← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

و ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ (١) بمثلثتين. ﴿وَأَثْلٍ﴾ (٢) بمثلثة، ك ﴿بَثَّ﴾ (٣)، و ﴿يَثْنُونَ﴾، و ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾، و ﴿ضِغْثاً﴾، و ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٤) أي حبسهم. و ﴿أَضْغاثُ﴾ (٥)، و ﴿ثاقِبٌ﴾ (٦)، و ﴿يَسْتَثْنُونَ﴾ (٧) الثّانية/مثلثة. و ﴿لَبِثْتُمْ﴾ (٨) الثّانية مثناة. و «الإرث» نحو: ﴿يُورَثُ كَلالَةً﴾ (٩)، و ﴿وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ (١٠). و ﴿ثَمُودَ﴾ (١١) حيث وقع. و ﴿الْمُثْلى﴾، و ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾، ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ (١٢) بتثليث الثّانية. وأمّا: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ (١٣) فبمثناة فقط. و ﴿عَبَثاً﴾ بالمثلثة ك ﴿وَقِثّائِها﴾، و ﴿ثُلَّةٌ﴾ (١٤) في الواقعة بتثليث الأولى.

стр. 387

و ﴿هَباءً مَنْثُوراً﴾، ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ﴾ بتثليث الأولى التي قبل الرّاء (١). و «الثبور»: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً﴾، و ﴿يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (٢). وأمّا «فتبرناهم تتبيرا» (٣) فبالمثناة. و «الإثخان» نحو: ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ بالمثلثة، ك ﴿ثُعْبانٌ﴾، و ﴿أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، و ﴿كَثِيباً مَهِيلاً﴾، و ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ (٤). و «الثّمر» نحو: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾، ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ﴾. و ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ بتثليث الثّانية، ك ﴿التُّراثَ﴾، و ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ (٥). و «الإعثار» نحو: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ (٦). وأمّا ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، و ﴿تَبابٍ﴾ (٧) فبمثناة فقط، ك ﴿الْأَبْتَرُ﴾ (٨) بمعنى المقطوع. وأمّا الصّاد المهملة: فإذا سكنت ووليها دال نحو: ﴿أَصْدَقُ﴾ (٩) أو طاء نحو: ﴿اِصْطَفى﴾ (١٠) وجب تخليصها منها، وبيان إطباقها واستعلائها، لئلا تصير

стр. 388

كالزّاي عند من لا يجيزه في الأولى، كبيانها إذا أتى بعدها تاء، نحو: ﴿حَرَصْتَ﴾، و ﴿حَرَصْتُمْ﴾ (١) لئلا تصير كالسّين. وأمّا السّين المهملة: فلولا الهمس الذي فيها لكانت زايا، ولولا الجهر الذي في الزّاي لكانت سينا، فبالصّفتين تميزت كلّ واحدة منهما. فإذا أتى بعد السّين حرف إطباق نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ (٢)، و ﴿مَسْطُوراً﴾ (٣)، و ﴿تَسْطِعْ﴾ (٤)، و ﴿أَقْسَطُ﴾ (٥) تعيّن بيانها برفق وتؤدة لئلا تجذبها قوة الطّاء المجاورة لها فتقلبها صادا. فإن سكنت قبل تاء نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾، و ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، و ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٦)، أو جيم نحو: ﴿مَسْجِدٍ﴾ (٧) لزم بيانها مع تمام تسكينها خوف التباسها بالزّاي أو الجيم وتحريكها، فكثير من القرّاء يذهبون إلى فصل السّين من التّاء فيحركون السّين، وطريق السّلامة من ذلك إرسال ما في السّين من الرّخاوة والهمس، وإذا أتى لفظ هو كالسّين يشبه آخر هو بالصّاد وجب بيان كلّ، وإلاّ التبس، نحو: ﴿أَسَرُّوا﴾، و ﴿وَأَصَرُّوا﴾، و ﴿يُسْحَبُونَ﴾، و ﴿يُصْحَبُونَ﴾، و ﴿قَسَمْنا﴾، و ﴿قَصَمْنا﴾ (٨)، فيتعين بيان الصّفير والاستفال (٩).

стр. 389

والزّاي: إذا سكنت قبل مهموس نحو: ﴿ما كَنَزْتُمْ﴾ (١)، أو مجهور نحو: ﴿وِزْرَكَ﴾ (٢) وجب بيانها ممّا بعدها وإشباع لفظها خوفا من أن تصير سينا، خصوصا في الأولى، ويتأكد إن تكرّرت نحو: ﴿فَعَزَّزْنا﴾ (٣) لثقل التّكرير، وإن وليها ألف نحو: ﴿زادُوكُمْ﴾ (٤)، ﴿وَالزّانِيَةُ﴾ (٥) تعيّن ترقيقها. وأمّا الفاء: فيجب بيانها إذا وليها ميم، نحو: ﴿تَلْقَفُ ما﴾ (٦)، أو واو، نحو: ﴿لا تَخَفْ وَلا﴾ (٧) لتأفّفها، كترقيقها قبل ألف، نحو: ﴿فاؤُ﴾ (٨)، وبيانها عند تكريرها نحو: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ (٩)، و ﴿تَعْرِفُ فِي﴾ (١٠) عند من لم يدغم (١١). وأمّا الواو: فيتحفظ ببيانها إن ضمت، نحو: ﴿تَفاوُتٍ﴾ (١٢)، أو كسرت نحو: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ (١٣) لئلا يخالطها غيرها، أو يقصر اللّفظ عن حقّها، فإن تكرّرت نحو: ﴿وُورِيَ﴾ (١٤) تأكد التّحفّظ بها، فإن لقيت السّاكنة واوا متحركة نحو: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ لزم بيان كلّ منهما، مع تمكن الأولى بالمدّ واللّين الطّبيعي خوف الإدغام الممتنع اتّفاقا، وطريقه ضمّ الشّفتين فتخرج صحيحة، فإن لم تجانس حركة السّابق،

стр. 390

بأن كانت فتحة نحو: ﴿اِتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١) وجب إدغام السّابقة في لاحقتها اتّفاقا، فإن شدّدت نحو: ﴿لَوَّوْا﴾، و ﴿عَدُوًّا﴾، و ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ (٢) وجب بيان التّشديد بقوّة من غير تمضّغ. وأمّا الباء الموحدة: ففيها من صفات القوة: الجهر والشدة، فالجهر منع النفس أن يجري معها، والشّدة انحصار صوت الحرف عند مخرجه بحيث لا يجري، ولا يلزم من الجهر الشّدّة، ولا من الشّدّة الجهر، لأنّه قد يجري النفس مع الحرف ولا يجري الصّوت معه كالكاف والتّاء، وقد يجري الصّوت ولا يجري النفس كالضّاد، ومخرج الفاء/والباء متقاربان، فإذا لم توف الباء حقّها من الجهر والشدّة شابه لفظها لفظ الفاء، وقد يبالغ في المحافظة على شدّتها فتخرج عن حدّها، ويقبح لفظها، وإذا وقع بعدها ألف تعيّن ترقيقها من غير مبالغة تفضي إلى الإمالة، كما يفعله كثير من المغاربة، خصوصا إذا وليها حرف مفخم، نحو: ﴿بَرِقَ﴾ و ﴿وَباطِلٌ﴾ (٣)، فإن وقع بينهما ألف نحو: ﴿وَباطِلٌ﴾ (٤)، و «باع» (٥) و ﴿باغٍ﴾ (٦)، و ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ (٧) كان التّحفّظ بترقيقها آكد، فإن سكنت وجب مع ترقيقها قلقلتها، نحو: ﴿رَبْوَةٍ﴾، و ﴿عِبْرَةٌ﴾، و ﴿فَانْصَبْ﴾، و ﴿الْحِسابِ﴾ (٨) في الوقف، فإن لقيت مثلها نحو: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ (٩) لزم إدغامها فيما يليها، وإن لقيت ميما نحو: ﴿اِرْكَبْ مَعَنا﴾ (١٠)، أو فاء نحو:

стр. 391

﴿يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ (١) جاز الإدغام للتّقارب والإظهار، لاختلاف اللّفظ، كما سيأتي البحث فيه في باب الإدغام إن شاء الله تعالى، فإن اجتمعا مع التحريك نحو: ﴿سَبَباً﴾ (٢)، تعيّن بيانهما مع التّرقيق، وبالله التوفيق. وأمّا الميم: فلولا الغنّة التي فيها وجريان النفس معها لكانت باء، ولمّا كانتا أختان أبدلت إحداهما من الأخرى ك «غين» و «غيم»، ويتعيّن ترقيق الميم، خصوصا إذا جاورها [مخفف] (٣) نحو: ﴿مَخْمَصَةٍ﴾، و ﴿مَرَضٌ﴾، و ﴿مَرْيَمَ﴾، و ﴿مَا اللهُ﴾ (٤)، خصوصا إذا كان المجاور ألفا نحو: ﴿مالِكِ﴾، ﴿بِما أُنْزِلَ﴾ (٥)، فكثير من الأعاجم يفخّمونه وهو غير جائز، فإن سكنت قبل باء نحو: ﴿أَمْ بِظاهِرٍ﴾، و ﴿يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ (٦) فبإخفاء الميم مع إظهار الغنّة أخذ الدّاني وغيره من أهل التّحقيق وفاقا لابن مجاهد، وسائر أهل الأداء بمصر والشّام والأندلس، وبإظهارها أخذ مكّي القيسي (٧) وغيره وفاقا لأهل الأداء من العراقيين، وصحّح في (النّشر) الوجهين، إلاّ أنّه قال بأولوية الإخفاء للإجماع على إخفائها عند القلب، وعلى إخفائها في مذهب أبي عمرو حالة الإدغام، في نحو: ﴿بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٨)، انتهى. فإن وليها غير ذلك، ك ﴿الْحَمْدُ﴾، و ﴿أَنْعَمْتَ﴾، و ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ﴾ (٩)

стр. 392

تعيّن إظهارها، خصوصا إذا وليها فاء، نحو: ﴿هُمْ فِيها﴾ (١)، أو واو، نحو: ﴿عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٢) خوفا من إخفائها لقرب المخرجين، فكثيرا ما يلحن في هذه الميم كثير من القرّاء، فأرسل الغنّة التي فيها تعينك على تجويد اللّفظ بها، والله الموفق والمعين (٣). وهذا ما لخصته من تجويد هذه الحروف بحسب تركيبها، فلتقس عليها أشباهها، وإعمال الرّياضة والإدمان مع المشافهة يحقّق ذلك، وعلي الله قصد السّبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. ****

стр. 393

وأمّا الجزء الثّالث: وهو الوقف والابتداء فاعلم أنّه إنّما توقف هذا العلم على معرفتهما، لأنّه لمّا كان من عوارض الإنسان التّنفس اضطر القارئ إلى الوقف وكان للكلام بحسب المعنى اتصال يقبح معه الوقف، وانفصال يحسن معه القطع، فاحتيج إلى قانون يعرف به ما ينبغي من ذلك. فأمّا الوقف: فقال أبو حيّان في (شرح التّسهيل): "هو قطع النّطق عند آخر اللّفظ، وهو مجاز من قطع السّير، وكأنّ لسانه عامل في الحروف ثمّ قطع عمله فيها، قال ابن الدّماميني (١):" وهو أحسن من قول ابن الحاجب: "قطع الكلمة عن ما بعدها"، وقال الجعبري: "قطع صوت القارئ على آخر الكلمة الوضعيّة زمانا" (٢)، قال: فقطع الصّوت: جنس، وآخر الكلمة فصل أخرج قطعه على بعضها، فهو لغوي لا صناعي، والوضعيّة: ليندرج فيه نحو: كلّما الموصلة، فإنّ آخرها وضعا الميم، وزمانا: وهو ما يزيد على الآن، أخرج به السّكت، قال: "وهذا أجود من قولهم: قطع الكلمة عن ما بعدها، أو قطع الحرف عن الحركة لعمومه" (٣)، انتهى. وظاهر ذلك أنّ الوقف يكون مع تنفس القارئ، وعدم تنفسه. وقال ابن الجزري: "فهو عبارة عن قطع صوت/القارئ على (٤) الكلمة زمانا يتنفّس فيه عادة بنيّة استئناف القراءة، بما يلي الحرف الموقوف عليه، أو بما قبله، لا بنيّة الإعراض" (٥)، كما اشترطه في (النّشر)، حيث قال في آخر الباب: "فلو تنفس

стр. 394

القارئ آخرسورة، لصاحب السّكت، أو على نحو ﴿عِوَجاً﴾، و ﴿مَرْقَدِنا﴾ (١) لحفص من غير مهلة، لم يكن ساكتا ولا واقفا، إذ الوقف يشترط فيه التنفس مع المهلة، والسّكت لا يكون معه تنفس " (٢)، انتهى. وقد خرج بقوله:" بنية استئناف القراءة "، القطع، والمراد به الانتهاء، كالقطع على حزب أو ورد ونحوهما ممّا يشعر بانقضاء [القراءة واستدل بعضهم على وجوب تعلّم الوقف بما رووا عن علي بن أبي طالب:" التّرتيل معرفة الوقوف، وتجويد الحروف "، لأنّ التّرتيل المفسر في هذا الأثر بمعرفته مع تجويد الحروف [مشروع] (٣)، للأمر به في سورة المزمل، مع ما ورد عن ابن عمر ممّا قد يفهم إجماع الصّحابة على تعلّمه، حيث قال فيما رووا عنه:" لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتي الإيمان قبل القرآن، وتنزل السّورة على النّبي ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها " (٤)، ومن ثمّ اشترط جماعة من الأئمة المتقدّمين على الشّيخ أن لا يجيز الطّالب إلاّ بعد معرفة الوقف والابتداء، لكن ينبغي أن يكون غاية ذلك الحثّ على مشروعيته والاهتمام به لا الوجوب الشّرعي الذي يأثم تاركه، فافهم.

стр. 395

ولا مرية أنّ بمعرفتهما تظهر معاني التّنزيل، وتعرف مقاصده، وتستعد القوة المفكرة للغوص في بحر معانيه، على درر فوائده، وقد قال الهذلي ممّا رأيته في (كامله):" الوقف حليه التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التّالي، وفهم للمستمع، وفخر للعالم، وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين، و [القصبتين المتنافيتين] (١)، والحكمين المتغايرين، وقال أبو حاتم: "من لم يعرف علم الوقف لم يعلم القرآن" (٢)، انتهى. وقدّموا الوقف على الابتداء، وإن كان مؤخّرا عنه في الرّتبة، لأنّ كلامهم في الوقف النّاشئ عن الوصل، والابتداء النّاشئ عن الوقف، وهو بعده، وأمّا الابتداء الحقيقي فسابق على الوقف الحقيقي، فلا كلام فيهما، إذ لا يكونان إلاّ كاملين، كأوّل السّورة والخطبة، والقصيدة، وأواخرها. ثمّ إن كلاّ من أئمة الوقف قسّمه بحسب ما سنح له، والذي أعتمده من ذلك وأقول به: إنّ اللفظ إمّا أن يتم، أو لا، الثّاني النّاقص، وقد يسمّى قبيحا، نحو الوقف على: «بسم»، و «رب»، والأوّل إمّا أن يستغني عن تاليه أو لا، والثّاني إمّا أن يتعلق به من جهة المعني فالكافي، أو من جهة اللفظ فالحسن، والأوّل: إمّا أن يكون استغناؤه استغناءا كلّيا أو لا، فالأوّل كامل، كأواخر السّور، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) أوّل البقرة، والثّاني التّام: ك ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (٤). وقد يشترك الحسن والنّاقص في التّعلق اللّفظي، لكن تعلّق النّاقص قد يكون أقوى، فكل حسن ناقص بالنّظر لتاليه، وليس كلّ ناقص حسنا، إذ قد يشتدّ تعلّقه بلاحقه حتى يقبح الوقف عليه، كما يفهم ممّا سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 396

وقد ذهب القاضي أبو يوسف (١) صاحب أبي حنيفة رحمهما الله - تعالى -، إلى أنّ تقدير الموقوف عليه من القرآن بالتّام والكافي والحسن والقبيح، وتسميته بذلك بدعة، ومسمّيه ومعتمد الوقف على نحوه مبتدع، قال: لأنّ القرآن معجز، وهو كلّه كالقطعة الواحدة، وبعضه قرآن معجز تام حسن، كما أنّ كلّه تام حسن. وأجيب: بأن الأمر ليس كما زعم، لأنّ الكلمة الواحدة ليست من الإعجاز في شيء، وإنّما المعجز الرّصف العجيب، والنّظم الغريب، وليس ذلك في بعض الكلمات، وأمّا قوله: "إن بعضه تام حسن/كما أنّ كله تام حسن فغير مسلم؛ لأنّه إذا قال القارئ: ﴿إِذا جاءَ﴾ ووقف فليس بوقف تام، بل يحتمل أن يكون أراد القائل: إذا جاء فلان، أو غير ذلك ممّا هو موجود في كلام البشر، فإذا اجتمع وانتظم وامتاز ظهر ما فيه من الإعجاز، انتهى. وأعلم أنّ التّام كما يوقف عليه يبتدأ بلاحقه، ويكون بعد تمام الكلام والفواصل، وانقضاء القصص والأخبار، وقد يكون قبل انقضاء الفاصلة نحو: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ (٢)، هذا انقضاء حكاية بلقيس، ثمّ قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣) رأس الآية، وقد تكون في وسطها، نحو: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ (٤)، وقد يكون بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً * كَذلِكَ﴾ (٥)، آخر الفاصلة: ﴿سِتْراً﴾، والتّام ﴿كَذلِكَ﴾. وقد يكون تاما على قراءة، حسنا على غيرها، نحو: ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ﴾

стр. 397

﴿الْحَمِيدِ﴾ (١) تام على قراءة رفع الجلالة بعده، وعلي النعت حسن. وقد يكون تاما على تأويل، وغير تام على آخر، كقوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ (٢) الآتي في آل عمران إن شاء الله تعالى، وقد يتأكد استحباب الوقف على التمام لبيان معنى مقصود، وهو ما لو وصل طرفاه لأوهم معنى غير المراد، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، والابتداء: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ (٣)، لئلا يوهم أن ذلك من قولهم، وكقوله: ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾، والابتداء: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ﴾ (٤)، لئلا يوهم النّعت، واستدلوا للتّمام بحديث أبي بكرة:" إن جبريل أتى النّبي ﷺ فقال: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل، استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده … الحديث إلى أن قال: كلّ كاف شاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أوآية رحمة بآية عذاب " (٥)، إذا ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنّة أو الثّواب، وتفصل ممّا بعدها إذا كان ذكر العقاب أو النّار. وأمّا الكافي فهو أيضا كالتّمام في جواز الوقف عليه، والابتداء بتاليه، ويكثر في الفواصل كغيرها، وقد يكون كافيا على تفسير أو إعراب، غير كاف على آخر، نحو: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ (٦) كاف: على أنّ ما بعده نافية، حسن: على جعلها موصولة، فلا يبدأ بها حينئذ. وقد يكون كافيا على قراءة، غير كاف على غيرها، واستدلوا للكّافي بحديث ابن مسعود المروي في البخاري:" قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ على، فقلت: اقرأ عليك، وعليك أنزل؟، قال إني أحب أن أسمعه من غيري، قال:

стр. 398

فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (١) قال: فرأيته فإذا عيناه تذرفان، فقال لي: حسبك " (٢)، فأمره بالوقف على ﴿شَهِيداً﴾، وهو متعلّق بما بعده، لأنّه بيان لحالهم حينئذ، أي: يود الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر، أو الكفرة والعصاة في ذلك الوقت، أن يدفنوا وتسوى بهم الأرض، كالموتى، أو لم يبعثوا، أو لم يخلقوا، وكانوا هم والأرض سواء، فما بعده متعلق بما قبله. وأمّا الحسن: فيحسن الوقف عليه، لا الابتداء بلاحقه، لتعلّقه به، كالوقف على ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾، لأنّ تاليه غير مستغن عنه، إلاّ أن يكون رأس آية، وأمن اللبس، ك ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فقد قيل بسنّيّته، لحديث أم سلمة المروي عند أبي داود وغيره: أن النّبي ﷺ كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية، يقول: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمّ يقف، ثمّ يقول ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثمّ يقف، ثمّ يقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الحديث. وروى البويطي فيما نقله صاحب كتاب (المدد) (٣) عنها: أنّه ﷺ كان يقرأ في الصّلاة: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ آيتين، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث آيات، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أربعة/، وعدّ في (المصباح) إلى: ﴿الضّالِّينَ﴾. وإلي السّنّيّة في ذلك ذهب الدّاني وغيره، واختاره البيهقي في (الشّعب) (٤)، لأنّ الاهتداء بهديه ﷺ أحرى، والاقتداء بسنّته أفضل وأولى، لكن تعقب الجعبري في كتابه (الاهتداء) الاستدلال بهذا الحديث على سنّيّة وقف الفواصل، بأنّه لا دلالة فيه على ذلك، لأنّه إنّما قصد به إعلام الفواصل، قال:" وجهل قوم هذا المعنى فسمّوه

стр. 399

وقف السّنّة، إذ لا يسن إلاّ ما فعله تعبدا، ولكن هو وقف البيان " (١)، انتهى، أي بيان الفواصل. وقال في (المدد):" فما وقف ﵇ عليه دائما تحقّقنا أنّه فاصلة، وما وصله دائما تحقّقنا أنّه ليس بفاصله، وما وصله مرة ووقف عليه أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفها، وأن يكون لتعريف الوقف التّام والاستراحة، واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدّم تعريفها أو على الأصل، أو لتعريف التّام فتردّد فيه " (٢)، انتهى. وأقول: في استدلالهم بحديث أمّ سلمة هذا على السّنّية نظر من وجهين: أحدهما: أنّه رواه أبو داود عن سعيد بن يحيي الأموي قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن جريج، ورواه الترمذي عن علي بن حجر، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، بلفظ:" يقطّع قراءته، يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثمّ يقف " (٣)، إلى آخره، قال الترمذي: هذا حديث غريب هكذا رواه يحيى بن سعيد الأموي وغيره عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة، وليس إسناده بمتّصل، لأنّ الليث روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلي بن مالك عن أم سلمة: أنّها وصفت قراءة النّبي ﷺ مفسّرة حرفا حرفا، وحديث الليث أصحّ ففيه تضعيف لرواية:" كان يقطّع قراءته "، وأنّ الرّاجح رواية الليث:" قراءة مفسرة حرفا حرفا " (٤).

стр. 400

الثّاني: قال [التورشتي] (١): هذه الرواية ليست بسديدة في الألسنة، ولا بمرضية في اللهجة العربية، بل هي ضعيفة، لا يكاد يرتضيها أهل البلاغة، ولا ريب أنّه ﷺ كان أفصح النّاس لهجة، فالأظهر أنّه ﵇ إنّما كان يقف ليبين للمستمعين رءوس الآي، ولو لم يكن لهذا لما وقف على ﴿الْعالَمِينَ﴾، ولا ﴿الرَّحِيمِ﴾، لما في الوقف عليهما من قطع الصّفة عن الموصوف، ولا يخفى ما في ذلك، ولذا استدرك الترمذي والله أعلم -، بقوله:" وحديث الليث أصحّ "، نعم لا ينبغي أن يقال في الوقف على ما ذكر في حديثها: أنّه قبيح، والوقف على كلّ كلمة جائز، ووصل القرآن كلّه جائز، وقد يكون الوقف حسنا على تقدير، وكافيا على آخر، وتاما على غيرهما. وأمّا النّاقص: فقد يكون بعضه أقبح من بعض، كالوقف على ما يحيل المعني: نحو الوقف على: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ (٢) فلا يجوز تعمّد الوقف عليه، لفساد المعني المراد من القرآن، وأقبح منه الوقف على نحو: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ (٣)، و ﴿لا إِلهَ﴾ (٤)، ﴿وَما مِنْ إِلهٍ﴾ (٥)، ما لم ينقطع نفس القارئ، ولم يتمكن من الوصل. واستدلوا لعدم جواز ذلك بما روي:" أن رجلين جاءا إلى النّبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها"، ووقف، فقال له رسول

стр. 401

الله ﷺ : "قم، أو" اذهب "-، بئس الخطيب أنت؟ " (١)، قالوا: فكره رسول الله ﷺ الوقف على المستبشع، لأنّه جمع فيه بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصي، وكان حقه أن يقف على «رشد»، ثمّ يقول: "ومن يعصهما فقد غوي"، وفي الاستدلال به نظر، يأتي البحث فيه في البسملة إن شاء الله تعالى. وكما يقبح الوقف يقبح الابتداء، وذلك نحو: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ (٢)، و ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٣)، و ﴿لا أَعْبُدُ الَّذِي/فَطَرَنِي﴾ (٤)، فهذا ونحوه يحرم قصده، إلاّ إن اضطر، لكن قالوا: يجب عليه العود ليخرج من الحرمة، لكن قول حمزة: "أكره الوقوف المستبشعة"، يدل على الكراهة دون الحرمة. وإن ثبت عنه ﷺ أنّه وقف على كلّ فاصلة ولم يرجع انتفت الكراهة والحرمة، وتعيّن الجواز، في نحو: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾، و ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ (٥)، ومن ثمّ قال حمزة: "ونيّة المسلم تخرجه منها"، قال الجعبري: "لأنّه حاك كلام الله، لا مخبر عن نفسه، والاحتياط العود" (٦). وقد علم أنّه لا وقف محرم ولا لازم، خلافا لما ادّعاه السّجاوندي (٧)، بل وصل الكلّ، والوقف على كلّ كلمة مستقلة جائز، والكلام في الأولوية للأصالة والاستقلال، وذلك بناء على أنّ الفارق بين المعاني الوقف والوصل وهو غلط، إذ هو وظيفة الإعراب النّاشئ عن التّركيب، فلا يلزم من الوقف على: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 402

تعيّن ﴿يُخادِعُونَ﴾ (١) للاستئناف، ولا من وصله تعيينه للصّفة، كما لا يلزم ذلك في: ﴿الْحَمِيدِ * اللهِ﴾ أوّل سورة إبراهيم، وإلاّ لزم رفع ﴿اللهِ﴾، واللاّزم منتف، انتهى. نعم إذا قصد تحريف المعني عن موضعه، وخلاف المعنى الذي أراده الله تعالى حرم عليه ذلك. والذي قرّروه: أنّه لا يوقف على الصّفة دون الموصوف، ولا على المبتدأ دون الخبر، ولا على المضاف دون المضاف إليه، كقوله: ﴿وَالْمُقِيمِي﴾، من قوله: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ (٢)، ولا على الفعل دون الفاعل، ولا على الفاعل دون المفعول، ولا على المؤكّد دون المؤكّد، ولا على الظرف دون ما عمل فيه، ولا على المعطوف عليه نسقا وبيانا دون المعطوف، إلاّ إذا كثرت المعطوفات، وطال الكلام، وعجزت الطّاقة عن بلوغ الوقف لقصر النّفس فيجوز في تضاعيف الكلام على التّسامح، أو كان عطف جملة على جملة فيسوغ أيضا، لأنّهما يجريان مجرى الجملتين المستغنية إحداهما عن الأخرى، فاللاّحقة كالمنفصلة عن السّابقة، ولا بين الموصول وصلته، لأنّ الموصول مع الصّلة بمنزلة اسم واحد، فهو كالفصل بين حروف الاسم الواحد وهو غير جائز. ولا على المبدل دون البدل، ولا على أحد مفعولي «ظننت»، ولا على اسم إنّ وأخواتها دون خبرها، ولا على خبر إنّ وأخواتها دون اسمها، ولا على اسم كان وأخواتها دون خبرها، ولا على خبرها دون اسمها، ولا على التّمني، والشرط، والاستفهام، والأمر، والنّهي، دون أجوبتها، ولا على القسم دون جوابه، ولا على حرف دون ما دخل عليه، ولا على الرّافع اللفظي دون المرفوع، ولا على النّاصب دون المنصوب، ولا على الجار دون المجرور، ولا على الجازم دون المجزوم، ولا

стр. 403

على المميّز دون المميّز، ولا على المفسّر دون المفسّر، ولا على ذي الحال دونها، ولا على المستثنى منه، ولا على المشار به دون المشار إليه، ولا على ذي علّة وسبب دونهما، ك: «لام كي»، ولا على المجاور دون ما جاوره نحو: ﴿يَشْتَهُونَ﴾ حتى يقول: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (١) في قراءة الجر. وليس مرادهم تحتّم ذلك ولزومه، بل يحمل إطلاق من قال: "لا يجوز" على الجواز الأدائي الذي يحسن في القراءة، ويروق في التلاوة، لا الحرمة والكراهة. وقد اغتفروا في طول الفواصل والجمل المعترضة في حال جمع القراءات وقراءة التّحقيق والترتيل ما لم يغتفروا في غيره، فربّما أجازوا الوقف والابتداء ببعض ما نصّوا على اجتنابه. وجوز بعضهم الابتداء ب «ثمّ» في جميع القرآن؛ لأنّها للتّراخي والمهلة، نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٣) واستثني من ذلك/نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ (٤)، لكونه مجزوما بالعطف على مجزوم (٥). وكذا يجوز الابتداء ب «بل» إذا كانت بمعنى الإضراب وهو يكون بمعنى الإبطال، إن تلى «بل» جملة، نحو: ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٦)، والانتقال من غرض إلى آخر نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) * وَذَكَرَ اِسْمَ﴾

стр. 404

﴿رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) * بَلْ﴾ (١)، وقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، فإن كانت بل للعطف، وهو أن يليها مفرد كقوله: "قام زيد بل عمرو" امتنع الابتداء بها، لأنّه لا يفصل بينها وبين المعطوف عليه (٣). وأمّا «بلى»: وهي حرف جواب يختص بالنفي، ويفيد إبطاله، سواء كان مجردا نحو ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي﴾ (٤) أو مقرنا بالاستفهام، حقيقيّا كان، نحو: أليس زيد بقائم؟، فيقول: بلي، أو توبيخيّا، نحو: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى﴾ (٥)، أو تقريرا نحو: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) * قالُوا بَلى﴾ (٦)، ووقعت في القرآن في اثنين وعشرين موضعا، وهي على ثلاثة أقسام: ما لا يجوز الوقف عليه إجماعا؛ لتعلّق ما بعدها بما قبلها، وذلك في سبعة: في الأنعام: ﴿بَلى وَرَبِّنا﴾، وفي النحل: ﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾، وفي سبأ: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وفي الزمر: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾، وفي الأحقاف: ﴿بَلى وَرَبِّنا﴾، وفي التغابن: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي﴾، وفي القيامة: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ (٧)، نعم جوّزه السّخاوي (٨) في سبأ والتغابن؛ لأن ما بعد ﴿بَلى﴾ يجوز الابتداء به، فيقول: ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٩)، فيكون ردّا لنفيهم البعث، ثمّ أقسم على البعث، فهو وقف كاف؛ لأنّ تعلقه من جهة المعنى، لا من جهة اللّفظ.

стр. 405

القسم الثّاني: ما فيه خلاف، والاختيار المنع: وذلك خمسة: في البقرة ﴿بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وفي الزمر: ﴿بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ﴾، وفي الزخرف ﴿بَلى وَرُسُلُنا﴾، وفي الحديد: ﴿قالُوا بَلى﴾، وفي الملك: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا﴾ (١). القسم الثّالث: ما الاختيار جواز الوقف عليه: وهو العشرة الباقية. ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في أواخرسورة البقرة (٢)، وغيرها من الفرش، والله الموفق. وأمّا: ﴿كُلا﴾، وهي في ثلاثة وثلاثين موضعا، كلّها في النصف الثّاني من القرآن، فقال في المغني (٣): "هي عند سيبويه، والخليل، والمبرّد، والزّجّاج، وأكثر البصريين، حرف، معناه الرّدع والزّجر، لا معنى لها عندهم إلاّ ذلك، حتى إنّهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها"، "ورأي الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما: أنّ معنى الرّدع والزّجر ليس مستمرّا فيها، فزادوا معنى ثانيا يصحّ عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها، ثمّ اختلفوا في تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال: أحدها: قول الكسائي ومتابعيه: تكون بمعنى حقّا. والثّاني: قول أبي حاتم ومتابعيه: تكون بمعنى إلاّ الاستفتاحية. والثالث: قول النضر بن شميل والفراء ومن وافقهما: تكون حرف جواب بمنزلة «إي»، و «نعم»، وحملوا عليه: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ (٤)، فقالوا: معناه: إي والقمر" (٥).

стр. 406

واختار ابن هشام قول أبي حاتم: "لأنّه أكثر اطّرادا، فإنّ قول البصريين (١) لا يتأتى في آيتي المؤمنين والشعراء، لأنّآية المؤمنين وهي: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ﴾ (٢) لو كانت بمعنى حقّا لما كسرت همزة «إن»، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع، لأنّها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فيقول: نعم. وأمّاآية الشعراء، وهي: ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ (٣) فلكسر «إن»، ولأن «نعم» بعد الخبر للتّصديق. وأمّا قول الكسائي: إنها تكون بمعنى «حقّا» فلا يتأتى في نحو: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾، ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾، ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٤)، لأن «أن» تكسر/بعد «إلاّ» الاستفتاحية، ولا تكسر بعد «حقا»، ولا بعد ما كان بمعناها. وإذا صلح الموضع للرّدع ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها، على اختلاف التقديرين والأرجح حملها على الرّدع لأنّه الغالب فيها، نحو: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً * كَلاّ سَنَكْتُبُ﴾ (٥) " (٦)، انتهى. ويجوز الابتداء ب «أم» المنقطعة التي بمعنى «بل»، نحو: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ﴾، ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ﴾ (٧)، فإن كانت المعادلة لهمزة الاستفهام كقوله: أخرج زيد أم عمرو؟، أو لهمزة التسوية نحو: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ﴾ (٨) لم يحسن الابتداء بها.

стр. 407

وكذا يجوز الابتداء أيضا ب «حتى إذا»، كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾، و ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾، و ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ (١)، واستثني من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ (٢)، لأن الفائدة المقصودة لم تأت بعد، وكذا لا يبتدأ بها إذا كان ما قبلها مغيّا (٣) بما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤)، لقوة اتّصال ما بين الغاية والمغيّا. وكلّ ما في القرآن من ﴿الَّذِي﴾، و ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز وصله بما قبله نعتا، والقطع على أنّه خبر مبتدأ، إلاّ سبعة مواضع فإنّه يتعين الابتداء بها: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ﴾، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ في البقرة، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ فيها، وفي الأنعام، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا﴾ في براءة، ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ في الفرقان، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ في غافر (٥). وفي «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾: "يجوز أن يقف القارئ على الموصوف، ويبتدئ «الذي» إن حملته على القطع، بخلاف ما إذا جعلته صفة" (٦)، وقال الرماني (٧): "الصّفة إن كانت للاختصاص امتنع الوقف على موصوفها دونها، وإن كانت للمدح جاز، لأنّ عاملها في المدح غير عامل الموصوف.

стр. 408

وأمّا الوقف على المستثني دون المستثنى منه إن كان منقطعا ففيه مذاهب: الجواز مطلقا، لأنّه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه. والمنع مطلقا، لاحتياجه إلى ما قبله لفظا، لأنّه لم يعهد استعمال «إلاّ» وما في معناها إلاّ متّصلة بما قبلها لفظا ومعنى، لأنّ ما قبلها مشعر بتمام الكلام في المعنى؛ إذ قولك: ما في الدار أحد، هو الذي صحّح: إلاّ الحمار، ولو قلت: الحمار، على انفراده كان خطأ. والثالث: التّفصيل، فإن صرّح بالخبر جاز؛ لاستقلال الجملة واستغنائها عمّا قبلها، وإن لم يصرّح به فلا لافتقارها، قاله ابن الحاجب في أماليه (١). وأمّا الوقف على الجملة النّدائية فجائز، كما نقله ابن الحاجب عن المحقّقين، لأنّها مستقلة، وما بعدها جملة أخرى، وإن كانت الأولى متعلقة بها. وأمّا «نعم»: ففي أربعة مواضع: في الأعراف: ﴿قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ﴾ (٢) والمختار الوقف عليها لأنّ ما بعدها لا تعلّق له بما قبلها؛ إذ ليس من قول أهل النّار، والبواقي فيها. وفي الشعراء: ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٣). وفي الصافات: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ (٤)، والمختار: لا يوقف عليها لتعلق ما بعدها بما قبلها لاتّصاله بالقول. وقد كان نافع يراعي محاسن الوقف والابتداء بحسب المعنى، كما جاء النّص عنه بذلك.

стр. 409

وابن كثير يقف على قوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾، وعلى قوله سبحانه: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾، و ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (١)، ولم يبال بعدها، وقف أم لا، كذا روي عنه، قال في (النّشر):" وهذا يدل على أنّه كان يقف حيث ينقطع نفسه، وفي رواية أخري عنه: أنّه كان يراعي الوقف على رءوس الآي مطلقا، ولا يتعمد في/ أوساط الآي وقفا سوى الثّلاثة المتقدمة " (٢). وأبو عمرو يتعمد الوقف على رؤوس الآي، قال أبو الفضل الرّازي، كان يراعي حسن الوقف، وقال الخزاعي: كان يراعي حسن الابتداء. وعاصم والكسائي يطلبان الوقف من حيث يتم الكلام، وقال أبو الفضل الرّازي: كان عاصم يراعي حسن الابتداء. وأمّا حمزة فكان يقف عند انقطاع النفس، لأنّ قراءته التّحقيق والمد الطويل، فلا يبلغ التّمام ولا الكافي، أو لأنّ القرآن عنده كالسّورة الواحدة. والباقون من القرّاء كانوا يراعون حسن الوقف والابتداء كما روي عنهم (٣). تنبيه وإرشاد لا ينبغي أن يعتمد في الوقف إلاّ على ما يرتضيه المتقنون من أهل العربية، ويتأوّله المحقّقون من الأئمة، فليس كلّ ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه متكلّف من المقرئين، أو يتأوّله محرّف من أهل الأهواء المخطئين يعتمد عليه، كأن يوقف على نحو قوله: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا﴾، ثمّ يبتدئ: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) بمعنى لازم أو واجب، ولا يخفى ما فيه، ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾

стр. 410

﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾، ثمّ يبتدئ: ﴿بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ (١) على معنى القسم، وكالوقف على ﴿وَهُوَ اللهُ﴾، ثمّ يبتدئ: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ونحو: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ﴾ ثمّ يبتدئ: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ (٣)، ونحو: ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى﴾ ثمّ يبتدئ: ﴿(سَلْسَبِيلاً)﴾ (٤) جملة أمرية، أي سل طريقا موصلة إليها، وهذا مع ما فيه من التحريف يبطله إجماع المصاحف على أنّه كلمة واحدة، ونحو: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ﴾ ثمّ يبتدئ: ﴿اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥)، فيصير يشاء بغير فاعل، ونحو: ﴿وَاِرْحَمْنا أَنْتَ﴾، ثمّ يبتدئ: ﴿مَوْلانا فَانْصُرْنا﴾ (٦) على معنى النّداء، فكلّ هذا وما أشبهه تمحّل (٧)، وإخراج للتّنزّل عن المعنى المراد به. وقد رأيت غير واحد من قرّاء الجوق (٨) يتعانى كثيرا من هذا، فهم مخطئون، مرتكبون لحرام ويحسبون أنّهم يحسنون صنعا، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فعليك بمراعاة ما نصّ عليه أئمّة هذا الشأن، فهو أولى من اتّباع الأهواء، والله الموفق للصّواب. وسيأتي تفصيل ما أجملته من الوقوف إن شاء الله - تعالى - في أواخر السّور، مرتّبا على ترتيب الآيات، فأسوق إن شاء الله تعالى الوقوف الاختيارية مع ما يتعلق بها من المباحث غالبا، مستوعبا أكثر ما في كتاب (المرشد) لأبي محمد الحسن بن علي بن

стр. 411

سعيد العماني (١)، مع زيادات من غيره، كوقف الدّاني، والسجاوندي، وابن الأنباري، والجعبري، وتفسير البيضاوي، ونهر أبي حيّان، وغيرها. وقد رقمت لكل من الوقف: الكامل، والتّام، والكافي، والحسن، والنّاقص، هذه الأحرف، وهي: «م»، «ت»، «ك»، «ح»، «ن»، وبالله تعالى أستعين، وعليه أتوكل. ****

стр. 412

وأمّا الجزء الرّابع وهو فنّ عدد الآيات فإنّما احتاج إليه هذا العلم لأنّ بعض القرّاء زاد على رسم الخط ستين ياءا في رؤوس الآي، وبعضهم أمال رؤوس الآي من بعض السّور، وبعض أصحاب الأزرق رقّق ما غلّظ من اللامات الواقعة في رؤوس الآي الممالة، فمن ثمّ احتيج إلى تمييز الفواصل من غيرها. وقد حدّوا: الآية: بأنّها:" قرآن مركب من جملة فأكثر ولو تقديرا، ذو مبدء ومقطع مندرج في سورة". والفاصلة بأنّها:" كلمة آخرالآية كقافية الشعر وقرينة السّجع". وقال الدّاني:" كلمة آخر الجملة " (١). قال الجعبري:" وهو خلاف المصطلح، ولا دليل له في تمثيل سيبويه ب: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾، و ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ (٢)، وليسا رأس آية لأنّ مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية، ويلزم أبا عمرو (٣): إمالة ﴿مَنْ أَعْطى﴾ (٤) لأبي عمرو (٥) " (٦). وقال القاضي أبو بكر/:" الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني " (٧).

стр. 413

وفرّق الدّاني بين الفواصل ورءوس الآي بأنّ:" الفاصلة هي الكلام المنفصل عمّا بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس آية، وكذلك الفواصل تكون رءوس آي وغيرها، وكل رأس آية فاصلة، وليس كلّ فاصلة رأس آية "، قال:" فلأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾، و ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾، وليسا رأس آية إجماعا، مع ﴿إِذا يَسْرِ﴾ (١) وهو رأس آية باتفاق " (٢). ثمّ أن لمعرفة الفواصل طريقين: السماع والقياس: فأمّا الأوّل: فما روي في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته آية آية، وقرأت: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى ﴿الدِّينِ﴾ تقف عند كلّآية، وظاهره أنّه كان يقطّع قراءته بالوقف على رءوس الآي في الفاتحة وغيرها. وروى البويطي عنها أنّها قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الصّلاة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، آية ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾، آيتين، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث آيات، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أربع، وفي رواية إمامنا الشّافعي قالت: قرأ ﷺ فاتحة الكتاب، فعدّ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، آية، ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آية، ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، آية، ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ آية، وكذا عدّ في (المصباح) إلى ﴿الضّالِّينَ﴾. ومعنى:" يقطع قراءته آية وآيتين وثلاثة "، الوقف على كلّآية، لأنّ الصّلاة ليس فيها كلام أجنبي، وكذا كانت قراءته ﵊، ليعلّم النّاس رءوس الآي. وأمّا الثّاني وهو القياس: فاعلم أنّ ما وقف عليه ﷺ دائما تحقّقنا أنّه فاصلة،

стр. 414

وما وصله دائما تحقّقنا أنّه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرّة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفها، أو لتعريف الوقف التّام، أو للاستراحة، والوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدّم تعريفها، أو على الأصل فحصل التّردّد، وحينئذ احتيج إلى القياس، وهو: "ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب"، واحتاج القياس إلى طريق تعرّفه، وهي أنّ فاصلة الآية كقرينة السّجعة في النّثر، وقافية البيت في القصيدة. واختلف في حدّها، فقال الخليل: "هي من الحرف الأخير إلى أوّل الحرف الساكن قبله مع المتحرك"، وقال الأخفش: "هي الكلمة الأخيرة"، وقيل: "هي حرف الروي"، وقيل غير ذلك (١). وتنقسم باعتبار ما اشتملت عليه من الحركات والسّكنات (٢) إلى خمسة: الأولى: المتكاوسة: وهي: ما كان آخرها فاصلة كبرى (٣)، وهي أربع حركات بعدها ساكن (٤)، نحو (٥):

стр. 415

قد جبر الدين الإله فجبر … واشتقاقها من: الكوس، وهو الاضطراب ومخالفة المعتاد، ومنه: كاست الدابة، إذا مشت على ثلاثة قوائم (١). الثّانية: المتراكبة: وهي: ما كان في آخرها فاصلة صغرى (٢)، وهي ثلاث متحركات بعدها ساكن، كقول ابن دريد (٣): ............ … أخبّ فيها وأضع لأنّ التّراكب مجيء الشئ بعضه على بعض بدون اضطراب، فهو معنى معتاد (٤). الثّالثة: المتداركة: وهي: ما كان في آخره وتد مجموع، وهو حركتان بعدهما ساكن، كقول ابن دريد أيضا (٥): يا ليتني فيها جذع … أخب فيها وأضع

стр. 416

وسمّيت: متداركة لأن بعض الحركات يدارك بعضا. الرّابعة: المتواترة: وهي: ما كان في آخره/سبب خفيف، وهو متحرك بعده ساكن، كقول الشاعر (١): يا طلل الحيّ بذات الصّمدي … وسميت بذلك لانقطاع الحركة، من: "تواتر الإبل"، إذا جاء بعضها منقطعا عن بعض. الخامسة: المترادفة: وهي: ما اجتمع في آخرها ساكنان (٢) كقوله (٣): ............ … وصاليات ككما يؤثفين وسمّيت بذلك لأنّ أحد السّاكنين كأنه ردف الآخر.

стр. 417

وتنقسم القافية أيضا باعتبار الحروف إلى ستة: الأوّل: الرّوي: وهو: الحرف الذي يلزم القصيدة بأسرها وتنسب إليه، كقوله (١): ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل فاللاّم هي الرّوي، ولذلك تسمى القصيدة لامية، وكلّ رويّ حرّكوه فقافيته مطلقة، وإن سكّنوه فمقيّدة، لأنّها قيّدت عن التّحريك. الثّاني: الوصل: ويكون بأربعة أحرف تجيء على أثر الرّوي، وهي: الألف، والواو، والياء السّواكن، والهاء سواء كانت ساكنة أو متحركة. فالألف كقوله (٢): أمن آل سلمى عرفت الطّلولا … بذي حرض ماثلاث مثولا فاللاّم القافية، والألف بعدها وصل. والياء كقوله (٣):

стр. 418

فتوضح فالمقرات لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمألي فاللاّم هي الرّوي، والياء وصل. والواو كقوله (١): صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو … وأقفر من سلمى التّعانيق والثّقلو فاللاّم القافية والواو وصل. والهاء السّاكنة كقوله (٢): صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله … وعرّي أفراس الصّبا ورواحله فاللام الرّوي، والهاء الوصل. والهاء المتحركة كقوله (٣): ............ … أجاد المسدّي سردها وأذالها فاللاّم رويّ والهاء وصل، وقد يسمون الوصل صلة.

стр. 419

الثّالث: الخروج: ويكون بثلاثة أحرف: الألف، والواو، والياء، السّواكن الزّوائد، اللّواتي يتبعنّ الصّلة المتحركة: فالألف كقوله (١): ............ … لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها فالهمزة هي الروي، والهاء وصل، والألف بعدها خروج. والياء كقوله (٢): ............ … تجرّد المجنون من كسائه والهمزة الرّوي، والهاء صلة، والياء خروج. والواو كقوله (٣): ............ … كأنّ لون أرضه سماؤهو

стр. 420

الهمزة الرّوي، والهاء الوصل، والواو الخروج. الرّابع: الرّدف: ويكون بثلاثة أحرف الألف، والياء، والواو، والسّواكن، اللّواتي قبل حرف الرّوي، من غير فصل، فالألف كقوله (١): ............ … ولو أدركنه صفر الوطاب فالباء الرّوي والألف قبلها ردف، وأمّا الياء والواو فيشتركان في القصيدة الواحدة بخلاف الألف كقوله (٢): فلا تكثر على ذي الضّغن عتبا … ولا ذكر التّجرّم للذّنوب ولا تسأله عمّا سوف يبدي … ولا عن عيبه لك بالمغيب متى تك في صديق أو عدو … تخبّرك العيون عن القلوب الخامس: التأسيس: وهو كلّ ألف بينها وبين الروي حرف (٣). السّادس: الدخيل: وهو: ذلك الحرف الذي بين التّأسيس والرّوي كقوله (٤):

стр. 421

كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب فالباء هي: الروي، والألف قبلها: التأسيس، والكاف بينهما: الدّخيل. فلو كان الواقع/بين الألف والروي حرفين، ك «دارهم»، بطل التّأسيس، لأنّ الميم الرّوي والألف التأسيس، والفصل واقع بحرفين وهما الهاء والرّاء فلا تأسيس. وتنقسم القافية أيضا باعتبار الحركات إلى ستة أيضا: الأولى: المجرى: وهو حركة حرف الرّوي، نحو: ضمة لام «زائل»، وفتحة لام «مثولا»، وكسرة لام «شمال». الثّانية: النفاذ: وهي حركة هاء الوصل نحو: فتحة هاء «أضاءها»، وكسرة هاء «كسائه»، وضمة هاء «سماؤه». والثالثة: الحذو: وهي حركة الحرف الذي قبل الردف، نحو: فتحة طاء «الوطاب» وكسرة غين «المغيب» وضمة لام «القلوب». والرابعة: الرّس: وهو: الفتحة قبل التأسيس نحو فتحة الواو من «الكواكب». والخامسة: الإشباع: وهو: حركة الدخيل، نحو: كسرة الزّاي من «المنازل». والسادسة: التّوجيه: وهو: حركة الحرف الذي قبل حرف الرّوي المقيّد.

стр. 422

وللقافية عيوب خمسة: أوّلها: الإقواء: وهو أن تجمع الرفع والجر في قصيدة واحدة نحو قوله (١): آذنتنا ببينها أسماء … ربّ ثاو يملّ منه الثّواء وقال فيها أيضا (٢): فملكنا بذلك السّماء حتّى … ملك المنذر بن ماء السّماء وهو غير جائز للمولّدين، وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنّه قال (٣): الإقواء نقصان حرف من الفاصلة كقوله (٤): أفبعد مقتل مالك بن زهير … ترجو النّساء عواقب الأطهار لأنّ أصل الجزء الأخير في كلّ من الفاصلتين «متفاعلن»، فصار «متفاعن»، بحذف اللاّم. والمعتمد أنّ الإقواء لا يكون إلاّ في الرّفع والجرّ في قصيدة واحدة كما تقدّم. فإن كان مع الرّفع أو الجر نصب سمي «إصرافا»، ولا يجيزه الخليل والبصريون، وأجازه المفضل الضّبي والكوفيون (٥).

стр. 423

ثانيها: الإكفاء: وهو أن يختلف الروي في قصيدة واحدة، وأكثر ما يكون ذلك في الحروف المتقاربة، كالميم والنّون، والطّاء والدّال، فالميم والنّون كقوله (١): بنيّ إنّ البرّ شيء هيّن … المنطق اللّيّن والطّعيّم والطّاء والدّال كقوله (٢): إذا ركبت فاجعلوني وسطا … إنّي كبير لا أطيق العنّدا وبعضهم يجعل الإكفاء بمنزلة الإقواء، والأكثرون على ما قدّمناه. ثالثها: الإيطاء: وهو أن تتكرر القافية في القصيدة الواحدة باللّفظ والمعنى كقوله (٣): أو كاهتزاز ردينيّ تناوله … أيدي التّجار فزادوا متنه لينا وقال فيها (٤): ............ … من الأحاديث حتى زدنني لينا

стр. 424

قال ابن القطّاع: وإذا وقع الإيطاء بعد سبعة أبيات فليس بعيب عند أحد من النّاس، لأنّ السّبع عند النّاظمين قصيدة، ومنهم من لا يعدّ القصيدة إلاّ ما بلغ [العشرة] (١) أو جاوزها، ولو ببيت واحد، فإن اختلف المعنى لم يكن إيطاءا، وزعم بعض المتقدمين أنّ الإيطاء ليس بعيب. رابعها: التّضمين: وهو أن تتعلق قافية البيت الأوّل بالثّاني، كقوله (٢): سائل تميما بنا والرّباب … وسائل هوازن عنّا إذا ما ثمّ قال في البيت الثّاني: لقيناهم كيف نعلوهم … ببيض يفلقن بيضا وهاما فتعلق آخر البيت الأوّل بأول الثّاني. خامسها: السّناد: وهو كلّ عيب يقع في القافية، كإرداف قافية وتجريد أخرى، كقوله (٣): إذا كنت في حاجة مرسلا … فأرسل حكيما ولا توصه وإن باب حزم عليك التوى … فشاور لبيبا ولا تعصه وكذا إذا كانت القافية المؤسسة مع أخرى مجردة كقوله (٤) /:

стр. 425

يا دار سلمى يا اسلمي ثمّ اسلمي … ثمّ قال فيها: ............ … فخندف هامة هذا العالم وكذلك اختلاف الحركات قبل الرّوي كقوله (١): ألا هبّي بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا ثمّ قال (٢): ............ … تصفّقها الرّياح إذا جرينا وكقول الفضل بن العباس (٣): ............ … فاملئي وجهك الجميل خموشا ثمّ قال فيها (٤): ............ … وبنا سمّيت قريش قريشا وهو كثير للعرب، غير جائز للمولدين.
следующие страницы →