم يوم الفتح وعمّر طويلا، وهو الذي نصب أعلام الحرم في خلافة معاوية وإمارة مروان بن الحكم (١). وفيه: «ثم مه؟ قال: ثم تعود الفتن». بدل، قال: «ثم ماذا» قال: «ثم تقع الفتن». ولم يذكر قول الزهري إلى آخره. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قول الرجل: ثم مه؛ هنا على الاستفهام، أي: ثم ما يكون؟ ومه في غير هذا الموضع زجر وإسكات، كقوله ﵊: «مه إنكنّ صواحب يوسف» (٢). وقوله: «كأنها الظلل»؛ الظلل: السحاب، والظلة السحابة ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. وقول الرجل بجهله: «كلا والله» معناها: الجحد، بمعنى: لا والله. وقيل: هي بمعنى الزجر، فقال رسول الله ﷺ : «بلى والذي نفسي بيده» وبلى للنفي، استفهاما كان أو خبرا أو نهيا، فالاستفهام: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. و ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠] جوابه: (بلى) هو قادر. مثال الخبر: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] جوابه: قالوا: (بلى) تمسكم. ومثال النهي: لا تلق زيدا، جوابه: (بلى) لألقينّه. قال أبو الخطاب بن دحية: وقوله صبا، هكذا قيدناه بضم الصاد وتشديد الباء على مثال غرّا. والأساود: نوع من الحيات عظام فيها سوداء وهو أخبثها. والصّب منها التي تنهش ثم ترتفع ثم تنصب، شبههم فيما يتولونه من الفتن والقتل والأذى بالصب من الحيات. قال المؤلف ﵀: الأساود: جمع أسود وهو الحية، وصبّا: جمع صاب كغاز وغزّا؛ وهو الذي يميل ويلتوي وقت النهش ليكون أنكى في اللدغ وأشدّ صبّا للسم، ويجوز أن يكون جمع أصب وهو الذي كأنه ينصب عند الهش انصبابا، والأول من صبا إذا مال، والثاني من صب إذا سكب. (مسلم) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعا مرعوبا يقول: «سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجر - يريد أزواجه - لكي يصلّين، ربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» (٣). وعن عبيد بن عمير قال: خرج رسول الله ﷺ فقال: «يا أصحاب الحجرات

стр. 586

سعّرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (١). قال أبو الحسن القابسي: هذا وإن كان مرسلا فإنه من جيد المراسيل، وعبيد بن عمير من أئمة المسلمين. (مسلم) عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا» وأومأ بيده نحو المشرق «من حيث يطلع قرنا الشيطان»، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله تعالى له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ (٢) [طه: ٤٠]. وعن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» (٣). فصل قوله: «ويل للعرب من شر قد اقترب»؛ قد تقدم معنى الويل، والمراد به هنا: الحزن، قاله ابن عرفة. فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب. وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة فصار ذلك في غيرهم من التّرك والعجم، وتشتتوا في البراري بعد أن كان العزّ والملك والدنيا لهم ببركته ﵊، وما جاءهم به من الدين والإسلام، فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا، وسلب بعضهم أموال بعض؛ سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ولهذا لما قالت زينب في سياق الحديث: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث». فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قولها: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»؛ دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون. فأما إذا كثر المفسدون وقلّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم، إذا لم يأمروا بالمعروف ويكرهوا ما صنع المفسدون، وهو معنى قوله: ﴿وَاِتَّقُوا﴾

стр. 587

﴿فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، على ما نبينه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب. وقرئ «واتقوا فتنة لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة» وعلى هذه القراءة يكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة وهي قراءة زيد بن ثابت وعلي وأبيّ وابن مسعود ﵃ أجمعين. والجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فمن الفرض على من رآه أن يغيّره إما بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ليس عليه غيره، وذلك أضعف الإيمان» (١). روي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر لا أرضاه، فإذا قال ذلك فقد أدى ما عليه. فأما إذا سكت عليه فكلّهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه كما ذكرنا. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة الفاعل فانتظم في العقوبة. دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فأما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرّءوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] وقال: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقال ابن عباس: قد أخبرنا الله عن هذين، ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤].

стр. 588

وروى سفيان بن عيينة قال: حدّثنا سفيان بن سعيد، عن مسعر قال: بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب؛ إن فيها فلانا العابد، فأوحى الله تعالى إليه أن به فابدأ فإنه لم يتغير وجهه فيّ ساعة قط (١). وقال وهب بن منبه: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب اغفر لي. قال: قد غفرتها لك وألزمت عارها بني إسرائيل. قال: كيف يا رب؛ وأنت الحكم العدل الذي لا تظلم أحدا، أعمل أنا الخطيئة ويلزم عارها غيري؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود إنك لما اجترأت عليّ بتلك المعصية لم يعجلوا عليك بالنكرة (٢). وروى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: فأنكرها - كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» (٣). وهذا نص في الفرض. وحسّن رجل عند الشعبي قتل عثمان بن عفان ﵁ فقال الشعبي: قد شركت في دمه. وفي صحيح الترمذي (٤): «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده» (٥). فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين، وقالوا: لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃. روى ابن وهب، عن مالك قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقرّ فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن

стр. 589

بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها، خرّجه أهل الصحيح (١). وقال مالك في موضع آخر: إذا ظهر الباطل على الحق كان الفساد في آخر الأرض. وقال: إن لزوم الجماعة نجاة، وإن قليل الباطل وكثيره هلكة. وقال: ينبغي للناس أن يغضبوا لأمر الله تعالى في أن تنتهك فرائضه وحرمه والذي أتت به كتبه وأنبياؤه، أو قال: يخالف كتابه. قال أبو الحسن القابسي: الذي يلزم الحق ويغضب لأمر الله تعالى على بينة من النجاة، قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله» (٢). قال أبو عمر: وروى أشهب بن عبد العزيز قال: قال مالك: لا ينبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير حق والسب للسلف. قال أبو عمر: أما قول مالك هذا فمعناه إذا وجد بلدا يعمل فيه الحق في الأغلب. وقد قال عمر بن عبد العزيز: فلان بالمدينة وفلان بمكة وفلان باليمن وفلان بالعراق وفلان بالشام، امتلأت الأرض والله جورا وظلما. قال أبو عمر: فأين الهرب إلا إلى السكوت ولزوم البيوت والرضى بأقل قوت. وقال منصور بن الفقيه فأحسن: الخير أجمع في السكوت … وفي ملازمة البيوت فإذا استوى لك ذا وذا … فاقنع له بأقلّ قوت وكان سفيان الثوري يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين؟ هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن. ويحكى عنه أنه قال: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان. فقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة. فقيل: الشام. فقال: يشار إليكم بالأصابع - أراد الشهرة - فقيل له: فالعراق. قال: بلد الجبابرة، فقيل له: فمكة. قال: مكة تذيب الكيّس والبدن. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال شيخي: في العبادة لا يذهب بك الزمان في مصافاة الأقران ومواصلة الأحزان، ولم أر للخلاص طريقا أقرب من طريقين؛ إما أن يغلق المرء على نفسه بابه، وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف

стр. 590

فيه، فإن اضطر إلى مخالطة فليكن معهم ببدنه وليفارقهم بقلبه ولسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ولا يفارق السكوت. أنشدني محمد بن عبد الملك الصوفي قال: أنشدني أبو الفضل الجوهري: الخير أجمع في الكسوت البيتان. قال القاضي: ولي في هذا المعنى شعر: حاز السلامة مسلم … يأوي إلى سكن وقوت ماذا يؤمّل بعد ما … يأوي إلى بيت وقيت قال المؤلف ﵀: ولأبي سليمان الخطابي في هذا المعنى شعر: أنست بوحدتي ولزمت بيتي … فدام الأنس لي ونما السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا إزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيا … أسار الخيل أم ركب الأمير (١) والشعر في هذا المعنى كثير، وسيأتي للعزلة زيادات بيان من السنة، إن شاء الله تعالى. وكثرة الخبث: ظهور الزنا وأولاد الزنا. وذكر ابن وهب، عن يحيى مولى الزبير أنه ذكر؛ أن في زمان رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق فقال بعض الناس: يا رسول الله؛ يخسف الأرض وفيها المسلمون؟! فقال: «إذا كان أكثر أهلها الخبث» (٢). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي، فيكون طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين، لقوله ﵊: «ثم بعثوا على نياتهم» وفي رواية «أعمالهم». وقد تقدم هذا في المعنى، فمن كانت نيته صالحة أثيب عليها ومن كانت نيته سيئة جوزي عليها، وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] فاعلمه. *** ٢٢٧ - باب ما جاء في رحى الإسلام، ومتى تدور (أبو داود) عن البراء بن ناجية، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال:

стр. 591

«تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن لم يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما». قال: قلت: أممّا بقي أو مما مضى؟ قال: «مما مضى» (١). فصل قال الهروي في تفسير هذا الحديث: قال الحربي: ويروى تزول، وكأن تزول أقرب، لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها، وتدور: يكون بما يحبون وبما يكرهون، فإن كان الصحيح سنة خمس فإن فيها قدم أهل مصر وحصروا عثمان ﵁، وإن كانت الرواية سنة ستّ ففيها خرج طلحة والزبير إلى الجمل، وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفّين غفر الله لهم أجمعين (٢). وقال الخطابي: يريد ﵊ أن هذه المدة إذا انقضت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله لذلك الهلاك، يقال: الأمر إذا تغير واستحال دارت رحاه، وهذا والله أعلم إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة. وقوله: «ليقم لهم دينهم» أي: ملكهم وسلطانهم، وذلك من لدن بايع الحسن ﵇ معاوية إلى انقضاء بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة وانتقاله إلى بنى العباس، «والدين»: الملة والسلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: في سلطانه. وقوله: «تدور رحى الإسلام». دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدائرة التي تطحن، لما يكون فيها من قبض الأرواح وهلاك الأنفس. *** ٢٢٨ - باب ما جاء أن عثمان ﵁ لما قتل سلّ سيف الفتنة (الترمذي) عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد عثمان ﵁ جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان بن عفان ﵁: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير من داخل. قال:

стр. 592

فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: أيها الناس إنه كان في الجاهلية اسمي فلان بن فلان، فسماني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله تعالى نزلت: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] ونزلت فيّ: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فو الله إن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة ولتسلنّ سيف الله المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة. قال: فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان (١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قلت: ومثل هذا من عبد الله لا يكون إلا عن علم من الكتاب، أعني التوراة، - على ما يأتي - أو سمعه من النبي ﷺ . وسيأتي قول حذيفة لعمر: «إن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر» (٢). فصل قال العلماء بالسير والأخبار: إنه دخل على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في الدار جماعة من الفجار منهم كنانة بن بشر التجيبي (٣) فأشعره مشقصا؛ أي: قتله به، فافتضخ الدم على المصحف، ووقع على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) [البقرة: ١٣٧]. وقيل: ذبحه رجل من أهل مصر يقال له عمار (٥). وقيل: ذبحه رومان،

стр. 593

وقيل: قتله الموت الأسود (١) يقال له أيضا الدم الأسود، من طغاة مصر. فقطع يده، فقال عثمان: أما والله إنها لأول كفّ خطّت في المصحف. وهذه البلوى التي ثبتت في الصحيح، عن أبي موسى أن النبي ﷺ دخل حائطا وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: «ائذن له وبشّره بالجنة» فإذا أبو بكر، ثم جاء يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة» فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» فإذا عثمان بن عفان (٢). لفظ البخاري، ذكره في مناقب عثمان. وقد قيل: إن الصحيح في مقتله ﵁ أنه لم يتعين له قاتل معين، بل أخلاط الناس وهم رعاع جاءوا من مصر ومن غير قطر. وجاء الناس إلى عثمان فيهم عبد الله بن عمر متقلدا سيفه وزيد بن ثابت، فقال له زيد بن ثابت: إن الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال: لا حاجة لي في ذلك، كفّوا (٣). وكان معه في الدار الحسن والحسين وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة ومروان بن الحكم كلهم يحملون السلاح، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزوم بيوتهم، فقال له الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا أن لا نبرح، فضاق عثمان ﵁ من الحصار ومنع من الماء حتى أفطر على ماء البحر المالح. قال الزبير بن بكار: حاصروه شهرين وعشرين يوما وقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يوما، ففتح الباب فخرج الناس وسلّموا له راية في إسلام نفسه. قال سليط بن أبي سليط: فنهانا الإمام عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا، ودخلوا عليه في أصح الأقوال، وقتله من شاء الله من سفلة الرجال. وروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ادعوا لي بعض أصحابي». فقلت: أبو بكر؟ قال: لا. فقلت: عمر؟ فقال: لا. فقلت ابن عمك؟ قال: لا. فقلت له: عثمان؟ قال: نعم. فلما جاءه، قال لي بيده، فتنحّيت، فجعل رسول الله ﷺ يسارّه ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر عثمان، قيل له: ألا نقاتل عنك؟ قال: لا؛ إن رسول الله

стр. 594

ﷺ عهد إليّ عهدا، وأنا صابر عليه (١). وفي (الترمذي) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا عثمان لعل الله يقمّصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» (٢). قال: هذا حديث حسن غريب. وفيه عن ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ فتنة فقال: «يقتل فيها هذا مظلوما» (٣) لعثمان. وقال: حديث حسن غريب. ويروى أنه دخل عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. قال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: فهل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عليك فيكون سنة كلما كره قوم خليفة خلعوه وقتلوه. واختلف في سنّه ﵁ حين قتله من قتله من الفجار - أدخلهم الله بحبوحة النار - فقيل: قتل وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابن تسعين سنة. وقال قتادة: قتل عثمان وهو ابن ست وثمانين. وقيل غير هذا (٤). وقتل مظلوما كما شهد له بذلك رسول الله ﷺ وجماعة أهل السنة، وألقي على مزبلة فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدر أحد على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية فحملوه على لوح وصلّوا عليه، ودفن في موضع من البقيع يسمى (حش كوكب) وكان مما حبسه عثمان ﵁ وزاده في البقيع (٥)، وكان إذا مر به يقول: يدفن فيك رجل صالح، وكان هو المدفون فيه وعمّي قبره لئلاّ يعرف. وقتل يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين قاله الواقدي. وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أياما اختلف فيها، ﵁. وقيل: إن المتعصبين على عثمان ﵁ من المصريين ومن تابعهم من البلدان كانوا أربعة آلاف، وبالمدينة يومئذ أربعون ألفا. وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثل نازلة عثمان - ألحقه الله جناح المغفرة والرضوان - هل يلقي بيده أو يستنصر؟

стр. 595

فأجاز جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن يستسلم وهو أحد قولي الشافعي، وقال بعض العلماء: لا يسلم بيده بل يستنصر ويقاتل. ولكل من القولين وجه ودليل، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء: ولو اجتمع أهل المشرق والمغرب على نصرة عثمان لم يقدروا على نصرته لأن رسول الله ﷺ أنذره في حياته فأعلمه بالبلوى التي تصيبه، فكان ذلك من المعجزات التي أخبر بوقوعها بعد موته ﷺ ، وما قال رسول الله شيئا قط إلا كان. وقال حسان بن ثابت: قتلتم وليّ الله في جوف داره … وجئتم بأمر جائر غير مهتد فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا … على قتل عثمان الرشيد المسدّد وخرّج مسلم في «صحيحة» قال: وحدّثنا محمد بن المثنى ومحمد بن حاتم، قالا: حدّثنا معاذ بن معاذ، قال: حدّثنا ابن عوف، عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت له: ليهراقنّ اليوم هاهنا دم. فقال ذلك الرجل: كلا والله. قلت: بلى والله. قال: كلا والله. قلت: بلى والله. قال ثلاثا: كلا إنه لحديث رسول الله ﷺ حدّثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول الله ﷺ فلا تنهني! ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه أسائله، فإذا الرجل حذيفة (١). والجرعة: موضع بجهة الكوفة على طريق الحيرة، قيده الحفاظ بفتح الجيم والراء، وقيده بعض رواة الحفاظ أيضا بإسكان الراء، وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة متألبين متعصبين ليردوا إلى عثمان بن عفان وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وكان رده سنة أربع وثلاثين. وكتبوا إلى عثمان أن يولّي عليهم أبا موسى الأشعري، فلم يزل واليا عليهم إلى أن قتل عثمان، ولما سمع بقتله يعلى بن أمية التميمي الحنظلي أبو صفوان. ويقال أبو خالد، أسلم يوم الفتح وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا والطائف وتبوك، وكان صاحب الجند وصنعاء - أقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسرت فخذه، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير واستشرف إليه الناس واجتمعوا، فقال: من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه فأعان الزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قريش،

стр. 596

وحمل عائشة ﵂ على جمل أذب - ويقال: أذب لكثرة وبره - اشتراه ابن أمية الحنظلي بمائتي دينار، قاله ابن عبد البر في «الاستيعاب» وقال ابن شبة في كتاب «الجمل» له: اشتراه بثمانين دينارا، والأول أصح واسمه عسكر. وذكر ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملا لعثمان على صنعاء فلما بلغه خبر عثمان أقبل سريعا لينصره فلقيه صفوان بن أمية، وصفوان على فرس وعبد الله بن أبي ربيعة على بغلة، فدنا منها الفرس فحادت فطرحت ابن أبي ربيعة فكسرت فخذه، فقدم مكة بعد الضرر، وعائشة بمكة يومئذ تدعو إلى الخروج تطلب دم عثمان، فأمر بسرير فوضع له سرير في المسجد ثم حمل فوضع على سريره، فقال: أيها الناس؛ من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه. قال: فجهز ناسا كثيرا وحملهم ولم يستطع الخروج إلى الجمل لما كان برجله. أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن عبيد، عن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي السائب قال: رأيت عبد الله بن أبي ربيعة على سرير في المسجد الحرام يحضّ الناس على الخروج في طلب دم عثمان ويحمل من جاء. انتهى كلام ابن سعد في «الطبقات»، ولا تعارض والحمد لله، فإنه يحتمل أن يكون خرجا جميعا في نصرة عثمان فكسرا أو اجتمعا بمكة وجعلا يجهزان من يخرج، والله أعلم. وكانت عائشة ﵂ حاجّة في السنة التي قتل فيها عثمان وكانت مهاجرة له، فاجتمع طلحة والزبير ويعلى وقالوا لها بمكة: عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم ويرعوا نبيهم، وهي تمتنع عليهم، فاحتجوا عليها بقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وقالوا لها: إن المتألبين على عثمان بالبصرة كثير، فبلغت الأقضية مقاديرها، فاصطف الناس للقتال ورموا عليّا وأصحابه بالنبال، فقال علي: لا ترموا بسهم ولا تضربوا بسيف ولا تطعنوا برمح، فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلا من أصحاب علي فأتي به إلى علي، فقال: اللهم اشهد ثم رمي آخر فقتل رجلا من أصحاب علي، فقال علي: اللهم اشهد، ثم رمي آخر فقال علي: اللهم اشهد، وقد كان عليّ نادى الزبير: يا أبا عبد الله ادن إليّ أذكّرك كلاما سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ ، فقال: عليّ الأمان. فقال عليّ: الأمان، فبرز فأذكره أن رسول الله ﷺ قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: «أما أنك ستقاتل عليّا وأنت له ظالم». فقال الزبير: اللهم إني ما ذكرت هذا إلا في هذه الساعة وثنى

стр. 597

عنان فرسه لينصرف، فقال له ابنه عبد الله: إلى أين؟ قال: أذكرني عليّ كلاما قاله له رسول الله ﷺ . قال: كلا؛ ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادا، ويحملها رجال شداد. قال: ويلك ومثلي يعير بالجبن هلم الرمح فأخذ الرمح وحمل في أصحاب علي. فقال علي: افرجوا للشيخ فإنه محرج فشقّ الميمنة والميسرة والقلب، ثم رجع وقال لابنه: لا أمّ لك أيفعل هذا جبان وانصرف. وقامت الحرب على ساق، وبلغت النفوس إلى التراق، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين ألف قتيل وقيل عن سبعة عشر ألفا، وفيه اختلاف فيهم من الأزد أربعة آلاف ومن ضبة ألف ومائة وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة، وقتل فيها من أصحاب علي نحو من ألف رجل، وقيل: أقل. وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة. كلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر وهم ينشدون: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل … ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أشهى عندنا من العسل وكان الجمل للراية إلى أن عقر الجمل وكانوا ألبسوه الأدراع (١). وقال جملة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجأة وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم، لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان انتظم بينهم على الصلح والتفريق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكّن منهم والإحاطة بهم؛ فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدوا في الحرب شجرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر عليّ: غدر طلحة والزبير، والذي في عسكر طلحة والزبير: غدر عليّ، فتم لهم ما أرادوه، ودبّروه؛ ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه، ومانعا من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين، وطاعة لله، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل، وهذا هو الصحيح المشهور (٢). وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قرب العصر لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.

стр. 598

وفي صحيح مسلم من كتاب الفتن، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة فقال: «رأس الكفر من هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» يعني المشرق. وقيل: هذا بنصف ورقة بأسانيد منها عن عبد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى باضطراب في بيت حفصة ثم قال: وقال عبد الله بن سعيد في روايته قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثا (١). وذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في الجزء الخامس عشر من مسند عائشة ﵂، قال: حدّثني محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم؛ أن عائشة ﵂ لما أتت الحوبة سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: «أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب». فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (٢). وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن عصام بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ : «أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت» (٣). وهذا حديث ثابت صحيح، رواه الإمام المجمع على عدالته وقبول روايته الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، وكذلك وكيع مجمع على عدالته وحفظه وفقهه، عن عصام وهو ثقة عدل فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» له عن عكرمة، وهو عند أكثر العلماء ثقة عالم، وهذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ وهو إخباره بالشيء قبل كونه. وقوله: «الأدبب»: أراد الأدب، فأظهر التضعيف. والعجب من القاضي أبي بكر بن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتبه منها في كتاب «العواصم من القواصم» (٤) وذكر أنه لا يوجد أصلا، وأظهر لعلماء

стр. 599

المحدثين بإنكاره غباوة وجهلا، وشهرة هذا الحديث أوضح من فلق الصبح وأجلى، وقد رواه أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» فقال: حدّثنا سعيد بن نصر قال حدّثنا قاسم بن أصبغ قال حدّثنا محمد بن وضاح قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة فذكره بسنده المتقدم (١). وروى أبو جعفر الطبري قال: لما خرجت عائشة ﵂ من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب؛ جهّزها علي ﵁ جهازا حسنا، وأخرج معها من أراد الخروج، واختار عليها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة، وجهّز معها أخاها محمدا. وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ ﵁ على أميال، وسرّح معها بنيه يوما (٢). فصل فإن قيل: فلم ترك عليّ الاقتصاص من قتلة عثمان؟ فالجواب: إنه لم يكن وليّ دم، وإنما كان أولياء الدم أولاد عثمان وهم جماعة: عمرو - وكان أسن ولد عثمان، وعمّر - وإبّان وكان محدّثا فقيها، وشهد الجمل مع عائشة، والوليد بن عثمان وكان عنده مصحف عثمان الذي كان في حجره حين قتل، ومنهم الوليد بن عثمان. ذكر ابن قتيبة في «المعارف» (٣) أنه كان صاحب شراب وفتوة، ومنهم سعيد بن عثمان وكان واليا لمعاوية على خراسان. فهؤلاء بنو عثمان الحاضرون في ذلك الوقت وهم أولياء الدم دون غيرهم، ولم يتحاكم إلى عليّ أحد منهم، ولا نقل ذلك عنهم، فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم إذ كان أقضى الصحابة، للحديث المرويّ فيه عن رسول الله ﷺ . وجواب ثان: أنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه، فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه، ولا إلى الحكم في ذلك سبيل

стр. 600

مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقّهم، ففي تركهم له أوضح دليل. وكذلك فعل معاوية حين تمّت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قتل عليّ ﵁ لم يحكم على واحد من المتّهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص، وأكثر المتّهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة، وكلهم تحت حكمه وأمره ونهيه وغلبته وقهره، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه ويقول: لا نبايع من يؤوي قتلة عثمان ولا يقتصّ منهم، والذي كان يجب عليه شرعا أن يدخل في طاعة عليّ ﵁ حين انعقدت خلافته في مسجد رسول الله ﷺ ومهبط وحيه ومقرّ النبوة وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار بطوع منهم وارتضاء واختيار، وهم أمم لا يحصون وأهل عقد وحل، والبيعة تنعقد بطائفة من أهل الحل والعقد، فلما بويع له ﵁ طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكّن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم فقال لهم علي ﵇: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك، نراهم صباحا ومساء. وكان عليّ في ذلك أسدّ رأيا وأصوب قيلا لأن عليا لو تعاطى القود معهم لتعصّب لهم قبائل، وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم إلى أن يستوثق الأمر وتنعقد عليه البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق. قال ابن العربي أبو بكر: ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى إلى إثارة فتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأوا أن البداية بقتل أصحاب عثمان أولى. وذكر ابن وهب قال: حدثني حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أنه سمعه يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الكناني حتى إذا بلغا صفّين، وقف كعب ثم نظر ساعة، فقال: لا إله إلا الله؛ ليهرقنّ في هذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق ببقعة من الأرض، فغضب قيس، ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا؟ فإذا هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به. فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلا هو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى بن عمران ما يكون عليه إلى يوم القيامة (١). أخبرنا شيخنا القاضي لسان المتكلمين أبو عامر يحيى بن الشيخ الفقيه الإمام أبي الحسين بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، إجازة عن شيخه المحدث الثقة المؤرخ
следующие страницы →