← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أبا نواس يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إذا أخسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي. قلت: ولخروجه علامتان يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى. فصل قوله: «ثم سكت هنيّة» بضم الهاء وتشديد الياء، أي: مدة يسيرة بتصغيرهن، ويروى بهاءين. ورواه الطبري هنيئة مهموز، وهو خطأ لا وجه له. فيه دلالة على صدق النبي ﷺ حيث أخبر عما سيكون بعد فكان. ومثله الحديث الآخر «منعت العراق درهمها وقفيزها» الحديث، أي ستمنع، وأتى بلفظ الماضي في الإخبار، لأنه ماض في علم الله أنه سيكون كقوله عزّ من قائل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] والمعنى أنه لا يجئ إليها، كما جاء مفسرا في الحديث، ومعناه والله أعلم سيرجعون عن الطاعة ويأبون من إذا ما وظف عليهم في أحد الأمر، وذلك أنهم يرتدون عن الإسلام وعن أداء الجزية، ولم يكن ذلك في زمانه، ولكن أخبر أنهم سيفعلون ذلك. وقوله: «يحثي المال حثيا» قال ابن الأنباري: أعلى اللغتين حثا يحثي وهو أصح وأفصح، ويقال: حثا يحثو ويحثى واحث بكسر الثاء وضمها، كله بمعنى أغرف بيديك. *** ٢٥٥ - باب منه، في المهدي وخروج السفياني عليه وبعثه الجيش لقتاله، وأنه الجيش الذي يخسف به روي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانيّ من الوادي اليابس في فوره ذلك، حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق وجيشا إلى المدينة فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزل بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، يعني مدينة بغداد، قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها أكثر من ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدي من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش على ليلتين فيقتلونهم حتى لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا

стр. 667

بالبيداء، بعث الله جبريل ﵇، فيقول: يا جبريل؛ اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين» (١). قلت: حديث حذيفة هذا فيه طول، وكذلك حديث ابن مسعود فيه: ثم إن عروة بن محمد السفياني يبعث جيشا إلى الكوفة فيه خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة لمحاربة المهدي ومن تبعه، فأما الجيش الأول فإنه يصل إلى الكوفة فيتغلب عليها ويسبي من كان فيها من النساء والأطفال ويقتل الرجال، ويأخذ ما يجد فيها من الأموال ثم يرجع فتقوم صيحة بالمشرق فيتبعهم أمير من أمراء بني تميم يقال له شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في أيديهم من السبي، ويرد إلى الكوفة. وأما الجيش الثاني فإنه يصل إلى مدينة الرسول ﷺ ، فيقاتلونها ثلاثة أيام ثم يدخلونها عنوة، ويسبون ما فيها من الأهل والولد، ثم يسيرون نحو مكة أعزها الله لمحاربة المهدي ومن معه، فإذا وصلوا إلى البيداء مسحهم الله أجمعين، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. وقد ذكر خبر السفياني مطولا بتمامه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي في كتاب «الملاحم» له وأنه الذي يخسف بجيشه، قال: واسمه عتبة بن هند، وهو الذي يقوم في أهل دمشق، فيقول: يا أهل دمشق؛ أنا رجل منكم وأنتم خاصتنا، جدي معاوية بن أبي سفيان وليكم من قبل، فأحسن وأحسنتم، وذكر كلاما طويلا، إلى أن ذكر كتابه إلى الجرهمي وهو على ما يليه من أرض الشام، وأتى البرقي وهو على ما يليه من حد برقة وما وراء برقة من المغرب، إلى أن قال: فيأتي الجرهمي فيبايعه، واسم الجرهمي؛ عقيل بن عقال، ثم يأتيه البرقي واسم البرقي: همام بن الورد، ثم ذكر مسيره إلى أرض مصر وقتاله لملكها فيقتلون على قنطرة الفرقاء أو دونها بسبعة أيام ثم ينصرف أهل مصر، وقد قتل منهم زهاء سبعين ألفا ونيفا ثم يصالحه أهل مصر ويبايعونه، فينصرف عنهم إلى الشام ثم ذكر تقديمه الأمراء من العرب رجل من حضرموت، ولرجل من خزاعة، ولرجل من عبس، ولرجل من ثعلبة، وذكر عجائب، وأن جيشه الذي يخسف بهم تبتلعهم الأرض إلى أعناقهم، وتبقى رؤوسهم خارجة، ويبقى جميع خيلهم وأموالهم وأثقالهم وخزائنهم وجميع

стр. 668

مضاربهم والسبي على حاله، إلى أن يبلغ الخبر الخارج بمكة؛ واسمه محمد بن علي من ولد السبط الأكبر الحسن بن علي، فيطوي الله تعالى له الأرض فيبلغ البيداء من يومه فيجد القوم أبدانهم داخلة في الأرض ورؤوسهم خارجة وهم أحياء، فيحمد الله هو وأصحابه، وينتحبون بالبكاء ويدعون الله ويسبحونه ويحمدونه على حسن صنيعه إليهم، ويسألونه تمام النعمة والعافية فتبلعهم الأرض من ساعتهم، يعني أصحاب السفياني، ويجد الحسني العسكر على حاله والسبي على حاله، وذكر أشياء كثيرة الله أعلم بصحتها أخذها من كتاب دانيال فيما زعم. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: ودانيال نبي من أنبياء بني إسرائيل، كلامه عبراني وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى ابن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ ، فقد سقطت عدالته إلا أن يبين موضعه لتصح أمانته. وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان من الحوادث وما سيكون وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أغرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يكذّب آخرها أولها ويتعذّر على المتأول لها تأويلها وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب المصدوق محمد ﷺ ، أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من يهودية أصبهان، وقد طعنّا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان وذلك شيء ما وقع ولا كان. ومن الموضوع فيه المصنوع والتهافت الموضوع الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه فهلاّ اتقى الله وخاف عقابه؟! وإن من أفضح فضيحة في الدين نقل مثل هذا الإسرائيليات عن المتهوّدين، فإنه لا طريق فيما ذكر عن دانيال إلا عنهم ولا رواية تأخذ في ذلك إلا منهم. وقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (١). وقد ذكر في كتاب الاعتصام، أن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على رسوله أحدث شيء، تقرءونه محضا لم يشب؟ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كلام الله وغيروه، وقد كتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من

стр. 669

العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (١). قال ابن دحية ﵁: وكيف يؤمّن من خان الله وكذب عليه وكفر واستكبر وفجر؟ وأما حديث الدابة فقد نطق بخروجها القرآن، ووجب التصديق بها والإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]. وكنت بالأندلس قد قرأت أكثر كتب المقرئ الفاضل أبي عمر عثمان بن سعيد بن عثمان توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة فمن تأليفه كتاب «السنن الواردة بالفتن وغوائلها والأزمنة وفسادها والساعة وأشراطها» وهو مجلد مزج فيه الصحيح بالسقيم، ولم يفرق فيه بين نسر وظليم، وأتى بالموضوع، وأعرض عما ثبت من الصحيح المسموع، فذكر الدابة في الباب الذي نصه: باب ما روي أن الوقعة التي تكون بالزوراء، وما يتصل بها من الوقائع والآيات والملاحم والطوام، وأسند ذلك عن عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون وقيعة الزوراء» قالوا: يا رسول الله؛ وما الزوراء؟ قال: «مدينة بالمشرق بين أنهارها يسكنها شرار خلق الله وجبابرة من أمتي، تعذب بأربعة أصناف من العذاب»، ثم ذكر حديث خروج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق، ثم ذكر خروج المهدي، قال واسمه: أحمد بن عبد الله! وذكر خروج الدابة، قال: قلت: يا رسول الله؛ وما الدابة؟ قال: ذات وبر وريش، عظمها ستون ميلا، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وذكر يأجوج ومأجوج وأنهم ثلاثة أصناف صنف منهم مثل الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في عشرين ومائة ذراع هم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى! وهذه الأسانيد عن حذيفة في عدة أوراق ظاهرة الوضع والاختلاف. وفيها ذكر مدينة يقال لها المقاطع وهي على البحر الذي لا يحمل جارية، قال: لأنه ليس له قعر، إلى أن قال حذيفة: قال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق إن صفة هذه في التوراة طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل. قال رسول الله ﷺ : لها ستون وثلاثمائة باب يخرج من كل باب منها مائة ألف مقاتل. قال الحافظ أبو الخطاب ﵁: ونحن نرغب عن تسويد الورق بالموضوعات فيه، ونثبت الصحيح الذي يقربنا من إله الأرضين والسموات،

стр. 670

فعبد الرحمن الذي يرويه عن الثوري هو ابن هانئ أبو نعيم النخعي الكوفي، قال يحيى بن معين؛ كذّاب، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات، وقد رواه عن الثوري؛ عمر بن يحيى بالسند المذكور آنفا، وقال: تعذب بأربعة أصناف بخسف ومسخ وقذف، قال البرقاني: ولم يذكر الرابع، وعمر بن يحيى متروك الحديث. وقد روى حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي، وأسند عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ وقال: أما أن هلاكها على يد السفياني، كأني والله بها قد صارت خاوية على عروشها. ومحمد بن زكريا الغلابي؛ قال أبو الحسن الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ . وعظم هذه الدابة المذكورة وطول يأجوج ومأجوج على تلك الصورة يدل على وضع هذا الحديث بالتصريح ويقطع العاقل بأنه ليس بصحيح، لأن مثل هذا القدر في العظم والطول، يشهد على كذب واضعه في المنقول، وأي مدينة تسع طرقاتها دابة عرضها ستون ميلا ارتفاعا، وأي سبيل يضم يأجوج ومأجوج وأحدهم طولا وعرضا مائتان وأربعون ذراعا، لقد اجترأ هذا الفاسق على الله العزيز الجبار بما اختلقه على نبيه المختار، فقد صحّ عنه بإجماع من أئمة الآثار أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» (١). ثم طرق إلينا تكذيب اليهود لنا فيما نقلناه عن توراتهم، ويكذبوننا بسبب ذلك في كل حال. (مسلم) عن أم سلمة، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ : «يعوذ بالبيت عائذ، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم». فقلت: يا رسول الله؛ وكيف بما كان كارها؟ قال: «يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته». وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة. وقال عبد العزيز بن رفيع: إنما قال: ببيداء من الأرض، قال: كلا إنها والله لبيداء المدينة (٢). وعن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليؤمنّ هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر

стр. 671

عنهم» (١). أخرجه ابن ماجه وزاد: «فلما جاء جيش الحجاج ظننا أنهم هم، فقال رجل: أشهد أنك لم تكذب على حفصة، وإن حفصة لم تكذب على رسول الله ﷺ ». وعنه عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: «سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم». قال يوسف بن ماهك: وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة. قال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش (٢). فصل قوله: «ليس له منعة» بفتح الميم والنون، أي: جماعة يمنعونه، وهو مانع، وهو أكثر الضبط فيه، ويقال: بسكون النون أيضا، أي: عزة وامتناع، يمتنع بها اسم الفعلة من منع أو الحال بتلك الصفة، أو مكان بتلك الصفة، وأنكر أبو حاتم السجستاني إسكان النون، وليس في هذه الأحاديث أنه يخسف بأمتعتهم، وإنما فيها أنه يخسف بهم. *** ٢٥٦ - باب منه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه (ابن ماجه) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلا واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» (٣). إسناده صحيح. وخرج عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيدي قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج ناس من المشرق فيوطّئون للمهدي» (٤) يعني سلطانه. وخرّج أبو داود، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث بن حراث على مقدمته رجل يقال له: منصور،

стр. 672

يوطئ أو يمكن لآل محمد ﷺ وعليهم، كما مكّنت قريش للنبي ﷺ ، وجبت على كل مؤمن نصرته، أو قال: إعانته» (١). *** ٢٥٧ - باب منه آخر في المهدي وصفته واسمه وإعطائه ومكثه، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتال الدجال (أبو داود) عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «يكون في أمتي المهديّ إن قصر فسبع وإلا فتسع فتنعم فيه أمّتي نعمة لم ينعموا بمثلها قط، تؤتى أكلها ولا تدّخر منهم شيئا، والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي؛ أعطني، فيقول: خذ» (٢). وخرج عنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «المهديّ مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فيملك سبع سنين» (٣). وذكر عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي هارون العبدي، عن معاوية بن قرة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله ﷺ بلايا تصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتي، فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء شيئا من قطرها إلا صبّته مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها شيئا إلا أخرجته حتى، تتمنى الأحياء أن لا موات. يعيش في ذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين (٤). ويروى هذا عن غير وجه - عن أبي سعيد الخدري. (أبو داود) عن عبد لله، عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم - قال زائدة في حديثه - لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أمتي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» (٥). خرّجه الترمذي بمعناه وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 673

وفي حديث حذيفة الطويل مرفوعا: «فلو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يأتيهم رجل من أهل بيتي، تكون الملائكة بين يديه، ويظهر الإسلام». وخرّج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبينا ﷺ حدث، فسألنا النبي ﷺ قال: «إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا» - زيد للشك - قلنا: وما ذاك؟ قال: «فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» (١). قال: هذا حديث حسن. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن الحنفية، عن أبيه علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة، أو قال: في يومين» (٢). فصل وقع في كتاب الشهاب: «لا يزداد الأمر إلاّ شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلاّ شحّا، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» (٣). قلت: خرّجه ابن ماجه في «سننه»، قال: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: حدثني محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة» (٤) فذكره. قال ابن ماجه؛ لم يروه إلا الشافعي. قال المؤلف ﵀: وخرّجه أبو الحسين الآجري قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن خالد البرذعي في المسجد الحرام، حدّثنا يونس بن عبد الأعلى المصري، فذكره. فقوله: «ولا مهدي إلا عيسى» يعارض أحاديث هذا الباب، فقيل: إن هذا الحديث لا يصح لأنه انفرد بروايته محمد بن خالد الجندي. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: الجندي هذا مجهول، واختلف عليه في إسناده؛ قتادة يرويه عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا، مع ضعف أبان، وتارة يرويه عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ بطوله، هو منفرد به، مجهول عن أبان، وهو متروك، وهو عن الحسن منقطع.

стр. 674

والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة، أصح من هذا الحديث، فالحكم لها دونه (١). قال المؤلف ﵀ ونور ضريحه -: وذكر أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: محمد بن خالد الجندي روى عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، وروى فيه الإمام ابن إدريس الشافعي ﵁، وهو راوي حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» وهو مجهول، وقد وثقه يحيى بن معين، روى له ابن ماجه. قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الأبري السجزي: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ يعني المهدي -، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، وعيسى صلوات الله عليه يصلي خلفه في طول من قصته وأمره. قلت: ويحتمل أن يكون قوله ﵊: «ولا مهدي إلى عيسى» أي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض. *** ٢٥٨ - باب منه في المهدي ومن أين يخرج وفي علامة خروجه، وأنه يبايع مرتين ويقاتل السفياني ويقتله تقدم من حديث أم سلمة وأبي هريرة أن المهدي يبايع بين الركن والمقام، وظاهر هذا أنه لم يبايع قبل، وليس كذلك، فإنه روي من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة أنه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى يمشي النصر بين يديه أربعين ميلا، راياته بيض وصفر، فيه رقوم فيها اسم الله الأعظم مكتوب، فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له: ما سنة من

стр. 675

قبل المغرب، فيعقد هذه الرايات مع قوم قد أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الحديث بطوله وفيه: فيأتي الناس من كل جانب ومكان فيبايعونه يومئذ بمكة وهو بين الركن والمقام، وهو كاره لهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى التي بايعه الناس بالمغرب، ثم إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدو الله وعدوكم، فيجيبونه ولا يعصون له أمرا، فيخرج المهدي ومن معه من المسلمين من مكة إلى الشام لمحاربة عروة بن محمد السفياني، وكل من معه من كلب ثم يتبدد جيشه، ثم يوجد عروة السفياني. على أعلى شجرة على بحيرة طبرية، والخائب من خاب يومئذ من قتال كلب ولو بكلمة أو بتكبيرة أو بصيحة (١). فيروى عن حذيفة أنه قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحل قتلهم وهم مسلمون موحدون؟ فقال النبي ﷺ : «إن إيمانهم على ردّة لأنهم خوارج، ويقولون برأيهم: إن الخمر حلال، ومع ذلك إنهم يحاربون الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]». وذكر الحديث وسيأتي تمامه. وخبر السفياني خرجه عمر بن عبيد في «مسنده» والله أعلم. وروى من حديث معاوية بن أبي سفيان في حديث فيه طول عن النبي ﷺ أنه قال: «ستفتح بعدي جزيرة تسمى بالأندلس فتغلب عليهم أهل الكفر فيأخذون من أموالهم وأكثر بلدهم ويسبون نساءهم وأولادهم، ويهتكون الأستار ويخربون الديار، ويرجع أكثر البلاد فيافي وقفارا، وتنجلي أكثر الناس عن ديارهم وأموالهم، فيأخذون أكثر الجزيرة ولا يبقى إلا أقلها، ويكون في المغرب الهرج والخوف، ويستولي عليهم الجوع والغلاء، وتكثر الفتنة، ويأكل الناس بعضهم بعضا، فعند ذلك يخرج رجل من المغرب الأقصى من أهل فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو المهدي القائم في آخر الزمان وهو أول أشراط الساعة». قلت: كل ما وقع في حديث معاوية هذا فقد شاهدناه بتلك البلاد وعاينا معظمه إلا خروج المهدي. ويروى من حديث شريك أنه بلغه أن قبل خروج المهدي تكسف الشمس في رمضان مرتين، والله أعلم.

стр. 676

وذكر الدارقطني في «سننه» قال: حدثنا أبو سعيد الإصطخري قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن نوفل، حدّثنا عبيد بن يعيش، حدّثنا يونس بن بكير، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن محمد بن علي قال: إن لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض (١). *** ٢٥٩ - باب ما جاء أن المهدي يملك جبل الديلم والقسطنطينية ويستفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب، وبيان قوله تعالى ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ الآية (ابن ماجه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّله الله حتى يملك رجل من أهل بيتي جبل الديلم والقسطنطينية» (٢) إسناده صحيح. وروي من حديث حذيفة، عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. «ثم إن المهدي ومن معه من المسلمين يأتون إلى مدينة أنطاكية - وهي مدينة عظيمة على البحر -، فيكبرون عليها ثلاث تكبيرات فيقع سورها من البحر بقدرة الله ، فيقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال، ويأخذون الأموال، ثم يملك المهدي أنطاكية، ويبني فيها المساجد ويعمر عمار أهل الإسلام، ثم يسيرون إلى الرومية والقسطنطينية وكنيسة الذهب فيقتحمون القسطنطينة ورومية ويقتلون بها أربعمائة ألف مقاتل، ويفتضون بها سبعين ألف بكر ويستفتحون المدائن والحصون ويأخذون الأموال، ويقتلون الرجال ويسبون النساء والأطفال ويأتون كنيسة الذهب فيجدون فيها الأموال التي كان المهدي أخذها أول مرة، وهذه الأموال هي التي أودع فيها ملك الروم قيصر حين غزا بيت المقدس، فوجد في بيت المقدس هذه الأموال فأخذها واحتملها على سبعين ألف عجلة إلى كنيسة الذهب بأسرها

стр. 677

كاملة كما أخذها ما نقص منها شيئا، فيأخذ المهدي تلك الأموال فيردها إلى بيت المقدس»، قال حذيفة: قلت: يا رسول الله؛ لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول الله ﷺ : «هو من أجلّ البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود ﵉ من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود سخّر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد من البحار يغوصون كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] فلما أتوه بهذه الأصناف بناه منها فجعل فيه بلاطا من ذهب وبلاطا من فضة وأعمدة من ذهب وأعمدة من فضة، وزيّنه بالدر والياقوت والزمرد وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف». قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله؛ وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل لما عصوا وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بخت نصّر وهو من المجوس فكان ملكه سبعمائة سنة وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥] فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف واحتملوها على سبعين ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، وأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله رحمهم فأوحى الله إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل يستنقذ ما في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ دلك الحلي الذي كان في بيت المقدس ورده إليه كما كان أول مرة، وقال لهم: يا بني إسرائيل؛ إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] يعني إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء: ٧] فغزاهم في البر والبحر فسبقهم وقتلهم وأخذ كنيسة الذهب فهو فيها إلى الآن، حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس ويكون المسلمون ظاهرين على أهل الشرك، فعند ذلك يرسل الله عليهم ملك الروم وهو الخامس من آل هرقل». على ما تقدم من تمام الحديث (١)، والله أعلم. ***

стр. 678

٢٦٠ - باب ما جاء في فتح القسطنطينية ومن أين تفتح، وفتحها علامة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه (مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلّي بينكم وبين الذين هم إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم الثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتتنون أبدا فيفتحون القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم وقد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهلكم فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته» (١). وخرج ابن ماجه قال: حدّثنا علي بن ميمون الرقي، قال: حدّثنا يعقوب الحنيني، عن كثير بن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء، ثم قال: يا علي يا علي يا علي! قال: بأبي وأمي قال: إنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلونهم الذين من بعدكم حتى يخرج إليهم روقة الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فيفتحون قسطنطينية بالتسبيح والتكبير فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة فيأتي آت فيقول إن المسيح قد خرج إلى بلادكم ألا وهي كذبة، فالآخذ نادم والتارك نادم» (٢). وخرج مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، قال ثور: لا أعلمه قال: إلا الذي في البحر، ثم يقولون الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون

стр. 679

الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون» (١). (الترمذي) عن أنس قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة (٢). هكذا رواه موقوفا، وقال: حديث غريب. القسطنطينية: مدينة الروم، وتفتح عند خروج الدجال والقسطنطينية قد فتحت في زمن بعض أصحاب رسول الله ﷺ . قلت: هو عثمان بن عفان؛ ذكر الطبري في «التاريخ» له: ثم دخلت سنة سبع وعشرين ففيها كان فتح إفريقية على يد عبد الله بن أبي سرح، وذلك أن عثمان ﵁ لما ولي عمرو بن العاص على عمله بمصر كان لا يعزل أحدا إلا عن شكاية وكان عبد الله ابن أبي سرح من جند عثمان فأمّره عثمان ﵁ على الجند ورماه بالرجال وسرحه إلى إفريقية، وسرح معه عبد الله بن نافع بن قيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين، فلما فتح عبد الله إفريقية خرج عبد الله وعبد الله إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان ﵁ إلى من انتدب إلى الأندلس: أما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء في الأجر (٣). فيقال: إنها فتحت في تلك الأزمان، وستفتح مرة أخرى كما في أحاديث هذا الباب والذي قبله، وقد قال بعض علمائنا: إن حديث أبي هريرة أول الباب يدل على أنها تفتح بالقتال، وحديث ابن ماجه يدل على خلاف ذلك مع حديث أبي هريرة، والله أعلم. قلت: لعل فتح المهدي يكون لها مرتين مرة بالقتال ومرة بالتكبير، كما أنه يفتح كنيسة الذهب مرتين، فإن المهدي إذا خرج بالمغرب على ما تقدم جاءت إليه أهل الأندلس فيقولون: يا ولي الله؛ انصر جزيرة الأندلس، فقد تلفت وتلف أهلها وتغلّب عليها أهل الكفر والشرك من أبناء الروم، فيبعث كتبه إلى جميع قبائل المغرب وهم قزولة وخذالة وقذالة وغيرهم من القبائل من أهل المغرب أن انصروا دين الله وشريعة محمد ﷺ ، فيأتون إليه من كل مكان ويجيبونه ويقفون عند أمره ويكون على مقدمته صاحب الخرطوم وهو صاحب الناقة الغراء، وهو صاحب المهدي وناصر دين الإسلام وولي الله حقّا، فعند ذلك يبايعه ثمانون ألف مقاتل بين فارس وراجل قد ﵃ ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 680

[المجادلة: ٢٢] فباعوا أنفسهم لله والله ذو الفضل العظيم، فيعبرون البحر حتى ينتهوا إلى حمص، وهي إشبيلية، فيصعد المهدي المنبر في المسجد الجامع ويخطب خطبة بليغة فيأتي إليه أهل الأندلس فيبايعه جميع من بها من أهل الإسلام ثم يخرج بجميع المسلمين متوجها إلى البلاد بلاد الروم فيفتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم يخرجها من أيدي العدو عنوة. الحديث. وفيه: ثم إن المهدي ومن معه يصلون إلى كنيسة الذهب فيجدون فيها أموالا فيأخذها المهدي فيقسمها بين الناس بالسوية، ثم يجد فيها تابوت السكينة وفيها غفارة عيسى وعصا موسى ﵉، وهي العصا التي هبط بها آدم من الجنة حين أخرج منها، وكان قيصر ملك الروم قد أخذها من بيت المقدس في جملة السبي حين سبى بيت المقدس واحتمل جميع ذلك إلى كنيسة الذهب فهو فيها إلى الآن، حتى يأخذها المهدي، فإذا أخذ المسلمون العصا تنازعوا عليها فكل منهم يريد أخذ العصا فإذا أراد الله تمام أهل الإسلام من الأندلس خذل الله رأيهم وسلب ذوي الألباب عقولهم، فيقسمون العصا على أربعة أجزاء فيأخذ كل عسكر منهم جزءا، وهم يومئذ أربعة عساكر، وإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم الظفر والنصر ووقع الخلاف في ذلك بينهم. قال كعب الأحبار: ويظهر عليهم أهل الشرك حتى يأتوا البحر فيبعث الله إليهم ملكا في صورة إبل فيجوز بهم القنطرة التي بناها ذو القرنين لهذا المعنى خاصة، فيأخذ الناس وراءه حتى يأتوا إلى مدينة فارس والروم وراءهم فلا يزالون كذلك كلما ارتحل المسلمون مرحلة ارتحل المشركون كذلك، حتى يأتوا إلى أرض مصر والروم وراءهم، وفي حديث حذيفة ويتملكون مصر إلى الفيوم ثم يرجعون، والله تعالى أعلم. *** ٢٦١ - باب أشراط الساعة وعلاماتها فأما وقتها فلا يعلمه إلا الله، وفي حديث جبريل: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (١) الحديث خرجه مسلم. وكذلك روى الشعبي قال: لقي جبريل عيسى ﵇ فقال له عيسى: متى الساعة؟ فانتفض جبريل ﵇ في أجنحته وقال: ما المسؤول عنها بأعلم

стр. 681

من السائل، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة. وذكر أبو نعيم، من حديث مكحول، عن حذيفة قال: «قال رسول الله ﷺ : «للساعة أشراط» قي: وما أشراطها؟ قال: «علوّ أهل الفسق في المساجد وظهور أهل المنكر على أهل المعروف»، قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: «دع وكن جلسا من أحلاس بيتك» (١). غريب من حديث مكحول، لم نكتبه إلا من حديث حمزة النصيبي عن مكحول. فصل قال العلماء رحمه الله تعالى: والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس من رقدتهم وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم. وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها فمنها خروج الدجال ونزول عيسى وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، هذه هي الآيات العظام على ما يأتي بيانه. وأما ما يتقدم من هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستيلاء أهله وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمور، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان وزخرفة المساجد، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها وكثرة الهرج، فإنها أسباب حادثة ورواية الأخبار المنذرة بها بعد ما صار الخبر بها عيانا تكلف، لكن لا بد من ذكرها حتى يوقف عليها ويتحقق بذلك معجزة النبي ﷺ وصدقه في كل ما أخبر به ﷺ . *** ٢٦٢ - باب قول النبي ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» (مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم السبابة والوسطى (٢).

стр. 682

وروي من طرق أخرجها البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ﵃ ومعناها كلها على اختلاف ألفاظها تقريب من الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] وقوله: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. ويروى أن النبي ﷺ لما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ وثب فلما أنزل ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ جلس. قال بعض العلماء: إنما وثب ﵊ خوفا منه أن تكون الساعة قد قامت. وقال الضحاك والحسن: أول أشراطها محمد ﷺ ، وروى موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال علي ﵇: من اقتراب الساعة ظهور البواسير وموت الفجاءة. فصل إن قيل: ثبت أن النبي ﷺ سأل جبريل عن الساعة فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» الحديث، فهذا يدل على أنه لم يكن عنده علم، ورويتم عنه أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وهذا يدل على أنه كان عالما، فكيف يتألف الخبران؟ قيل له: قد نطق القرآن بقوله الحق: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية، فلم يكن يعلمها هو ولا غيره، وأما قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين» فمعناه أنا النبي الأخير فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليس بينهما إصبع أخرى، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك كائنة، لأن أشراطها متتابعة، وقد ذكر الله الأشراط في القرآن فقال: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] أي: دنت، وأولها النبي ﷺ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بين ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: «أن تلد الأمة ربتها» إلى غير ذلك مما سنذكره ونبينه بحول الله تعالى في أبواب إن شاء الله تعالى. ***

стр. 683

٢٦٣ - باب أمور تكون بين يدي الساعة (البخاري) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذّابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم ويكثر الزلازل ويتقارب الزمان، ويظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس ومن مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إليّ فيه فلا يطعمها» (١). فصل قال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: هذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد هذا ما ينظر فيه من العلامات والأشراط في عموم إنذار النبي ﷺ بفساد الزمان، وتغيير الدين وذهاب الأمانة، ما يغني عن ذكر التفاصيل الباطلة والأحاديث الكاذبة في أشراط الساعة. من ذلك حديث رواه قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : أن في سنة مائتين يكون كذا وكذا، وفي العشر والمائتين يكون كذا وكذا، وفي العشرين كذا، وفي الثلاثين كذا، وفي الأربعين كذا، وفي الخمسين كذا، وفي الستين والمائتين تعتكف الشمس ساعة فيموت نصف الجن والإنس، فهل كان هكذا وقد مضت هذه المدة وهذا شيء يعم؟! وسائر الأمور التي ذكرت قد تكون في بلدة وتخلو منه أخرى، فهذا عكوف الشمس لا يخلو منه أحد في شرق ولا غرب، فإن كان المائتين من الهجرة فقد مضت، وإن كان من موت النبي ﷺ فقد مضت، وأيضا دلالة أخرى على أنه مفتعل؛ أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله ﷺ أن يقال في سنة مائتين أو سنة عشرين ومائتين، ولم يكن وضع شيء من التاريخ.

стр. 684

وكذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «إذا كانت سنة تسع وتسعين وخمسمائة يخرج المهدي في أمتي على خلاف من الناس، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ويفتح الله له كنوز الأرض، وتنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض ثمرها، ويزرع الزارع في الأرض صاعا فيصيب مائة صاع، ويذهب الغلاء والقحط والجوع عن الناس، ويجوز إلى الأندلس ويقيم فيها ويملكها تسع سنين ويستفتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم، ويغنم رومية وكنيسة الذهب فيجد فيها تابوت السكينة وفيها غفارة عيسى وعصا موسى ﵉ فيكسرون العصا على أربعة أجزاء فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم النصر والظفر، ويخرج عليهم ذو العرف في مائة ألف مقاتل بعد أن يتحالف الروم أنهم لا يرجعون أو يموتون، فينهزم المسلمون حتى يأتوا سرقسطة البيضاء فيدخلوها بإذن الله تعالى، ويكرم الله من فيها بالشهادة، ولا يكون للمسلمين بعد خراب سرقسطة سكنى ولا قرار بالأندلس، وينتهون إلى قرطبة فلا يجدون فيها أحدا لما أصاب الناس من شدة الفزع من الروم، يهربون من الأندلس يريدون العدو، فإذا اجتمعوا على ساحل البحر ازدحموا على المراكب فيموت منهم خلق كثير، فينزل الله إليهم ملكا في صورة إبل فينجو من نجا وغرق من غرق». قلت: كل ما جاء في هذا الحديث فمذكور في حديث حذيفة وغيره وإنما المنكر فيملك الروم الأندلس إلى خروج الدجال. ومنه تعيين التاريخ، وقد كان سنة تسع وتسعين وخمسمائة ولم يكن شيء من ذلك، بل كان بالأندلس تلك السنة وقعة «الأراك» التي أهلك الله فيها الروم ولم يزل المسلمون في نعمة وسرور إلى سنة تسع وستمائة، فكانت فيها وقعة العقاب هلك فيها كثير من المسلمين ولم يزل المسلمون في تلك الوقعة بالأندلس يرجعون القهقرى إلى أن استولى عليهم العدو، وغلبهم بالفتن الواقعة بينهم، والتفصيل يطول، ولم يبق الآن من الأندلس إلا اليسير فنعوذ بالله من الفتن والخذلان والمخالفة والعصيان وكثرة الظلم والفساد والعدوان. والذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب أن ما أخبر به النبي ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر وإنما ذلك كوقت قيام الساعة، فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر، إما أنها تكون في يوم جمعة في آخر ساعة منه وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يعلم، والله أعلم. وقد سمعت من بعض أصحابنا أن ما وقع في التاريخ في حديث أبي سعيد

стр. 685

الخدري إنما ذلك بعد المائة التي قال النبي ﷺ : «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة». وفي رواية: قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ (١). خرجه مسلم. وفي حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض نفس منفوسة يعني اليوم يأتي عليها مائة سنة» (٢). قال أبو عيسى: هذا الحديث حسن صحيح. ومعلوم أن أنس توفي في عشر المائة بالبصرة، فعلى هذا يكون سنة سبع وتسعين وستمائة وهذا لم يجيء بعد، فالله تعالى أعلم. قال المؤلف ﵀: وبحديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وجابر استدل من قال إن الخضر ميت ليس بحي، وقال الثعالبي في كتاب «العرائس»: والخضر على جميع الأقوال نبي معمر محجوب عن الأبصار (٣). وذكر عن عمرو بن دينار قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان يحييان في الأرض فإذا رفع القرآن ماتا. وهذا هو الصحيح في الباب على ما بيناه في سورة الكهف من كتاب «جامع أحكام القرآن» والحمد لله. فصل وأما الثلاث عشرة خصلة فقد ظهر أكثرها، من ذلك قوله ﵊: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة» يريد فيه معاوية وعليّا كرم الله وجهه بصفين، وقد تقدم الإشارة إليهما. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا أول خطب طرق في الإسلام. قلت: بل أول أمر دهم الإسلام موت النبي ﷺ ثم بعده موت عمر، فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي وماتت النبوءة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا.

стр. 686

وقال أبو بكر الصديق في أبيات يرثي بها النبي ﷺ : فلتحدثنّ حوادث من بعده … تعنى بهن جوانح وصدور وقالت صفية بنت عبد المطلب في أبيات ترثي بها النبي ﷺ : لعمرك ما أبكي النبيّ لفقده … ولكن ما أخشى من الهرج آتيا وبموت عمر سلّ سيف الفتنة وقتل عثمان، وكان من قضاء الله وقدره ما يكون، وكان على ما تقدم. وقوله: «حتى يبعث دجالون كذّابون قريب من ثلاثين»، الدجال: يطلق في اللغة على أوجه كثيرة يأتي ذكرها. أحدها الكذاب، كما جاء في هذا الحديث. وفي صحيح مسلم: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون» الحديث، ولا يجمع ما كان على فعال جمع التكسير عند الجماهير من النحويين لئلاّ يذهب بناء المبالغة منه، فلا يقال: إلا دجالون كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسرا وهو شاذ، أنشد سيبويه لابن مقبل: إلا الإفادة فاستولت ركائبنا … عند الجبابير بالبأساء والنقم وقال مالك بن أنس في محمد بن إسحاق: إنما هو دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة. قال عبد الله بن إدريس الأودي: وما عرفت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس. وقوله: «قريب من ثلاثين» قد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي» (١). خرجه أبو نعيم الحافظ، وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام، ووجد في كتابه بخط أبيه حدث به أحمد بن حنبل عن علي ابن المديني. وقال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدّ من تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف، واتبعه جماعة على ضلالته؛ لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا. وقوله: «حتى يقبض العلم» فقد قبض العمل به ولم يبق إلا رسمه على ما يأتي بيانه. وقوله: «وتكثر الزلازل» فقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنه وقع منها بعراق العجم كثير، وقد شاهدنا بعضها بالأندلس، وسيأتي.

стр. 687

وقوله: «ويتقارب الزمان» قيل: المعنى يتقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، كما هو اليوم لغلبة الفسق وظهور أهله. وفي الحديث: «لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا». يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف الله يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفى بآرائهم ويتبرك بدعائهم وآثارهم وقيل غير هذا، حسب ما تقدم في باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. وقوله: «حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته» هذا مما لم يقع، بل يكون، على ما يأتي وربّ مفعول يهم، ومن يقبل فاعل يهم، يقال: أهمّني ذلك الأمر: أحزنني وأقلقني، وهمه يهمه؛ إذا بالغ في ذلك. وقوله: «حتى يتطاول الناس في البنيان» هذا مشاهد في الوجود مشاهدته تغني عن الكلام فيه. وقوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه» ذلك لما يرى من عظيم البلاء، وربح الأعداء، وغبن الأولياء، ورئاسة الجهلاء، وحمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم والجهر بالمعاصي، واستيلاء الحرام على أموال الخلق، والتحكم في الأبدان والأموال والأعراض بغير حق، كما في هذا الزمان، وقد تقدم أول الكتاب حديث أبي عيسى الغفاري عن النبي ﷺ : «بادروا بالأعمال ستا». الحديث. وروى الأعمش سليمان بن مهران، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر ﵁: يوشك أن يأتي على الناس زمان يغبط فيه خفيف الحاذ كما يغبط اليوم أبو عشرة، ويغبط الرجل باختفائه عن السلطان وجفائه عنه كما يغبط اليوم بمعرفته إياه وكرامته عليه، وحتى تمر الجنازة في السوق على الجماعة فينظر إليها الرجل تهتز بهذا رأسه، فيقول: يا ليتني مكان هذا. قال: قلت: يا أبا ذر؛ وإن ذلك من أمر عظيم؟ قال: أجل يا ابن أخي؛ عظيم عظيم. قلت: هذا هو ذلك الزمان الذي قد استولى فيه الباطل على الحق، وتغلّب فيه العبيد على الأحرار من الخلق، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فصار الحكم مكسا والحق عكسا، لا يوصل إليه ولا يقدر عليه، بدّلوا دين الله وغيروا حكم الله، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ و ﴿الظّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفاسِقُونَ﴾ في الكفار خاصة كلها، وقيل: عامة فيمن بدل حكم الله وغيّره. قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو

стр. 688

دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله؛ اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (١). وقد أحسن ابن المبارك حيث يقول في أبيات له: وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها وقوله: «حتى تطلع الشمس من مغربها» إلى آخره؛ يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى. واللقحة: الناقة الغزيرة اللبن، ويليط: يصلح، يقال: لاط حوضه يليطه ويلوطه ليطا ولوطا؛ إذا لطّخه بالطين وأصلحه، والأكلة: بضم الهمزة اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح لأنها مصدر، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالضربة من الضرب. فأخبر رسول الله ﷺ أن يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله، واقترب من ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه، فتقوم الساعة دون بلوغها إليه، وكذلك القول في المتبايعين من نشر الثوب وطيه، فاعلمه. باب منه (أبو نعيم) الحافظ عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون في آخر الزمان عبّاد جهّال، وقرّاء فسقة» (٢). هذا حديث غريب من حديث ثابت، لم نكتبه إلا من حديث يوسف بن عطية، عن ثابت، وهو قاض بصري في حديثه نكارة. قلت: صحيح المعنى لما ظهر في الوجود من ذلك، وقال مكحول: يأتي على الناس زمان يكون عالمهم أنتن من جيفة حمار. وقد خرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀، قال: حدّثنا حوشب بن عبد الكريم، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك الزمان فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم الأنتنون، ثم تظهر قلانس البرد فلا يستحى يومئذ من الزنا، والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمرة، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين» قالوا: منا، أو منهم؟ قال: «بل منكم» (٣). وأخرج الدارمي أبو محمد، قال: أخبرنا محمد بن المبارك، حدّثنا صدقة بن خالد، عن ابن جابر، عن شيخ يكنى أبا عمرو، عن معاذ بن جبل، قال: «سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطهم خوف، إن

стр. 689

قصدوا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا» (١). وقد تقدم في باب ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] حديث العباس بن عبد المطلب وفيه: «ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا: من أقرأ منا، من أعلم منا»؟ ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار. باب منه (مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة» (٢). وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذهب الليالي حتى يملك رجل يقال له الجهجاه» (٣) - في غير مسلم -: «رجل من الموالي، يقال له: جهجاه»، فسقط من رواية الجلودي «من الموالي» وهو خطأ. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (٤). وخرّج البخاري ومسلم عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (٥). (الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ستخرج نار من حضرموت قبل القيامة. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام» (٦) قال: حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر. (البخاري) عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» (٧). (الترمذي) عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم

стр. 690

شراركم» (١) قال: هذا حديث غريب، خرجه ابن ماجه أيضا. وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر ابن حوشب، عن أبي هريرة، قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فقعد الذئب على تل، فأقعى واستقرّ وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله. أخذته، ثم انتزعته مني؟! فقال الرجل: بالله إن رأيت كاليوم، ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم. قال: فكان الرجل يهوديّا فجاء إلى النبي ﷺ ، فأخبره وأسلم فصدّقه النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﷺ : «إنها أمارات بين يدي الساعة قد يوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده» (٢). ويروى هذا عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال رسول الله ﷺ : «صدق الراعي إلا إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بحديث أهله بعده». (الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (٣). قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: حكم أبو عيسى بصحته، ونظرنا سنده دون أن نقلده فوجدنا له علة، قال أبو عيسى: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم بن الفضل، قال: حدّثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. قال ابن دحية: سفيان بن وكيع لم يخرّج له البخاري ومسلم حرفا واحدا في صحيحيهما، وذلك بسبب ورّاق كان له يدخل عليه الحديث الموضوع، يقال له: قرطمة. قال البخاري: يتكلمون في سفيان لأشياء لقّنوه إياها. وقال أبو محمد بن عدي: كان سفيان إذا لقّن يتلقّن، فهذه علة الحديث التي جهلها أبو عيسى الترمذي. (مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال

стр. 691

ويفيض، وحتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» (١). فصل حول ذي الخلصة والخلصة ثبت حديث ذي الخلصة في الصحيحين؛ أن رسول الله ﷺ بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى هذا البيت، قال جرير: فنفرت إليها في مائة وخمسين من أحمس، فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده (٢). قال أبو الخطاب بن دحية: وذو الخلصة بضم الخاء واللام في قول أهل اللغة والسير، وبفتحها؛ قيّدناه في الصحيحين وكذا قال ابن هشام، وقيده الإمام أبو الوليد الكناني الوقشي بفتح الخاء وسكون اللام، وكذا قال ابن زيد، واختلف فيه؛ فقيل: هو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب. وقيل: هو صنم كان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حتى نصبت الأصنام في مواضع شتى، وكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وقيل: ذو الخلصة؛ هي الكعبة اليمانية فكان معناهم في تسميتها بذلك أن عبادة خالصة. والمعنى المراد بالحديث: أنهم يرتدّون ويرجعون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فترسل نساء دوس طائفات حوله فترتج أردافهن عند ذلك، في آخر الزمان، وذلك بعد موت جميع من في قلبه مثقال حبة من إيمان، وهو كما جاء في حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى» الحديث وسيأتي بكماله. وقوله: «يسوق الناس بعصاه»: كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يرد نفس العصا، وإنما ضرب بها مثلا لطاعتهم له واستيلائه عليهم، إلا أن في ذكرها دليلا على خشونته عليهم وعسفه بهم. وقد قيل: إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية، وذلك لشدة عنفه وعدواه ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له الجهجاه، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع، يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح ويقال: جهجه عني أي انته. وهذه الصفة توافق ذكر العصا والله أعلم. وثبت عن رسول الله ﷺ من رواية عائذ بن عمرو - وكان ممن بايع تحت الشجرة - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاء الحطمة» (٣).

стр. 692

والرعاة في اللغة: جمع راع، وضرب رسول الله ﷺ بهذا مثلا لوالي السوء؛ لأن الحطمة هو الذي يعنف بالإبل في السوق والإيراد والإصدار، فيحطمها أي: يكسرها ولا يكاد يسلم من فساده شيء، وسوّاق حطم كذلك يعنف في سوقه. وقوله: «حتى تخرج نار من أرض الحجاز»؛ فقد خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة، وذلك ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقرطبة عند قاع التنعيم بطرف الحرة يحيط بها ثري في صورة البلد العظيم، كأعظم ما يكون البلدان، عليها سور يحيط بها عليه شرافات كشرافات الحصون، وأبراج ومآذن ويرى رجال يقودونها لا تمرّ على جبل إلا دكّته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دويّ كدويّ الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه وينتهي إلى البحرة محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يلي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد، ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها. قال لي بعض أصحابنا. ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من جحر مسيرة خمسة أيام من المدينة. قلت: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى من بعد هذه النار أخرى أرضية بحرم المدينة أحرقت جميع الحرم، حتى إنها أذابت الرصاص التي عليها العمد فوقعت ولم يبق غير السور واقفا، ونشأ بعد ذلك أخذ بغداد بتغلب التتر عليها، فقتل من كان فيها وسباه، وذلك عمود الإسلام وماؤه، فانتشر الخوف وعظم الكرب وعمّ الرّعب، وكثر الحزن، فانتشر التتر في البلاد وبقي الناس حيارى سكارى بغير خليفة ولا إمام، ولا قضاء، فزادت المحنة وعظمت الفتنة. لو لم يتدارك الله سبحانه بالعفو والفضل والمنة. أما قوله: «وستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل القيامة» فلعلها النار التي جاء ذكرها في حديث حذيفة. قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقصدنكم اليوم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت، يغشى الناس فيها عذاب أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرّها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين الأرض والسماء دويّ كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش». قلت: يا رسول الله؛ هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: «وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ هم شر من الحمر، يتسافدون كما تتسافد البهائم، وليس فيهم رجل

стр. 693

يقول: مه مه» (١). كذا رواه أبو نعيم الحافظ في باب مكحول أبي عبد الله إمام أهل الشام، عن أبي سلمة، عنه عن حذيفة. وقوله: «عذبة سوطه»: يريد السير المعلق في طرف السوط وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة الملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطا بالهيبة والبله، وإنما الباري جلت قدرته يخلقه متى شاء، في أي شيء شاء، من جماد أو حيوان، على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلّمان عليه ﷺ تسليم من نطق وتكلّم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث، وثبت باتفاق حديث البقرة والذئب وأنهما تكلّما، على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين، قاله ابن دحية. وقوله: «حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» إخبار عن خروج عادتهم من إنتاج الكلأ ومواضع العشب، بحفر الأنهار وغرس الأشجار وبناء الديار. باب منه آخر (أبو عمر بن عبد البر) عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن بين يدي الساعة التسليم على الخاصة، وفشوّ التجارة حتى تعيب المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق» (٢). قال أبو عمر ابن عبد البر: أما قوله: «وفشو القلم» فإنه أراد ظهور الكتاب وكثرة الكتاب، خرجه أبو جعفر الطحاوي بلفظه ومعناه، إلا أنه قال: حتى «تعين المرأة» بدل تعيب، ولم يذكر: وقطع الأرحام، ذكره أبو محمد عبد الحق. وخرّج أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا ابن فضالة، عن الحسن، قال: قال عمرو بن تغلب سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجانّ المطرقة، وإن من أشراط الساعة أن تكثر التجارة ويظهر القلم» (٣). وذكر ابن المبارك عن ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويفيض المال، ويظهر القلم، وتكثر التجارة». قال الحسن: لقد أتى علينا زمان إنما يقال تاجر بني فلان وكاتب بني فلان، ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد.

стр. 694

وذكره أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن مسعود، قال: كان يقال: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المساجد طرقا، وأن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وأن يتجر الرجل وامرأته جميعا، وأن تغلو مهور النساء والخيل ثم ترخص، فلا تغلو إلى يوم القيامة. باب منه (البخاري) عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل، ويظهر الزنا وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» (١). أخرجه مسلم من حديث أنس. (مسلم) عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة من الذهب لا يجد أحدا يأخذها منه ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء» (٢). باب قوله: «ويرى الرجل يتبعه أربعون امرأة» يريد - والله أعلم - أن الرجال يقتلون في الملاحم، وتبقى نساؤهم أرامل، فيقبلن على الرجل الواحد في قضاء حوائجهن ومصالح أمورهن، كما قال في الحديث الآخر قبله: «حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» الذي يسوسهنّ، ويقوم عليهن من بيع وشراء وأخذ وعطاء، وقد كان هذا عندنا أو قريبا منه بالأندلس. وقيل: إن لقلة الرجال وغلبة الشبق على النساء يتبع الرجل الواحد أربعون امرأة، كل واحدة تقول: أنكحني، والأول أشبه. ويكون معنى: «يلذن» يستترن ويتحرزن، من الملاذ الذي هو السترة، لا من اللذة. ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر ﵀، أنه ربط نحوا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل واحد مخافة سبي العدو، حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله. وأما ظهور الزنا فذلك مشهور في كثير من الديار المصرية. من ذلك مأثور. ومن ذلك إظهار الخمر والماخور، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 695

وأما قلّة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع - أعني برفع العلم وقلة ترك العمل به - كما قال عبد الله بن مسعود: «ليس حفظ القرآن بحفظ حروفه، ولكن إقامة حدوده» (١) ذكره ابن المبارك، وسيأتي هذا المعنى مبينا مرفوعا، إن شاء الله تعالى. *** ٢٦٤ - باب كيف يقبض العلم (البخاري ومسلم) رحمهما الله، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم إن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبضه العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلون» (٢). وفي رواية: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا». انتزاعا مصدر من غير اللفظ، كما قال الله : ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ [نوح: ١٧]. (أبو داود) عن سلامة بن الحر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد الإمامة فلا يجدوا إماما يصلي بهم» (٣). *** ٢٦٥ - باب ما جاء أن الأرض تخرج ما في جوفها من الكنوز والأموال روى الأئمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا». وفي رواية: «عن جبل من ذهب».

стр. 696

لفظ البخاري ومسلم. وقال مسلم في رواية: «فيقتتل الناس عليه فيقتل من كان مائة تسعة وتسعون، ويقول كل واحد منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو». وقال ابن ماجه: «فيقتل الناس عليه فيقتل من كل عشرة تسعة» (١). وخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (٢). لم يذكر الترمذي السارق وقطع يده، وقال: حديث حسن صحيح غريب. فصل قال الحليمي ﵀ في كتاب «منهاج الدين» له: وقال ﵊: «يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا» فيشبه أن يكون هذا في آخر الزمان الذي أخبر النبي ﷺ أن المال يفيض فيه فلا يقبله أحد، وذلك زمن عيسى ﵇، فلعل بسبب هذا الفيض العظيم ذلك الجبل مع ما يغنمه المسلمون من أموال المشركين، ويحتمل أن يكون نهيه عن الأخذ من ذلك الجبل لتقارب الأمر وظهور أشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاستكثار مع ذلك جهل واغترار، ويحتمل أن يكون إذا حرصوا على النيل منه تدافعوا وتقاتلوا، ويحتمل أن يكون لا يجري به مجرى المعدن، فإذا أخذه أحدهم ثم لم يجد من يخرج حق الله إليه لم يوفق بالبركة من الله تعالى فيه، فكان الانقباض عنه أولى. قال المؤلف ﵀: التأويل الأوسط هو الذي يدل عليه الحديث، والله أعلم. *** ٢٦٦ - باب في ولاة آخر الزمان وصفتهم وفيمن ينطق في أمر العامة (البخاري) عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ في مجلس

стр. 697

يحدث القوم إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعد القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع ما قال، حتى إذا قضى حديثه قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال: ها أنا ذا يا رسول الله ﷺ قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١). قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀: الرواية الصحيحة عند جميع رواة البخاري: إذا وسّد، ورواه الفقيه الإمام المحدث أبو الحسن القابسي: أسّد قال: والذي أحفظ وسّد، وفي نسخة من البخاري إشكال بين وسّد أو أسّد على ما قيد له، لأنه كان أعمى، وهما بمعنى، قال أهل اللغة: يقال إساد ووساد واشتقاقهما واحد، يقال: إساد ووسادة ووساد، فمعنى قوله ﷺ : «إذا وسد الأمر إلى غير أهله» أي: أسند وجعل إليهم وقلدوه بمعنى الإمارة كما في زماننا اليوم، لأن الله تعالى ائتمن الأئمة والولاة على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، لقوله ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢). فينبغي لهم تولية أهل الدين والأمانة للنظر في أمور الأمة، فإذا قلّدوا غير أهل الدين فقد ضيّعوا الأمانة التي فرض الله عليهم. وخرج مسلم من حديث جبريل الطويل وفيه قال: «أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان». وفي رواية: «إذا رأيت المرأة تلد ربّها فذاك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها». (الترمذي) عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» (٣). قال: حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو. وخرج الغيلاني أبو طالب محمد؛ حدّثنا أبو بكر والشافعي، حدثنا موسى بن سهل بن كثير، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عبد الملك بن قدامة، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها

стр. 698

الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: يا رسول الله؛ وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه ينطق في أمر العامة» (١). وقال أبو عبيد: التافة: الرجل الخسيس، الخامل من الناس، وكذلك كل شيء خسيس فهو تافه. قال: ومما يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر أنه قال: «من أشراط الساعة أن ترى رعاء الشاء رؤوس الناس، وأن ترى العراة الحفاة يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربّتها». وذكر أبو عبيد في «الغريب» له في حديث النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول ويظهر التحوت» قالوا: يا رسول الله؛ وما الوعول، وما التحوت؟ قال: «الوعول وجوه الناس، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس، لا يعلم بهم» (٢). وأسند أبو نعيم عن حذيفة مرفوعا: «من أشراط الساعة علوّ أهل الفسق في المساجد، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف». فقال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: «دع وكن حلسا من أحلاس بيتك». وفي معناه أنشدوا: أيا دهر أعملت فينا أذاكا … ووليتنا بعد وجه قفاكا قلبت الشرار علينا رؤوسا … وأجلست سفلتنا مستواكا فيا دهر إن كنت عاديتنا … فها قد صنعت بنا ما كفاكا وقال آخر: ذهب الرجال الأكرمون ذوو الحجا … والمنكرون لكلّ أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم … بعضا ليدفع مغرور عن معور فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الباب وغيره مما تقدم ويأتي قد ظهر أكثره وشاع في الناس معظمه، فوسد الأمر إلى غير أهله وصار رؤوس الناس أسافلهم عبيدهم وجهالهم، فيملكون البلاد والحكم في العباد، فيجمعون الأموال ويطيلون البنيان، كما هو مشاهد في هذه الأزمان، فلا يسمعون موعظة ولا ينزجرون عن معصية، فهم صم بكم عمي. قال قتادة: صم عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمي عن الإبصار له، وهذه صفة أهل البادية والجهالة.

стр. 699

والبهم: جمع بهيمة، وأصلها صغار الضأن والمعز، وقد فسّره في الرواية الأخرى في قوله: رعاء الشاة، وقوله: وأن تلد الأمة ربّها، وفي رواية: ربتها تأنيث ربّ؛ أي: سيدها، وقال وكيع: هو أن تلد العجم العرب، ذكره ابن ماجه في السنن (١). قال علماؤنا: وذلك بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه ومنزلته بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين واتساع خطتهم، وكثرة الفتوح، وهذا قد كان. وقيل: هو أن يبيع السادات أمهات الأولاد ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة فربما يشتريها ولدها ولا يشعر، فيكون ربها، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور. وقيل: المراد أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي هريرة المرأة مكان الأمة. وقوله ﵊: «حتى يكون الولد غيظا». وسيأتي إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا ظاهر في الوجود من غير نكير مستفيض وشهير. وقيل: إنما كان سيدها ربها لأنه كان سبب عتقها، كما قال ﵊ في مارية: «أعتقها ولدها» (٢). قلت: وقول خامس سمعت شيخنا الأستاذ المحدث النحوي المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة، يقوله غير مرة، وهو الإخبار عن استيلاء الكفار على بلاد المسلمين كما في هذه الأزمان التي قد استولى فيها العدو على بلاد الأندلس وخراسان وغيرهما من البلدان، فتسبى المرأة وهي حبلى أو ولدها صغير، فيفرق بينهما فيكبر الولد فربما يجتمعان ويتزوجها، كما قد وقع من ذلك كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويدل على هذا قوله: «إذا ولدت المرأة بعلها»، وهذا هو المطابق للأشراط، مع قوله ﵊: «لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض»، والله أعلم. ***

стр. 700

٢٦٧ - باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة حل بها البلاء (الترمذي) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء». قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعقّ أمّه، وبرّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا» (١). قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده فرج بن فضالة، وضعّف من قبل حفظه. وخرج أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتّخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلّم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقّ أمّه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو زلزلة وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات متتابعات كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (٢). قال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. *** باب منه (أبو نعيم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير» قيل: يا رسول الله؛ ويشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ويصومون؟ قال: «نعم». قيل: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: «يتخذون المعازف والقينات والدفوف، ويشربون الأشربة فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير» (٣). (ابن ماجه) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربن ناس

стр. 701

من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالدفوف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (١). خرجه أبو داود عن مالك بن أبي مريم قال: دخلنا على عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء قال: حدّثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» (٢). زاد ابن أبي شيبة: «يضرب على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض» (٣). قال أبو محمد عبد الحق: روياه جميعا من حديث معاوية بن صالح الحمصي، وقد ضعّفه قوم منهم؛ يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، فيما ذكره ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم فيه: حسن الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة. (البخاري) عن أبي مالك الأشعري، أو عن أبي عامر؛ سمع النبي ﷺ قال: «ليكونن ناس من أمتي يستحلون الحر والحرير والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عالم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٤). قال المؤلف ﵀: هذا يصحح ما قبله من الأحاديث، والحر: هو الزنا، قاله الباهلي، ويروى الخز بالخاء والزاي، والصواب ما تقدم. باب منه ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي قال: أنبأنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية أن وجّه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق فليغيروا على ضواحيها. قال: فوجّه سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها، فأصابوا غنيمة وسبيا، فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبي حتى رهقهم العصر، وكادت الشمس أن تئوب، قال: فألجأ نضلة الغنيمة والسبي إلى سفح الجبل، ثم قال: فأذّن، فقال: الله أكبر فإذا مجيب من الجبل يجيب كبّرت تكبيرا يا نضلة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا

стр. 702

الله، قال: كلمة الإخلاص يا نضلة، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: هذا النذير، وهو الذي بشّر به عيسى ﵇ وعلى رأس أمته تقوم القيامة، قال: حي على الصلاة، قال: طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها، قال: حي على الفلاح، قال: أفلح من من أجاب محمدا ﷺ وهو البقاء لأمة محمد ﷺ ، قال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، فحرّم الله بها جسدك على النار، فلما فرغ من أذانه قمنا، فقلنا له: من أنت يرحمك الله، أملك أنت أم ساكن من الجن، أم طائف من عباد الله؟ سمعنا صوتك فأرنا شخصك، فإنا وفد الله ووفد رسوله ووفد عمر بن الخطاب، قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحى أبيض الرأس واللحية، وعليه طمران من صوف، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قلنا: وعليك السلام ورحمته وبركاته، من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا زرنب بن برثملا وصيّ العبد الصالح عيسى ابن مريم أسكنني هذا الجبل، ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويتبرّأ مما نحلته النصارى، فأما إذ فاتني لقاء محمد ﷺ فأقرءوا عمر مني السلام وقولوا له يا عمر: سدّد وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذا الخصال التي أخبركم بها، إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد ﷺ الهرب فالهرب؛ إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتسبوا في غير مناسبهم، وانتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم، ولم يوقّر كبيرهم صغيرهم، وترك المعروف فلم يؤمر به وترك المنكر فلم ينه عنه، وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدراهم والدنانير، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وطوّلوا المنارات، وفضّضوا المصاحف، وشيّدوا البناء، واتبعوا الشهوات، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء، وقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل الربا، وصار الغنى عزّا، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت النساء السروج، ثم غاب عنا قال: فكتب بذلك نضلة إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر، وكتب عمر إلى سعد، يا سعد لله أبوك سر أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار، حتى تنزلوا هذا الجبل، فإن لقيته فأقرئه مني السلام، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن بعض أوصياء عيسى ابن مريم نزل ذلك الجبل ناحية العراق، قال: فخرج سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل ذلك الجبل فأقام أربعين يوما ينادي: بالأذان في كل وقت صلاة، فلا جواب (١). قال الخطيب: تابع إبراهيم بن رجاء أبو موسى عبد الرحمن الراسبي على روايته عن مالك، وليس بثابت من حديثه.

стр. 703

باب منه آخر خرج أبو نعيم، من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة؛ إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب، وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وفاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوح الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمرّ من الصبر يغشّيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء يعني الدنانير، وتطلب البيضاء يعني الدراهم، وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بالله وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع زوجته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق واتخذ الظلم فخرا، وبيع الحكم، وكثر الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفاقا، والمساجد طرقا، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا وآيات» (١). غريب من حديث عبد الله بن عمير، عن حذيفة، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة. قال المؤلف ﵀: وهذه الخصال قد تقدم ذكرها في أحاديث متفرقة، وكلها بينة المعنى، إلا قوله: وجلود السباع صفاقا. قال الجوهري: الصفاق الجلد الرقيق تحت الجلد الذي عليه الشعر. وخرج الدارقطني، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا، فيقال: لليلتين، وأن تتّخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة» (٢).

стр. 704

قال الجوهري: معنى قبلا؛ أن يرى ساعة يطلع لعظمه، ويوضّحه حديث آخر: «من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة» (١). ويقال: رأيت الهلال قبلا، وقبلا؛ أي: معاينة، والله أعلم. باب منه خرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا عمر بن أبي عمر؛ قال: حدّثنا هشام بن خالد الدمشقي، عن إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير» (٢). قال أبو عبد الله: فالمسخ تغيّر الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق؛ فمسخ الله صوّرهم وبدّل خلقهم كما بدّلوا الحق باطلا. *** ٢٦٨ - باب في رفع الأمانة والإيمان عن القلوب روى الأئمة البخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم، واللفظ لمسلم، عن حذيفة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدّثنا: «أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - قال ابن ماجه: قال الطنافسي: يعني وسط قلوب الرجال - ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» ثم حدّثنا عن رفع الأمانة قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فنفط، فيصبح الناس يتبايعون لا كاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما ليردّنه على دينه، ولئن كان نصرانيّا أو يهوديّا ليردّنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا (٣).

стр. 705

فصل الجذر: بالذال المعجمة، ويقال: بفتح الجيم وكسرها، وهو الأصل من كل شيء من النسب والحساب والشجر وغيره. والوكت: بإسكان الكاف؛ وهو الأثر اليسير، يقال: أوكتت البسرة: إذا ظهرت فيها نكتة من الإرطاب، وهو مصدر وكته يكته وكتا، وهو أيضا مثل نكتة في العين وغيرها. والمجل: هو النفخ الذي يرتفع من جلد باطن اليد عند العمل بفأس أو مجذاف، أو نحوه، يحتوي على ماء ثم يصلب ويبقى عقدا. قال ابن دحية: قيدناه في الحديث بسكون الجيم، وأجاز أهل اللغة والنحو فتح الجيم، مصدر مجلت يده تمجل مجلا، بفتح الجيم في المصدر، إذا غلظت من العمل. وقوله: «فنفط» أي: ارتفع جلدها وانتفخ فتراه منتبرا، أي: منتفطا، ومعناه: مرتفعا جلده من لحمه، وهو افتعال من النبر وهو الرفع، وكل شيء رفع شيئا فقد نبره، ومنه اشتق المنبر وأراد بذلك خلو القلوب من الأمانة كما يخلو المجل المنتبر عن شيء يحويه، كجمر دحرجته يعني أطلقته فينطلق ظهر اليدين من ذلك. وقول حذيفة: «لقد أتى عليّ زمان» الحديث؛ يعني كانت الأمانة موجودة، ثم قلّت في ذلك الزمان. وقوله: «ليردنه على ساعيه» يعني من كان رئيسا مقدما فيهم واليا عليهم أن ينصفني منه، وإن لم يكن له إسلام، وكل من ولي على قوم فهو ساع لهم. وقوله: «فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا». قال أبو عبيدة: هو من البيع والشراء لقلة الأمانة. *** ٢٦٩ - باب في ذهاب العلم ورفعه وما جاء أن الخشوع والفرائض أول علم يرفع من الناس (ابن ماجه) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئا قال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم» قلت: يا رسول الله؛ كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء منهما»؟ (١).
следующие страницы →