← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالقرآن المبين، والكتاب المستبين، الجديد على تقادم الأعصار، واللّذيذ على توالي التّكرار، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الّذين تلقّوه من فيه الكريم غضا (١)، وواظبوا عليه تلاوة وعرضا (٢)، وضبطوا برسمه في المصاحف لغته الفصيحة، وبذلوا لله وكتابه ورسوله النّصيحة، صلاة وسلاما دائمين، ما وضحت الدّلالة، وحسنت في ذوات الياء الإمالة. وبعد فإن القرآن العظيم ينبوع (٣) العلوم ومنشؤها، ومعدن (٤) المعارف ومبدؤها، ومبنى قواعد الشرع وأساسه، وأصل كلّ علم وراسه، والاستشراف (٥) على معانيه لا يتحقق إلاّ بفهم رصفه (٦) ومبانيه، ولا يطمع في حقائقها التي لا منتهى لغرائبها ودقائقها إلاّ بعد العلم بوجوه قراءاته، واختلاف رواياته، ومن ثمّ صار علم القراءات من أجلّ العلوم النّافعات، وإذا كان كلّ علم يشرف بشرف متعلّقة، فلا جرم خصّ أهله الذين هم أهل الله وخاصّته بأنّهم المصطفون من بريّته، والمجتبون (٧) من خليقته، وناهيك بهذا الشّرف الباذخ (٨)، والمجد الرّاسخ (٩)، مع ما لهم من الفضائل اللاّحقة،

стр. 72

والمنازل السّابقة، فمناقبهم أبدا تتلى، ومحاسنهم على طول الأمد تجلى، وكيف لا؟، وقد رفع قدرهم الرّفيع رفيع الدّرجات؛ حيث قال في محكم الآيات البيّنات: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ … (١) الآيات .. قال ابن عباس:" هم أمة محمد ﷺ " (٢). ويدلّ له حديث أسامة بن زيد المروي في الطّبراني: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ﴾ … (٣) الآية، قال: قال رسول الله/ ﷺ :" كلّهم من هذه الأمّة " (٤). والتّوريث هنا في موضع الإعطاء؛ لأنّ أمّة محمد ﷺ لم يرثوا القرآن عن أمّة تقدّمتهم ولكنّ الله - تعالى - خصّهم به، وهم الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده. وقال البيضاوي (٥):" حكمنا بتوريثه منك يعني: النّبي ﷺ أو نورّثه، فعبّر عنه بالماضي لتحقّقه". ثم قسّم الوارثين إلى ثلاثة أقسام: فقال - تعالى -: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٦).

стр. 73

قال مكّي (١):" هم المذكورون في «الواقعة» (٢)، فالسّابق بالخيرات: هو المقرّب (٣)، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والظّالم لنفسه: أصحاب المشأمة " (٤). وتعقّبه في (البحر) (٥) " بأنّ الأكثرين على أنّ هؤلاء الثّلاثة هم في أمّة الرّسول ﵇، ومن كان من أصحاب المشأمة مكذبا ضالا لم يورّث الكتاب، ولا اصطفاه الله، وإنّما الذي في الواقعة أصناف الخلق من الأوّلين والآخرين، قال عثمان بن عفان ﵁: "سابقنا أهل جهادنا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة" (٦). وقيل: الظّالم: المقصّر في العمل بالقرآن، والمقتصد: العامل به في أغلب الأوقات، والسّابق: الذي يضم التّعليم والإرشاد إلى العمل (٧). وقال الحسن (٨): الظّالم: من خفّت حسناته، والمقتصد من استوت، والسّابق: من ترجّحت (٩).

стр. 74

[وعن ابن مسعود عن ابن جرير الطبري (١) قال: "هذه الأمّة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنّة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء؟، وهو أعلم ﵎، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلاّ أنّهم لم يشركوا بك، فيقول الله :" أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي "، وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ … (٢) الآية] (٣). وقد اختلف في هذه الأصناف على نيّف وأربعين (٤) قولا، ثمّ عقّب الآيات المذكورة بقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (٥)، والظّاهر أنّ الضّمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَها﴾ عائد على الأصناف الثّلاثة (٦)، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدّرداء (٧)، وعقبة بن عامر (٨)، وأبي سعيد (٩) /،

стр. 75

وعائشة، ومحمد بن الحنفية (١)، وجعفر الصّادق (٢) وغيرهم. وقال الزّمخشري (٣): "هو عائد على السّابق فقط ولهذا جعل ذلك إشارة إلى السّبق المفهوم من قوله: ﴿سابِقٌ﴾ ". قال: "وفي اختصاص السّابقين بعد التّقسيم بذكر ثوابهم والسّكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظّالم لنفسه حذرا، وعليهما بالتّوبة النّصوح المخلّصة من عذاب الله، ولا يغترّا بما رواه عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ :" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " (٤) فإنّ شرط ذلك صحّة التوبة لقوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ﴾

стр. 76

﴿عَلَيْهِمْ﴾ (١)، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها أطّلع على حقيقة الأمر، ولم يعلّل نفسه بالخدع (٢) " اه (٣)، وهو (٤) على طريق المعتزلة. فإن قلت: ما الحكمة في تأخير السّابق وتقديم الظّالم؟. أجيب: لئلا يعجب السّابق، وييأس الظّالم من رحمته؛ ولما كان الظّالم له ذلّة، والسّابق له صولة (٥)، رفع تعالى ذلّة الظّالم بقوله: ﴿لِنَفْسِهِ﴾، وكسر صولة السّابق بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾، كأنّه يقول: "يا ظالم ارفع رأسك ظلمت؛ ولكن على نفسك، يا سابق اخفض رأسك سبقت؛ ولكن بإذن الله" (٦). وفي قوله في بقية الآية: ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ (٧) إشارة إلى دخول الظّالم لنفسه الجنّة، و ﴿شَكُورٌ﴾ إشارة إلى السّابق، بأنّه كثير الحسنات، و ﴿دارَ الْمُقامَةِ﴾ هي الجنّة، لأنّها دار إقامة لا يرحل عنها (٨). وقوله تعالى قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ (٩) أي: يقرؤنه

стр. 77

ويداومون على تلاوته (١). وقال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير (٢): "هذه آية القراء" (٣)، أو المراد: "يتبعون كتاب الله فيعملون بما فيه" (٤)، وقال الكلبي (٥): "يأخذون بما فيه". وقال السّدّي (٦): "هم أصحاب الرسول ﷺ "، وقال عطاء (٧): "هم المؤمنون" (٨). ولما ذكرتعالى وصفهم بالخشية - وهي عمل القلب - ذكر أنّهم: ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ وهو عمل اللسان، و ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وهي عمل الجوارح، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ وهو العمل المالي (٩). وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ خبر «إنّ» أي: لن تكسد، ولن يتعذّر الرّبح فيها، وهو إشارة إلى الإخلاص، أي: يفعلون تلك الأفعال من: التّلاوة، وإقام /الصّلاة، والإنفاق؛ يقصدون بذلك وجه الله لا الرّياء والسمعة (١٠).

стр. 78

وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق ب ﴿يَرْجُونَ﴾، أو ب ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، أو بمضمر تقديره: فعلوا ذلك، أقوال (١). وقال الزّمخشري: "وإن شئت جعلت ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضع الحال أي: وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلوا جميع ذلك لهذا الغرض"، وخبر «إنّ» قوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢) على معنى غفور لهم، شكور لأعمالهم (٣). ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤): قيل: بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم، قاله أبو وائل (٥)، وفي الحديث: "بتضعيف حسناتهم" (٦). وقيل: بالنّظر إلى وجه الله الكريم (٧). وفي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مع قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ (٨) كأنّه تعالى قال: "إنا علمنا البواطن، وأبصرنا الظّواهر، واصطفينا عبادا ثمّ أورثناهم الكتاب" (٩).

стр. 79

وفي الصّحيحين من حديث عثمان بن عفان ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (١). وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟. قال: أهل القرآن، أهل الله وخاصته"، رواه النسائي والحاكم (٢)، أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله، والمختصّون به اختصاص أهل الإنسان به، وليس من أهله من حفظ لفظه وضيّع حدوده (٣). وسئل ذو النّون المصري (٤) عن حملة القرآن فقال: "هم الذين قطرت عليهم سحائب الأشجان، ونصبوا ركبهم والأبدان، وتسربلوا بالخوف والأحزان، وشربوا بكأس اليقين، وراضوا أنفسهم رياضة المتقين؛ كحّلوا أبصارهم بالسّهر، وغضّوها

стр. 80

عن النّظر، فقاموا ليلهم أرقا، وتبادرت دموعهم فرقا، حتى ضنيت منهم الأبدان، وتغيّرت منهم الألوان، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة، وشفاه ذابلة، ودموع وابلة، وزفرات قاتلة، فحال بينهم وبين نعيم المتنعّمين، وشغلهم عن مطامع الرّاغبين، فاضت عبراتهم من وعيده، وشابت ذوائبهم من تحذيره، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ " (١). وعن ابن مسعود عن النّبيّ ﷺ : "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة /بعشر أمثالها لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواة الترمذي وصححه (٢). وروى السّلفي (٣) في (البلدانيات) عن أبي هريرة أنّ رسول ﷺ قال: "يا أبا هريرة تعلّم القرآن وعلّمه النّاس فإنّك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق" (٤).

стр. 81

وعن جبير بن مطعم (١) عن النّبيّ ﷺ : "أبشروا إنّ هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به فإنّكم لن تهلكوا ولن تضلّوا بعده أبدا" (٢) رواه الطّبراني في الكبير. وعنه ﷺ : "كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض" (٣). وعن ابن عباس ﵄ في قوله - تعالى -: ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً﴾ (٤)، "هو كتاب الله" (٥). وهذا من أبلغ الاستعارات، وألطف الإشارات، لمّا كان يتوصّل بالحبل والسّبب إلى نيل الأغراض استعير للقرآن الموصّل إلى نيل السّعادة الدّنيوية والأخروية.

стр. 82

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :" إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنّور المبين، والشّفاء النّافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرّد، اتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته كلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول: ﴿الم﴾ حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (١) رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر (٢) عن إبراهيم الهجري (٣) عن أبي الأحوص (٤) عنه، وقال:" تفرّد به صالح بن عمر عنه، وهو صحيح".

стр. 83

وفي فتاوى ابن الصّلاح (١): "قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أنّ الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنّها حريصة لذلك على استماعه من الإنس" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران"، وفي رواية: "والذي يقرؤه وهو يشتد عليه له أجران" رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٣). والسّفرة: جمع سافر ك «كاتب» و «كتبة»، والسّافر: الرّسول، والسّفرة: الرّسل لأنّهم يسفرون إلى الناس برسالات الله - تعالى -، وقيل: السّفرة: الكتبة/، والبررة: المطيعون؛ من البرّ وهو الطاعة، والماهر: الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقّف ولا يشق عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه. قال القاضي عياض (٤): "يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أنّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السّفرة؛ لاتّصافه بصفتهم من حمل كتاب الله"، قال: "ويحتمل أن يراد أنّه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم". وأمّا الذي يتعتع فيه فهو الذي يتردّد في تلاوته لضعف حفظه؛ فله أجران: أجر

стр. 84

القراءة، وأجر بتعبه ومشقته (١). فإن قلت: يلزم أن يكون المتعتع أفضل من الماهر من حيث أنّ له أجرين، ولم يذكر للماهر أجرين؟. أجيب: بأنّه ﷺ قد ذكر لكلّ واحد فضيلة حثّا له على القراءة؛ فذكر للمتعتع أجرين، وللماهر كونه مع السّفرة، والكون مع السّفرة لا يتقاعد عن حصول الأجرين. وقال القاضي عياض: "ليس معناه أن الذي يتعتع له من الأجر أكثر من الماهر به؛ بل الماهر أفضل وأكثر أجرا فإنّه مع السّفرة، وله أجور كثيرة، وكيف يلتحق به من لم يعتن بكتاب الله وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته ودراسته، كاعتنائه به حتى مهر فيه" (٢). وفي الأصل التّاسع من (نوادر الأصول) لأبي عبد الله الترمذي (٣) عن أبي هريرة، وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : "إنّ بيوتات المؤمنين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقرّبوا السّموات السّبع، يقولون: هذا النّور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن" (٤). وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله، وحرّم حرامه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار" (٥) رواه الترمذي أبو عيسى، وقال: "حديث غريب".

стр. 85

وخرّج أبو داود، وصحّحه الحاكم من حديث معاذ بن أنس (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور ضوءه أحسن من ضوء الشّمس في بيوت الدّنيا فما ظنّكم بالذي عمل بهذا" (٢). وروى الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث بريدة (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن وتعلّمه، وعمل بما فيه، ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور، ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى [والداه حلّتين] (٤) لا تقوم لهما الدّنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟. فيقال: بأخذ ولدكما القرآن" (٥). وروى الترمذي وحسنّه، من حديث أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ /قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا ربّ حلّه فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا

стр. 86

رب زده فيلبس حلّة الكرامة، ثم يقول: يا ربّ ارض عنه، فيقال له: اقرأ وارق، ويزداد بكل آية حسنة" (١). وروى الترمذي أيضا وصحّحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "يقال لصاحب القرآن: أقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخرآية تقرؤها" (٢). قال الخطّابي (٣) فيما نقله عنه الحافظ عبد العظيم المنذري (٤) وغيره: "جاء في الأثر: أنّ عدد آي القرآن على قدر درج الجنّة، فيقال للقارئ: ارق في الدّرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى (٥) جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنّة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيّة في الدّرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثّواب عند منتهى القراءة" (٦).

стр. 87

ففضائل القرآن وحملته لا تعدّ ولا تحصر بالحدّ. وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ القرآن هو: "كلام الله القائم بذاته، غير مخلوق ولا حالّ في المصاحف، ولا في القلوب والألسنة والآذان، بل معنى قديم قائم بذات الله - تعالى -، مكتوب في مصاحفنا بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف الدّالة عليه" (١). قال - تعالى -: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢)، مقروء بألسنتنا بحروفه المنظومة المسموعة، قال ﵊: "لا يقرأ القرآن حائض ولا جنب" (٣). مسموع بآذاننا قال - تعالى -: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ (٤)، محفوظا في صدورنا بألفاظه المخيّلة (٥)، قال - تعالى -: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٦)، وهذا كما يقال: "النّار جوهر محرق، يذكر باللفظ، ويكتب بالقلم، ولا يلزم منه كون حقيقة النار صوتا وحرفا" (٧).

стр. 88

وتحقيقه: أنّ للشيء وجودا في الأعيان، ووجودا في الأذهان، ووجودا في العبارة، ووجودا في الكتابة؛ فالكتابة تدلّ على العبارة، وهي على ما في الأذهان، وهو على ما في الأعيان، فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم كما في قولنا:" القرآن غير مخلوق "، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج، وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة، كما في قولنا:" قرأت نصف القرآن "، أو المخيلة كما في قولنا:" حفظت القرآن "، أو الأشكال المنقوشة، كما في قولنا:" يحرم على المحدث مس القرآن". وأمّا قول بعضهم: الإجماع على أنّ ما بين دفتي المصحف/كلام الله - تعالى -، فقال العارف الرّباني سيدي علي الوفوي (١):" إن أراد بما بين دفّتي المصحف كلّ ما كتب فيه فالإجماع ممنوع لأنّ فيه أسماء السّور وتراجمها، وليس ذلك قرآنا إجماعا (٢)، وإن أراد غير هذا لم يفده دعوى الإجماع عليه في كون البسملة قرآنا لأنّ الخصم يدّعي أنّ الإجماع إنّما انعقد على أنّ ما بين دفتي المصحف من السّور دون البسامل والتّراجم كلام الله - تعالى - "اه. وله أسماء: القرآن: وهو منقول من المصدر، ودخول الألف واللاّم فيه كدخوله في «العبّاس» ونحوه، وإنّما تدخل في ذلك لأنّها بمنزلة الصّفات الغالبات نحو: «الصّعق» (٣)، كذا قال سيبويه، والخليل، وكأنّه لحظ فيه معنى الزّيادة.

стр. 89

والقرآن معناه: الجمع، من قولهم:" قرأت الشيء "أي: جمعته، يدلّ [عليه] (١) قوله - تعالى -: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٢) أي: فإذا جمعناه فاتبع جمعه، ووزن «قرآن» «فعلان»، وحقّة أن لا ينصرف للعلمية والزّيادة. ومن أسمائه: الفرقان: قال - تعالى -: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ (٣) والكتاب: قال - تعالى -: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤). والذّكر: قال - تعالى -: ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٥). والوحي: قال - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٦). والتّنزيل: قال - تعالى -: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٧). والقصص: قال - تعالى -: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٨). والرّوح: قال الله - تعالى -: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (٩). والمثاني: قال الله - تعالى -: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ (١٠). والهدي، والبيان، والتّبيان، والموعظة، والرّحمة، والبشير، والنّذير.

стр. 90

والعزيز: الذي لا يرام فيؤتى بمثله. والحكيم: أي المحكم بفتح الكاف. والمهيمن: وهو الشّاهد. والشّفاء. والمجيد: لشرفه على كلّ كلام. والنّور. وهو مائة وأربعة عشرسورة، أوّلها: «الفاتحة»، وآخرها «النّاس» بالإجماع، وقيل: وثلاث عشرة سورة بجعل «الأنفال» و «براءة» سورة واحدة كما أخرجه أبو الشّيخ (١). وفى مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشر (٢) سورة، لأنّه لم يكتب المعوذتين. وفي مصحف أبيّ ست عشرة لأنه كتب في آخره سورتي الحفد، والخلع يعنى القنوت:" اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ". .. إلخ (٣).

стр. 91

وأخرج البيهقي أنّ عمر بن الخطاب قنت بعد الرّكوع، فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد (١)، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك/، إن عذابك الجدّ (٢) بالكافرين ملحق (٣) " (٤). قال ابن جريج (٥): "حكمة البسملة أنّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة" (٦). وأخرج الطبراني بسند صحيح عن [أبي] (٧) إسحاق قال: أمّنا أمية بن عبد الله بن

стр. 92

خالد بن أسيد (١) بخراسان فقرأ بهاتين السورتين: "إنا نستعينك ونستغفرك" (٢). وأخرج البيهقي، وأبو داود في مراسيله، عن خالد بن أبي عمران (٣): "أنّ جبريل نزل بذلك على النّبيّ ﷺ وهو في الصّلاة مع قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤) لمّا قنت يدعو على مضر" (٥) اه. وافتتح سوره (٦) بعشرة أنواع من الكلام: الأوّل: الثّناء في أربعة عشرسورة: إمّا بالإشارة إلى إثبات صفات الكمال، وذلك في سبع: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ في سوره

стр. 93

الخمس (١)، و ﴿تَبارَكَ﴾ في سورتين (٢). وإمّا بالإشارة إلى نفي صفات النّقص في سبع أخرى: ﴿سُبْحانَ﴾ (٣)، ﴿سَبَّحَ﴾ (٤)، ﴿يُسَبِّحُ﴾ (٥)، ﴿سَبِّحِ﴾ (٦). الثّاني: حروف الهجاء في تسع وعشرين سورة (٧). الثّالث: النّداء في عشر سور (٨). الرّابع: الجمل الخبرية نحو: ﴿بَراءَةٌ﴾، ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (٩) في ثلاث وعشرين (١٠).

стр. 94

الخامس: القسم في خمس عشرة (١). السّادس: الشّرط ب «إذا» في سبع (٢). السّابع: الأمر ب «قل» (٣) و «أقرأ» (٤) في ستّ. الثّامن: الاستفهام ب «ما» في «عم» (٥) و «هل» (٦) و «الهمزة» (٧) في ست. التّاسع: الدّعاء ب «ويل»، و «تبت» (٨) في ثلاث. العاشر: التّعليل في سورة واحدة وهي ﴿لِإِيلافِ﴾ (٩). قاله أبو شامة (١٠). وفائدة تفصيله بالآيات والسّور: الفصاحة كما علم في فنّ البيان، وتسهيلا على حافظيه، وتيسيرا على تاليه، كما

стр. 95

أنّه كان في نزوله مع أفضل الملائكة في ليلة مباركة إلى سماء الدّنيا جملة واحدة في بيت العزة، خيرات متزايدة، على خيرته من خليقته، وصفوته من بريّته، ثمّ نزل عليه منجّما (١) بحسب الوقائع والأحوال، وتبيين الحرام والحلال في عشرين عاما، تفضلا منه وإنعاما، حتى انتهى تنزيله، وتحقق تكميله، فبلّغه كما أنزل عليه، وألقاه إلى الأمّة كما ألقي إليه، لم يخف منه حرفا، كما شهد به أصدق القائلين في قوله: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢) فتلقّاه أصحابه من فيه غضّا (٣)، وأدّوه إلينا خالصا محضا (٤). وقد أخرج النّسائي والحاكم عن ابن عباس قال: "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ … (٥) الآية (٦). قال العلاّمة شيخ الحفّاظ ابن حجر (٧): وفي رواية للحاكم والبيهقي/في الدّلائل:" فرّق في السنين " (٨).

стр. 96

وفي رواية لابن أبي شيبة والحاكم أيضا:" وضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النّبيّ ﷺ "، وإسناده صحيح (١). وفي المنهاج للحليمي (٢):" أن جبريل كان ينزل منه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى سماء الدّنيا قدر ما ينزل به على النّبيّ ﷺ في تلك السنة إلى ليلة القدر التي تليها إلى أن نزّله كلّه في عشرين ليلة من عشرين سنة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدّنيا " (٣)، وهذا أورده ابن الأنباري (٤) من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا. وما تقدّم من أنّه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ثمّ نزل بعد ذلك مفرقا هو الصّحيح المعتمد. وحكى الماوردي (٥) في تفسيرسورة القدر:" أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النّبي

стр. 97

ﷺ في عشرين سنة " (١)، وهذا أيضا غريب. والمعتمد أنّ جبريل كان يعارض النّبي ﷺ في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة، كذا جزم به الشّعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح (٢). وفي معارضة جبريل النّبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان حكمتان: إحداهما: تعاهده. والثّانية: تبقية ما لم ينسخ منه، ورفع ما نسخ. فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة، وعرضا، وإحكاما. وقد أخرج أحمد والبيهقي في الشّعب عن واثلة بن الأسقع (٣) أنّ النّبي ﷺ قال: "أنزلت التّوراة لستّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزّبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان " (٤). وهذا كلّه مطابق لقوله الله - تعالى -: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، ولقوله - تعالى -: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك

стр. 98

السّنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى السّماء الدنيا، ثمّ أنزل في اليوم الرّابع والعشرين إلى الأرض أوّل: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). وفى إنزال القرآن مفرقا وجوه من الحكمة منها: تسهيل حفظه، وتكرير لفظه؛ لأنّه لو نزل جملة واحدة على أمّة أمّيّة لا يقرأ غالبهم ولا يكتب؛ لشقّ عليهم حفظه، وثقل لفظه كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله ردّا على الكفّار: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا/لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ﴾ (٢)، أي: أنزلناه مفرّقا، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ (٣)، أي: لنقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه؛ لأنّ المتلقّن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء، وجزءا بعد جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، وبقوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (٤) أي على حسب الوقائع، فقد يسّره تعالى للذّكر، وإلاّ فالطّاقة البشرية تعجز [قرّاؤها] (٥) عن حفظه وحمله، ولقد شهد بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (٦)، ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٧)، [وانظر] (٨) إلى قوله سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٩)، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ (١٠) أي لكان هذا القرآن الذي أنزلناه إليك.

стр. 99

ومنها: ما يستلزم من الشّرف له ﵇ والعناية به لكونه تردد به إليه يعلّمه أحكام ما يقع له، وأجوبة ما يسئل عنه من الأحكام والحوادث، وقال في (المرشد): "فيه تفخيم أمره وأمر من نزل عليه؛ وذلك بإعلام سكّان السّموات السّبع أنّ هذا آخر الكتب المنزّلة على خاتم الرّسل لأشرف الأمم قد قرّبناه إليهم لننزّله عليهم" (١). وقال السّخاوي (٢) في (جمال القرّاء): "في نزوله إلى السّماء جملة تكريم لبني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السّفرة الكرام وانتساخهم إيّاه، وتلاوتهم له" (٣) اه. ومنها: أنّه أنزل على سبعة أحرف فناسب أن ينزل مفرقا، إذ لو نزل دفعة واحدة لشقّ بيانها عادة. وقد ضبط النّقل ترتيب نزول الآيات إلاّ قليلا، وأوّل سورة نزلت ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤) فنزل من أوّلها خمس آيات ثمّ نزل باقيها بعد ذلك، وكذلك سورة المدثر نزلت بعدها، نزل أوّلها ثمّ نزل سائرها [بعد، وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وصحّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس عن عثمان قال: "كان رسول الله ﷺ تنزل عليه الآيات فيقول:" ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا " (٥).

стр. 100

و] (١) قد كان نزوله كلّه بمكة، والمدينة خاصة، ونزل منه كثير في غير الحرمين، حيث كان ﷺ في سفر حج أو غزو، لكن الاصطلاح: [" أن كلّ ما نزل قبل الهجرة فهو مكّي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني؛ سواء] (٢) نزل في البلد حال الإقامة، أو في غيرها حال السفر " (٣). وقد اعتنى بعضهم ببيان ما نزل من الآيات المدنيّة والمكيّة، ففي (الدّلائل) للبيهقي: عن عكرمة (٤) والحسن بن أبي الحسن (٥) قالا:" أنزل الله من القرآن بمكة: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، و «المزمل»، و «المدثر» /، و ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾، و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾، و ﴿وَالْفَجْرِ﴾، و ﴿وَالضُّحى﴾، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾، و «العاديات»، و «الكوثر»، و «ألهاكم»، و «أرأيت»، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، و «أصحاب الفيل»، [و «الفلق»] (٦)، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و «النجم»، و ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾، و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، و ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾، و ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، و ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾، و «القارعة»، و ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾، و «الهمزة»، و «المرسلات»، و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾، و ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾، و ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾، و ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، و «الجن»، و «يس»، و «الفرقان»، [و «الملائكة»، و «طه»، و «الواقعة»،] (٧) و «طسم»، و «طس»،

стр. 101

و «طسم»، و «بني إسرائيل»، و «السابعة» (١)، و «هود»، و «يوسف»، و «أصحاب الحجر»، و «الأنعام»، و «الصافات»، و «لقمان»، و «سبأ»، و «الزمر»، و «حم المؤمن»، و «حم الدخان»، و «حم السجدة»، و «حم عسق»، و «حم الزخرف»، و «الجاثية»، و «الأحقاف»، و «الذاريات»، و «الغاشية»، و «أصحاب الكهف»، و «النحل»، و «نوح»، «وإبراهيم»، و «الأنبياء»، و «المؤمنون»، و «ألم السجدة»، و «الطور»، و «تبارك الملك»، و «الحاقة»، و ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾، و ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾، و «النازعات»، و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾، و «الروم»، و «العنكبوت» ". وقد سقط من هذه الرواية ذكر: «فاتحة الكتاب»، و «الأعراف»، و «كهيعص»، فيما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة: و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، و «البقرة»، و «آل عمران»، و «الأنفال»، و «الأحزاب»، و «المائدة»، و «الممتحنة»، و «النّساء»، و «إذا زلزلت»، و «الحديد»، و «محمد»، و «الرّعد»، و «الرحمن»، و ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾، و «الطّلاق»، [و «لم يكن»] (٢)، و «الحشر»، و ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾، و «النّور»، و «الحج»، و «المنافقون»، و «المجادلة»، و «الحجرات»، و ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، و «الصّف»، و «الجمعة»، و «التّغابن»، و «الفتح»، و «براءة». قال البيهقي (٣): والسابعة يريد [«يس»] (٤)، انتهى، ففسرها ب «يس» مع تقدمها، والله أعلم.

стр. 102

وفي بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها، يأتي بيان ما تيسر منها أوّل كلّسورة من هذا المجموع إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن الضّريس في (فضائل القرآن) من طريق عثمان بن عطاء الخراساني (١) عن أبيه عن ابن عباس: "إنّ الذي نزل بالمدينة: «البقرة»، ثمّ «آل عمران»، ثمّ «الأنفال»، ثمّ «الأحزاب»، ثمّ «المائدة»، ثمّ «الممتحنة»، ثمّ «النّساء»، ثمّ «إذا زلزلت»، ثمّ «الحديد»، ثمّ «القتال»، ثمّ «الرّعد»، ثمّ «الرّحمن» /، ثمّ «الإنسان»، ثمّ «الطّلاق»، ثمّ «الحج»، ثمّ «إذا جاء نصر الله»، ثمّ «النّور»، ثمّ «الحشر»، ثمّ «المنافقون»، ثمّ «المجادلة»، ثمّ «الحجرات»، ثمّ «التّحريم»، ثمّ «لم يكن»، ثمّ «الجاثية»، ثمّ «التّغابن»، ثمّ «الصّف»، ثمّ «الفتح»، ثمّ «براءة» " (٢).

стр. 103

وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس" أنّسورة «الكوثر» مدنية " (١)، فهو المعتمد. واختلف في: «الفاتحة»، و «الرحمن»، و «المطففين»، و «إذا زلزلت»، و «العاديات»، و «القدر»، و «أرأيت»، و «الإخلاص»، و «المعوذتين»، وغيرها مما يأتي إن شاء الّه تعالى بيانه أوّل السور. وكذا اختلف مما تقدّم في: «الصف»، و «الجمعة»، و «التّغابن». وعن زين العابدين:" أوّل سورة نزلت بالمدينة: ويل للمطففين". وعن عكرمة:" البقرة". وعن هشام بن عروة (٢) عن أبيه (٣):" كلّ شئ نزل على رسول الله ﷺ من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون، وما يثبّت به الرّسول، فإنّما نزل بمكة، وما كان من الفرائض والسّنن فإنّما نزل بالمدينة " (٤). وعن علقمة (٥) عن عبد الله قال:" ما كان: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزل بالمدينة،

стр. 104

وما كان ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فبمكة" (١). ويقال: إنّ مصحف علي ﵁ كان على ترتيب النّزول أوّله: اقرأ، ثمّ المدثر، ثمّ نون والقلم، ثمّ المزمل، ثمّ تبت، ثمّ التكوير، ثمّ سبح، وهكذا إلى آخر المكّي، ثمّ المدني: وأوّل سورة أعلن بهاسورة والنجم (٢). وأمّا ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: "يحتمل أن يكون النّبيّ ﷺ هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ورجّح الأوّل بأنّه ﷺ كان يعارض به جبريل في كلّ سنة، فالذي يظهر أنّه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبهذا جزم ابن الأنباري، وفيه نظر، بل الذي يظهر أنّه كان يعارضه به على ترتيب النزول، نعم ترتيب بعض السور على بعض أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا" (٣). وقد روى الإمام أحمد، وابن أبي داود (٤)، والطّبري من طريق عبيدة بن عمرو السلماني (٥): "أنّ الذي جمع عليه عثمان الناس موافق للعرضة الأخيرة"، ومن طريق

стр. 105

محمد بن سيرين (١) قال: "كان جبريل يعارض النّبيّ ﷺ بالقرآن … الحديث"، وفي آخره: "فيرون أن قراءتنا أحدث القراءات (٢) عهدا بالعرضة الأخيرة" (٣). وكان من تيسير الله تعالى ورحمته بنا أن أنزله على سبعة أحرف، /فعن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف واحد فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" رواه البخاري (٤)، وعن المسور بن مخرمة (٥)، وعبد الرحمن القاريّ (٦) بتشديد الياء نسبة إلى القارة بطن من خزيمة -: أنّهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "سمعت هشام بن حكيم (٧) يقرأسورة

стр. 106

الفرقان في حياة رسول الله ﷺ قال: فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ علي حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبّرت حتى سلّم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السّورة التي سمعتك تقرأ؟. قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت فإنّ رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأسورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ (١) يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت ثمّ قال: أقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه "، رواه البخاري (٢) أيضا. وقوله:" أساوره ": أي آخذ برأسه، و" لببته ": أي جمعت عليه ثيابه عند لبّته (٣) لئلا ينفلت مني، وكان عمر ﵁ شديدا في الأمر بالمعروف (٤). وفي قوله:" فاقرءوا ما تيسر منه ": إشارة إلى الحكمة في التّعدد المذكور في الحديث، وأنّه للتّيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال:" المراد بالأحرف اللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأنّ لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما "، نبّه على ذلك ابن عبد البر (٥)، ونقل عن أكثر أهل العلم أنّ هذا هو المراد بالأحرف السبعة (٦).

стр. 107

وقال أبو علي الأهوازي:" هي لغات قريش، ومن ينتهي نسبه إليها، لنزوله بلغتهم، لأنهم قوم الرسول ﷺ ، وهي أفصح اللغات". وقال الفرّاء (١):" لأنّهم جاوروا البيت فكانت تفزع (٢) إليهم القبائل على تنوعها، ويخاطبونهم فيختارون من كلّ لغة فصحاها، /ومن كلّ وجه أحسنه، [فجاؤوا] (٣) فصاحا صباحا (٤) ". ومن ثمّ كتب عمر ﵁ إلى ابن مسعود:" إنّ الله أنزل القرآن بلغة هذا الحي من قريش فأقرئ النّاس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل "، حين أقرأ «عتى» (٥) بالعين. وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنّ المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأنّ لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأنّ المراد أفصحها (٦). وقال أبو حاتم السجستاني (٧):" نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر "، واستنكره ابن قتيبة، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾

стр. 108

﴿مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (١)، فعلى هذا فتكون اللّغات السّبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي كما مرّ (٢). والحق أنّه لا يلزم من هذه الآية أن يكون النّبي ﷺ أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه، بل أرسل بلسان جميع العرب، لأنّه أرسل إليهم كلّهم، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى النّاس كافة عربا وعجما؛ لأنّ اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو بلّغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم. وقال أبو عبيد:" ليس المراد [أن] (٣) كلّ كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرّقة فيه؛ فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم " (٤). ولا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أحرف إلاّ الشيء القليل مثل: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (٥)، ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ (٦)، و ﴿أَرْجِهْ﴾ (٧). وقيل: نزل بلغة مضر خاصّة لقول عمر ﵁:" نزل القرآن بلغة مضر " (٨). وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر:" السبع من مضر أنّهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرّباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات " (٩).

стр. 109

لكن قال القاضي الباقلاني فيما عزاه له في فتح الباري:" إن ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (١) أنّه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنّه أراد مضر دون ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشا فعليه البيان، لأنّ اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا، ولو ساغت هذه الدّعوى لساغ لآخر أن يقول: "نزل بلسان بني هاشم مثلا"، لأنّهم أقرب نسبا إلى النّبي ﷺ من سائر قريش " (٢). ونقل العلامة أبو شامة عن بعضهم:" أنّه نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم/ من العرب الفصحاء، ثمّ أبيح للعرب أن يقرؤه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب " (٣) انتهى. ويدل على ما قاله ما ثبت أنّ ورود التّخفيف كان بعد الهجرة كما في حديث أبيّ بن كعب:" أنّ جبريل لقي النّبي ﷺ وهو عند أضاة بني غفّار فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك … الحديث"، رواه مسلم (٤). وأضاة بني غفار بفتح الهمزة، والضّاد المعجمة بغير همز، وآخره تاء تأنيث: موضع بالمدينة النبوية نسب لبني غفار بكسر المعجمة. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أنّ معنى قوله: أنزل على سبعة أحرف: أي أنزل توسعا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه أي يقرأ بأيّ حرف أراد منها، على البدل من صاحبه كأنّه قال: "أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهل قراءته".

стр. 110

وقال ابن قتيبة فى أوّل تفسير «المشكل» له: "وكان من تيسير الله أن أمر نبيّه أن يقرئ كلّ قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم؛ فالهذلي يقرأ: «عتّى عين»، يريد «حتى حين»، والأسدي يقرأ: «تعلمون» بكسر أوّله، والتميمي: يهمز، والقرشي: لا يهمز"، قال: "ولو أراد كلّ فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى على لسانه لشقّ عليه غاية المشقة، فيسر الله عليهم ذلك بمنّه" (١). وقال ابن عبد البر: "أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف: اللّغات لما تقدّم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا: وإنّما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بالألفاظ المختلفة نحو: أقبل، وهلم، وتعال" (٢) اه. قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات، لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى وهي ما نبّه عليه أبو عمرو الدّاني: أنّ الأحرف السّبعة ليست متفرقة في القرآن كلّها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ بقراءة من القراءات أو برواية من الروايات فإنّما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلّها، وهذا إنّما يتأتّى على القول بأنّ المراد بالأحرف اللغات، وأمّا على قول من يقول بالآخر فيتأتّى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب؛ بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السّبعة في بعض/القرآن" (٣). واعلم أنّ الاختلاف في الأحرف السّبعة اختلاف تنوع وتغاير؛ لا تضاد وتناقض، إذ هو محال أن يكون في كتاب الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٤)، ولا يخلوا الاختلاف من ثلاثة أحوال لأنه:
следующие страницы →