وحمل عائشة ﵂ على جمل أذب - ويقال: أذب لكثرة وبره - اشتراه ابن أمية الحنظلي بمائتي دينار، قاله ابن عبد البر في «الاستيعاب» وقال ابن شبة في كتاب «الجمل» له: اشتراه بثمانين دينارا، والأول أصح واسمه عسكر.
وذكر ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملا لعثمان على صنعاء فلما بلغه خبر عثمان أقبل سريعا لينصره فلقيه صفوان بن أمية، وصفوان على فرس وعبد الله بن أبي ربيعة على بغلة، فدنا منها الفرس فحادت فطرحت ابن أبي ربيعة فكسرت فخذه، فقدم مكة بعد الضرر، وعائشة بمكة يومئذ تدعو إلى الخروج تطلب دم عثمان، فأمر بسرير فوضع له سرير في المسجد ثم حمل فوضع على سريره، فقال: أيها الناس؛ من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه. قال: فجهز ناسا كثيرا وحملهم ولم يستطع الخروج إلى الجمل لما كان برجله.
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن عبيد، عن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي السائب قال: رأيت عبد الله بن أبي ربيعة على سرير في المسجد الحرام يحضّ الناس على الخروج في طلب دم عثمان ويحمل من جاء. انتهى كلام ابن سعد في «الطبقات»، ولا تعارض والحمد لله، فإنه يحتمل أن يكون خرجا جميعا في نصرة عثمان فكسرا أو اجتمعا بمكة وجعلا يجهزان من يخرج، والله أعلم.
وكانت عائشة ﵂ حاجّة في السنة التي قتل فيها عثمان وكانت مهاجرة له، فاجتمع طلحة والزبير ويعلى وقالوا لها بمكة: عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم ويرعوا نبيهم، وهي تمتنع عليهم، فاحتجوا عليها بقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وقالوا لها: إن المتألبين على عثمان بالبصرة كثير، فبلغت الأقضية مقاديرها، فاصطف الناس للقتال ورموا عليّا وأصحابه بالنبال، فقال علي: لا ترموا بسهم ولا تضربوا بسيف ولا تطعنوا برمح، فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلا من أصحاب علي فأتي به إلى علي، فقال: اللهم اشهد ثم رمي آخر فقتل رجلا من أصحاب علي، فقال علي: اللهم اشهد، ثم رمي آخر فقال علي: اللهم اشهد، وقد كان عليّ نادى الزبير: يا أبا عبد الله ادن إليّ أذكّرك كلاما سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ ، فقال: عليّ الأمان. فقال عليّ: الأمان، فبرز فأذكره أن رسول الله ﷺ قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: «أما أنك ستقاتل عليّا وأنت له ظالم». فقال الزبير: اللهم إني ما ذكرت هذا إلا في هذه الساعة وثنى
стр. 597
عنان فرسه لينصرف، فقال له ابنه عبد الله: إلى أين؟ قال: أذكرني عليّ كلاما قاله له رسول الله ﷺ . قال: كلا؛ ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادا، ويحملها رجال شداد. قال: ويلك ومثلي يعير بالجبن هلم الرمح فأخذ الرمح وحمل في أصحاب علي. فقال علي: افرجوا للشيخ فإنه محرج فشقّ الميمنة والميسرة والقلب، ثم رجع وقال لابنه: لا أمّ لك أيفعل هذا جبان وانصرف. وقامت الحرب على ساق، وبلغت النفوس إلى التراق، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين ألف قتيل وقيل عن سبعة عشر ألفا، وفيه اختلاف فيهم من الأزد أربعة آلاف ومن ضبة ألف ومائة وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة، وقتل فيها من أصحاب علي نحو من ألف رجل، وقيل: أقل. وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة.
كلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر وهم ينشدون:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل … ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أشهى عندنا من العسل
وكان الجمل للراية إلى أن عقر الجمل وكانوا ألبسوه الأدراع (١).
وقال جملة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجأة وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم، لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان انتظم بينهم على الصلح والتفريق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكّن منهم والإحاطة بهم؛ فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدوا في الحرب شجرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر عليّ: غدر طلحة والزبير، والذي في عسكر طلحة والزبير: غدر عليّ، فتم لهم ما أرادوه، ودبّروه؛ ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه، ومانعا من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين، وطاعة لله، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل، وهذا هو الصحيح المشهور (٢). وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قرب العصر لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.
стр. 598
وفي صحيح مسلم من كتاب الفتن، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة فقال: «رأس الكفر من هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» يعني المشرق.
وقيل: هذا بنصف ورقة بأسانيد منها عن عبد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى باضطراب في بيت حفصة ثم قال: وقال عبد الله بن سعيد في روايته قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثا (١).
وذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في الجزء الخامس عشر من مسند عائشة ﵂، قال: حدّثني محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم؛ أن عائشة ﵂ لما أتت الحوبة سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: «أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب». فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (٢).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن عصام بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ : «أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت» (٣).
وهذا حديث ثابت صحيح، رواه الإمام المجمع على عدالته وقبول روايته الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، وكذلك وكيع مجمع على عدالته وحفظه وفقهه، عن عصام وهو ثقة عدل فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» له عن عكرمة، وهو عند أكثر العلماء ثقة عالم، وهذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ وهو إخباره بالشيء قبل كونه.
وقوله: «الأدبب»: أراد الأدب، فأظهر التضعيف.
والعجب من القاضي أبي بكر بن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتبه منها في كتاب «العواصم من القواصم» (٤) وذكر أنه لا يوجد أصلا، وأظهر لعلماء
стр. 599
المحدثين بإنكاره غباوة وجهلا، وشهرة هذا الحديث أوضح من فلق الصبح وأجلى، وقد رواه أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» فقال: حدّثنا سعيد بن نصر قال حدّثنا قاسم بن أصبغ قال حدّثنا محمد بن وضاح قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة فذكره بسنده المتقدم (١).
وروى أبو جعفر الطبري قال: لما خرجت عائشة ﵂ من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب؛ جهّزها علي ﵁ جهازا حسنا، وأخرج معها من أراد الخروج، واختار عليها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة، وجهّز معها أخاها محمدا. وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ ﵁ على أميال، وسرّح معها بنيه يوما (٢).
فصل
فإن قيل: فلم ترك عليّ الاقتصاص من قتلة عثمان؟
فالجواب: إنه لم يكن وليّ دم، وإنما كان أولياء الدم أولاد عثمان وهم جماعة: عمرو - وكان أسن ولد عثمان، وعمّر - وإبّان وكان محدّثا فقيها، وشهد الجمل مع عائشة، والوليد بن عثمان وكان عنده مصحف عثمان الذي كان في حجره حين قتل، ومنهم الوليد بن عثمان. ذكر ابن قتيبة في «المعارف» (٣) أنه كان صاحب شراب وفتوة، ومنهم سعيد بن عثمان وكان واليا لمعاوية على خراسان.
فهؤلاء بنو عثمان الحاضرون في ذلك الوقت وهم أولياء الدم دون غيرهم، ولم يتحاكم إلى عليّ أحد منهم، ولا نقل ذلك عنهم، فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم إذ كان أقضى الصحابة، للحديث المرويّ فيه عن رسول الله ﷺ .
وجواب ثان: أنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه، فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه، ولا إلى الحكم في ذلك سبيل
стр. 600
مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقّهم، ففي تركهم له أوضح دليل. وكذلك فعل معاوية حين تمّت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قتل عليّ ﵁ لم يحكم على واحد من المتّهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص، وأكثر المتّهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة، وكلهم تحت حكمه وأمره ونهيه وغلبته وقهره، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه ويقول: لا نبايع من يؤوي قتلة عثمان ولا يقتصّ منهم، والذي كان يجب عليه شرعا أن يدخل في طاعة عليّ ﵁ حين انعقدت خلافته في مسجد رسول الله ﷺ ومهبط وحيه ومقرّ النبوة وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار بطوع منهم وارتضاء واختيار، وهم أمم لا يحصون وأهل عقد وحل، والبيعة تنعقد بطائفة من أهل الحل والعقد، فلما بويع له ﵁ طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكّن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم فقال لهم علي ﵇: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك، نراهم صباحا ومساء. وكان عليّ في ذلك أسدّ رأيا وأصوب قيلا لأن عليا لو تعاطى القود معهم لتعصّب لهم قبائل، وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم إلى أن يستوثق الأمر وتنعقد عليه البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق.
قال ابن العربي أبو بكر: ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى إلى إثارة فتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأوا أن البداية بقتل أصحاب عثمان أولى.
وذكر ابن وهب قال: حدثني حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أنه سمعه يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الكناني حتى إذا بلغا صفّين، وقف كعب ثم نظر ساعة، فقال: لا إله إلا الله؛ ليهرقنّ في هذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق ببقعة من الأرض، فغضب قيس، ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا؟ فإذا هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به. فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلا هو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى بن عمران ما يكون عليه إلى يوم القيامة (١).
أخبرنا شيخنا القاضي لسان المتكلمين أبو عامر يحيى بن الشيخ الفقيه الإمام أبي الحسين بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، إجازة عن شيخه المحدث الثقة المؤرخ
стр. 601
أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، قال: حدثنا جماعة من شيوخنا ﵏، منهم الفقيه المفتي أبو محمد بن عتاب، قال: أنبأنا الإمام أبو عمر بن عبد البر فيما أجازه لنا بخطّه، قال: حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثني خالد أبو الربيع وأحمد بن صالح وأحمد بن عمر وابن السرح ويحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب فذكره، وأحمد بن محمد بن الحجاج هو ابن رشيد بن سعد أبو جعفر مصري، قال أبو أحمد ابن عدي: كذّبوه وأنكرت عليه أشياء، ومحمد بن يزيد بن أبي زياد مجهول قاله الدارقطني، وباقي السند ثقات معروفون.
وأما وقعة صفّين فإن معاوية لما بلغه سير أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه إليه من العراق؛ خرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من المحرم، فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقريب الماء من الفرات وبنى قصرا لبيت ماله. وصفّين: صحراء ذات كدى وأكمات، وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات، ولم يكن ثم مشرعة سواها للواردين والواردات، فمنعت عليا ﵁ إياها وحمتها عن تلك الكماة، فذكّرهم بالمواعظ الحسنة والآيات، وحذّرهم بقول النبي ﷺ فيمن منع فضل الماء بالفلاة، فردوا قوله، وأجابوه بألسنة الطغاة، إلى أن قاتلهم بالقواضب والسمهريات، فلما غلبهم عليها ﵁ أباحها للشاربين والشاربات، ثم بنى مسجدا على تلّ بأعلى الفرات، ليقيم فيه مدة مقامه فرائض الصلوات، لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين من الدرجات، على ما ثبت في الصحيح من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة العدول الثقات، وحضرها مع علي جماعة من البدريين، ومن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين، وكان مع علي رايات كانت مع رسول الله ﷺ في قتال المشركين، وكان مقام علي ﵁ ومعاوية بصفّين سبعة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة أشهر، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا، وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين (١).
стр. 602
وذكره الثقة العدل أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمداني المعروف بابن زريك وهو الملقب بسفينة، وسفينة طائر إذا وقع على الشجرة لم يقم عنها ويترك فيها شيئا وهو في تلك الليالي هي ليلة الهرير جعل يهر بعضهم على بعض، والهرير الصوت يشبه النباح لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقصفت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض قد كسروا جفون سيوفهم واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد فلا تسمع إلا غمغمة القوم والحديد في إلهام، ولما صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه وكسفت الشمس وثار القتام وارتفع الغبار وضلّت الألوية والرايات، ومرت أوقات أربع صلوات، لأن القتال كان بعد صلاتهم صلاة الصبح واقتتلوا إلى نصف الليل (١). وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين. قال الإمام أحمد بن حنبل في تاريخه، وقال غيره في شهر ربيع الأول.
وكان أهل الشام يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة وألف وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ومائة وألف (٢). ذكره الزبير بن بكار أبو عبد الله القاضي العدل قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب، عن محمد بن عمرو بن العاص وكان ممن شهد صفين وأبلى فيه، وفيه يقول:
فلو شهدت جمل مقامي ومشهدي … بصفين يوما شاب منها الذوائب
غداة أتى أهل العراق كأنهم … من البحر لجّ موجه متراكب
وجئناهم نمشي كأن صفوفنا … سحائب غيث رفعتها الجنائب
ويروي شهاب: حريق رفعته الجنائب.
وقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا … عليّا فقلنا بل نرى أن نضارب
وطارت إلينا بالرماح كماتهم … وطرنا إليهم بالأكفّ قواضب
إذا نحن قلنا استهزموا عرضت لنا … كتائب منهم واشمأزت كتائب
стр. 603
فلا هم يولون الظّهور فيدبروا … فرارا كفعل الخادرات الدرائب
قال ابن شهاب: فأنشدت عائشة ﵂ أبياته هذه فقالت: ما سمعت بشاعر أصدق شعرا منه.
قال الحافظ: ابن دحية: قوله: بل نرى أن نضارب؛ أن هنا مخففة من الثقيلة محذوفة الاسم، تقديره: أننا نضارب. وقوله: كفعل الخادرات الدرائب؛ الخادرات:
الأسود، يقال: أسود خادر كأن الأجمة له خدر، فمعناه: أنهم لا يدبرون كالأسود التي لا تدبر عن فرائسها، لأنها قد ضربت بها ودربت عليها، والدربة: الضراوة، يقال:
درب يدرب ورفع الدرائب، لأنها بدل من الضمير في يدبروا.
قال: والإجماع منعقد على أن طائفة الإمام طائفة عدل والأخرى طائفة بغي، ومعلوم أن عليّا ﵁ كان الإمام.
وروى مسلم في صحيحه قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لابن مثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي سلمة، قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (١) وخرّجه أيضا من حديث إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور، ومحمد بن غيلان، ومحمد بن قدامة، قالوا: أخبرنا النضر بن شميل، عن شعبة، عن أبي سلمة بهذا الإسناد نحوه، غير أن في حديث النضر قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة، وله طرق غير هذا في «صحيح مسلم».
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» (٢) له في ترجمة عمار:
وهو من أصح الأحاديث.
وقال فقهاء الإسلام فيما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب «الإمامة» من تأليفه: وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلّمين إلى أن عليّا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل. وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم.
وقال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في كتابه (الفرق) من تأليفه في شأن عقيدة أهل السنة؛ وأجمعوا أن عليّا كان مصيبا في قتاله لأهل صفين كما قالوا
стр. 604
بإصابته في قتل أصحاب الجمل، وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم (١).
وقال الإمام أبو منصور التيمي البغدادي في كتاب «الفرق» في بيان عقيدة أهل السنة: وأجمعوا أن عليّا كان مصيبا في قتال أهل الجمل، أعني طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين أعني معاوية وعسكره.
وقال الإمام أبو المعالي في كتاب «الإرشاد»: فصل: علي ﵁ كان إماما حقّا في توليته، ومقاتلوه بغاة وحسن الظن بهم يقتضي أن يظنّ بهم قصد الخير وإن أخطئوه، فهو آخر فصل ختم به كتابه.
وحسبك بقول سيد المرسلين وإمام المتقين لعمار ﵁: «تقتلك الفئة الباغية». وهو من أثبت الأحاديث كما تقدم، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره لثبوته عنده: إنما قتله من أخرجه، ولو كان حديثا فيه شك لردّه معاوية وأنكره وكذّب ناقله وزوّره.
وقد أجاب علي ﵁ عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي ﵁ إلزام لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها، قاله الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دعية.
***
٢٢٩ - باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وفي ظهور الفتن
(البخاري) عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج فقال: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ (٢). وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشحّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج»، قالوا: يا رسول الله؛ أيم هو؟ قال: «القتل القتل» (٣). أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 605
فصل
قوله: «يتقارب الزمان»؛ قيل: معناه قصر الأعمار وقلة البركة فيها، وقيل:
هو دنو زمان الساعة. وقيل: هو قصر مدة الأيام، على ما روي «أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السّعفة» (١). أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقيل في تأويله غير هذا.
وقال حماد بن سلمة: سألت أبا سنان عن قوله: «يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر» وقال: ذلك من استلذاذ العيش.
قال الخطابي: يريد - والله أعلم - زمان خروج المهدي ووقوع الأمنة في الأرض فيما يبسطه من العدل فيها، - على ما يأتي - ويستلذ به العيش عند ذلك وتستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلّت والعرب تقول في مثل هذا: مرّ بنا يوم كعرقوب القطا قصرا.
و «يلقى الشح» بمعنى: يتلقى ويتعلم ويتواصى عليه ويدعى إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] أي: تقبلها وتعلمها، ويجوز يلقى بتخفيف اللام والقاف على معنى يترك، لإفاضة المال وكثرته، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته فلا يجد من يقبلها على ما يأتي، ولا يجوز أن يكون يلقى بمعنى يوجد؛ لأن الشح ما زال موجودا قبل تقارب الزمان.
***
٢٣٠ - باب ما جاء في الفرار من الفتن وكسر السلاح وحكم المكره عليها
(مالك) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (٢).
стр. 606
(مسلم) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». قال: فقال له رجل: يا رسول الله؛ أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق عليه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت». قال: فقال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» (١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي، من يشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به» (٢) قال: حديث حسن صحيح.
***
٢٣١ - باب منه والأمر بلزوم البيوت عند الفتن
(ابن ماجه) عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضربه، حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية». فقد وقعت وفعلت ما قال النبي ﷺ (٣).
(أبو داود) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاس بيوتكم» (٤).
стр. 607
فصل
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان محمد بن مسلمة ﵁ ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وأن النبي ﷺ أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفا من خشب ففعل وأقام بالرّبذة. وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو موسى، وأهبان بن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. ومن التابعين:
شريح، والنخعي، وغيرهم ﵃.
قلت: هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكفّ اليد واللسان عند ظهور الفتن ونزول البلايا والمحن، نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة بحق نبيه وآله وأتباعه وصحبه.
وقوله: «كونوا أحلاس بيوتكم»: حضّ على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه.
ومن مراسيل الحسن وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «نعم صوامع المؤمنين بيوتهم» (١). وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف، قال الله تعالى:
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠].
ودخل سلمة بن الأكوع على الحجاج وكان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان، وتزوج امرأة هناك وولدت له أولادا، فلم يزل بها حتى كان قبل أن يموت بليال فدخل المدينة فقال له الحجاج: ارتددت على عقبيك؟ قال: لا؛ ولكن رسول الله ﷺ أذن لنا في البدو. وخرّجه مسلم وغيره (٢).
وقد تقدم قوله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن».
وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد منهم على ما يعلم من نفسه ويتأتى له من أمره، وقد كان العمري (٣) بالمدينة معتزلا، وكان مالك مخالطا للناس، ثم اعتزل مالك آخر عمره ﵁، فيروى عنه أنه أقام ثماني عشرة
стр. 608
سنة لم يخرج إلى المسجد، فقيل له في ذلك فقال: ليس كل واحد يمكنه أن يخبر بعذره (١). واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل: لئلا يرى المناكير، وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل: كانت به أبردة فكان يرى تنزيه المسجد عنها. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب «سراج المريدين» له.
***
٢٣٢ - باب منه وكيف التثبت في الفتنة والاعتزال عنها، وفي ذهاب الصالحين
(ابن ماجه) عن عديسة بنت أهبان، قالت: لما جاء علي بن أبي طالب هاهنا بالبصرة دخل على أبي، فقال: يا أبا مسلم ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال:
بلى، فدعا جاريته، فقال: يا جارية؛ أخرجي سيفي. قالت: فأخرجته فسل منه قدر شبر، فإذا هو خشب، فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إليّ إذا كانت فتنة بين المسلمين فاتخذ سيفا من خشب، فإن شئت خرجت معك. قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك (٢).
وعن هزيل (٣) بن شرحبيل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسّروا قسيّكم، وقطّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم» (٤) أخرجه أبو داود أيضا.
وخرّج من حديث سعد بن أبي وقاص، قلت: يا رسول الله؛ إن دخل على بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : «كن كخير ابني آدم» وتلا هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ (٥) [المائدة: ٢٨].
(ابن ماجه) عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان
стр. 609
يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة يبقى حثالة من الناس قد مزجت عهودهم، وخفّت أمانتهم، واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا» وشبّك بين أصابعه. قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك الزمان؟ قال: «تأخذون بما تعرفون، وتدعون بما تنكرون، وتقبلون على خاصّتكم، وتذرون أمر عامتكم» (١) أخرجه أبو داود أيضا.
وخرّجه أبو نعيم الحافظ بإسناده عن محمد بن كعب القرظي، أن الحسن بن أبي الحسن حدّثه أنه سمع شريحا وهو قاضي عمر بن الخطاب، يقول: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : «ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مزجت عهودهم وخربت أماناتهم» فقال قائل: كيف بنا يا رسول الله؟ قال:
«تعملون بما تعرفون وتتركون ما تنكرون وتقولون أحد أحد انصرنا على من ظلمنا، واكفنا من بغانا» (٢). غريب من حديث محمد بن كعب والحسن وشريح، ما علمت له وجها غير هذا.
(النسائي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيت الناس مزجت عهودهم، وخفّت أماناتهم، وكانوا هكذا وهكذا» وشبك بين أصابعه، فقمت إليه فقلت: له كيف أصنع عند ذلك يا رسول الله، جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» (٣) خرّجه أبو داود أيضا.
(الترمذي) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ويأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا» (٤) قال: هذا حديث غريب. وفي الباب عن أبي ذر ﵁.
فصل
قوله: «يوشك» معناه: يقرب. وقوله: «فيغربل الناس فيها غربلة» عبارة عن موت الأخيار وبقاء الأشرار، كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله. والحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر، وكل ذي قشر إذا بقي، وحثالة الدهن تفله، وكأنه الرديء من كل شيء. ويقال: حثالة وحفالة بالثاء والفاء معا.
كما روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لتنتقون كما ينتقى
стр. 610
التمر من أغفاله، وليذهبنّ خياركم وليبقينّ شراركم، فموتوا إن استطعتم» (١).
وخرّج البخاري عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بآلة» وفي رواية: «لا يعبأ الله بهم» (٢). يقال: ما أباليه بآلة، وبال وبلى مقصور ومكسور.
الأول مصدر. وقيل: اسم؛ ما أكثرت به، والبال الاكتراث والاهتمام بالشيء. والصالحون: هم الذين أطاعوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه.
قال أبو الخطاب بن دحية: ومرداس هذا هو: مرداس بن مالك الأسلمي، من أسلم؛ بفتح اللام، سكن الكوفة وهو معدود في أهلها، ولم يحفظ له من طريق صحيح سوى هذا الحديث.
قال المؤلف ﵀: انفرد به البخاري ﵀، روى عن قيس بن أبي حازم في الرقاق.
«ومزجت»: معناه اختلطت واختلفت، والمزج: الاختلاط والاختلاف.
***
٢٣٣ - باب الأمر بتعلّم كتاب الله واتباع ما فيه ولزوم جماعة المسلمين عند غلبة الفتن وظهورها وصفة دعاة آخر الزمان، والأمر بالسمع والطاعة للخليفة وإن ضرب الظهور وأخذ المال
(أبو داود) عن نصر بن عاصم الليثي، قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو الليث؛ أتيناك نسألك عن حديث حذيفة. فقال:
أقبلنا مع أبي موسى قافلين وغلت الدواب بالكوفة، قال: فسألت أبا موسى الأشعري أنا وصاحب لي، فأذن لنا فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد فإذا قامت السوق خرجت إليك، قال: فدخلت المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قطّعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل واحد، قال: فقمت عليهم؛
стр. 611
فجاء رجل فقام إلى جنبي، قال: فقلت: من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قال: قلت:
نعم. قال: قد عرفت ولو كنت كوفيّا لم تسأل عن هذا؛ هذا حذيفة، فدنوت منه فسمعت حذيفة ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أنا أسأله عن الشرّ، وعرفت أن الخير لن يسبقني. قال: فقلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «يا حذيفة؛ تعلّم كتاب الله واتبع ما فيه» ثلاث مرات.
قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «فتنة وشر» قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الشر خير؟ فقال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله وابتع ما فيه» قال: قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الشر خير؟ قال: «هدنة على دخن وجماعة على أقذاء، فيهم أو فيها» قلت: يا رسول الله؛ الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: «لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه» قال: قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم» (١).
وخرّج أبو نعيم الحافظ، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه، يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة، إلا أن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلّوكم». قالوا: يا رسول الله؛ كيف نصنع؟ قال: مما صنع أصحاب عيسى ابن مريم ﵇؛ نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» (٢). خرجه في باب يزيد بن مرثد، غريب من حديث معاذ، لم يروه عنه إلا يزيد بن مرثد وعنه الوضين بن عطاء.
стр. 612
وخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت:
وما دخنه؟ قال: قوم يستنّون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت:
هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: يا رسول الله؛ صفهم لنا. قال: نعم؛ قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا.
فقلت: يا رسول الله؛ فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل الفرق كلّها، ولو إن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).
وفي رواية قال: «تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: فكيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع» لفظ مسلم.
وفي كتاب أبي داود بعد قوله: «هدنة على دخن» قال: «قلت: يا رسول الله؛ ثم ماذا؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه، وإلا فمت وأنت عاضّ في جذل شجرة. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال ومعه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره. قال: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة».
فصل
قوله: «على أقذاء»؛ الأقذاء، جمع القذى، والقذى جمع قذاة، وهو ما يقع في العين من الأذى وفي الطعام والشراب من تراب أو نتن أو غير ذلك، فالمراد به في الحديث: الفساد الذي يكون في القلوب، أي: أنهم يتّقون بعضهم بعضا، ويظهرون الصلح والاتفاق، ولكنهم في باطنهم خلاف ذلك، والجذل: الأصل كما هو مبين في كتاب مسلم: «على أصل شجرة».
***
стр. 613
٢٣٤ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار
(مسلم) عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: فقلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله ﷺ يعني عليّا - قال: فقال لي: يا أحنف؛ ارجع، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قال: فقلت: يا رسول الله؛ هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل صاحبه» أخرجه البخاري، وفي بعض طرقه: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (١).
فصل
قال علماؤنا: ليس هذا الحديث في أصحاب النبي ﷺ ، بدليل قوله تعالى:
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] فأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية، ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لتعطّلت فريضة من فرائض الله، وهذا يدل على أن قوله: «القاتل والمقتول في النار» ليس في أصحاب محمد ﷺ ، لأنهم إنما قاتلوا على التأويل.
قال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف؛ لما أقيم حدّ ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم؛ بأن يقولوا: هذه فتنة قد نهينا عن القتال فيها، وأمرنا بكف الأيدي والهرب منها، وذلك مخالف لقوله ﵊: «خذوا على أيدي سفهائكم» (٢).
قلت: فحديث أبي بكرة محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا، وقد جاء هكذا منصوصا فيما سمعناه من بعض مشايخنا: «إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار» خرّجه البزار.
стр. 614
ومما يدل على صحة هذا ما خرّجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل». فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال:
«الهرج؛ القاتل والمقتول في النار» (١).
فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهالة من طلب الدنيا أو اتباع هوى كان القاتل والمقتول في النار، فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا، وأما أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم، لثناء الله عليهم في كتابه فقال - وقوله الحق -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠].
وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق.
وقيل: إن من توقّف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكفّ على عمومها فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد الله بن عمر فإنه ندم على تخلّفه عن نصرة علي بن أبي طالب ﵁ فقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية، يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح؛ أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت. قال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفّين مع علي في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منهم ثلاث وستون منهم عمار بن ياسر.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع عليّ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعونه كأنه علم لهم. قال: وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدّم؛ الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعفات الجبال لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:
نحن ضربناكم على تنزيله … فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل إلهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحقّ إلى سبيله
стр. 615
قال: فلم أر أصحاب محمد ﷺ قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ.
وسئل بعض المتقدّمين عن الدماء التي وقعت بيد الصحابة فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في كتاب «الجامع لأحكام القرآن» في سورة الحجرات، والصواب ما ذكرنا لك أولا، والله أعلم. وروي عنه ﵊ أنه قال: «سيكون بين أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي، ثم يستن بها قوم من بعدهم يدخلون بها النار».
***
٢٣٥ - باب جعل الله بأس هذه الأمة بينها
قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] (مسلم) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض». قال ابن ماجه في «سننه»: يعني: الذهب والفضة - «وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد؛ إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال - من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» (١). زاد أبو داود: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين، وحتى يعبد قبائل من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون يزعم كلّهم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (٢).
(ابن ماجه) عن معاذ بن جبل قال: صلى رسول الله ﷺ يوما صلاة فأطال فيها، فلما انصرف قلنا. أو قالوا: يا رسول الله؛ أطلت اليوم الصلاة. قال: «إني صلّيت صلاة رغبة ورهبة؛ سألت الله لأمتي ثلاثا، فأعطاني ثنتين وردّ عليّ واحدة؛ سألته
стр. 616
ألا يسلّط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يهلكهم غرقا فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ» (١).
وأخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص؛ أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية - وفي رواية: - في طائفة من أصحابه، إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين، فصلّينا معه، ودعا ربّه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (٢).
وأخرجه الترمذي والنسائي وصححه واللفظ للنسائي. عن خبّاب بن الأرتّ - وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أنه راقب رسول الله ﷺ الليلة كلها حتى كان الفجر، فلما سلّم رسول الله ﷺ من صلاته جاء خباب، فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي لقد صلّيت الليلة صلاة ما رأيتك صلّيت نحوها. فقال رسول الله ﷺ :
«أجل إنها صلاة رغب ورهب؛ سألت الله فيها لأمتي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها، وسألت ربي ألا يظهر علينا عدوّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها» (٣).
(ابن ماجه) عن أبي موسى قال: حدثنا رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة لهرجا»، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الهرج؟ قال: «القتل القتل» فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «ليس بقتل المشركين، ولكن بقتل بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته» (٤) وذكر الحديث، والله أعلم.
***
٢٣٦ - باب ما يكون من الفتن وإخبار النبي ﷺ بها
(مسلم) عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه
стр. 617
أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه» (١).
وخرج أبو داود أيضا عنه قال: «والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته» (٢).
(مسلم) عن حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول الله ﷺ مجلسا أنبأنا فيه عن الفتنة، فقال وهو يعد الفتن: «منها ثلاثة لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار». قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (٣).
(أبو داود) عن عبد الله بن عمر قال: كنا قعودا عند رسول الله ﷺ فذكر الفتن فأكثر فيها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله؛ وما فتنة الأحلاس؟ قال: «هي هرب وحرب، ثم فتنة السوء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كودك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل:
انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، حتى يصير الناس فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده» (٤).
فصل
قول حذيفة «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما»، وفي الرواية الأخرى: «مجلسا»:
قد جاء مبينا في حديث أبي زيد قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل، فصلّى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلّى فصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» أخرجه مسلم (٥).
وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر نهارا ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» (٦).
стр. 618
فظاهر هذا أن ذلك المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك، وهذا تعارض فيجوز أن يكون ذلك كله في يومين، فيوم خطب فيه من بعد العصر، ويوم قام فيه خطيبا كله، ويجوز أن تكون الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب الشمس، كما في حديث أبي زيد، واقتصر بعض الرواة في الذكر على ما بعد العصر كما في حديث أبي سعيد الخدري، وفيه بعد، والله أعلم.
وقوله: «حتى ذكر فتنة الأحلاس» قال الخطابي: إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، يقال؛ للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه: هو حلس بيته. ويحتمل أن تسمى هذه الفتنة بالأحلاص لسوادها وظلمتها. والحرب:
ذهاب الأهل والمال، يقال: حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله، ومن هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس والأموال والله أعلم.
والدخن الدخان؛ يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه. وقوله: «كورك على ضلع» مثل، ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، يريد أن هذه الرجل غير خليق بالملك. والدهيماء: تصغير الدهماء على معنى المذمة لها والتعظيم لأمرها، كما قال:
دويهية تصفرّ منها الأنامل
أي: هذه الفتنة سوداء مظلمة.
ودلّت أحاديث هذا الباب على أن الصحابة ﵃ كان عندهم من علم الكوائن إلى يوم القيامة العلم الكثير لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيه شيء من ذلك حدّثوا به وتقصّووا عنه.
وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم (١).
قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام، والفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى، وتشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى، حملا على تسمية مصر بالفسطاط، والله أعلم.
***
стр. 619
٢٣٧ - باب ذكر الفتنة التي تموج موج البحر وقول النبي ﷺ : «هلاك أمتي على يد أغيلمة من سفهاء قريش»
(ابن ماجه) عن شقيق، عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: فقلت: أنا.
فقال: إنك لجريء، قال: كيف سمعته يقول؟ قلت سمعته يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره يكفّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج موج البحر. قال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: يفتح الباب أو يكسر؟ قال: بل يكسر. قال: ذلك أجدر أن لا يغلق. فقلت لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال:
فهبنا أن نسأله من الباب. فقلنا لمسروق: سله فسأله، فقال: هو عمر (١). أخرجه البخاري ومسلم أيضا.
وخرج الخطيب أبو بكر أحمد بن علي، من حديث مالك بن أنس، أن عمر ابن الخطاب دخل على بنت علي بن أبي طالب ﵃ فوجدها تبكي، فقال ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله إني لأرجو أن يكون الله خلقني سعيدا، قال: ثم خرج فأرسل إلى كعب، فدعاه فلما جاءه كعب، قال: يا أمير المؤمنين؛ والذي نفسي بيده لا تنسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال عمر: أي شيء هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار، قال: والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يتقحّمون فيها إلى يوم القيامة.
(البخاري) عن عمرو بن يحيى بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان، فقال أبو هريرة:
سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يد أغيلمة من قريش». قال مروان: لعنة الله عليهم من أغيلمة. قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان
стр. 620
وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حتى تملّكوا بالشام فإذا رآهم أحداثا وغلمانا، قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم. قلنا: أنت أعلم (١).
الغلام: الطارّ الشارب، والجمع الغلمة والغلمان.
ونصّ مسلم في صحيحه في كتاب الفتن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
«يهلك أمتي هذا الحي من قريش قال: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» (٢).
فصل
قال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان عنده من علم الفتن العلم الكثير والتعيين على من يحدث عنه الشر الغزير، ألا تراه يقول:
«لو شئت قلت لكم هم بنو فلان وبنو فلان» لكنه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم - والله أعلم - يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رسول الله ﷺ وسبيهم وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة وبمكة وغيرها، وغير خاف ما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإهلاك الناس بالحجاز والعراق وغير ذلك، وبالجملة فبنو أمية قابلوا وصية النبي ﷺ في أهل بيته وأمته بالمخالفة والعقوق فسفكوا دماءهم وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم وخربوا ديارهم، وجحدوا فضلهم وشرفهم، واستباحوا لعنهم وشتمهم، فخالفوا رسول الله ﷺ في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فوا خجلتهم إذا وقفوا بين يديه، ووا فضيحتهم يوم يعرضون عليه، والله أعلم.
***
٢٣٨ - باب ما جاء في بيان مقتل الحسين ﵁ ولا رضي عن قاتله
ذكر أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحلوانيّ، قال ابن السكن:
وأخبرني أبو بكر محمد بن محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الحداد، قالا: حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، قال: حدثنا عطاء بن مسلم،
стр. 621
عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره» فقتل أنس يعني مع الحسين بن علي ﵉ (١). أنبأناه إجازة الشيخ الفقيه القاضي أبو عامر، عن أبي القاسم بن بشكوال، عن أبي محمد ابن عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، وأبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد، عن أبي عمر بن عبد البر، قال: حدثنا الحافظ أبو القاسم خلف بن القاسم، قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو علي بن السكن؛ فذكره.
وخرّج الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا مؤمّل قال: حدثنا عمارة بن زاذان، حدثنا ثابت، عن أنس؛ أن ملك المطر استأذن أن يأتي النبي ﷺ فأذن له، فقال لأم سلمة: «املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد» قال: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبي ﷺ وعلى منكبيه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي ﷺ : أتحبه؟ قال: نعم. قال: أما إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة فصرّتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء (٢).
وقال مصعب بن الزبير: حجّ الحسين خمسة وعشرين حجة ماشيا. وقد قال النبي ﷺ فيه وفي الحسن: «إنهما سيدا شباب أهل الجنة» (٣). وقال: «هما ريحانتاي من الدنيا» (٤). وكان النبي ﷺ إذا رآهما هشّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما وصعد بهما، قال: «رأيت هذين فلم أصبر» (٥). وكان يقول فيهما: «اللهم إني أحبّهما فأحبّهما وأحب من يحبهما» (٦).
стр. 622
وقتل ﵀ ولا رحم قاتله - يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين بكربلاء، بقرب موضع يقال له الطف، بقرب من الكوفة.
قال أهل التواريخ: لما مات معاوية وأفضت الخلافة إلى يزيد وذلك سنة ستين، ووردت البيعة على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ بالبيعة إلى أهلها أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلا فأتى بهما فقال: بايعا. فقالا:
مثلنا لا يبايع سرّا، ولكن نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة، وخرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلا لقتل الحسين وأمر عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فأدركه بكربلاء، وقيل: إن عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن يزيد الرياحي أن جعجع بالحسين. قال أهل اللغة: أراد احبسه وضيّق عليه و «الجعجع» و «الجعجاع» الموضع الضيق من الأرض، ثم أمده بعمر بن سعد في أربعة آلاف، ثم ما زال عبيد الله يزيد العساكر ويستفز الجماهير إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفا وأميرهم عمر بن سعد، ووعده أن يملكه مدينة الريّ فباع الفاسق الرشد بالغيّ، وفي ذلك يقول:
أأترك ملك الريّ والريّ منيتي … وأرجع مأثوما بقتل حسنين
فضيق عليه اللعين أشدّ تضييق، وسد بين يديه وضح الطريق، إلى أن قتله يوم الجمعة، وقيل يوم السبت العاشر من المحرم.
وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب»: قتل يوم الأحد لعشر مضين من المحرم بموضع من أرض الكوفة يقال له: كربلاء، ويعرف بالطف أيضا، وعليه جبة خز دكناء، وهو ابن ست وخمسين سنة. قاله نسابة قريش الزبير بن بكار، ومولده لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وفيها كانت غزوة ذات الرقاع، وفيه قصرت الصلاة، وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واتفقوا على أنه قتل يوم عاشوراء العاشر من المحرم سنة إحدى وستين، ويسمى عام الحزن وقتل معه اثنان وثمانون رجلا من الصحابة مبارزة، منهم الحر بن يزيد لأنه تاب ورجع مع الحسين، ثم قتل جميع بنيه إلا عليّا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضا أخذ أسيرا بعد قتل أبيه، وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه ﵃، ثم أنشأ يقول:
يا عين ابكي بعبرة وعويل … واندبي إن ندبت آل الرسول
سبعة كلهم لصلب عليّ … قد أصيبوا وتسعة لعقيل
стр. 623
قال جعفر الصادق: وجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة بالسيف، وأربع وثلاثون ضربة.
واختلفوا فيمن قتله؛ فقال يحيى بن معين: أهل الكوفة يقولون: إن الذي قتل الحسين عمر بن سعد.
قال ابن عبد البر: إنما نسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد ووعده أن يولّيه الريّ إن ظفر بالحسين وقتله، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من مصر ومن اليمن. وفي شعر سليمان بن قتنة الخزاعي وقيل: إنها لأبي الرميح الخزاعي ما يدل على الاشتراك في دم الحسين. وقيل: قتله سنان بن أبي سنان النخعي، وقال مصعب النسابة الثقة: قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النخعي وهو جد شريك القاضي، ويصدق ذلك قول الشاعر:
وأي رزية عدلت حسينا … غداة تبيده كفّا سنان
وقال خليفة بن خياط: الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن وأمير الجيش عمر بن سعد، وكان شمر أبرص، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، خز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال:
أوقر ركابي فضة وذهبا … أني قتلت الملك المحجّبا
قتلت خير الناس أمّا وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا
هذه رواية أبي عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» (١).
وقال غيره: تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي ودخل به على ابن زياد وهو يقول:
أوقر ركابي فضة وذهبا … أني قتلت الملك المحجّبا
وخيرهم إذ يذكرون النسبا … قتلت خير الناس أمّا وأبا
في أرض نجد وحرا ويثربا
فغضب ابن زياد من قوله وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ والله لا نلت مني خيرا أبدا، ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه.
وفي هذه الرواية اختلاف. وقد قيل: إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل.
стр. 624
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه ويتتبعه فيها. قال: قلت: يا رسول الله؛ ما هذا؟ قال دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم (١). وهذا سند صحيح لا مطعن فيه.
وساق القوم حرم رسول الله ﷺ كما تساق الأسرى حتى إذا بلغوا بهم الكوفة، خرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم، وفي الأسارى علي بن الحسين وكان شديد المرض قد جمعت يداه إلى عنقه، وزينب بنت علي وبنت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم، وفاطمة وسكينة بنت الحسين، وساق الظلمة والفسقة معهم رؤوس القتلى.
روى قطر، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة عليها الصلاة والسلام.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال: أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلا من أهل بيته، ما على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه.
وقيل: إنه قتل مع الحسين من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا.
وفي صحيح البخاري في المناقب عن أنس بن مالك: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئا، فقال أنس:
كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبا بالوسمة (٢).
يقال: نكت في الأرض؛ إذا أثّر فيها، ونكت بالحصباء إذا ضرب بها. وكان الفاسق يؤثر في رأسه المكرم بالقضيب. وأمر عبيد الله ابن زياد من قوّر الرأس حتى ينصب في الرمح، فتحاماه أكثر الناس فقام رجل يقال له: طارق بن المبارك - بل هو ابن المشئوم الملعون المذموم - فقوّره ونصبه بباب دار عبيد الله، ونادى في الناس وجمعهم في المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحل ذكرها، ثم دعا بزياد ابن حر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين ورؤوس إخوته وبنيه وأهل بيته وأصحابه، ودعي بعلي بن الحسين فحمله وحمل عماته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد ومنزل حتى قدموا دمشق ودخلوا من باب توما، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع، حيث يقام
стр. 625
السبي، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد، فأمر أن يجعل في طست من ذهب، وجعل ينظر إلى ويقول هذه الأبيات:
صبرنا وكان الصبر منا عزيمة … وأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نعلق هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ثم تكلم بكلام قبيح وأمر بالرأس أن تصلب بالشام، ولما صلبت أخفى خالد ابن عفران شخصه من أصحابه، وهو من أفاضل التابعين فطلبوه شهرا حتى وجدوه فسألوه عن عزلته، فقال ألا ترون ما نزل بنا:
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزمّلا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا … في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبّرون بأن قتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا
واختلف الناس في موضع الرأس المكرم؟ وأين حمل من البلاد؟
فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني: أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث به إلى المدينة فأقدم إليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم، وجهّزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين ﵇ إلى عمرو بن سعيد العاص، وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي. ثم أمر عمرو بن سعيد بن العاص برأس الحسين ﵇ فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها الصلاة والسلام هذا أصح ما قيل في ذلك. ولذلك قال الزبير بن بكار: إن الرس حمل إلى المدينة (١). والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء لهذا السبب. قال: حدثني بذلك محمد بن حسن المخزومي النسّابة.
والإمامية تقول: إن الرأس أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوما من المقتل، وهو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين، وما ذكر أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فشيء باطل لا يصحّ ولا يثبت.
وقد قتل الله قاتله صبرا ولقي حزنا طويلا وذعرا، وجعل رأسه الذي اجتمع فيه العيب والذم في الموضع الذي جعل فيه رأس الحسين، وذلك بعد قتل الحسين
стр. 626
بستة أعوام، وبعث المختار به إلى المدينة فوضع بين يدي بني الحسين الكرام، وكذلك عمرو بن سعد وأصحابه اللئام ضربت أعناقهم بالسيف، وسقوا كأس الحمام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام في يوم ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
وفي الترمذي: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرة قال: لما أتي برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله فمكثت هنية، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا (١).
قال العلماء: وذلك مكافأة لفعله برأس الحسين وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه. ثم سلّط الله عليهم المختار فقتلهم حتى أوردهم النار، وذلك أنه الأمير مذحج بن إبراهيم بن مالك لقي عبيد الله بن زياد على خمسة فراسخ من الموصل وعبيد الله في ثلاثة وثلاثين ألفا وإبراهيم في أقل من عشرين ألفا، فتطاعنوا بالرماح وتراموا بالسهام واصطفقوا بالسيوف إلى أن اختلط الظلام، فنظر إبراهيم إلى رجل عليه بزّة حسنة ودرع سابغة وعمامة خز دكناء، وديباجة خضراء، من فوق الدرع وقد أخرج يده من الديباجة ورائحة المسك تشم عليه وفي يده صحيفة له مذهبة، فقصده الأمير إبراهيم لا لشيء إلا لتلك الصحيفة والفرس الذي تحته حتى إذا لحقه لم يلبث أن ضربه ضربة كانت فيها نفسه، فتناول الصحيفة وغار الفرس فلم يقدر عليه ولم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة، فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى فأصبح الناس وقد فقد من أهل العراق ثلاثة وسبعون رجلا وقتل من أهل الشام سبعون ألفا.
فتعشوا منهم بسبعين ألفا … أو يزيدون قبل وقت العشاء
فلما أصبح وجد الأمير الفرس رده عليه رجل كان أخذه، ولما علم أن الذي قتل هو عبيد الله بن زياد كبّر وخرّ ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي، فبعث به إلى المختار زيادة على سبعين ألف رأس في أولها أشد رؤوس أهل الفساد، عبيد الله المنسوب إلى زياد.
قال المؤلف ﵀: نقلت هذا من كتاب «مرج البحرين في مزايد المشرقين والمغربين» للحافظ أبي الخطاب بن دحية ﵁.
стр. 627
فصل
ومثل صنيع عبيد الله بن زياد صنع قبله بشر بن أرطاة العامري الذي هتك الإسلام، وسفك الدم الحرام، وأذاق الناس الموت الزؤام، ولم يدع لرسول الله ﷺ الذمام، فقتل أهل بيته الكرام، وحكم في مفارقهم الحسام، وعجل لهم الحمام، ذبح ابني عبيد الله ابن عباس بن عبد المطلب وهما صغيران، بين يدي أمهما يمرحان، وهما قثم وعبد الرحمن، فوسوست أمهما وأصابها ضرب من الجان لما أشعله الثكل في قلبها من لهب النيران. روى أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» في حديث فيه طول: كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله ﷺ يتعوّد من شر يوم البلاء ويوم العورة، في صلاة صلاّها أطال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت؟ فقال تعوذت من يوم البلاء ويوم العورة، فإن نساء من المسلمات ليسبين ليكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه.
وذكر أبو عمر بن عبد البر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، أنبأنا أبو محمد إسماعيل بن محمد الحبطلي ببغداد في «تاريخه الكبير» حدثنا محمد بن مؤمن بن حماد، قال: حدثنا سلمان بن شيخ، قال:
حدثنا محمد بن عبد الحكم عن عوانة، قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أرطاة في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل المدينة يومئذ لعلي ﵇ أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، ففر أبو أيوب ولحق بعليّ ﵄. ودخل بسر المدينة فصعد منبرها فقال: أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس، يعني عثمان بن عفان، ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهدته إلى معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة، فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة، حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فأخبر جابر فانطلق حتى جاء الشام فأتى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقال لها: ماذا ترين؟ فإني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة، فقالت:
أرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بسرا فبايعه لمعاوية وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى الأشعري فخاف أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب، فقيل ذلك لبسر، فقال: ما كنت لأقتله وقد خلع عليّا، ولم يطلبه. وكتب أبو موسى إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من الناس من أبي أن يقرّ بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعامل اليمن لعلي ﵁ عبيد الله بن العباس، فلما بلغه أمر بسر فرّ إلى
стр. 628
الكوفة، واستخلف على المدينة عبيد الله بن عبد مدان الحارثي، فأتى بسر فقتله وقتل ابنه ولقي ثقل عبيد الله بن العباس، وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس، فقتلهما ورجع إلى الشام.
وذكر أبو عمرو الشيباني قال: لما وجه معاوية بسر بن أرطاة لقتل شيعة علي ﵁ سار إلى أن أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرّة بني سليم، وهذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر على همدان فقتل وسبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد. وقد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت، هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن، لأنه دخل هذه البلاد وأكثر فيها الفساد، وأظهر لعلي ﵁ العناد، وأفرط في بغضه وزاد، وسلّط على أهل البيت الكريم الأجناد، فقتل وسبى وأباد، ولم يبق إلا أن يخدّ الأخاديد ويقد الأوتاد، وكان معاوية قد بعثه في سنة أربعين إلى اليمن، وعليها عبيد الله بن العباس أخو عبد الله بن العباس، ففر عبيد الله وأقام بسر باليمن، وباع دينه ببخس من الثمن فأخاف السبيل، ورعى المرعى الوبيل، وباع المسلمات، وهتك الحرمات، فبعث علي ﵁ في طلبه حارثة بن قدامة السعدي فهرب بسر إلى الشام، وقد ألبس بذميم أفعاله ثياب العار والذمام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام يوم ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾. ورجع الشريف أبو عبد الله محمد إلى بلاد اليمن، فلم يزل واليا عليهم حتى قتل علي ﵁.
ويقال: إن بسر بن أرطاة لم يسمع من النبي ﷺ حرفا لأن رسول الله ﷺ قبض وهو صغير فلا تصح له صحبة، قاله الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وقال آخرون: خرف في آخر عمره قال يحيى بن معين: وكان رجل سوء، قال المؤلف ﵀: كذا ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀.
وقد ذكر أبو داود، عن جنادة، عن ابن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له منصور وقد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو»، ولولا ذلك لقطعته (١).
قال أبو محمد عبد الحق: بسر هذا يقال: ولد في زمن رسول الله ﷺ وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن
стр. 629
العباس وفقدت أمهما عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه علي ﵁ أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، وكان كذلك.
قال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين وفقدت أمهما عقلها كانت تقف في الموسم تشعر شعرا يبكي العيون، ويهيج بلابل الأحزان والعيون، وهو هذا.
يا من أحس بابني اللذين هما … كالدرتين تشظّى عنهما الصدف
يقال: تشظت العصاة إذا صارت فلقا. قاله في «المجمل» وغيره.
يا من أحس بابني اللذين هما … سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف
حدّثت بسرا وما صدّقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترف
الخنى على ودجي ابنيّ مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
***
٢٣٩ - باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف
(أبو داود) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتنة تستنطف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف» (١). خرّجه الترمذي وقال فيه:
حديث غريب. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا يعرف لزياد بن سمين شيء عن عبد الله بن عمر غير هذا الحديث الواحد. وروي موقوفا، وذكره أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، اللسان فيها كوقوع السيف» (٢). أخرجه ابن ماجه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف» (٣).
فصل
قلت: قوله: «تستنطف» أي: ترمي، مأخوذ من نطف الماء أي: قطر، والنطفة: الماء الصافي قل أو كثر، والجمع النطاف، أي. أن هذه الفتنة تقطر
стр. 630
قتلاها في النار، أي: ترميهم فيها لاقتتالهم على الدنيا واتباع الشيطان والهوى، وقتلاها بدل من قوله: العرب، هذا المعنى الذي ظهر لي في هذا، ولم أقف فيه على شيء لغيري الله أعلم.
وقوله: «اللسان فيها أشد من وقع السيف»، أي: بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلد والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة يتزلزل بها في النار بعد ما بين المشرق والمغرب». وفي رواية عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (١) لفظ مسلم.
وقد روي: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا» (٢) فقوله: من سخط الله أي مما يسخط الله وذلك بأن يكون كذبة أو بهتانا أو بخسا أو باطلا يضحك به الناس، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس ويل له وويل له» (٣).
وفي حديث ابن مسعود: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الرفاهية من سخط الله ترديه بعد ما بين السماء والأرض». قال أبو زياد الكلابي: الرفاهية: السعة في المعاش، والخصب وهذا أصل الرفاهية، فأراد عبد الله؛ أن يتكلم بالكلمة في تلك الرفاهية والأتراف في دنياه مستهينا بها لما هو فيه من النعمة، فيسخط الله عليه. قال أبو عبيدة.
وفي الرفاهية لغة أخرى الرفاعية؛ وليس في هذا الحديث، يقال هو في رفاهية ورفاعية من العيش.
وقوله: «صماء بكماء عمياء» يريد: أن هذه الفتنة لا تسمع ولا تبصر فلا تقلع ولا ترتفع، لأنها لا حواس لها فترعوي إلى الحق، وأنه شبهها لاختلاطها، وقتل البريء فيها والسقيم بالأعمى الأصم الأخرس الذي لا يهتدي إلى شيء، فهو يخبط عشواء. والبكم: الخرس في أصل الخلقة، والصمم: الطرش.
***
стр. 631
٢٤٠ - باب الأمر بالصبر عند الفتن وتسليم النفس للقتل عندها والسعيد من جنبها
(أبو داود) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر» قلت: لبّيك يا رسول الله وسعديك، وذكر الحديث قال: «كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت بالوصيف» يعني القبر، قلت: الله ورسوله أعلم أو قال: ما خار الله لي ورسوله - قال: «عليك بالصبر - أو قال: تصبر - ثم قال: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك؟ قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه. قال: قلت: يا رسول الله؛ أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذا. قال: قلت فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قال:
قلت فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمه وإثمك» (١).
خرّجه ابن ماجه وقال: تصبر من غير شك، وزاد بعده قال: «كيف أنت وجوع يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالعفة، ثم قال: كيف أنت وقتل يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم»؟ الحديث.
وقال: «فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار» (٢).
وفي حديث عبد الله بن مسعود حين ذكر الفتنة قال: «الزم بيتك. قيل: فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فكن مثل الجمل الأورق الثّقال، الذي لا ينبعث إلا كرها ولا يمشي إلا كرها». ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه أبو النضر، وعن المسعودي، عن علي بن مدرك، عن أبي الرواع، عن عبد الله (٣). قال أبو عبيدة: سمعت بعض الرواة يقول: الرّواع والوجه الرّواع بضم الراء.
(أبو داود) قال عن المقداد بن الأسود قال: وايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها» (٤).
стр. 632
(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر» (١). قال: حديث غريب.
فصل
قوله: «بالوصيف» الوصيف: الخادم؛ يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه، إلا أن يعطى وصيفا أو قيمته. وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عليهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف.
وقوله: «غرقت بالدم»؛ أي لزمت، والفروق اللزوم فيه، ويروى غرقت، وأحجار الزيت: موضع بالمدينة.
روى الترمذي عن عمير مولى آبي اللحم، عن آبي اللحم، أنه رأى رسول الله ﷺ يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو (٢).
وذكر عمر بن أبي شبة في «كتاب المدينة» على ساكنها الصلاة والسلام قال:
حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد، فعلا الكنيس الحجارة فاندفنت.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عنان، عن ابن الحارث بن عبيدة، عن هلال بن طلحة الفهري، أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه أن كعبا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض. قال: فلما قدم كعب المدينة جاءني بكتابه ذلك، فقال: أعالم أنت بالأرض؟ قلت: نعم، وكانت بالزوراء حجارة يضع عليها الزياتون رواياهم، فأقبلت حتى جئتها، فقلت:
هذه أحجار الزيت، فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله، انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني، فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل فقال: يا أبا هلال! إني أجد أحجار الزيت في كتاب الله تعالى، فسأل القوم عنها وهم يومئذ متوافرون، فسألهم عن أحجار الزيت وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها (٣).
فصل
وأما حديث ابن مسعود: «مثل الجمل الأورق» فقال الأصمعي: الأورق وهو
стр. 633
الذي في لونه بياض إلى سواد. ومنه قيل للرماد أورق، والحمامة ورقاء. ذكره الأصمعي. قال: وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره. وأما «الثقال» فهو البطيء قال أبو عبيد: إنما خص عبد الله الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل، ثم اشترط الثقال أيضا فزاده إبطاء وثقلا، فقال: كن في الفتنة مثل ذلك، وهذا إذا دخل عليك وإنما أراد عبد الله بهذا التثبط عن الفتنة والحركة فيها.
فصل
وأما أمره ﷺ أبا ذر بلزوم البيت وتسليم النفس للقتل؛ فقالت طائفة ذلك عند جميع الفتن، وغير جائز لمسلم النهوض في شيء منها، قالوا: وعليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه ولا يدفع عنها، وحملوا الأحاديث على ظاهرها، وربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا: إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق، وغير جائز لأحد قتله، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابا، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابا ولا سنة ولا جماعة، وكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محقّ دون غيره مما يدعون من التأويل، فغير جائز لأحد قتالهم، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم، وقد ذكرنا من تخلّف عن الفتنة وقعدوا منهم: عمران بن الحصين، وابن عمر، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين فدخل بيته فأتى من يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه، وإن أبى الدفع عن نفسه فغير مصيب، كقوله ﵊: «من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد» (١). قالوا: فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله فقتل ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولا كان المريد أو متعمدا للظلم.
قلت: هذا هو الصحيح من القولين - إن شاء الله تعالى - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» (٢).
وقال ابن المنذر: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل دون ماله
стр. 634
فهو شهيد» (١). وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وقتادة، ومالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان.
قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما، للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ لم يخص وقتا من وقت، ولا حالا دون حال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة الدالة عن رسول الله ﷺ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وقد تقدم ذلك في بابه، والحمد لله.
***
٢٤١ - باب جعل الله في أول هذه الأمة عافيتها وفي آخرها بلاءها
(مسلم) عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشرة، إذ نادى منادى رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيدفق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول: هذه منه. فمن أراد أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» قال ابن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فدنوت منه، فقلت له: ناشدتك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول:
стр. 635
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فسكت ساعة، ثم قال:
أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (١).
فصل
قوله: ينتضل: الانتضال الرمي بالسهام، والجشر: المال من المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، ويقال: مال جشر يرعى في مكانه، لأنه يرجع إلى أهله، يقال: جشرنا دوابنا؛ أي: أخرجناها إلى المرعى، وأصله البعد، ومنه يقال للأعزب: جشر وجشير لبعده عن النساء، وفي الحديث: «من ترك قراءة القرآن شهرين فقد جشره» أي: بعد عنه.
وقوله: يدفق بعضها بعضا؛ أي: يتلو بعضها بعضا وينصب بعضها على بعض، والتدفق: التصبب، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث، لقوله: «وتجيء الفتنة ثم تنكشف وتجيء الفتنة وتزحزح» أي: تبعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: بمبعده. وصفقة اليد أصلها ضرب الكف عن الكف، زيادة في الاستيثاق مع النطق باللسان والالتزام بالقلب، وفي التنزيل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وقوله: فاضربوا عنق الآخر، قيل: المراد عزله وخلعه، وذلك قتله وموته، وقيل: قذع رأسه وإذهاب نفسه، يدل عليه قوله في الحديث الآخر: «فاضربوه بالسيف كائنا ما كان» وهو ظاهر الحديث، هذا إذا كان الأول عدلا، والله أعلم.
***
٢٤٢ - باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن، وما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها
(مالك) عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول:
«اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» وقد تقدم هذا في أول الكتاب.