← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

والشّنبوذي، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص بالتّأنيث والرفع على أنّ ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ ولذلك أنّث الفعل لإسناده إلى مؤنث و ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ خبرها، وافقهم ابن محيصن [والحسن] (١)، وقرأ أبو بكر - من طريق العليمي - وحمزة والكسائي وكذا يعقوب بالتّذكير والنّصب، وهي أفصح هذه القراءات لإجرائها على القواعد من غير تأويل، وذلك أنّ ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ خبر مقدّم و ﴿أَنْ قالُوا﴾ بتأويل اسم مؤخر، والتقدير: ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ قولهم، وإنّما كانت أفصح لأنّه إذا اجتمع اسمان أحدهما أعرف فالأحسن جعله اسما محدّثا عنه والآخر خبرا حدثنا عنه، و ﴿أَنْ قالُوا﴾ يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جعل الأعرف فيها اسما ل «كان»، وغير الأعرف خبرها، ولم يؤنّث الفعل لإسناده إلى مذكر، وأمّا قراءة ابن كثير ومن معه ففيها جعل غير الأعرف اسما، والأعرف خبرا فليست في القوة كهذه، [وقرأ المطوعي عن الأعمش بتذكير (لم يكن) ورفع (فتنتهم) على أنه اسم، والخبر «إِلاّ أَنْ قالُوا»، فينتج من تركيب الكلمتين أربع قراءات] (٢). واختلف في ﴿وَاللهِ رَبِّنا﴾ (٣) فحمزة والكسائي، وكذا خلف بنصب الباء، إمّا على النّداء - أي يا ربنا - وإمّا على المدح، قاله ابن عطية (٤) والبيضاوي (٥)، وإمّا على إضمار أعني، /قاله أبو البقاء (٦)، قال في (الدر): "وعلى كلّ تقدير فالجملة معترضة بين القسم وجوابه وهو قوله ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ " (٧)، ووافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بالجر على النّعت أو البدل أو عطف بيان.

стр. 1612

واختلف في ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ … ﴿وَنَكُونَ﴾ (١) فحفص وحمزة وكذا يعقوب بنصب الباء والنّون منهما على إضمار «أن» بعد الواو التي بمعنى: «مع»، كقوله: "ليت لي مالا وانفق منه"، فالفعل منصوب بإضمار «أن»، و «أن» مصدرية منسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر، والواو حرف عطف فيستدعي معطوفا عليه، وليس قبلها في الآية الكريمة إلاّ فعل فكيف يعطف اسم على فعل؟، فلا جرم أنّا نقدر مصدرا متوهما يعطف هذا المصدر المنسبك من «أن» وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا لنا ردّ مع هذين الشّيئين، فيكون عدم التّكذيب والكون من المؤمنين متمنّيين أيضا، فهذه الثّلاثة الأشياء أعني الردّ وعدم التّكذيب، والكون من المؤمنين متمنّاه بقيد الاجتماع، لا أنّ كلّ واحد متمنّى وحده؛ لأنّ هذه الواو شرط إضمار «أن» بعدها أن تصلح «مع» في مكانها، ووافقهم الأعمش، وقرأ ابن عامر برفع الأوّل ونصب الثّاني. وعن الشّنبوذي «ولا نكذب» بالنّصب «وتكون» بالرفع، وقرأ الباقون بالرّفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما وهو و ﴿نُرَدُّ﴾ ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء: الردّ إلى الدنيا، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين، أو على أنّ الواو واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ مضمر، والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من مرفوع ﴿نُرَدُّ﴾ والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذّبين وكائنين من المؤمنين، فيكون تمنّي الردّ مقيدا بهاتين الحالتين فيكون الفعلان أيضا داخلين في التّمني، وقد استشكل هذين الوجهين بأنّ التّمني والإنشاء لا يدخله الصّدق ولا الكذب وإنّما يدخلان في الإخبار، وهذا قد دخله الكذب لقوله - تعالى - ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾؟، وأجيب (٢): بأنّ هذا تمن تضمّن معنى العدة فجاز أن يدخله التّكذيب كما يقول الرجل: "ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك، وأكافئك على صنيعك"، فهذا متمنى في معنى الواعد، فلو

стр. 1613

رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، وصحّ أن يقال له: كاذب، وأيضا فإنّ قوله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ ليس متعلقا بالمتمنى بل هو محض إخبار من الله - تعالى - بأنّ ديدنهم الكذب وهجّيراهم (١) ذلك فلم يدخل الكذب في التّمني (٢) انتهى. ويحتمل أن يكون الرفع في الآية أنّ قوله ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها، وإنّما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداة التّمني وما في حيزها فليست داخلة في التّمني أصلا، وإنّما أخبر - تعالى - عنهم أنّهم أخبروا عن أنفسهم بأنّهم لا يكذّبون بآيات ربهم، وأنهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عطفت عليه في محل نصب بالقول، كأنّ التّقدير: فقالوا: يا ليتنا نرد، وقالوا: نحن لا نكذب ونكون من المؤمنين. وأمّا قراءة ابن عامر فظاهرة بما تقدّم لأنّ الأوّل يرتفع على حدّ ما تقدّم من التّأويلات، وكذلك نصب الثّاني على ما تقدم أيضا، ويكون قد أدخل عدم التّكذيب في التّمني أو استأنفه، إلاّ أنّ المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله نرد أي تمنّوا الرّد مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جعلنا «وَلا نُكَذِّبَ» معطوفا على ﴿نُرَدُّ﴾ أو حالا منه، وأمّا إذا جعلنا «وَلا نُكَذِّبَ» مستأنفا فيجوز ذلك أيضا، ولكن على سبيل الاعتراض انتهى/من (الدر المصون) (٣). وعن الأعمش «ولو ردّوا» (٤) بكسر الرّاء خالصة، وكذا «رُدَّتْ» (٥) حيث

стр. 1614

جاء لأنّ الفعل الثّلاثي المضاعف العين واللاّم يجوز في فائه إذا بني للمفعول الثّلاثة الأوجه المذكورة في فاء الثّلاثي المعتل العين إذا بني للمفعول نحو: «قيل» و «بيع»، ووافقه الشّنبوذي في غير هذه السّورة. وعن الحسن «بغتة» (١) بفتح الغين حيث جاء. واختلف في ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ﴾ (٢) فابن عامر بلام واحدة كما هي في المصحف الشّامي وهي لام الابتداء وتخفيف الدّال، فالمحذوف لام التّعريف للتّجريد منه للإضافة، و «الآخرة» بخفض التّاء على الإضافة وفي هذه القراءة تأويلان: أحدهما: قول البصريين وهو أنّه من حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه، والتّقدير: ولدار الساعة الآخرة، ولدار الحياة الدنيا (٣)، يدلّ عليه ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾، ومثله «مسجد الجامع»، التّقدير: مسجد المكان الجامع، وحسّن ذلك في الآية كون هذه الصّفة جرت مجرى الجوامد فى إيلائها العوامل كثيرا، وكذلك كلما جاء ممّا توهّم فيه إضافة الموصوف إلى صفته، وإنّما احتاجوا إلى ذلك لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع؛ لأنّ الإضافة: إمّا للتّعريف أو للتّخصيص، والشيء لا يعرّف نفسه ولا يخصّها. والثّاني: وهو قول الكوفيين: أنّه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته جازت إضافته إليها. وقرأ الباقون بلامين - الأولى لام الابتداء، والثّانية للتّعريف - مع التّشديد للإدغام ورفع ﴿الْآخِرَةُ﴾ على أنّها صفة ل ﴿وَلَلدّارُ﴾، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبرها، وكذا هو في مصاحفهم كما يأتي إن شاء الله - تعالى -. ولا خلاف في حرف «يوسف» (٤) أنّه بلام واحدة لاتّفاق المصاحف عليه.

стр. 1615

واختلف في ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هنا وفي «الأعراف» و «يوسف» و «يس» (١) فنافع وكذا أبو جعفر ويعقوب بتاء الخطاب في الأربعة على الالتفات، وافقهم هنا الحسن، وقرأ ابن عامر وحفص كذلك هنا وفي «الأعراف» و «يوسف»، وقرأ أبو بكر بالخطاب كذلك في «يوسف»، واختلف عن ابن عامر في «يس» فالأكثرون عن الدّاجوني عن هشام وعن الأخفش عن ابن ذكوان بالخطاب، وقرأ الباقون بالغيب في الأربعة ردا على ما تقدّم من الأسماء الغائبة، وبه قرأ الحلواني عن هشام والشّذائي عن الدّاجوني عن أصحابه عنه وزيد عن الرّملي عن الصّوري في موضع «يس» خاصة. وقرأ «ليحزنك» (٢) بضم الياء وكسر الزّاي - من «أحزن» الرّباعي - نافع، وافقه ابن محيصن، [والباقون بفتح الياء وضم الزاي من «حزنه» ثلاثيا، وافقهم الحسن واليزيدي والأعمش] (٣). واختلف في ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾ (٤) فنافع والكسائي بالتّخفيف من «أكذب»، وقرأ الباقون بالتّشديد من «كذّب»، وقد قيل إنّ القراءتين بمعنى واحد مثل: «أكثر» و «كثّر»، و «أنزل» و «نزّل»، وقيل بالفرق بينهما، قال الكسائي: العرب تقول: "كذّبت الرجل" بالتّشديد إذا نسبت الكذب إليه، و"أكذبته" إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، ويقول أيضا: "أكذبت الرجل" إذا وجدته كاذبا ك: "أحمدته" إذا وجدته محمودا، فمعنى «لا يُكَذِّبُونَكَ» - مخففا - لا ينسبون الكذب إليك ولا يجدونك كاذبا، وأمّا التّشديد فيكون خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إيّاه، فإن قيل: هذا محال؛

стр. 1616

لأنّ بعضهم قد وجد منه تكذيبه ضرورة؟، فالجواب: أنّ هذا وإن كان منسوبا إلى جميعهم، يعني عدم التّكذيب فهو إنّما يراد به بعضهم مجازا كقوله - تعالى - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ (١) وإن كان فيهم من لم يكذّبه فهو عام يراد به الخاص، والثّاني أنّه نفى التّكذيب لانتفاء ما يترتب عليه من المضار، فكأنّه قيل: /فإنّهم لا يكذبونك تكذيبا تبالي به ويضرّك لأنّك لست بكاذب، فتكذيبهم كلا تكذيب، فهو من نفي السّبب لانتفاء مسبّبه (٢)، وقال الزّمخشري: "والمعنى أنّ تكذيبك أمر راجع إلى الله - تعالى - لأنّك رسوله المصدّق، فهم لا يكذبونك في الحقيقة، إنّما يكذبون الله بجحود آياته فانته عن حزنك، كقول السيد لغلامه - وقد أهانه بعض النّاس -:" لن يهينوك وإنّما أهانوني "، وعلى هذه الطريقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ " (٣). وعن المطّوّعي (٤) إسكان سين «رسل» (٥). وأمال ﴿أَتاهُمْ نَصْرُنا﴾ (٦) حمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم الأعمش، وقرأ ورش من طريق الأزرق بالفتح والتّقليل، والباقون بالفتح، وكذا حكم ما وقع من هذا اللفظ بقصر الهمزة بمعنى المجيء نحو: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ﴾ (٧)، و ﴿أَتاها﴾ (٨)، و ﴿آتِي﴾ (٩)، و ﴿أَتاكَ﴾ (١٠)، و ﴿فَأَتاهُمُ﴾ (١١)، و ﴿آتانا﴾ (١٢) الجملة سبع كلمات.

стр. 1617

ويوقف لحمزة وهشام، يوافقهما الأعمش على ﴿مِنْ نَبَإِ﴾ (١) بإبدالها الهمزة ألفا على القياس لسكونها وقفا وانفتاح سابقها، وبإبدالها ياء ساكنة بحركة سابقتها لسكون الوقف، وبياء مكسورة بحركة نفسها فإن سكنت للوقف اتّحدا، ويجوز الإشارة بالرّوم فهذه ثلاثة، والرّابع تسكينها بين بين. وقرأ «يرجعون» (٢) بفتح الياء وكسر الجيم مبينّا للمفعول يعقوب، وافقه ابن محيصن والمطّوّعي، وسبق في «البقرة» (٣). وقرأ «أن ينزل آية» (٤) بالتّخفيف ابن كثير وحده، ووافقه ابن محيصن، والباقون بالتّشديد. وعن الحسن «الظلمت» (٥) بسكون اللاّم، وتقدّم في «البقرة» (٦). وقرأ «صراط» (٧) بالسّين قنبل من طريق ابن مجاهد، وكذا رويس، ووافقهما ابن محيصن والشنبوذي عن الأعمش، وقرأ خلف عن حمزة بالإشمام، ووافقه المطّوّعي عن الأعمش، واختلف عن خلاّد والباقون بالصاد. وقرأ «أرءيتكم» (٨) وبابه وهو «رأى» الماضي المسبوق بهمزة الاستفهام المتّصل بتاء الخطاب، والمخاطبين لحقته كاف الخطاب أم لا؛ بتسهيل الهمزة الثّانية بين بين قالون وورش من طريق الأصبهاني وكذا أبو جعفر، واختلف عن ورش من

стр. 1618

طريق الأزرق فأبدلها بعضهم ألفا خالصة مع المدّ المشبع لالتقاء السّاكنين وبعضهم يسهّلها بين بين فصار لورش وجهان: التّسهيل كقالون، والبدل، وما قيل من حدّ إشباع مدّ المسهلة له لتنزيلها منزلة السّاكن في امتناع الابتداء بها وبعدها ساكن خطأ لأنّها ليست فيه بحرف مدّ ولا حرف لين ولا مدّ في غيرها، والصّحيح أنّها متحركة وتمدّ إذا أبدلت للحجز كما ذكر، قال العلامة شهاب الدين السّمين: "والنّحاة يستضعفون إبدال هذه الهمزة ألفا بل المشهور عندهم تسهيلها بين بين، وهي الرّواية المشهورة عن نافع لكنّه قد نقل الإبدال المحض قطرب وغيره من النّحويين، ونقل أبو عبيد القاسم من سلام عن أبي جعفر ونافع وغيرهما من أهل المدينة أنّهم يسقطون الهمزة ويدّعون أنّ الألف خلف منها" (١)، قال في (الدر): "وهذه العبارة تشعر بأنّ هذه الألف ليست بدلا عن الهمزة بل جيء بها عوضا عن الهمزة الساقطة" (٢) انتهى، فاندفع قول من قال: "أنّه غلط عليه" أي على نافع لأنّه يؤدى إلى الجمع بين السّاكنين لأنّ الياء بعدها ساكنة، وقد قال مكّي: "وأبدل ورش الهمزة ألفا لأنّ الرواية عنه أنّه يمدّ الثّانية، والمد لا يتمكن إلاّ مع البدل، وحسّن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن أنّ الأوّل حرف مدّ ولين فالمدّ الذي يحدث مع السّكون مقام حركة يتوصل بها إلى النّطق بالساكن" (٣)، وقرأ/الكسائي بحذف الهمزة الثّانية في ذلك كلّه وهي فاشية نثرا ونظما، ومنه قوله (٤):

стр. 1619

أريت إن جاءت به أملودا … مرجّلا ويلبس البرودا وزعم الفرّاء أنّ هذه اللغة لغة أكثر العرب قال (١): "فى «أرأيت» لغتان ومعنيان: أحدهما أن يسأل الرجل: أرأيت زيدا؟ أي أعلمت، فهذه مهموزة، وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى أخبرني؛ فهاهنا تترك الهمزة إن شئت، وهو كلام أكثر العرب، وهو يومئ إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين"، قال في (الدر): "وفي حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه: أحدها: - وهو الظاهر - أنّه استثقل الجمع بين همزتين في فعل اتّصل به ضمير فخفّفه بإسقاط إحدى الهمزتين، وكانت الثّانية أولى لأنّه حصل بها الثقل ولأنّ حذفها ثابت في مضارع هذا الفعل نحو: «أرى»، و «يرى»، و «ترى»، ولأنّ حذف الأولى يخلّ بالتّفاهم إذ هي للاستفهام" (٢) انتهى، وهذا الوجه منعه الجعبري فقال ما لفظه: "وجه حذف الهمزة إجراء الماضي والمضارع على سنن واحد عند أمن الإجحاف بالسّابقة لا لاجتماع الهمزتين لأنّه جمع المجتمع فالمفرق أولى والمعنى واحد" (٣)، انتهى. والثّاني: أنّه أبدل الهمزة ألفا كنافع في رواية ورش فالتقى ساكنان فحذف أوّلهما وهو الألف. والثالث: أنّه أبدلها ياء ثمّ سكّنها ثمّ حذفها لالتقاء السّاكنين، قاله أبو البقاء، واستبعده الشّيخ شهاب الدين السمين (٤).

стр. 1620

وقرأ الباقون بإثباتها مخففة على الأصل. ويوقف عليه لحمزة بوجه واحد وهو التّسهيل بين بين، وحكي الإبدال ألفا كما في (الكافي) و (التّبصرة) (١)، ووافقه الأعمش بخلف عنه. واختلف في ﴿فَتَحْنا﴾ هنا و «الأعراف» و «القمر» (٢)، و ﴿فُتِحَتْ﴾ (٣) في الأنبياء فابن عامر وكذا ابن وردان بتشديد التّاء في الأربعة، وهو مؤذن بالتّكثير لأنّ بعده ﴿أَبْوابَ﴾ فناسب التّكثير، ومن ثمّ اتّفقوا على تخفيف ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً﴾ (٤) لأن ﴿باباً﴾ فيها مفرد والتّشديد يقتضي التّكثير، وقرأ ابن جمّاز وروح بالتّشديد في «القمر» و «الأنبياء»، وقرأ رويس كذلك في «الأنبياء» فقط، واختلف عنه في الثّلاثة الباقية فروى النّحّاس عنه تشديدها، وروى أبو الطيب التّخفيف، واختلف عن ابن جمّاز هنا و «الأعراف» فروى الأشناني عن الهاشمي عن إسماعيل تشديدها، وكذا روى ابن حبيب عن قتيبة كلاهما عنه، وقرأ الباقون بالتّخفيف في الأربعة على الأصل فقد جرى ابن عامر وابن وردان على نمط واحد في هذا الفصل، ومن شدّد وخفّف جمع بين اللغتين، وأمّا موضع «الزمر» (٥) فيأتي إن شاء الله - تعالى -. وقرأ «به انظر» (٦) بضم الهاء الأصبهاني عن ورش، ووافقه ابن محيصن. وقرأ «يصدفون» (٧) بالإشمام حمزة والكسائي، وكذا يعقوب ورويس بخلف عنه، ووافقهم الأعمش.

стр. 1621

وعن الحسن «بغتة» (١) بفتح الغين. وعن ابن محيصن «يهلك» (٢) بفتح الياء وكسر اللاّم مبنيّا للفاعل. وقرأ «فلا خوف» (٣) بحذف التّنوين مبنيّا على الفتح يعقوب، وافقه الحسن، وعن ابن محيصن الرّفع من غير تنوين، والباقون بالرّفع والتّنوين. وعن الأعمش «يفاسقون» (٤) بكسر السّين. وأمال ﴿إِلاّ ما يُوحى﴾ (٥) حمزة والكسائي وكذا خلف وافقهم الأعمش، وقرأ ورش من طريق الأزرق بالفتح والتّقليل، والباقون بالفتح، وكذلك حكم ﴿ما يُوحى إِلَيَّ﴾ في «الأعراف»، ﴿إِلاّ ما يُوحى﴾ ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى﴾ ب «يونس»، ﴿يُوحى إِلَيْكَ﴾ ب «هود»، ﴿يُوحى إِلَيَّ﴾ ب «الكهف»، ﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ﴾ ب «الأنبياء»، ﴿ما يُوحى﴾ ب «الأحزاب»، ﴿إِنْ يُوحى﴾ ب «ص»، ﴿مِثْلُكُمْ يُوحى﴾ /ب «فصلت»، ﴿إِلاّ ما يُوحى﴾ ب «الأحقاف»؛ الجملة بالأولى أحد عشر كلمة (٦). وكذلك في ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ هنا، وب «هود» ﴿كَالْأَعْمى﴾، وب «الرعد» ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ و ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾، وفي «طه» ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمى﴾، وب «النور» ﴿الْأَعْمى حَرَجٌ﴾، وب «فاطر» ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾، وب «غافر» ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾، وفي «الفتح» ﴿الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ (٧) الجملة تسع كلمات.

стр. 1622

واختلف في ﴿بِالْغَداةِ﴾ هنا وفي «الكهف» (١) فابن عامر بضم الغين وإسكان الدّال وواو بعدها مفتوحة والأشهر في ﴿بِالْغَداةِ﴾ أنّها معرّفة بالعلمية وهي علمية الجنس ك: «أسامة» في الأشخاص ولذلك منعت من الصرف، قال الفرّاء في كتاب «المعاني»: "والعرب لا تدخل الألف واللام في «الغدوة» لأنّها معرفة بغير ألف ولام" (٢)، وقد طعن أبو عبيدة القاسم بن سلام على هذه القراءة فقال: إنّما نرى ابن عامر والسّلمي قرآ تلك القراءة اتّباعا للخطّ، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنّهم كتبوا الصّلاة والزكاة بالواو ولفظهما على تركها، وكذلك «الغداة»، على هذا وجدنا العرب، وقال الفارسي: "الوجه قراءة العامة ﴿بِالْغَداةِ﴾ لأنّها تستعمل نكرة ومعرفة باللام، فأمّا «غدوة» فمعرفة وهو علم وضع للتّعريف، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللاّم للتّعريف، كما لا يدخل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كتبت بالواو لأنّها لا تدل على ذلك، ألا ترى إلى «الصلوة» و «الزكوة» بالواو ولا يقرآن بها، فكذلك «الغدوة»، وقال سيبويه: «غدوة» و «بكرة» جعل كلّ واحد منهما اسما للحين" (٣) انتهى. ولا يلتفت إلى هذا الطعن وكيف يظنّ بمن تقدّم أنّهم يلحنون، والحسن البصري يقرأ بها وهو ممن يستشهد بكلامه فضلا عن قراءته، ونصر بن عاصم شيخ النّحاة أخذ هذا العلم عن أبي الأسود ينبوع الصناعة، وابن عامر لا يعرف اللحن لأنّه عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصّحابة، ولكن أبا عبيد لم يعرف أنّ تنكير «غدوة» لغة ثابتة عن العرب حكاها سيبويه والخليل، قال سيبويه: "وزعم الخليل أنّه يجوز أن تقول: أتيتك اليوم «غدوة» و «بكرة»، فجعلهما مثل:

стр. 1623

«ضحوة» " (١)، وقال المهدوي: "حكى سيبويه والخليل أنّ بعضهم ينكّر فيقول: «غدوة» بالتنوين، وبذلك قرأ ابن عامر، كأنّه جعله نكرة فأدخل عليها الألف واللام" (٢)، وقال أبو علي الفارسي: "وجه دخول الألف واللام عليها أنّه يجوز وإن كانت معرفة أن تنكّر كما حكى أبو زيد:" لقيته فينة "غير مصروف، و «الفينة بعد الفينة» أي: الحين بعد الحين، فألحق لام التّعريف ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنّه يقدّر فيه التّنكير والشيوع كما يقدّر فيه ذلك إذا ثنّى"، وقال النّحّاس: "قرأ ابن عامر «بالغداة» وقال: وباب غدوة، أن يكون معرفة إلاّ أنّه يجوز تنكيرها كما تنكّر الأسماء الأعلام، فإذا نكّرت دخلتها الألف واللام للتّعريف" (٣)، وقال مكّي بن أبي طالب: إنّما دخلت الألف واللام على «غداة» لأنّها نكرة، وأكثر العرب يجعل «غدوة» معرفة فلا ينونها، وكلهم يجعل «غداة» نكره فينونها، ومنهم من يجعل «غدوة» نكرة وهم الأقل، فثبت بهذه النّقول التي ذكرتها عن هؤلاء الأئمة أنّ قراءة ابن عامر سالمة من طعن أبي عبيد، وكأنّه لم يحفظها لغة، انتهى (٤)، وقرأ الباقون بفتح الغين والدّال وبالألف لأنّ «غداة» اسم لذلك الوقت ثمّ دخلت عليها لام التّعريف. وعن الحسن «فتّنّا» (٥) بتشديد التّاء والجمهور بتخفيف التّاء. واختلف في ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ … ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ (٦) فنافع وكذا أبو جعفر بفتح الهمزة/في الأولى والكسر في الثّانية، وقرأ ابن عامر وعاصم وكذا يعقوب بفتح الهمزة فيهما، وافقهم الحسن والشنبوذي عن الأعمش.

стр. 1624

فأمّا فتح الأوّل ففيها وجوه: أحدهما: أنّها بدل من «الرحمة» بدل شيء من شيء، والتّقدير: كتب على نفسه أنّه من عمل إلى آخره فإنّ نفس هذه الجملة المتضمنة للإخبار بذلك رحمة. والثّاني: أنّها في محل رفع على أنّها مبتدأ، والخبر محذوف أي: عليه أنّه من عمل إلى آخره. والثالث: أنّها فتحت على تقدير حذف حرف الجرّ، والتّقدير: لأنّه من عمل، فلمّا حذفت اللاّم جرى في محلها الخلاف المشهور. وأمّا فتح الثّانية فعلى أنّها في محل رفع على أنّها مبتدأ والخبر محذوف، أي: فغفرانه ورحمته حاصلان أو كائنان، أي: فعليه غفرانه ورحمته، وقد أجمع القرّاء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ (١)، كما أجمعوا على كسرها في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، أو على أنّها خبر مبتدأ محذوف أي: فأمره أو شأنه أنّه غفور رحيم. وقرأ الباقون بالكسر فيهما فكسر الأولى على أنّها مستأنفة، وأنّ الكلام تام قبلها وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٣)، أو كسرت بعد قول مقدّر، أي: قال الله - تعالى - ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله، أو أجرى ﴿كَتَبَ﴾ مجرى «قال» فكسرت بعده كما تكسر في القول الصريح، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين، وأمّا كسر الثّانية فعلى الاستئناف بمعنى أنّها في صدر جملة وقعت خبرا ل «من» الموصولة أو جوبا لها إن كانت شرطا، أو أنّها عطف على

стр. 1625

الأولى [وتكرير] (١) لها، ويعترض على هذا بأنّه يلزم بقاء المبتدأ بلا خبر والشرط بلا جزاء؟، وأجيب عنه (٢): بأنّه خبر «من» محذوف دلّ عليه الكلام. وأمّا قراءة نافع وأبى جعفر فيؤخذ فتح الأولى وكسر الثّانية ممّا تقدّم. واختلف في ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ (٣) فنافع وكذا أبو جعفر بتا الخطاب ﴿سَبِيلُ﴾ بالنّصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص، وكذا يعقوب بتاء التّأنيث والرفع، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن، وعن الحسن بسكون لام «ولتستبين» والجمهور على كسرها، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي وكذا خلف بياء التّذكير والرّفع، وافقهم الأعمش، وعن الحسن بسكون لام ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾، والجمهور على كسرها، وهذه القراءات في هاتين الكلمتين دائرة على تذكير «السبيل» وتأنيثه وتعدي «استبان» ولزومه، وإيضاح هذا أنّ لغة تميم ونجد تذكير «السبيل»، وعليه قوله - تعالى - ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ (٤)، ولغة الحجاز التّأنيث وعليه ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ (٥) وقوله (٦):

стр. 1626

خلّ السّبيل لمن يبني المنار بها … وأمّا «استبان» فيكون متعديا نحو: "استبنت الشيء"، ويكون لازما نحو: "استبان الصبح"، بمعنى: "بان" فمن قرأ بالياء من تحت ورفع فإنّه أسند الفعل إلى «السبيل» فرفعه على أنّه مذكر وعلى أنّ الفعل لازم، ومن قرأ بالتّاء من فوق ونصب فكذلك ولكن على لغة التّأنيث، ومن قرأ بالتّاء من فوق ونصب «السبيل» فإنّه أسند الفعل إلى المخاطب ونصب «السبيل» على المفعولية، وذلك تعدية الفعل أي: ولتستبين أنت سبيل المجرمين، فالتّاء في «تستبين» مختلفة المعنى فإنّها في إحدى القراءتين للخطاب وفي الأخرى للتّأنيث، وهي في كلا الحالين للمضارعة، «وتستبين» منصوب بإضمار «أن» /بعد لام «كي» (١). واختلف في «يقضي الحق» (٢) فنافع وابن كثير وعاصم وكذا أبو جعفر بالصاد المهملة المشدّدة المرفوعة من «قصّ الحديث» أو من «قصّ الأثر» أي تتبّعه، وقال - تعالى - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣)، وافقهم ابن محيصن، وقرأ الباقون بقاف ساكنة وضاد معجمة مكسورة خفيفة من القضاء ويؤيدها قوله سبحانه ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٤) فإنّ الفصل يناسب القضاء، ولم يرسم إلاّ بضاد، كأنّ الباء حذفت خطا كما حذفت لفظا لالتقاء السّاكنين كما حذفت من نحو ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٥) وكما حذفت الواو في ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ (٦)، ونصب ﴿الْحَقَّ﴾ بعده على أنّه صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق، أو أنّه ضمّن «يقضي»

стр. 1627

معنى «ينفذ» فلذلك عداه إلى المفعول به، أو أنّ قضى بمعنى «صنع» فيتعدى بنفسه من غير تضمين، أو على إسقاط حرف الجر أي: يقضي بالحق، فلمّا حذف انتصب مجروره على حدّ قوله (١): تمرّون الدّيار ولم تعوجوا … ولا خلاف في «النّمل» أنّه ﴿يَقُصُّ﴾ (٢) بالصاد المهملة بمعنى القراءة الأولى كما نبّه عليه صاحب (النّجوم) (٣). ووقف عليه يعقوب بالياء. وأمال ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ﴾ حمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم الأعمش، وأمالها ورش من طريق الأزرق بين بين، وله الفتح من طريقه أيضا كالباقين، وكذا حكم ﴿يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ب «طه»، و ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ ب «فاطر» (٤) الثلاث. وقرأ «جاء أحدكم» (٥) بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثّانية قالون والبزي وأبو عمرو وكذا رويس من طريق أبي الطّيب، وافقهم ابن محيصن من «المفردة»

стр. 1628

واليزيدي، وقرأ ورش من طريق الأصبهاني وكذا أبو جعفر ورويس من طريق أبي الطيب بتحقيق الأولى وتسهيل الثّانية بين بين، وبه قرأ الأزرق في أحد الوجهين عن ورش، وقرأ في الوجه الآخر بإبدالها ألفا، وقرأ قنبل من طريق ابن شنبوذ بحذف الهمزة الأولى وتحقيق الثّانية، وقرأ من طريق غيره بتحقيق الأولى وتسهيل الثّانية وبتحقيق الأولى وإبدال الثّانية ألفا كالأزرق، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وكذا خلف وروح بتحقيقهما، وافقهم الأعمش والحسن. واختلف في ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ (١) فحمزة بألف ممالة بعد الفاء، وضم سين ﴿رُسُلُنا﴾ ويحتمل قراءة ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ وجهان: أظهرهما أنّه ماض، وإنّما حذف تاء التّأنيث لوجهين أحدهما: كونه تأنيثا مجازيّا، والثّاني: الفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول. والثّاني: أنّه مضارع وأصله «تتوفاه» بتاءين فحذفت [إحداهما] (٢) على خلاف في أيتهما ك «تنزل» وبابه، ووافقه الأعمش، وفي (الدر المصون): "وقرأ الأعمش «يتوفاه» مضارعا بياء الغيبة، اعتبارا بكونه مؤنثا مجازيا أو للفصل، فهو كقراءة حمزة في الوجه الأوّل من حيث تذكير الفعل، وكقراءته في الوجه الثّاني من حيث أنّه أتى به مضارعا" (٣). ووجه الإمالة أنّها يائيّة فجرى فيها على أصله السّابق، وقرأ الباقون بتاء ساكنة من غير ألف ولا إمالة. وسكن سين ﴿رُسُلُنا﴾ (٤) أبو عمرو، ووافقه الحسن، والباقون بضمها.

стр. 1629

وعن الحسن «مولاهم الحقّ» (١) بالنّصب، والجمهور بالخفض. واختلف في ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾، و ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ بعدها (٢)، وفي «يونس» ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾، و ﴿نُنَجِّي رُسُلَنا﴾، و ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وفي «الحجر» ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾، وفي «مريم» ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ﴾، وفي «العنكبوت» ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾، وفيها ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ﴾، وفي «الزمر» ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ﴾، وفي «الصف» ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ (٤): فنافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان بتسكين النّون وتخفيف الجيم في الثّاني من هذه/السّورة فقط، وافقهم ابن محيصن، وانفرد المفسر بذلك عن زيد الدّاجوني عن أصحابه عن هشام، وقرأ الكسائي وحفص الثّالث في «يونس» كذلك، وافقهم المطّوّعي عن الأعمش، وقرأ حمزة والكسائي وكذا خلف كذلك في «الحجر» والأول في «العنكبوت»، وافقهم المطّوّعي عن الأعمش، وقرأ الكسائي كذلك في موضع «مريم» وافقه ابن محيصن من (المفردة)، وكذلك من (المبهج) في أحد الوجهين عنه، وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي وكذا خلف الثّاني من العنكبوت كذلك، وافقهم ابن محيصن والأعمش، وأمّا موضع «الزمر» فخفّفه روح، وقرأ يعقوب بتخفيف ما عدا «الزمر» و «الصّف» وهي تسعة أحرف، وقرأ الباقون بالتّشديد في سائرهن، وأمّا حرف «الصّف» فشدّده ابن عامر وخفّفه الباقون وذلك من «نجّى» و «أنجى» فالتّضعيف والهمزة كلاهما للتّعدية فالمثقلون التزموا التّعدية بالتّضعيف. واختلف في ﴿وَخُفْيَةً﴾ هنا و «الأعراف» (٥) فأبو بكر بكسر الخاء، وقرأ الباقون

стр. 1630

بضمها، وهما لغتان ك: «العدوة» و «العدوة»، و «الأسوة» و «الإسوة». وأمّا ﴿وَخِيفَةً﴾ آخر «الأعراف» (١) فلا مدخل له في ذلك كما نبّه عليه الحكري ومن قبله الجعبري إذ هو من الخوف. واختلف في ﴿أَنْجانا مِنْ هذِهِ﴾ (٢) فحمزة والكسائي وكذا خلف بألف ممالة بعد الجيم من غير ياء ولا تاء بلفظ الغيبة مراعاة لقوله ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وافقهم الأعمش، وقرأ عاصم كذلك لكنه بغير إمالة، وقرأ الباقون بياء ساكنة بعد الجيم بعدها تاء مفتوحة على الخطاب حكاية لخطابهم في حالة الدّعاء، وقد قرأ كلّ بما رسم في مصحفه. واختلف في ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ (٣) فابن عامر بتشديد السّين وفتح النّون من: «نسى»، وقرأ الباقون بتخفيفها من: «أنسى»، وهما لغتان، والتّعدي جاء في هذا الفعل مرة بالهمزة وبالتّضعيف أخرى كما في «أنجى» و «نجّى»، والمفعول الثّاني محذوف في القراءتين تقديره: وإمّا ينسينك الشيطان الذكر أو الحقّ، والأحسن أن يقدّر ما يليق بالمعنى أي: وإمّا ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين بعد ذكرك له فلا تقعد بعد ذلك معهم. واختلف في ﴿اِسْتَهْوَتْهُ﴾ (٤) فحمزة بألف ممالة بعد الواو، وافقه الأعمش، وقرأ الباقون بالتاء السّاكنة من غير ألف، وتوجيه القراءتان معلوم ممّا تقدم في ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ (٥).

стр. 1631

وعن المطّوّعي عن الأعمش «الشّيطان» (١) بالتّوحيد، قال الكسائي: "وهي كذلك في مصحف ابن مسعود"، وعن الحسن بالواو وفتح النّون (٢) - والجمهور بالجمع ورفع النّون - وجعلوها لحنا ولا تصل إلى اللحن، إلاّ أنّها لغة رديئة، سمع: "حول بستان فلان بساتون"، و"له سلاطون"، ويحكى أنّه لمّا حكيت قراءة الحسن لحنّه بعضهم فقال الفرّاء: "إي والله يلحّنون الشّيخ ويستشهدون بقول رؤبة"، قال في الدر: "ولعمري لقد صدق الفرّاء في إنكار ذلك" (٣) انتهى. ووقف على ﴿الْهُدَى اِئْتِنا﴾ بالبدل ألفا، واختلف في الإمالة مع البدل: فقال الدّاني في (جامعه) كما حكاه في (النّشر): "يحتمل وجهين بالفتح والإمالة، فالفتح على أنّ الألف الموجودة في اللفظ بعد فتحة الدّال هي المبدلة من الهمزة دون ألف ﴿الْهُدَى﴾، والإمالة على أنّها ألف ﴿الْهُدَى﴾ دون المبدلة من الهمزة، قال: والوجه الأوّل أقيس لأنّ ألف ﴿الْهُدَى﴾ قد كانت ذهبت مع تحقيق الهمزة في حال الوصل، فكذا يجب أن تكون مع المبدل منها لأنّه تخفيف، والتّخفيف عارض انتهى" (٤)، قال في (النّشر): "والحكم في وجه الإمالة للأزرق عن ورش كذلك، والصحيح المأخوذ به عنهما هو الفتح" (٥) /انتهى. وعن الحسن أيضا «كن فيكون» (٦) بنصب النّون هنا. وعنه «في الصّور» (٧) حيث جاء بفتح الواو، والجمهور بسكونها، واختلف في

стр. 1632

معناه على قراءتهم، فقيل: جمع «صورة» ك «الصّوف» جمع «صوفة»، و «الثّوم» جمع «ثومة»، وهذا ليس جمعا صناعيّا وإنّما هو اسم جنس، إذ يفرّق بينه وبين واحده بتاء التّأنيث، وأيّدوا هذا القول بقراءة الحسن المتقدّمة، وقال جماعة: الصّور: القرن، قال بعضهم: «هي لغة اليمن»، وأيّدوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة قال ﷺ : "كيف وصاحب القرن قد التقمه" (١) انتهى. واختلف في ﴿آزَرَ﴾ (٢) فيعقوب برفع الرّاء على أنّه منادى حذف حرف ندائه كقوله - تعالى - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ (٣) ويؤيده ما في مصحف أبيّ «يا آزر» بإثبات حرفه، وهذا إنّما يتمشّى على دعوى أنّه علم، وأمّا على دعوى وصفيّته فيضعف؛ لأنّ حذف حرف النّداء يقلّ فيها، وافقه الحسن، وقرأ الباقون بنصبها بدلا من ﴿لِأَبِيهِ﴾ أو عطف بيان له إن كان ﴿آزَرَ﴾ لقبا له، وإن كان صفة بمعنى «المخطئ» كما قاله الزّجّاج، أو «المعوج» كما قاله الفرّاء (٤)، أو الشّيخ الهرم كما قاله الضحاك؛ فيكون نعتا ل ﴿لِأَبِيهِ﴾ أو حالا منه بمعنى: وهو في حال اعوجاج أو خطأ، وينسب للزّجاج، وإن قيل: إنّ ﴿آزَرَ﴾ اسم صنم كان يعبده أبوه فيكون إذ ذاك عطف بيان ل ﴿لِأَبِيهِ﴾ أو بدلا منه، ووجه ذلك أنّه لمّا لازم عبادته نبز به وصار لقبا له، أو يكون على حذف مضاف أي: لأبيه عابد آزر، ثمّ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، [و] (٥)

стр. 1633

على هذا فيكون «عابد» صفة ل ﴿لِأَبِيهِ﴾ أعرب هذا بإعرابه، أو يكون منصوبا على الذّم وهو ممنوع الصرف للعجمة والعلمية. وقرأ «إنى» (١) بفتح ياء الإضافة نافع وابن كثير وأبو عمرو وكذا أبو جعفر وافقهم اليزيدي وابن محيصن. وأمال ﴿إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ﴾ أبو عمرو وحمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم اليزيدي والأعمش، وقرأ ورش من طريق الأزرق بين اللفظين، والباقون بالفتح، وكذا الخلف في ﴿أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾ ب «الأنفال» (٢)، ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾، و ﴿إِنِّي أَراكُمْ﴾ ب «هود» (٣)، و ﴿أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾، و ﴿أَرانِي أَحْمِلُ﴾، ﴿وَأَرى﴾ سبع ب «يوسف» (٤)، و ﴿أَسْمَعُ وَأَرى﴾ ب «طه» (٥)، و ﴿أَرى فِي الْمَنامِ﴾ في «والصافات» (٦)، و ﴿إِلاّ ما أَرى﴾ ب «غافر» (٧)، و ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾ ب «الأحقاف» (٨) الجملة أحد عشر. وأمّا ﴿رَأى﴾ الماضي ويكون بعده متحرك وساكن، والأوّل يكون ظاهر أو مضمر أمّا الظاهر سبعة مواضع: ﴿رَأى كَوْكَباً﴾ هنا، و ﴿رَأى أَيْدِيَهُمْ﴾ في «هود»، ﴿رَأى قَمِيصَهُ﴾ و ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ ب «يوسف»، و ﴿رَأى ناراً﴾ في «طه»، ﴿ما رَأى﴾ ﴿لَقَدْ رَأى﴾ في «النجم» (٩).

стр. 1634

والمضمر تسعة: ﴿رَآكَ﴾ ب «الأنبياء»، و ﴿رَآها﴾ ب «النمل» و «القصص»، و ﴿فَرَآهُ﴾ ب «فاطر» و «الصافات»، و ﴿رَآهُ﴾ ب «النمل» و «النجم» و «التكوير» و «العلق» (١). وأمّا الذي بعده ساكن ففي ستة مواضع وهي: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ ﴿رَأَى الشَّمْسَ﴾ هنا، و ﴿رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ و ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ب «النحل»، و ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ﴾ في «الكهف»، ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ «الأحزاب» (٢): فاختلف القرّاء فيها بالنّسبة إلى الإمالة وعدمها: فقرأ قالون وورش من طريق الأصبهاني وابن كثير وحفص وكذا أبو جعفر ويعقوب بفتح الرّاء والهمزة جميعا من الأفعال السّبعة التي لم يقع بعدها ضمير والتّسعة التي بعدها الضّمير، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن، وقرأ ورش من طريق الأزرق بإمالتهما بين بين في القسمين الظّاهر والمضمر، وقرأ الدّوري عن أبي عمرو بإمالة الألف وفتح الرّاء في القسمين، وقرأ السّوسي بإمالة الألف وله في الرّاء وجهان في القسمين أيضا كما في (الشّاطبيّة) لكنّه ليس من طرقها بل ولا من طرق (النّشر) (٣) كما نبهت عليه في بابه /، وقرأ ابن ذكوان بإمالتهما جميعا مع المظهر من جميع طرقه إلاّ ما انفرد به زيد عن الرّملي عن الصّوري من فتح الرّاء، وإمالة الهمزة وإلاّ ما انفرد به صاحب (المبهج) عن الصّوري من فتحهما، وأمّا مع المضمر فأمالهما النّقّاش عن الأخفش عنه، وفتحهما ابن الأخرم عن الأخفش، وأمال الهمزة وفتح الرّاء الجمهور عن الصّوري، وقرأ الجمهور عن الحلواني عن هشام بفتح الرّاء والهمزة في القسمين، والأكثرون

стр. 1635

عن الدّاجوني عنه بإمالتهما فيهما، وقرأ أبو بكر في جميع القسم الأوّل بإمالة الرّاء والهمزة في رواية الجمهور عن يحيى وبإمالتهما في الأنعام فقط، وفتحهما في غيرها في رواية الجمهور عن العليمي، وبفتحهما في المواضع السّبعة من طريق (المبهج) عن أبي عون عن يحيى وعن الرزاز عن العليمي، وبفتح الرّاء وإمالة الهمزة وهي طريق (العنوان) في أحد وجهيه عن شعيب عن يحيى، وكذلك الخلف له في القسم الثّاني إلاّ أنّ العليمي عنه فتح الرّاء والهمزة جميعا في الجميع، وأمالهما فيها يحيى عنه على ما تقدم، وقرأ حمزة والكسائي وكذا خلف بإمالتها فيهما، وافقهم الأعمش، فوجه إمالة الألف كونها يائية، ولزم من إمالتها إمالة الهمزة، وأميلت فتحة الرّاء لإتباعها لإمالة الهمزة، هذه عبارتهم، وفي الحقيقة الإمالة إنّما هي للألف لانقلابها عن الياء، والإمالة كما قرّرته في بابها أن ينحى بالألف نحو الياء وبالفتحة نحو الكسرة فمن ثمّ صحّ أن يقال أميلت الرّاء لإمالة الهمزة لا سيما وهي واو أيضا لا صقت الهمزة، ومن ثمّ لم تجز إمالة فتحة النّون من «نرى»، وأمّا تفصيل ابن ذكوان بالنّسبة إلى اتّصاله بالضّمير وعدمه فوجّهه أنّ الفعل لما اتّصل بالضّمير بعدت ألفه عن الطرف فلم يمل (١). وأمّا الذي بعده ساكن فقراءة السّوسي بإمالة الرّاء والهمزة معا بخلاف عنه كما في (الشّاطبيّة) (٢)، لكن تعقّبه شيخ مشايخنا العلامة شمس الدين ابن الجزري بأنّ: "إمالة الرّاء والهمزة عن السّوسي ممّا قرأ به صاحب (التّيسير) على أبي الفتح وإنّما قرأ عليه من غير طريق أبي عمران موسى بن جرير" (٣)، قال: "وحينئذ فليس إلى الأخذ به من طريق (الشّاطبيّة) وأصلها، ولا من طرق كتابنا - يعني (النّشر) - سبيل" (٤)، قال: "وبعض أصحابنا ممّن يعمل بظاهر (الشّاطبية) يأخذ للسّوسي في

стр. 1636

ذلك بأربعة أوجه وهي: فتحهما أو إمالتهما وبفتح الرّاء وإمالة الهمزة وبإمالة الرّاء وفتح الهمزة ولا يصح فيها من طريق (الشّاطبية) و (التّيسير) سوى الأوّل، وأمّا الثّاني فمن طريق من قدمنا، وأمّا الثّالث فلا يصح من طريق السّوسي ألبتّه: إنّما روي من طريق أبي حمدون وأبى عبد الرحمن وإبراهيم ابني اليزيدي ومن طريقهما حكاه في (التّيسير)، وأمّا الرّابع: فحكاه ابن سعدان وابن حبير عن اليزيدي ولا نعلمه ورد عن السّوسي ألبتة بطريق من الطّرق" (١) انتهى. وقرأ شعبة بإمالة الرّاء وله في الهمزة وجهان: الفتح طريق أبي حمدون والصّريفيني عنه فعنه، والإمالة وهي طريق خلف عن يحيى عنه لكن ذكر الشّاطبي للخلاف في الهمزة ممّا تعقبه في (النّشر) وقال: "إنّه ممّا انفرد به لأنّ إمالة الهمزة عن شعبة إنّما رواها خلف عن يحيى عنه، وقد خالف سائر النّاس ابن مجاهد في كونه كان يأخذ من طريق خلف عن يحيى بإمالتهما فلم يأخذوا لأبي بكر من جميع طرقه إلاّ بإمالة الرّاء وفتح الهمزة (٢)، وقد صحّح أبو عمرو الدّاني الإمالة فيهما يعني من طريق خلف حسب ما نصّ في (التّيسير) (٣) فحسب الشّاطبي أنّ ذلك من طريق كتابه فحكى فيه خلافا عنه، والصواب الاقتصار على إمالة الرّاء دون الهمزة من جميع طرق كتاب (النّشر) انتهى/. وقرأ حمزة وكذا خلف بإمالة الرّاء وفتح الهمزة وافقهما الأعمش، وقرأ الباقون بالفتح، وهذا حكم الوصل فإن زال السّاكن بالوقف عادت الألف وجرى كلّ على مذهبه في المتحرك الذي ليس بعده ضمير ولا ساكن من الفتح والإمالة الكبرى والصغرى. ووجه إمالة هذه الهمزة بعد السّاكن في الوصل مراعاة الألف وإن كانت محذوفة

стр. 1637

إذ حذفها عارض، ثمّ منهم من اقتصر على إمالة الهمزة لأنّ اعتبار وجودها ضعيف، ومنهم من لم يقتصر فأعطاها حكم الموجود حقيقة، وأتبع الرّاء الهمزة في ذلك انتهى. وقد سبق ذكر مسألة «رأى» في باب الإمالة (١) وذكرت هنا تذكيرا لبعدها عن هذا المحل جريا على عادتي في إعادة ما يبعد ذكره تذكيرا وتثبيتا على أن ذلك غالبا لا يخلو من فائدة فالتّكرار حينئذ مغتفر، والله - تعالى - أسأل المعونة على الإتمام والنّفع إنّه جواد كريم. ووقف على ﴿بَرِيءٌ﴾ (٢) بالبدل مع الإدغام بالإشارة إلى الرّوم فالإشمام حمزة وهشام بخلف، ووافقهما الأعمش على الثّلاثة الأوجه بخلف عنه. وعن ابن محيصن ضم ميم «يقوم» (٣)، وسبق في «البقرة». وقرأ «وجهى للذى» (٤) بفتح ياء الإضافة نافع وابن عامر وحفص، وكذا أبو جعفر. واختلف في ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ (٥) فنافع وابن ذكوان وهشام بخلف عنه وكذا أبو جعفر بلا خلاف بنون خفيفة، وقرأ الباقون بنون ثقيلة، والثّقيل هو الأصل لأنّ النّون الأولى نون الرّفع في الأمثلة الخمسة، والثّانية نون الوقاية فاستثقل اجتماعهما، وفيهما لغات ثلاث: الفكّ وتركهما على حالهما، والإدغام، والحذف، وقد قرئ بهذه اللغات كلّها في قوله - تعالى - ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٦)، وهنا لم تقرأ إلاّ بالحذف أو

стр. 1638

الإدغام؛ فنافع ومن معه بحذف إحدى النّونين، واختلف النّحاة في أيّهما المحذوفة: فمذهب سيبويه (١) ومن تبعه أنّ المحذوفة هي الأولى، ومذهب الأخفش ومن تبعه أنّ المحذوفة هي الثّانية، استدلّ سيبويه على ذلك بأنّ نون الرّفع قد عهد حذفها دون ملاقاة مثل، لا يقال أن النّون حذفت جزما في جواب الشرط؛ لأنّ الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطا، وإذا تقرّر وجوب الفاء، وإنّما حذفت ضرورة ثبت أنّ نون الرّفع كان من حقها الثبوت إلاّ أنّها حذفت ضرورة واستدلّوا لسيبويه أيضا بأنّ نون الوقاية مكسورة، فبقاؤها على حالها لا يلزم منه تغيير بخلاف ما لو ادّعينا حذفها فإنّا يلزمنا تغيير نون الرّفع من فتح إلى كسر، وتقليل العمل أولى، واستدل الأخفش بأنّ الثّقل إنّما حصل بالثانية ولأنّه قد استغني عنها فإنّه إنّما أتي بها لتقي الفعل من الكسر وهو مأمون لوقوع الكسر على نون الرّفع، ولأنّها لا تدل على معنى بخلاف نون الرّفع، وأيضا فإنّها تحذف في نحو: ليتني، فيقال: ليتي (٢). وأمال الكسائي وحده ﴿هَدانِ﴾ (٣)، وورش من طريق الأزرق بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. وقرأ «هدين» (٤) بزيادة ياء بعد النّون في الوصل أبو عمرو وكذا أبو جعفر، وافقهما اليزيدي والحسن، وأثبتها يعقوب في الحالين. وعن الحسن «يرفع» «ويشاء» (٥) بياء الغيبة فيهما، والجمهور بنون العظمة فيهما (٦).

стр. 1639

واختلف في ﴿دَرَجاتٍ﴾ هنا ويوسف (١) فعاصم وحمزة والكسائي، وكذا خلف بالتّنوين فيهما فيحتمل النّصب على الظّرف، و ﴿مَنْ﴾ مفعول أي: نرفع من نشاء مراتب ومنازل، أو منصوب على أنّه مفعول ثان قدّم على الأوّل، وذلك يحتاج إلى تضمين «نرفع» معنى فعل يتعدّى لاثنين وهو «يعطى» مثلا، أي نعطى بالرّفع/من يشاء درجات، أي: رتبا فالدّرجات هي المرفوعة كقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ (٢)، فإذا رفعت الدّرجة فقد رفع صاحبها، أو النّصب على حذف حرف الجر إلى منازل وإلى درجات، وافقهم الأعمش، وقرأ يعقوب بالتّنوين هنا فقط، وقرأ الباقون بغير تنوين فيهما على الإضافة ف ﴿دَرَجاتٍ﴾ مفعول «نرفع». وقرأ «من نشاء إن ربك» (٣) بتحقيق الهمزة الأولى وإبدال الثّانية واوا مكسورة، وبتسهيلها كالياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وكذا أبو جعفر ورويس، وحكي أيضا عنهم تسهيلها كالواو وضعّف (٤)، وافقهم ابن محيصن واليزيدي، وقرأ الباقون بتحقيقهما، وافقهم الحسن والأعمش. واختلف في ﴿وَالْيَسَعَ﴾ هنا وفي «ص» (٥) فحمزة والكسائي، وكذا خلف بتشديد اللاّم المفتوحة وإسكان الياء في الموضعين على أنّ أصله: «ليسع» ك «ضيغم» وهو اسم أعجمي، ودخول الألف واللام فيه للتّعريف كأنّه قدّر تنكيره ثمّ أدغمت لام التّعريف في لام «ليسع» فصارت واحدة مشدّدة مفتوحة والياء على سكونها، أو أنّه اسم أعجمي لا اشتقاق له لأنّ «الّيسع» يقال إنه: أنّه يوشع بن نون فتى موسى فالألف

стр. 1640

واللام فيه معرفتان أو زائدتان كقوله (١): رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله قال الفرّاء (٢): قراءة التّشديد أشبه بأسماء العجم. وافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بتحفيفها وفتح الياء في الموضعين على أنّه منقول من فعل مضارع، والأصل «يوشع» ك «يوعد» فوقعت الواو بين ياء مفتوحة وكسرة تقديرية لأنّ الفتحة إنّما جييء بها لأجل حرف الحلق فحذفت كحذفها في: يضع، ويدع، ويهب، وبابه. وقرأ «والنبوة» (٣) نافع. وقرأ «الصراط» (٤) بالسّين على الأصل قنبل من طريق ابن مجاهد، وكذا رويس، وافقهما ابن محيصن من (المفردة) والشنبوذي عن الأعمش، وقرأ بالإشمام خلف عن حمزة، وافقه المطّوّعي عن الأعمش، واختلف عن خلاّد كما ذكر في «أم القرآن». وأجمعوا على إثبات هاء السّكت في ﴿اِقْتَدِهْ﴾ (٥) وقفا على الأصل سواء قلنا:

стр. 1641

إنّها للسّكت أو للضّمير، واختلفوا في إثباتها وصلا فأثبتها فيه ساكنة نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وكذا أبو جعفر، فيحتمل وجهين: أحدهما: أنّها هاء السّكت، ولكنها ثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف كقوله ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ (١). والثّاني: أنّها ضمير المصدر - يعني الاقتداء - سكّنت وصلا إجراء للوصل أيضا مجرى الوقف نحو: ﴿نُؤْتِهِ﴾ (٢). وافقهم الحسن وابن محيصن من (المبهج)، وقرأ بإثباتها مكسورة هشام دون مدّ، فأمّا وجه الكسر فعلى أنّها ضمير الاقتداء المفهوم من ﴿اِقْتَدِهْ﴾ أو ضمير «الهدى»، وجاز أن تكون هاء السّكت على ما أجاز ثعلب في تحريكها حملا على هاء الضّمير كما حملت هاء الضّمير عليها فسكنت، وأمّا وجه القصر فإلحاقا لها بأصله في نحو ﴿يَؤُدُهُ﴾، وقرأ بإثباتها ممدودة ابن ذكوان بخلف عنه، وهذا يعبّر عنه القرّاء بالصّلة تارة، وبالإشباع أخرى، وسوّغه هنا القياس لأنّها بين متحركين، والإشباع عنه هو الذي في (التّيسير) و (المفردات) و (الجامع) و (التّبصرة) و (الهداية) و (الكفاية الكبرى) و (التّلخيص) وفاقا للجمهور، وروي عنه الكسر من غير إشباع، قال في (النّشر): "وهي طريق زيد عن الرّملي عن الصّوري عنه كما نصّ عليه أبو العز في (الإرشاد) ومن تبعه على ذلك من الواسطيين كابن مؤمن والديواني وابن زريق الحداد وغيرهم، وكذا رواه ابن مجاهد عن ابن ذكوان فيكون ذلك من رواية الثعلبي عن ابن ذكوان، وكذا الدّاجوني عن أصحابه عنه، وقد رواها الشّاطبي عنه ولا أعلمها وردت عنه من طريقه، ولا شك في صحّتها عنه لكنّها عزيزة من طرق كتابنا" (٣) انتهى. وقرأ بحذف الهاء في الوصل حمزة والكسائي، وكذا يعقوب وخلف على أنّها

стр. 1642

للسّكت فقياسها في الوصل الحذف إذ محلها الوقف/وافقهم الأعمش وابن محيصن من (المفردة) واليزيدي فخالف أبا عمرو. وعن الحسن «حقّ قدره» (١) بفتح الدّال. واختلف في ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ﴾ فابن كثير وأبو عمرو بالغيب في الثّلاثة على إسناده إلى الكفّار مناسبة لقوله - تعالى - ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وقوله ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ التفات إليهم أو للمسلمين معترض بين الأمرين في ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ و ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ (٢)، وافقهم ابن محيصن واليزيدي، وقرأ الباقون بالخطاب فيهنّ على الإسناد إليهم باعتبار الأمرين أي: قل لهم ذلك (٣). واختلف في ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ (٤) فأبو بكر بياء الغيبة، والضّمير للقرآن وهو الظّاهر أي: ينذر بمواعظه وزواجره، ويجوز أن تعود على الرّسول ﵊ للعلم به، وقرأ الباقون بتاء الخطاب للرّسول ﵊. وأمال ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ (٥) أبو عمرو وحمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم اليزيدي والأعمش، وقرأ ورش من طريق الأزرق بالتّقليل، والباقون بالفتح. وعن الحسن «صلاتهم» (٦) بالجمع. وأمال ﴿فُرادى﴾ حمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم الأعمش، وقرأ ورش من

стр. 1643

طريق الأزرق بالفتح والتّقليل، والباقون بالفتح، وكذا حكم ﴿فُرادى﴾ (١) في «سبأ». وأمال ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ﴾ (٢) أبو عمرو وحمزة والكسائي، وكذا خلف، وافقهم الأعمش واليزيدي، وقرأ ورش من طريق الأزرق بين بين، والباقون بالفتح. ويوقف على ﴿شُرَكاءُ﴾ (٣) ونحوه ممّا رسمت صورة الهمزة فيه واو لحمزة وهشام بالإبدال ألفا مع المدّ والقصر والتوسّط، والتّسهيل بين بين مع المدّ والقصر فهذه خمسة أوجه، وإذا أبدلت الهمزة ياء على وجه اتّباع الرّسم فالمدّ والتّوسّط والقصر مع سكون الياء والقصر مع روم حركتها والمدّ والقصر والتّوسط مع إشمام حركة الواو فتصير اثنا عشر وجها (٤)، ويوافقهما الأعمش بخلف عنه. واختلف في ﴿تَقَطَّعَ﴾ (٥) فنافع وحفص والكسائي وكذا أبو جعفر بنصب النّون على أنّ الفاعل مضمر يعود على الاتصال، والاتصال وإن لم يكن مذكورا حتى يعود عليه ضمير لكنّه تقدّم ما يدل عليه وهو لفظة ﴿شُرَكاءُ﴾، فإنّ الشّركة تشعر بالاتّصال، والمعنى: لقد تقطّع الاتصال بينكم فانتصب «بينكم» على الظّرفية، وافقهم الحسن، وقرأ الباقون بالرّفع على أنّه اتّسع في هذا الظّرف فأسند الفعل إليه فصار اسما كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدل على ذلك قوله - تعالى - ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ (٦) فاستعمله مجرورا ب «من» أو على أنّ بين اسم غير ظرف، وإنّما معناها الوصل أي: لقد تقطع وصلكم فيستعمل للوصل والفراق (٧).

стр. 1644

وأمال ﴿وَالنَّوى﴾ (١) حمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم الأعمش، وقرأ ورش من طريق الأزرق بالفتح والتّقليل، والباقون بالفتح. وقرأ «الميت» (٢) بتشديد الياء مكسورة نافع وحفص وحمزة والكسائي، وكذا أبو جعفر وخلف ويعقوب، وافقهم الأعمش، والباقون بالتّخفيف. وعن المطّوّعي «فلق الإصباح» (٣) بفتح اللاّم والقاف من غير ألف فعلا ماضيا، ونصب «الحبّ»، قال صاحب (المبهج) فيما ذكره ابن القاصح: "وتقتضي روايته أن يقرأ «فلق الإصباح» كذلك، ولم أره منصوصا، والإشارة فيه تجعل فيه وجهين" (٤) انتهى، وقال السمين - بعد أن عزا الأولى لعبد الله، والثّانية للنّخعي وغيره -: "وهذا أدلّ دليل على أنّ القراءة عندهم سنّة متّبعة ألا ترى إلى عبد الله كيف قرأ «فلق الحبّ» فعلا ماضيا، وقرأ «فالق الحب» اسم فاعل" (٥). وعن الحسن «الأصباح» (٦) بفتح الهمزة وهو جمع «صبح» (٧) نحو: / «قفل» و «أقفال»، و «برد» و «أبراد»، والجمهور بالكسر على المصدر. واختلف في ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ (٨) فعاصم وحمزة والكسائي وكذا خلف بفتح العين واللاّم من غير ألف فعلا ماضيا، و ﴿اللَّيْلَ﴾ بالنّصب مفعول به مناسبة

стр. 1645

لما بعده أفعالا ماضية نحو ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ و ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ (١)، ووافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بالألف وكسر العين ورفع اللاّم وخفض ﴿اللَّيْلَ﴾ ف «جاعل» يحتمل أن يكون بمعنى المضي، وهو الظّاهر، ويؤيده القراءة السّابقة، والماضي عند البصريين لا يعمل إلاّ مع «أل» خلافا لبعضهم في منع إعمال المعرّف بها، والكسائي في إعماله مطلقا. وعن ابن محيصن «والشمس والقمر» (٢) بالرّفع فيهما على الخبر، والجمهور بالنّصب إمّا مفعولان أوّلان و ﴿حُسْباناً﴾ ثان، وإمّا صاحبا حال، والمفعول الثّاني هو الأوّل، والحال لا بدّ أن تكون صادقة على ذي الحال، فيكون الخبر حينئذ محذوف تقديره مجعولان حسبانا أو مخلوقان حسبانا. واختلف في ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ (٣) فابن كثير وأبو عمرو وكذا روح بكسر القاف اسم فاعل والمراد به الأشخاص، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي: فمنكم شخص مستقر: إمّا في الأصلاب أو في البطون أو القبور، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن، وقرأ الباقون بفتحها على أن يكون مكانا وأن يكون مصدرا أي: فلكم مكان تستقرون فيه وهو الصّلب أو الرّحم أو الأرض أو لكم استقرار (٤). وعن الحسن ضم تاء «فمستقر» (٥)، وفتحها الجمهور. واتّفقوا على فتح دال ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (٦) لأنّ المعنى أنّ الله استودعه فهو مفعول.

стр. 1646

وعن المطّوّعي عن الأعمش «يخرج منه» (١) بالياء وضم الرّاء مبنيّا للمفعول، و «حبّ» بالرّفع قائم مقام فاعله، و «متراكب» صفة ل «حبّ»، والجمهور مسندا إلى ضمير المعظم نفسه، و ﴿حَبًّا مُتَراكِباً﴾ بالنّصب. وعن المطّوّعي أيضا «قنوان» (٢) بضم القاف وهي لغة قيس، والجمهور بالكسر، وهي لغة الحجاز. وعن الحسن والمطّوّعي «وجنّات من أعناب» (٣) برفع التّاء على الابتداء، والخبر محذوف قدره الزّمخشري (٤) متقدما أي: وثمّ جنات، وقدّره أبو البقاء (٥): "ومن الكرم جنات"، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ كذا، ومن الكرم كذا، وقدّره النّحّاس: ولهم جنات، وقدّره الفرّاء متأخرا فقال: "أي: وجنات من أعناب أخرجناها" (٦)، ويحتمل أن يكون الرّفع عطفا على ﴿قِنْوانٌ﴾ تغليبا للجوار، [والجمهور نصبوه عطفا على ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي وأخرجنا به جنات] (٧). واختلف في ﴿إِلى ثَمَرِهِ﴾ (٨) موضعي هذه السّورة، وفي «يس» ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (٩) فحمزة والكسائي، وكذا خلف بضم الثاء والميم، ويحتمل وجوها:

стр. 1647

أحدها: أن تكون أسما مفردا ك «عنق». والثّاني: أنّه جمع الجمع ف «ثمر» جمع «ثمار»، و «ثمار» جمع «ثمر»، وذلك نحو «أكم» جمع «إكام» جمع «أكمة»، فهو نظير «كتاب» و «كتب». والثالث: أنّه جمع «ثمر» كما قالوا: «أسد» و «أسد». والرابع: أنّه جمع «ثمرة» قال الفارسي: "والأحسن أن يكون جمع «ثمرة» ك «خشبة»، و «خشب» " (١). وافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بفتحهما فيهنّ على أنّ «الثمر» اسم جنس مفرده «ثمرة»، ك: «شجر» و «شجرة»، و «بقر» و «بقرة»، و «جزر» و «جزرة». وأمّا ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ موضعي «الكهف» (٢) فيأتيان إن شاء الله - تعالى -. وعن ابن محيصن «وينعه» (٣) بضم الياء، وهي لغة بعض نجد. واختلف في ﴿وَخَرَقُوا﴾ (٤) فنافع وكذا أبو جعفر بتشديد الرّاء من التّكثير لأنّ القائلين بذلك خلق كثير وجمّ غفير، وقرأ الباقون بالتّخفيف بمعنى الاختلاق، قال الفرّاء: "يقال خلق الإفك وخرقه واختلقه، وافتراه وافتعله بمعنى كذب" (٥)، وقيل: هما لغتان والتّخفيف هو الأصل، وقال الزّمخشري: "ويجوز أن يكون من خرّق الثوب إذا شقّه أي اشتقوا له بنين وبنات" (٦) /.

стр. 1648

وأمال ﴿وَتَعالى﴾ حمزة والكسائي وكذا خلف، وافقهم الأعمش، وقرأ الأزرق عن ورش بالفتح والتّقليل، والباقون بالفتح، وكذا حكم ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ب «يونس» و ﴿ ﴾ ب «النحل»، وفيها ﴿بِالْحَقِّ تَعالى﴾، وب «الإسراء» ﴿وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ وب «قد أفلح» ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وب «القصص» ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وب «الرّوم» ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وب «الزمر» ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وب «الجن» ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ (١). وكذلك حكم ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ﴾ (٢) إلاّ أنّ الدّوري عن أبي عمرو قرأه، بالتّقليل [- أي بخلف عنه -، والوجه الثاني له الفتح كالسوسي] (٣). واختلف في ﴿دَرَسْتَ﴾ (٤) فابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الدّال وسكون السّين وفتح التّاء على وزن: «قابلت»، أي: دارست يا محمد غيرك من أهل الأخبار الماضية، والقرون الخالية حتى حفظتها فنقلها (٥) كما حكى عنهم، فقال: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ (٦)، وفي التّفسير إنّهم كانوا يقولون: "هو يدارس سلمان وعدّاسا"، ووافقهما ابن محيصن واليزيدي. وقرأ ابن عامر، وكذا يعقوب بغير ألف وفتح السّين وسكون التّاء بزنة: ضربت، أي: بليت وقدمت وتكرّرت على الأسماع يشير إلى أنّها من أحاديث الأولين كما قالوا: "أساطير الأولين"، وافقهما الحسن إلاّ أنّه ضم الرّاء.

стр. 1649

وقرأ الباقون بغير ألف وسكون السّين وفتح التّاء، أي: حفظت واتقنت بالدّرس أخبار الأوّلين كما حكى الله عنهم ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (١) أي: تكرر عليه بالدرس ليحفظها (٢). وعن [الحسن] (٣) «وليبيّنه لقوم» بالياء. واختلف في ﴿عَدْواً﴾ (٤) فيعقوب بضم العين والدّال وتشديد الواو، ويقال: عدا فلان عدوا وعدوّا وعداء وعدوانا، وافقه الحسن، وقرأ الباقون بالفتح والسكون والخفّ ونصب على المصدر أو مفعول من أجله أي: لأجل العدو، أو على أنّه واقع الحال المؤكدة لأنّ السّبّ لا يكون إلاّ عدوا. وقرأ «وما يشعركم» (٥) بإسكان الرّاء أبو عمرو من أكثر الطّرق عنه، وروى عنه الاختلاس وهو: الإتيان بثلثي الحركة، وروى أكثر أهل الأداء الاختلاس عن الدّوري والإسكان من رواية السّوسي، وعكس بعضهم، وبعضهم روى الإتمام عن الدّوري، وأطلق الصفراوي (٦) الخلاف في الإتمام والسّكون والاختلاس عن أبي عمرو بكماله، ووافق ابن محيصن من (المبهج) على الإسكان، والاختلاس من (المفردة) (٧)، والباقون بالإتمام، وتقدّم ما في ذلك من المباحث في سورة «البقرة» (٨) وأعدت هذه المسألة هنا كنظائرها لبعد العهد بها.

стр. 1650

واختلف في ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ (١) فابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلاف عنه، وكذا يعقوب وخلف بكسر همزة ﴿أَنَّها﴾ وهي رواية العليمي عن أبي بكر قال في (الدر): " [وهي قراءة واضحة] (٢) استجودها الخليل وغيره لأنّ معناها استئناف إخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، قال سيبويه (٣): سألت الخليل عن هذه القراءة - يعني قراءة الفتح - فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنّه لا يفعل؟، فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع، إنّما قال: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾، ثمّ ابتدأ فأوجب فقال: «إنّها إذا جاءت لا يؤمنون»، ولو فتح فقال:" وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون "لكان عذرا لهم، وقد شرح النّاس قول الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره:" لأنّك لو فتحت «أنّ» وجعلتها التي في نحو: "بلغني أنّ زيدا منطلق" لكان عذرا لمن أخبر عنهم أنّهم لا يؤمنون، لأنّه إذا قال القائل: "إنّ زيدا لا يؤمن"، فقلت: وما يدريك أنّه لا يؤمن، كان المعنى: أنّه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذرا لمن نفى عنه الإيمان، وليس مراد الآية الكريمة إقامة عذرهم ووجود إيمانهم " (٤)، وقال الزّمخشري: /" وقرئ «إنها» بالكسر على أنّ الكلام قد تمّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثمّ أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنّها إذا جاءت لا يؤمنون " (٥)، وثاني مفعولي ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ محذوف أي: وما يدريكم إيمانهم أو ما يكون منهم، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن، وقرأ الباقون بالفتح، وبه قرأ أبو بكر في وجهه الثّاني، وهو رواية العراقيين قاطبة عن يحيى عنه، وهو الذي في (العنوان)، ووجّه الفتح بأوجه أظهرها:
следующие страницы →