← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأمّا انتهاء التّكبير: فجمهور المغاربة وغيرهم إلى أنّه ينتهي إلى آخرسورة «النّاس»، وجمهور المشارقة إلى أوّل سورة «النّاس» فلا يكبر آخرها، وهما مبنيان على خلاف مبنى التّكبير هل هو لأوّل السّورة أو لآخرها، فمن قال أنّه لأوّلها لم يكبر آخر «النّاس» سواء كان ابتداء التّكبير عنده/من أوّل «ألم نشرح» أو من أوّل «الضحى»، ومن قال الابتداء من آخر «الضحى» كبّر في آخر «النّاس» (١). وأمّا قول الشّاطبي ﵀: "إذا كبّروا في آخر «النّاس» " مع قوله: "وبعض له من آخر الليل" على ما تقرّر من أنّ المراد بآخر «الليل» أوّل «الضحى»، فقال في (النّشر): "يقتضي أن يكون ابتداء التّكبير من أوّل «الضحى»، وانتهاؤه آخر «النّاس»، وهو مشكل لما تأصّل، بل هو ظاهر المخالفة لما رواه، فإن هذا الوجه وهو التّكبير من أوّل «الضحى» هو من زيادته على (التّيسير) وهو من (الرّوضة) لأبي علي كما نصّ عليه أبو شامة (٢)، والذي نصّ عليه في (الرّوضة):" أن البزّي روى التّكبير من أوّل سورة «والضحى»، إلى خاتمة «النّاس»، وتابعه الزّينبي عن قنبل وفي لفظه مخالفة في الابتداء فكبّر من أوّل سورة «ألم نشرح» قال: ولم يختلفوا أنّه منقطع مع خاتمة «النّاس» " (٣) انتهى بحروفه، فهذا الذي أخذ الشّاطبي التّكبير من روايته قطع بمنعه من آخر «النّاس»، فتعيّن حمل كلام الشّاطبي على تخصيص التّكبير آخر «النّاس» بمن قال به من آخر «الضحى» كما هو مذهب صاحب (التّيسير) (٤) وغيره، ويكون معنى قوله (٥): إذا كبّروا في آخر النّاس …

стр. 492

أي إذا كبر من يقول بالتكبير في آخر «النّاس»، يعني الذي قالوا به من آخر «الضحى»، انتهى. ويأتي على ما تقدّم من كون التّكبير لأوّل السّورة أو آخرها حال وصل السّورة بالسّورة الأخرى ثمانية أوجه: اثنان منها على تقدير أن يكون التّكبير لآخر السّورة، واثنان على تقدير أن يكون لأوّلها، وثلاثة محتملة على التقديرين، والثامن ممتنع وفاقا؛ وهو وصل التّكبير بآخر السّورة وبالبسملة مع القطع عليها، لأن البسملة لأول السّورة فلا يجوز أن تجعل منفصلة عنها متصلة بآخر السّورة كما سيأتي بيانه إن شاء الله - تعالى - في الكلام على البسملة. وأمّا الوجهان المبنيان على تقدير كون التّكبير لآخر السّورة: فأوّلهما: وصل التّكبير بآخر السّورة والقطع عليه، ووصل البسملة بأوّل السّورة نصّ عليه في (التّيسير) كاختيار طاهر بن غلبون وهو أحد اختياراته في (جامع البيان)، وظاهر كلام الشّاطبي (١). وثانيهما: وصل التّكبير بآخر السّورة والقطع عليه والقطع على البسملة نص عليه الجعبري كأبي عبد الله الفاسي (٢). وأمّا الوجهان المبنيان على تقدير كون التّكبير لأوّل السّورة: فأوّلهما: قطع التّكبير عن آخر السّورة ووصله بالبسملة، ووصلها بأوّل السّورة، نصّ عليه ابن سوار في (المستنير) ولم يذكر غيره، واختاره أبو العز والهمذاني وحكاه الدّاني وابن الفحّام ولم يذكر في (الكفاية) غيره (٣).

стр. 493

وثانيهما: قطعه عن آخر السّورة، ووصله بالبسملة مع القطع عليها والابتداء بالسّورة، وهو ظاهر كلام الشّاطبيّة، ونصّ عليه الفاسي ومنعه الجعبري في شرحه، قال ابن الجزري:" ولا وجه لمنعه إلاّ على تقدير أن يكون التّكبير لآخر السّورة، وإلاّ فعلى أن يكون لأوّلها لا يظهر لمنعه وجه، إذ غايته أن يكون كالاستعاذة، ولا شك في جواز وصلها بالبسملة وقطع البسملة عن القراءة " (١) كما يأتي ذلك إن شاء الله - تعالى وأمّا الثّلاثة المحتملة على التقديرين: فأوّلها: وصل التّكبير بآخر السّورة وبالبسملة وبأول السّورة، اختاره في (الشّاطبيّة) ونصّ عليه في أصلها، وذكره في (المبهج) و (التّجريد) (٢). وثانيها: قطعه عن آخر السّورة عن البسملة مع وصل البسملة بأول السّورة، ويخرج من الشّاطبيّة/كما نصّ عليه الجعبري كالفاسي، واختيار طاهر بن غلبون وأبي معشر (٣). وثالثها: القطع عن آخر السّورة وعن البسملة وقطع البسملة عن أوّل السّورة، وهو ظاهر من كلام الشّاطبي، ونصّ عليه الجعبري كالفاسي، ومنعه مكّي قال في (النّشر):" ولا وجه لمنعه على كلا التقديرين " (٤). والمراد بالقطع والسّكت هنا في هذه الأوجه المذكورة الوقف المعروف لا

стр. 494

القطع الذي هو الإعراض، ولا السّكت الذي هو دون تنفس، وهذا هو الصّواب. وزعم الجعبري أن المقصود بالقطع في قولهم هو السّكت المعروف كما زعم ذلك في البسملة فقال في شرح قول الشّاطبي (١): فإن شئت فاقطع دونه … ... أي: "فاسكت"، ولو قالها لأحسن، إذ القطع عام فيه وفي الوقف " (٢)، انتهى. قال:" وهو شيء انفرد به لم يوافقه أحد عليه، ولعله توهّم ذلك من قول بعض أهل الأداء كمكي والداني حيث عبّرا بالسّكت عن الوقف فحسب إنّه السّكت المصطلح عليه، ولم ينظر آخر كلامهم ولا ما صرّحوا به عقب ذلك، وأيضا فإن المتقدمين إذا أطلقوه لا يريدون به إلاّ الوقف، وإذا أرادوا به السّكت المعروف قيّدوه بما يصرفه إليه " (٣). وإن وقع آخر السّورة ساكن أو منون كسر لالتقاء السّاكنين على أصله نحو: ﴿فَارْغَبْ﴾ (الله أكبر)، و ﴿لَخَبِيرٌ﴾ (الله أكبر) (٤)، وإن كان محركا تركته على حاله، وحذفت همزة الوصل لملاقاته نحو: ﴿الْحاكِمِينَ﴾ (الله أكبر) و ﴿الْأَبْتَرُ﴾ (الله أكبر)، و ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ (الله أكبر) (٥)، وإن وقع في آخرها هاء ضمير حذفت صلتها نحو: ﴿رَبَّهُ﴾ (الله أكبر)، و ﴿يَرَهُ﴾ (الله أكبر) (٦) لما في وصلها من اجتماع ساكنين فحذف تخفيفا. وإذا وصلته بالتّهليل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أبقيته على حاله، وإن كان

стр. 495

منونا أدغم في اللاّم نحو: ﴿حامِيَةٌ﴾ (لا إله إلا الله) (١)، ويجوز المدّ على (لا) للتعظيم كما سيأتي في المدّ والقصر مع غيره. المبحث الثّاني: في من ورد عنه: اعلم أنّ التّكبير قد صحّ عن أهل مكة؛ قراؤهم، وعلماؤهم، وأئمتهم، وشاع ذلك عنهم واشتهر، بل قال ابن الجزري أنّه:" بلغ حدّ التّواتر " (٢)، وقال الأهوازي: "التّكبير عند أهل مكة في آخر القرآن سنّة مأثورة، يستعملونه في قراءتهم في الدّرس والصّلاة " (٣)، انتهى. وقال أبو الطيب ابن غلبون:" وهذه سنّة مأثورة عن النّبي ﷺ وعن الصّحابة والتّابعين وهي سنّة بمكة لا يتركونها ألبتة " (٤). وقد صحّ عن ابن كثير من روايتي البزّي وقنبل، وورد أيضا عن أبي عمرو من رواية السّوسي، وكذا عن أبي جعفر لكن من رواية العمري، ووافقهم ابن محيصن، قال الأهوازي في (المفردة):" إنّ ابن محيصن كان يكبّر من خاتمة (والضحى) إلى آخر القرآن موصولا بأوّل السّورة " (٥). واختلف عن قنبل، فجمهور المغاربة لم يرووه عنه كما في (التّيسير) و (العنوان) و (الهادي) و (الكافي)، ورواه عنه في (المستنير) و (الوجيز) وفاقا لجمهور العراقيين والمغاربة، والوجهان في (الشّاطبيّة) كالداني في غير (التّيسير) (٦).

стр. 496

وبه قطع للسوسي الحافظ أبو العلاء في (غايته) من جميع طرقه، وقطع له به في (التّجريد) من طريق ابن حبش من أوّل «ألم نشرح» إلى آخر «النّاس»، وروى سائر الرّواة عنه ترك التّكبير كالجماعة قاله في (النّشر) (١). وقد أخذ بعضهم بالتّكبير لجميع القرّاء، وبه كان يأخذ أبو الحسين الخبّازي، وحكاه أبو الفضل الرّازي، والهذلي، وأبو العلاء (٢)، وهو الذي عليه العمل عند أهل الأمصار في سائر الأقطار عند الختم في المحافل واجتماعهم في المجالس وبذلك أخذ علينا مشايخنا، وكثير منهم/يقوم به في صلاة رمضان ولا يتركه عند الختم على أي حال كان. وروى السّخاوي عن أبي محمد الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد القرشي (٣) أنّه صلّى بالنّاس التراويح خلف المقام بالمسجد الحرام، فلمّا كانت ليلة الختم كبر من خاتمة (الضحى) إلى آخر القرآن في الصّلاة، فلمّا سلّم إذا بالإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشّافعي قد صلّى وراءه فقال:" أحسنت، أصبت السنة " (٤). وقد كانوا يكبرون أثر كلّسورة ثمّ يكبرون للركوع، وذلك إذا استعملوا التّكبير آخر السّورة. ومنهم من كان إذا قرأ الفاتحة وأراد الشّروع في السّورة كبّر وبسمل ثمّ ابتدأ السّورة. وكان بعضهم يأخذ به إذا ابتدأ السّورة في جميع القرآن (٥).

стр. 497

ولعله اختيار منهم، وليس التّكبير بلازم لأحد من القرّاء، فمن فعله فحسن، ومن لم يفعله لا حرج عليه. المبحث الثّالث: في صيغته: اعلم أنّه لم يختلف فيه أنّه (الله أكبر) قبل التسمية، إلاّ أنّه اختلف عن البزّي والجمهور عنه على تعيين هذا اللفظ من غير زيادة ولا نقص وبه قطع في (التّيسير) له من طريق أبي ربيعة، وبه قرأ على أبي القاسم الفارسي (١). وقد زاد جماعة قبله التهليل تكميلا له بكلمة التوحيد، وهو طريق ابن الحباب وغيره عن البزّي، وهي رواية حسنة ثبتت روايتها وصحّ سندها، قال ابن الحباب: سألت البزّي كيف التّكبير؟، فقال:" لا إله إلا الله والله أكبر "، وزاد بعضهم على ذلك: "ولله الحمد "ثمّ يبسملون، وهي طريق أبي طاهر بن أبي هاشم عن ابن الحباب (٢). وأمّا قنبل فقطع له جمهور المغاربة ممن روى عنه: التّكبير فقط من غير زيادة، وهو الذي في (الشّاطبيّة) و (تلخيص) أبي معشر (٣)، وزاد التهليل له أكثر المشارقة وبه قطع له العراقيون من طريق ابن مجاهد، وقال في (المستنير):" قرأت به لقنبل على جميع من قرأت عليه " (٤)، وقطع له سبط الخيّاط به في (كفايته) من الطريقين، وفي (المبهج) من طريق ابن مجاهد فقط (٥)، وزاد له التحميد أيضا أبو الكرم عن ابن الصّبّاح (٦). وإذا تقرر هذا فلتعلم أنّ التّهليل مع التّكبير مع الحمد عند من رواه حكمه حكم

стр. 498

التّكبير، لا يفصل بعضه من بعض بل يوصل جملة واحدة، وحينئذ حكمه مع آخر السّورة وأوّل السّورة الأخرى حكم التّكبير، يتأتى معه الأوجه السّبعة السّابقة، قال ابن الجزري:" ولا أعلمني قرأت بالحمدلة [بعدسورة «النّاس»، ومقتضى ذلك لا يجوز مع وجه الحمدلة] (١) سوى الأوجه الخمسة الجائزة مع تقدير كون التّكبير لأوّل السّورة، ويمتنع وجه الحمدلة من أوّل «الضحى» لأنّ صاحبه لم يذكره فيه، ويلزم ترتيب التّهليل مع التّكبير على ما سبق، ولا يجوز مخالفة ما وردت به الرّواية وثبت به الأداء، ولا يجوز التّكبير في رواية السّوسي إلاّ في وجه البسملة بين السّورتين سوى البسملة، ويحتمل معه كلّ من الأوجه المتقدمة، إلاّ أنّ القطع على الماضية أحسن على مذهبه، لأنّ البسملة عنده للتّبرك وليست آية بين السّورتين كما عند ابن كثير، وكذلك لا يجوز له التّكبير من أوّل «الضحى» لأنّه خلاف روايته، ولا تجوز له الحمدلة مع التّكبير إلاّ أن يكون التّهليل معه كما وردت به الرّواية، ولو قرئ لحمزة بالتّكبير على رأي من قال به فلا بدّ من البسملة معه لأنّ القارئ ينوي الوقف على آخر السّورة فيصير مبتدئا للسّورة الآتية، وإذا ابتدأ بها وجبت البسملة كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - تقريره، وإذا قرئ برواية التّكبير/وأريد القطع على آخر السّورة. فإن قلنا: إنّ التّكبير لآخر السّورة كبّر وقطع القراءة، وإذا أراد الابتداء بعد ذلك بسمل للسّورة من غير تكبير، وإن قلنا: أنّه لأوّل السّورة فإنّه يقطع على آخر السّورة من غير تكبير. فإن ابتدأ بالسّورة التي تليها بعد ذلك ابتدأ بالتّكبير إذ لا بد من التّكبير إمّا لآخر السّورة وإمّا لأوّلها، حتى لو سجد في آخر العلق فإنّه يكبر أوّلا لآخر السّورة ثمّ يكبّر للسّجدة على القول بأنّ التّكبير للآخر، وأمّا على القول بأنّه للأوّل فإنّه يكبر للسّجدة فقط ويبتدئ بالتّكبير لسورة «القدر».

стр. 499

وليس الاختلاف في الأوجه السّبعة المذكورة اختلاف رواية حتى يلزم الإتيان بها بين كلّ سورتين، وإن لم يفعل يكن خللا في الرّواية، بل هو اختلاف تخيير، لكن الإتيان بوجه منها يختصّ بكون التّكبير لآخر السّورة وبوجه ممّا يختصّ بكونه لأوّلها أو بوجه ممّا يحتملهما متعيّن، إذ الاختلاف في ذلك اختلاف رواية فلا بد من التّلاوة به إذا قصد جمع تلك الطّرق والله أعلم " (١)، انتهى ملخصا من (النّشر). قال الجعبري:" وليس في إثبات التّكبير مخالفة الرسم لأنّ مثبته لم يلحقه بالقرآن كالاستعاذة " (٢). *****

стр. 500

خاتمة اعلم أنّ طلب حفظ القرآن العظيم وسرعة سرده، والاجتهاد في تحرير النّطق بلفظه، والبحث عن مخارج حروفه وصفاتها، والرّغبة في تحسين الصّوت به؛ وإن كان مطلوبا حسنا ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتمّ وأولى وهو فهم معانيه والتّفكر فيه، والعمل بمقتضاه، والوقوف عند حدوده. وقد روينا في (فضائل القرآن) لأبي عبيد القاسم بن سلاّم عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة في قوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ (١) قال:" يتبعونه حق اتباعه " (٢)، وعن الشّعبي في قوله - تعالى -: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (٣) قال: "أمّا أنّه كان بين أيديهم ولكنّهم نبذوا العمل به " (٤)، وقال الغزالي:" أكثر النّاس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب سدّلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، أوّلها: أن يكون الهمّ منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، قال: وهذا يتولى حفظه شيطان وكلّ بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله، فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل إليهم أنّه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني، وأعظم ضحكة الشّيطان من كان مطيعا لمثل هذا التّلبيس "، ثمّ قال:" وتلاوة القرآن حقّ تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظّ اللسان تصحيح الحروف، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظّ القلب الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار، فاللسان يرتّل والعقل ينزجر والقلب يتعظ " (٥)، انتهى.

стр. 501

وقال حذيفة:" إنّ أقرأ النّاس المنافق الذي لا يدع واوا ولا ألفا يلفت بلسانه كما تلفت البقرة بلسانها لا يجاوز ترقوته "، وقال صاحب (الغريبين في الحديث):" هلك المتنطعون: هم المتعمقون الغالون الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النّطع وهو الغار الأعلى " (١)، قال:" وفي حديث حذيفة: "من أقرأ النّاس منافق لا يدع منه واوا ولا ألفا يلفت بلسانه كما تلتفت البقرة بلسانها الخلاء" أي تلويه، يقال: ألفته (٢) وفتله أي لواه "، والخلاء الرّطب من الكلأ (٣)، انتهى. وإذا أراد القارئ القراءة فلينظّف فمه بالسّواك فإنّه أبقى للفصاحة وأنقى للنّكهة، ويتطيب بماء الورد ونحوه، وليكن في مكان نظيف وفي المسجد/أفضل، والمختار عدم الكراهة في الحمّام والطّريق ما لم يشتغل، وأن يكون مستقبل القبلة متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه غير متربع ولا جالسا على هيئة التّكبر، وفي الصّلاة أفضل مع البكاء أو التّباكي، قال صالح المريّ (٤): قرأت على رسول الله ﷺ في المنام، فقال": يا صالح هذه القراءة فأين البكاء "، ويساعد على ذلك أن يتدبّر ما يقرؤه، قال - تعالى -: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ (٥)، ويردّدالآية للتّدبر، فقد روى ابن ظفر: أنّه ﵊:" قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فردّدها عشرين مرة " (٦)، قال:

стр. 502

وحمل بعضهم هذا الترديد منه ﵇ لابتغاء الفوائد الزوائد، وحمله آخر على ابتغاء تكثير الحسنات، وآخر على أنّه استشرف من مطالع النّطق بالأسماء المعظمة على ما لم يكن له أن ينصرف عنه إلاّ بإذن، وقام ﷺ بآية يردّدها حتى أصبح، والآية ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ رواه النّسائي (١)، وردّد تميم الداري ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ (٢) الآية حتى أصبح، وردد ابن مسعود قوله - تعالى -: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (٣) حتى أصبح، وسعيد بن جبير ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٤) بضعا وسبعين مرة، واستفتح بعد عشاء الآخرة بسورة ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ فلم يزل فيها حتى نادى منادي السّحر. فإن لم تساعد الطّبيعة على البكاء أو التّباكي مع تدبر ما في القرآن من الوعيد والتّهديد فليبك على فقد ذلك فإنّه من أعظم المصائب. وإذا مرّ بآية رحمة سأل الله من فضله، أوآية عذاب استعاذ (٥). وإذا قرأ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٦) الآية صلى عليه ﷺ ، وإذا قرأ: ﴿لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٧) فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى، وإذا قال: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ (٨) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، رواه أبو

стр. 503

داود من حديث أبي هريرة مرفوعا (١)، وكان إبراهيم النخعي إذا قرأ نحو: ﴿الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾، ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٢) خفض بها صوته. وأن يجتنب الضّحك واللّغط (٣) والحديث في خلال القراءة إلاّ كلاما يضطر إليه، ولا يعبث بيده، ولا ينظر إلى ما يلهي قلبه عن التّدبر. وإذا عرض له خروج ريح فليمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها ثمّ يعود إلى القراءة، رواه ابن أبي داود عن عطاء، قال النّووي:" وهو أدب حسن " (٤). وإذا تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينقضي التّثاؤب ثمّ يقرأ قاله مجاهد. وإذا مرّ بأحد وهو يقرأ فيستحب أن يقطع القراءة ويسلّم ثمّ يرجع إلى القراءة ولو أعاد التّعوذ كان حسنا. ولو سلّم عليه أحد فالظّاهر وجوب الرّد باللفظ. وإذا عطس استحب أن يحمد الله، وأن يشمّت غيره إذا عطس. ويقطع القراءة لإجابة المؤذن ويتابعه في ألفاظ الأذان ثمّ يعود إلى قراءته. وإذا ورد عليه من فيه فضيلة من علم أو صلاح أو شرف، فلا بأس بالقيام له على سبيل الإكرام لا للرياء. وإذا مرّ بآية سجدة من سجدات التلاوة سجد ندبا خلافا للحنفية حيث قالوا:

стр. 504

بوجوبها، وهنّ في الجديد أربع عشرة في: «الأعراف»، و «الرعد»، و «النحل»، و «الإسراء»، و «مريم»، وثنتان في «الحج»، وفي «الفرقان»، و «النمل»، و «الم تنزيل السجدة»، و «حم السجدة»، وثلاث في/المفصل في: «النّجم»، و «الانشقاق»، و «اقرأ»، وليس منها سجدة «ص»، وإنّما هي سجدة شكر، لحديث عمرو بن العاص: "أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاثة (١) في المفصل، وفي «الحج» سجدتان "رواه أبو [داود] (٢) بإسناد حسن، والصّارف لسجدة «ص» عن سجدات التلاوة إلى الشكر حديث النّسائي:" سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا " (٣)، أي على قبول توبته، وفي القديم (٤): إنّها إحدى عشرة سجدة بإسقاط ثلاث المفصل لحديث ابن عباس:" أنّ النّبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة "، رواه أبو داود وضعفه البيهقي وغيره (٥)، وقال الحنفية أربعة (٦) عشر سجدة منها «ص» لا ثانية «الحج». ويستحب أيضا أن يتعاهد القرآن فنسيانه وكذا نسيان شيء منه كبيرة كما صرّح به النّووي في (الرّوضة) وغيرها، لحديث أبي داود وغيره:" عرضت على ذنوب أمتي

стр. 505

فلم أر ذنبا أعظم من سورة أوآية أوتيها رجل ثمّ نسيها " (١)، وحديث" من قرأ القرآن ثمّ نسيه لقى الله يوم القيامة أجذم " (٢) رواه أبو داود، وليقل ندبا: أنسيت كذا أو أسقطته لا نسيته لحديث:" لا يقل أحدكم نسيت آية كذا وكذا بل هو نسّي " (٣)، وحديث:" بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسّي " (٤)، وحديث أنّه ﷺ سمع رجلا يقرأ فقال:" ﵀ لقد أذكرني آية كنت أسقطتها "، وفي رواية:" كنت أنسيتها " (٥)، رواها كلّها الشّيخان. ويستحب تقبيل المصحف بالقياس على تقبيل الحجر الأسود، ولأنّه هدية من الله فشرع تقبيله، وكما يستحب تقبيل الولد الصغير، وكان عكرمة بن أبي جهل يفعله (٦). ويستحب أيضا تطييب المصحف وجعله على كرسي، ويحرم توسده لأنّه فيه إذلالا وامتهانا، وكذا مدّ الرجلين إليه (٧). وقال الشّيخ عز الدين بن عبد السّلام في (القواعد):" القيام للمصحف بدعة لم تعهد في الصدر الأوّل "، والصّواب ما قاله النّووي في (التبيان):" أنّه يستحب ذلك لما فيه من التّعظيم وعدم التّهاون به " (٨).

стр. 506

ويستحب كتبه وإيضاحه إكراما له، ونقطه وشكله صيانة له من اللّحن والتّحريف، وقد قال الدّاني: لا أستجيز نقل قراءات شتّى في مصحف واحد بألوان مختلفة، لأنّه من أشدّ التّخليط والتّغيير للمرسوم، وقال الجرجاني في (الشّافي):" كتابه تفسير كلمات القرآن بين أسطره من المذموم " (١)، انتهى. وقراءته في المصحف أفضل منها عن ظهر القلب، لأنّه يجمع القراءة والنظر في المصحف وهو عبادة أخرى، نعم إن زاد خشوعه وحضور قلبه (٢) فهي أفضل في حقه، قاله النّووي تفقّها وهو حسن (٣). فصل وينبغي للطالب أن يتأدب مع شيخه ويبجله ويعظمه، فبقدر إجلاله له يكون انتفاعه بعلمه، وأن يعتقد أهليته ورجحانه، قال بعضهم:" من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع به " (٤). وكان بعضهم إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال:" اللهم استرعيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني". وينبغي أن يقعد قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين بأن يجثوا على ركبتيه، وليحذر من جعل يده اليسرى خلف ظهره معتمدا عليها ففي الحديث: إنها قعدة المغضوب عليهم"، رواه أبو داود في سننه (٥).

стр. 507

فصل وينبغي للشيخ أن يقبل بكلّيته على الطّالب عند قراءته عليه، ويصغي إليه من غير لهو بحديث أو غيره ممّا هو أجنبي عن ذلك. وقد اختلف أئمة الحديث فيما إذا كان الشّيخ وقت السّماع ينسخ فمنعه الشّيخ أبو إسحاق الإسفراييني وابن عدي وغيرهما/وألحقوا بالنّسخ الصّلاة، لكن رووا أنّ الدّارقطني كان يصلّي في حال قراءة القارئ عليه، وربما يشير بردّ ما يخطئ فيه القارئ، وقال الرّافعي في (أماليه): "كان شيخنا أبو الحسن الطالقاني ربّما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى ما يقول القارئ وينبهه إذا زلّ، يعني بالإشارة"، انتهى. وقد كان شيخنا الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن قاسم الأنصاري كثيرا ما نقرأ عليه القراءات السبع وهو ينسخ ولا يفوته شيء من دقائق وجوه القراءات، إذا أخل أحدنا به بل ربّما يدرك منّا زيادة المدّ على مرتبته المقررة لمن هي به أو نقصها فينبهنا على ذلك - أثابه الله -. واختلف أيضا، هل يلتحق بذلك قراءة قارئين فأكثر في آن واحد، فيه نظر، وقد قال الذّهبي في (طبقات القرّاء): "ما أعلم أحدا من المقرئين ترخّص في إقراء اثنين فصاعدا إلاّ الشّيخ علم الدين السّخاوي، وفي النّفس من صحّة كمال الرّواية على هذا الفعل شيء، فإنّ الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه"، قال: "وما هذه في [قدرة] (١) البشر بل في [قدرة] (٢) الرّبوبية"، قالت عائشة ﵄: "سبحان من وسع سمعه الأصوات" (٣)، انتهى.

стр. 508

وممن ترجم السّخاوي بذلك ابن خلكان فقال: "إنّه رآه مرارا راكبا وحوله اثنان وثلاثة يقرءون عليه دفعة واحدة في أماكن من القرآن مختلفة وهو يرد على الجميع"، ونحوه ما حكاه التّقي الفاسي في (تاريخ مكة) عن الشمس محمد بن إسماعيل بن يوسف الحلبي: "أنّه كان في بعض الأحايين يقرأ في موضع من القرآن ويقرأ عليه في موضع آخر ويكتب في موضع آخر فيصيب فيما يقرأه، ويكتبه وفي الرد بحيث لا يفوته شيء من ذلك"، وهذا فيه تساهل وتفريط لمن لا ملكة له، ومقابله في التّشديد والإفراط ما بلغني عن شيخ مشايخنا الكيلاني أنّه كان صعب المذهب فيما يقرأ عليه بل ربما كرّرالآية على الطالب المرة غير مرة، بل ربما كان عزيز التصريح بالرّد، وإنّما يشير للطالب عند وقوع الخلل منه حتى قيل إنّ بعضهم أظهر النّون قبل الفاء من قوله - تعالى -: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ (١) فأشار إليه مرّات فلم يفهم فأقامه وحلف لا يقرئه أياما، أو أشهرا والأعمال بالنّيات. فصل وإذا أراد الطالب معرفة تحقيق القراءات وتدقيق طرق الرّوايات فلا بد له من حفظ كتاب كامل يستحضر به اختلاف القرّاء، ولا بدّ مع ذلك من معرفة اصطلاح ذلك الكتاب ومعرفة طرقه، ثمّ يفرد القراءات التي يريد معرفتها بقراءة راو راو، وشيخ شيخ، وهكذا إلى نهاية ما يريد معرفته. وقد روينا عن أبي الحسن الحصري أنّه قرأ القراءات السبع على شيخه أبي بكر القصري تسعين ختمة كلمّا ختم ختمة قرأ غيرها حتى أكمل في مدّة عشر سنين، وإلى ذلك أشار بقوله (٢): وأذكر أشياخي الذين قرأتها … عليهم فأبدأ بالإمام أبي بكر

стр. 509

قرأت عليه السّبع تسعين ختمة … بدأت ابن عشر ثمّ أكملت في عشر وقد كان السّلف لا يجمعون رواية إلى أخرى، وإنّما ظهر جمع القراءات في ختمة واحدة في أثناء المائة الخامسة في عصر الدّاني وابن شيطا واستمرّ إلى هذه الأزمان، واستقرّ عليه العمل عند أهل الإتقان لقصد سرعة التّرقي، لكنه مشروط بإفراد القراءات وإتقان الطريق والروايات على النّحو الذي ذكرته. وقد كانوا في الصدر الأوّل لا يزيدون القارئ على عشرآيات، ويشهد له قول الخاقاني (١): وحكمك بالتّحقيق إن كنت آخذا … على أحد ألاّ تزيد على عشر وكان كثير من/المشايخ يأخذون في الإفراد بجزء من أجزاء مائة وعشرين جزءا، وفي الجمع بجزء من أجزاء مائتين وأربعين جزءا، والصّواب الأخذ في ذلك بحسب قوة الطالب من غير حد ولا عدّ، فقد روينا أنّ أبا العباس بن الطحان قرأ على شيخه أبي العباس بن نحلة ختمة بحرف أبي عمرو في يوم واحد، وأنّ ابن مؤمن قرأ على الصّائغ القراءات جمعا بعدة كتب في سبعة عشر يوما، وأنّ المكين الأسمر قرأ على أبي إسحاق بن وثيق الأشبيلي ختمة بالقراءات السبع في ليلة واحدة، وأنّ ابن الجزري قرأ على الصّائغ من أوّل النّحل ليلة الجمعة، وختم ليلة الخميس في ذلك الأسبوع جمعا للقراءات السبع بالشّاطبية والتّيسير والعنوان، وأنّ آخر مجلس ابتدأ فيه بأوّل الواقعة حتى ختم (٢). فإذا أحكم القارئ القراءات إفرادا وصار له بالتلفظ بالأوجه ملكة من غير تكلف وأراد أن يحكمها جمعا فليرض نفسه ولسانه فيما يريد أن يجمعه، ولينظر ما في ذلك من الخلاف أصولا وفرشا، فما أمكن فيه التّداخل اكتفى منه بوجه، وما لم يمكن فيه

стр. 510

نظر فإن أمكن عطفه وإلاّ رجع إلى موضع ابتداء حتى يستوعب الأوجه كلّها من غير إهمال ولا تركيب ولا إعادة ما دخل فإنّ الأوّل: ممنوع، والثّاني: مكروه، والثّالث: معيب، وذلك كلّه بعد أن يحقق معرفة الخلاف الواجب من أوجه الخلاف الجائز، وليميّز بين الطّرق والرّوايات، فمن لم يحقق معرفة الخلافين الواجب والجائز لا سبيل له إلى الوصول إلى معرفة القراءات، ومن لم يميّز بين الطّرق والرّوايات لا منهاج له إلى السلامة من التّركيب في القراءات. وإذا علمت هذا، فاعلم أنّ الخلاف إمّا أن يكون للشيخ كابن كثير، أو للرّاوي عنه كالبزي، أو للرّاوي عن واحد من رواة المشايخ أو من بعده وإن سفل، أو لم يكن كذلك: فإن كان للشّيخ بكماله أي ممّا اجتمعت عليه الرّوايات والطّرق عنه فقراءة، وإن كان للرّاوي عن الشّيخ فهو رواية، وإن كان لمن بعد الرّواة وإن سفل فطريق، وما كان على غير هذه الصّفة ممّا هو راجع إلى تخيير القارئ فيه كان وجها، مثاله: إثبات البسملة بين السّورتين: قراءة ابن كثير وقراءة عاصم، وقراءة الكسائي، وكذا قراءة أبي جعفر ورواية قالون عن نافع وطريق الأصبهاني عن ورش، وطريق صاحب (الهادي) (١) عن أبي عمرو، وطريق صاحب (العنوان) عن ابن عامر وطريق صاحب (التّبصرة) عن الأزرق عن ورش، وطريق صاحب (التّذكرة) عن يعقوب، والوصل بين السّورتين: قراءة حمزة، وطريق صاحب (العنوان) عن الأزرق عن ورش وطريق صاحب (العنوان) أيضا عن أبي عمرو، وطريق صاحب (الهداية) عن ابن عامر، وطريق صاحب (الغاية) عن يعقوب، والسكت بينهما طريق صاحب (التّذكرة) عن الأزرق عن ورش. ومثال الأوجه كالثلاثة في البسملة بين السّورتين لمن بسمل، ولا تقل ثلاث قراءات ولا ثلاث روايات ولا ثلاث طرق كالوقف على نحو: ﴿الْعالَمِينَ﴾ (٢)

стр. 511

ثلاثة أوجه، كما تقول لكل من الأزرق عن ورش وأبي عمرو وابن عامر، وكذا يعقوب بين السّورتين ثلاثة (١) طرق، وللأزرق في نحو: ﴿آدَمَ﴾ (٢)، و ﴿آمَنَ﴾ (٣) ثلاث طرق. والفرق بين الخلافين: أنّ خلاف القراءات والرّوايات والطّرق خلاف نصّ ورواية، فلو أخلّ القارئ بشيء منه كان نقصا في الرّواية، فهو وضده واجب (٤) في إكمال الرواية. وخلاف الأوجه ليس كذلك، إذ هو على سبيل التّخيير، فبأيّ وجه أتى القارئ أجزأ في تلك الرّواية، ولا يكون إخلالا بشيء منها، فهو وضده جائزان في القراءة من حيث أنّ القارئ مخير في الإتيان بأيّهما شاء، ولا احتياج إلى الجمع بينها في /موضع واحد، ومن ثمّ كان بعض المحقّقين لا يأخذ منها إلاّ بالأصحّ الأقوى، ويجعل الباقي مأذونا فيه، وبعض لا يلتزم شيئا بل يترك القارئ يقرأ بما شاء منها، إذ كلّ ذلك جائز مأذون فيه منصوص عليه، وكان بعضهم يقرأ بواحد من الأوجه في موضع وبآخر في، غيره ليجمع الجميع المشافهة، وبعضهم يرى الجمع بينها في أوّل موضع أو موضع ما، وربّ متكلّف غير عارف بحقيقة أوجه الخلاف يأخذ بجميعها في كلّ موضع، وإنّما ساغ الجمع بين الأوجه في نحو التّسهيل في وقف حمزة لتدريب القارئ المبتدئ ورياضته على الأوجه العربية ليجري لسانه ويعتاد التّلفظ بها بلا كلفة، فيكون على سبيل التّعريف، فلذلك لا يكلف العارف بجمعها في كلّ موضع بل هو بحسب ما تقدم.

стр. 512

وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّه يشترط على جامعي القراءات شروط أربعة لا بد منها: رعاية الوقف والابتداء، وحسن الأداء، وعدم التّركيب: فلا تقف على مثل قوله: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حتى يأتي بما بعده، ولا نحو: قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١)، ولا يبتدئ بنحو: ﴿وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ (٢)، وقرأ إنسان على ابن بصخان: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي﴾ (٣)، ووقف، وأخذ يعيدها ليستوفي مراتب المدّ، فقال: "يستاهل الذي بزر مثلك"، وكان كثير التّدبر. وأمّا رعاية التّرتيب والتزام تقديم قارئ بعينه فلا يشترط، وكثير من النّاس يرى تقديم قالون أوّلا، كما هو في كثير من كتب الخلاف ثمّ ورش هكذا على حسب التّرتيب السّابق في هذا الموضوع، ثمّ بعد إكمال خلف السّبعة يأتي بالثّلاثة التي بعدها، ثمّ بالأربعة إن كانت سائغة كأن وافقت التّواتر، وكثير يرى تقديم ورش من طريق الأزرق لأجل انفراده في كثير من روايته عن باقي القرّاء بأنواع من الخلاف كالمدّ والنّقل والتّغليظ والتّرقيق، فإنه يبتدئ له غالبا بالمد الطويل في نحو ﴿آمَنُوا﴾ (٤) و «إيمان» (٥) ونحوه ممّا يكثر دوره، ثمّ بالتّوسط ثمّ بالقصر فيخرج مع قصره غالبا سائر القرّاء، ثمّ إذا كمل طريق الأزرق أتبعها بطريق الأصبهاني عن ورش، ثمّ بقالون ثمّ بأبي جعفر ثمّ بابن كثير ثمّ بأبي عمرو ثمّ بيعقوب ثمّ بابن عامر ثمّ بعاصم ثمّ بحمزة ثمّ الكسائي ثمّ بخلف، ويقدّم عن كلّ شيخ الرّاوي المقدم على التّرتيب السّابق، ولا ينتقل إلى من بعده حتى يكمل من قبل حفظا لرعاية التّرتيب وقصدا لاستدراك ما فاته.

стр. 513

ثمّ إنّ الماهر عندهم هو الذي لا يلتزم تقديم شخص بعينه، ولكنّه إذا وقف على وجه لقارئ يبتدئ لذلك القارئ بعينه ثمّ يعطف الأوجه الأقرب على ما ابتدأ به عليه وهكذا إلى آخر الأوجه، ويختصر الأوجه كيف أمكن، ويستوعبها فلا يخل بشيء منها (١). واختلف الشيوخ في كيفية الأخذ بالجمع: فمنهم من كان يرى الجمع بالوقف، وكيفيّته أنّه إذا أخذ في قراءة من قدّمه لا يزال في ذلك إلى الانتهاء إلى وقف يحسن الابتداء بتاليه فيقف ثمّ يعود إلى القارئ الذي بعده إن لم يكن خلفه داخلا في سابقه، ولا يزال حتى يقف على الوقف الذي وقف عليه ثمّ يفعل ذلك بقارئ قارئ حتى ينتهي الخلف، ثمّ يبتدئ بما بعد ذلك الوقف. ومنهم من كان يري الجمع بالحرف، وكيفيته: أن يشرع في القراءة، فإذا مرّ بكلمة فيها خلف من الأصول أو الفرش أعاد تلك الكلمة بمفردها حتى يستوفي ما فيها من الخلاف، فإن كانت ممّا يسوغ الوقف عليه وقف واستأنف ما بعدها على الحكم المذكور، وإلاّ وصلها بآخر وجه انتهى عليه حتى ينتهي إلى وقف فيقف، وإن كان الخلف ممّا يتعلق/بكلمتين كمدّ المنفصل والسكت على ذي كلمتين، وقف على الكلمة الثّانية واستوعب الخلاف، ثمّ انتقل إلى ما بعدها على ذلك الحكم. والأوّل مذهب الشّاميين وهو أشدّ في الاستحضار وأسدّ في الاستظهار، وأطول زمانا وأجود إمكانا، والثّاني مذهب المصريين وهو أوثق في استيفاء أوجه الخلاف، وأسهل في الأخذ وأخصر، ولكنّه فيه خروج عن رونق التّلاوة وحسن أدائها. ولشيخ مشايخنا ابن الجزري مذهب ثالث مركّب من هذين المذهبين وهو أنّه إذا ابتدأ بالقارئ ينظر إلى من يكون من القرّاء أكثر موافقة له، فإذا وصل إلى كلمة بين القارئين فيها خلف وقف وأخرجه معه، ثمّ وصل حتى ينتهي إلى الوقف السّائغ

стр. 514

جوازه، وهكذا حتى ينتهي الخلاف. ومنهم من كان يرى في الجمع كيفية أخرى وهي التناسب، فكان إذا ابتدأ بالقصر أتى بالمرتبة التي فوقه، ثمّ كذلك حتى ينتهي إلى آخر مراتب المدّ، وإن ابتدأ بالمدّ المشبع أتى بما دونه حتى ينتهي إلى القصر، وإن ابتدأ بالفتح أتى بعده بالصغرى ثمّ بالكبرى، وإن ابتدأ بالنّقل أتى بعده بالتحقيق ثمّ السّكت القليل ثمّ ما فوقه، ويراعي ذلك اطرادا وعكسا، وهذا لا يقدر على العمل به إلاّ من قوي استحضاره (١). تنبيه هل يسوغ للجامع إذا قرأ كلمتين رسمتا في المصاحف كلمة واحدة وكانت ذات أوجه نحو ﴿هؤُلاءِ﴾ (٢)، ﴿يا آدَمُ﴾ (٣) مثلا وأراد استيفاء بقيّة أوجهها أن يبتدئ بأوّل الكلمة الثّانية فيقول: ﴿آدَمَ﴾ (٤) بالمد [و] (٥) التّوسط ثمّ القصر مثلا مع حذف أداة النّداء لفظا لقصد الاختصار على عادة الجمع؟. لم أر في ذلك نقلا، والذي يظهر لي عدم الجواز، وأنّه يتعين قراءة الكلمتين متّصلتين لفظا إتباعا للاتصال الرسمي، فيقول: ﴿يا آدَمُ﴾، ﴿يا آدَمُ﴾، ويؤيد هذا ما سيأتي إن شاء الله - تعالى - في باب الوقف على مرسوم الخط أنّه لا يجوز الوقف على ما اتّفق على وصله إلاّ برواية صحيحة كما نصوا عليه، فهذا آخر الوسائل، والله الموفق. *****

стр. 515

وأمّا المقاصد: وهي ما يكون البحث فيها بالنّظر إلى اتّفاق القرّاء واختلافهم، فهي قسمان: الأوّل: الأصول، لأنّ البحث في المقاصد، إمّا أن يقع عن الكلمة بالنظر إلى ما يغير معناها غالبا أو لا، الأوّل: الفرش، والثّاني: وهو ما يكون البحث فيه عن الكلمة بالنّظر إلى ما يغير هيئتها والمعنى بحالة الأصول، وهو إمّا أن يقع البحث فيه عن التّحريك والإسكان أو لا، والأوّل: إمّا أن يصحبه تشديد أو لا، الأوّل: الإدغام الكبير، والثّاني: إمّا أن يكون البحث فيه عن الحركة جميعها أو لا، الأوّل: وهو ما كان البحث فيه عن الحركة جميعها، إمّا أن يصحبه توليد حرف من الحركة أو لا، الأوّل: هاء الكناية، والثّاني: إمّا أن يلزم منه حذف أو لا، الأوّل: باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والثّاني: باب ياءات الإضافة، وأمّا ما لم يكن البحث فيه عن جميع الحركة بل عن بعضها، أو عن هيئة الشّفة عند النّطق بها فهو باب الوقف على أواخر الكلم، وحرف واحد من باب الإدغام الكبير، وهو ﴿تَأْمَنّا﴾ (١)، وأمّا ما لم يكن البحث فيه عن تحريك ولا إسكان فإمّا أن يبحث فيه عن الإبدال أو لا، الأوّل: وهو ما يتعلق بالإبدال إمّا أن يكون بإبدال حرف بحرف أو لا، فإن كان بإبدال حرف بحرف فإمّا أن يشاب بنوع من تشديد ونحوه أو لا، الأوّل: وهو ما يشاب الإدغام الصغير، والثّاني: وهو ما يبدل ولا يشاب برائحة تشديد أبواب الهمز وبعض باب الوقف على مرسوم الخط كالوقف على ﴿رَحْمَةٌ﴾ (٢) /، وما لا يبحث فيه عن إبدال الحرف إمّا أن يكون البحث فيه عن إبدال صفة النّطق بالحرف أو لا، وما يبحث فيه عن إبدال صفة النّطق بالحرف إمّا أن يكون مع الإضجاع أو لا، الأوّل: الإمالة مطلقة ومقيدة، إمّا مطلقة فواضح، وإمّا مقيدة فباب إمالة هاء التأنيث وما قبلها في

стр. 516

الوقف، والثّاني: وهو ما ينظر فيه إلى إبدال صفة النّطق بالحرف من غير إضجاع: باب اللاّمات والرّاءات، وما لا يبحث فيه عن الإبدال واندرج فيه ما لا يبحث فيه عن إبدال صفة النّطق بالحرف اندراج انتفاء الأخصّ تحت انتفاء الأعم، فإمّا أن يبحث فيه عن الزيادة أو لا، وما يبحث فيه عن الزيادة فإمّا أن يتعلق بحرف أو لا، الأوّل: باب الزوائد وبعض باب الوقف على مرسوم الخط، والثّاني: وهو ما يبحث فيه عن الزيادة من غير نظر إلى الحرف، باب المدّ والقصر فإنّه يبحث فيه زيادة المطّ بالصوت كما سيأتي إن شاء الله - تعالى -، وأمّا ما لا يبحث فيه عن الزيادة فإمّا أن يقع البحث فيه عن أحوال الحرف من جهة الوقف أو لا، الأوّل: بعض باب الوقف على مرسوم الخط، والثّاني: باب السّكت على الساكن قبل الهمز وغيره، فهذا حصر جزئيات قسم الأصول حسبما أوردها صاحب الضّوابط (١)، وها هي مرتّبة على التّرتيب الواقع في التّنزيل، وقد حصرت الكلام عليها في عشرة أبواب. *****

стр. 517

الباب الأوّل في الإدغام (١) قال ابن يعيش فيما نقله عنه المرادي وغيره: "الإدّغام - بالتّشديد - من ألفاظ البصريين، وبالتّخفيف من ألفاظ الكوفيين" (٢). وحدّه لغة: الإدخال، وحكى اليزيدي: "أدغمت الفرس اللّجام" (٣)، وقال الشاعر (٤): وأدغمت في قلبي من الحبّ شعبة .... . . . . . . . . . . وأمّا اصطلاحا: فأن تأتي بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد بلا فصل، فقولهم: "أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك" جنس يندرج فيه المظهر والمدغم، وقولهم: "بلا فصل": خرج به المظهر، وقولهم: "من مخرج واحد" خرج به المخفى والمظهر (٥). ثمّ إنّ الإدغام يتنوع نوعان: كبير، وصغير:

стр. 518

النوع الأوّل الكبير ويكون في فصلين: الأوّل: في المثلين، والآخر: في المتقاربين. وهذا بالنّظر إلى الأوّل، وإلاّ فلا إدغام إلاّ إدغام مثل في مثله، ألا ترى أنّ المتقارب يقلب من جنس الحرف الآخر فيؤول إلى أنّه إدغام مثل في مثله، لأنّ حقيقة الإدغام تنافي إبقاء الأوّل على حالة تخالف الثّاني في الحقيقة. وعادة كثير من المؤلفين يذكرونه بعد الفاتحة لأجل ﴿الرَّحِيمِ * مالِكِ﴾ (١)، ويبدءون بالمثلين قبل المتقاربين، فمشيت على رسمهم في تقديمه أوّل الأصول لما ذكر، وأخّرت سورة الفاتحة لأوّل الفرش لما لا يخفى. وفائدة الإدغام: التّخفيف، لثقل عود اللسان إلى المخرج أو مقاربه، والاستمرار في سنن واحد كالمقيد (٢). والفرق بين الإدغام الكبير والصغير: أنّ الصّغير: يكون أوّل حرف فيه ساكنا، والكبير: أوّلهما متحركا ثمّ يسكن، فهو أبدا أزيد رتبه، ولهذا سمّي كبيرا. وقيل: لكثرة وقوعه. وقيل: لأنّ الحركة أكثر من السّكون.

стр. 519

وقيل: لما فيه من الصّعوبة. وقيل: لشموله نوعي المثلين والجنسين والمتقاربين (١). فإن قلت: لم قال: كبيرا بالياء الموحدة وما ذكر يقتضي تسميته بالمثلثة (٢)؟. أجيب: بأنّه إنّما عدل عن المثلثة للموحّدة لئلا يتوهم الإفراد (٣). ثمّ إنّ الإدغام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب الإدغام نحو: «ظنن» و «لببا» و «ردد»، يقول «ظنّ» و «لبّا» و «ردّ» بالإدغام /، ولهذا الباب شروط محل ذكرها كتب العربية (٤). الثّاني: ممتنع الإدغام نحو: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، و ﴿كُنْتُ تُراباً﴾ (٦) وغير ذلك ممّا سيأتي إن شاء الله - تعالى - في الموانع. الثّالث: جائز فيه الإدغام والإظهار على السواء ك ﴿الرَّحِيمِ * مالِكِ﴾ (٧)، أو الإدغام أرجح نحو إدغام الواو في الواو ممّا قبله مضموم نحو: ﴿جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ﴾ (٨) كما سيأتي إن شاء الله - تعالى -، والإظهار أرجح نحو: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ (٩) لإعلاله بالحذف. وإنّما يتكلم القرّاء في الجائز.

стр. 520

والإظهار هو الأصل لعدم افتقاره لسبب، وهو لغة أهل الحجاز، والإدغام فرعه لافتقاره له، قال أبو عمرو بن العلاء فيما نقله في (النّشر)، وسبقه إليه الجعبري في (الكنز): "الإدغام كلام العرب الذي يجرى على ألسنتها لا يحسنون غيره، وهو في الكتاب العزيز لا يحصى كثرة واتّفاقا واختلافا، من شواهده في كلام العرب قول عدي بن زيد (١): وتذكّر ربّ الخورنق إذ فكّ … ر يوما وللهدى تفكير وأنصّ من ذلك قول الكسائي والفرّاء:" سمعنا العرب تقول: "صار لي" بالإدغام " (٢). وقد اشتهر عن أبي عمرو بن العلاء اختصاصه بالإدغام الكبير من بين القرّاء لأنّ عنده اجتمعت أصوله، وعنه اشتهرت فروعه؛ وإلاّ فقد ورد عن غيره من السّبعة إدغام مواضع منه، بل قد وافقه يعقوب الحضرمي من (مصباح) الشّهرزوري (٣) على كلّ ما أدغمه من المثلين والمتقاربين، لكنّ الجمهور عنه على تخصيص أحرف يأتي التّنبيه عليها إن شاء الله - تعالى -، وكذلك وافقه اليزيدي والحسن والأعمش لكن الثّالث في اليسير، والأوّلين مع الزّيادة عليه كما ستراه إن شاء الله مفصلا.

стр. 521

ثمّ إنّ لأبي عمرو في هذا الباب مذهبين: الإدغام والإظهار، كما أنّ له في الهمز السّاكن مذهبين: التّخفيف والتّحقيق، فيتركب من البابين ثلاثة مذاهب (١): الأوّل: الإظهار مع الإبدال: لأنّ تحقيق الهمز أثقل من إظهار المتحركات فخفّف الأثقل، ولا يلزم تخفيف الثّقيل، وهو أحد وجهي (التّيسير) المصرّح به في أسانيده من قراءته على فارس وفاقا (للجامع) من قراءته على أبي الحسن، ولم يذكر صاحب (العنوان) و (الكافي) وغيرهما ممّن لم يذكر الإدغام عن أبي عمرو سواه وجها واحدا، إلاّ أنّ بعضهم خصّ ذلك بالسّوسي كصاحب (العنوان)، وبعضهم عمّ أبا عمرو كمكّي (٢). الثّاني: الإدغام مع الإبدال للتّخفيف، وهو في جميع كتب أصحاب الإدغام من روايتي الدّوري والسّوسي جميعا، وهو عن السّوسي في (الشّاطبيّة) وفاقا ل (تذكرة) ابن غلبون، والثّاني في (التّيسير) وهو المأخوذ به اليوم في الأمصار من طريق (الحرز) وأصله، وبه كان يقرئ الولي أبو القاسم بن فيرّه كما ذكره عنه السّخاوي في آخر باب الإدغام من شرحه لقصيدته، وهو مستند أهل العصر في تخصيص السّوسي بوجه واحد (٣). فإن قلت: كيف حصر في (الحرز) الوجهين الإدغام والبدل للسّوسي؟. أجيب: بأنّه قال في خطبته (٤):

стр. 522

وفي يسرها التّيسير رمت اختصاره … فلم يلتزم ما قرأ به، وإنّما التزم ما في (التّيسير)، وعلى هذا يجب على المجيز أن يقول:" أجزته بما نقل أنّ الشّاطبي كان يقرئ به "، ولا يجوز أن نقول:" قرأ عليّ بما في (الشّاطبيّة) "، لأنّه افتراء يخلّ بعدالته (١). الثّالث: الإظهار مع تخفيف الهمز، عملا بالأصل الثّابت عن أبي عمرو من جميع الطّرق (٢). وأمّا الإدغام مع الهمز فممنوع عند أئمة القرّاء، ولم يجزه أحد من محقّقيهم/، لأنّ فيه نوع مناقضة بتخفيف الثّقيل دون الأثقل، نعم يجوز الإدغام مع تحقيق الهمزة ليعقوب كما هو قاعدته؛ فالأحسن أن يحتج لمذهب أبي عمرو بالاتباع فافهم، أو يقال: وجه الإدغام مع التّحقيق: أنّ كلا منهما تخفيف برأسه، فليس أحدهما شرطا للآخر (٣). وأمّا قول الجعبري:" إنّ هذه مفهومه من قول صاحب (التّيسير) (٤)، وأنّ الإدغام والتّخفيف مفهوم من قوله: "إذا قرأ بالإدغام لا يهمز" (٥)، والإظهار والتّحقيق من ضده، أي إذا لم يدغم همز، وأنّ الإظهار والتّخفيف مفهوم من قوله: إذا أدرج القراءة أي ولم يدغم لا يهمز، معناه: إذا أسرع وأظهر خفّف، قال: وقدرنا إذا أدرج ولم يدغم لعطفه الإدغام على الدّرج ب «أو» " (٦)؛ فتعقبه الشّيخ أبو القاسم النّويري المالكي:" بأنّ العمدة على قول القارئ: قرأت بكذا لا على ما يفهم من كلامه،

стр. 523

فالمعتمد عليه هنا ما صرّح به في أسانيده، ولا يترك ما نصّ عليه لما يفهم من الكلام سيّما في هذا العلم الموقوف على الرّواية وصريح النّقل "، قال:" وكلام الشّاطبي موافق لتصريح (التّيسير)، وذلك أنّه صرّح بالإبدال للسوسي وبالتّحقيق للدّوري، وبالإدغام للرّاويين على سبيل الجواز لا الوجوب، فلكلّ وجهان، فيصير للسّوسي الإدغام والإظهار مع الإبدال، وللدّوري الإظهار مع التّحقيق، ويمتنع الإدغام مع التّحقيق كهو مع مدّ المنفصل " (١). قلت: ويوضح هذا ويبينه أنّ الدّاني قال في (التّيسير) في إسناده قراءة أبي عمرو: "فأمّا قراءة أبي عمرو فقرأت بها القرآن كلّه من طريق أبي عمر - يعني: الدّوري - على شيخنا عبد العزيز بن جعفر، وقال لي: قرأت على أبي طاهر ابن أبي هاشم المقرئ ما لا أحصيه كثرة، وقال: قرأت بها على ابن مجاهد، وقال: قرأت بها على أبي الزّعراء، وقال: قرأت على الدّوري " (٢)، وصرّح في (جامع البيان) بأنّه قرأ على عبد العزيز بالإظهار والتّحقيق (٣)، ثمّ قال في (التّيسير):" وقرأت بها القرآن كله بإظهار الأوّل من المثلين والمتقاربين وبإدغامه على فارس بن أحمد، وقال لي: قرأت بها كذلك على عبد الله بن الحسين المقرئ، وقال لي: قرأت بها كذلك على ابن جرير، وقال لي قرأت على أبي شعيب السّوسي " (٤)، ثمّ قال:" وحدّثنا بأصول الإدغام محمد بن أحمد عن ابن مجاهد عن عبد الرحمن بن عبدوس عن الدّوري " (٥)، انتهى. فصرّح بالإدغام والإظهار مع الإبدال للسّوسي، وبالإظهار مع التّحقيق للدّوري، وصرّح بالإدغام للدّوري على سبيل التّحديث عن غير عبد العزيز لا على سبيل القراءة، فعلى هذا لا يجوز أن يؤخذ له من طريق (التّيسير) إلاّ بوجه للدّوري،

стр. 524

وبوجهين للسّوسي، فلا يجوز لأحد أن يقول: قرأت ب (التّيسير)، إلاّ إن قرأ للسّوسي بالوجهين (١). وأمّا منع الإدغام مع مد المنفصل، فلقوله في (التّيسير): "إذا أدغم أو أدرج لم يهمز" (٢)، فخصّ الإدراج الذي هو الإسراع من غير مدّ بالإدغام، ولم يصرّح في (الشّاطبيّة) بالإظهار، وقيل: هو مفهوم من قوله: "إذ هو عارض"، وأجيب: بأنّه لا يلزم من عروضه القراءة به، والله الموفق. فإن قيل: إطلاق الشّاطبي الوجهين [موهم] (٣) أنّهما للدّوري أيضا. فالجواب: لا إيهام مع تحقق معرفة شرطه وهو الإبدال، وهذا واضح، والله أعلم (٤). ثمّ إنّ للإدغام شروطا، وأسبابا، وموانع: فأمّا شروطه (٥): في المدغم: فأن يلتقي الحرفان خطّا ولفظا نحو: ﴿الرَّحِيمِ * مالِكِ﴾ (٦) أو خطّا لا لفظا نحو: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ (٧)؛ فإن التقيا لفظا لا خطّا نحو: ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾ (٨) امتنع الإدغام. وفي المدغم فيه: كونه أكثر من حرف إن كانا بكلمة واحدة، فيدخل/ [نحو] (٩)

стр. 525

﴿خَلَقَكُمْ﴾ ويخرج ﴿خَلَقَكَ﴾ (١). وأمّا أسبابه (٢): فالتّماثل: وهو أن يتّحدا مخرجا وصفة كالتّاء في التّاء والكاف في الكاف. والتّجانس: وهو أن يتّفقا مخرجا ويختلفا صفة، كالدّال في التّاء، والتّاء في الطّاء، والثّاء في الذّال. والتّقارب: وهو أن يتقاربا مخرجا أو صفة، أو مخرجا وصفة. وزاد الجعبري: "التّشارك والتّلاصق والتّكافؤ" (٣)، لكن قال ابن الجزري: "الأكثرون على الاكتفاء بالتّماثل والتّقارب" (٤). وأمّا الموانع: فقسمان: متفق عليه ومختلف فيه: فالمتّفق عليه ثلاثة: المنوّن، نحو: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾، ﴿شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ﴾، ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لِإِيلافِ﴾ (٥)، لأنّ التّنوين حاجز قوي جرى مجرى الأصول في الثّقل (٦)، وهو حلية الاسم لدلالته على أمكنيّته فلم يلتقيا الحرفان (٧).

стр. 526

والفرق بينه وبين صلة ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ عدم القوّة والدّلالة وكلّما كان المدغم أقوى من المدغم فيه كان إدغامه ضعيفا (١). وقول ابن شيطافي (تذكاره): "إنّ زيادة الصّفة كالصّفير والتّكرار والمدّ في حروفه في المدغم تقبح إدغامه ويطرح، لأنّ هذه الزّيادة بمنزلة حرف آخر، [فكما لا يدغم حرفان في حرف واحد] (٢) فكذلك لا يدغم ذوات الزّيادات"، تعقب بأنّ الصّفات المتعدّدة في الحرف الواحد لا تكسبه ذاتا أخرى، فلو كان قبيحا لما أجمع على إدغام ﴿بِباسِطٍ﴾ (٣) ونحوها. الثّاني: كون الأوّل تاء ضمير، سواء كان متكلما أو مخاطبا نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ (٤)، ولم يمتنع باعتبار ذاتهما بل لملازمة المانع حيث وقعا في القرآن، إمّا بسبق إخفاء كهذين المثالين، أو مع انضمام حذف في الفعل (٥) في نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾ - أي: أنا -، أو يقع مشدّدا ك ﴿كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ (٦) ولذلك أدغما حيث خلتا منه نحو: «دخلت تبريز»، و «بعت تمرا»، وقيل: لكون كلّ منهما اسم على حرف واحد، ودفع بإدغام قوله: ﴿لَكَ كَيْداً﴾ (٧)، ومثال غير المثلين: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ (٨) ولم تلتق تاء المخبر مع مناسبها في القرآن فسقطت (٩).

стр. 527

الثّالث: المشدّد نحو: ﴿رَبِّ بِما﴾، ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾، ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ﴾، ﴿الْحَقُّ كَمَنْ﴾، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ (١)، قال الجعبري: "وإنّما منع التّشديد الإدغام لما يلزم من الدّوران، ولضعف الثّاني عن تحمله إن لم يفك لا سيّما عند البصريين" (٢)، وتعقبه الشّيخ أبو القاسم النّويري المالكي بأنّه: "لا يلزم الدّور إلاّ إذا قيل: وجوب الإدغام متوقّف على وجوب الفك، ووجود الفك متوقف على وجود الإدغام، ولا نسلّم ذلك، بل يقال: وجود الإدغام متوقف على وجود الفك، ووجود الفك متوقف على قصد الإدغام لا وجوده، فاختلفت جهتا التّوقف فلا دور" (٣)، انتهى، وعلّله بعضهم بضعف المدغم فيه عن تحمّله ذلك لأنّ المشدّد بحرفين. القسم الثّاني: المختلف فيه من الموانع وهو الجزم أي المجزوم: كقولهم: "ضرب الأمير" أي مضروبه. وقد ورد في المتماثلين في قوله - تعالى -: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ (٤) أصله «يخلو» بالواو فحذفت للجزم، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ (٥) أصله «يبتغي» بالياء وحذفت للجزم بأداة الشّرط، ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ (٦) أصله «يكون»، سكنت نونه للجزم ثمّ حذفت واوه لالتقاء السّاكنين، ونونه إذا لم يلها ساكن (٧). وورد في المتجانسين: ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ﴾ (٨) وألحق به ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾ (٩)

стр. 528

لقوة الكسرة (١). وفي المتقاربين في قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ (٢) والأكثرون على الاعتداد بهذا المانع مطلقا كابن مجاهد وأتباعه، وبعضهم لم يعتدّ به مطلقا وهو مذهب الدّاجوني وابن شنبوذ، والمشهور الاعتداد به في المتقاربين، وإجراء الوجهين في غيره لأنّ إدغام المثلين أقوى من المتقاربين (٣). وموانع الإدغام عند الحسن: التّشديد والتّنوين فقط، فإنّ عنده إدغام تاء المتكلم/والمخاطب نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾، و ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ وإذا التقى حرفان متماثلان متحركان بأيّ حركة تحرّكا، سواء تحرك ما قبل الأوّل أو سكن وكان أوّلهما آخر كلمة وثانيهما أوّل أخرى ولا مانع أسكن الأوّل وأدغم في الثّاني، وإن كانا غير مثلين قلب الأوّل كالثّاني ثمّ أدغم وارتفع العضو (٤) عنهما رفعة واحدة من غير وقف على الأوّل ولا فصل بحركة ولا روم، وهذا الإدغام إنّما يكون عند وصل الكلمة بالتّالية فالوقف يفصل عن الإدغام (٥). ثمّ إنّ هذا النّوع من الإدغام الكبير ينقسم كما تقدّم إلى مثلين وغيره:

стр. 529

الفصل الأوّل في المثلين اعلم أنّ الحروف الأصول التّسعة والعشرين تنقسم بالنّسبة إلى هذا الباب أقساما، فقسم منها لا يدغم في شيء، وهو سبعة أحرف وهي: الهمزة والألف والخاء المعجمة والطّاء والظّاء والصّاد المهملة والزّاي: فأمّا الهمزة فلا تدغم ولا يدغم فيها لما ثبت فيها من جواز التّخفيف الذي حصل به سهولتها، وعند التّخفيف يتعذر الإدغام، لأنّها إمّا أن تحذف فلا إدغام، وإمّا أن تسهّل فلا إدغام أيضا، وإذا امتنع إدغامها في [مثلها] (١) امتنع إدغام مقاربها فيها. وأمّا الألف: فلأنّ إدغامها في مثلها متعذّر لوجود الحركة وهي لا تقبلها، وإدغامها في مقاربها وإن كان في الأدخل في الفم، فلما يؤدي إليه من ذهاب مدّها من غير ما يقوم مقامه، ولا يدغم فيها للتّعذر، وباقيها لم يلق مثله ولا مجانسه ولا مقاربه. وما بقي من الأحرف وهو اثنان وعشرون حرفا فينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: ما لا يدغم إلاّ في مثله وهو ستّة أحرف: الهاء والعين والغين والياء والفاء والواو. الثّاني: ما لا يدغم إلاّ في مجانسه أو مقاربه لأنّه لم يلق مثله وهو خمسة أحرف: الجيم والشّين والضّاد المعجمتان والدّال والذّال. الثّالث: ما يدغم في مثله ومقاربه ومجانسه وهو أحد عشر حرفا، فيعمّ الفصلين وهو: الحاء والقاف والكاف واللاّم والنّون والرّاء والتّاء والثّاء السّين والباء والميم. فجملة ما للمثلين سبعة عشر، وما للمجانس والمقارب ستّة عشر.

стр. 530

وهذه أمثلة السّبعة عشر التي للمثلين على التّرتيب السّابق: فمثال الهاء: ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا﴾ (١)، ﴿زادَتْهُ هذِهِ﴾ (٢)، وجملة ما في القرآن من ذلك خمسة وتسعون حرفا، وتحذف الصّلة من نحو: ﴿جاوَزَهُ هُوَ﴾، ﴿لِعِبادَتِهِ هَلْ﴾ (٣)، ويدغم للتّلاقي خطّا، لأنّ الصّلة لا استقلال لها، إنّما هي إشباع حركة الهاء تقوية لها فلا يعتدّ بها، وحكاية الدّاني عن ابن مجاهد ترك إدغام هذا الضّرب لأنّه يوجب سقوط الواو التي بين الهائين وحركة الهاء لا عمل عليه، فقد صحّ إدغامه نصّا عن اليزيدي عن أبي عمرو في قوله ﴿إِلهَهُ هَواهُ﴾ (٤) و ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ﴾ (٥)، ولم يأت عنه نصّ بخلافه (٦). ومثال العين: نحو: ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٧)، ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ﴾ (٨)، وجملة ما في القرآن من ذلك ثمانية عشر لا غير. وأمّا الغين: فموضع واحد وهو: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ (٩) ليس إلاّ، واختلف فيه فروى إظهاره سائر أصحاب ابن مجاهد إلاّ أبو (١٠) الحسن الجوهري عن أبي الطّاهر، وأبي محمد الكاتب وابن أبي مرّة النّقاش لما فيه من الإعلال بالحذف، لأنّ أصله «يبتغي» بالياء فحذفت ياؤه للجزم بأداة الشّرط (١١).
следующие страницы →