٢٤٠ - باب الأمر بالصبر عند الفتن وتسليم النفس للقتل عندها والسعيد من جنبها
(أبو داود) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر» قلت: لبّيك يا رسول الله وسعديك، وذكر الحديث قال: «كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت بالوصيف» يعني القبر، قلت: الله ورسوله أعلم أو قال: ما خار الله لي ورسوله - قال: «عليك بالصبر - أو قال: تصبر - ثم قال: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك؟ قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه. قال: قلت: يا رسول الله؛ أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذا. قال: قلت فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قال:
قلت فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمه وإثمك» (١).
خرّجه ابن ماجه وقال: تصبر من غير شك، وزاد بعده قال: «كيف أنت وجوع يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالعفة، ثم قال: كيف أنت وقتل يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم»؟ الحديث.
وقال: «فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار» (٢).
وفي حديث عبد الله بن مسعود حين ذكر الفتنة قال: «الزم بيتك. قيل: فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فكن مثل الجمل الأورق الثّقال، الذي لا ينبعث إلا كرها ولا يمشي إلا كرها». ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه أبو النضر، وعن المسعودي، عن علي بن مدرك، عن أبي الرواع، عن عبد الله (٣). قال أبو عبيدة: سمعت بعض الرواة يقول: الرّواع والوجه الرّواع بضم الراء.
(أبو داود) قال عن المقداد بن الأسود قال: وايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها» (٤).
стр. 632
(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر» (١). قال: حديث غريب.
فصل
قوله: «بالوصيف» الوصيف: الخادم؛ يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه، إلا أن يعطى وصيفا أو قيمته. وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عليهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف.
وقوله: «غرقت بالدم»؛ أي لزمت، والفروق اللزوم فيه، ويروى غرقت، وأحجار الزيت: موضع بالمدينة.
روى الترمذي عن عمير مولى آبي اللحم، عن آبي اللحم، أنه رأى رسول الله ﷺ يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو (٢).
وذكر عمر بن أبي شبة في «كتاب المدينة» على ساكنها الصلاة والسلام قال:
حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد، فعلا الكنيس الحجارة فاندفنت.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عنان، عن ابن الحارث بن عبيدة، عن هلال بن طلحة الفهري، أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه أن كعبا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض. قال: فلما قدم كعب المدينة جاءني بكتابه ذلك، فقال: أعالم أنت بالأرض؟ قلت: نعم، وكانت بالزوراء حجارة يضع عليها الزياتون رواياهم، فأقبلت حتى جئتها، فقلت:
هذه أحجار الزيت، فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله، انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني، فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل فقال: يا أبا هلال! إني أجد أحجار الزيت في كتاب الله تعالى، فسأل القوم عنها وهم يومئذ متوافرون، فسألهم عن أحجار الزيت وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها (٣).
فصل
وأما حديث ابن مسعود: «مثل الجمل الأورق» فقال الأصمعي: الأورق وهو
стр. 633
الذي في لونه بياض إلى سواد. ومنه قيل للرماد أورق، والحمامة ورقاء. ذكره الأصمعي. قال: وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره. وأما «الثقال» فهو البطيء قال أبو عبيد: إنما خص عبد الله الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل، ثم اشترط الثقال أيضا فزاده إبطاء وثقلا، فقال: كن في الفتنة مثل ذلك، وهذا إذا دخل عليك وإنما أراد عبد الله بهذا التثبط عن الفتنة والحركة فيها.
فصل
وأما أمره ﷺ أبا ذر بلزوم البيت وتسليم النفس للقتل؛ فقالت طائفة ذلك عند جميع الفتن، وغير جائز لمسلم النهوض في شيء منها، قالوا: وعليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه ولا يدفع عنها، وحملوا الأحاديث على ظاهرها، وربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا: إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق، وغير جائز لأحد قتله، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابا، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابا ولا سنة ولا جماعة، وكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محقّ دون غيره مما يدعون من التأويل، فغير جائز لأحد قتالهم، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم، وقد ذكرنا من تخلّف عن الفتنة وقعدوا منهم: عمران بن الحصين، وابن عمر، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين فدخل بيته فأتى من يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه، وإن أبى الدفع عن نفسه فغير مصيب، كقوله ﵊: «من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد» (١). قالوا: فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله فقتل ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولا كان المريد أو متعمدا للظلم.
قلت: هذا هو الصحيح من القولين - إن شاء الله تعالى - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» (٢).
وقال ابن المنذر: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل دون ماله
стр. 634
فهو شهيد» (١). وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وقتادة، ومالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان.
قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما، للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ لم يخص وقتا من وقت، ولا حالا دون حال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة الدالة عن رسول الله ﷺ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وقد تقدم ذلك في بابه، والحمد لله.
***
٢٤١ - باب جعل الله في أول هذه الأمة عافيتها وفي آخرها بلاءها
(مسلم) عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشرة، إذ نادى منادى رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيدفق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول: هذه منه. فمن أراد أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» قال ابن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فدنوت منه، فقلت له: ناشدتك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول:
стр. 635
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فسكت ساعة، ثم قال:
أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (١).
فصل
قوله: ينتضل: الانتضال الرمي بالسهام، والجشر: المال من المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، ويقال: مال جشر يرعى في مكانه، لأنه يرجع إلى أهله، يقال: جشرنا دوابنا؛ أي: أخرجناها إلى المرعى، وأصله البعد، ومنه يقال للأعزب: جشر وجشير لبعده عن النساء، وفي الحديث: «من ترك قراءة القرآن شهرين فقد جشره» أي: بعد عنه.
وقوله: يدفق بعضها بعضا؛ أي: يتلو بعضها بعضا وينصب بعضها على بعض، والتدفق: التصبب، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث، لقوله: «وتجيء الفتنة ثم تنكشف وتجيء الفتنة وتزحزح» أي: تبعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: بمبعده. وصفقة اليد أصلها ضرب الكف عن الكف، زيادة في الاستيثاق مع النطق باللسان والالتزام بالقلب، وفي التنزيل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وقوله: فاضربوا عنق الآخر، قيل: المراد عزله وخلعه، وذلك قتله وموته، وقيل: قذع رأسه وإذهاب نفسه، يدل عليه قوله في الحديث الآخر: «فاضربوه بالسيف كائنا ما كان» وهو ظاهر الحديث، هذا إذا كان الأول عدلا، والله أعلم.
***
٢٤٢ - باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن، وما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها
(مالك) عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول:
«اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» وقد تقدم هذا في أول الكتاب.
стр. 636
قال ابن وهب وحدثني مالك قال: كان أبو هريرة يلقى الرجل فيقول له: مت إن استطعت، فيقول له: لم؟ قال: تموت وأنت تدري على ما تموت، خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه. قال مالك: ولا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خاف التحول من الفتن.
قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا عن أبي هريرة؛ روى النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للعرب من شرّ قد اقترب موتوا إن استطعتم» (١). وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها.
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، في حديثه غرائب، لا يتابع عليها وهو رجل صالح.
(البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» (٣) أخرجه مسلم وابن ماجه بمعناه، وزاد مثنى وليس به الدين إلا البلاء.
وروى شعبة، عن سلمة بن كهيل؛ سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد الله، قال: ليأتين على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حبّ الله ولكن من شدة ما يرى من البلاء.
قلت: وكان هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده، قد أذهبت الدين منه، ومن أكثر الناس أو قلة الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، وكذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قال النبي ﷺ : «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» وقد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب، ونزيده وضوحا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
***
стр. 637
٢٤٣ - باب أسباب الفتن والمحن والبلاء
(أبو نعيم) عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن عمر بن الخطاب قال: أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه، فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أتاني جبريل آنفا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقلت:
إنا لله وإنا إليه راجعون، فمم ذلك يا جبريل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك من دهر غير كثير، فقلت: فتنة كفر، أو فتنة ضلال؟ فقال: كلّ سيكون، فقلت: ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: فبكتاب الله يفتنون، وذلك من قبل أمرائهم وقرّائهم؛ يمنع الأمراء الناس الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها، فيقتلوا ويفتتنوا، ويتّبع القراء أهواء الأمراء فيمدّونهم في الغيّ ثم لا يقصرون. قلت: كيف يسلم من يسلم منهم؟ قال بالصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوا تركوه» (١).
(البزار) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ولا عهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوّهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (٢).
أخرجه ابن ماجه أيضا في سننه، وذكره أبو عمر بن عبد البر، وأبو بكر الخطيب، من حديث سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد، قال: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر؛ أن رجلا قال للنبيّ ﷺ : أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا أولئك الأكياس» ثم قال: «يا معشر المهاجرين لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» وذكر الحديث (٣).
стр. 638
وقال عطاء الخراساني: «إذا كان خمس كان خمس؛ إذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة، وإذا جار الحكّام قحط المطر، وإذا ظهر الزنا كثر الموت، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا تعدي على أهل الذمة كانت الدولة» ذكره أبو نعيم (١).
(الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مشت أمتي المطيطا وخدمها أبناء الملوك؛ فارس والروم، سلّط شرارها على خيارها» (٢). قال: هذا حديث غريب.
(ابن ماجه) عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه» (٣). أخرجه أبو داود في سننه والترمذي في جامعه.
(مسلم) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمر الله، فقال رسول الله ﷺ : أو غير ذلك؛ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون، أو نحو ذلك - ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض» (٤).
وأخرج أيضا عن عمرو بن عوف، وهو حليف بني عامر بن لؤي، وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ قد صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة، بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلّى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرّضوا له فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين»؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان من قبلكم فتنافسوها كما فتنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (٥).
وفي رواية: «فتلهيكم كما ألهتهم» بدل فتهلككم.
стр. 639
وأخرج ابن ماجه، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أدع بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (١) أخرجه البخاري ومسلم أيضا.
وأخرج ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال» (٢).
وأخرج أيضا، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قام خطيبا وكان فيما قال: «إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر فكيف تعملون، ألا فاتقوا الله، واتقوا النساء» خرّجه مسلم أيضا وقال: بدل قوله: «فاتقوا الله؛ فاتقوا النار واتقوا النساء» وزاد: «فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٣).
(الترمذي) عن كعب بن عياض، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لكلّ أمة فتنة وفتنة أمتي المال» (٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن» (٥). قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
فصل
حذّر الله عبادة فتنة المال والنساء في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، فقال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقال تعالى: ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] ثم قال : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٦، ١٧] فنبه الله على ما يعتصم به من فتنة حب المال والولد في أي ذكر الله فيها فتنة وما كان عاصما من فتنة المال والولد فهو عاصم من كل الفتن والأهواء. وقال تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٥] فوصف تعالى ما للمتقين عند
стр. 640
ربهم، ثم وصف أحوالهم بنعتهم إلى قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] وهذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زين لهم، وترغيبهم فيما هو خير منه، ومثل هذا في القرآن كثير.
والمطيطاء؛ بضم الميم والمد: المشي بتبختر، وهي مشية المتكبرين المفتخرين، وهو مأخوذ من مط يمط إذا مد، قال الجوهري: والمطيطاء بضم الميم ممدودا: التبختر ومد اليدين في المشي. وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم». وقوله: «ثم ينطلقون في مساكن المهاجرين»؛ قيل: في الكلام حذف؛ أي: في مساكين المهاجرين، والمعنى: أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض حملهم ذلك على أن يأخذ القوي على ما أفاء الله المسكين الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلما وقهرا بمقتضى التنافس والتحاسد.
وقيل: ليس في الكلام حذف وأن المعنى المراد: أن مساكين المهاجرين وضعفاءهم سيفتح عليهم إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض، وهذا اختيار القاضي عياض، والأول اختيار شيخنا أبي العباس القرطبي؛ قال: وهو الذي يشهد له مساق الحديث ومعناه، وذلك أنه ﵊ أخبرهم أنه يتغير بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بدّ أن يكون هذا الوصف غير مرضى كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، والله أعلم (١). ويعضده رواية السمرقندي «فيحملون بعضهم على رقاب بعض» أي: بالقهر والغلبة.
***
٢٤٤ - باب وما جاء أن الطاعة سبب الرحمة والعافية
ذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا المقدام بن داود، حدثنا علي بن معبد الرقي، حدثنا وهب بن راشد، حدثنا مالك بن دينار، عن خلاص ابن عمرو، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله
стр. 641
يقول: أنا الله لا إله أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع إليّ أكفكم ملوككم» (١).
غريب من حديث مالك مرفوعا، تفرد به علي بن معبد، عن وهب بن راشد.
***
стр. 642
أبواب الملاحم
٢٤٥ - باب أمارات الملاحم
(أبو داود) عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (١).
(البخاري) عن عوف بن مالك قال: أتيت النبيّ ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (٢).
وخرّجه أبو القاسم الطبراني في «معجمه الكبير» بمعناه وزاد بعد قوله اثنا عشر ألفا: «ففسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق» (٣). ذكره بإسناده أبو الخطاب بن دحية في كتاب «مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين».
وعوف بن مالك الأشجعي: شهد موت النبي ﷺ ، وحضر فتح بيت المقدس مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فتحه صلحا لخمس خلون من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ثم حضر قسمة كنوز كسرى على يد أمير المؤمنين عمر، ثم شاهد قتال الجمل وصفين، وشاهد عوف ﵁ أيضا الموتان الذي كان بالشام قبل ذلك وهو المسمى بطاعون عمواس، مات يومئذ ستة وعشرون ألفا.
стр. 643
وقال المديني: خمسة وعشرون ألفا، وعمواس: بفتح العين والميم، لأنه عم وأسى، أي: جعل بعض الناس أسوة بعض، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس، مات فيه أمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح، والأمير الفقيه أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل. قال الإمام أحمد بن حنبل في «تاريخه»: كان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. رواه عن أحمد أبو زرعة الرازي، قال: كان الطاعون سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وفي سنة سبع عشرة رجع عمر من سرغ، وموتان:
بضم الميم هي لغة، وغيرهم يفتحونها، وهو اسم الطاعون والموت.
وقوله: «كعقاص الغنم»: هو داء يأخذها لا يلبثها، قاله أبو عبيدة، لأن العقاص:
الموت العجل، ويقال بالسين، وقيل: هو داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق.
وقد انقضت هذه الخمس وعاش عوف بن مالك إلى زمن عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقد أربى بصفين على المائة. وقال الواقدي: مات عوف بن مالك بالشام سنة ثلاث وتسعين، فإن صحّ ما قال؛ فقد مات في أيام الوليد بن عبد الملك ابن مروان إن لم يكن تصحيفا منه، والله أعلم.
***
٢٤٦ - باب ما ذكر في ملاحهم الروم وتواترها وتداعي الأمم على أهل الإسلام
(ابن ماجه) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة فيغدرون بكم فيسيرون إليكم في ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (١).
وعن ذي مخمر - وكان رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ستصالحكم الروم صلحا آمنا ثم تغزون أنتم وهم عدوّا فتنصرون وتغنمون وتقتسمون وتسلمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من أهل الصليب صليبه فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم ويجمعون الملحمة فيأتون تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (٢).
стр. 644
وأخرجه أبو داود وزاد: «ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة» وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وإسناده صحيح ثابت. وذو مخمر بالميم لا غير، وهو ابن أخي النجاشي، قاله الأوزاعي. وقد عدّه أبو عمر في موالي رسول الله ﷺ ، قاله ابن دحية.
وخرجا جميعا عن ابن ماجه وأبو داود عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» (١). وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عبد الله بن بسر قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة» (٢). خرّجه ابن ماجه وأبو داود، وقال أبو داود: هذا صحيح من حديث عيسى.
قلت: يريد حديث معاذ المذكور قبله.
(مسلم) عن بشير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجّيرا إلا: يا عبد الله بن مسعود؛ جاءت الساعة! قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا، ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، وتجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم؛ ويكون عند ذلك القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب فتفنى الشرطة، وإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام فيجعل الله الدائرة عليهم فيقتتلون مقتلة، إما قال: لم ير مثلها.
وإما قال: لا يرى مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجثمانهم فما يخلّفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح وبأي ميراث يقسم، فبينما هم كذلك إذا سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج في ذراريهم فيرفضون ما بأيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارس طليعة قال: قال رسول الله ﷺ : «إني
стр. 645
لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض أو من خير فوارس يومئذ» (١).
(أبو داود) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل من القوم: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله؛ وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت» (٢).
فصل
قوله: «بني الأصفر» يعني: الروم، وفي تسميتهم بذلك قولان؛ أحدهما: أن جيشا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر، فوطئوا نساءهم فولدن أولادا صفرا، قاله ابن الأنباري.
الثاني: أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ قاله ابن إسحاق، وهذا أشبه من القول الأول.
والهدنة: الصلح، والغاية: الراية كما جاء مفسرا في الحديث بعده، سميت بذلك لأنها تشبه السحابة لمسيرها في الجو، والغاية والصابة: السحابة، وقد رواها بعض رواة البخاري «تحت ثمانين غابة» بباء مفردة النقطة، وهي: الأجمة، شبّه اجتماع رماحهم وكثرتهم بالأجمة التي هي الغابة، والصحيح الأول؛ لأنها تظل الأجناد لكثرة راياتهم واتصال ألويتهم، وعلاماتهم كالسحاب الذي يظل الإنسان.
وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن تحت كل غاية اثني عشر ألفا» فجملة العدو تسعمائة ألف وستون ألفا، ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية.
وقد روي مرفوعا في حديث فيه طول عن حذيفة؛ أن الله تعالى يرسل ملك الروم وهو الخامس من الهرقل يقال له: ضمارة، وهو صاحب الملاحم، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا تبقى لرومي حرمة ويكسرون لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فبينما الناس كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود والأغلال فتغير نفسه فيرفع الصليب ويرفع صوته، فيقول: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم رجل من المسلمين فيكسر الصليب ويقول: الله، أغلب وأنصر، فحينئذ يغدرون
стр. 646
وهم أولى بالغدر، فيجمعون عند ذلك ملوك الروم في بلادهم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين حيث لا يشعر بهم المسلمون والمسلمون قد أخذوا منهم الأمن، وهم على غفلة أنهم مقيمون على الصلح فيأتون أنطاكية في اثني عشر ألف راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا فلا يبقى بالجزيرة ولا بالشام ولا بأنطاكية نصراني إلا ويرفع الصليب، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز واليمن والكوفة والبصرة والعراق يعرفهم بخروج الروم وجمعهم ويقول لهم: أعينوني على جهاد عدوّ الله وعدوّكم، فيبعث إليه أهل المشرق أنه قد جاءنا عود من خراسان على ساحل الفرات، وحلّ بنا ما شغلنا عنك فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة ويخرج إليهم المهدي ويخرج معهم المسلمون إلى لقائهم، فيلتقي بهم المهدي ومن معه من المسلمين، فيأتون إلى دمشق فيدخلون فيها، فتأتي الروم إلى دمشق فيكونون عليها أربعين يوما، فيفسدون البلاد ويقتلون العباد ويهدمون الديار ويقطعون الأشجار، ثم إن الله تعالى ينزل صبره ونصره على المؤمنين فيخرجون إليهم، فتشتد الحرب بينهم ويستشهد من المسلمين خلق كثير، فيا لها من وقعة ومقتلة ما أعظمها وما أعظم هولها، ويرتدّ من العرب يومئذ أربع قبائل سليم ونهد وغسان وطيئ، فيلحقون بالروم ويتنصرون مما يعانون من الهول العظيم والأمر الجسيم، ثم إن الله تعالى ينزل النصر والصبر والظفر على المسلمين فيقتل من الروم مقتلة عظيمة، حتى يخوض الخيل في دمائهم، وتشتعل الحرب بينهم حتى إن الحديد يقطع بعضه بعضا، وإن الرجل من المسلمين ليطعن العلج بالسفود، فينفذه وعليه الدرج من الحديد فيقتل المسلمون من المشركين خلقا كثيرا، حتى تخوض الخيل في الدماء وينصر الله تعالى المسلمين ويغضب على الكافرين، وذلك رحمة من الله تعالى لهم، فعصابة من المسلمين يومئذ خير خلق الله والمخلصين من عباد الله ليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبّرون على المدائن والحصون، فتقع أسوارها بقدرة الله، فيدخلون المدائن والحصون، ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال، ويكون أيام المهدي أربعين سنة. عشر سنين في المغرب، واثنتا عشرة سنة بالكوفة، واثنتا عشرة بالمدينة وستة بمكة، وتكون منيته فجأة بينما الناس كذلك إذ تكلم الناس بخروج الدجال اللعين. وسيأتي من أخبار المهدي ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى.
وقوله: ليس له الهجّير. الهجّير: الدأب والعادة، يقال: ما زال ذلك هجّيراه وإهجيراه وإجيراه أي: دأبه وعادته. وهاجت: أي تحركت. ريح حمراء: أي شديدة احمرت لها الشجر، وانكشفت الأرض فظهرت حمرتها، ولما رأى ذلك الرجل جاء مجيء الخائف من قرب الساعة، والشرطة هنا: بضم الشين أول طائفة
стр. 647
من الجيش تقاتل، سمّوا بذلك لعلامة تميزوا بها. والأشراط: العلامات، وتفني الشرطة؛ أي: تقتل. وتفيء: ترجع، ومنه ﴿حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] ونهد: تقدم ومنه سمى النهد نهدا لتقدمه الصدر، والدائرة ويروى: والدائرة، والمعنى متقارب، قال الأزهري: الدائرة: الدولة تدور على الأعداء، والدائرة:
النصر والظفر، يقال: لمن الدائرة؟ أي: لمن الدولة؟ وعلى من الدائرة؟ أي:
الهزيمة. قاله أبو عبيد الهروي (١).
والجنبات بجمع جنبة، وهي: الجانب. ويروى: بجثمانهم، أي: بأشخاصهم.
وقوله: «إذ سمعوا بناس» بنون وسين؛ هم أكثر: بالثاء المثلثة، ويروى ببأس بباء واحدة، أكبر بباء واحدة أيضا، وهو الأمر الشديد وهو الصواب، لرواية أبي داود «إذ سمعوا بأمر هو أكبر من ذلك». والصريخ: الصارخ أي: المصوّت عند الأمر الهائل.
ويرفضون: أي: يرمون ويتركون. والطليعة: الذي يتطلع الأمر ويستكشفه، و «تداعي الأمم» اجتماعها، ودعا بعضها بعضا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة والأكلة، وغثاء السيل: ما يقذف به على جانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش، وكذلك الغثّاء بالتشديد والجمع الأغثاء، والله أعلم.
***
٢٤٧ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾
عن حذيفة قال: فتح لرسول الله ﷺ فتح، فأتيته فقلت: الحمد لله يا رسول الله، ألقى الإسلام بجرانه ووضعت الحرب أوزارها. فقال رسول الله ﷺ : «إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالا ستّا، أفلا تسألني عنها يا حذيفة؟ قلت:
بلى يا رسول الله، فما أولها؟ قال: موتي، وفتح بين المقدس، ثم فئتان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضا، ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها، وموت كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات أشهر، وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب قومه فيه فيملكونه، ويقولون: نرجو أن يرد بك علينا ملكنا، فيجمع جمعا عظيما ثم يسير حتى يكون بين العريش وأنطاكية، فأميركم يومئذ نعم الأمير، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ فيقولون: نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم،
стр. 648
فيقول: لا أرى ذلك، ولكن نخلي لهم أرضهم ونسير بذرارينا وعيالنا حتى نحرزهم ثم نغزوهم، وقد أحرزنا ذرارينا وعيالاتنا، فيسيرون حتى يأتوا مدينتي هذه، ويستمد أهل الشام فيمدونه، فيقول: لا ينتدب معي إلا من باع نفسه لله حتى يلقاهم، فيلقاهم، ثم يكسر غمده، ثم يقاتل حتى يحكم الله بينهم فينتدبون سبعون ألفا أو يزيدون على ذلك، فيقول: حسبي سبعون ألفا لا تحملهم الأرض، وفي القوم عين العدو، فيخبرهم بالذي كان، فيسير إليهم حتى إذا التقوا سألوه أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم نسب، فيأبى ويدعو أصحابه، فيقول: أتدرون ما يسأل هؤلاء؟ فيقولون: ما أحد أولى بنصر الله وقتاله منا، فيقول: امضوا واكسروا أغمادكم، فيسل الله سيفه عليهم، فيقتل منهم الثلثان، ويفرّ في السفن منهم الثلث حتى إذا تراءت لهم جبالهم فبعث الله عليهم ريحا فردتهم إلى مراسيهم إلى الشام، فأخذوا وذبحوا عند أرجل سفنهم عند الشاطئ، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» (١). رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن ربيعة بن سفيان بن ماتع المغافري، عن مكحول، عن حذيفة، عن رسول الله ﷺ . كذا ذكره الفقيه ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له، ومنه نقلته، وفي إسناده مقال، والله أعلم.
***
٢٤٨ - باب ما جاء في قتال الترك وصفتهم
(البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا حوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجانّ المطرقة، نعالهم الشعر» (٢).
وخرّج مسلم عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه صغار الأعين ذلف الأنوف. وفي رواية: يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» (٣). أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وغيرهم.
стр. 649
وخرّجه ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد وكأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعور ويتخذون الدرق، يربطون خيولهم بالنخل» (١).
(أبو داود) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، في حديث:
«يقاتلونكم قوم صغار الأعين - يعني الترك - قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب، وأما في الثانية فينجو بعضهم ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون» (٢).
فصل
قوله: «المجانّ المطرقة» المجانّ: جمع مجنّ، وهو الترس. والمطرقة: هي التي قد عولجت بطراق وهو الجلد الذي يغشاه، شبّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس والمطرقة، قال معناه الخطابي وغيره، وقيده القاضي عياض ﵀ في كتاب «مشارق الأنوار» له فقال: الصواب فيه المطرقة بفتح الطاء وتشديد الراء.
قاله الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قال لي شيخنا المحدث الكبير اللغوي النحوي أبو إسحاق الحمزي: بل الصواب فيه المطرقة بسكون الطاء وفتح الراء، أي: التي أطرقت بالعقب أي: ألبست حتى غلظت وكأنها ترس على ترس، ومنه طارقت النعل إذا ركبت جلدا على جلد وخرزته عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: هذا معنى ما نقلناه عن الخطابي. وقال أهل اللغة: وفي الصحاح: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة، ويقال: أطرقت الجلد والعصب، أي: ألبسته وترس مطرق.
وقولهم: نعالهم الشعر، أي: يصنعون من الشعر حبالا، ويصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابا، ويشهد بهذا قوله: «يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال والأول أظهر.
قال ابن دحية: إنما كان نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة، لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم، ويكون من جلد الذئب وغيره. وقوله: يلبسون الشعر؛ فهو إشارة إلى الشرابيش التي يدار عليها
стр. 650
بالقندس، والقندس: كلب الماء، وهو من ذوات الشعر كالمعز، وذوات الصوف كالضأن، وذوات الوبر كالإبل.
وقوله: ذلف الأنف، أي: غلاظها، يقال: أنف أذلف؛ إذا كان فيه غلظ وانبطاح، والذلف في اللغة: تأخر الأرنبة، وقيل: تطامن فيها، وقيل: فطس الأنوف، كما في حديث البخاري عن أبي هريرة، فالحديث كالقرآن يفسّر بعضه بعضا، ويروى دلف الأنوف بالدال المهملة والمعجمة أكثر.
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵁: وخوزا: قيدناه في صحيح البخاري ومسلم بالزاي، وقيده الجرجاني فيه خور كورمان، بالراء المهملة مضافا إلى كرمان، وكذا صوّبه الدارقطني بالراء المهملة مع الإضافة، وحكاه عن الإمام أحمد بن حنبل، وقال: إن غيره صحّف فيه، وقال غير الدارقطني: إذا أضيف فبالراء المهملة لا غير، وإذا عطفته فبالزاي لا غير، ويقال: إنهما جنسان.
***
٢٤٩ - باب في سياقة الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ ، فسمعت النبي ﷺ يقول: «إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأن وجوههم الجحف - ثلاث مرات - حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما السياقة الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما السياقة الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم» قالوا: يا نبي الله؛ من هم؟ قال: «هم الترك، قال:
أما والذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين» قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة، ومتاع السفر والأسقية، يعد ذلك للهرب مما سمع من رسول الله ﷺ من البلاء من الترك (١).
قال الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية: وهذا سند صحيح، أسنده إمام السنة، والصابر على المحنة؛ أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، عن الإمام
стр. 651
العدل المجمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين وبشير بن المهاجر ثقة؛ رأى أنس بن مالك، روى عنه جماعة من الأئمة فوثّقوه.
قال المؤلف ﵀: وخرّج أبو داود قال: حدثنا جعفر بن مسافر قال:
حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا بشير بن مهاجر، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ في حديث: «يقاتلونكم صغار الأعين يعني الترك». قال:
«تسوقونهم ثلاث مرات؛ حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب، وأما الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون» (١).
فصل
الاصطلام: الاستئصال وأصله من الصلم، وهو القطع، اصطلمت أذنه إذا استوفيت بالقطع.
وأنشد الفراء:
ثمت اصطلمت إلى الصماخ فلا قرن ولا أذن
والحديث الأول يدل على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر ﷺ فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لا يحميهم إلا الله ولا يردهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم.
قال الحافظ السيد ابن دحية ﵁: يخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة جيش من الترك يقال له الططر، عظم في قتله الخطب والخطر، وقضى له من قتل النفوس المؤمنة الوطر، ولم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر، يقتلون من وراء النهر وما دونه من جميع البلاد بلاد خراسان، ومحو رسوم ملك بني ساسان، وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن، ويرى أن الخالق المصور هما النيران، وملكهم يعرف بخان خاقان، وخربوا بيوت مدينة نشاور وأطلقوا فيها النيران، وخار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان، ولم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات والكهفان، حتى وصلوا إليها وقتلوا وسبوا وخربوا البنيان، وأطلقوا الماء في المدينة من نهر جيحان، فغرق فيها مباني الذرا والأركان، ثم صيروا المشهد الرضوي بطوس أرضا بعد أن كان، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل من الدين بأخسر الأديان، إلى أن وصلوا بلاد قهستان، فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان، ومدينة أردبيل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان، واستأصلوا شأفة
стр. 652
من في هذه البلاد من العلماء والأعيان، واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان، ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن، وكفّ كفّ الكفر عنهم بأيمان الإيمان، وأنزل عليهم مواد التأييد والإحسان، فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان، واجتمع فيها مائة ألف ألف إنسان، وخرجوا إليهم كأسد ولكن غاباتها عوامل الخرصان، وقد لبسوا البياض كثغور الأقحوان، وعليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران، وهيئت للمجاهدين درجات الجنان، وأعدت للكافرين دركات النيران، وبرز إلى الططر القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم فمرقوا عن أصبهان، مروق السهم من الرمي.
وأنشدوا:
إلى الوادي فطمّ على القرى ففرّوا … منهم فرار الشيطان يوم بدر له حصاص
ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم من الهلاك محاص، وواصلوا السير بالسرى وهدوا من همدان الوهاد والذرى، بعد أن قامت الحرب على ساق والأرواح في مساق من ذبح مثله وضرب الأعناق، وصعدوا جبل أروند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين، وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وانتهكوا منهم ومن نسائهم حرمات الدين، وكانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى، وقتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصي، وربطوا خيولهم في سواري المساجد والجوامع، كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارع، الجامع وأوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال، وقادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال، في كلام له إلى أن قال: وقطعوا السبل، وأخافوها وجاسوا خلال الديار، وطافوها وملئوا قلوب المؤمنين رعبا، وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبا، وحكموا سيوفهم في رقاب أهلها وأطلقوا يد التخريب في وعرها وسهلها، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الآخرة منها.
قال المؤلف ﵀: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ولم يبق إلا قتلهم وقتالهم، فخرجوا على العراق الأول، والثاني كما ذكرناه، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد، وقتلوا جميع من كان فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، وحصروا ميّافارقين، واستباحوا جميع من فيها من الملوك والمسلمين، وعبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب، فخربوها
стр. 653
وقتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يبابا، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام، وفلقوا بسيوفهم الرؤوس وإلهام، ودخل رعبهم الديار المصرية، ولم يبق إلا اللحوق بالدار الأخروية، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بقطز ﵁ بجميع من معه من المعسكر، وقد بلغت الحناجر القلوب، والأنفس بعزيمة صادقة ونية خالصة إلى أن التقى بعين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر، كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزير، وانجلوا عن الشام من ساعتهم، ورجع جميعه كما كان إلى الإسلام، وعبروا الفرات منهزمين ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين، وراحوا خائبين خاسرين، مدحورين أذلاء صاغرين.
***
٢٥٠ - باب منه وما جاء في ذكر البصرة والأيلة وبغداد والإسكندرية
(أبو داود الطيالسي) قال: حدثنا الحشرج بن نباتة الكوفي، حدثنا سعيد ابن جهمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
«لتنزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة، ويكثر بها عددهم ونحلهم، ثم يجيء قوم من بني قنطوراء، عراض الوجوه صغار الأعين، حتى ينزلوا على جسر لهم، يقال له:
دجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق، أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق البادية فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت، وهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتهم» (١).
خرّجه أبو داود السختياني في سننه بمعناه، فقال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارض، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني سعيد بن جهمان حدثنا مسلم بن أبي بكرة، قال: سمعت أبي يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين». قال ابن يحيى - وهو محمد -: قال معمر:
«ويكون من أمصار المسلمين، فإذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار
стр. 654
الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق؛ فرقة تأخذ أذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذريتهم خلف ظهورهم ويقاتلون وهم الشهداء» (١).
قال أبو داود: وحدثنا محمد بن مثنى، قال: حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم، قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين، فإذا رجل؛ فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها الأبلة؟ قلنا: نعم. قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا، ويقول هذه لأبي هريرة؟ سمعت خليلي ﷺ يقول: «إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم» (٢).
ذكر الخطيب أبو بكر بن أحمد بن ثابت في «تاريخ بغداد»: أنبأنا أبو القاسم الأزهري، حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن المنادي، قال: ذكر في إسناد شديد الضعف، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي قيس، عن علي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها شر ملك بني العباس، وهي الزوراء، يكون فيها حرب مقطّعة تسبى فيها النساء، ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم». قال أبو قيس: فقيل لعلي ﵁: يا أمير المؤمنين؛ وقد سمّاها رسول الله ﷺ الزوراء، فقال: لأن الحرب تزورّ في جوانبها حتى تطبقها (٣).
وقال أرطاة بن المنذر: قال رجل لابن عباس - وعنده حذيفة بن اليمان -:
أخبرني عن تفسير قوله تعالى: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] فأعرض عنه، حتى حتى أعاد ثلاثا، فقال حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم تركها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله، أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة، فتحترق كلها كأنها لم تكن في مكانها، فتصبح صاحبتها متعجّبة كيف قلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك (حم عسق) أي: عزيمة من عزمات الله وفتنة وقضاء (حم) أي حم ما هو كائن (ع) عدلا منه (س) سيكون (ق) واقع في هاتين المدينتين (٤).
ونظير هذا التفسير؛ ما روى جرير بن عبد البجلي، قال: سمعت رسول الله
стр. 655
ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والفرات، يجتمع فيها جبابرة الأرض تجيء إليها الخزائن يخسف بها، وفي رواية: يخسف بأهلها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة».
وقرأ ابن عباس (حم سق) بغير عين، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري.
وقال العباس: وكان علي يعرف الفتن بها. وذكر القشيري والثعلبي في تفسيرهما أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: يا رسول الله؛ ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تصيب أمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات بنزول عيسى وخروج الدجال». لفظ الثعلبي.
وقد روي حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي وأسند عن علي ﵇، عن رسول الله ﷺ ، وقال: «أما أن هلاكها على يد السفياني، كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها» ومحمد بن زكريا؛ قال الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ .
وذكر ابن وهب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له بالإسكندرية:
إن الناس قد فزعوا، فأمر بسلاحه وفرسه، فجاءه رجل، فقال: من أين هذا الفزع؟ قال: سفن تراءت من ناحية قبرص. قال: انزعوا عن فرسي، قال: قلنا: أصلحك الله إن الناس قد ركبوا، فقال: ليس هذا بملحمة الإسكندرية، إنما يأتون من ناحية المغرب من نحو أنطابلس، فيأتي مائة ثم مائة، حتى عدّد تسع مائة.
وخرّج الوائلي أبو نصر في كتاب «الإبانة» من حديث رشدين بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن كعب، قال: إني لأجد في كتاب الله المنزّل على موسى بن عمران أن للإسكندرية شهداء يستشهدون في بطحائها خير من مضى وخير من بقي، وهم الذين يباهي الله بهم شهداء بدر (١).
فصل
قوله: المجانّ؛ بفتح الجيم: جمع مجن بكسر الميم وهو الترس، والمطرقة: هي التي قد عدلت بطراق، وهو الجلد الذي يغشاه، شبّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترسة والمطرقة. وفي الصحاح: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض، كالنعل المطرقة المخصوفة، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب أي: لبّست. وترس: مطرق، وقوله: نعالهم الشعر؛ أي: يصنعون من
стр. 656
الشعر حبالا، ويصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابهم، ويشهد لهذا قوله:
«يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد ذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا أسدلوها كاللباس وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال، والأول أظهر والله أعلم.
وقوله: «ذلف الأنف» أي: غلاظها، يقال: أنف أذلف إذا كان فيه غلظ وانبطاح وأنوف ذلف، والاصطلام: الاستئصال، وأصله من الصلم وهو القطع.
قوله: بغائط؛ الغائط: المطمئن من الأرض، والبصرة: الحجارة الرخوة، وبها سميت البصرة. وبنو قنطوراء: هم الترك؛ يقال: إن قنطوراء جارية كانت لإبراهيم ﵇، ولدت له أولادا من نسلهم الترك، وقيل: هم من ولد يافث، وهم أجناس كثيرة؛ فمنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم قوم في رؤوس الجبال والبراري والشعاب، ليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم يصد منهم ودج دابته فشوى الدم في مصران فأكله، وهم يأكلون الرخم والغربان وغيرهما، وليس لهم دين، ومنهم من كان على دين المجوسية ومنهم من تهوّد، وملكهم الذي يقال له: خاقان؛ يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيرا، وفيهم بأس شديد، وفيهم سحر وأكثرهم مجوس.
وقال وهب بن منبه: الترك بنو عم يأجوج ومأجوج، يعني أنهم كلهم من ولد يافث.
وقيل: إن أصل الترك أو بعضهم من اليمن من حمير، وقيل فيهم: إنهم من بقايا قوم تبّع، والله أعلم. ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الإبانة».
باب
ذكر أبو نعيم الحافظ، عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسدا لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيأكم» (١). غريب من حديث يونس، تفرد به عنه حماد.
***
٢٥١ - باب ما جاء في فضل الشام وأنه معقل من الملاحم
(البزار) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم إذ رأيت عمود
стр. 657
الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» (١).
خرّجه أبو بكر أحمد بن سلمان النجار، وقال: عمود الإسلام. قال أبو محمد عبد الحق: هذا حديث صحيح، ولعل هذه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال، والله ورسوله أعلم.
قلت: وخرّجه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحكم ابن عبد الله بن خطاف الأزدي، وهو متروك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: وهبّ رسول الله ﷺ من نومه مذعورا وهو يرجّع، فقلت: مالك بأبي أنت وأمي؟ قال: «سلّ عمود الإسلام من تحت رأسي، ثم رميت بصري فإذا هو قد غرز في وسط الشام، فقيل. لي: يا محمد؛ إن الله اختار لك الشام وجعلها لك عزّا ومحشرا ومنعة، وذكر أن من أراد الله به خيرا أسكنه الشام، وأعطاه نصيبه منها، ومن أراد الله به شرّا أخرج سهما من كنانته فهي معلقة وسط الشام فرماه به فلم يسلم دنيا ولا أخرى».
وروي عن عبد الملك بن حبيب أنه قال: حدثني من أثق به؛ أن الله قال للشام: أنت صفوتي من أرضي وبلادي، ليسكنك خيرتي من خلقي وإليك المحشر، من خرج منك رغبة عنك فبسخط مني عليه، ومن دخلك رغبة فيك فبرضى مني دخلك (٢).
(أبو داود) عن أبي الدرداء؛ أن رسول الله ﷺ قال: «فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام» (٣).
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله ﷺ :
«معقل المسلمين من الملاحم دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور» (٤).
قلت: هذا صحيح ثبت معناه مرفوعا في غير ما حديث، وسيأتي.
***
стр. 658
٢٥٢ - باب ما جاء أن الملاحم إذا وقعت بعث الله جيشا يؤيد به الدين
(ابن ماجه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعت الملاحم بعث الله جيشا من الموالي هم أكرم العرب فرسانا وأجوده سلاحا يؤيد الله بهم الدين» (١).
***
٢٥٣ - باب ما جاء في المدينة ومكة وخرابهما
(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تبلغ المساكن إهاب أو يهاب» قال زهير: قلت لسهيل: فكم ذاك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا (٢).
(أبو داود) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح». قال الزهري: وسلاح قريب من خيبر (٣).
قلت: المسالح: المطالع، ويقال القوم مستعد بهم في المراصد ويرتبون لذلك، وسموا بذلك لحملهم السلاح. وقال الجوهري: والمسلحة كالثغر والمرقب، وفي الحديث: «كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب»: قال بشر:
بكل قياد مسنفة عنود … أضرّ بها المسالح والغوار
القياد: حبل تقاد به الدابة. والمسنف: المتقدم، يقال: أسنف الفرس، أي:
تقدم الخيل، فإذا سمعت في الشعر مسنفة بكسر النون، فهي من هذا، وهي الفرس التي تتقدم الخيل في سيرها، والعنود؛ من عند عن الطريق، يعند بالضم عنودا أي: عدل فهو عنود، والعنود أيضا من النوق التي ترعى ناحية، والجمع عنّد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ [المدثر: ١٦] أي: مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه، يقال: عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره.
стр. 659
(مسلم) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع والطير - ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثانية الوداع خرّا على وجهيهما» (١).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ للمدينة: «ليتركنّها أهلها على خير ما كانت مذلّلة للعوافي» (٢). يعني: السباع والطير.
وعن حذيفة قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى يوم القيامة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.
وذكر أبو زيد عمر بن شبة في «كتاب المدينة» على ساكنها الصلاة والسلام، عن أبي هريرة قال: ليخرجن أهل المدينة خير ما كانت نصفها زهو، ونصفها رطب. قيل: ومن يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء.
قال أبو زيد: وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها فيعمرونها حتى تمتلئ، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا» (٣).
وخرّج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «ليخرجن أهل المدينة ثم ليعودون إليها ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها أبدا، وليدعنها وهي خير ما تكون مونعة. قيل: فمن يأكلها؟ قال: الطير والسباع».
وخرّج عن أبي هريرة ﵁، قال: والذي نفسي بيده لتكونن بالمدينة ملحمة يقال لها: الحالقة، لا أقول: «حالقة الشعر؛ ولكن حالقة الدين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد».
وعن الشيباني قال: لتخربن المدينة والبنود قائمة، البنود: جمع بند، وهو العلم الكبير قاله في «النهاية» (٤).
قال مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «يخرّب الكعبة ذو السويقتين رجل من الحبشة» (٥).
(البخاري) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «كأني به أسود أفحج يقلعها
стр. 660
حجرا حجرا» (١) الفحج: تباعد ما بين الفخذين.
وفي حديث حذيفة الطويل عنه ﷺ : «كأني بحبشي أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وأصحابه ينقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» يعني: الكعبة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي. وهو حديث فيه طول.
وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام في حديث علي ﵇: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع أحمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم (٢).
قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن علي.
قال الأصمعي: قوله أصعل هكذا يروى، فأما كلام العرب فهو صعل بغير ألف، وهو الصغير الرأس، وكذلك الحبشة كلهم. قال: والأصمع: الصغير الأذن، يقال منه: رجل أصمع وامرأة صمعاء، وكذلك غير الناس.
(أبو داود الطيالسي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «يبايع لرجل بين الركن والمقام وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمّر بعده أبدا، وهم الذين يستخرجون كنزه» (٣).
ذكر الحليمي فيما ذكر أنه يكون في زمن عيسى ﵇، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين الحبشي قد سار إلى البيت، لهدمه فيبعث إليه عيسى ﵇ طائفة من الناس ما بين الثمان إلى التسع.
وذكر أبو حامد في كتاب «مناسك الحج» له وغيره؛ ويقال: لا تغرب الشمس يوما إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرتفع القرآن من المصاحف فيتصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة واحدة، ثم ترجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال وينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقتل الدجال،
стр. 661
والساعة عند ذلك منزلة الحامل المقرب تتوقع ولادتها. وفي الخبر: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة».
قال المؤلف ﵀ وقيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵇، وهو الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه.
فصل
ثبت في الصحيح الدعاء للمدينة والحث على سكناها، فقال رسول الله ﷺ :
«يأتي على الناس زمن يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، إلا أن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» (١). رواه أبو هريرة، وخرّجه مسلم.
خرج عن سعيد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (٢). ونحوه عن أبي هريرة ﵁.
ومثل هذا كثير وهو خلاف ما تقدم، وإذا كان هذا فظاهره التعارض وليس كذلك، فإن الحض على سكناها ربما كان عند فتح الأمصار ووجود الخيرات بها، كما جاء في حديث سفيان بن أبي زهير. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح الشام فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون» (٣) رواه الأئمة واللفظ لمسلم. فحض ﷺ على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار لأنها مستقر الوحي، وفيها مجاورته، ففي حياته صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جسده الشريف، ومشاهدة آثاره العظيمة. ولهذا قال: «لا يصبر أحد على لأوائها وشدّتها إلا كنت شفيعا أو شهيدا له يوم القيامة» (٤). وقال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها» (٥) ثم إذا تغيرت الأحوال واعتورتها الفتن والأهوال كان الخروج منها غير قادح، والانتقال منها حسنا غير قادح.
стр. 662
فصل
وأما قوله: «من أراد أهل المدينة بسوء»؛ فذلك محمول على زمانه وحياته، كما في الحديث الآخر: «لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه» وقد خرج منها بعد موته ﷺ من الصحابة من لم يعوضها الله خيرا منه، فدل على أن ذلك محمول على حياته، فإن الله تعالى كان يعوض أبدا رسول ﷺ خيرا ممن رغب عنه وهذا واضح، ويحتمل أن يكون قوله: «أذابه الله» كناية عن إهلاكه في الدنيا قبل موته، وقد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله عند منصرفه عنها إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، بلاه الله بالماء الأصفر في بطنه، فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث.
وقال الطبري: مات بهرشى وذلك بعد الوقعة بثلاث ليال، وهرشى جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة.
وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغرائه أهل المدينة حرم النبي المختار وقتله بها بقايا المهاجرين والأنصار، فمات بعد هذه الوقعة وإحراق الكعبة بأقل من ثلاثة أشهر، ولأنه توفّي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول بحوارين من قرى حمص، وحمل إلى دمشق وصلى عليه ابنه خالد. وقال المسعودي: صلى عليه ابنه معاوية ودفن في مقبرة باب الصغير، وقد بلغ سبعا وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنى عشر يوما.
فصل
وأما قوله: «تتركون المدينة»؛ حدثنا المخاطب فمراده غير المخاطبين، لكن نوعهم من أهل المدينة أو نسلهم، وعلى خير ما كانت عليه فيما قيل، وقد وجد هذا الذي قاله النبي ﷺ وذلك أنها صارت بعده ﷺ معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم، حتى تنافس الناس فيها وتوسّعوا في خططها وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن قبل، وبنوا فيها وشيدوا حتى بلغت المساكن أهاب، فلما انتهت حالها كمالا وحسنا، تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها بتغلّب الأعراب عليها، وتوالي الفتن فيها، فخلف أهلها وارتحلوا عنها، وصارت الخلافة بالشام ووجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المزي في جيش عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم بحرّة المدينة قتلا ذريعا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسمّيت وقعة الحرة لذلك، وفيه يقول الشاعر:
فإن تقتلونا يوم حرّة واقم … فإنا على الإسلام أول من قتل
стр. 663
وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا لذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين، ويقال لها: حرة زهرة، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من مسجد رسول الله ﷺ ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل من قريش، وسبعة وتسعون قتلوا جهرا ظلما في الحرب وصبرا.
وقال الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم في المرتبة الرابعة: وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ وبالت وراثت بين القبر والمنبر، أدام الله تشريفها، وأكره الناس على أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، وذكر له يزيد بن عبد الله ابن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة، فأمر بقتله فضربت عنقه صبرا.
وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها لعوافي الطير والسباع، كما قال ﷺ ، ثم تراجع الناس إليها وفي حال خلوّها غدت الكلاب على سواري المسجد، والله أعلم.
وذكر أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، أنه قرأ كتابا بالكعبة: «ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة وحتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء». وأما قوله في الراعيين: «حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجهيهما» فقيل: سقطا ميتين.
قال علماؤنا: وهذا إنما يكون في آخر الزمان وعند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث «آخر من يحشر راعيان من مزينة». قيل: معناه آخر من يموت فيحشر، لأن الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما.
قال الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر في «شرح البخاري» له: وقوله في الراعيين ينعقان بغنمهما؛ يعني يطلبان الكلأ.
وقوله: «وحشا»: يعني خالية، وقوله: «ثنية الوداع» يعني: موضعا قريبا من المدينة مما يلي مكة.
وقوله: «خرا على وجهيهما» يعني: أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى، وهو الموت.
وقوله: «آخر من يحشر»؛ يعني أنهما بأقصى المدينة، فيكونان في أثر من يبعث منها، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 664
وقول النبي ﷺ : «يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو كان من الذين استثنى الله».
وقال شيخنا أبو العباس القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها، كما في كتاب مسلم رحمه الله تعالى.
قال المؤلف ﵀: وقد ذكر ابن شبة خلاف هذا كله، فذكر عن حذيفة بن أسيد قال: آخر الناس يحشر رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين انطلق بنا إلى شخص بني فلان، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا، ثم يقول: انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيوجهان نحو البيت الحرام.
وقد ذكر عن أبي هريرة قال: آخر من يحشر رجلان؛ رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجهيهما حتى يلحقاهما بالناس.
فصل
وأما قوله في حديث أبي هريرة: «يبايع لرجل بين الركن والمقام» فهو المهدي، الذي يخرج في آخر الزمان على ما نذكره أيضا، يملك الدنيا كلها، والله أعلم.
فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر، والكافران: نمروذ وبخت نصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي.
***
٢٥٤ - باب في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي، وعلامة خروجه
(مسلم) عن أبي نضيرة قال: كنا جلوسا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء قفيز ولا درهم. قلنا: من أين؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدي. قلنا:
من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنيّة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 665
«يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيا ولا يعدّه عدّا» قيل لأبي نضرة وأبي العلاء: تريان أنه عمر بن عبد العزيز قالا: لا (١).
(أبو داود) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام وعصائب العراق، فيبايعونه ثم ينشر رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون، عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، ويقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلّي عليه المسلمون» (٢).
وذكر ابن شبة فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن مسلمة قال: حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة، قال: يجيء جيش من قبل الشام، حتى يدخل المدينة، فيقتل المقاتلة ويبقر بطون النساء ويقولن للحبلى في البطن اقتلوا صبابة السوء، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم، ولا أعلاهم أسفلهم قال أبو المهزم: فلما جاء جيش ابن دلجة قلنا هم فلم يكونوا هم.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحرب بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري قال: قال كعب الأحبار تجهّز يا هلال، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالعقيق ببطن المسيل دون شجرة، والشجرة يومئذ قائمة، قال: يا هلال؛ إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله. قلت: هذه الشجرة، قال: فنزلنا فصلّينا تحتها ثم ركبنا، حتى إذا استوينا على ظهر البيداء، قال: يا هلال إني أجد صفة البيداء، قلت: أنت عليها. قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله جيشا يؤمون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى آخرهم أولهم: ارفقوا فخسف بهم وبأمتعتهم وذرياتهم إلى يوم القيامة، ثم خرجنا حتى إذا انهبطت رواحلنا أدنى الروحاء قال: يا هلال إني أجد صفة الروحاء، قال:
قلت الآن حين دخلنا الروحاء.
قال: وحدثنا أحمد بن عيسى قال: وحدثنا ابن عيسى قال: وحدثنا عبيد الله بن وهب قال: وحدثني ابن لهيعة، عن بشر بن محمد المعافري قال: سمعت
стр. 666
أبا نواس يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إذا أخسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي.
قلت: ولخروجه علامتان يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
فصل
قوله: «ثم سكت هنيّة» بضم الهاء وتشديد الياء، أي: مدة يسيرة بتصغيرهن، ويروى بهاءين. ورواه الطبري هنيئة مهموز، وهو خطأ لا وجه له. فيه دلالة على صدق النبي ﷺ حيث أخبر عما سيكون بعد فكان. ومثله الحديث الآخر «منعت العراق درهمها وقفيزها» الحديث، أي ستمنع، وأتى بلفظ الماضي في الإخبار، لأنه ماض في علم الله أنه سيكون كقوله عزّ من قائل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] والمعنى أنه لا يجئ إليها، كما جاء مفسرا في الحديث، ومعناه والله أعلم سيرجعون عن الطاعة ويأبون من إذا ما وظف عليهم في أحد الأمر، وذلك أنهم يرتدون عن الإسلام وعن أداء الجزية، ولم يكن ذلك في زمانه، ولكن أخبر أنهم سيفعلون ذلك. وقوله: «يحثي المال حثيا» قال ابن الأنباري: أعلى اللغتين حثا يحثي وهو أصح وأفصح، ويقال: حثا يحثو ويحثى واحث بكسر الثاء وضمها، كله بمعنى أغرف بيديك.
***
٢٥٥ - باب منه، في المهدي وخروج السفياني عليه وبعثه الجيش لقتاله، وأنه الجيش الذي يخسف به
روي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانيّ من الوادي اليابس في فوره ذلك، حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق وجيشا إلى المدينة فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزل بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، يعني مدينة بغداد، قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها أكثر من ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدي من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش على ليلتين فيقتلونهم حتى لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا
стр. 667
بالبيداء، بعث الله جبريل ﵇، فيقول: يا جبريل؛ اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين» (١).
قلت: حديث حذيفة هذا فيه طول، وكذلك حديث ابن مسعود فيه: ثم إن عروة بن محمد السفياني يبعث جيشا إلى الكوفة فيه خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة لمحاربة المهدي ومن تبعه، فأما الجيش الأول فإنه يصل إلى الكوفة فيتغلب عليها ويسبي من كان فيها من النساء والأطفال ويقتل الرجال، ويأخذ ما يجد فيها من الأموال ثم يرجع فتقوم صيحة بالمشرق فيتبعهم أمير من أمراء بني تميم يقال له شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في أيديهم من السبي، ويرد إلى الكوفة. وأما الجيش الثاني فإنه يصل إلى مدينة الرسول ﷺ ، فيقاتلونها ثلاثة أيام ثم يدخلونها عنوة، ويسبون ما فيها من الأهل والولد، ثم يسيرون نحو مكة أعزها الله لمحاربة المهدي ومن معه، فإذا وصلوا إلى البيداء مسحهم الله أجمعين، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾.
وقد ذكر خبر السفياني مطولا بتمامه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي في كتاب «الملاحم» له وأنه الذي يخسف بجيشه، قال: واسمه عتبة بن هند، وهو الذي يقوم في أهل دمشق، فيقول: يا أهل دمشق؛ أنا رجل منكم وأنتم خاصتنا، جدي معاوية بن أبي سفيان وليكم من قبل، فأحسن وأحسنتم، وذكر كلاما طويلا، إلى أن ذكر كتابه إلى الجرهمي وهو على ما يليه من أرض الشام، وأتى البرقي وهو على ما يليه من حد برقة وما وراء برقة من المغرب، إلى أن قال: فيأتي الجرهمي فيبايعه، واسم الجرهمي؛ عقيل بن عقال، ثم يأتيه البرقي واسم البرقي: همام بن الورد، ثم ذكر مسيره إلى أرض مصر وقتاله لملكها فيقتلون على قنطرة الفرقاء أو دونها بسبعة أيام ثم ينصرف أهل مصر، وقد قتل منهم زهاء سبعين ألفا ونيفا ثم يصالحه أهل مصر ويبايعونه، فينصرف عنهم إلى الشام ثم ذكر تقديمه الأمراء من العرب رجل من حضرموت، ولرجل من خزاعة، ولرجل من عبس، ولرجل من ثعلبة، وذكر عجائب، وأن جيشه الذي يخسف بهم تبتلعهم الأرض إلى أعناقهم، وتبقى رؤوسهم خارجة، ويبقى جميع خيلهم وأموالهم وأثقالهم وخزائنهم وجميع
стр. 668
مضاربهم والسبي على حاله، إلى أن يبلغ الخبر الخارج بمكة؛ واسمه محمد بن علي من ولد السبط الأكبر الحسن بن علي، فيطوي الله تعالى له الأرض فيبلغ البيداء من يومه فيجد القوم أبدانهم داخلة في الأرض ورؤوسهم خارجة وهم أحياء، فيحمد الله هو وأصحابه، وينتحبون بالبكاء ويدعون الله ويسبحونه ويحمدونه على حسن صنيعه إليهم، ويسألونه تمام النعمة والعافية فتبلعهم الأرض من ساعتهم، يعني أصحاب السفياني، ويجد الحسني العسكر على حاله والسبي على حاله، وذكر أشياء كثيرة الله أعلم بصحتها أخذها من كتاب دانيال فيما زعم.
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: ودانيال نبي من أنبياء بني إسرائيل، كلامه عبراني وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى ابن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ ، فقد سقطت عدالته إلا أن يبين موضعه لتصح أمانته. وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان من الحوادث وما سيكون وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أغرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يكذّب آخرها أولها ويتعذّر على المتأول لها تأويلها وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب المصدوق محمد ﷺ ، أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من يهودية أصبهان، وقد طعنّا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان وذلك شيء ما وقع ولا كان.
ومن الموضوع فيه المصنوع والتهافت الموضوع الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه فهلاّ اتقى الله وخاف عقابه؟! وإن من أفضح فضيحة في الدين نقل مثل هذا الإسرائيليات عن المتهوّدين، فإنه لا طريق فيما ذكر عن دانيال إلا عنهم ولا رواية تأخذ في ذلك إلا منهم.
وقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (١).
وقد ذكر في كتاب الاعتصام، أن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على رسوله أحدث شيء، تقرءونه محضا لم يشب؟ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كلام الله وغيروه، وقد كتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من
стр. 669
العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (١).
قال ابن دحية ﵁: وكيف يؤمّن من خان الله وكذب عليه وكفر واستكبر وفجر؟
وأما حديث الدابة فقد نطق بخروجها القرآن، ووجب التصديق بها والإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].
وكنت بالأندلس قد قرأت أكثر كتب المقرئ الفاضل أبي عمر عثمان بن سعيد بن عثمان توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة فمن تأليفه كتاب «السنن الواردة بالفتن وغوائلها والأزمنة وفسادها والساعة وأشراطها» وهو مجلد مزج فيه الصحيح بالسقيم، ولم يفرق فيه بين نسر وظليم، وأتى بالموضوع، وأعرض عما ثبت من الصحيح المسموع، فذكر الدابة في الباب الذي نصه: باب ما روي أن الوقعة التي تكون بالزوراء، وما يتصل بها من الوقائع والآيات والملاحم والطوام، وأسند ذلك عن عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون وقيعة الزوراء» قالوا: يا رسول الله؛ وما الزوراء؟ قال: «مدينة بالمشرق بين أنهارها يسكنها شرار خلق الله وجبابرة من أمتي، تعذب بأربعة أصناف من العذاب»، ثم ذكر حديث خروج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق، ثم ذكر خروج المهدي، قال واسمه: أحمد بن عبد الله! وذكر خروج الدابة، قال: قلت: يا رسول الله؛ وما الدابة؟ قال: ذات وبر وريش، عظمها ستون ميلا، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وذكر يأجوج ومأجوج وأنهم ثلاثة أصناف صنف منهم مثل الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في عشرين ومائة ذراع هم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى! وهذه الأسانيد عن حذيفة في عدة أوراق ظاهرة الوضع والاختلاف.
وفيها ذكر مدينة يقال لها المقاطع وهي على البحر الذي لا يحمل جارية، قال: لأنه ليس له قعر، إلى أن قال حذيفة: قال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق إن صفة هذه في التوراة طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل. قال رسول الله ﷺ : لها ستون وثلاثمائة باب يخرج من كل باب منها مائة ألف مقاتل.
قال الحافظ أبو الخطاب ﵁: ونحن نرغب عن تسويد الورق بالموضوعات فيه، ونثبت الصحيح الذي يقربنا من إله الأرضين والسموات،
стр. 670
فعبد الرحمن الذي يرويه عن الثوري هو ابن هانئ أبو نعيم النخعي الكوفي، قال يحيى بن معين؛ كذّاب، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات، وقد رواه عن الثوري؛ عمر بن يحيى بالسند المذكور آنفا، وقال: تعذب بأربعة أصناف بخسف ومسخ وقذف، قال البرقاني: ولم يذكر الرابع، وعمر بن يحيى متروك الحديث.
وقد روى حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي، وأسند عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ وقال: أما أن هلاكها على يد السفياني، كأني والله بها قد صارت خاوية على عروشها.
ومحمد بن زكريا الغلابي؛ قال أبو الحسن الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ .
وعظم هذه الدابة المذكورة وطول يأجوج ومأجوج على تلك الصورة يدل على وضع هذا الحديث بالتصريح ويقطع العاقل بأنه ليس بصحيح، لأن مثل هذا القدر في العظم والطول، يشهد على كذب واضعه في المنقول، وأي مدينة تسع طرقاتها دابة عرضها ستون ميلا ارتفاعا، وأي سبيل يضم يأجوج ومأجوج وأحدهم طولا وعرضا مائتان وأربعون ذراعا، لقد اجترأ هذا الفاسق على الله العزيز الجبار بما اختلقه على نبيه المختار، فقد صحّ عنه بإجماع من أئمة الآثار أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» (١). ثم طرق إلينا تكذيب اليهود لنا فيما نقلناه عن توراتهم، ويكذبوننا بسبب ذلك في كل حال.
(مسلم) عن أم سلمة، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ : «يعوذ بالبيت عائذ، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم». فقلت: يا رسول الله؛ وكيف بما كان كارها؟ قال: «يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته». وقال أبو جعفر:
هي بيداء المدينة. وقال عبد العزيز بن رفيع: إنما قال: ببيداء من الأرض، قال:
كلا إنها والله لبيداء المدينة (٢).
وعن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليؤمنّ هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر