من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالدفوف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (١).
خرجه أبو داود عن مالك بن أبي مريم قال: دخلنا على عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء قال: حدّثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» (٢). زاد ابن أبي شيبة: «يضرب على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض» (٣).
قال أبو محمد عبد الحق: روياه جميعا من حديث معاوية بن صالح الحمصي، وقد ضعّفه قوم منهم؛ يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، فيما ذكره ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم فيه: حسن الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة.
(البخاري) عن أبي مالك الأشعري، أو عن أبي عامر؛ سمع النبي ﷺ قال:
«ليكونن ناس من أمتي يستحلون الحر والحرير والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عالم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٤).
قال المؤلف ﵀: هذا يصحح ما قبله من الأحاديث، والحر: هو الزنا، قاله الباهلي، ويروى الخز بالخاء والزاي، والصواب ما تقدم.
باب منه
ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي قال: أنبأنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية أن وجّه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق فليغيروا على ضواحيها. قال: فوجّه سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها، فأصابوا غنيمة وسبيا، فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبي حتى رهقهم العصر، وكادت الشمس أن تئوب، قال: فألجأ نضلة الغنيمة والسبي إلى سفح الجبل، ثم قال: فأذّن، فقال: الله أكبر فإذا مجيب من الجبل يجيب كبّرت تكبيرا يا نضلة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا
стр. 702
الله، قال: كلمة الإخلاص يا نضلة، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: هذا النذير، وهو الذي بشّر به عيسى ﵇ وعلى رأس أمته تقوم القيامة، قال: حي على الصلاة، قال: طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها، قال: حي على الفلاح، قال: أفلح من من أجاب محمدا ﷺ وهو البقاء لأمة محمد ﷺ ، قال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، فحرّم الله بها جسدك على النار، فلما فرغ من أذانه قمنا، فقلنا له: من أنت يرحمك الله، أملك أنت أم ساكن من الجن، أم طائف من عباد الله؟ سمعنا صوتك فأرنا شخصك، فإنا وفد الله ووفد رسوله ووفد عمر بن الخطاب، قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحى أبيض الرأس واللحية، وعليه طمران من صوف، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قلنا: وعليك السلام ورحمته وبركاته، من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا زرنب بن برثملا وصيّ العبد الصالح عيسى ابن مريم أسكنني هذا الجبل، ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويتبرّأ مما نحلته النصارى، فأما إذ فاتني لقاء محمد ﷺ فأقرءوا عمر مني السلام وقولوا له يا عمر: سدّد وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذا الخصال التي أخبركم بها، إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد ﷺ الهرب فالهرب؛ إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتسبوا في غير مناسبهم، وانتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم، ولم يوقّر كبيرهم صغيرهم، وترك المعروف فلم يؤمر به وترك المنكر فلم ينه عنه، وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدراهم والدنانير، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وطوّلوا المنارات، وفضّضوا المصاحف، وشيّدوا البناء، واتبعوا الشهوات، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء، وقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل الربا، وصار الغنى عزّا، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت النساء السروج، ثم غاب عنا قال: فكتب بذلك نضلة إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر، وكتب عمر إلى سعد، يا سعد لله أبوك سر أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار، حتى تنزلوا هذا الجبل، فإن لقيته فأقرئه مني السلام، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن بعض أوصياء عيسى ابن مريم نزل ذلك الجبل ناحية العراق، قال: فخرج سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل ذلك الجبل فأقام أربعين يوما ينادي:
بالأذان في كل وقت صلاة، فلا جواب (١).
قال الخطيب: تابع إبراهيم بن رجاء أبو موسى عبد الرحمن الراسبي على روايته عن مالك، وليس بثابت من حديثه.
стр. 703
باب منه آخر
خرج أبو نعيم، من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة؛ إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب، وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وفاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوح الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمرّ من الصبر يغشّيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء يعني الدنانير، وتطلب البيضاء يعني الدراهم، وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بالله وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع زوجته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق واتخذ الظلم فخرا، وبيع الحكم، وكثر الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفاقا، والمساجد طرقا، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا وآيات» (١). غريب من حديث عبد الله بن عمير، عن حذيفة، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة.
قال المؤلف ﵀: وهذه الخصال قد تقدم ذكرها في أحاديث متفرقة، وكلها بينة المعنى، إلا قوله: وجلود السباع صفاقا. قال الجوهري: الصفاق الجلد الرقيق تحت الجلد الذي عليه الشعر.
وخرج الدارقطني، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا، فيقال: لليلتين، وأن تتّخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة» (٢).
стр. 704
قال الجوهري: معنى قبلا؛ أن يرى ساعة يطلع لعظمه، ويوضّحه حديث آخر: «من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة» (١). ويقال: رأيت الهلال قبلا، وقبلا؛ أي:
معاينة، والله أعلم.
باب منه
خرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا عمر بن أبي عمر؛ قال: حدّثنا هشام بن خالد الدمشقي، عن إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير» (٢).
قال أبو عبد الله: فالمسخ تغيّر الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق؛ فمسخ الله صوّرهم وبدّل خلقهم كما بدّلوا الحق باطلا.
***
٢٦٨ - باب في رفع الأمانة والإيمان عن القلوب
روى الأئمة البخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم، واللفظ لمسلم، عن حذيفة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدّثنا:
«أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - قال ابن ماجه: قال الطنافسي: يعني وسط قلوب الرجال - ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» ثم حدّثنا عن رفع الأمانة قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فنفط، فيصبح الناس يتبايعون لا كاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل:
ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما ليردّنه على دينه، ولئن كان نصرانيّا أو يهوديّا ليردّنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا (٣).
стр. 705
فصل
الجذر: بالذال المعجمة، ويقال: بفتح الجيم وكسرها، وهو الأصل من كل شيء من النسب والحساب والشجر وغيره. والوكت: بإسكان الكاف؛ وهو الأثر اليسير، يقال: أوكتت البسرة: إذا ظهرت فيها نكتة من الإرطاب، وهو مصدر وكته يكته وكتا، وهو أيضا مثل نكتة في العين وغيرها. والمجل: هو النفخ الذي يرتفع من جلد باطن اليد عند العمل بفأس أو مجذاف، أو نحوه، يحتوي على ماء ثم يصلب ويبقى عقدا. قال ابن دحية: قيدناه في الحديث بسكون الجيم، وأجاز أهل اللغة والنحو فتح الجيم، مصدر مجلت يده تمجل مجلا، بفتح الجيم في المصدر، إذا غلظت من العمل.
وقوله: «فنفط» أي: ارتفع جلدها وانتفخ فتراه منتبرا، أي: منتفطا، ومعناه:
مرتفعا جلده من لحمه، وهو افتعال من النبر وهو الرفع، وكل شيء رفع شيئا فقد نبره، ومنه اشتق المنبر وأراد بذلك خلو القلوب من الأمانة كما يخلو المجل المنتبر عن شيء يحويه، كجمر دحرجته يعني أطلقته فينطلق ظهر اليدين من ذلك.
وقول حذيفة: «لقد أتى عليّ زمان» الحديث؛ يعني كانت الأمانة موجودة، ثم قلّت في ذلك الزمان. وقوله: «ليردنه على ساعيه» يعني من كان رئيسا مقدما فيهم واليا عليهم أن ينصفني منه، وإن لم يكن له إسلام، وكل من ولي على قوم فهو ساع لهم. وقوله:
«فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا». قال أبو عبيدة: هو من البيع والشراء لقلة الأمانة.
***
٢٦٩ - باب في ذهاب العلم ورفعه وما جاء أن الخشوع والفرائض أول علم يرفع من الناس
(ابن ماجه) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئا قال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم» قلت: يا رسول الله؛ كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء منهما»؟ (١).
стр. 706
وخرجه الترمذي، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا على شيء منه» فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا ونحن قد قرأنا القرآن؟ فو الله لنقرأه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم»؟
قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع؛ يوشك أن يدخل الرجل مسجد جماعة فلا يرى فيه رجلا خاشعا (١).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا أعلم أحدا تكلّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان.
وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ .
قال المؤلف ﵀: خرجه بهذا الإسناد الحافظ أبو محمد عبد الغني، فقال: حدّثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال: حدّثنا يحيى بن أيوب، حدّثنا يحيى بن بكير، قال حدّثنا الليث، قال: حدّثني إبراهيم بن أبي عبلة، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، قال: حدّثني عوف بن مالك الأشجعي، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى السماء يوما، وقال: «هذا أوان رفع العلم» فقال له رجل من الأنصار، يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله؛ وكيف يرفع العلم وقد كتب في الكتب ووعته الصدور؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة» وذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله، فذكرت ذلك لشداد بن أوس فقال: صدق عوف بن مالك. ألا أخبرك بأول ذلك: يرفع الخشوع حتى لا ترى رجلا خاشعا. ذكره في باب تقييد الحديث بالكتابة، وهو حديث حسن.
قلت؛ وقد ذكرناه في مسند زياد بن لبيد بإسناد صحيح، على ما ذكره ابن ماجه، وهو يبين لك ما ذكرناه من أن المقصود برفع العلم العمل به كما قال عبد الله ابن مسعود: «ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن إقامة حدوده» ثم بعد رفع العمل بالعلم يرفع الرّقم والكتابة، ولا يبقى في الأرض من القرآن آية تتلى، على ما يأتي في الباب بعد هذا.
وقد خرّج الدارقطني وابن ماجه، من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ
стр. 707
قال: «تعلّموا الفرائض وعلّموها للناس فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي» (١). لفظ الدارقطني، ولا تعارض والحمد لله، فإن الخشوع من علم القلوب والفرائض من علم الظاهر، فافترقا والحمد لله.
***
٢٧٠ - باب في دروس الإسلام وذهاب القرآن
(ابن ماجه) قال: أخبرنا علي بن محمد، قال: أنبأنا معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى بكتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس؛ الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها» قال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردّها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه حذيفة فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا (٢).
قلت: هذا إنما يكون عند موت عيسى ﵇ لا عند خروج يأجوج ومأجوج، على ما تقدم من رواية مقاتل.
وذكر أبو حامد من رفعه فإن عيسى ﵇ إنما ينزل مجددا لما درس من هذه الشريعة فإنه يحججه، على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
***
٢٧١ - باب العشر آيات التي تكون قبل الساعة وبيان قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
روي عن حذيفة أنه قال: كنا جلوسا بالمدينة في ظل حائط، وكان رسول الله
стр. 708
ﷺ في غرفة، فأشرف علينا وقال: ما يجلسكم؟ فقلنا: نتحدث فقال: في ماذا؟ فقلنا: عن الساعة. فقال: «إنكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات؛ أولها طلوع الشمس من مغربها ثم الدخان، ثم الدجال، ثم الدابة، ثم ثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، ولا يكون آخر ذلك نارا تخرج من اليمن من حفرة عدن، لا تدع أحدا خلفها إلا تسوقه إلى المحشر» (١). ذكره القتبي في كتاب «عيون الأخبار» له.
وخرّجه مسلم بمعناه، عن حذيفة قال: اطلع رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا» (٢). خرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية: «الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطردهم إلى محشرهم».
وفي البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أول أشراط الساعة نار تخرج تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» (٣).
(مسلم) عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا منها» (٤).
وفي حديث حذيفة مرفوعا، ثم قال ﵊: «كأني أنظر إلى حبشيّ، أحمش الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وقد صفّ قدميه على الكعبة هو وأصحاب له، وهم ينقضونها حجرا حجرا ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر، فعند ذلك تكون علامات منكرات طلوع الشمس من مغربها، ثم الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الدابة» (٥). وذكر الحديث.
стр. 709
فصل
جاءت هذه الآيات في هذه الأحاديث مجموعة غير مرتبة ما عدا حديث حذيفة المذكور أولا، فإن الترتيب فيه بثم، وليس الأمر كذلك على ما نبينه، وقد جاء ترتيبها من حديث حذيفة أيضا قال: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطّلع إلينا فقال: ««ما تذكرون»؟» قلنا: الساعة. قال: «إن الساعة لا تكون حتى تروا عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن، ترحل الناس».
وقال بعض الرواة في العشرة: «ونزول عيسى ابن مريم»، وقال بعضهم:
«وريح يلقى الناس في البحر» (١) أخرجه مسلم.
فأول الآيات على ما في هذه الرواية الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها في زمن النبي ﷺ . ذكره ابن وهب، وقد تقدم.
وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي أنه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير.
قلت: وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس فيما سمعنا من بعض مشايخنا بقرية يقال لها قطرطندة من قطر دانية، سقط عليها جبل هناك فأذهبها.
وأخبرني أيضا بعض أصحابنا أن قرية من أعمال برقة يقال لها: ترسة، أصابها زلزلة شديدة هدت حيطانها وسقفها على أهلها فماتوا تحتها ولم ينج منهم إلا قليل.
ووقع في هذا الحديث دابة الأرض قبل يأجوج ومأجوج، وليس كذلك فإن أول الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فإذا قتلهم الله بالنغف في أعناقهم - على ما يأتي - وقبض الله تعالى نبيه عيسى ﵇، وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس، وذهب معظم دين الإسلام، أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق، كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم، ثم قبضه فيخرج الله تعالى لهم دابة من الأرض فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا عما هم فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم ويمهلون فإذا أصروا على طغيانهم طلعت الشمس
стр. 710
من مغاربها، ولم يقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب والتكليف عنهم ثم كان قيام الساعة على أثر ذلك قريبا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانا طويلا، هكذا ذكره بعض العلماء.
وأما الدخان؛ فروي من حديث حذيفة عن النبي ﷺ : «إن من أشراط الساعة دخانا يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث في الأرض أربعين يوما».
فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران، يخرج الدخان من أنفه ومنخريه وعينيه وأذنيه ودبره، وقيل: هذا الدخان من آثار جهنم يوم القيامة.
روي هذا عن علي وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن أبي مليكة والحسن، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
وقال ابن مسعود في هذه الآية: ما أصاب قريشا من القحط والجهد، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد، حتى أكلوا العظام، وقد مضت البطشة والدخان واللزام، والحديث عنه بهذا في كتابي مسلم والبخاري وغيرهما وقد فسّر البطشة بأنها وقعة بدر (١).
قال أبو الخطاب بن دحية: والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين؛ إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وستكون، فأما التي كانت؛ فالتي كانوا يرون فيها كهيئة دخان وهي الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من الأشراط والعلامات، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فيكشف عنهم ثم يعودون لقرب الساعة. وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي ﷺ إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص عن رسول الله ﷺ بخلافه.
قال المؤلف ﵀: قد روي عن ابن مسعود أنهما دخانان، قال مجاهد:
كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه فتبعث عند ذلك الريح الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ويبقى شرار الناس.
واختلف في البطشة واللزام، فقال أبيّ: هو القتل بالسيف يوم بدر. وإليه
стр. 711
نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس، وعلى هذا تكون البطشة واللزام شيئا واحدا. قال ابن مسعود: البطشة الكبرى وقعة بدر. وقيل: هي يوم القيامة، وأصل البطش: الأخذ بشدة وقع الألم. واللزام في اللغة: الفصل في القضية، وفسّره ابن مسعود بأن ذلك كان يوم بدر، وهو يوم البطشة الكبرى في قوله أيضا.
وقيل: إن اللزام هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو العذاب الدائم.
وأما الدجال فيأتي ذكره في أبواب أخرى. وأما الدابة فهي التي قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [القصص: ٨٢].
وذكر أهل التفسير: أنه خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا، لا يفوتها أحد، فتسم المؤمن فتنير وجهه ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر، وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة، على ما يأتي ذكرها في خبر الدجال، وروي عن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب، وسيأتي بيانها.
وأما قوله: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن» وفي الرواية الأخرى: «من قعر عدن» وفي الرواية الأخرى: «من أرض الحجاز»؛ قال القاضي عياض: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجهما من اليمن فظهورهما من الحجاز.
قلت: أما النار التي تخرج من أرض الحجاز فقد خرجت على ما تقدم القول فيها، وبقيت النار التي تسوق الناس إلى المحشر، وهي التي تخرج من اليمن، وقد مضى القول في الحشر، ويأتي القول في طلوع الشمس من مغربها.
فأما قول الله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فقد روي أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية، فأراهم القمر منشقّا نصفين والجبل بينهما، فقال: اشهدوا ثبت هذا في الصحيحين وغيرهما (١).
ومن العلماء من قال: إنه ينشق، كقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١] أي: يأتي.
قال الحليمي أبو عبد الله في كتاب «منهاج الدين» له: فإن كان هذا فقد أتى، ورأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقّا نصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت أنظر إليهما حتى اتّصلا كما كانا، ولكنهما في شكل واحد، شكل أترجّة ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غابت، وكان معي ليلتئذ
стр. 712
كتيبة من شريف وفقيه وغيرهما من طبقات الناس، وكلهم رأى ما رأيت. وأخبرني من وثقت به أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقا نصفين. قال الحليمي: فقد ظهر أن قول الله «وانشق القمر» إنما خرج على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الانشقاق الذي جعله الله آية لرسوله ﷺ .
***
٢٧٢ - باب ما جاء أن الآيات بعد المائتين
(ابن ماجه) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «الآيات بعد المائتين» (١).
وعن زيد الرقاشي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: «أمتي على خمس طبقات؛ فأربعون سنة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج النجا النجا». وفي رواية عن أبي معن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى» (٢) ثم ذكر نحوه.
***
٢٧٣ - باب ما جاء فيمن يخسف به أو يمسخ
(أبو داود) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال له: «يا أنس؛ إن الناس يمصّرون أمصارا وإن مصرا منها يقال لها البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف ورجف وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير» (٣).
وخرج ابن ماجه، عن نافع. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال له: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلان فلا تقرئه مني
стр. 713
السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في أمتي أو في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» (١) ونحوه عن سهل بن سعد.
وقد تقدمت الأخبار والأحاديث في خسف الجيش الذي يقصد مكة لقتال المهدي. خرجهما مسلم وغيره (٢).
وكذلك تقدم حديث البخاري وغيره، في باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة.
وذكر الثعالبي في تفسيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والسراة يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن ويخسف بها - وفي رواية -: يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة»، يقال: إنها بغداد، وقد تقدم، والله أعلم.
***
٢٧٤ - باب ذكر الدجال وصفته ونعته ومن أين يخرج، وما علامة خروجه وما معه إذا خرج وما ينجي منه، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى
قال ابن دحية: قال العلماء: الدجال في اللغة، يطلق على عشرة وجوه:
الأول: أن الدجال الكذّاب، قاله الخليل وغيره، وأنها دجلة بسكون الجيم، ودجلة بفتحها كذبة، لأنه يدجل الحق بالباطل، وجمعه: دجّالون ودجاجلة في التكسير، وقد تقدم.
الوجه الثاني: أن الدجال مأخوذ من الدجل، وهو طلاء البعير بالقطران، سمّي بذلك لأنه يغطي الحق ويستره بسحره وكذبه، كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجّالة، وهي القطران يهنأ به البعير، واسمه إذا فعل به ذلك المدجل، قاله الأصمعي.
стр. 714
الوجه الثالث: إنما سمّي لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل لرجل، إذا فعل ذلك.
الوجه الرابع: أنه من التغطية، لأنه يغطي الأرض بجموعه، والدجل:
التغطية، قال ابن دريد: كل شيء غطّيته فقد دجلته، ومنه سميت دجلة لانتشارها على الأرض وتغطية ما فاضت عليه.
الوجه الخامس: سمّي دجالا لقطعه الأرض إذ يطأ جميع البلاد إلا مكة والمدينة، والدجالة الدفقة العظيمة.
وأنشد ابن فارس في «المجمل» (١):
دجالة من أعظم الرفاق
الوجه السادس: سمي دجالا لأنه يغرّ الناس بشره، كما يقال: لطّخني فلان بشره.
الوجه السابع: الدّجال: الممخرق.
الوجه الثامن: الدجال: المموّه؛ قاله ثعلب، ويقال: سيف مدجّل، إذا كان قد طلي بالذهب.
الوجه التاسع: الدجّال: ماء الذهب الذي يطلي به الشيء فيحسن باطله وداخله خزف أو عود، سمي الدجال بذلك لأنه يحسن الباطل.
الوجه العاشر: الدجّال: فرند السيف، والفرند جوهر السيف وماؤه، ويقال بالفاء والباء، إذ أصله عين صافية على ما تنطق به العجم فعرّبته العرب، ولذلك قال سيبويه: وهو عندهم خارج عن أمثلة العرب. والفرند أيضا: الحرير. وأنشد ثعلب:
بحلية الياقوت والفرندا … مع الملاب وعبير أصردا
أي خالصا. قال ابن الأعرابي: يقال للزعفران الشعر: والملاب والعبير والمردقوش والحشاد. ذكر هذه الأقوال العشرة الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀ في كتاب «مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين».
(مسلم) عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» وفي رواية: «من آخر سورة الكهف» (٢).
(أبو بكر بن أبي شيبة) عن الفلتان بن عاصم، عن النبي ﷺ قال: «أما مسيح
стр. 715
الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض المنحر فيه اندفاء» (١).
قوله: فيه اندفاء، أي: انحناء.
(مسلم) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» (٢).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأى العين ماء أبيض، والآخر رأى العين نار تأجّج، فإما أدركنّ أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض وليطأطئ رأسه فيشرب فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» (٣).
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: كذا عند جماعة رواه مسلم، «فإما أدركن».
قال ابن دحية: وهو وهم، فإن لفظه هو لفظ الماضي، ولم أسمع دخول نون التوكيد على لفظ الماضي إلا هاهنا، لأن هذه النون لا تدخل على الفعل الماضي وصوابه ما قيده العلماء في صحيح مسلم، منهم التميمي أبو عبد الله: «فإما أدركه أحد».
وعن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيخ الدجال فقال: «إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيخ الدجال أعور العين اليمني، كأن عينه عنبة طافي» (٤).
قال: وقال رسول الله ﷺ : «أراني الليلة في المنام عند الكعبة فإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من آدم الرجال تضرب لمّته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يده على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو المسيح ابن مريم، ورأيت وراءه رجلا جعدا قططا أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعا يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيخ الدجال» (٥).
(أبو بكر بن أبي شيبة) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «الدجال أعور جعد هجان أقمر، كأن رأسه غصنة شجرة، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن الخزاعي، فإما أهلك الهلك فإنه أعور، وإن الله ليس بأعور» (٦).
стр. 716
(أبو داود الطيالسي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أما مسيح الضلالة فإنه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض المنخر، فيه اندفاء مثل قطن بن عبد العزى» فقال له الرجل: أيضر بي يا رسول الله ﷺ شبهه؟ فقال: «لا أنت مسلم وهو كافر» (١).
وخرّج عن أبيّ بن كعب، قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ ، أو قال ذكر النبي ﷺ الدجال فقال: «إحدى عينيه كأنه زجاجة خضراء، وتعوّذ بالله من عذاب القبر» (٢).
(الترمذي) عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدجال ليخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أفواج كأن وجوههم المجانّ المطرقة» (٣). إسناده صحيح.
وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي هانئ العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفا عليهم السيجان» (٤).
والسيجان: جمع الساج وهو طيلسان أخضر. وقال الأزهري: هو الطيلسان المقور بنسج كذلك.
(الطبراني) عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ ذكر عنده الدجال فقال: «إن قبل خروجه ثلاثة أعوام تمسك السماء في العام الأول ثلثت قطرها والأرض ثلث نباتها، والعام الثاني تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والعام الثالث تمسك السماء قطرها والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف إلا مات» (٥). وذكر الحديث.
خرجه أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن أسماء وعبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء.
وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وفي بعض الروايات بعد قوله: «وفي السنة الثالثة يمسك الله المطر وجميع النبات، فما ينزل من السماء قطرة ولا تنبت الأرض خضرة ولا نباتا، حتى تكون الأرض كالنحاس والسماء كالزجاج، فيبقى الناس يموتون جوعا
стр. 717
وجهدا، وتكثر الفتن والهرج ويقتل الناس بعضهم بعضا ويخرج الناس بأنفسهم، ويستولي البلاء على أهل الأرض فعند ذلك يخرج الملعون الدجال من ناحية أصبهان من قرية يقال لها اليهودية، وهو راكب حمارا أبتر يشبه البغل ما بين أذني حماره أربعون ذراعا» (١).
ومن نعت الدجل: أنه عظيم الخلقة، طويل القامة، جسيم أجعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها لم تخلق، وعينه الأخرى ممزوجة بالدم، وبين عينيه مكتوب: كافر، يقرؤه كل مؤمن بالله، فإذا خرج يصيح ثلاث صيحات ليسمع أهل المشرق والمغرب.
ويروى: أنه إذا كان في آخر الزمان تخرج من البحر امرأة ذات حسن وجمال بارع، فتدعو الناس إلى نفسها وتخترق البلاد فكل من أتاها كفر بالله، فعند ذلك يخرج الله عليكم الدجال.
ومن علامة خروجه فتح القسطنطينية، لأن الخبر ورد أن بين خروجه وفتح القسطنطينية سبعة أشهر، وقد تقدم هذا.
وذكر أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا الحشرج بن نباتة قال: حدّثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إنه لم يكن نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال، ألا وإنه أعور العين بالشمال، وباليمين ظفرة غليظة، بين عينيه، كافر، - يعني مكتوب كافر - يخرج معه واديان أحدهما جنة والآخر نار، فناره جنة وجنته نار، فيقول الدجال للناس: ألست بربّكم أحيي وأميت؟ ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء إني لأعرف اسمهما واسم آبائهما، لو شئت أن أسميهما سميتهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول: ألست بربكم أحيي وأميت؟ فيقول أحدهما: كذبت فلا يسمعه من الناس أحد إلا صاحبه، ويقول الآخر صدقت، وذلك فتنة، ثم يسير حتى يأتي المدينة فيقول هذه قرية ذاك الرجل، فلا يؤذن له أن يدخلها، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق» (٢).
وخرجه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في الجزء العاشر من «مختصر المعجم» له بمعناه فقال: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب قال: حدّثنا حشرج، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا وقد حذّر أمّته الدجال إنه أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن بالله، معه واديان: أحدهما جنة والآخر نار، ومعه ملكان
стр. 718
يشبهان نبيين من الأنبياء ولو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول الدجال: ألست بربكم أحيي وأميت؟ فيقول أحد الملكين: كذبت، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، فيقول له: صدقت، فيسمعه الناس فيظنون أنه صدّق الدجال، فذلك فتنة، ثم يسير الدجال حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق».
قال ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له: والذي يغلب على ظني أن النبيين المشبه بهما أحدهما المسيح ابن مريم، والآخر محمد ﷺ ، ولذلك أنذرا بذلك ووصيّا.
وخرّج أبو داود في «سننه» عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال:
«إني كنت قد حدثتكم عن المسيخ الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيخ الدجال قصير أفحج جعدا أعور مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء، فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربّكم ليس بأعور» (١).
فصل
وصف النبي ﷺ الدجال وصفا لم يبق معه لذي لبّ إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة تبين لكل ذي حاسة سليمة، لكن من قضى الله عليه بالشقاوة تبع الدجال فيما يدّعيه من الكذب والغباوة، وحرم اتباع الحق ونور التلاوة، فقوله ﵊: «إنه أعور وإن الله ليس بأعور» تبيين للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصا في ذاته عاجزا عن إزالة نقصه، لم يصلح أن يكون إلها لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته، وجاء في حديث حذيفة: «أعور العين اليسرى»، وفي حديث ابن عمر:
«أعور العين اليمنى» وقد أشكل الجمع بين الحديثين على كثير من العلماء، قال:
وحتى إن أبا عمر بن عبد البر، ذكر ذلك في كتاب «التمهيد» له (٢).
وفي حديث سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج وهو أعور العين الشمال، عليها ظفرة غليظة، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويقول للناس: أنا ربكم، فمن قال: أنت ربي فقد فتن، ومن قال: ربي الله حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنته، ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ﵇ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة» (٣).
стр. 719
قال أبو عمر بن عبد البر: ففي هذا الحديث أعور العين الشمال، وفي حديث مالك أعور العين اليمنى، فالله أعلم. وحديث مالك أصح من جهة الإسناد. لم يزد على هذا.
قال أبو الخطاب ابن دحية: ليس كما قال، بل الطرق كلها صحيحة في العينين.
وقال شيخنا أحمد بن عمر في كتاب «المفهم» له: «وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلّف القاضي عياض الجمع بينهما، فقال: الجمع بين الروايتين عندي صحيح؛ وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما، إذ العور حقيقة في كل شيء العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة، فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست بجحراء ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة، وطافئة على رواية الهمز، والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب دري، أو كأنها عنبة طافية بغير همزة، وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي [الذي هو العيب] (١). قال شيخنا: وحاصل كلامه؛ أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة، لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الأخرى من العور فتأمله» (٢).
قلت: ما قاله القاضي عياض وتأوّله صحيح، وأن العور في العينين مختلف كما بيناه في الروايات؛ فإن قوله: «كأنها لم تخلق» وهو معنى الرواية الأخرى: «مطموس العين ممسوخها، ليست بناتئة ولا جحراء». ووصف الأخرى بالمزج بالدم، وذلك عيب عظيم لا سيما مع وصفها بالظفرة الغليظة التي هي عليها، وهي جلدة غليظة تغشى العين. وعلى هذا فقد يكون العور في العينين سواء، لأن الظفرة مع غلظها تمنع من الإدراك، فلا تبصر شيئا، فيكون الدجال على هذا أعمى أو قريبا منه، إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة وفي الشمال في حديث سمرة بن جندب.
وقد يحتمل أن يكون كل عين عليها ظفرة غليظة، فإن في حديث حذيفة: «وإن الدجال ممسوخ العين عليها ظفرة غليظة»، وإذا كانت الممسوخة المطموسة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك أولى، فتتفق الأحاديث، والله أعلم.
وقيل في الظفرة: إنها لحمة تنبت عند المآقي كالعلقة، وقيّده بعض الرواة بضم الظاء وسكون الفاء، وليس بشيء، قاله ابن دحية ﵀.
стр. 720
فصل
الإيمان بالدجال وخروجه حقّ، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل، قالوا: لأنها لو كانت أمورا صحيحة لكان ذلك إلباسا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه؛ فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدّعي النبوة، وليس كذلك فإنه إنما ادعى الإلهية، ولهذا قال ﵊: «إن الله ليس بأعور» تنبيها للعقول على فقره وحدثه ونقصه، وإن كان عظيما في خلقه، ثم قال: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن ومؤمنة كاتب أو غير كاتب» وهذا الأمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.
وقد تأول بعض الناس «مكتوب بين عينيه كافر» فقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه، قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر.
وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم، لأن الله تعالى يمنع الكافر من إدراكه ليغتر باعتقاده التجسيم حتى يوردهم بذلك نار الجحيم. فالدجال فتنة ومحنة من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم، فيقول لهم: أنا ربكم. فيقول المؤمنون: نعوذ بالله منك. حسب ما تقدم، لا سيما وذلك الزمان قد انخرقت فيه عوائد فليكن هذا منها، وقد نص على هذا بقوله: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة. وأما الكافر فمصروف عن ذلك بغفلته وجهله وكما انصرف عن إدراك نقص عوره وشواهد عجزه، كذلك يصرف عن قراءة سطور كفره ورمزه.
وأما الفرق بين النبي والمتنبي، فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبي لأنه لزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال.
وقوله: «إن ما يأتي به الدجال حيل ومخاريق»؛ فقول معزول عن الحقائق، لأن ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها بعون الله تعالى.
***
стр. 721
٢٧٥ - باب ما يمنع الدجال أن يدخله من البلاد إذ خرج
(البخاري ومسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» وذكر الحديث (١).
وفي حديث فاطمة بنت قيس: «فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرمتان عليّ كلتاهما» الحديث وسيأتي.
وذكر أبو جعفر الطبري من حديث عبد الله بن عمرو: «إلا الكعبة وبيت المقدس» زاد أبو جعفر الطحاوي: «ومسجد الطور». رواه من حديث جنادة بن أبي أمية، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ .
وفي بعض الروايات: «فلا يبقى له موضع إلا ويأخذه، غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع» (٢).
***
٢٧٦ - باب منه وما جاء أنه إذا خرج يزعم أنه الله، ويحصر المؤمنين في بيت المقدس
(أبو بكر بن أبي شيبة) عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ وذكر الدجال - قال: «وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله فمن آمن به واتبعه وصدّقه فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذّبه فليس يعاقب بشيء من عمل سلف، وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس» قال: «فيهزمه الله وجنوده حتى إن جدر الحائط وأصل الشجرة ينادي: يا مؤمن هذا كافر يستتر بي، فقال: اقتله. قال:
ولن يكون قولك حتى تبدو أمور يتفاج شأنها في أنفسكم تتساءلون بينكم: هل كان نبيّكم ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال عن مراتبها ثم على أثر ذلك القبض» (٣).
стр. 722
٢٧٧ - باب منه وفي عظم خلق الدجال وعظم فتنته، وسبب خروجه، وصفة حماره وسعة خطوه وفي حصره المسلمين في جبال الدخان وكم يمكث في الأرض، وفي نزول عيسى ﵇ وقت السحر لقتل الدجال ومن اتبعه
(مسلم) عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» في رواية: «أمر» بدل «خلق» (١).
وفي حديث تميم الداري قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا، الحديث وسيأتي.
وعن ابن عمر أنه لقي ابن صياد في بعض طرق المدينة فقال قولا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يخرج من غضبة يغضبها» (٢)، وسيأتي من أخبار ابن صياد ما يدل عليه أنه هو الدجال إن شاء الله تعالى.
وذكر قاسم بن أصبغ وخرجه الإمام أحمد بن حنبل في «مسنده» قال: حدّثنا محمد ابن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم - أي قلة من أهله - وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض، اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فيقول للناس: أنا ربّكم وهو أعور وإن ربّكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله تعالى عليه وقامت الملائكة بأبوابهما، ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول له: الجنة، ونهر يقول له:
النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهي الجنة قال:
وتبعث معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة؛ يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس، فيقول للناس: أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب؟! فيفر الناس إلى جبل الدخان وهو بالشام، فيأتيهم فيحاصرهم فيشتد حصارهم ويجهدهم جهدا
стр. 723
شديدا، ثم ينزل عيسى ﵇ فيأتي في السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني، فينطلقون، فإذا هم بعيسى ابن مريم ﵉، فيقام للصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتفضل إمامكم فليصلّ بكم، فإذا صلوا صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» (١).
قوله: «ينماث كما ينماث الملح في الماء، أي: يذهب وينحل ويتلاشى».
وفي بعض الروايات: وذكر أن حماره حين يخطو من خطوة إلى خطوة ميل ولا يبقى له سهل ولا وعر إلا ويطؤه، ولا يبقى موضع إلا يأخذه غير مكة والمدينة حسبما تقدم، ويأتي الكلام في حكم أيامه.
وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله ﷺ : «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كاضطرام السعفة في النار» (٢).
والصحيح أنه يمكث أربعين يوما كما في حديث جابر، وكذلك في صحيح مسلم، على ما يأتي في الكتاب بعد هذا.
***
٢٧٨ - باب منه آخر في خروج الدجال، وما يجيء به من الفتن والشبهات، وسرعة سيره في الأرض وكم يلبث فيها وفي نزول عيسى ﵇ ونعته، وكم يكون في الأرض يومئذ من الصلحاء وفي قتله الدجال واليهود، وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم، وفي حج عيسى وتزويجه ومكثه في الأرض وأين يدفن إذا مات ﷺ
وقد تقدم من حديث حذيفة ﵁ أن له جنة ونارا، فجنته نار وناره جنة.
стр. 724
(أبو داود) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما بعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات» (١).
(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال فيتوجه قبل رجال من المؤمنين، فتلقاه المسالح مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج. فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس ربّكم قد نهاكم أن تقتلوا أحدا دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ، قال: فيأمر به الدجال فيشج، فيقول: خذوه وشجّوه، فيوجع ظهره وبطنه ضربا قال: فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذّاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي بين القطعتين ثم يقول قم فيستوي قائما، فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه إنما قذف به في النار، وإنما ألقي به في الجنة».
قال: قال رسول الله ﷺ : «هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين» (٢).
قال أبو إسحاق السبيعي: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر، وفي رواية: قال:
«يأتي وهو محرم عليه أن يدخل المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، أتشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال:
فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة مني الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّطه الله عليه» (٣) خرجه البخاري.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليها الملائكة صافين يحرسونها فينزل بالسبخة فترجف ثلاث رجفات، يخرج إليه كلّ كافر ومنافق. وفي رواية: كل منافق ومنافقة» (٤).
خرجه البخاري.
стр. 725
وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: «ما غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج خلّة بين الشام والعراق فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله فاثبتوا» قلنا: يا رسول الله؛ وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما؛ يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» فقلنا: يا رسول الله؛ فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال:
«لا، اقدروا له قدره» قلنا: يا رسول الله؛ وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له قال: فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه يضحك، فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فنزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قوم قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون:
لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم، فيرغب عيسى وأصحابه فيرسل الله طيرا كعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل - أي اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة
стр. 726
من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذ بهم تحت آباطهم فيقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (١).
زاد في أخرى، بعد قوله مرة ماء: «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما». أخرجه الترمذي في جامعه (٢). وذكر رمي يأجوج ومأجوج بنشابهم متصلة بالحديث، فقال: «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من الأرض، فهلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محمرا دما، ويحاصر عيسى ابن مريم» الحديث وقال بدل قوله: «فيطرحهم حيث شاء الله» قال: «فتحملهم فتطرحهم بالنهبل» قال: «ويستوقد المسلمون من قسيّهم ونشابهم سبع سنين» قال:
«ويرسل الله عليهم مطرا» الحديث إلى آخره.
في غير الترمذي: «فيطرحهم في المهبل» والمهبل: البحر الذي عند مطلع الشمس.
وخرجه ابن ماجه في «سننه» أيضا (٣)، كما خرجه مسلم، ولم يذكر الزيادة التي ذكرها مسلم متصلة، ولا الترمذي متصلة، من حديث النواس بن سمعان، وإنما ذكرها من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي، وذكر ما ذكره الترمذي فقال:
حدّثنا هشام بن عمار، قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، قال: حدّثنا ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه؛ أنه سمع النواس بن سمعان يقول: قال رسول الله ﷺ : «يستوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين».
قال: وحدّثنا علي بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني، عن أبي أمامة الباهلي قال:
خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدجال وحذرناه، وكان من قوله أن قال: «إنه لم يكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله تعالى آدم ﷺ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيّا إلا حذّر الدجال وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلّ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من حلة بين
стр. 727
الشام والعراق فيعبث يمينا ويعبث شمالا، يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدو فيقول: أنا نبيّ الله، ولا نبيّ بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربّكم، حتى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن من كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارا، فمن ابتلي بناره فليستعذ بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت. إن أحييت لك أباك وأمك أتشهد أني ربّك؟ فيقول: نعم؛ فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربّك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها فينشرها بالمنشار، حتى يلقى نصفين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربّك؟ فيقول: ربي الله وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك مني اليوم» (١).
قال أبو الحسن الطنافسي: فحدّثنا المحاربي، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» قال: قال أبو سعيد: ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله.
قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: «وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من بيوتهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة فإنه لا يأتي من نقب من أنقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف المصلتة، حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه فينفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص».
فقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله فأين العرب؟ قال: «هم قليل، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيرجع ذلك الإمام ينكص القهقري ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى ﵇ يده على كتفه ثم يقول له: تقدم فصلّ، فإنه لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح
стр. 728
ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وسلاح، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وانطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيضربه فيقتله، فيهزم الله اليهود ولا يبقى شيء مما خلقه الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، ولا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال؛ يا عبد الله المسلم؛ هذا يهودي فتعال فاقتله. قال رسول الله ﷺ : وإن أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي».
فقيل: يا رسول الله؛ كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: «تقدّرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلّوا».
قال رسول الله ﷺ : «فيكون عيسى ﵇ في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض وترفع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتغز الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم ﵇ حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات».
قيل: يا رسول الله؛ وما يرخص الفرس؟ قال: «لا يركب لحرب أبدا» فقيل له: يا رسول الله؛ وما يغلي الثور؟ قال: «تحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب بها الناس جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها فلا تنبت خضرا ولا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس إلا هلكت إلا ما شاء الله» فقيل: فما يعيّش الناس في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك منهم مجرى الطعام» (١).
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يرفع هذا الحديث للمؤدب حتى يعلمه للصبيان في المكتب.
стр. 729
وفي حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية: قالوا: يا رسول الله؛ ذكرت الدجال، فو الله إن أحدنا ليعجن عجينه فما يخبز حتى يخشى أن يفتن وأنت تقول:
الأطعمة تزوي إليه. فقال رسول الله ﷺ : «يكفي المؤمن يومئذ ما يكفي الملائكة».
فقالوا: فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولكنها تقدّس. فقال رسول الله ﷺ :
«طعام المؤمنين يومئذ التسبيح» (١).
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاث سنين؛ سنة تمسك السماء ثلث مطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، وإن من أشد فتنته أنه يأتي لأعرابيّ فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك؛ ألست تعلم أني ربّك؟ فيقول: بلى، فيمثل الشيطان له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه سمنة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأحييت لك أباك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل الشيطان نحو أخيه وأبيه». قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدّثهم به، قالت: فأخذت بجنبتي الباب، فقال: مهيم يا أسماء! قلت: يا رسول الله؛ لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: «إن يخرج وأنا حيّ فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفة على كل مؤمن» قالت أسماء:
فقلت: يا رسول الله؛ وإنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: «يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» (٢).
وخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لينزلنّ ابن مريم حكما عدلا، فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، وليتركنّ القلاص فلا يسعى عليها، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعونّ الناس إلى المال فلا يقبله أحد» (٣).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم، وفي رواية: فأمكم منكم». قال ابن أبي ذئب: تدري ما إمامكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمّكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ . قال:
стр. 730
«والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بنفج من الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنيهما» (١).
وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليدركن المسيح ابن مريم رجالا من أمتي مثلكم أو خيرا منكم» يقول ذلك ثلاث مرات ذكره ابن برجان في «كتاب الإرشاد» له.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم على ثمانمائة رجل وأربع مائة امرأة خيار من على الأرض يومئذ وكصلحاء من مضى».
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم فيتزوج ويولد له ولد ويمكث خمسا وأربعين سنة، ويدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر» (٢). ذكره الميانشي أبو حفص.
ويقال: إنه يتزوج امرأة من العرب بعد ما يقتل الدجال، وتلد له بنتا فتموت ثم يموت هو بعد ما يعيش سنتين، ذكره أبو الليث السمرقندي، وخالفه كعب في هذا، وأنه يولد له ولدان، وسيأتي.
وفي حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يمكث عيسى في الأرض بعد ما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» (٣).
ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، وبهذا السند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الأنبياء إخوة لعلاّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر ولم يصبه بلل، وإنه يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويفيض المال حتى يهلك الله في زمانه الملل كلّها غير الإسلام، وحتى يهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الأعور الكذّاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضا، يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» (٤).
وفي بعض الروايات: أنه يمكث أربعا وعشرين سنة.
وفي حديث عبد الله بن عمر: «ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام» الحديث، خرجه مسلم، وقد تقدم بكماله، وهذا يدل على أنه يمكث في الأرض سبع سنين، والله أعلم.
стр. 731
وقال كعب الأحبار: إن عيسى ﵇ يمكث في الأرض أربعين سنة، ويكثر الخير على يديه، وتنزل البركات في الأرزاق، حتى إن العنبة ليأكل منها الرجل حاجته ويفضل والقطف من العنب يأكل منه الجمع الغفير والخلق الكثير، حتى إن الرمانة لتثقل الجمل، وحتى إن الحي ليعبر بالميت، فيقول: قم فانظر ما أنزله الله من البركة، وأن عيسى ﵇ يتزوج بامرأة من آل فلان ويرزق ولدين فيسمى أحدهما محمدا والآخر موسى ويكون الناس معه على خير وفي خير زمان وذلك أربعين سنة، ثم يقبض الله روح عيسى ويذوق الموت ويدفن إلى جانب النبي ﷺ في الحجرة، ويموت خيار الأمة ويبقى شرارها في قلة من المؤمنين، فذلك قوله ﵇: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ».
وقيل: إنه يدفن بالأرض المقدسة مدفن الأنبياء.
فصل
ذهب قوم إلى أن بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها من حديث أبي هريرة، وبقوله تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقوله ﵊: «لا نبي بعدي» وقوله: «وأنا العاقب» يريد: آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيّا بشريعة متجددة وغير شريعة محمد نبينا ﷺ ، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ كما أخبر ﷺ حيث قال لعمر: «لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي» (١).
وقد روى أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعالى صلّ بنا. فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء لكرامة الله لهذه الأمة» (٢) خرجه مسلم في «صحيحه» وغيره.
فعيسى ﵇ إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة ومجددا لها، إذ هي آخر الشرائع، ومحمد ﷺ آخر الرسل، فينزل حكما مقسطا، وإذا صار حكما فإنه لا سلطان يومئذ للمسلمين ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي، قد قبض الله تعالى العلم وخلا الناس منه، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس والعمل به في نفسه، فيجتمع
стр. 732
المؤمنون عند ذلك إليه ويحكمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره، ولأن تعطيل الحكم غير جائز. وأيضا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلى أن لا يقال في الأرض: الله الله، على ما يأتي، وهذا واضح.
فصل
فإن قيل: فما الحكمة في نزوله في ذلك الوقت دون غيره؟
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همت بقتله وصلبه وجرى أمرهم معه على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم أبدا يدعون أنهم قتلوه وينسبونه في السحر وغيره إلى ما كان الله يراه ونزهه منه، ولقد ضرب الله عليهم الذلة فلم تقم لهم منذ أعز الله الإسلام وأظهره راية ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة، ولا يزالون كذلك حتى تقرب الساعة، فيظهر الدجال وهو أسحر السحرة ويبايعه اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى الذي عندهم أنهم قد قتلوه وأبرزه لهم ولغيرهم من المنافقين والمخالفين حيّا، ونصره على رئيسهم وكبيرهم المدعي الربوبية فقتله وهزم جنده من اليهود بمن معه من المؤمنين، فلا يجدون يومئذ مهربا وإن توارى أحدى منهم بشجر أو حجر أو جدار ناداه: يا روح الله هاهنا يهودي حتى يوقف عليه. فإما أن يسلم وإما أن يقتل، وكذا كل كافر من كل صنف حتى لا يبقى على وجه الأرض كافر.
والوجه الثاني: وهو أنه يحتمل أن يكون إنزاله مدة لدنو أجله لا لقتال الدجال، لأنه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء لكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: ﴿* مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] فينزله الله تعالى ليقبره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع به من نأى عنه، ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره ويصلون عليه ويدفن حيث دفن الأنبياء الذين أمه مريم من نسلهم وهي الأرض المقدسة، فينشر إذا نشر معهم، فهذا سبب إنزاله، غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب لد. هذا ما وردت به الأخبار فإذا اتفق ذلك، وكان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية ولم ينتصب لقتاله أحد من المؤمنين لقلتهم كان هو أحق بالتوجه إليه ويجري قتله على يديه إذ كان ممن اصطفاه الله لرسالته وأنزل عليه كتابه وجعله وأمه آية فعلى هذه الوجه يكون الأمر بإنزاله لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدا.
стр. 733
والوجه الثالث: أنه وجد في الإنجيل أمة محمد ﷺ حسب ما قال وقوله الحق: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] فدعا الله أن يجعله من أمة محمد ﷺ ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله آخر الزمان مجددا لما درس من دين الإسلام دين محمد ﵊ فوافق خروج الدجال فيقتله.
ولا بعد على هذا أن يقال: إن قتاله للدجال يجوز أن يكون من حيث إنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون قد عم فرض الجهاد أعيانهم وهو أحدهم، لزمه من هذا الفرض ما يلزم غيره، فذلك يقوم به، وذلك داخل في اتباع نبينا محمد ﷺ وبالله التوفق.
واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي. وقيل: يدفن مع النبي ﷺ ، على ما ذكرناه في الأخبار.
فصل
واختلف في لفظة المسيح على ثلاثة وعشرين قولا، ذكرها أبو الخطاب بن دحية في كتابه «مجمع البحرين» وقال: لم أر من جمعها قبل ممن رحل وجال ولقي الرجال.
القول الأول: وهو مسيح بسكون السين وكسر الياء، على وزن مفعل فأسكنت الياء ونقلت حركتها إلى السين، لاستثقالهم الكسرة على الياء.
القول الثاني: قال ابن عباس: كان لا يمسح ذا عامة إلا برئ ولا ميتا إلا حيي، فهو هنا من أبنية أسماء الفاعلين مسيح بمعنى: ماسح.
القول الثالث: قال إبراهيم النخعي: المسيح: الصدّيق. وقاله الأصمعي وابن الأعرابي.
القول الرابع: قال أبو عبيد: أظن هذه الكلمة (هاما شيحا) بالشين المعجمة فعربت إلى (مسيّا) وكذلك تنطق به اليهود.
القول الخامس: قال ابن عباس أيضا في رواية عطاء عنه: سمي مسيحا لأنه كان أمسح الرّجل ليس لرجله أخمص، والأخمص: ما لا يمس الأرض من باطن الرجل، فإذا لم يكن للقدم أخمص قيل فيه قدم رحاء ورجل رحاء، ورجل أرح وامرأة رحاء.
القول السادس: قيل: سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن.
стр. 734
القول السابع: قيل: سمي مسيحا لأنه مسح عند ولادته بالدهن.
القول الثامن: قال الإمام أبو إسحاق الجواني في غريبه الكبير: هو اسم خصه الله تعالى به أو لمسح زكريا.
القول التاسع: قيل: سمي بذلك لحسن وجهه، إذ المسيح في اللغة: الجميل الوجه، يقال: على وجهه مسحة من جمال وحسن، ومنه ما يروى في الحديث الغريب الضعيف: «يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن كأن على وجهه مسحة ملك».
القول العاشر: المسيح في اللغة: قطع الفضة، وكذلك المسيحة: القطعة من الفضة، وكذلك كان المسيح ابن مريم أبيض مشرب حمرة ربعة من الرجال عريض الصدر، جعدا؛ والجعد هاهنا: اجتماع الخلق وشدة الأسر.
القول الحادي عشر: المسيح في اللغة: عرق الخيل. وأنشد اللغويون:
إذا الجياد فضن بالمسيح
يعني: العرق.
ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب: «فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففصدت عرقا، وكأني أنظر إلى الله فرقا» (١) ذكره الخطابي في شرحه بالصاد والضاد.
القول الثاني عشر: المسيح: الجماع، يقال: مسحها إذا جامعها، قاله في «المجمل» لابن فارس.
القول الثالث عشر: المسيح: السيف؛ قاله أبو عمرو المطرز.
القول الرابع عشر: المسيح: المكاري.
القول الخامس عشر: المسيح: الذي يمسح الأرض، أي يقطعها، قاله الثقة اللغوي أبو العباس أحمد بن يحيى بن ثعلب، ولذلك سمي عيسى مسيحا، كان تارة بالشام وتارة بمصر، وتارة على سواحل البحر، وفي المهامة والقفار. والمسيح الدجال كذلك، سميا بذلك لجولانهما في الأرض.
القول السادس عشر: ذكره بسنده إلى أبي الحسن القابسي وقد سأله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني: كيف يقرأ المسيح الدجال؟ فقال: بفتح الميم وتخفيف السين مثل المسيح ابن مريم لأن عيسى ﵇ مسح بالبركة، وهذا مسحت عينه.
стр. 735
قال أبو الحسن: ومن الناس من قرءوه بكسر الميم وتثقيل السين، فيعرف بذلك وهو وجه. وأما أنا فلا أقرؤه إلا كما أخبرتك.
قال ابن دحية: وحكى الأزهري أنه يقال: مسّيح بالتشديد على وزن فعيل، قال: فرقا بينه وبين عيسى ﵇، ثم أسند عن شيخه أبي القاسم بن بشكوال، عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن، قال: سمعت الحافظ أبا عمر بن عبد البر يقول: ومنهم من قال ذلك بالخاء - يعني المعجمة - وذلك كله عند أهل العلم خطأ، لا فرق بينهما، وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نطق به ونقله الصحابة المبلغون عنه.
وأنشد في ذلك أهل اللغة، قول عبد الله بن قيس الرقيات:
وقالوا دع رقيّة واجتنبها … فقلت لهم إذا خرج المسيح
يريد: إذا خرج الدجال، هكذا فسّروه ولذلك ذكرناه.
وقال الراجز:
إذا المسيح قتل المسيحا
يعني: عيسى ابن مريم ﵇ يقتل الدجال بنيزك، قرأته في المجلد الأول من شرح ألفاظ الغريب من الصحيح لمحمد بن إسماعيل، تأليف الفقيه القاضي الإمام المفتي أبي الأصبغ بن سهل.
القول السابع عشر: قيل: سمي الدجال مسيحا؛ لأن المسيح: الذي لا عين له ولا حاجب. قال ابن فارس: والمسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، ولذلك سمي الدجال مسيحا، ثم أسند عن حذيفة مستدلا عن رسول الله ﷺ : «وأن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة» خرجه مسلم.
القول الثامن عشر: المسيح: الكذاب، وهذا يختص به الدجال لأنه يكذب فيقول: «أنا الله» فهذا كذب، ولذلك خصه الله بالسوء والعار.
القول التاسع عشر: المسيح: المارد الخبيث، وهو التمسيح أيضا، عن ابن فارس، ويقال: هو الكذاب، وكذلك التمساح بألف.
القول العشرون: قيل: الدجال: المسيح لسياحته، وهو فعيل بمعنى فاعل، والفرق بين هذا وبين ما تقدم في الخامس عشر أن ذلك يختص بقطع الأرض وهذا يقطع جميع البلاد في أربعين ليلة إلا مكة والمدينة.
القول الحادي والعشرون: المسيح: الدرهم الأطلس بلا نقش، قاله ابن
стр. 736
فارس، وذلك مطابق لصفة الأعور الدجال، إذ أحد شقي وجهه ممسوح، وهو أشوه الرجال.
القول الثاني والعشرون: قال الحافظ أبو نعيم في كتاب «دلائل النبوة» من تأليفه: سمي ابن مريم مسيحا لأن الله مسح الذنوب عنه.
القول الثالث والعشرون: قال الحافظ أبو نعيم في الكتاب المذكور: وقيل:
سمي ابن مريم مسيحا لأن جبريل ﵇ مسحه بالبركة وهو قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
فصل في بيان ما وقع في الحديث من الغريب
قوله: فيشج؛ أي: يمد والميشار: مفعال من أيشرت ووشرت أشرا ووشرا، ويقال منشار بالنون أيضا، وبالوجهين في الحديث، وهو مفعال أيضا من نشرت.
وقوله: «فخفض ورفع» بتخفيف الفاء أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر في الكلام، وروى بتشديد الفاء فيهما على التضعيف والتكثير.
وقوله: «إنه خارج مخلة» يروى بالخاء المعجمة وبالحاء المهملة، قاله الهروي، والخلة موضع حزن وضجور، والحلة ما بين البلدين.
وقال الحافظ ابن دحية: ورواه ابن ماهان والحميدي حله بفتح الحاء المهملة وضم اللام، وكأنه يريد حلوله، قال: وقرأت في أصل القطيعي من مسند الإمام أحمد بن حنبل: وأنه يخرج حيله، ولا أعلم روى ذلك أحد غيره، وقد سقطت هذه اللفظة لأكثر رواة مسلم وبقي الكلام أنه خارج بين الشام والعراق.
وجاء في حديث الترمذي أنه يخرج بخراسان، وفي الرواية الأخرى: من ناحية أصبهان من قرية تسمى اليهودية، وفي حديث ابن ماجه ومسلم: بين الشام والعراق، ووجه الجمع أن مبدأ خروجه من خراسان من ناحية أصبهان ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، والله أعلم.
و «عاث» بالعين المهملة والثاء المثلثة والتنوين على أنه اسم فاعل، وروي بفتح الثاء على أنه فعل ماض، ووقع في حديث أبي أمامة على الفعل المستقبل والكل بمعنى الفساد عاث يعيث عيثا، فهو عاث عثى يعني، عثى يعثو لغتان، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
стр. 737
وقوله: «يا عباد الله فاثبتوا»، يعني: على الإسلام، يحذرهم من فتنته لأنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت.
وقوله: «فاقدروا له قدره»؛ قال القاضي عياض: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عن الأوقات المعروفة في غيره من الأيام.
قلت: وكذلك الأيام القصار الحكم فيها أيضا ما حكمه صاحب الشرع. وقد حمل بعض العلماء أن هذه الأيام الطوال ليست على ظاهرها، وإنما هي محمولة على المعنى، أي: يهجم عليكم غم عظيم لشدة البلاء وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغم في اليوم الثاني ثم يتناقص في اليوم الثالث، ثم يعتاد البلاء كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة ومنه قولهم:
وليل المحبّ بلا آخر
وقال آخر:
وأيام لنا غرّ طوال … عصينا الملك فيها أن ندينا
وهذا القول يرده قولهم: «أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره». والمعنى: قدروا الأوقات للصلوات، وكذلك لا التفات لطعنه في صحة هذه الألفاظ، أعني قوله: «أتكفينا فيه صلاة يوم قال: لا، اقدروا له قدره»، فقال:
هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا، ولو كان صحيحا لاشتهر على ألسنة الرواة كحديث الدجال، ولو كان لقوة اشتهاره لكان أعظم وأفظع من طلوع الشمس من مغربها.
والجواب: أن هذه الألفاظ صحيحة حسب ما ذكره مسلم وحسبك به إماما، وقد ذكرها الترمذي من حديث النواس أيضا وقال: حديث حسن صحيح، وخرجها أبو داود أيضا وابن ماجه من حديث أبي أمامة، وقاسم بن أصبغ من حديث جابر، وهؤلاء أئمة أجلة من أئمة أهل الحديث، وتطرق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز، والثقة بعيد لا يتلفت إليه، لأن يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، ثم إن ذلك في زمن خرق العادات، وهذا منها.
وقوله: «ممحلين» أي: مجدبين، ويروى: أزلين، والمحل والأزل والقحط والجدب بمعنى واحد ويعاسيب النحل فحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أمراؤها.
ووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم طائفة من النحل فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك.
стр. 738
وقوله: «بين مهرودتين» أي: بين شقي ثوب، والشقة نصف الملاءة أو في حلتين مأخوذ من الهرد بفتح الهاء وسكون الراء وهو الشق والقطع.
قال ابن دريد: إنما سمي الشق هردا للإفساد لا للإصلاح.
وقال يعقوب: هرد القصار الثوب وهردته بالتاء المثناة باثنتين من فوق، إذا أحرقه وخرقه.
وقال أكثرهم: في ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صبغ بالهردي، ووقع في بعض الروايات بدل مهرودتين ممصرتين، كذلك ذكره أبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة. والممصّرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة، والجمان ما استدار من اللؤلؤ والدر شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع، وليست بالمشبعة.
وقال ابن الأنباري: مهرودتان؛ بدال مهملة وذال معجمة معا أي: ممصّرتين كما جاء في الحديث الآخر.
وقال غيره: الهرود؛ الذي يصبغ بالعروق، التي يقال لها: الهرد بضم الهاء.
وقال الهروي: هرد ثوبه بالهرد وهو صبغ يقال له العروق.
وقال القتبي: إن كان المحفوظ بالدال فهو مأخوذ من الهرد. والهرد والهرت: الشق، ومعناه بين شقين، والشقة نصف الملاءة. وقال: وهذا عندي خطأ من النقلة، وأراد مهرودتين أي صفراوين يقال: هرتّ العمامة ألبستها صفرا، وكان الثلاثي منه هروت فخالف الجماعة من أهل اللغة فيما قالوه.
وقد خطأه الأنباري وقال: إنما يقول العرب هريت الثوب لا هروت، ولو كان من ذلك لقيل مهراة ولا مهروة، واللغة نقل، رواية لا قياس، والعرب إنما تجوّز ذلك في العمامة خاصة لا في الشقة، ولا يجوز قياس الشقة على العمامة. وأما رواية الذال المعجمة فهو إبدال من الدال المهملة فإن الذال والدال قد يتعاقبان فيقال رجل مدل بالدال المهملة ومذل بالذال المعجمة، إذ كان قليل اللحم خفي الشخص.
والجمان: ما استدار من اللؤلؤ والدر، شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر وهو تشبيه حسن.
وقوله: فحرّز عبادي إلى الطور أي ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور الجبل بالسريانية.
قال الحافظ ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم «جوز» بالجيم والواو والزاي، كذا قيدناه في جامع الترمذي، وقيدناه أيضا حدر بدال مهملة، فأما حرز
стр. 739
فهو الذي رواه أكثرهم وصحح بعضهم رواية حدر وكلاهما صحيح، لأن ما خير فقد أحرز وكذلك جوز بالجيم. وأما حدر بدال مهملة فمعناه أنزلهم إلى جهة الطور من حدرت الشيء فانحدر إذا أرسلته في صبب وحدر.
و «النغف» جمع نغفة، وهي الدود الذي يكون في أنوف الإبل والغنم.
وفرسى أي هلكى وهو جمع فريس يعني: مفروس، مثل قتيل وقتلى وصريع وصرعى، وأصله من فرس الذئب الشاة وأفرسها أي قتلها، كأن تلك النّغف فرستهم.
ويروى: فيصبحون موتى. والزّهم: النتن. والبخت: إبل غلاظ الأعناق عظام الأجسام. والزلفة: الصحفة الممتلئة والجمع زلف.
قال ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم بالفاء والقاف وهو المرآة، كذا فسره ابن عباس وقاله اللغويان: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس الشيباني.
واللقحة: الناقة الحلوب. والغيام: الجماعة من الناس. والفخذ: دون القبيلة وفوق البطن. والفاثور بالفاء: الخوان يتخذ من الرخام ونحوه.
قال الأغلب العجيلي:
إذ انجلى فاثور عين الشمس
يقال: هم على فاثور واحد أي على مائدة واحدة ومنزلة واحدة، والفاثور أيضا: موضع. قاله الجوهري، والله أعلم.
***
٢٧٩ - باب ما جاء في أن حواريّ عيسى ﵇ إذا نزل - هم أصحاب الكهف وفي حجهم معه
حدّثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا ابن أبي أويس قال: حدّثنا كثير بن عبد الله بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: غزونا مع النبي ﷺ . الحديث، وقد تقدم، وفيه: «ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم عبد الله ورسوله حاجّا أو معتمرا أو ليجمعن الله ذلك له». قال كثير: فحدثت بهذا الحديث محمد بن كعب القرظي قال: ألا أرشدك في حديثك هذا؟ قلت: بلى. فقال: كان رجل يقرأ التوراة والإنجيل فأسلم وحسن إسلامه فسمع هذا الحديث من بعض القوم فقام
стр. 740
فقال: ألا أبشركم في هذا الحديث؟ فقالوا: بلى فقال: إني أشهد أنه لمكتوب في التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇ وأنه مكتوب في الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ابن مريم ﵇ عبد الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجّا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك فيجعل الله حواريّه أصحاب الكهف والرقيم، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا.
***
٢٨٠ - باب ما جاء أن عيسى إذا نزل يجد في أمة محمد ﷺ خلقا من حواريّه
ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» في الأصل الثالث والعشرين والمائة قال:
حدّثنا الفضل بن محمد الواسطي، قال: حدّثنا إبراهيم بن الوليد الدمشقي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الملك بن عقبة الإفريقي، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول الله ﷺ يوم مؤتة فلما دخلت عليه قلت: يا رسول الله! فقال: «على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد حتى قتل رحم الله زيدا، ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل جعفر حتى قتل رحم الله جعفرا، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل رحم الله عبد الله بن رواحة، ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد، فخالد سيف من سيوف الله» فبكى أصحاب رسول الله ﷺ وهم حوله فقال: «ما يبكيكم»؟ قالوا: وما لنا لا نبكي وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، فقال: «لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثّ رواكبها وهيأ مساكبها وحلق سعفها فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا فلعل آخرها عاما طعما يكون أجودها قنوانا وأطولها شمراخا، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلقا من حواريّه» (١).
حدّثنا علي بن سعيد بن مزروق الكندي قال: حدّثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن حسين، عن جبير بن نفير الحضري، قال لما اشتد جزع أصحاب رسول الله ﷺ على من أصيب مع زيد بن