← Акыда

Акыда · id 30039

توضيح المقصود من حائية ابن أبي داود

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢٢. ومِنْ بَعدِهم فالتَّابعونَ لحُسْنِ (١) ما … حَذَوْا فعلهم قولًا وفعلًا فأفلحوا (٢) ٢٣. [ومالكُ والثوريُّ ثم أخوهمُ … أبو عَمْرِو الاوزَاعيُّ ذاك المُسبِّحُ ٢٤. ومِنْ بَعدِهم فالشافعيُّ وأحمدٌ … إمامَا هُدًى مَنْ يتبعِ الحقَّ يَنْصَحُ ٢٥. أولئك قومٌ قَدْ عَفَا اللهُ عنهمُ … فأحبِبْهم فإنَّكَ تَفْرَحُ] (٣) بعدما ذكرَ فضلَ الصحابةِ ﵃ وتفاضلهم أَشادَ بفضل التابعين، ولا شكَّ أنَّ التَّابعين لهم فضيلةُ الاتِّباع، واللهُ قد نوَّه بذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فيجب الاعترافُ بفضل التَّابعين الذين لقوا الصحابةَ، وأخذوا عنهم، وحذوا حَذوهم في العلم والعمل، وتشرَّفوا بلقائهم، فرؤيتهم لأصحاب النَّبيِّ ﷺ أُمنيةٌ عظيمةٌ، وكرامةٌ وفضيلةٌ.

стр. 107

وعلى كلِّ حالٍ؛ إن صحَّتْ هذه الأبياتُ عن النَّاظم فهو كما أشاد بالصحابة والتَّابعين أشادَ بالأئمة المشهورين بالعلم والدِّين، والعبادةِ والصلاحِ، وذَكر منهم: مالكًا، والشافعيَّ، وأحمدَ، والأوزاعيَّ، وسفيان الثَّوريَّ، وهؤلاء ذَكرهم على سبيل المثالِ لا على سبيل الحصرِ؛ لأنَّ هؤلاء لهم نُظراءُ، أمثال: أبي حنيفة، والليثِ بنِ سعدٍ، وسفيانَ بن عيينة، وأبي عبيد القاسم بن سلَّام، والأئمة أصحاب المصنفات؛ كالبخاري، ومسلم، وأصحابِ السُّنن، وغيرهم، وكلُّهم أئمةٌ هداةٌ ومُهتدون، وقدوةٌ صالحون، وعلماءُ عُنوا بعلم الكتاب والسنة حفظًا لدين الله؛ حملوه وعلَّموه وذَبُّوا عنه، فيجبُ الاعترافُ بفضائلهم، وما أَكرمهم اللهُ به من العلم والإمامةِ في الدِّين. وهم متفاوتون في الفضائل، مثل الصحابةِ ﵃. والنَّاسُ في العلماء ثلاثةُ أصنافٍ، كما أنَّهم في الصحابة كذلك: الصنفُ الأوَّلُ: قومٌ غَلوا في العلماء، وأَفرطوا في تعظيمهم، حتى جعلوا لهم بعضَ خصائصِ النبَّوةِ، كما يقع من بعض المتعصِّبين الذين يغلون في متبوعيهم، ويجعلون أقوالَ متبوعيهم هي الحَكَم المقدَّمَةُ على قولِ كلِّ أحدٍ يُخالفها؛ فلا يقبلون من سواهم، بل النُّصوص إذا وردت تُعرض على أقوالهم، فما وافقها قَبِلوه، وما خالفها رَدُّوه، زاعمين أنَّ أئمَّتَهم أعلمُ، فلو كانت صحيحةً أو لو كانت مُحْكمةً لَمَا تركوها ولَمَا أَهملوها، وهذا الغلوُّ سبيلُ المتعصِّبين من المقلِّدين. ولا بأس في الانتساب للمذاهب الفقهية، فلا يضرُّ الانتسابُ إلى الأئمة إذا خلا عن التقليد والتعصب.

стр. 108

فهؤلاء الأئمةُ الأربعةُ كلٌّ له من الفضل في العلم والدِّينِ ما قدَّر اللهُ له، وقد بيَّنوا ﵏ أنَّ أقوالَهم يجب أن تُعرض على كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، فيُطَّرح منها ما خالف نصًّا من كتاب أو سنَّة، وقال بعضُهم القَولةَ المشهورةَ: كلُّ أحدٍ يُؤخَذُ من قوله ويُترك إلَّا صاحب هذا القبر (١)؛ هذا مذهبُ جميعهم، فالذين يتعصَّبون لهم مخالفون لهم. الصنفُ الثاني: يُقابلهم وهم الذين يرفضونهم، ولا يعرفون لهم مقدارهم، ولا ينظرون في أقوالهم، ولا يستفيدون من فهومهم واستنباطهم وبيانِهم، ويقولون: نحن رجالٌ وهم رجالٌ. وهذا حقٌّ، لكن سبحان الذي فاضلَ بين الرجال، ورفعَ بعضَهم فوقَ بعضٍ درجات. وهذان فريقان على طرفي نقيضٍ؛ أولئك غلوا وتعصَّبوا، وهؤلاء فرَّطوا وقصَّروا، وحرموا أنفسهم الانتفاعَ بعلومِ أولئك العلماء وفهومهم وما فتح اللهُ به عليهم. والصنفُ الثالثُ: هم الذين عرفوا لهؤلاء العلماء قدرَهم وفضلَهم في العلم والدِّين، فاعترفوا بعلمهم وإمامتِهم وهدايتهم، واقتدوا بهم وتعلَّموا منهم، واستفادوا من فُهومهم، ولم يتعصَّبوا لهم، فأقوالُ هؤلاءِ الأئمةِ عندهم معروضةٌ على كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، فما وافقَها

стр. 109

قَبِلوه، وما خالفَها ردُّوه، وما لم يتبيَّن فيها هذا ولا ذاك جعلوه موضعَ اختيارٍ، فالأمرُ فيه واسعٌ ليس بواجبِ الاتباع، وإنما الذي يجب اتِّباعُه الاتِّباع المطلق هو رسولُ الله ﷺ ليس إلَّا، فهذا مقامٌ يختصُّ به الرسولُ ﷺ ؛ لأنَّ طاعةَ الرسولِ ﷺ من طاعة اللهِ؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فتجب طاعتُه في كلِّ شيءٍ طاعةً مطلقةً بلا قيد، أمَّا غيرُه فطاعتُه مقيدةٌ بطاعة اللهِ ورسولِه ﷺ . فالواجبُ في أقوال الأئمةِ أخذُ ما وافق الدليل تحكيمًا له، واتِّباعُهم في هذا حقٌّ، وما خالفَ الدليلَ وجب اطِّراحُه، وهذا من اتِّباعِ الأئمةِ والاقتداءِ بهم في تعظيم كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسوله ﷺ . والناظم أشارَ إلى هؤلاء الأئمةِ تنويهًا بفضلهم، وإرشادًا إلى الاقتداء بهم ﵃ ورحمهم. وقوله: (أولئك قومٌ … ) إلى آخره هذا البيت بهذا التركيب في الشطر الثاني؛ انكسار فيما يقابل التفعيلة الثانية: «مفاعيل»، والظاهر أنه يستقيم وزنه إذا قيل: «فأحببهم لله تحيا وتفرح». * * *

стр. 110

٢٦. وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلِّهم … ولا تَكُ طعَّانًا تَعيبُ وتَجْرحُ ٢٧. فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ … وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ (١) في هذين البيتين إرشادٌ من النَّاظم إلى ما يجب لعمومِ الصحابةِ، وهذا البيتُ في بعض الروايات مرتبطٌ بالأبيات الأولى؛ لأنَّ ذِكرَ التَّابعين وذِكرَ الأئمة صار فاصلًا بين الأبيات المتعلِّقةِ بالصحابة، فكان المناسبُ كما في بعض الروايات أن يتقدَّمَ هذان البيتان على ما يتعلَّقُ بالتَّابعين ومَن بعدهم. قوله: (وقُلْ خيرَ قولٍ): أي: قل أَيُّها السنِّيُّ خيرَ قولٍ في الصَّحابة، وذلك بذكرهم بالجميل، والدعاءِ لهم، والترضي عنهم، وبيان ما يجب اعتقادُه فيهم، (وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلهم)، من دون تفريقٍ بينهم إلَّا فيما فرَّقَ اللهُ فيه ورسولُه ﷺ ، فيُنزَلُ كلٌّ منهم منزلتَه، وجميعهم

стр. 111

يشتركون في وجوب محبَّتهم والثَّناءِ عليهم، ووجوبِ الاعترافِ بفضلِهم، وكلُّهم يشتركون في فضيلة الصُّحبةِ على منازلهم فيها، وتفاضلهم كتفاضل الأنبياء. وقوله: (ولا تَكُ طعَّانًا تَعيبُ وتَجْرحُ): أي: لا تكن طعَّانًا في أحدٍ من الصحابة كما تفعلُ طوائفُ المبتدعةِ من الرافضة والخوارجِ، فالرافضةُ يطعنون في كلِّ الصحابةِ ويَعيبونهم إلَّا نفرًا قليلًا، ويخُصُّون الشيخين بمزيدٍ من الطَّعن والسبِّ واللعنِ، - فعلى الرَّافضةِ لعنةُ اللهِ- فإنهم يلعنون أبا بكر وعمر أفضلَ الصَّحابة، وخيرَ هذه الأمة، بل خير النَّاسِ بعد الأنبياء، ويُكفِّرون أو يُفسِّقون بقيَّةَ الصحابةِ إلَّا القليل منهم؛ مثل: عمار ابن ياسر، وسلمان الفارسي ﵄ ونفرٍ قليلٍ غيرهم (١). والخوارجُ كذلك يُكفِّرون عليًا وعثمان ﵄، ويُكفِّرون أصحابَ الجمل، وصفين. والنَّاظمُ يُرشِدُ إلى ذِكر الصحابةِ بالجميل، ويُحذِّرُ من الطَّعن في أحدٍ منهم. والنَّاسُ في الصحابة ثلاثُ طوائف -كما تقدَّم- طرفان ووسط: الطائفةُ الأولى: الرَّافضةُ، وهؤلاء يغلون في أهل البيتِ، ويدَّعون لأئمتهم العصمةَ، ويُقصِّرون في حقِّ سائرِ الصحابةِ ويُبغضونهم،

стр. 112

فالرافضةُ جمعوا بين الضلالتين: ضلالةِ الغلو، وضلالةِ التقصير في الصحابة، فغلو في فريقٍ، وفرَّطوا في حقِّ أكثرِ الصحابة. الطائفةُ الثانيةُ: وهم الخوارج، فرَّطوا وقصَّروا في شأن أهلِ البيت وآخرين من الصحابة. والطائفةُ الثالثةُ: أهلُ السنَّةِ، وهم وسطٌ بين هؤلاء وهؤلاء، فأهلُ السنَّةِ في الصَّحابة وسطٌ بين الرَّافضةِ والخوارج، فهم يؤمنون بفضلهم وتفاضلهم، ويُنزلون كلًّا منزلته ولا يطعنون ولا يغلون في أحدٍ منهم، ﵃ وأرضاهم. وقولُ الناظمِ: (فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ): أي: بفضل الصحابةِ نطقَ الوحيُ؛ أي: الكتابُ والسنَّةُ، و (المبينُ): أي البَيِّنُ، كما في سورة براءة والفتح والحديد والحشر، وقد تقدَّم ذِكرُ بعضِ الشواهدِ على ذلك من القرآن والسنَّةِ (١)، فرضي الله عن صحابة رسولِ الله ﷺ وأرضاهم، ورزقنا حبَّهم، وسلكَ بنا سبيلهم، وجعلنا من التابعين لهم بإحسان. وقول الناظم: (وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ … ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. * * *

стр. 113

٢٨. وبالقَدَرِ المَقْدُورِ أيقِنْ فإنه … دِعامَةُ عَقْدِ الدِّينِ والدِّينُ أفْيَحُ (وبالقَدَرِ المَقْدُورِ أيقِنْ): أَيُّها المسلمُ السُّنِّي؛ فإنَّ الإيمانَ بالقدر (دِعامَةُ عَقْدِ الدِّينِ)، دعامة الاعتقادِ الحقِّ؛ أي: رُكنَه وعمادَه. وقوله: (والدِّينُ أفْيَحُ)، جاء تكميلًا للنَّظم، ومعناه أنَّ دينَ اللهِ واسعٌ. والنَّاظمُ ضمَّنَ هذا البيتَ الأصل السادس من أصول الإيمان، وهو الإيمانُ بالقدر خيره وشره، كما نصَّ على ذلك النبيُّ ﷺ في جوابه لجبريل ﵇ عن الإيمان حيث قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخر، وتؤمنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه» (١). فالإيمانُ بالقدر أحدُ أصولِ الإيمان، وهو الأصلُ السادسُ في كلام الرسول ﷺ ، والقدرُ: كلمةٌ تُطلَقُ ويُرادُ بها التَّقدير، ويُرادُ بها الشيءُ المقدور، فإنَّ القدرَ اسمُ مصدرٍ يُطلَق على المعنى المصدري، ويُطلَق على المفعول. والمرادُ: أنَّه يجب الإيمانُ بتقدير اللهِ لمقادير الأشياء؛ فإنَّ اللهَ تعالى أخبر بأنَّه قَدَّرَ كلَّ شيءٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]،

стр. 114

وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠]. وللإيمان بالقدر أربعُ مراتب (١) لا يكون الإنسانُ مؤمنًا بالقدر حتى يستكملَها: المرتبةُ الأولى: الإيمانُ بعلم اللهِ السابقِ القديمِ، فاللهُ عَلِمَ ما يكون قبل أن يكون، بما في ذلك أفعال العباد، فقد سبقَ عِلمُ اللهِ بما هم عاملون. والمرتبةُ الثانيةُ: الإيمانُ بكتابة اللهِ لمقادير الأشياء، كما في الآيات المتقدِّمةِ، وكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم (٢) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كتب اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يخلقَ السموات والأرض بخمسين ألفَ سنة»، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ ﵎ القلمَ ثم قال اكتبْ فجرى في تلك السَّاعةِ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» (٣).

стр. 115

والمرتبةُ الثالثةُ: الإيمانُ بعموم مشيئةِ اللهِ، فلا يخرج عنها شيءٌ، ولا يكون في هذا الوجود ما لا يشاء أبدًا، فما من حركةٍ ولا سكونٍ في هذا العالم، علويِّه وسفليِّه إلَّا بمشيئته -سبحانه-، والآياتُ الدالةُ على المشيئة كثيرةٌ؛ منها: قولُه تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان]، وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقد علَّقَ اللهُ -سبحانه- الأمورَ الكونيةَ العامَّةَ بالمشيئة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢]، وقولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ [الشورى]، وقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة]. والآياتُ في هذا كثيرةٌ، فأفعالُ العبادِ واقعةٌ بمشيئته . والمرتبةُ الرابعةُ: الإيمانُ بعموم الخلقِ، أي: أنه خالقُ كلِّ شيءٍ؛ فهو خالقُ السموات والأرض ومَن فيهنَّ وما بينهنَّ، وهو خالقُ العبادِ وخالقُ قدرتِهم، وخالقُ صفاتِهم، وخالقُ أفعالهم الظاهرةِ والباطنةِ، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات]، فلا خالقَ غيرُه وهو الخلَّاقُ العليم. فهذه مراتبُ الإيمانِ بالقدر، لا يكون الإنسانُ مؤمنًا بالقدر حتى يُحقِّقها كلَّها.

стр. 116

والناسُ في هذا الأصل طوائف: الطائفةُ الأولى: القدرَّيةُ النُّفاة، الذين نفوا القدر، وهم صنفان: غلاةٌ، ومتوسطون. فأمَّا غُلاتهم فنفوا كلَّ هذه المراتب، وزعموا أنَّ اللهَ لم يعلم أفعالَ العبادِ قبل أن تُخلق، وقالوا: إنَّ الأمرَ أُنُف؛ أي: لم يسبق به علمٌ ولا كتابٌ. وهؤلاء هم غُلاةُ القدريةِ، وهم قُدماؤهم، فهم ينفون العلمَ، والكتابَ، وعمومَ المشيئةِ، وعمومَ الخلقِ، فأفعالُ العبادِ عندهم لم يسبقْ بها علمُ اللهِ ولا كتابُه، ومُقتضى قولِهم: أنَّ اللهَ لا يعلم الأشياءَ إلَّا بعد وقوعِها، وبالضرورة أنَّه لم يسبق به كتاب، وأنَّ أفعالَ العبادِ تقع خارجةً عن مشيئته، بل يقولون: إنَّ كلَّ ما له إرادةٌ كالحيوان؛ فأفعاله خارجةٌ عن مشيئةِ اللهِ وقدرتِه وخلقِه، ولا هي داخلةٌ في ملكه ؛ فهذا سبيلُ القدريةِ الغُلاة. والمتوسطون أثبتوا العلمَ والكتابَ السابقَ، لكن نفوا عمومَ المشيئةِ وعمومَ الخلقِ. والمعتزلةُ قدريةٌ نفاةٌ من المتوسطين. والقدريةُ النفاةُ متَّفقون على نفي عمومِ المشيئة وعمومِ الخلق (١)، فأفعالُ العبادِ بزعم القدريةِ النُّفاةِ كلِّهم لا تتعلَّقُ بها مشيئةُ الربِّ، فعندهم أنَّ ما يجري من أفعال النَّاس، كلّ ذلك ليس إلى الله، واللهُ لا يقدر أن

стр. 117

يجعلَ القائمَ قاعدًا، ولا القاعدَ قائمًا، ولا المؤمنَ كافرًا، ولا الكافرَ مؤمنًا، ولا المطيعَ عاصيًا، فمذهبُهم يتضمَّنُ تعجيزَ الربِّ، وإخراجَ كلِّ ما يكون من أفعال العباد أو الحيوان عن مُلكه وعن قُدرته وعن مشيئته، وكفى بهذا ضلالًا مُبينًا. ونصوصُ الكتابِ ظاهرةُ الدلالةِ في الردِّ عليهم، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة]، وقال سبحانه: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقال: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ [آل عمران]، فهو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود]، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، ولا رادَّ لقضائه. وهؤلاء القدريَّة النُّفاة، هم الذين جاءت الآثارُ فيهم بأنهم مجوسُ هذه الأمة (١)، فهم مُشَبَّهُون بالمجوس الذين يجعلون الخلقَ راجعًا إلى أصلين: النُّورِ والظُّلمةِ: إلهِ الخيرِ وإلهِ الشرِّ. أمَّا الطائفةُ الثانيةُ: الجبريةُ، ورأسُ الجبرية: جَهمُ بنُ صفوان؛ فإنَّه جمع بين ثلاث بدعٍ كبرى: وهي: الإرجاءُ الغالي، والتعطيلُ لأسماء الربِّ وصفاتِه، والجبرُ (٢)؛ وهو أنَّ العبدَ مجبورٌ على أفعاله، ليس له اختيارٌ ولا مشيئةٌ، فحركاتُ النَّاسِ كحركةِ الأشجارِ، وحركةِ الريشةِ في مهبِّ الريحِ، وحركةِ المرتعش؛ حركات لا إرادية بزعمهم.

стр. 118

ومقتضى القول بالجبر أنَّ الإنسانَ غيرُ مَلومٍ على ما يفعله من المعاصي، وأنَّ القدرَ حجَّةٌ لهم. وهذا سبيلُ المشركين الذين عارضوا دعوةَ الرُّسلِ بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، قالوا ذلك ردًّا لدعوة الرسلِ ومعارضةً لهم، وإلَّا فقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ كلمةُ حقٍّ، لكنهم أرادوا بها باطلًا، ومَن قال كلمةَ حقٍّ يُريدُ بها باطلًا؛ فهو مُبطِلٌ. فتبيَّنَ مما سبق أنَّ الجبريةَ والقدريةَ على طرفي نقيضٍ، فالجبريةُ يقولون: إنَّه لا فاعل إلَّا الله، فلازم قولهم: أنَّ اللهَ هو القائمُ والقاعدُ، والمصلِّي والصائمُ، والصادقُ والكاذبُ، فاللهُ هو الفاعلُ لهذه الأفعالِ في الحقيقة، وليست هذه أفعالُ العبادِ، وإضافتُها إلى العبادِ إضافةُ مجازٍ لا حقيقة، تعالى اللهُ عن قولهم علوًّا كبيرًا. وهذا مذهبٌ لا يمكن أن يلتزمَ به مَنْ يدَّعيه، ولا أن تستقيمَ عليه حياةٌ أبدًا، ولهذا فإنَّ مذهبَ القدريةِ النُّفاةِ مع قُبحه وفسادِه خيرٌ من مذهب الجبريةِ. وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ: بين المذهبين وهم أهلُ المذهبِ الحقِّ، أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، فمذهبُهم: الإيمانُ بالقدر بكلِّ ما يتضمَّنُه من المراتب المذكورةِ، وأنَّ أفعالَ العبادِ أفعالٌ لهم حقيقةً، فَعَلوها بإرادةٍ ومشيئةٍ،

стр. 119

ولكنَّها مخلوقةٌ لله، فاللهُ خالقُ العبادِ وخالقُ قدرتِهم وخالقُ أفعالهم، فأفعالُهم أفعالٌ لهم، والعبدُ له إرادةٌ واختيارٌ، ولكنْ مشيئةُ العبدِ محكومةٌ بمشيئة اللهِ كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] فأثبت للعباد مشيئةً، لكن مقيدة بمشيئته ، وهو الحكيمُ في شرعه وقدره. فالصراطُ المستقيمُ في القدر يقومُ على هذه الأصول: الإيمانُ بقدرِ اللهِ بما يشتمل عليه من المراتب الأربعِ التي تقدَّمت. والإيمانُ بشرع اللهِ؛ وهو أَمرُه ونهيُه. والإيمانُ بحكمة اللهِ، فاللهُ تعالى حكيمٌ في شرعه وفي قدره، له الحكمةُ البالغةُ. فهذه ثلاثةُ أُمورٍ، مَنْ اعتصمَ بها نجا من سُبُلِ الضَّلالِ في هذا الباب (١). * * *

стр. 120

٢٩. ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا ومُنْكَرًا … ولا الحَوضَ والمِيزَانَ إنَّكَ تُنْصَحُ يُشيرُ المؤلفُ في هذا البيت إلى بعض ما يجب الإيمان به من أمورِ الآخرةِ، وهي كل ما يكون بعد الموت، واعتقادِ أهلِ السنَّةِ فيها، ومن ذلك: سؤالُ الملكين في القبر منكر ونكير، وحوضُ النبيِّ ﷺ ، والميزانُ. ومن أصول الإيمانِ: الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمانُ باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت، وهو كما قال الإمامُ ابنُ تيمية في «العقيدة الواسطية»: «الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبيُّ ﷺ مما يكون بعد الموت» (١). فيدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بما يكون من حال المحتَضَر، وتولي الملائكة لقبض الروحِ، وما يكون بعد ذلك من أحوالٍ وأهوالٍ، وما يكون في القبر من فتنةٍ وعذابٍ ونعيمٍ، وما يكون بعد ذلك من البعث والنشورِ، والحشرِ، والجزاءِ، ووزنِ الأعمالِ، والحوضِ، والصراطِ، وغيرِ ذلك. كلُّ ذلك يدخل في الإيمان باليوم الآخرِ، فالمؤلفُ أشارَ إلى بعض ذلك. وأهلُ السنَّةِ والجماعةِ يؤمنون بهذا كله: فيؤمنون ب فتنةِ القبرِ، وأنَّ الإنسانَ يُفتنُ في قبره؛ أي: يمتحن، كما قال ﷺ : «أُوحي إليَّ أنَّكم

стр. 121

تُفتنون في قبوركم، مثلَ أو قريبًا (١) من فتنةِ المسيحِ الدجَّال» (٢)، وأكثرُ النَّاسِ لا يُدركون فتنةَ المسيحِ الدجَّال، وأمَّا هذه الفتنةُ -فتنةُ القبرِ- فلا مَحيدَ ولا مَفرَّ منها، فإذا وُضع الميتُ في قبره أتاهُ ملكان فيُقعدانه ويسألانه: مَنْ ربُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نبيُّكَ؟ ثلاثةُ أسئلةٍ، فالمؤمنُ الموقنُ يجيبُ بالصواب، ويقول: ربي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيي محمَّدٌ ﷺ . وأمَّا الكافرُ والمنافق؛ فيقول: ها ها لا أدري، سمعت النَّاسَ يقولون شيئًا فقلتُه، فيُضرَبُ بِمِرْزَبةٍ فيصيحُ صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلَّا الثقلين، كما جاءت الأحاديثُ الصحيحةُ الثابتةُ بهذا المعنى عن النَّبي ﷺ ثم بعد ذلك يكون الميتُ في قبره في نعيمٍ أو عذابٍ، كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويلِ عن قبض روحِ المؤمنِ وروحِ الكافرِ، وما يكون لها، وما يجري عليها بعد ذلك (٣). فالقبرُ كما جاء في الحديث: «روضةٌ من رياض الجنَّةِ، أو حُفرةٌ من حُفرِ النَّار» (٤)، ولهذا جاءت النصوصُ بسؤال النَّجاةِ من عذاب القبرِ،

стр. 122

والرسولُ ﷺ أمر بالاستعاذة من عذاب القبر، بل أمرنا أن نستعيذَ بالله من عذاب القبر في كلِّ صلاةٍ؛ فقال: «إذا تشهَّدَ أحدُكم فليستعذْ بالله من أربع، يقول: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ» (١). وقد ذكر الناظمُ من الغيب الذي يحدثُ للميت في قبره ويجب الإيمانُ به أمورًا: يقول الناظمُ: (ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا ومُنْكَرًا): ومنكرٌ ونكيرٌ: اسمان للملكين اللذين يأتيان الإنسانَ في قبره، فيُقعدانِه ويَسألانِه، وتَسميتُهما بمنكرٍ ونكيرٍ جاءت في حديثٍ رواهُ الترمذيُّ (٢)، وليست معرفةُ اسميهما من المهمَّات، والمهمُّ هو الإيمانُ بفتنة القبرِ.

стр. 123

والمعروفُ أنَّه لم يثبت من أسماء الملائكةِ إلا: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل (١)، ومالك خازن النَّار، ومنكر، ونكير، هذه هي كلُّ ما ثبت من أسماء الملائكةِ (٢). ومما ذَكرَ الناظمُ في هذا البيت الحوض، والمرادُ به: حوضُ نبيِّنا ﷺ ، وقد استفاضت بخبرِه الأحاديثُ، وجاء ذِكرُ طُولِه وعرضِه ووصفِه، فطولُه مسيرةَ شهرٍ، وعرضُه مسيرةَ شهرٍ، وآنيتُه كثيرةٌ عددَ نجومِ السماء، وجاء أنَّ ماءَه أَشدُّ بياضًا من اللبن وأَحلى من العسل، وهو كرامةٌ لنبيِّنا ﷺ وغياثٌ لأمته، تَرِدُ عليه الأُمَّةُ فيشربون، فمَن شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا (٣)، وعنده تتجاوزُ الأخطارُ كلُّها، وقد ثبت عنه أنَّه قال ﷺ : «إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، مَنْ مَرَّ عليَّ شَربَ، ومَن شربَ لم يظمأ أبدًا، ليردَنَّ عليَّ أقوامٌ أَعرفهم ويعرفوني ثم يحالُ بيني وبينهم، فأقولُ: إنهم مني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمَن غيَّر بعدي» (٤). فمما يجب الإيمانُ به -وهو يدخل في الإيمان باليوم الآخر-: الإيمانُ بحوضِ النَّبي ﷺ وأنَّه حقٌّ، وأنَّه حوضٌ حقيقيٌّ، وأنَّه يكون في

стр. 124

عَرصات القيامةِ قبل دخول الجنةِ، وقد ورد أنه يصبُّ فيه مِيزابان من الكوثر (١)، الذي هو النهرُ الذي أُعطِيه رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]، قيل: معناه الخيرُ الكثيرُ، وقيل: معناه نهرٌ في الجنَّة، وكلا المعنيين حقٌّ، ولكنَّ الراجحَ هو المعنى الثاني: فالمرادُ بالكوثر في الآية نهرٌ في الجنَّةِ (٢). ومما يجب الإيمانُ به ويدخلُ في الإيمان باليوم الآخر: الإيمانُ بالوزن و الميزان، وهذا مما جاء في مواضعَ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ [القارعة]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ [القارعة]، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِئَايَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وثبت في السنَّةِ ذِكرُ الميزانِ، كما في حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن» (٣)، ومثل حديثِ صاحبِ البطاقة (٤)، والحديث الذي ورد في شأن ابنِ

стр. 125

مسعودٍ ﵁ وفيه قولُه ﷺ لَمَّا ضحك بعضُ النَّاس من دِقَّة ساقيه: «لهما أثقلُ في الميزان من جبل أُحدٍ» (١). فأهلُ السنَّةِ يؤمنون بالميزان، وأنَّه ميزانٌ حِسِّيٌّ حقيقيٌّ اللهُ أَعلمُ بكيفيَّته، ومن أهلِ البدعِ مَنْ يُنكرُ حقيقةَ الميزانِ، ويقول: هو عبارةٌ عن العدل، فليس هو ميزانٌ حقيقيٌّ؛ بل أَمرٌ معنويٌّ (٢). والإيمانُ باليوم الآخرِ يقتضي الإيمانَ بأمورٍ كثيرةٍ جاءت بها النصوصُ؛ كالحساب ونشرِ الصُّحفِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ]، وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير]، وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]. * * *

стр. 126

٣٠. وقل يُخرِجُ اللهُ العظيمُ بفضلِهِ … مِنَ النَّارِ أجسادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ ٣١. على النَّهْرِ في الفِرْدَوسِ تَحْيَا بمائِهِ … كحِبَّةِ حَمْلِ السَّيْلِ إذ جَاءَ يَطْفَحُ ذكر الناظمُ هنا مسألةً أُخرى تدخلُ في الإيمان باليوم الآخر، وهي خروجُ الموحدين من النَّار، قال ﷺ : «يُدخِل الله أهلَ الجنةِ الجنةَ، ويُدخِل أهلَ النارِ النارَ ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه فيخرجون منها حُمَمًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر الحياة» (١) حُمَمًا؛ أي: فحمًا. وقد تواترت السنَّةُ بذلك (٢)، ومن ذلك أنَّه ﷺ يشفع مرات عند ربِّه، في كلِّ مرَّةٍ يأتي ويسجدُ ويحمدُ ربَّه، فيقال له: ارفع رأسك، وقل يُسْمَع، وسلْ تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع. فيقول: أُمتي أُمتي. فيحدُّ اللهُ له حدًّا فيخرجهم من النَّار، فيرجع ويشفع أربعَ مرات (٣). ويأذن بالشفاعة للملائكة وللأنبياء وللمؤمنين (٤)، كلٌ بحسبه، كما يشاء اللهُ سبحانه.

стр. 127

فيُخْرِجُ اللهُ بشفاعة الشافعين أقوامًا من النَّار من أهل التوحيد من أهل الكبائر، وكلُّ هذا من دليل أهلِ السنَّةِ على خروج الموحِّدين من النَّار، وأنَّه لا يخلدُ في النَّار إلَّا أهلُ الشركِ والكفرِ، أمَّا الموحدون فإنَّهم لا يخلدون، وإن كانوا من أهل الكبائرِ. فأهلُ الكبائرِ: حُكمهم في الدنيا أنَّهم ليسوا بكافرين، وليسوا مؤمنين مُطلقًا، لكنهم مؤمنون إيمانًا ناقصًا، فيُقال للفاسق: إنَّه مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ. وأمَّا حُكمُهم في الآخرة: فإنَّهم تحتَ مشيئةِ اللهِ؛ إن شاء اللهُ غَفرَ لهم ولم يُعذِّبهم، وإن شاء عذَّبهم، ثمَّ يُخرجهم من النَّار بشفاعة الشافعين ممن يأذن له؛ إذ لا أحدَ يشفع عنده إلَّا بإذنه، أو يُخرجهم بمحض رحمتِه دون شفاعةِ شافعٍ، ومردُّ الفضلِ كله إليه . وأشار الناظمُ إلى ما جاء في الأحاديث، من أنَّه: يخرج من النَّار أقوامٌ قد صاروا حُمَمًا، فيخرجون ضبائر - أي جماعات محترقين - فيبثون على أنهار الجنَّة، فينبتون كما تنبتُ الحِبة في حميلِ السيلِ (١)، مثل: حبات البذور البرية، تنبتُ النبتةُ في جانب الوادي عندما يقذفُ السَّيلُ بالغثاء على جانب الوادي، فينبتُ هؤلاء كما تنبتُ الحِبَّة في حَميلِ السيلِ (٢)، فينبتون ويحيون ويدخلون الجنَّةَ برحمتِه سبحانه. فهذا مما يُثبته أهلُ السنَّةِ، ويجب الإيمانُ به، وهو خروجُ عُصاةِ الموحِّدين من النَّار.

стр. 128

وقد نازع في ذلك الوعيديةُ من الخوارج والمعتزلة: فالخوارجُ مذهبهم في أهل الكبائر أنَّهم في الدنيا كفار، وإذا ماتوا مُصرِّين على الكبائر فهم مُخلدون في النَّار. وأمَّا المعتزلةُ فعندهم أصلٌ؛ وهو المنزلةُ بين المنزلتين، فصاحبُ الكبيرةِ في منزلةٍ بين المنزلتين، لكنَّه إذا مات من غير توبةٍ فهو مُخلَّدٌ في النَّار. فاتَّفقت الطائفتان على حكمه في الآخرة دون حُكمِ الدنيا. وأهلُ السنَّةِ مذهبهم كما تقدَّم، قال الطَّحاويُّ ﵀: «وأهلُ الكبائرِ من أمَّة محمَّدٍ ﷺ في النَّار لا يُخَلَّدُون إذا ماتوا وهم موحِّدون، وإن كانوا غير تائبين» (١)، فمَن تاب توبةً نصوحًا -وهي التوبةُ المستوفيةُ لجميع الشروطِ- تاب اللهُ عليه. فهذه الشفاعةُ تُنكرها الخوارجُ والمعتزلةُ؛ لأنَّها تُخالفُ أصولهم. والمقصود أنهم يُطرحون في نهر الحياةِ في الفردوس، كأنَّه جعلَ الفردوسَ اسمًا للجنة عمومًا، وكلمةُ الفردوس لم تَرِد في الأحاديث المصرِّحةِ بإخراج الموحدين من النار، والذي ثبت هو أنهم يطرحون في نهر الحياة عند أبواب الجنة (٢)، فالتقييدُ بالفردوس خطأٌ. * * *

стр. 129

٣٢. وإنَّ رسولَ اللهِ للخَلْقِ شَافِعٌ … وقُلْ في (١) عذابِ القبرِ حقٌ (٢) مُوَضَّحُ يُشيرُ الناظمُ في قوله: (للخَلْقِ شَافِعٌ) إلى شفاعة النَّبي ﷺ الكبرى العامَّة، ويدخل في عموم قولِ الناظمِ: (للخَلْقِ شَافِعٌ) جميعُ أنواعِ الشفاعات الواردةِ المختصَّةِ بالنبي ﷺ ، فهو أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ ﷺ ، وله عدَّةُ شفاعات؛ منها ما هو خاصٌّ به، ومنها ما يشركه فيه غيره، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: «أُعطيتُ خمسًا -وذكر منها- وأُعطيتُ الشفاعة» (٣)، وقولُه: «أُعطيتُ الشفاعة» يمكن أن يتناولَ النوعين: الشفاعةَ الكبرى، وهي المقامُ المحمودُ، والشفاعةَ الأخرى المشتركة التي له منها النصيبُ الأوفرُ. فأمَّا الشفاعةُ الخاصَّةُ بالنبيِّ ﷺ : فأولاها: الشفاعةُ الكبرى في أهل الموقفِ أن يَفصِلَ بينهم، وهي المقامُ المحمودُ الذي خصَّه اللهُ به في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وهو المذكورُ في قولِه ﷺ : «مَنْ قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ

стр. 130

محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (١)، وهذه الشفاعةُ عامَّةٌ، ولا تقتضي نجاةً من النَّار. والشفاعةُ الثانيةُ: شفاعتُه ﷺ في أهل الجنَّة أن يدخلوا الجنَّة. وهاتان الشفاعتان خاصَّتان به ﷺ (٢). وأمَّا الشفاعةُ في خروج أهلِ التوحيد من النَّار فهي مشتركةٌ لا تختصُّ به، لكن له منها النصيبُ الأوفرُ (٣)، وقد قال ﷺ : «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوته، وإنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ -إن شاء الله- مَنْ مات من أمتي لا يُشركُ بالله شيئًا» (٤). وقولُ الناظمِ: (وقُلْ في عذابِ القبرِ حقٌ مُوَضَّحُ): أي: وقل: أيها المسلم إنَّ عذابَ القبرِ حقٌّ. وقد تقدَّم القولُ فيه (٥) وكان المناسب تقديم هذا البيت عند قول المؤلف: (ولا تنكرن جهلًا نكيرا ومنكرا)، فيجب الإيمانُ بفتنة القبرِ وعذابِ القبر ونعيمه، ولأهل العلمِ في كتب العقائدِ الجامعةِ وفي المؤلفاتِ الخاصَّةِ عن أمور اليومِ الآخرِ بحوثٌ واسعةٌ ومُفصَّلةٌ بأدلةٍ

стр. 131

مبسوطةٍ كثيرةٍ، ومن ذلك كتاب «الروح» لابن القيم، فإنه ذكرَ مسائلَ كثيرةً تتعلَّقُ بفتنة القبر، وعذابِ القبر، ونعيمِه. (١) وأحوالُ القبورِ وأهوالها مستورةٌ عن البشر مع قربهم منها، فلو فُتح قبرٌ بعد كذا وكذا لمَا ظهر شيءٌ من نعيمه أو عذابه، ولهذا أنكره الزنادقةُ والذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لأنَّهم لا يحسُّونه ولا يُشاهدونه، وهذا يقتضي أن يُنكروا كلَّ ما أخبر اللهُ به ورسولُه من أمرِ الغيبِ، والإيمانُ المحمودُ الذي أثنى اللهُ على أهله هو الإيمانُ بالغيب، قال اللهُ تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة]. أمَّا الأمورُ المشاهدةُ فليس في الإيمان بها فضلٌ، ولذا لم يوجب اللهُ على العباد أن يؤمنوا بوجود الشمسِ والجبالِ والبحارِ والسماءِ؛ لأنَّها أمورٌ مُشاهدةٌ، وإنَّما أوجب عليهم أن يؤمنوا بما أخبر به في كتابه، وعلى لسان رسولِه ﷺ من الغيوب، تصديقًا لخبره وخبرِ رسولِه ﷺ . * * *

стр. 132

٣٣. [ولا تُكفِرَنْ أهلَ الصَّلاةِ وإن عَصَوا … فكُلُّهمُ يَعصِي وذو العرشِ يَصفَحُ] (١) يقول: لا تُكفِّر العُصاةَ ما داموا يُصلُّون، وهذا الكلامُ يتضمَّنُ أمرين: الأول: الردُّ على الخوارج الذين يُكَفِّرُون بالمعاصي، والعاصي عند أهل السنَّةِ والجماعةِ مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، فهو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، وقد تقدَّم مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة في عُصاة الموحدين من أهل الكبائر (٢). والأمرُ الثاني: قولُ المؤلِّف بكفر تاركِ الصَّلاةِ، فالنَّاظمُ بهذه الإشارةِ يُفهَمُ من كلامِه أنَّه يذهب إلى القول بكفر تاركِ الصلاةِ كسلًا، أمَّا تاركُها جُحودًا فهو كافرٌ باتِّفاق المسلمين؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لله ورسولِه. وكلُّ مَنْ جحدَ معلومًا من دين الإسلامِ بالضرورة، فهو كافرٌ لتكذيبه، ولكن الشأنَ فيمن ترك الصلاةَ كسلًا، فللنَّاس فيه مذاهب (٣): فذهب بعضُهم إلى أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ؛ لِمَا ورد في شأنه؛ كحديث جابرٍ ﵁: «بين الرجلِ وبين الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة» (٤)، وفي

стр. 133

حديث بُريدة ﵁: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمَن تركها فقد كفر» (١)، وذهب جمهور أهل العلم: أنَّ تارك الصلاةِ كسلاً لا يكفر، وتأوَّلُوا حديثَ جابرٍ وحديثَ بُريدة ﵄ على أنَّهما من جنس الأحاديثِ الأخرى التي فيها تسميةُ بعضِ الذنوب كفرًا؛ كقوله ﷺ : «سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقتالُه كُفرٌ» (٢)، وقولِه ﷺ : «أيُّما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أَحدُهما» (٣)، وقولِه ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ» (٤). فعند هؤلاء أنَّ مَنْ تركَ الصلاةَ كسلًا وهو يؤمنُ بوجوبها ويعلمُ أنه مُسيءٌ عاصٍ، لكنه تركَ الصلاةَ بسبب الكسلِ وضعفِ الإيمانِ، فعندهم أنه لا يَكفُرُ. وتوسَّطَ قومٌ فقالوا: إن كان يترك الصَّلاةَ دائمًا، ولا يُصلِّي أبدًا، إلَّا مجاملةً للناس نفاقًا لا إيمانًا، فهو كافرٌ، وأمَّا مَنْ كان يُغالِبُ نفسَه، يُصلِّي ويترك، وهو مع نفسه في كفاحٍ، فلا يكفر بترك ما تركَ من الصلاة. وهذا القولُ فيه توسُّطٌ، وهو قويٌّ عندي لأن هذا الصنف ليس بتارك للصلاة بل هو غير محافظ، واللهُ أعلمُ بالصواب، ولشيخ الإسلام كلامٌ يتضمَّنُ هذا المعنى (٥).

стр. 134

وقولُ الناظمِ: (فكُلُّهمُ يَعصِي وذو العرشِ يَصفَحُ): أي: المصلين يريد المسلمين، وذو العرش يصفح إذا شاء. (وذو العرشِ): هو اللهُ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج]. وقوله: (يَصفَحُ): أي: يعفو ويتجاوزُ إذا شاء كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس]، فهو عفوٌّ غفورٌ. وأمَّا قولُه : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر]، فالمرادُ: يغفر للتائبين، فمَن تاب تاب اللهُ عليه، والتوبةُ مُقتضيةٌ لمغفرة جميعِ الذنوب. وأمَّا آيةُ النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فهي في حقِّ غيرِ التائبين. ففي سورةِ الزُّمَرِ عمَّ وأَطلقَ، وفي سورة النِّساء خصَّ وقيَّدَ، فخصَّ الشركَ بعدم الغفران، وقيَّدَ المغفرة بالمشيئة فيما دون الشِّركِ، وبهذا يحصلُ الجمعُ بين الآيتين (١)، فاللهُ تعالى لا يغفر الشركَ ويغفر ما دونه لمن شاء، ومَن تاب؛ تابَ اللهُ عليه، كما قال : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء].

стр. 135

٣٤. ولا تعتَقِدْ رَأيَ الخَوارِجِ إنَّه … مقالٌ لمن يَهْواه يُرْدِي ويَفْضَحُ الخوارجُ ظهر أوَّلُهم في القرن الأولِ في عهد أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵁ فأكرمه اللهُ بقتالهم، وقد أخبر النبيُّ ﷺ عن خروجهم، وأنَّه تُقاتلهم أَولى الطائفتين بالحقِّ، كما في الحديث الصحيح: «تَمْرُقُ مارِقَةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتُلها أَولى الطائفتين بالحقِّ» (١)، فقاتلهم عليٌّ ﵁ بمن معه من الصحابة وغيرهم (٢). ورأيُ الخوارج: هو التكفيرُ بالذنوب دون الشركِ، فيُكفِّرون بالكبائر، ويزيد البلاءُ إذا اعتقدوا ما ليس بذنبٍ ذنبًا، فحينئذٍ يُكفِّرون مَنْ لم يُذنب لاعتقادهم أنَّه مُذنبٌ، وأنَّ ذلك الذنبَ كفرٌ. ومرتكبُ الكبيرةِ عندهم في الدنيا كافرٌ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلامِ، حلالُ الدَّمِ والمالِ، وإذا مات من غير توبةٍ؛ فهو مخلَّدٌ في النَّار مع الكافرين، وقد تقدم تقرير هذا، ومن شُبهاتهم: الأحاديث التي فيها وصف بعض العصاة والمعاصي بالكفر (٣)، فأخذوها على أنَّه الكفر الأكبر، وتقدم نماذج من هذه الأحاديث، ومن شبهاتهم: النصوصُ التي

стр. 136

فيها نفيُ الإيمان عمَّن وقعَ في بعض الذنوب، مثلُ حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ» (١). وعند أهل السنَّةِ والجماعةِ أنَّ الكفرَ الواردَ في النصوص نوعان: كفرٌ أكبرُ مُناقضٌ لأصل الإيمان. وكفرٌ دون الكفرِ، ويُسمَّى: الكفرُ العملي (٢)، ولكن التعبير عنه بأنه كفرٌ دون الكفر، أو كفرٌ أصغرُ أدقُّ وأضبطُ لأن من الكفر الأكبر ما هو عمل كالسجود أمام الصنم، وإلقاء المصحف في الحُش. والخوارجُ وأهلُ البدع عمومًا، عندهم أهواء يتبعونها، ولهذا يُسمَّى أهلُ البدعِ أهل الأهواءِ، لأنَّهم متبعون للهوى لا للهُدى، مُعجبون بآرائهم، لاجُّون في غيِّهم، وهذا ملاحظٌ في الذين يجنحون إلى التكفير بالذنوب، تجده مندفعًا مع رأيه، متبعًا لهواه، لا يرعوي ولا يُصغي لحجَّةٍ، ولا يكاد يرجع، وتأمَّل حالَ الخوارجِ وكيف كفَّروا عليًّا وأصحابَ الجملِ وأصحابَ صِفِّين، وكفَّروا جمهورَ المسلمين، وسار على طريقتهم وُرَّاثُهم، فلكلِّ قومٍ وارثٌ. وهذا المذهبُ الخطيرُ يجب الحذرُ منه، كما أنَّ تركَ تكفيرِ مَنْ كفَّره اللهُ ورسولُه كذلك انحرافٌ عن سواء السبيلِ والصراطِ المستقيمِ، فالواجبُ على المسلم أن يُكفِّرَ مَنْ كفَّره اللهُ ورسولُه، وألَّا يُخرج من دينِ اللهِ مَنْ ثبت له حُكمُ الإسلامِ ولم يثبت عليه ما يُوجب رِدَّتَه، فلا بدَّ من العدل والتوسُّطِ، ولا بدَّ من الأناة، فالحذر الحذر من التساهل

стр. 137

والتسرُّعِ، ومن التجاوز والتقصير، ومن الإفراط والتفريطِ، والمذاهبُ الباطلةُ كلُّها إمَّا إفراطٌ وإمَّا تفريطٌ، لا تخرج عن هذين الحَيِّزين: إمَّا إفراطٌ وغلوٌّ وتجاوزٌ، وإمَّا تفريطٌ وتقصيرٌ وتهاونٌ وتمييعٌ. * * *

стр. 138

٣٥. ولا تَكُ مُرجِيًّا لَعُوبًا بِدِينِه … ألا إنَّما المُرْجِيُّ بالدينِ يَمْزَحُ بعد ذِكر النَّاظم لاعتقاد أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في الإيمان، وذِكرِه لعقيدةِ الخوارج، ذكر مَنْ يُقابلهم وهم المرجئة، فالمرجئةُ ضدَّ الخوارجِ وعلى النقيض منهم، ولهذا أَتبعهم النَّاظمُ بالخوارج. فقال: (ولا تَكُ مُرجِيًّا): مُرجيًّا بالتشديد مراعاةً للوزن، ويصلح أن تقول: مرجئًا، فباللفظين يحصل المقصودُ. وقولُه: (مرجيًّا): من أرجأ إذا أَخَّر (١)، ويقال: مُرجي ومرجئ بالهمز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١]؛ أي: أَخِّرْه (٢). وقولُه: (لَعُوبًا بِدِينِه): لعوبًا: صيغُة مبالغةٍ من اللعب؛ لأنَّ الإرجاءَ يؤدِّي إلى التهاون بالدِّين. ولهذا قال: (ألا إنَّما المُرْجِيُّ بالدينِ يَمْزَحُ)؛ أي: يلعب، والمزحُ: الدعابةُ والضحكُ والتسليةُ. وبهذا يُعرَفُ أنَّ مذهبَ الخوارجِ على ما فيه من البدع والضلال، خيرٌ من مذهب المرجئةِ الغلاةِ الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ،

стр. 139

كما لا ينفع مع الكفر طاعةٌ، ولهذا قال إبراهيم النخعي: «لَفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة» (١) يعني: الخوارج. والمرجئةُ طوائفُ كثيرةٌ (٢): الطائفةُ الأولى: مرجئةُ الفقهاء، الذين يُخرجون الأعمالَ عن مُسمَّى الإيمان، مع إيجابهم الواجبات، وتحريمهم المحرَّمات، فهؤلاء مرجئةُ الفقهاء؛ مثلُ: أبي حنيفة، ومَن قال بقوله. الطائفةُ الثانيةُ: مرجئةُ الجهميةِ، وقد تقدَّم أنَّ جهمًا ينتحلُ ثلاثَ بدعٍ شنعاء (٣): الجبرُ، والإرجاءُ، والتعطيلُ، وهو بالبدعةِ الأخيرةِ أشهرُ، فهو إمامُها، الناشرُ لها. وفرعٌ عن كلامه في الإرجاء كلامُه فيما يتعلَّق بمسمَّى الإيمان، والنَّاسُ لهم في مسمَّى الإيمان مذاهب: فعند جهمٍ أنَّ الإيمانَ هو المعرفة، فمعرفةُ الإنسان للخالق واعترافُه بوجود اللهِ هو الإيمانُ عنده، ولا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، وهذا من أعجب العجب! فهو يزعم أنَّ المرءَ ولو تكلَّمَ بالكفر فإنَّه مؤمنٌ، ما دام يعرف ربَّه بقلبه، ويزعم أنَّ مَنْ كفَّره اللهُ من الأمم فتكفيرُه لهم دليلٌ على أنَّهم غيرُ مؤمنين في الباطن وغيرُ عارفين لربهم، ومقتضى هذا القول أنَّ سائرَ الأممِ أعداء الرسل مؤمنون

стр. 140

لأنَّهم عارفون بالخالق، وقد ذكر ابنُ القيم مذهبَ جهمٍ هذا، وألزمه أنَّ الأممَ كلَّها مؤمنةٌ على قوله، فقال في «الكافية الشافية» (١): واسْأل ثمودَ وعادَ بَلْ سَلْ قبلهم … أعداءَ نوحٍ أمَّةَ الطُوفَانِ واسْأل أبا الجِنِّ اللَّعِينَ أتعرفُ ال … خَلَّاقَ أم أصبحتَ ذا نُكرانِ واسْأل شِرَارَ الخلقِ أَعْنِي أمَّةً … لُوْطِيَّةً هم ناكحو الذُّكْرَانِ واسأل كذاك إِمَامَ كُلِّ مُعَطِّلٍ … فِرْعَونَ مَعْ قَارُونَ مع هامانِ هل كان فيهم مُنْكِرٌ للخالِقِ الرَّ … بِ العظيمِ مُكوِّنِ الأكوانِ فليُبْشِروا ما فيهمُ مِنْ كافرٍ … هُمْ عِنْدَ جهمٍ كاملو الإيمانِ فمذهبُ الإرجاءِ مقتضاه كفرٌ؛ لأنه جَحدٌ بكلِّ ما جاءت به الرسلُ من الوعيد على المعاصي، ومن الحكم بالكفر والردَّةِ على مَنْ ارتكبَ أسبابَها، فالذي يعتقدُ مثل هذا يكون كافرًا. وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ من مذاهب المرجئة: فمَن يقول: إنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب فقط، فقولُه قريبٌ من قول جهمٍ، لكنَّه دونه، وهو مذهبُ

стр. 141

الأشعريِّ كما قال شيخُ الإسلام ﵀ (١)، وقولُهم: إنَّ الإيمانَ هو التصديقُ، معناه أنَّ الذنوبَ لا تضرُّ إيمانَ المرءِ، فما دام الإنسانُ مصدقًا فهو المؤمنُ، وإن كان يستحقُّ العقابَ على ذنوبه، وعلى ترك الواجبات. والفرقُ بينهم وبين مرجئةِ الفقهاءِ؛ أنَّ مرجئةَ الفقهاءِ يقولون: إنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب، مع الإقرار باللسان، ثم يجعل بعضُهم التصديقَ باللسان شرطًا، وبعضُهم يجعلُه ركنًا؛ فالخلاف بينهم في مسمى الإيمان. وأمَّا الطائفةُ الرابعةُ من طوائف المرجئة: فمَن يقول: إنَّ الإيمانَ كلمةُ الشهادة؛ شهادة أن لا إله إلا الله فقط، وهذا هو مذهبُ الكَرَّاميَّة، فعندهم أنَّ المنافقَ مؤمنٌ، لكنَّه مخلدٌ في النار، فهم كما قال شيخُ الإسلام عنهم: «خالفوا الجماعةَ في الاسم دونَ الحكمِ»، يُسمُّون المنافقَ مؤمنًا، ولكنه في الآخرة مخلَّدٌ في النَّار (٢). وقد ناقش شيخُ الإسلامِ هذه المذاهبَ في كتبه في مواضع كثيرةٍ، منها كتاب «الإيمان الكبير» المعروف. وهي ظاهرةُ الفسادِ والمناقضةِ لِمَا دلَّ عليه كتابُ اللهِ وسنَّةُ رسولِه ﷺ . ومذهبُ الإرجاء يؤدي إلى التلاعب بالدِّينِ كما قال الناظم: (لَعُوبًا بِدِينِه)، والتهاونِ بالواجبات والطاعات، والجرأةِ على المعاصي، وقوله (إنّما): إن: مكفوفة ب (ما) فليست عاملة هنا (٣).

стр. 142

ومعنى قوله: (يمزحُ): أي يتلاعب. ومن المذاهب التي تتَّفقُ مع مذهب المرجئةِ، مذهبُ الذين يقولون: إنَّه لا كفرَ إلَّا باعتقادٍ، فلا يكفر الإنسانُ بكلامٍ ولا بفعلٍ، فإذا سخِرَ الإنسانُ من الرسول وهو يؤمنُ بأنَّه رسولٌ لا يكفر! وإذا بال على المصحف عِنادًا وهو مؤمنٌ بقلبه أنَّ ما امتهنه هو القرآنُ كلامُ اللهِ تعالى، ولكن سولَّت له نفسُه أن يفعلَ هذه الفعلة -والعياذُ بالله- لا يكفر! فأيُّ تهاونٍ وتلاعبٍ بالدين أقبح من هذا، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ تعبيرَ النَّاظمِ جاء موفَّقًا، فالمرجئُ يلعبُ بالدِّين، ويستخفُّ به، ولا يستقيمُ عليه. وبعد هذا البيتِ سيذكرُ النَّاظمُ تعريفَ الإيمانِ عند أهلِ السنَّةِ. * * *

стр. 143

٣٦. وقلْ إنَّما الإِيمَانُ قَولٌ ونِيَّةٌ … وفِعْلٌ على قولِ النَّبيِّ مصرَّح (١) ٣٧. وينْقُصُ طَورًا بالمعاصي وتَارةً … بطاعَتِه يَنْمِي (٢) وفي الوزنِ يَرْجَحُ (٣) يبيِّنُ النَّاظمُ في البيت الأولِ مذهبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في الإيمان، وأنَّه قولٌ ونيَّةٌ وفعلٌ، وذكر في البيت الثاني أنَّه يزيد وينقص، وهذا هو قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ. فالإيمانُ: اعتقادٌ بالجنان وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالأركان (٤)، وكثيرٌ من الأئمة يقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، أو يزيدُ وينقصُ (٥). فقولهم: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، تفسيرُه ما قاله شيخُ الإسلام ﵀ لَمَّا ذكر أنَّ من أصول أهلِ السنَّةِ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، قال: «قولُ

стр. 144

القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ والجوارحِ» (١)، وقولُ القلبِ هو الاعتقادُ، وقولُ اللسانِ هو الإقرارُ، وعملُ القلبِ هو الانقيادُ والاستجابةُ والقيامُ بأعمال القلوبِ من خوفٍ ورجاءٍ وتوكُّلٍ، وعملُ الجوارحِ ظاهرٌ معروفٌ، وهو ما يكون باليد والسمعِ والبصرِ والأُذنِ والرِّجلِ وسائرِ البدنِ، فصار الإيمانُ يشمل أربعةَ أمورٍ: أولًا: اعتقادُ القلبِ الاعتقاد الذي يوجب عملَ القلبِ. ثانيًا: عملُ القلبِ، يتضمن الانقيادَ والالتزامَ والاتباعَ. ثالثًا: قولُ اللسانِ، وهو الإقرارُ. رابعًا: عملُ الجوارحِ (٢). وقد أخبر رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ: «في الجسد مُضغة إذا صَلحت صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسدت فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب» (٣). والمرجئةُ كلُّهم يشتركون في تأخير الأعمالِ عن مسمَّى الإيمان، ويزعمون أنَّ الأعمالَ لا تدخل في مسمَّاه، ولهذا سُمُّوا مرجئة. وأهلُ السنَّةِ يقولون: الأعمالُ تدخل في مسمَّى الإيمانِ، وأدلةُ ذلك كثيرةٌ، ومن أظهرها وأصرحِها وأصحِّها: قوله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،

стр. 145

والحياء شعبة من الإيمان» (١)، وعدِّدْ فيما بين ذلك، الصلاة من الإيمان، والصيام من الإيمان، والحج من الإيمان، والجهاد من الإيمان، وبر الوالدين من الإيمان، وصلة الأرحامِ من الإيمان، وإطعام الطعامِ، وإفشاء السَّلامِ، كلُّ ذلك من الإيمان، وإماطةُ الأذى عن الطريق ابتغاءَ وجهِ اللهِ من الإيمان. وقد عقد الإمامُ البخاريُّ تراجمَ تتضمَّنُ هذا المعنى في «كتاب الإيمان» من «الجامع الصحيح»، فذكر: باب الصَّلاةِ من الإيمان، باب الجهادِ من الإيمان، باب صومِ رمضان احتسابًا من الإيمان (٢) وغيرها. ومن جملة أدلةِ أهلِ السنَّةِ كذلك قولُه ﷺ : «مَنْ رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان» (٣). فجعل هذه المراتبَ كلَّها من الإيمان؛ فالتغييرُ باليدِ من الإيمان، وباللسانِ من الإيمان، والتغييرُ بالقلب -ويكون ببغض المنكرِ، والرغبة في إزالته- من الإيمان. وقولُ النَّاظمِ كما في نسخة: (قَولٌ ونِيَّةٌ وفِعْلٌ على قولِ النَّبيِّ مُصَبَّحُ): وفي نسخة أخرى (مُصرَّحُ) وهو أوضحُ من (مُصبَّحُ)؛ لأنه لا يظهر ب (مصبح) معنى، والتفعيل يستقيم على هذا وهذا.
следующие страницы →