← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والحروف الأصول: تسمى حروف الهجاء والتّهجي، وسماها سيبويه (١) والخليل (٢): "حروف العربية" (٣)، أي حروف اللغة العربية، وهي التي يتركّب منها الكلام العربي، وتسمى حروف المعجم (٤)، لأنّها مقطعة لا تفهم إلاّ بإضافة بعضها إلى بعض، أو لأنّها ينقط منها ما ينقط، يقال: أعجمت الحروف، ومعناها حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع. ومنهم من يجعل المعجم مصدرا لمعنى الإعجام، وهو من أعجمت الشيء، إذا بينته، فكأنّها مبينة للكلام، والهمزة في أعجمت على هذا المعنى للإزالة، أي: أزلت عجمته، إمّا بنقطه أو شكله، لأنّها ما لم تنقط أو تشكل تكون كأنّها غفل لا يتضح معناها إلاّ بفكر وتدبّر وتأمل، فإنّه كثيرا ما يلتبس منها ما كان متماثل الصّورة/، فلا يتميز بعضه إلاّ بالنّقط أو الشكل، وتسمى هذه الحروف أيضا: حروف أبي جاد. وهي تسعة وعشرون حرفا، باتفاق البصريين، إلاّ المبرّد، فإنّه جعل الألف همزة محتجا بأنّ كلّ حرف موجود في أوّله اسمه، فالألف أوّلها همزة، ودفع (٥) بأنّه يلزم منه أن تكون الهمزة هاء، لوجود هاء أوّلها، وبأنّ أحدهما يبدل من الآخر، والشيء لا يبدل من نفسه (٦) اه.

стр. 317

والحروف المذكورة هي: حروف المدّ الثّلاثة الآتي ذكرها، ثمّ الهمزة والهاء، ثمّ العين والحاء، ثمّ الغين والخاء، ثمّ القاف، ثمّ الكاف، ثمّ الجيم والشين والياء، ثمّ الضّاد، ثمّ اللام، ثمّ النّون، ثمّ الرّاء، ثمّ الطّاء والدّال والتّاء، ثمّ الظّاء والذّال والثّاء، ثمّ الصّاد والسّين والزّاي، ثمّ الفاء، ثمّ الواو والباء والميم. ولبعض هذه الحروف فروع تستحسن، أي توجد في كلام الفصحاء، وردت في الكتاب العزيز، فمنها: الهمزة المسهلة (١): وهي عند سيبويه حرف واحد، نظرا إلى مطلق التّسهيل، وعند السّيرافي ثلاثة أحرف، نظرا إلى التّسهيل بالألف والواو أو الياء. والنّون المخفاة: في قول بعضهم، وعورض: بأنّها نون مخفيّة (٢)، ليس فيها شائبة حرف آخر ولم تقع بين حرفين، وكونها ذات مخرجين - كما يأتي تقريره - لا يلزم بينيتها؛ وإلاّ ورد عليه الواو والياء المتحركتان والمدّيّتان، وفي (التّسهيل) لابن مالك: "غنة مخرجها الخيشوم" (٣)، وعورض بما عورض به المخفاة. وألف الإمالة المحضة: فرع عن الألف المنتصبة (٤). والصّاد كالزّاي (٥): فرع عن الصّاد الخالصة، كقراءة ﴿الصِّراطَ﴾ لحمزة.

стр. 318

وعند مكّي: ألف كواو، فرع عن الألف المنتصبة، وهو محض التّفخيم عنده، وذلك ك ﴿الصَّلاةَ﴾ في قراءة ورش، وعورض بأنّ ورشا لم يقرأ إلاّ بتفخيم اللام، كما نقل هو وغيره، وأمّا قول بعض النحاة: ولذلك رسمت واوا، فإنه غلط، لأنها إنّما رسمت لتدل على أصلها، بدليل ﴿الزَّكاةَ﴾ (١). وأمّا التي في غير الكتاب العزيز فمنها: الشين كالجيم: فرع عن الجيم الخالصة، نحو قولهم: أشدق، في: أجدق، وقول الزّمخشري في (مفصله):" أنّه مأخوذ بها في القرآن " (٢) ليس كذلك، فإنه لا يعرف في القراءة (٣) المشهورة قراءة شين بين الشين والجيم (٤). والسين والجيم كالزاي: فرع عن الزاي الخالصة، نحو قولهم في زهير: سهير، بين السين والزّاي، وفي جائز: زائز، بين الجيم والزّاي (٥). وفروع تستقبح (٦) منها: كاف كجيم: فرع عن الكاف الخالصة، لغة في اليمن، كثيرة في أهل بغداد، يقولون في «جمل»: «كمل» (٧).

стр. 319

وجيم ككاف: فرع عن الجيم الخالصة، يقولون في «رجل»: «ركل»، يقرّبونها من الكاف، وهذان مما يعسر النّطق بهما، فإنّ إشراب الكاف صوت الجيم متعذر، وكذلك العكس (١). وجيم كشين: فرع/عن الجيم الخالصة وأكثر ذلك إذا كان بعدها دال، نحو قولهم في «الأجدر»: «الأشدر»، وقالوا في: «اجتمعوا»: «اشتمعوا» (٢). وباء كفاء: فرع عن الباء الخالصة، وهي كثيرة في لغة الفرس، نحو «بلخ» و «أصبهان» (٣). والقاف كالكاف: فرع عن القاف الخالصة، وهي الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربي ينطق بها إلاّ معقودة، أي كالكاف، حتى توهّم بعضهم أنّ العرب كانوا يقرءون بها، لكن الظّاهر أنّ القرآن لم يقرأ إلاّ بالقاف الخالصة، على ما نقله الأثبات متواترا، ولو قرئ بالمعقودة لنقل ذلك كما نقل غيره، ولمّا لم ينقل دلّ على أنّه لم يقرأ بها. وقد بلغت الحروف بفروعها المستحسنة والمستقبحة خمسين حرفا، أضربنا عن باقيها خوف الإطالة (٤). واختلف النّاس: هل الحرف قبل الحركة؟، أو بالعكس؟، أو لم يسبق أحدهما الآخر؟. فذهب قوم إلى أنّ الحروف قبل الحركات، مستدلين: بأنّ الحرف يقوم بنفسه، غير محتاج إلى الحركة، وهي لا تقوم بنفسها، فلا بد

стр. 320

من كونها على حرف، والحركة محتاجة إليه وهو غير محتاج إليها، فالحرف أوّل. وبأنّ من الحروف ما لا يدخله حركة وهو الألف، وليس ثمّ حركة تستقل بغير حرف، فدلّ على أنّ الحرف مقدّم على الحركة (١). وبأنّ الحرف يسكن فيخلو من الحركة ثمّ يتحرك بعد، فالحركة ثانية، والأوّل قبل الثّاني. وذهب آخرون إلي أنّ الحركات قبله، لأنّ الحركات إذا أشبعت تولّد الحرف منها، فعن إشباع الفتحة تتولّد الألف، وعن إشباع الكسرة تتولد الياء، وعن إشباع الضّمة تتولد الواو (٢). وقال المحقّقون: لا تتولّد حركة من حرف، ولا حرف من حركة، إذ لا يكون الذّاتي مادة للعرضي، ولا العرضي مادة للذاتي. وذهب آخرون: إلي أنّه لم يسبق أحدهما الآخر بل استعملا معا، كالجسم والعرض اللذين لم يسبق أحدهما الآخر. وتعقّب: بأنّ السّكون في الجسم عرض، وليس السّكون في الحرف حركة، فزوال الحركة من الحرف لا يؤدّيه إلى حركة، وزوال العرض من الجسم يؤديه إلى عرض آخر يخلفه، لأنّ حركة الجسم وسكونه كلّ واحد منهما عرض يتعاقبان عليه، وليس سكون الحرف حركة، وبأنّ الجسم الذي هو نظير الحرف لا يخلو من حركة ألبتة،

стр. 321

وبذلك علمنا أنّ الأجسام كلّها محدثة إذ لا يفارقها الحدث وهو العرض، وما لم يسبق المحدث فهو محدث مثله، والحرف يخلو من الحركة ويقوم بنفسه ولا يقال لسكونه: حركة. وأجيب/عن هذا بجوابين: أحدهما: أنّ هذا الاعتراض إنّما يلزم منه أن لا يشبه الحرف بالجسم والحركة بالعرض، ولسنا ننفي قول من قال: إنّ الحرف والحركة لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال، والدليل على صحة هذا القول: أنّ الكلام الذي جيء به للإفهام مبني من الحروف، والحروف إن لم تكن في أوّل أمرها متحركة فهي ساكنة، والسّاكن لا يمكن أن يبتدأ به، ولا يمكن أن يتصل به ساكن آخر في سرد الكلام، لا فاصل بينهما، فلا بد ضرورة من كون حركة مع الحرف، لا يتقدّم أحدهما الآخر، إذ لا يمكن وجود حركة على غير حرف. الثّاني: أنّ الكلام إنّما جيء به لتفهم المعاني التي في نفس المتكلم، وبالحركات واختلافها تفهم المعاني، فهي منوطة بالكلام مرتبطة به، إذ بها يفرق بين المعاني التي من أجلها جيء بالكلام، اه ملخصا من (التّمهيد) مع زيادات (١). ثمّ إنّ الحركة تكون كاملة وناقصة: فالأولى: هي المهيأة، التي لو مدت لتولّد عنها حرف من جنسها. والأخري: هي المختلسة. والاختلاس: هو الإسراع بالحركة، حتى يظنّ سامعها أنّ المسموع سكون لا حركة، ووزن الحركة في التّحقيق نصف الحرف المتولّد عنها، ولذلك سمّوا الفتحة الألف الصّغرى، والكسرة الياء الصّغرى، والضّمة الواو الصّغرى، فنقص الحركة

стр. 322

عمّا أجمع عليه لحن، والاختلاس: الإتيان ببعض الحركة كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في باب الوقف. وأمّا السّكون فنوعان: حيّ وميّت، فالثّاني: الألف وأختاها؛ لأنّهنّ لا حيز ولا مقطع لهنّ محقق، فإن انفتح ما قبل الواو والياء فسكونهما حيّ، لأخذ اللسان الياء، والشّفتان الواو، كسائر الحروف، فكما تجد الجيم التي هي أخت الياء في المخرج قد أخذها اللسان في قولك: «رميت»، كذلك تجد الواو قد أخذتها الشّفتان في قولك: «عفوت» (١). ثمّ إنّ مخارج الحروف الأصول المذكورة سبعة عشر مخرجا، على الصّحيح، وهو مذهب الخليل وغيره من المحققين، وهو الذي يظهر من حيث الاختيار (٢). وتقريب معرفته: أن يسكن الحرف، وتدخل عليه همزة الوصل، لتتوصّل إلى النّطق به، فيستقر اللسان بذلك في موضعه، فيتبيّن مخرجه. وإذا سئلت اللفظ به فإن كان ساكنا حكيته، كما تقدّم، وإن كان متحركا حكيته بهاء السّكت، لقول الخليل وقد سأل أصحابه: كيف تلفظون بالجيم من جعفر؟، فقالوا/: «جيم»، فقال: إنّما لفظتم بالاسم لا المسمى، لكن قولوا: «جه». وقال سيبويه وأتباعه (٣) كالشّاطبي (٤): ستة عشر، فأسقطوا الحروف الجوفية، وجعلوا مخرج الألف من أقصى الحلق، والواو والياء من مخرج المتحركة.

стр. 323

وقال الفرّاء وأتباعه: أربعة عشر، فأسقطوا مخرج النّون واللاّم والرّاء، وجعلوها من مخرج واحد. والصّواب المختار: هو الأوّل. وهذه المخارج على سبيل التّقريب، وإلاّ فلكلّ حرف مخرج. ولمّا كان مادة الصّوت الهواء الخارج من داخل، كان أوّل المخارج الجوف، ثمّ آخره الحلق، وآخره أوّل اللّسان، ثمّ آخره الشّفتان، فانحصرت هذه المخارج في: الجوف، والحلق، واللسان، والشفة: الأوّل: الجوف، وهو لثلاثة أحرف: الألف، والياء والواو الساكنين، المجانس حركة ما قبل كلّ له، وهي: حروف المدّ واللين. وتسمي: الهوائية، لأنّه لا حيّز لها فهي بالصّوت أشبه بجامع عدم الحيز، وكل حرف مساو لمخرجه إلاّ حروف المدّ فإنّها دونه، ومن ثمّ قبلت الزّيادة، وتسمى الجوفية. قال الخليل:" وإنّما نسبن إلى الجوف لأنّه آخر انقطاع مخرجهن " (١)، وقول مكّي: "إنّ بعضهم زاد معهنّ الهمزة، لأنّ مخرجها من الصّدر، وهو متصل بالجوف "، تعقبه ابن الجزري فقال:" والصواب اختصاصهنّ بالجوف، دون الهمزة، لأنّهنّ أصوات لا يعتمدن على مكان، حتى يتصلن بالهواء، بخلاف الهمزة " (٢) اه. الثّاني الحلق: وفيه ثلاثة مخارج لستة أحرف: أوّلها: أقصى الحلق، وهو آخر طابقتيه مما يلي الصدر، وهو للهمزة ثمّ الهاء،

стр. 324

وقيل: على مرتبة واحدة، وعند سيبويه: بعد الهمزة مخرج الهاء والألف، وليس واحد عنده أسبق من الآخر (١)، وذهب أبو العباس وغيره إلى أنّ الهمزة أولا، وهي من أوّل الصّدر وآخر الحلق، وهي أبعد الحروف مخرجا، ثمّ الألف تليها، وهي صوت لا يعتمد اللسان فيها على شيء من أجزاء الفم، ثمّ الهاء بعد الألف، وهي آخر المخرج الأوّل. وذهب بعضهم: إلى أنّ الهاء قبل الهمزة في الرّتبة، وأنّها أدخل إلى الصّدر، والتّحقيق ما ذكر الخليل. قال الجعبري: "ومعنى جعل سيبويه الألف من مخرج الهمزة أنّ مبتدأه مبدأ الحلق، ثمّ يمتدّ ويمرّ على الكلّ، ومن ثمّ نسب إلى كلّ مخرج، وخصّه دون أختيه للزومه، وهذا معنى قول مكّي:" لكن الألف حرف يهوي في الفم حتى ينقطع مخرجه في الحلق "، وقول الدّاني:" لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم "، وعلى هذا يحمل جعل/الشّاطبي وغيره الألف حلقيا" (٢)، اه. والهمزة انفردت العرب باستعمالها متوسطة ومتطرفة، ولم تستعملها العجم إلاّ في أوّل الكلام (٣). ثانيها: وسط الحلق: وهو للعين ثمّ الحاء المهملتين، والذي يظهر من كلام سيبويه أنّ الحاء بعد العين في الرتبة، وإن كانا من مخرج واحد، وهو نصّ كلام أبي محمد بن أبي طالب القيراوني (٤)، وقيل: إنّ الحاء قبل، وهو نصّ شريح (٥).

стр. 325

قال أبو حيّان في (شرح التسهيل): "وهذا هو الأظهر" (١). والحاء ممّا انفردت بها العرب في كلامها، ولا توجد في كلام غيرها. والعين ممّا انفردت بكثرة استعمالها، فإنّها قليلة في كلام بعض الأمم، ومفقودة في كلام كثير منهم (٢). ثالثها: أدنى الحلق: بمعنى أقربه إلى الفم، وهو للغين ثمّ الخاء المعجمتين، وهذا هو الظّاهر من كلام سيبويه، ونصّ على تقديم الخاء أبو محمد القيرواني، والأظهر الأوّل (٣). الثّالث: اللسان، وفيه عشرة مخارج، لثمانية عشر حرفا، من أربعة مواضع: أقصى، ووسط، وحافة، وطرف: أوّلها: أقصى اللسان، وهو آخره ممّا يلي الحلق، وما فوقه من الحنك وهو للقاف (٤). ثانيها: أقصاه من أسفل مخرج القاف قليلا، وما يليه من الحنك، وهو للكاف، ونسبهما الخليل إلى اللهاة، وهي: اللّحمة المشرفة على الحلق، أو ما بين الفم والحلق، وتجمع على «لهي»، ك «صرد»، وعلى «لهوات» ك «جفنات» (٥). ثالثها: وسطه، بينه وبين الحنك الأعلى، وهو: للجيم فالشين، فالياء المتحركة لا المدّيّة، خلافا للشّاطبي كسيبويه، لكن قال الجعبري: "إطلاقه الياء والواو وفاقا للأكثر ينزّل على غير المدّيّة، وقيل: إنّ الشّين تلي الكاف، والجيم والياء يليان

стр. 326

الشّين" (١)، قال أبو حيّان في (شرح التسهيل): "وهذه الحروف سوى الياء عند الخليل شجرية، وشجر الحنك ما يقابل طرف اللسان"، وقال الخليل: "الشجر مفرج الفم، أي مفتحه" (٢)، وقال غيره: "هو مجتمع اللحيين عند العنفقة" (٣). رابعها: أوّل حافته وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسر، وهو للضّاد المعجمة، وهو منها صعب وأكثر، وقيل: يخرج من الأيمن، وهو أصعب، وقلّ من يخرجه، ويعزّ خروجها من الجانبين، كما أشار إليه الشّاطبي بقوله (٤): إلى ما يلي الأضراس، وهو لديهما … يعز، وباليمنى يكون مقللا وهذه العبارة أوضح وأشمل من عبارة ابن مالك في (حوز المعاني في اختصار حرز الأماني) حيث قال: فأقصاها لضاد توصلا … إلى/ما يلي الأضراس فلم يفصّل كالشّاطبي، ومثله قوله في (التسهيل): "وأوّل حافة اللسان وما يليه من الأضراس للضّاد"، اه. وقد رووا أنّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يخرجها منهما. قال أبو حيّان: "والضّاد من أصعب الحروف التي انفردت العرب بكثرة استعمالها وهي قليلة في لغة بعض العجم، ومفقودة في لغة الكثير منهم" اه.

стр. 327

وقال بعضهم: "ولصعوبته وشدّته خصّه ﵊ من بين الحروف بقوله:" أنا أفصح من نطق بالضاد "اه، فلا ريب أنّه ﷺ أفصح من نطق بها، إلاّ أنّ الحديث كما قال ابن كثير الحافظ:" لا أصل له "، وذكره الحكري في «النّجوم» من غير عزو، ساكتا عليه (١). ونقل ابن الجزري كغيره عن الخليل أنّ الضّاد شجرية، كالثّلاثة قبلها، وردّه بما تقدم من تعريف الشّجر (٢). خامسها: رأس حافة اللسان إلى طرفه، وما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ممّا فويق الضّاحك والنّاب والرّباعية والثنية (٣)، وهو للام الثّنية [مقدّم] (٤) الأسنان، والضّاحك كلّ سن تبدو من مقدم الأضراس عند الضّحك، وحكى أبو حيّان عن شيخه أبي علي ابن أبي الأحوص (٥)، أنّه قال:" يتأتى إخراجها من كلتا حافتي اللسان اليمنى واليسرى، إلاّ أنّ إخراجها من حافة اليمنى أمكن، بخلاف الضّاد، فإنّها من اليسرى أمكن". سادسها: رأسه، بينه وبين ما فويق الثنايا، متّصلا بالخيشوم، أسفل اللاّم قليلا،

стр. 328

وهو للنّون متحرّكة وساكنة، مظهرة، قال الجعبري:" وهو يشمل التّنوين "، ونصّ مكّي عليه للبيان (١)، والمراد بقولهم:" الثنايا "الثنيتين، فجمع على حدّ «قلوبكما (٢)» لعدم اللبس (٣). سابعها: رأسه، ممّا بينه وبين ما فوق الثّنايا العليا، وهو للرّاء، وهو مخرج النّون لكنّها أدخل في ظهر اللّسان قليلا، وهو مذهب سيبويه مع كثير من حذّاق العلماء (٤). وقال الفرّاء وقطرب وغيرهما: اللاّم والنّون والرّاء من رأس اللّسان ومحاذيه، والتّحقيق ما ذهب إليه سيبويه وأتباعه، لأنّ ظهر اللّسان غير طرفيه، والحافّة غيرهما، وتسمى الثّلاثة: ذلقية، بفتح اللاّم وسكونها، والذّولقية، سمّاها الخليل بذلك، لأنّهنّ نسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهنّ، وهو طرف اللسان، وطرف كلّ شيء ذلقه. ثامنها: طرفه وأصول الثّنايا العليا، مصعدا إلى جهة الحنك، وهو: للطّاء والدّال المهملتين والتّاء المثناة الفوقية، وتسمى نطعيّة، لأنّهنّ يخرجن من نطع الغار الأعلى من الفم، وهو/سقفه، فنسبن إليه (٥). تاسعها: طرفه وفويق الثّنايا السّفلى، وهو للصّاد والسّين والزّاي، وقال في (التّحديد) وصاحب (نهاية الإتقان):" من الفرجة التي هي طرفي اللّسان والثّنايا السّفلى " (٦).

стр. 329

قال أبو حيّان:" وهو بمعنى الأوّل، وتسمى أسليّة، نسبه إلى الموضع الذي يخرجن منه، وهو أسلة اللسان، وهي طرفه". عاشرها: طرفه وأطراف الثّنايا العليا، وهو للظّاء والذّال المعجمتين، والثّاء المثلثة، ويسميها الخليل: لثوية، لأنّها من اللثة، وهي اللّحم المركب فيه الأسنان، قال أبو حيّان:" والظّاهر أنّها ممّا انفردت به العرب واختصّت به دون العجم، والذّال ليست في الفارسية، والثّاء ليست في الرّومية والفارسية " (١)، اه. الرّابع: الشّفتان وفيهما مخرجان لأربعة أحرف: أوّلهما: باطن الشّفة السّفلى وأطراف الثّنايا العليا، وهو للفاء، قال أبو حيّان: "وليست في لسان التّرك، ولذلك يقولون في «فقيه» «بقيه»، بالباء المشربة القوية". ثانيهما: ما بين الشّفتين وهو للواو غير المدّية، والباء الموحدة، والميم لكنهما ينطبقان على الباء والميم، وينفتحان في الواو، قال الجعبري:" والتّحقيق تأخير الواو عن أختيها، وفاقا لمكّي وسيبويه، لأنّ الشّفتين لا ينطبقان مع الواو، وينطبقان مع الباء أقوى من الميم، وتسمى هذه: الشّفهية، والشّفوية، نسبة للشّفتين، موضع خروجهنّ. المخرج السّابع عشر: الخيشوم، وهو لصفة، وهي الغنة، وتكون في النّون؛ ولو تنوينا، كما صرّح به الشّاطبي في قوله (٢): وغنة تنوين ونون … والميم السّاكنين حالة الإخفاء، أو ما في حكمه من الإدغام بالغنّة، فإنّ مخرج هذين الحرفين يتحول من مخرجه في هذه الحالة عن مخرجهما الأصلي على القول

стр. 330

الصّحيح، كما يتحول مخرج حرفي المدّ: الياء، والواو، من مخرجهما إلى الجوف، على الصّواب. قال أبو حيّان في (شرح التّسهيل): "قول سيبويه: ومن الخياشيم مخرج النّون الخفيفة" (١) يريد النّون المخفاة التي لم تبق منها إلاّ الغنّة، فكأنّه قال: مخرج الغنّة، وإلاّ فالنّون الخفيفة في نحو: «يضربن»، مخرجها من مخرج المتحركة " (٢)، اه. وقول مكّي: الغنّة نون ساكنة (٣)، أي تابعة للنّون السّاكنة، قال: وهي حرف شديد، فقال الجعبري:" جعله إيّاها حرفا غير سديد، وإن أراد أنّها ذات محل مغاير فلا يلزم منه حرفيتها "، قال:" والغنّة صفة النّون ولو تنوينا والميم، تحرّكتا أو سكنتا، ظاهرتين أو مخفيتين أو مدغمتين "، لا تختصّ بمخرج، بل كلّ راجع إلى مخرجه، قال:" وهذا معنى قول الدّاني/: "وأمّا الميم والنّون فيتجافى بهما اللسان إلى موضع الغنّة من غير قيد، وبرهانه في سدّ الأنف، وهي في السّاكن أكمل من المتحرّك، وفي المخفي أزيد من المظهر، وفي المدغم أوفى من المخفي" (٤)، انتهى. وزاد في (المنّة في تحقيق الغنّة) (٥): "وذلك محسوس في الأحوال الأربعة: الإخفاء، والإدغام، والحركة، والسكون، ولا ينازع في ذلك إلاّ مكابر في الحسّيّات، وعلى هذا فالغنّة من الصّفات، فاللاّئق ذكرها فيها، ويذكر عوضها مخرج النّون المخفاة، كما قال مكّي:" النّون الخفيفة مخرجها الخيشوم، وهو فوق غار الحلق الأعلى "، ومراده كما تقدم المخفاة، وتجوز عنه بالخفيفة"، اه. لكن قول الجعبري: إنّ الغنّة صفة للثّلاثة ولا تختص بمخرج، بل كلّ راجع

стр. 331

إلى مخرجه تعقّب: بأنّ الحس يشهد بخلافه في الحركة والسّكون، لأنّك إذا نطقت بحرف منها لزم مخرجه؛ متحركا كان أو ساكنا، بخلاف المدغم والمخفي، فإنّهما يتحولان مع ذلك إلى الخيشوم، وهو المختار عند الحذّاق من أهل الأداء والنّقلة، ووقع للحكريّ في (النّجوم الزاهرة) (١): أن ذكر في الشّفتين ثلاثة مخارج، ثانيها: الواو من بينهما بلا انطباق، ثالثها: باء فميم من بينهما بانطباق، ففرق بالانطباق والانفتاح، وأسقط مخرج الغنّة، من المخارج وذكرها في الصّفات وهو حسن إن ساعده تباين المخرجين فليتأمل. تنبيه: نسق الحروف المشتركة بالواو يدلّ على عدم ترتيبها، وأخّر الشّاطبي الصّاد المهملة وأختيها عن الظّاء المعجمة وأختيها، وفاقا للداني، وقدّمتها هنا وفاقا ل (النّشر)، كمكّي، تبعا لسيبويه، والله الموفق والمعين. وأمّا الصّفات: فهي جمع صفة، وهي لفظ يدلّ على معنى في موصوفه، إمّا باعتبار محلّه أو باعتبار نفسه، وهو معنى قول الجعبري: لفظ يدل على معنى في موصوفه ذاتي أو خارجي، فالأوّل: [كحروف] (٢) الحلق، والثّاني: كالجهر، والهمس. وفائدتها: تمييز الحروف المتشاركة في المخرج، إذ لولاها لاتّحدت، فالمخرج يبين كمية الحرف كالميزان، والصّفة تبين كيفيته كالنّاقد، وإليه يشير قوله في (حرز الأماني) (٣): وهاك موازيين الحروف وما حكى … جهابذة النّقاد فيها محصلا/

стр. 332

ولا ريبة في عينهن ولا ربا … وعند صليل الزيف يصدق الابتلا فاستعار الميزان للمخرج، [لاشتراكهما] (١) في تعريف كامل، والزائد، والناقص. والجهابذة: جمع جهبذ، والنقاد: جمع ناقد، أي عارف خالص النّقدين من مغشوشهما، ورشح استعارة الموازيين للمخارج باستعارة جهابذة النّقاد لحذاق القرّاء، وقوله: ولا ريبة: أي نقص، ولا ربا: أي زيادة، ومعنى قوله: صليل الزّيف أنّ اعتبار النّقد بالنّظر والذّوق واللمس والسّمع، وهذا بأن ترميه على حجر لتسمع صوته، فتميز الجيد من الرديء، وفيه حذف، أي صليل الزّيف يدل على المغشوش، وصليل الجيد يدل عليه (٢). ثمّ إنّ الصّفات تنقسم إلى: قوي وضعيف، وإلى صفات ذات أضداد وغيرها: فالأولى: المجهورة، والرّخوة، والمستفلة، والمنفتحة، والمصمتة، وضدها: المهموسة، والشّديدة، والعلوية، والمنطبقة، والمزلقة. والثّانية: كالصّفير، والقلقلة وغيرهما، ممّا يتلى عليك إن شاء الله تعالى. فأمّا المهموسة (٣): فعشرة، جمعوها في: «سكت فحثه شخص»: السّين، والكاف، والتّاء، والفاء، والحاء، والثّاء، والهاء، والشّين، والخاء، والصّاد المهملة. وسميت بذلك لجريان النّفس معها عند اللفظ بها، لضعف الاعتماد على مخرجها (٤).

стр. 333

والهمس في اللغة: الخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ (١)، وقول [أبي زيد] (٢) يصف الأسد (٣): فباتوا يدلجون وبات يسري … بصير بالدجي هاد هموس وبعض المهموسة أضعف من بعض، فالصّاد والخاء المعجمة أقوى من غيرهما، لأنّ في الصّاد إطباقا، وصفيرا، واستعلاء، والخاء فيه استعلاء، وكلها صفات قوة. وما سوى هذه العشرة من حروف الهجاء تسعة عشر حرفا مجهورا، لقوّته وقوة الاعتماد عليه، ومنع النّفس أن يجري معه، قال في (التمهيد): "وإنّما لقّبت بالجهر لأنّ الجهر هو الصّوت الشديد القوي، فلمّا كانت في خروجها كذلك لقبت به لأنّ الصّوت يجهر بها" (٤)، "وبعضها أقوى من بعض، على قدر ما فيها من صفات القوة" (٥). وأمّا الشّديدة: فثمانية أحرف جمعوها في: «أجد قط بكت»: الهمزة، والجيم، والدال، والقاف، والطّاء، والباء الموحدة، والكاف، والتّاء، لأنّه اشتدّ لزومها لموضعها، وقويت فيه حتى حبس الصّوت عند لفظها أن يجري معها، لقوّة الاعتماد /عليها (٦).

стр. 334

والمتوسطة بين الشدّة والرّخاوة في خمسة أحرف جمعوها في: «لن عمر»، لجري الصّوت معها جريا ضعيفا، أو التي جرى معها بعض الصّوت وحبس بعضه (١). والرّخوة فيما عداهما من الحروف لجري الصّوت مع لفظها لضعف الاعتماد، ويبين ذلك: أنّه إذا وقف على الجيم فقيل: «الحج» وشبهه انحصر الصّوت فلم يجر في مخرجه، وإذا وقف على السّين فقيل: «الطس» جري الصّوت معها، وأمكن أن يمدّ مع النّطق بها، وهو معنى رخاوتها، وذلك مدرك ضرورة بأدنى تمييز وتأمّل (٢). وأمّا العلوية: فسبعة أحرف جمعوها في: «قظ خص ضغط»، وسميت به لارتفاع اللسان بها عند النّطق إلى أعلى الحنك، قال ابن الجزري: "وهي حروف التّفخيم على الصّواب"، وزاد مكّي عليها الألف، وهو وهم؛ فإنّ الألف تابع لما قبله (٣)، [فلا يوصف بترقيق ولا تفخيم، وأعلاها الطّاء] (٤)، وما عداها مستفلة لانحطاط اللسان عند النّطق بها إلى قاع الفمّ. وأمّا المنطبقة: ففيه أربعة أحرف: الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء، لتلاقي طابقة اللسان عند النّطق بها، مع استعلائها في الفمّ. وهو لغة: التّلاصق والتّساوي. وبعضها أقوى من بعض: فالطّاء أقواها في الإطباق وأمكنها لجهرها وشدّتها، والظّاء أضعفها في الإطباق

стр. 335

لرخاوتها وانحرافها إلى طرف اللّسان مع أصول الثّنايا العليا، والصّاد والضّاد متوسطتان في الإطباق، وما عداها من الحروف منفتحة لتجافي اللسان عن الحنك حتى يخرج الريح من بينهما عند النّطق بها، وفي تسميتهم: المنطبقة بما ذكر تجوّز، لأنّ الطّبق إنّما هو للسان والحنك، وأمّا الحرف فهو مطبق عنده، فاختصر فقيل: مطبق، ومثله كثير في الاستعمال. والكلام في المنفتحة كذلك، لأنّ الحرف لا ينفتح، وإنّما ينفتح عنده اللسان عن الحنك، وكذلك المستعلية، إلاّ أن يقال: سميت لخروج صوتها من جهة العلو. وأمّا المذلقة: فستة أحرف، جمعوها في: «فرّ من لب»، لأنّه يعتمد عليها من ذلق اللسان، وهو طرفه وصدره، وهي أخف الحروف على اللسان، وثلاثة منها تخرج من بين الشّفتين، ولا عمل لها في/اللسان، وهي: «الفاء، والباء، والميم»، وباقيها يخرجن من أسفل اللسان إلى مقدّم الغار الأعلى، وما عداها من الحروف مصمتة، وسميت بذلك لأنها أصمتت أي منعت أن تختص ببناء كلمة في لغة العرب، إذا كثرت حروفها، لاعتياصها: أي عصيانها على اللسان، فهي حروف لا تنفرد بنفسها في كلمة أكثر من ثلاثة أحرف، حتى يكون معها غيرها من الحروف المذلقة (١). فمعنى المصمتة: الممنوعة من أن تكون منفردة في كلمة طويلة، من قولهم: "صمت "إذا منع نفسه الكلام. وهذا آخر الصّفات ذات الأضداد. وأمّا الصّفات التي لا يطلق على باقيها اسم مشعر بضد تلك الصّفة، بل بسلبها: فمنها حروف الصّفير، وهي: السّين، والصّاد، والزّاي: وهو صوت زائد من بين الشّفتين يصحبها عند خروجها، وهي الحروف الأسلية (٢).

стр. 336

ومنها حروف القلقلة وهي خمسة جمعوها في: «قطب جد»، وتكون: متوسطة: كباء ﴿نَبْعَثُ﴾ (١)، وجيم ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ (٢)، ودال «مددنا» (٣)، وقاف ﴿خَلَقْنا﴾ (٤)، وطاء ﴿أَطْواراً﴾ (٥). ومتطرفة: كباء ﴿لَمْ يَتُبْ﴾ (٦)، وجيم «لم يخرج»، ودال ﴿لَقَدْ﴾، وقاف ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ﴾ (٧)، وطاء ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ (٨). لتقلقل اللسان بها عند سكونها في الوقف وغيره، فيسمع لها نبرة، لكنّها في الوقف أبين منها في الوصل، قيل: وأصل هذه الصّفة للقاف، لأنّه حرف لا يقدر أن يؤتي به ساكنا إلاّ مع صوت زائد لشدة استعلائه، وأشبهه في ذلك أخواته. وليست القلقلة حركة وإنّما هي شدة الصياح، واللقلقة: شدة الصّوت، قاله الخليل (٩). وأضاف بعضهم إليها الهمزة، لما فيها من الجهر والشدة، ودفع بدخول التّخفيف عليها حالة السّكون، وبما يعتريها من الإعلال. وأضاف إليها سيبويه التّاء، وجعل لها نفخا، وهو قوي في الاختبار، وجعل المبرد منها الكاف، لكنّه جعلها دون القاف، قال: وهذه القلقلة بعضها أشدّ من بعض (١٠).

стр. 337

ومنها: حروف المدّ واللين: لامتداد الصّوت بها وهي الجوفية والهوائية، وأمكنهن الألف. ومنها: حرفا اللين، وهما الواو والياء السّاكنان، المفتوح ما قبلهما، لأنّهما يخرجان في لين وقلة كلفة على/اللسان، لكنّهما نقصتا عن مشابهة الألف لتغير حركة ما قبلهما عن جنسهما، فنقصتا المدّ الذي في الألف، وبقي اللين فيهما لسكونهما، فشبهتا بذلك (١). ومنها: الحروف الخفيّة، وهي أربعة: الهاء، وحروف المدّ الثّلاثة، لخفائها في اللّفظ، إذا اندرجت بعد حرف قبلها، ولخفاء الهاء قويت بالصّلة، وحروف المدّ بالمدّ، عند الهمز، والألف أخفى هذه الحروف لأنّه لا عمل للّسان فيها، ولا مخرج تنسب إليه على الحقيقة، ولا تتغير، ولا حركة ما قبلها (٢). ومنها: حروف العلة، وهي: حروف المدّ، والهمزة، لأنّ التّغير والعلّة والانقلاب لا يكون في كلام العرب إلاّ في أحدها، تعتل الياء والواو فينقلبان ألفا تارة، وهمزة أخرى، نحو: «قال»، و «شفاء»، وتنقلب الهمزة ياء تارة، وواوا أخرى، والياء كذلك، نحو: «رأس»، و «يؤمن»، و «بئر»، وأدخل قوم في هذه الحروف الهاء، لأنّها تقلب همزة نحو: «ماء» و «أمهات» (٣). وتقسيم التّصريفيين الكلم إلى: صحيح ومضاعف، ومهموز ومعتل؛ صريح في إخراج الهمزة منها، وقال الجعبري:" والتّحقيق: إدخال الهمزة فيها، لمساواتها بها، وزيادتها بالتسهيل، وإخراج الهاء للقلة " (٤). ومنها: حروف التّفخيم، وهي: حروف الإطباق، ومنه الراء، واحتجّ مكّي

стр. 338

لأصالته في التّفخيم: بأنّ كلّ راء مكسورة تغليظها غير جائز، وليس كلّ راء فيها التّرقيق، ألا ترى أنّك إذا قلت: «رغدا» و «رقدا» ونحوهما بالتّرقيق غيرت لفظ الرّاء إلى نحو الإمالة، قال:" وهذا ممّا لا يمال ولا علّة فيه توجب الإمالة "، وقال غيره: ليس لها أصل في التّفخيم ولا في التّرقيق، وإنّما يعرض لها ذلك بحسب الحركة (١). ومنها: حرفا الانحراف، وهما اللاّم والرّاء على الصّحيح، لانحرافهما عن مخرجهما حتى اتّصلا بمخرج غيرهما، فاللاّم إلى الطّرف، والرّاء إلى الظّهر (٢). ومنها: حرفا الغنّة، وهما الميم والنّون لما فيهما من الغنّة المتّصلة بالخيشوم. ومنها: المكرّر، وهو الرّاء، وتكريرها ربّوها في اللفظ، لا إعادتها بعد قطعها، ولها قبول التّكرار، لارتعاد طرف اللسان بها عند النّطق، فهو كقولهم لغير الضّاحك: إنسان ضاحك، واتّصاف الشيء بالشيء أعم من أن يكون بالفعل أو بالقوة (٣). ومنها: التّفشي، وهو في الشّين وحده، وفاقا للدّاني، لأنّها تفشّت عند النّطق بها حتى اتّصلت بمخرج الطّاء، وأضاف بعضهم إليها: الفاء، ومكّي: الثّاء، وآخر: الضّاد، وآخر: الرّاء والصّاد والسّين والميم والياء، فتفشي الفاء بالتّأفف، والثّاء/بالانتشار، والضّاد بالاستطالة، والرّاء بالتّكرير، والصّاد والسّين بالصّفير، والميم بالغنّة، لكن يلزم القائل بتفشّي الصّاد السّين وإلحاق الزّاي؛ إذ لا فرق (٤). ومنها: الهاوي، وهو: الألف، وفاقا للشّاطبي كالدّاني، وابن الحاجب، وابن مالك، قال ابن الحاجب:" لأنّه في الحقيقة راجع إلى الصّوت الهاوي الذي بعد الفتحة، وهذا وإن شاركه الواو والياء فيه، إلاّ أنّه يفارقهما من جهة اتّساع هواء الألف، لأنّه صوت بعد الفتحة، فيكون الفمّ فيه مفتوحا، بخلاف الضّمّة والكسرة، فإنّ ذلك

стр. 339

لا يكون عنهما، فلذلك اتّسع هواء صوت الألف أكثر منه في الواو والياء. وقال مكّي: "حروف المدّ"، قال الجعبري: والتّحقيق التّعميم بالتّقييد، ومن تجوز بتخصيص الألف فللزومه ذلك دون أخويه، فإنّهما لا يكونان كذلك إلاّ بالقيدين، وهويّها تصعّدها من مبتدأ الصّوت إلى منتهاه (١). ومنها: الجرسي، وهي: الهمزة، والجرس لغة: الصّوت، فكأنّه الحرف الصّوتي، وكلّ الحروف يصوت بها، لكن الهمزة لها مزية زائدة في ذلك، فلذلك استثقل الجمع بين همزتين في كلمة وكلمتين (٢). ومنها: المستطيل، وهو: الضّاد، لامتداده من أوّل حافة اللسان حتى اتّصل بمخرج اللاّم، لما فيه من القوّة والجهر والإطباق والاستعلاء، حتى استطال في مخرجه (٣). فإن قلت: ما الفرق بين المستطيل والممدود؟. أجيب: بأنّ المستطيل جرى في مخرجه، والممدود جرى في نفسه. ومنها: الممال، وهو الألف، ومن الحركات الفتحة، وأضاف إليها مكّي: الرّاء، وهاء التّأنيث، وتعقّب: بأنّ الممال إنّما هو فتحة الرّاء، وفتحة ما قبل الهاء، لصحّتها فيهما، والمراد بالممال: القابل للإمالة. ومنها: المهتوف، وهو للهمزة، والهتف: الصّوت، فسمّيت بذلك لخروجها من الصّدر، كالمتهوع (٤) بها، فيحتاج إلى ظهور قوي شديد، وهو كتسميتهم لها أيضا بالجرسي.

стр. 340

ومنها: الرّاجع، للميم؛ لأنّها ترجع في مخرجها إلى الخياشيم، لما فيها من الغنّة، والقائل بهذا يلزمه إلحاق النّون السّاكنة إذ لا فرق (١). ومنها: حروف الإبدال، وهي اثنا عشر حرفا، جمعوها في: «طال يوم أنجدته»، لأنّها تبدل من غيرها، تقول: "هذا أمر «لازب» و «لازم» "، فتبدل أحدهما من الآخر فالميم تبدل من الباء، ولا تقول: الباء بدل/من الميم؛ لأنّ الباء ليست من حروف الإبدال، إنّما يبدل غيرها منها، ولا تبدل من غيرها، وليس البدل في هذا جاريا في كلّ شيء، إنّما هو موقوف على السّماع، ينقل ولا يقاس عليه، ولم يأت في السّماع حرف يكون بدلا من غيره، إلاّ من أحد هذه الأحرف الاثنى عشر (٢). ومنها: الزّوائد، وهي عشرة، جمعوها في: «سألتمونيها»، لأنّه لا يقع في كلام العرب حرف زائد في اسم ولا في فعل إلاّ أحد هذه العشرة. والزيادة: إدخال أحد هذه الحروف على الكلمة بعد وضعها، فليس جزءا، وتوزن بلفظها الأصلي، ويكون في الكلمة منها زائدان وثلاثة، نحو: «انكسر»، و «استبشر» الهمزة والنّون، والهمزة والسّين والتاء، وقد يجتمع منها أربعة في المصادر، نحو: «استبشار» الهمزة السّين والتاء والألف (٣). وإذا تقرر هذا فاعلم أنّ الصّفات منها ما هو متضاد، فلا يجتمع متضادّان في حرف واحد، ومنها ما هو غير متضاد، فيمكن اجتماع صفتين فأكثر في حرف واحد، وكل منهما إمّا صفة قوة، تقوّي موصوفها، أو صفة ضعف تضعفه، ومن ثمّ انقسمت الحروف بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام: قوي مطلقا، وهو: ما اجتمعت فيه صفات القوة، ويتشعب منه الأقوى.

стр. 341

وضعيف مطلقا وهو: ما انفردت فيه صفات الضّعف، ويتفرّع منه الأضعف. وقوي من وجه ضعيف من آخر، وهو: ما اجتمع فيه النّوعان. فالجهر، والاستعلاء، والإطباق، والاستطالة، والتّفخيم، والشدّة، والقلقلة، والجرس، والهتف، صفات قوة. والهمس، والاستفال، والانفتاح، والتّرقيق، والرّخاوة، والخفاء، صفات ضعف. وهذا توزيع الصّفات المذكورة على الموصوفات: فالألف: مجهور، رخو، منفتح، مستفل بالفاء، خفي ممدود، ممال، هاو، عليل، زائد، مصمت، مبدل، جوفي. والهمزة: مجهورة، شديدة، جرسية، مهتوفة، مستفلة بالفاء، مصمتة، منفتحة، مبدلة، مزيدة، حلقية. والهاء: مهموس، رخو، مستفل بالفاء، منفتح، خفي، مصمت، زائد، مبدل، حلقي. والعين: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، مصمت، حلقي، بين الشدة والرخاوة. والحاء: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، رخو، حلقي، مصمت. والغين: مجهور، رخو، مستعل بالعين، منفتح، مصمت، حلقي/. والخاء: مهموس، منفتح، رخو، مستعل بالعين، مصمت، حلقي. والقاف: مجهور، منفتح، مستعل بالعين، شديد، مقلقل، مصمت، لهوي. والكاف: مهموس، منفتح، شديد، مستفل بالفاء، مصمت، لهوي. والجيم: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، شديد، مقلقل، مصمت، شجري. والشين: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، مصمت، شجري، رخو، متفش.

стр. 342

والياء: مجهور، مستفل بالفاء، منفتح، رخو، خفي، هاوي، شجري، مصمت، مدّي، معتل. والضاد: مجهور، منطبق، مستعل بالعين، رخو، مستطيل، مصمت، شجري، مفخم، متفش على قول. واللام: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، بين الشدة والرخاوة، منحرف، مذلق، مرقق، مبدل، زائد. والرّاء: مجهور، منفتح، مذلق، مستفل بالفاء، بين الشدة والرخاوة، مفخم، منحرف، مكرر، متفتش على قول. والنّون: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، بين الشدة والرخاوة، مذلق، مرقق، أغن. والطّاء: مجهور، مستعل بالعين، منطبق، شديد، مفخم، مقلقل، مبدل، مصمت، نطعي. والتّاء: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، شديد، مصمت، مبدل، زائد، نطعي. والدّال: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، شديد، مصمت، مقلقل، مبدل، نطعي. والظّاء: مجهور، مستعل بالعين، منطبق، رخو، مفخم، مصمت، لثوي. والذّال: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، رخو، مصمت، لثوي. والثّاء: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، رخو، مصمت، لثوي، متفش على قول. والصّاد: مهموس، منطبق، مستعل بالعين، رخو، صفيري، مصمت، مفخم أسلي. السّين: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، رخو، صفيري، مصمت، أسلي.

стр. 343

والزّاي: مجهور، منفتح، رخو، مستفل بالفاء، صفيري، مصمت، أسلي. والفاء: مهموس، مستفل بالفاء، منفتح، رخو، مذلق، شفهي، متفش على قول. والباء: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، مقلقل، شديد، مذلق، شفهي. والميم: مجهور، منفتح، مستفل بالفاء، أغن، مذلق، زائد، مبدل، بين الشدة والرخاوة، شفهي. والواو: مجهور، رخو، منفتح، مستفل بالفاء، ممدود، معتل، مصمت، زائد، مبدل، خفي، هوائي. والحاصل: أنّ من هذه الحروف ما اجتمع فيه صفات القوّة كلّها: الاستعلاء والجهر والإطباق والشدة والقلقلة، وهي الطّاء. ومنها: ما اجتمع فيه صفات/الضّعف كلّها: الهمس والرّخاوة والاستفال والانفتاح، وهي: الهاء، والحاء المهملة، والشّين، والسّين، والثّاء المثلثة، والفاء. ومنها: ما اجتمع فيه ثلاث صفات قوية، وصفة ضعيفة، وهي: القاف والضّاد والظّاء المعجمتين، فالقاف قوتها: الاستعلاء والجهر والشدة، وضعفها: الانفتاح، والآخرين قوتهما: الإطباق والجهر والاستعلاء، وضعفهما: الرخاوة. ومنها: ما اجتمع فيه من القوة صفة واحدة، ومن الضّعف ثلاث، وهي الألف والكاف والمثناة الفوقية، والخاء المعجمة، والذّال والزّاي، المعجمتان، فالألف والذّال والزّاي فيهما من الضّعف: الرّخاوة والانفتاح والاستفال، وقوتها: الجهر، والكاف والتّاء فيهما من الضّعف: الهمس والانفتاح والاستفال، ومن القوّة: الشّدة، والخاء ضعفها: الهمس، والرّخاوة، والانفتاح، وقوتها: الاستعلاء. ومنها: ما فيه صفتان قويتان، وصفتان ضعيفتان، وهي: الهمزة والعين والغين،

стр. 344

والجيم، والياء التّحتية، والدّال والصّاد المهملتان، واللاّم والرّاء والنّون والباء الموحدة والميم والواو، فالهمزة والموحدة والجيم والدال ضعفها: الانفتاح والاستفال، وقوتها: الجهر والشدة، والعين المهملة، والياء التّحتية، والنّون، واللاّم، والرّاء، والواو، والميم، قوتها: الجهر وبعض الشدة، وضعفها: الاستفال والرّخاوة، والغين المعجمة ضعفها: الرّخاوة والانفتاح، وقوتها: الاستعلاء والجهر، والصّاد ضعفها: الهمس والرّخاوة، وقوتها: الاستعلاء والإطباق. وإذا تقرر هذا فليعلم أنّ: التّجويد هو: مصدر جوّد تجويدا، إذا أتى بالقراءة مجوّدة الألفاظ، وهو تقويم حروفها، وإعطاؤها حقّها، وتوفيتها واجب مستحقها، من غير إفراط ولا تفريط، ولا تكلّف ولا تعسّف ولا تخليط، سالمة من تمضيغ (١) اللسان، وتقعير (٢) الفم، وتعويج الفك، وتقطيع المدّ، وتطنين (٣) الغنّات، وحصرمة/الرّاءات، إلى غير ذلك ممّا تنفر عنه الطّباع، وتمجه القلوب والأسماع (٤)، والله تعالى يرحم الإمام أبا الحسن السّخاوي، فلقد أجاد وأفاد حيث قال (٥): لا تحسب التّجويد مدّا مفرطا … أو مدّ ما لا مدّ فيه لوان أو أن تشدّد بعد مدّ همزة … أو أن تلوك الحرف كالسّكران أو أن تفوه بهمزة متهوّعا … فيفر سامعها من الغثيان للحرف ميزان فلاتك طاغيا … فيه، ولا تك مخسر الميزان

стр. 345

فنبّه مريد التّجويد على اجتناب أمور ربما يتوهم أنّها المعول عليها في التّجويد، محذرا من ارتكابها، إذ هي خارجة عن حدّ التّجويد منافية له، معدودة من اللحن الجلي والخفي، وهي: الإفراط في مدّ حروف المدّ، وهي: تجاوز الحدّ، ومدّ ما لا مدّ فيه، كواو ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) وصلا، والمبالغة في تشديد الهمزة إذا وقعت بعد حرف المدّ، مبالغة في تحقيقها وبيانها، ولوك الحرف: نحو كلام السّكران، فإنّه لاسترخاء لسانه وأعضائه بسبب السّكر تذهب فصاحة كلامه وبيانه (٢). وقد روي عن نافع أنّه قال: "قراءتنا قراءة أكابر الصّحابة سهل جزل لا تمضغ ولا تلوك"، والمبالغة في نبر الهمزة وضغط صوتها حتى تصير كصوت المهتوع، وهو المتقيء، فإذا أخرج الحرف من مخرجه وأعطاه حقّه من الصّفات على وجه العدل، من غير إفراط ولا تفريط فقد وزنه بميزانه. وقد رووا عن حمزة إمام المحقّقين أنّه قال لبعض من سمعه يبالغ في الإفراط: "أمّا علمت أنّه ما كان فوق الجعودة (٣) فهو قطط (٤)، وما كان فوق البياض فهو برص، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة" (٥). فوزن الحرف محررا عسر، ومشافهة الشّيخ توضّح طريقه، وإدمان الرّياضة تصيّره طبيعة وسليقة، ولله در شيخ مشايخنا العلاّمة ابن الجزري حيث قال: "ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتّجويد، ووصول غاية التّصحيح والتّسديد مثل رياضة الألسن، والتّكرار على اللفظ الملتقي من فم المحسن" (٦)، وما أحسن قول إمام هذا الفن الحافظ أبي عمرو الدّاني، حيث يقول: "ليس بين التجويد وتركه إلاّ

стр. 346

رياضة القارئ وتدبره بفكه" (١). وأنت إذا/تأملت ما صحّ وثبت من عرضه ﷺ القرآن على جبريل كلّ عام مرة، وفي عام وفاته مرتين، مع ما روي من قراءته ﷺ على أبيّ بن كعب: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ … السّورة (٢)، وضح لك مشروعية القراءة على المشايخ، وأخذ الألفاظ عنهم بطريق المشافهة، فهو ﷺ إنّما قرأ على أبيّ ليعلّمه طريق التّلاوة وترتيلها، على أي صفة تكون قراءة القرآن، ليكون ذلك سنّة في الإقراء والتّعليم، وقد وقع الأمر كذلك؛ فإنّ الصّحابة الآخذين للقرآن عنه ﷺ عرض بعضهم على بعض، ثمّ وقع كذلك للتّابعين وأتباعهم، حتى اتّصل الأمر إلينا، مسلسلا متواترا، فمن ابتدع واجتزأ بما تعلم من الكتب فقد أساء وخالف، وربما وقع في أمر عظيم، وخطر جسيم، والله أسأل العفو والعافية، وسلوك سواء السبيل. وفي (شرح البخاري) للبرماوي (٣) في معنى مدارسة جبريل للنبي ﷺ : "أنّ معناه: تعلم مخارج الحروف، وكيفية النّطق بها"، وكذلك قال الكرماني، وعبارته: "وفائدة درس جبريل تعليم الرّسول ﵊ تجويد لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سنّة في حقّ الأمّة، كتجويد التّلامذة على الشّيوخ قراءاتهم" (٤)، انتهى. ولا مرية أنّه كما يتعبد بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، يتعبد بتصحيح ألفاظه، وإقامة حروفه على الصّفة المتلقاة من أئمة القرّاء، ومشايخ الإقراء، المتّصلة بالحضرة النّبويّة الأفصحية العربية، التي لا يجوز مخالفتها ولا العدول عنها، فمن أنف عن

стр. 347

الأخذ عن أستاذ يوقفه على حقيقة ذلك مع تماديه على تحريف ألفاظ القرآن فهو عاص بلا شك، وآثم بلا ريب، إذ صيانة جميع حروف القرآن عن التّبديل والتّحريف واجبة لا يقال: إنّ وجوب التّجويد على القارئ مقصور على ما يلزم المكلف قراءته من المفروضات، لأنّا نقول: لا رخصة في تغيير لفظ منه، وقد قال الله مخاطبا/ لرسوله ﷺ خصوصا، ولأمته عموما: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (١) فلم يقتصرسبحانه على الأمر بالفعل حتى أكده بالمصدر اهتماما به وتعظيما له، ليكون عونا على تدبّر القرآن وتفهمه، وكذلك كان ﷺ يفعل، وقد نعتت أم سلمة قراءته ﷺ فقالت: "قراءة مفسرة حرفا حرفا" رواه الترمذي (٢)، وقالت عائشة: "كان ﷺ يقرأ السّورة حتى تكون أطول من أطول منها" (٣)، وقال البراء: "كان ﷺ يقرأ في العشاء «والتين والزيتون»، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه" متفق عليه (٤)، فقد كانت قراءته ﵊ ترسلا، لا هذّا ولا عجلة، بل قراءة مفسّرة حرفا حرفا، وكان يقطّع قراءته آية آية، ويمدّ عند حروف المدّ، وكان يتغنى بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانا، وقد روينا عن ابن مسعود موقوفا: جوّدوا القرآن وزيّنوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنّه عربي والله يحب أن يعرب به "، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث زيد بن ثابت مرفوعا:" إنّ الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل " (٥)، وقد كان عبد الله بن مسعود ممن أعطي في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله حظا عظيما، والشّاهد لذلك قوله ﷺ :" من أحبّ أن يسمع القرآن غضّا كما أنزل فليسمع قراءة ابن أم عبد " (٦)، يعني ابن مسعود،

стр. 348

وفي البخاري:" لما قرأ بكى ﷺ "، وقال أبو عثمان النهدي:" صلى بنا ابن مسعود المغرب فقرأ ب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (١) ولوددت أنّه قرأ بسورة البقرة، من حسن صوته وترتيله". ومن العجيب ما حكاه في (النّشر) عن الشيخ تقي الدين بن الصائغ، قال:" وكان أستاذا في [التّجويد] (٢): أنّه قرأ يوما في صلاة الصبح ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ (٣) وكرّرها، فنزل طائر على رأسه يستمع قراءته حتى أكملها، فنظروا إليه فإذا هو هدهد "، وعن مؤلف (المبهج):" أنّه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته " (٤). وأجلّ من علمته بلغ الغاية في ذلك قاضي القضاة/الإمام العلاّمة ناصر الدين الإخميمي الحنفي (٥) فإنّه انفرد بما جمعه من النّغمات الفائقة، والألحان الرّائقة، والعلم بتحقيق التّجويد والإتقان، والمعرفة التّامة باختلاف القراءات ووجوهها الحسان، ولله درّ قاضي طيبة، وإمام مسجدها، صلاح الدين بن صالح بن علام، أقرّ بحسن أدائه كلّ خطيب وإمام، إذا غردّ طائر فصاحته في روضة القدس على فنن محراب الأنس، دمعت لقراءته العيون الجوامد، وخشعت لها القلوب التي تحكي الجلامد، فسبحان من جاد على من شاء بنعمة النّغمة.

стр. 349

فإذا انضاف إلى إتقان معرفة المخارج وصفاتها حسن الصّوت، وجودة الفكّ، وذرابة اللسان، وصحّة الأسنان، كان غاية في الإحسان، ولا يخفى أنّ النّفوس لها حظّ من الأصوات الحسنة، فإذا جليت ألفاظ القرآن العزيز بالأصوات الطّيّبة، مع مراعاة قوانين التّرتيل على الأسماع، تلقّتها القلوب، وأقبلت عليها النّفوس وربّما أثمر ذلك تدبر آياته، والتّفكر في غوامضه، والتّبحر في مقاصده، فيحصل له حينئذ الامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، والرّغبة في وعده، والرّهبة من وعيده، والطّمع في ترغيبه، وهذه فائدة مشروعية الإنصات إلى التّلاوة في الصّلاة وغيرها، وسقوط السّورة عن المأموم في الجهرية، ومن ثمّ طلب تحسين الصّوت بالقراءة مع إقامة رسوم تجويدها، والوقوف مع مرسوم تحديدها، وقد كثر في القرآن ختم فواصله بحروف المدّ واللين وإلحاق النّون (١). قيل: وحكمته: وجود التّمكن من التّطريب بذلك، كما قاله بعضهم، وللنّاس في هذه المسألة قديما وحديثا خلاف طويل، وكلّ رأى رأيا بحسب ما فهمه من المروي في ذلك، وأدّى إليه اجتهاده، وقد أومأت لشيء من ذلك في كتابي (المنح المحمدية) (٢) على صاحبها أفضل الصّلاة والسلام وأشير هنا إلى نبذة من ذلك تكشف عن ما هنالك فأقول، وبالله أستعين: روينا عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي ﷺ يتغنّى بالقرآن" (٣)، وعنه أيضا مرفوعا: "ما أذن الله لنبي ما أذن للنبي ﷺ أن يتغنى بالقرآن"، قال سفيان: تفسيره: يتغنى به رواهما البخاري، وفي رواية له: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٤)، وهو في السّنن من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، قال في (فتح الباري): قوله في الحديث الأوّل: "لشيء" هو بشين

стр. 350

معجمة عند الإسماعيلي ومسلم من جميع طرقه، ولغير الإسماعيلي "لنبي" بنون وموحدة، وقوله: "ما أذن لنبي" كذا للأكثر، وعند أبي ذر "للنبي" بزيادة اللاّم، فإن كانت محفوظة فهو للجنس، ووهم من ظنّها للعهد، وتوهّم أنّ المراد نبينا (١) ﷺ . وقوله: أذن، أي: استمع، وهو بفتحة ثمّ كسرة في الماضي، وكذا في المضارع، يشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: «أذنت»، «آذن» بالمد، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسرة ثمّ سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال القرطبي: أصل الأذن فتحتين أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله تعالى لا يراد به ظاهره، وإنّما هو على سبيل التّوسع على ما جرى به عرف التّخاطب، والمراد به في حق الله تعالى: إكرام القارئ وإجزال ثوابه، لأنّ ذلك ثمرة الإصغاء. وفي رواية مسلم عن أبي سلمة في هذا الحديث: "ما أذن لنبي كأذنه"، بفتحتين /، ومثله عند أحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه من حديث فضالة بن عبيد الله: "لله أشدّ أذنا إلى الرجل الحسن الصّوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (٢). وقال ابن الجوزي: اختلفوا في قوله: "يتغنّى على أربعة أقوال: أحدها: تحسين الصّوت، والثّاني: الاستغناء، والثالث: التحزين، قاله الشّافعي، والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان: أقام به".

стр. 351

قال الحافظ ابن حجر: "وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في (الزاهر) قال: "المراد به التّلذذ والاستحلاء له، كما يلتذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيّا من حيث أنّه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء". وفيه قول آخر وهو:" أنّه يجعله هجيراه، كما يجعل المسافر هجيراه الغناء". قال ابن الأعرابي:" كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلست في أفنيتها تتغنى، فلما نزل القرآن أحب ﷺ أن يكون هجيراهم القرآن مكان التّغني". قال في (فتح الباري):" وأمّا الذي نقله ابن الجوزي عن الشّافعي فلم أره عنه صريحا في تفسير الخبر، إنّما قال في (مختصر المزني): وأحبّ أن يقرأ حدرا وتحزينا " (١)، انتهى. قال أهل اللغة:" حدرت القراءة: أدرجتها ولم أمطّطها، وقرأ فلان تحزينا: إذا رقق صوته، وصيره كصوت الحزين، وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة: "أنّه قرأسورة فحزّنها، شبه الرثاء" (٢). وذكر الطّبري عن الشّافعي: "أنّه سئل عن تأويل ابن عيينة: بالاستغناء، فلم يرتضه، وقال: لو أراد: الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنّما أراد تحسين الصّوت" (٣). قال ابن بطّال (٤): "وبذلك فسّره ابن أبي مليكة (٥)، وعبد الله بن المبارك، والنّضر بن شميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: "ما أذن لنبي في الترنم بالقرآن "، أخرجه الطّبري، وعنده في رواية عبد الرزاق عن

стр. 352

معمر: "ما أذن لنبي حسن الصّوت"، وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، وعند أبي داود والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة: "حسن التّرنّم بالقرآن"، قال الطّبري: "والتّرنم لا يكون إلاّ بالصّوت، إذا حسّنه القارئ وطرّبه"، قال: "ولو كان معناه: الاستغناء، لما كان لذكر الصّوت ولا لذكر الجهر معنى"، وأخرج ابن ماجه، وصحّحه ابن حبّان والحاكم، من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا: "لله أشد أذنا أي استماعا للرجل الحسن الصّوت بالقرآن، من صاحب القينة" (١)، والقينة: المغنيّة، وقال عمر بن شبّة: ذكرت لأبي عاصم النّبيل تفسير ابن عيينة فقال: لم يصنع شيئا، حدّثني ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير (٢)، قال: "كان داود ﵇ يتغنى"، يعني: حين يقرأ، ويبكي ويبكي، وعن ابن عباس: "أنّ داود كان يقرأ الزّبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دآبة في برّ ولا بحر إلاّ أنصتت له، واستمعت، وبكت"، وبالجملة: فليس ما فسّره ابن عيينة بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجّح أنّ المراد: تحسين الصّوت، ويؤيده قوله: "يجهر به"، ويمكن الجمع بين أكثر التّأويلات المذكورة، وهو أنّه يحسن به صوته، جاهرا به، مترنما على طريق التّحزّن، مستغنيا به عن الأخبار، طالبا به غني النّفس، راجيا به غنى اليد، ولا شك أنّ النّفوس تميل إلى سماع القراءة بالتّرنم، لأنّ للتّطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدّموع، لأنّ ذلك سبب الرّقة، وإثارة الخشية، وإقبال النّفوس على استماعه/، وكان

стр. 353

بين السّلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان، أمّا تحسين الصّوت، وتقديم حسن الصّوت على غيره فلا نزاع فيه (١). وقد حكى القاضي عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطّيب الطّبري، وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطّال، والقاضي عياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من الشّافعية، وصاحب الذخيرة من الحنفية: الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من الحنابلة، وحكى ابن بطّال عن جماعة من الصّحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشّافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية، وقال الفوراني من الشّافعية في (الإبانة): يجوز، بل يستحب. ومحل هذا الخلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغيّر قال النّووي في (التبيان): "أجمعوا على تحريمه"، ولفظه: "أجمع العلماء على استحباب تحسين الصّوت بالقرآن ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتّمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم" (٢)، قال: "وأمّا القراءة بالألحان فقد نصّ الشّافعي في موضع على كراهتها، وقال في موضع آخر: لا بأس بها، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز؛ وإلاّ حرم" (٣). وقال الغزالي والبندنيجي، وصاحب (الذخيرة) من الحنفية: "إن لم يفرط في التّمطيط الذي يشوش النّظم استحب، وإلاّ فلا"، وقال الرّافعي: "إن أفرط في المدّ وفي إشباع الحركات حتى يتولّد من الفتحة ألف، ومن الضّمّة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضعه كره، فإن لم ينته إلى هذا الحدّ فلا كراهة".

стр. 354

وقال في (زوائد الرّوضة): "والصّحيح أنّ الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسق به القارئ ويأثم المستمع، لأنّه عدل به عن نهجه القويم"، قال: "وهذا مراد الشّافعي بالكراهة"، وأغرب الرّافعي فحكى عن أمالي السّرخسي: "أنّه لا يضر التّمطيط مطلقا"، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ لا نعرّج عليه (١). والذي تحصّل من الأدلة: أن حسن الصّوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه: أن يراعي فيه قوانين النّغم، فإنّ الحسن الصّوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثّر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل الفن؛ فإن خرج عنها لم يف تحسين الصّوت بقبح الأداء، ولعلّ هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأنّ الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعهما معا فلا شك أنّه أرجح من غيره؛ لأنّه يأتي بالمطلوب من تحسين الصّوت، ويجتنب الممنوع من خرم الأداء، انتهى ملخصا من فتح الباري مع زيادات من غيره (٢). وقد ابتدع قوم في القرآن أصوات الغناء الجامعة للتّطريب الذي لا ينفك عن المدّ في غير موضعه، وزيادته فيه ممّا لا يجيزه الأئمة، وغير ذلك ممّا عمّت به البلوى، قيل: وأوّل ما غنّي به من القرآن قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٣)، نقلوا ذلك من تغنيهم بقول الشاعر (٤):

стр. 355

أمّا القطاة فإنّي لست أنعتها … نعتا يوافق عندي بعض ما فيها وقد قال ﵇ في هؤلاء:" مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم " (١)، تاب الله علينا وهدانا (٢). وقد قسّم أهل الأداء القراءة على أربعة أقسام: التّحقيق، والحدر بالدال المهملة السّاكنة/، والتّدوير، والتّرتيل: فالتّحقيق: المبالغة بالشيء على حدّه، من غير زيادة فيه ولا نقص منه، وهو عندهم إعطاء الحرف حقه كإشباع المدّ، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، وتفكيك الحروف وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسّكت والتّرسل والتؤدة، عريّا عن الإفراط كتحريك ساكن وتوليد حرف من حركة وغير ذلك ممّا لا يجوز (٣). والحدر: إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر، والبدل، والإدغام الكبير، عاريا عن بتر حروف المدّ، وذهاب صوت الغنّة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التّفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التّلاوة (٤). والتّدوير: التّوسط بين المقامين، وهو المختار (٥).
следующие страницы →