← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفرقان في حياة رسول الله ﷺ قال: فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ علي حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبّرت حتى سلّم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السّورة التي سمعتك تقرأ؟. قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت فإنّ رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأسورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ (١) يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت ثمّ قال: أقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه "، رواه البخاري (٢) أيضا. وقوله:" أساوره ": أي آخذ برأسه، و" لببته ": أي جمعت عليه ثيابه عند لبّته (٣) لئلا ينفلت مني، وكان عمر ﵁ شديدا في الأمر بالمعروف (٤). وفي قوله:" فاقرءوا ما تيسر منه ": إشارة إلى الحكمة في التّعدد المذكور في الحديث، وأنّه للتّيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال:" المراد بالأحرف اللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأنّ لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما "، نبّه على ذلك ابن عبد البر (٥)، ونقل عن أكثر أهل العلم أنّ هذا هو المراد بالأحرف السبعة (٦).

стр. 107

وقال أبو علي الأهوازي:" هي لغات قريش، ومن ينتهي نسبه إليها، لنزوله بلغتهم، لأنهم قوم الرسول ﷺ ، وهي أفصح اللغات". وقال الفرّاء (١):" لأنّهم جاوروا البيت فكانت تفزع (٢) إليهم القبائل على تنوعها، ويخاطبونهم فيختارون من كلّ لغة فصحاها، /ومن كلّ وجه أحسنه، [فجاؤوا] (٣) فصاحا صباحا (٤) ". ومن ثمّ كتب عمر ﵁ إلى ابن مسعود:" إنّ الله أنزل القرآن بلغة هذا الحي من قريش فأقرئ النّاس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل "، حين أقرأ «عتى» (٥) بالعين. وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنّ المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأنّ لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأنّ المراد أفصحها (٦). وقال أبو حاتم السجستاني (٧):" نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر "، واستنكره ابن قتيبة، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾

стр. 108

﴿مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (١)، فعلى هذا فتكون اللّغات السّبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي كما مرّ (٢). والحق أنّه لا يلزم من هذه الآية أن يكون النّبي ﷺ أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه، بل أرسل بلسان جميع العرب، لأنّه أرسل إليهم كلّهم، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى النّاس كافة عربا وعجما؛ لأنّ اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو بلّغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم. وقال أبو عبيد:" ليس المراد [أن] (٣) كلّ كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرّقة فيه؛ فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم " (٤). ولا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أحرف إلاّ الشيء القليل مثل: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (٥)، ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ (٦)، و ﴿أَرْجِهْ﴾ (٧). وقيل: نزل بلغة مضر خاصّة لقول عمر ﵁:" نزل القرآن بلغة مضر " (٨). وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر:" السبع من مضر أنّهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرّباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات " (٩).

стр. 109

لكن قال القاضي الباقلاني فيما عزاه له في فتح الباري:" إن ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (١) أنّه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنّه أراد مضر دون ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشا فعليه البيان، لأنّ اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا، ولو ساغت هذه الدّعوى لساغ لآخر أن يقول: "نزل بلسان بني هاشم مثلا"، لأنّهم أقرب نسبا إلى النّبي ﷺ من سائر قريش " (٢). ونقل العلامة أبو شامة عن بعضهم:" أنّه نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم/ من العرب الفصحاء، ثمّ أبيح للعرب أن يقرؤه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب " (٣) انتهى. ويدل على ما قاله ما ثبت أنّ ورود التّخفيف كان بعد الهجرة كما في حديث أبيّ بن كعب:" أنّ جبريل لقي النّبي ﷺ وهو عند أضاة بني غفّار فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك … الحديث"، رواه مسلم (٤). وأضاة بني غفار بفتح الهمزة، والضّاد المعجمة بغير همز، وآخره تاء تأنيث: موضع بالمدينة النبوية نسب لبني غفار بكسر المعجمة. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أنّ معنى قوله: أنزل على سبعة أحرف: أي أنزل توسعا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه أي يقرأ بأيّ حرف أراد منها، على البدل من صاحبه كأنّه قال: "أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهل قراءته".

стр. 110

وقال ابن قتيبة فى أوّل تفسير «المشكل» له: "وكان من تيسير الله أن أمر نبيّه أن يقرئ كلّ قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم؛ فالهذلي يقرأ: «عتّى عين»، يريد «حتى حين»، والأسدي يقرأ: «تعلمون» بكسر أوّله، والتميمي: يهمز، والقرشي: لا يهمز"، قال: "ولو أراد كلّ فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى على لسانه لشقّ عليه غاية المشقة، فيسر الله عليهم ذلك بمنّه" (١). وقال ابن عبد البر: "أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف: اللّغات لما تقدّم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا: وإنّما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بالألفاظ المختلفة نحو: أقبل، وهلم، وتعال" (٢) اه. قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات، لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى وهي ما نبّه عليه أبو عمرو الدّاني: أنّ الأحرف السّبعة ليست متفرقة في القرآن كلّها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ بقراءة من القراءات أو برواية من الروايات فإنّما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلّها، وهذا إنّما يتأتّى على القول بأنّ المراد بالأحرف اللغات، وأمّا على قول من يقول بالآخر فيتأتّى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب؛ بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السّبعة في بعض/القرآن" (٣). واعلم أنّ الاختلاف في الأحرف السّبعة اختلاف تنوع وتغاير؛ لا تضاد وتناقض، إذ هو محال أن يكون في كتاب الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٤)، ولا يخلوا الاختلاف من ثلاثة أحوال لأنه:

стр. 111

إمّا أن يكون اختلاف لفظ والمعنى واحد ك ﴿الصِّراطَ﴾ (١) و ﴿الْقُدُسِ﴾ (٢) ونحوهما ممّا يطلق عليه أنّه لغات فقط. وإمّا أن يختلفا جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد، كالاختلاف في ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (٣) بالرّاء والزّاي، فمعنى الرّاء (٤): أنّ الله أحيا العظام، ومعنى الزّاي (٥): أنّه رفع بعضها إلى بعض حتى قامت، فضمّن الله تعالى المعنيين في القراءتين. وإمّا أن يختلفا جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شئ واحد بل يتّفقا من وجه آخر لا يقتضي التّضاد [نحو ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (٦) بالتّشديد والتّخفيف فإنّ ذلك ونحوه وإن اختلف لفظا ومعنى، وامتنع اجتماعه في شيء واحد فإنّه يجتمع من وجه آخر ممتنع فيه التّضاد] (٧) والتّناقض، فإنّ وجه التّشديد أي: "وتيقّن الرّسل أنّ قومهم قد كذبوهم"، [ووجه التخفيف: أي: "وتوهّم المرسل إليهم أنّ الرّسل قد كذبوهم] (٨) فيما أمروهم به"، فالظّنّ في الأولى يقين، والضّمائر الثّلاثة للرّسل، وفي القراءة الثّانية: شك، والضّمائر الثّلاثة للمرسل إليهم، فليس في ذلك تناف ولا تناقض (٩). وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التّغاير في سبعة أشياء:

стр. 112

الأوّل: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل: ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ بنصب الرّاء ورفعها. الثاني: ما يتغير بتغير الفعل مثل: «بعّد بين أسفارنا»، و ﴿باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ بصيغة الطّلب، والفعل الماضي. الثّالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ﴿نُنْشِزُها﴾ بالرّاء والزّاي. الرّابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ في قراءة عليّ «وطلع منضود». الخامس: ما يتغير بالتّقديم والتّأخير: مثل ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١) في قراءة أبي بكر الصديق (٢)، وطلحة بن مصرف (٣)، وزين العابدين (٤) «وجاءت سكرة الحق بالموت». السّادس: ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل: «والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى.» «والذكر والأنثى» (٥)، هذا النّقصان، وأمّا الزّيادة فكما في حديث ابن عباس: " «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين» (٦).

стр. 113

السّابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (١) في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير «كالصوف المنفوش»، انتهى ما قاله ابن قتيبة فيما نقله عنه الحافظ أبو الفضل العسقلاني (٢). ونقله عنه أيضا في (النشر) بنحوه لكنه/قال:" الرّابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها ومعناها نحو: «طلع نضيد» في موضع: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٣) في آخر " (٤). ثمّ قال:" وهو وجه حسن إلاّ أنّ تمثيله ب «طلع نضيد»، و ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ لا تعلّق له باختلاف القراءات، ولو مثّل عوض ذلك بقوله ﴿بِضَنِينٍ﴾ (٥) بالضاد، و «بظنين» بالظّاء، و ﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾ (٦) و ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ لاستقام وطلع بدر حسنه في تمام، على أنّه قد فاته كما فات غيره أكثر أصول القراءات كالإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإمالة، والتفخيم، وبين بين، والمد، وبعض أحكام الهمزة، وكذلك الرّوم والإشمام على اختلاف أنواعه " (٧) اه. وقال أبو الفضل الرازي (٨):" الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأوّل: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، أو تذكير وتأنيث.

стр. 114

الثّاني: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه من: ماض، ومضارع، وأمر، والإسناد إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل والمفعول به. الثّالث: وجوه الإعراب. الرّابع: النّقص والزّيادة. الخامس: التّقديم والتّأخير. السّادس: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، وفي حرف بآخر. السّابع: اختلاف اللّغات كالفتح والإمالة، والتّرقيق والتّفخيم، والإدغام والإظهار، ونحو ذلك " (١)، وقد أخذ كلام ابن قتيبة ونقّحه (٢). وقال ابن الجزري (٣):" تتبعت القراءات صحيحها، وشاذها، وضعيفها، ومنكرها فإذا [هي ترجع] (٤) إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عنها وذلك: إمّا في الحركات بلا تغيّر في المعنى والصّورة نحو ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (٥)، و ﴿يَحْسَبُ﴾ (٦) بوجهين، أو بتغير في المعنى فقط نحو: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ (٧) و ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٨)، «وأمّة»، وإمّا في الحروف بتغير المعنى لا الصّورة نحو «تبلوا»

стр. 115

و «(تتلوا)» (١)، و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٢)، («(وننحيك ببدنك)» (٣)، أو عكس ذلك نحو ﴿بَسْطَةً﴾ و («(بصطة)») (٤)، و («(السراط)»)، و ﴿الصِّراطَ﴾ (٥)، أو بتغيرهما نحو ﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾، («(ومنهم)») (٦)، و ﴿يَأْتَلِ﴾ (٧)، و («(يتأل)»)، و «(فامضوا إلى ذكر الله)» (٨)، وإمّا في التّقديم والتّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٩)، و «جاءت سكرة الحق بالموت» (١٠)، أو في الزّيادة والنّقصان نحو «أوصى»، و ﴿وَوَصّى﴾ (١١) و ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (١٢)، وأمّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام، والرّوم والإشمام ممّا يعبر عنه بالأصول فليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ لأنّ هذه الصّفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا/ ولإن فرض فيكون من الأوّل "اه. وذهب قوم إلى أن السّبعة أحرف:" سبعة أصناف من الكلام، واحتجّوا بحديث ابن مسعود عن النّبي ﷺ : "كان الكتاب الأوّل ينزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال … الحديث" (١٣)، أخرجه أبو عبيد وغيره، لكن قال ابن عبد البر: "هذا حديث

стр. 116

لا يثبت لأنّه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن (١)، عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود، وقد ردّه قوم من أهل النّظر؛ منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران (٢) " (٣). وقال أبو العلاء الهمداني، والأهوازي (٤): "قوله: زاجر وآمر … إلى آخره، استئناف كلام آخر أي هو زاجر أي القرآن، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنّما توهّم ذلك من توهّمه من جهة الاتّفاق في العدد". ومما يقوّي ذلك أنّ الصّحابة الذين اختلفوا وترافعوا إلى النّبي ﷺ كما تقدّم في حديث عمر وهشام، وثبت عن أبي، وابن مسعود، وعمرو بن العاص وغيرهم، لم يختلفوا في تفسيره، ولا أحكامه، وإنّما اختلفوا في قراءة حروفه، وقد نقل القرطبي عن ابن حبان أنّه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السّبعة إلى خمسة وثلاثين قولا (٥)، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة. وكان قد اشتهر في الزّمن النّبوي بحفظ القرآن، والتّصدي لتعليمه أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل (٦)، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب كما في البخاري بلفظ:

стр. 117

"خذوا القرآن عن أربعة … " (١) فذكرهم، أي: تعلّموه منهم. قال في (فتح الباري): "ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل يكون الذين يحفظونه مثل الذين حفظوه أو أزيد، وقد قتل في غزوة بئر معونة (٢) جماعة من الصحابة كان يقال لهم القرّاء وكانوا سبعين" (٣). وقال الكرماني (٤): "يحتمل أنّه ﵇ أراد الإعلام بما يكون بعده أي أنّ هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك"، وتعقّب بأنّهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النّبوي أضعاف المذكورين " (٥). وخطب عبد الله بن مسعود فقال:" والله قد أخذت من فيّ رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنّي أعلمهم بكتاب/الله، وما أنا بخيرهم "رواة البخاري (٦). وروى عنه مسروق (٧) أنّه قال:" والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله

стр. 118

إلاّ أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلاّ أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منّي بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه "رواه البخاري (١). وعن أنس:" مات النّبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (٢)، قال: ونحن ورثناه "رواه البخاري (٣). قال الماوردي (٤) كما عزاه له في (فتح الباري):" لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأنّ التّقدير أنّه لا يعلم أنّ سواهم جمعه، وإلاّ فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصّحابة وتفرّقهم في البلاد، وهذا لا يتم إلاّ إن كان لقي كلّ واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنّه لم يكمل له جميع القرآن في عهد النّبي ﷺ ، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع على ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك " (٥) اه. وعن قتادة (٦):" سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النّبي ﷺ ؟. قال: أربعة كلّهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد "، رواه البخاري (٧)، وفى رواية الطّبري في أوّله:" افتخر الحيّان: الأوس والخزرج، فقال

стр. 119

الأوس: منّا أربعة: من اهتزّ له عرش الرّحمن سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسّلته الملائكة حنظلة بن عامر، ومن حمته الدّبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم " (١). وهذا يحتمل أن يكون مراد أنس:" لم يجمعه غيرهم "، أي من الأوس، بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني (٢) وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة: أحدها: أنّه لا مفهوم له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه. ثانيها: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلاّ أولئك. ثالثها: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلاّ أولئك، وهو/قريب من الثاني. رابعها: أنّ المراد بجمعه تلقّيه من فيّ رسول الله ﷺ لا بواسطة بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقّى بعضه بالواسطة. خامسها: أنّهم تصدوا لتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عن من عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه وليس الأمر في نفس الأمر كذلك. سادسها: المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه، وأمّا هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب (٣). قال في (فتح الباري):" والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنّ أبا بكر ﵁ كان

стр. 120

يحفظ القرآن في حياة النّبي ﷺ ، وقد روى البخاري: "أنّه بنى مسجدا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن" (١)، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدّة حرص أبي بكر على تلقّي القرآن من النّبي ﷺ ، وفراغ باله له وهما بمكة، وكثرة ملازمة كلّ منهما للآخر " (٢) اه. قال الحافظ عماد الدين بن كثير كما عزاه له ابن الجزري في طبقاته:" أنا لا أشك أنّ الصّدّيق ﵁ قرأ القرآن " (٣)، ثمّ قال:" وقد رأيت نصّ الإمام أبي الحسن الأشعرى رحمه الله تعالى على حفظه القرآن "، واستدلّ على ذلك بدليل لا يرد وهو أنّه صحّ عنه ﷺ بلا نظر أنّه قال:" يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله وأكثر قرآنا " (٤)، وتواتر عنه ﷺ أنّه قدّمه للإمامة، ولم يكن ﷺ ليأمر بأمر ثمّ يخالفه بلا سبب، فلولا أنّ أبا بكر ﵁ كان متّصفا بما يقدمه في الإمامة على سائر الصّحابة وهو القراءة لما قدّمه، وذلك على كلّ تقدير؛ سواء قلنا: المراد بالأقرأ الأكثر قراءة كما هو ظاهر اللّفظ، وذهب إليه الإمام أحمد وغيره، أو الأعلم كما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره، لأنّ زيادة العلم في ذلك العصر كان ناشئا عن زيادة القراءة كما فسر الإمام الشافعي:" كنّا إذا قرأناالآية لا نجاوزها حتى نعلم فيم أنزلت " (٥). وهذا يدلّ على أنّه أقرأ الصّحابة، وليس ذلك بمنكر فإنّه أفضل الصّحابة مطلقا، وإن كنّا لا ندّعي له الأفضليّة في كلّ فرد فرد كما في سائر الفضائل كما ادّعاه غيرنا؛ بل

стр. 121

نقول كما قال إمامنا الشّافعي: إنّ الأفضليّة/ [في القراءة تستلزم الأفضلية في العلم، وكذلك] (١) الأفضليّة في العلم إذ كان عندهم الأقرأ هو الأعلم، وكيف يسوغ لأحد نفي حفظ القرآن عن أبي بكر ﵁ بغير دليل ولا حجّة بل بمجرد الظّن مع أنّه لا يسوغ لنا ذلك في أحاد النّاس" انتهى (٢). وأخرج النّسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: "جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة فبلغ النّبي ﷺ فقال: اقرأه في شهر" (٣). وتقدّم في الحديث الماضي ذكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين. وقد ذكر أبو عبيد القرّاء من الصّحابة بعد الخلفاء الأربعة: طلحة، وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة (٤)، وسالما (٥)، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب (٦)، والعبادلة (٧). ومن النساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنّما أكمله بعد النّبي ﷺ فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس.

стр. 122

وعدّ ابن أبي داود في كتاب (الشّريعة): من المهاجرين أيضا: تميم بن أوس الدّاري (١)، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت (٢)، ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة (٣)، ومجمّع بن جارية (٤)، وفضالة بن عبيد (٥)، ومسلمة بن مخلّد (٦) وغيرهم، وصرّح بأنّ بعضهم إنّما جمعه بعد النّبي ﷺ ، وممّن جمعه أيضا: أبو موسى الأشعري (٧)، ذكره أبو عمرو الداني. وكان القرآن كلّه كتب على عهده ﷺ في الصّحف، والألواح، والعسب لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السّور، كما رواه ابن أبي داود (٨).

стр. 123

ولمّا توفي النّبي ﷺ وقام بالأمر بعده الصديق، وقتل من الصّحابة جمع كثير في قتال أهل الردة، وأصحاب مسيلمة؛ أشير على الصديق بجمع القرآن بالكتابة كما روى عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب ﵁ عنده، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى إن استحرّ بهم القتل بالمواطن كلّها فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول/الله ﷺ تتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ ممّا أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب، واللّخاف، وصدور الرّجال حتى وجدت آخرسورة [التوبة] (١) مع أبي (٢) خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ﴾

стр. 124

﴿أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ … (١) حتى خاتمة براءة، فكانت الصّحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر، رواه البخاري. قال في (فتح الباري) ممّا عزاه للخطّابي: "يحتمل أن يكون ﷺ إنّما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلمّا انقضى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله [ذلك] الخلفاء الراشدين وفاء بوعده الصّادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله تعالى شرفا فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق ﵁ بمشورة عمر" (٢)، انتهى. قال ابن الباقلاني: وكان الذي فعله الصّديق فرض كفاية بدلالة قوله ﷺ : "لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن"، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾، وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾، قال: فكلّ أمر يرجع لإحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية، وكان ذلك من النّصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم. [واستدل غيره من العلماء بقوله تعالى: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (٣)، وذلك إرشاد إلى أن كلامه الموحى إلى رسله طريق تخليده تدوينه في الصحف، وأكد ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "قيدوا العلم بالكتاب"، أي بالكتابة، وهما مصدر «اكتب» فدل هذا الأمر على مشروعية كتابة القرآن العظيم وغيره من العلوم الأمية] (٤). وقوله في الحديث: "استحرّ"، بسين مهمله ساكنة، ومثناه مفتوحة بعدها، ثمّ حاء مهمله مفتوحة، ثمّ راء مشدّدة أي: اشتدّ وكثر.

стр. 125

وقوله: "قلت": هو خطاب أبي بكر لعمر حكاه ثانيا لزيد بن ثابت لمّا أرسل إليه. وقوله: "من العسب" بضم المهملة ثمّ موحدة جمع "عسيب"، وهو جريد النّخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطّرف العريض، وقيل: العسب: طرف الجريد العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي [ينبت] (١) عليه هو السّعف. ووقع في رواية شعيب: "من الرّقاع" جمع «رقعة»، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد (٢)، وفي رواية عمارة بن غزيّة (٣): "وقطع الأديم". و"اللخاف": جمع لخفة بفتح اللام وسكون المعجمة، قال أبو داود الطّيالسي (٤) /في روايته: "هي الحجارة الرّقاق"، وقال الخطّابي: "صفائح الحجارة الرقاق" (٥)، وفي كتاب الأحكام من البخاري عن أبي ثابت (٦) أحد شيوخه: أنّه فسّره بالخزف بفتح المعجمة والزّاي، ثمّ فاء؛ وهي الآنية التي تصنع من الطّين المشوي.

стр. 126

وفي رواية شعبة (١): "والأكتاف": جمع: كتف، وهو: العظم الذي للبعير أو الشّاة كانوا إذا جفّ كتبوا عليه. وفى رواية ابن شهاب عند ابن أبي داود: "والأضلاع"، وعنده من وجه آخر: "والأقتاب"، بقاف ومثناة، وآخره موحدة جمع: قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه. وعند ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (٢) قال: قام عمر فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا كتبوا ذلك في الصّحف، والألواح، والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدين، وهذا يدلّ على أنّ زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا، مع كون زيد كان يحفظه، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط" (٣). وعند ابن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنّ أبا بكر قال لعمر ولزيد: "أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله تعالى فاكتباه"، ورجاله ثقات مع انقطاعه (٤). وكان المراد بالشّاهدين: الحفظ، والكتاب، أو المراد: أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك

стр. 127

من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرّد الحفظ (١). وقوله: "وصدور الرجال" أي: حيث لا أجد ذلك مكتوبا، أو الواو بمعنى: مع، أي: اكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصّدور. وقوله: "حتى وجدت آخرسورة التوبة". .. إلى قوله: "لم أجدها مع أحد غيره" أي: مكتوبة لما تقدّم من أنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يستلزم من عدم وجدانه إيّاها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقّاها منه ﷺ وإنّما كان زيد يطلب التّثبت، وهذا يوهم أنّه كان يكتفي في إثبات الآية بالشّخص الواحد وليس كذلك؛ فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت، وأبو خزيمة، وعمر، اه، والحقّ: أنّ المراد بالنّفي نفي وجودها مكتوبة، لا نفي كونها محفوظة (٢) /. وروى موسى بن عقبة (٣) في (المغازي) عن ابن شهاب قال: "لمّا أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يهلك من القرآن (٤) طائفة، فأقبل النّاس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أوّل من جمع القرآن في الصحف.

стр. 128

ولمّا توفّي الصّديق ﵁ وقام بالأمر بعده عمر بن الخطاب ثمّ عثمان بن عفان ﵁ أشير على عثمان ﵁ بجمع القرآن في المصحف، فعن أنس بن مالك: أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ﵁، وكان يغازي أهل الشّام في فتح أرمينية (١) وأذربيجان (٢) بفتح الهمزة، والذّال المعجمة، وسكون الرّاء، وكسر الموحدة بعدها تحتيّة ساكنة، ثمّ جيم مخفّفة آخره نون مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي بالصّحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان وأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف

стр. 129

ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن الشّهاب: "فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنّه سمع زيد بن ثابت قال: "فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (١) فألحقناها في سورتها في المصحف "رواه البخاري (٢). قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني:" وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السّنة الثّالثة أو الثّانية من خلافة عثمان " (٣)، وقال ابن الجزري:" في حدود سنة ثلاثين من الهجرة " (٤). وأخرج ابن أبي داود:" أنّ اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا/: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٥)، وقرأ هذا: «وأتمّوا الحجّ والعمرة للبيت» فغضب حذيفة واحمرت عيناه " (٦). وأخرج ابن أبي داود أيضا من طريق أبي قلابة (٧) قال:" لمّا كان في خلافة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلّم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون

стр. 130

فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المسلمين حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشدّ اختلافا" (١). قال الحافظ ابن حجر: "ويظهر لي أنّ حذيفة لمّا رأى اختلاف أهل الشّام والعراق اشتدّ خوفه، وركب إلى عثمان، فصادف أنّ عثمان أيضا وقع له ذلك، فلمّا أعلمه باختلاف أهل الأمصار تحقق عنده ما ظنّه من ذلك، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي بالصّحف ننسخها في المصاحف، فنسخها في المصاحف" (٢). والفرق بين الصّحف والمصحف: أنّ الصّحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سورا مفرّقة، كلّسورة مرتّبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلمّا نسخت ورتّب بعضها إثر بعض صارت مصحفا (٣). وفى رواية ابن أبي داود من طريق [محمد بن إسحاق] (٤)، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة (٥) بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال: "أشهد أني سمعتهما من رسول الله ﷺ ، ووعيتهما"، فقال عمر: "وأنا أشهد لقد سمعتهما"، ثمّ قال: "لو كانت ثلاث آيات لجعلتهاسورة على حدة فانظرواسورة من القرآن فألحقوها في آخرها" (٦)، فظاهره أنّهم كانوا يؤلّفون آيات السّور باجتهادهم، وسائر الأخبار يدل على أنّهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلاّ بالتّوقيف. وروى أحمد وأصحاب السنن الثّلاثة، وصحّحه ابن حبان، والحاكم من حديث

стр. 131

عبد الله بن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السّور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول:" ضعوا هذا في السّورة التي يذكر فيها كذا " (١)، الحديث. نعم ترتيب السّور بعضها أثر بعض كان يقع بعضه منهم بالاجتهاد. وهل يتعين ترتيب السّور في القراءة؟، قال ابن بطال (٢):" لا نعلم أحدا قال بوجوبه بل يجوز أن يقرأ/الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلا " (٣). وأمّا ما جاء عن السّلف من النّهي عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به: أن يقرأ من آخر السّورة إلى أوّلها (٤). وقد جاء عن عثمان: أنّه إنّما أمر بكتابة المصاحف بعد أن استشار الصّحابة

стр. 132

فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة (١) قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلاّ خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأ منّا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟، فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟، قال: أرى أن نجمع النّاس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: نعم ما رأيت" (٢). وفى رواية مصعب بن سعد (٣): "فقال عثمان: من أكتب النّاس؟، قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأيّ النّاس أعرب؟ وفي رواية: أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص (٤)، قال: فليمل سعيد، وليكتب زيد" (٥). ومن طريق سعيد بن عبد العزيز (٦): "إنّ عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص بن أمية لأنّه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ " (٧).

стр. 133

قال في فتح الباري: "ووقع من تسمية بقيّة من كتب أو أملى عند ابن أبي داود مفرقا جماعة منهم: مالك بن أبي عامر (١) جد مالك بن أنس، وكثير بن أفلح (٢)، وأبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس" (٣). وأخرج ابن أبي داود من طريق عبد الله بن مغفل (٤)، وجابر بن سمرة (٥). قال: قال: عمر بن الخطاب: "لا يملين في مصاحفنا إلاّ غلمان قريش" (٦)، وليس في الذين سمّيناهم أحد من ثقيف (٧) بل إمّا قرشي أو أنصاري. وكأنّ ابتداء الأمر كان لزيد ولسعيد، ثمّ احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق فأضافوا إلى زيد من ذكر

стр. 134

ثمّ استظهروا (١) في الإملاء (٢). وقد شقّ على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه، قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنّ عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال: "يا معشر المسلمين أعزل عن كتابة المصاحف ويتولاّها رجل، والله لقد أسلمت وإنّه لفي صلب رجل كافر" (٣) يريد زيد بن ثابت/. والعذر (٤) لعثمان ﵁ في ذلك أنّه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخّر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، وأيضا: فإنّ عثمان إنّما أراد نسخ الصّحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر وكاتبها هو زيد بن ثابت كما تقدّم لكونه كان كاتب الوحي فكانت له أولوية ليست لغيره (٥). واختلف في عدّة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق فالمشهور: أنّها خمسة، وقال ابن أبي داود: "سمعت أبا حاتم السّجّستاني يقول: كتبت سبعة مصاحف: إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى

стр. 135

الكوفة، وحبس بالمدينة، واحد، وأحرق ما سوى ذلك" (١). وإنّما أمر بإحراق ما سوى المصحف الذي استكتبه والمصاحف التي نقلت منه و [سوى] (٢) الصّحف التي كانت عند حفصة خشية أن يقع لأحد منها توهّم أنّ فيها ما يخالف المصحف الذي استقرّ عليه الأمر، وكانت كتابتهم هذه المصاحف بإجماع منهم على اللفظ الذي استقر في العرضة الأخيرة التي قرأ بها رسول الله ﷺ على جبريل عام قبض دون ما أذن فيه، وعلى ما صحّ مستفاضا عنه ﵇ دون غيره قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع فليس لأحد أن يتعد الرسم (٣). وجرّدوا كتابتها من النقط والشكل ليحتمل ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النّبي ﷺ ؛ إذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط وقرأ أهل كلّ مصر بما في مصحفهم، وأخذوا ما فيه عن الصّحابة الذين أخذوه من فيّ رسول الله ﷺ . وكان أوّل من أحدث نقط المصحف وشكله الحجّاج بأمر عبد الملك بن مروان كما قاله ابن عطية في (تفسيره)، وزاد تحزيبه، وقيل: إنّه أمر وهو وال على العراق الحسن ويحيى بن يعمر (٤) بذلك، وقيل: أبو الأسود الدؤلي (٥)، وقيل: إنّ المأمون العباسي أمر بوضع الأعشار، وقيل: الحجّاج (٦).

стр. 136

وقد اختلف: هل المصاحف مشتملة على الأحرف السّبعة أو على بعضها؟. فمال القاضي أبو بكر بن الباقلاني إلى الأوّل وصحّحه (١)، وتبعه جماعة منهم الجعبري لئلا تجتمع الصّحابة على ترك قراءة قبض رسول الله ﷺ عليها، وصرّح الطّبري وجماعة بالثّاني وهو المعتمد (٢). وأجيب/عن حجة الأوّلين بأنّ القراءة على الأحرف السّبعة لم تكن على سبيل الإيجاب بل على سبيل الرّخصة، ويدلّ له قوله في الحديث: "فاقرءوا ما تيسر منه" (٣)، والحق كما في (فتح الباري) و (النشر) و (المنجد) وغيرهم، واللفظ للأوّل: "أنّ الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النّبي ﷺ ، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السّبعة لا جميعها كما وقع في المصحف المكي «تجرى من تحتها الأنهار» (٤) في براءة، وفي غيره بحذف من، وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاءات ونحو ذلك، وهو محمول على أنّه نزل بالأمرين معا، وأمر النّبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوّزت به توسعة على النّاس وتسهيلا فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفّر بعضهم بعضا اختاروا الاقتصار على اللّفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي". قال الطّبري: "وصار ما اقتصر (٥) عليه الصّحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خيّر فيه على خصلة واحدة" (٦) اه.

стр. 137

ثمّ لمّا كثر الاختلاف فيما يحتمله الرّسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعتهم كمن قال من المعتزلة: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (١) بنصب الهاء، ومن الرّافضة ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ (٢) بفتح اللام يعنون أبا بكر وعمر، رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات، تجرّدوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كلّ مصر وجّه إليه مصحف أئمة مشهورين بالثقة، والأمانة في النّقل، وحسن الدّراية، وكمال العلم أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرؤا، ولم تخرج قرائتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة: أبو جعفر، وشيبة، ونافع. وبمكة: عبد الله بن كثير، وابن محيص، والأعرج. وبالكوفة: يحيى بن وثاب (٣)، وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائى. وبالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي (٤)، ويحيى بن حارث الذماري (٥).

стр. 138

وبالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق (١)، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ويعقوب الحضرمي/. ثمّ إنّ القرّاء بعد ذلك تفرّقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم إلاّ أنّه كان فيهم المتقن وغيره فلذا كثر الاختلاف، وعسر الضّبط، وشق الائتلاف، وظهر التّخليط، وانتشر التّفريط، وأشتبه متواتر القراءات بفاذّها، ومشهورها بشاذّها، فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه ومعيارا يعوّل عليه، وهو: السّند، والرّسم، والعربيّة، فكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خطّ المصحف الإمام، فهو من السّبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من هذه الثّلاثة فهو شاذ، هذا لفظ الكوّاشي (٢) كما رأيته في أوّل تفسيره (٣). ومراده باستقامة وجهه في العربية سواء كان راجحا أو مرجوحا؛ كقراءة حمزة «والأرحام» بالجر، وقراءة أبي جعفر «ليجزى قوما» (٤)، والفصل بين المضافين في قوله - تعالى -: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ … الآية (٥) بالأنعام، وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله - تعالى -. وأمّا قوله: "ووافق لفظه خطّ المصحف الإمام" ففيه نظر من جهة تقييده بالإمام، وهو مصحف عثمان ﵁ الذي أمسكه لنفسه؛ لأنّ المعتمد موافقة أحد المصاحف العثمانية كما في النّشر وغيره، ويدل لذلك نحو: «تجرى من تحتها»

стр. 139

﴿الْأَنْهارُ﴾ (١) بسورة التّوبة بزيادة ﴿مِنَ﴾ في المصحف المكي دون غيره، ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ بزيادة الباء في الاسمين في المصحف الشّامي دون غيره، وبالأولى قرأ ابن كثير، وبالثّانية قرأ ابن عامر، ولم يقل أحد: بأنّ ذلك شاذ. ثمّ إنّ الموافقة المذكورة معمول بها سواء كانت تحقيقا كقراءة «ملك يوم الدّين» بغير ألف أو تقديرا كقراءة الألف فإنّها كتبت بغير ألف في جميع المصاحف فاحتملت الكتابة أن تكون ﴿مالِكِ﴾، وفعل بها كما فعل بنحو ﴿صالِحُ﴾ ممّا حذفت الألف منه اختصارا، ويأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله - تعالى - في الجزء الخامس من الوسائل. وأمّا ما صحّ سنده: فهو ما نقله العدل الضّابط عن مثله كذلك إلى منتهاه مع اشتهاره عند أئمة هذا الشّأن الضّابطين له، وهو غير معدود عندهم من الغلط ولا ممّا شذّ به بعضهم. فإذا اجتمعت هذه الثّلاثة في قراءة وجب قبولها، وحرم ردّها؛ سواء كانت عن السّبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نصّ على ذلك الدّاني، والمهدوي/، ومكي، وأبو شامة وغيرهم (٢) ممن يطول ذكره. إلاّ أنّ بعضهم لم يكتف بصحّة السّند بل اشترط مع الرّكنين المذكورين التّواتر. والمراد بالتّواتر: ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطئهم على الكذب من البداءة إلى المنتهى من غير تعيين عدد، هذا هو الصّحيح، وقيل: بالتّعيين ستّة أو اثنا عشر، أو عشرون، أو أربعون، أو سبعون، أقوال، وقد زعم هذا القائل: أنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وعورض: بأنّ التّواتر أثبت لا يحتاج إلى الركنين الآخرين من الرّسم والعربية لأنّ ما ثبت متواترا قطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم

стр. 140

أم خالفه، وتعقبه الشيخ أبو القاسم النويري المالكي فقال: "عدم اشتراط التّواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم؛ لأنّ القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم: الغزالي، وصدر الشريعة (١)، وموفق الدين المقدسي (٢)، وابن مفلح (٣) هو:" ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا "، وكلّ من قال بهذا الحدّ اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب (٤)، وحينئذ فلا بد من حصول التّواتر عند الأئمة الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت، صرّح بذلك جماعات كابن عبد البر (٥)، وابن عطية، والنّووي (٦)، والزّركشي (٧)، والسّبكي (٨)، والأسنوي (٩)، والأذرعي (١٠)،

стр. 141

وعلى ذلك أجمع القراء في أوّل الزمان، وكذا في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلاّ مكّي وتبعه بعض المتأخرين" (١) اه. وهذا بالنّظر لمجموع القرآن وإلاّ فلو اشترطنا التّواتر في كلّ فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثّابتة عن هؤلاء الأئمة السّبعة وغيرهم. قال في (المنجد): "والقراءة الصحيحة على قسمين: قسم صحّ سنده، ووافق العربية والرسم، وهو على ضربين: ضرب استفاض نقله، وتلقّاه الأئمة بالقبول، كما انفرد به بعض الرواة، أو بعض الكتب المعتبرة، أو كمراتب القراء في المد ونحو ذلك، قال: فهذا صحيح مقطوع به أنّه منزّل على النّبي ﷺ ، وهذا الضّرب يلتحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها (٢). والعدل الضّابط إذا انفرد بشيء تحتمله العربية والرّسم واستفاض وتلقّي بالقبول قطع به وحصل به العلم، وهذا قاله الأئمة في الحديث: المتلقّى بالقبول أنّه يفيد القطع، وبحثه ابن الصلاح في (علوم الحديث) وظنّ أنّ أحدا لم يسبقه إليه (٣)، وقد قاله قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٤)، ونقله/ابن تيمية (٥) عن جماعة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو إسحاق الإسفرايني (٦)، وأبو الطيب

стр. 142

الطبري (١)، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وابن حامد (٢)، وأبو يعلى (٣)، وأبو الخطاب (٤)، وابن الزاغوني (٥) من الحنابلة، وشمس الأئمة السّرخسي (٦) من الحنفية. قال ابن تيمية: وهو مذهب أهل الكلام من الأشعرية كالإسفراييني، وابن فورك (٧)، ومذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السّلف عامة (٨).

стр. 143

فتلخص من ذلك أنّ خبر العدل الواحد الضّابط إذا حفّته القرائن أفاد العلم. والضرب الثّاني: الذي صحّ ولم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض، فالذي يظهر من كلام كثير من العلماء جواز القراءة به والصّلاة. والقسم الثّاني من القراءة الصحيحة: ما وافق العربية، وصحّ سنده، وخالف الرسم، كما ورد في الصحيح (١) من زيادة [و] (٢) نقص، وإبدال كلمة بأخرى، ونحو ذلك مما جاء عن ابن مسعود وغيره، فهذه القراءة تسمّى اليوم شاذة لكونها شذّت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحا فلا تجوز القراءة بها لا في الصّلاة ولا في غيرها (٣). وأمّا ما وافق المعنى والرّسم أو أحداهما من غير نقل فلا يسمى شاذّا بل مكذوب يكفر متعمده" (٤)، اه. [وقد استشكل الكمال ابن الهمام (٥) في (تحريره) ضبط القراء باستقامة الوجه في العربية فقال: "إن أرادوا الوجه الذي هو الجادة لزم شذوذ قراءة ابن عامر «وكذلك زيّن لكثير مّن المشركين» (٦) وإن أرادوا وجها لا بتكلف شذوذ وخروج عن الأصول فممكن"] (٧)، والجمهور على تحريم القراءة به، وأنه إن

стр. 144

قرأ بها غير معتقد أنّه قرآن، ولا موهم أحدا ذلك؛ بل لما فيه من الأحكام الشرعية عند من يحتج به أو الأحكام [الأدبية] (١) فلا كلام في جواز قراءته، وعلى هذا [يحمل من قرأ به] (٢) من المتقدمين [على وجه التعليم والوقوف على ما يروى من علم الخاصة] (٣) وكذلك يجوز تدوينه في الكتب والتّكلم على ما فيه. فإن قرأه معتقدا قرآنيته أو موهما ذلك حرم عليه ذلك. وقال النّووي: "لا تجوز القراءة به، وأجمعوا على أنّه لم يقرأ به في الصّلاة ولا غيرها لأنّ الشّاذ ليس بقرآن، فلو خالف وقرأ بالشّاذ أنكر عليه سواء قرأ به في الصّلاة أو غيرها"، كذا قال في (الفتاوى)، و (التبيان). ونقل ابن عبد البر في (التمهيد) إجماع المسلمين عليه، فإن قرأ به جاهلا بالتّحريم عرّف، فإن عاد عزّر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك. وقال ابن الصّلاح في (فتاويه): "وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصّلاة وخارجها عرف المعنى/أم لا، ويجب على كلّ أحد إنكاره، ومن أصرّ عليه وجب منعه وتأثيمه، وتعزيره بالحبس وغيره، وعلى الممكّن من ذلك أن لا يمهله" (٤). وقال ابن الحاجب في جواب فتوى: "لا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة ولا غيرها، فإن كان جاهلا بالتحريم عرّف به وأمر بتركه، وإن كان عالما أدّب بشرطه، وإن أصر أدّب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع" (٥) اه.

стр. 145

وقد صرّح بالتحريم الأذرعي (١)، والزركشي، والإسنوي، والدميري (٢)، والنشائي [في (جامع المختصرات)] (٣). وقال الحافظ ابن حجر في جواب استفتاء: "تحرم القراءة بالشواذ، وفي الصّلاة أشد، ولا نعرف خلافا عن أئمة الشافعية في تفسير الشاذ: أنّه ما زاد على العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد على السّبع، وهو إطلاق الأكثر منهم، ولا ينبغي للحاكم خصوصا قاضي الشّرع أن يترك من يجعل ذلك ديدنه بل يمنعه بما يليق به، فإن أصرّ فبما هو أشدّ كما فعل السّلف بالإمام أبي بكر بن شنبوذ مع جلالته، فإنّ الاسترسال في ذلك غير مرضي، وشأن أولياء الأمور على ذلك صيانة لكتاب الله - تعالى -" (٤). وأمّا الصّلاة به، فقال في (الرّوضة): "وتصحّ بالشّاذ إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف ولا نقصانه" (٥)، وهذا هو المعتمد وبه الفتوى، وكذا قال في (التّحقيق) (٦). وقال الروياني (٧) في (البحر): "إن لم يكن فيه تغيير معنى لم تبطل، وإن كان فيها
следующие страницы →