← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والفرق بينه وبين صلة ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ عدم القوّة والدّلالة وكلّما كان المدغم أقوى من المدغم فيه كان إدغامه ضعيفا (١). وقول ابن شيطافي (تذكاره): "إنّ زيادة الصّفة كالصّفير والتّكرار والمدّ في حروفه في المدغم تقبح إدغامه ويطرح، لأنّ هذه الزّيادة بمنزلة حرف آخر، [فكما لا يدغم حرفان في حرف واحد] (٢) فكذلك لا يدغم ذوات الزّيادات"، تعقب بأنّ الصّفات المتعدّدة في الحرف الواحد لا تكسبه ذاتا أخرى، فلو كان قبيحا لما أجمع على إدغام ﴿بِباسِطٍ﴾ (٣) ونحوها. الثّاني: كون الأوّل تاء ضمير، سواء كان متكلما أو مخاطبا نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ (٤)، ولم يمتنع باعتبار ذاتهما بل لملازمة المانع حيث وقعا في القرآن، إمّا بسبق إخفاء كهذين المثالين، أو مع انضمام حذف في الفعل (٥) في نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾ - أي: أنا -، أو يقع مشدّدا ك ﴿كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ (٦) ولذلك أدغما حيث خلتا منه نحو: «دخلت تبريز»، و «بعت تمرا»، وقيل: لكون كلّ منهما اسم على حرف واحد، ودفع بإدغام قوله: ﴿لَكَ كَيْداً﴾ (٧)، ومثال غير المثلين: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ (٨) ولم تلتق تاء المخبر مع مناسبها في القرآن فسقطت (٩).

стр. 527

الثّالث: المشدّد نحو: ﴿رَبِّ بِما﴾، ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾، ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ﴾، ﴿الْحَقُّ كَمَنْ﴾، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ (١)، قال الجعبري: "وإنّما منع التّشديد الإدغام لما يلزم من الدّوران، ولضعف الثّاني عن تحمله إن لم يفك لا سيّما عند البصريين" (٢)، وتعقبه الشّيخ أبو القاسم النّويري المالكي بأنّه: "لا يلزم الدّور إلاّ إذا قيل: وجوب الإدغام متوقّف على وجوب الفك، ووجود الفك متوقف على وجود الإدغام، ولا نسلّم ذلك، بل يقال: وجود الإدغام متوقف على وجود الفك، ووجود الفك متوقف على قصد الإدغام لا وجوده، فاختلفت جهتا التّوقف فلا دور" (٣)، انتهى، وعلّله بعضهم بضعف المدغم فيه عن تحمّله ذلك لأنّ المشدّد بحرفين. القسم الثّاني: المختلف فيه من الموانع وهو الجزم أي المجزوم: كقولهم: "ضرب الأمير" أي مضروبه. وقد ورد في المتماثلين في قوله - تعالى -: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ (٤) أصله «يخلو» بالواو فحذفت للجزم، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ (٥) أصله «يبتغي» بالياء وحذفت للجزم بأداة الشّرط، ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ (٦) أصله «يكون»، سكنت نونه للجزم ثمّ حذفت واوه لالتقاء السّاكنين، ونونه إذا لم يلها ساكن (٧). وورد في المتجانسين: ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ﴾ (٨) وألحق به ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾ (٩)

стр. 528

لقوة الكسرة (١). وفي المتقاربين في قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ (٢) والأكثرون على الاعتداد بهذا المانع مطلقا كابن مجاهد وأتباعه، وبعضهم لم يعتدّ به مطلقا وهو مذهب الدّاجوني وابن شنبوذ، والمشهور الاعتداد به في المتقاربين، وإجراء الوجهين في غيره لأنّ إدغام المثلين أقوى من المتقاربين (٣). وموانع الإدغام عند الحسن: التّشديد والتّنوين فقط، فإنّ عنده إدغام تاء المتكلم/والمخاطب نحو: ﴿كُنْتُ تُراباً﴾، و ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ وإذا التقى حرفان متماثلان متحركان بأيّ حركة تحرّكا، سواء تحرك ما قبل الأوّل أو سكن وكان أوّلهما آخر كلمة وثانيهما أوّل أخرى ولا مانع أسكن الأوّل وأدغم في الثّاني، وإن كانا غير مثلين قلب الأوّل كالثّاني ثمّ أدغم وارتفع العضو (٤) عنهما رفعة واحدة من غير وقف على الأوّل ولا فصل بحركة ولا روم، وهذا الإدغام إنّما يكون عند وصل الكلمة بالتّالية فالوقف يفصل عن الإدغام (٥). ثمّ إنّ هذا النّوع من الإدغام الكبير ينقسم كما تقدّم إلى مثلين وغيره:

стр. 529

الفصل الأوّل في المثلين اعلم أنّ الحروف الأصول التّسعة والعشرين تنقسم بالنّسبة إلى هذا الباب أقساما، فقسم منها لا يدغم في شيء، وهو سبعة أحرف وهي: الهمزة والألف والخاء المعجمة والطّاء والظّاء والصّاد المهملة والزّاي: فأمّا الهمزة فلا تدغم ولا يدغم فيها لما ثبت فيها من جواز التّخفيف الذي حصل به سهولتها، وعند التّخفيف يتعذر الإدغام، لأنّها إمّا أن تحذف فلا إدغام، وإمّا أن تسهّل فلا إدغام أيضا، وإذا امتنع إدغامها في [مثلها] (١) امتنع إدغام مقاربها فيها. وأمّا الألف: فلأنّ إدغامها في مثلها متعذّر لوجود الحركة وهي لا تقبلها، وإدغامها في مقاربها وإن كان في الأدخل في الفم، فلما يؤدي إليه من ذهاب مدّها من غير ما يقوم مقامه، ولا يدغم فيها للتّعذر، وباقيها لم يلق مثله ولا مجانسه ولا مقاربه. وما بقي من الأحرف وهو اثنان وعشرون حرفا فينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: ما لا يدغم إلاّ في مثله وهو ستّة أحرف: الهاء والعين والغين والياء والفاء والواو. الثّاني: ما لا يدغم إلاّ في مجانسه أو مقاربه لأنّه لم يلق مثله وهو خمسة أحرف: الجيم والشّين والضّاد المعجمتان والدّال والذّال. الثّالث: ما يدغم في مثله ومقاربه ومجانسه وهو أحد عشر حرفا، فيعمّ الفصلين وهو: الحاء والقاف والكاف واللاّم والنّون والرّاء والتّاء والثّاء السّين والباء والميم. فجملة ما للمثلين سبعة عشر، وما للمجانس والمقارب ستّة عشر.

стр. 530

وهذه أمثلة السّبعة عشر التي للمثلين على التّرتيب السّابق: فمثال الهاء: ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا﴾ (١)، ﴿زادَتْهُ هذِهِ﴾ (٢)، وجملة ما في القرآن من ذلك خمسة وتسعون حرفا، وتحذف الصّلة من نحو: ﴿جاوَزَهُ هُوَ﴾، ﴿لِعِبادَتِهِ هَلْ﴾ (٣)، ويدغم للتّلاقي خطّا، لأنّ الصّلة لا استقلال لها، إنّما هي إشباع حركة الهاء تقوية لها فلا يعتدّ بها، وحكاية الدّاني عن ابن مجاهد ترك إدغام هذا الضّرب لأنّه يوجب سقوط الواو التي بين الهائين وحركة الهاء لا عمل عليه، فقد صحّ إدغامه نصّا عن اليزيدي عن أبي عمرو في قوله ﴿إِلهَهُ هَواهُ﴾ (٤) و ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ﴾ (٥)، ولم يأت عنه نصّ بخلافه (٦). ومثال العين: نحو: ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٧)، ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ﴾ (٨)، وجملة ما في القرآن من ذلك ثمانية عشر لا غير. وأمّا الغين: فموضع واحد وهو: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ﴾ (٩) ليس إلاّ، واختلف فيه فروى إظهاره سائر أصحاب ابن مجاهد إلاّ أبو (١٠) الحسن الجوهري عن أبي الطّاهر، وأبي محمد الكاتب وابن أبي مرّة النّقاش لما فيه من الإعلال بالحذف، لأنّ أصله «يبتغي» بالياء فحذفت ياؤه للجزم بأداة الشّرط (١١).

стр. 531

ونصّ على الوجهين صاحب (الشّاطبيّة) ك (التّيسير) (١)، وصحّحهما في (النّشر) (٢). وأمّا الياء ففي ثمانية مواضع وهي: ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في «البقرة»، و «إبراهيم»، و «الرّوم»، و «الشورى» (٣)، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، ﴿وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ﴾، و ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ (٤). وأمّا ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ﴾ (٥) في سورة «الطّلاق» فذكرها الدّاني في الإدغام الكبير (٦)، ونصّ في (الشّاطبيّة) (٧) كأصلها على إظهارها عن أبي عمرو في مذهب من أبدل همزتها ياء ساكنة وهم: المصريون والمغاربة لتوالي الإعلال، لأنّ أصل هذه الكلمة: «اللائي» بإثبات ياء ساكنة بعد الهمزة، كما قرأ ابن عامر والكوفيون والحسن (٨)، فحذفت الياء لتطرفها وانكسار ما قبلها، فصارت كقراءة قالون وقنبل وغيرهما بهمزة محققة (٩)، ثمّ أبدلت الهمزة ياء ساكنة على غير قياس تخفيفا لثقلها، فحصل في الكلمة إعلالان، فلم تكن لتعلّ ثالثا بالإدغام، لكن تعقب جعلها من الكبير بأنّ الياء ساكنة وباب الإدغام الكبير مختص بالمتحرك فموضعها الصّغير (١٠). وأجيب: بأنّ وجه دخولها في المتحركات قلبها عن متحرك، لكن صار لها

стр. 532

جهتان: جهة الكبير باعتبار أصلها قبل الإبدال، وجهة الصغير باعتبار السّكون: فعلى الأوّل: إن قيل: هلاّ أدغمت لأبي عمرو واليزيدي في الكبير (١) المتحرك؟، يجاب: بأنّ ذات الياء عارضة، لا ما انقلبت عنه كما توهّم وأصلها الهمز فراعاه. وعلى الثّاني: إن قيل: هلاّ أدغمها أبو عمرو والبزي واليزيدي في محل الوفاق باعتبار اللفظ لأنّهما مثلان سكن أوّلهما وليس حرف مد ولا منوي الوقف؟، يجاب: بأنّ سكونها عارض فخرجت عن محل الوفاق. فإن قيل: هذا لا يمنع ك ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾ (٢)، يجاب: بأنّ سكون البناء أقوى من الإسكان لمجرّد التّخفيف، أشار إليه الجعبري (٣)، لكن قال ابن الجزري: "قرأت بالإظهار والإدغام على أصحاب أبي حيّان عن قراءتهم بذلك عليه" (٤)، وليس هذان الوجهان عند المحقّقين مختصّين بأبي عمرو، بل يجريان لكلّ من أبدل معه وهما: البزّي واليزيدي، والله أعلم. وأمّا الفاء فنحو: ﴿خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٥)، ﴿وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا﴾ (٦)، وجملة ذلك ثلاثة وعشرون حرفا. وأمّا الواو ففي ثمانية عشر حرفا: فمنه ما قبل الواو ساكن نحو: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾، و ﴿الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾ (٧) خمسة أحرف، ومنه ما قبلها مضموم ثلاثة عشر، بالبقرة ﴿جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ﴾، وفي آل عمران: ﴿إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾، وبالأنعام: ﴿هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾،

стр. 533

﴿إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ﴾، ﴿إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ﴾، وبالأعراف: ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾، وفي يونس: ﴿إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ﴾، وبالنحل: ﴿هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ﴾، وبطه: ﴿إِلاّ هُوَ وَسِعَ﴾، وبالنمل: ﴿هُوَ وَأُوتِينَا﴾، وبالقصص: ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، وبالتغابن: ﴿إِلاّ هُوَ وَعَلَى﴾، وبالمدثر: ﴿إِلاّ هُوَ وَما هِيَ﴾ (١)، وقد اختلف في هذه الثّلاثة عشر، وبالإدغام أخذ أكثر المصريين والمغاربة، وبالإظهار أخذ أكثر البغداديين، واختاره ابن مجاهد واحتج بالدّور الحكمي، قال الجعبري: "وتقريره: أنّه إذا أريد إدغامه (٢) ك ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ وهذا لا يدغم إجماعا من أجل المدّ، ولمّا أمر الشّاطبي بإدغامه في قوله (٣): وواو هو المضموم هاء كهو ومن … فأدغم حكى مذهب الغير القائل بالإظهار ليبيّن فساد تعليله، فقال: ............ … ... ومن يظهر فبالمدّ علّلا وأورد نقضا عليه فقال (٤): ويأتي يوم أدغموه ونحوه … ولا فرق ينجي من على المدّ عوّلا ف ﴿خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ نظير: ﴿الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾ (٥)، و ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ﴾ نظير: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ (٦)، و ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ نظير: ﴿هُوَ وَمَنْ﴾ (٧)، فمن الأوّل الحرفين فلا إشكال

стр. 534

عليه، ومن أظهر نحو ﴿إِلاّ هُوَ وَما﴾ (١) محتجّا بالمدّ وأدغم نحو: ﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ (٢) ناقض أصله، إذ المانع في زعمه هناك موجود هنا وهو صيرورة الياء حرف مدّ عند الإسكان، فيشبه: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ (٣)، وما اعتدّ به هنا فيلزمه أن يعتدّ به هناك، ولا فرق بين الواو والياء في المدّ يخلّصه من الإلزام" (٤)، انتهى. قال في (جامع البيان): "وبالوجهين قرأت ذلك، وأختار الإدغام لاطّراده/، ويجريه على قياس نظائره" (٥) والله أعلم. وأمّا قول الإمام أبي عبد الله الموصلي المعروف بشعلة في (شرحه على الشّاطبيّة): "أمّا إذا لم تكن الهاء من «هو» مضمومة وهو في ثلاثة: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ و ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾، و ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ (٦) فإن الهاء ساكنة عند أبي عمرو فلا إدغام عند الجمهور لأنّ الهاء خففت بالسكون فلا يحتاج إلى تخفيف الإدغام" (٧)، فمعارض بقول الدّاني في (جامع البيان) (٨) كما نقله عنه في (النّشر): "فإن سكن ما قبل الواو سواء كان هاء أو غيرها فلا خلاف في إدغام الواو في مثلها، وذلك نحو: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾، و ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾ " (٩)، قال ابن الجزري: "وإنّما نبه على ما قبل الواو فيه ساكن، وسوّى فيه بين الهاء وغيرها من أجل ما رواه بعضهم من الإظهار في: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ في الأنعام، ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ في النحل، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ في الشّورى فلم يعتدّ بهذا الخلاف لضعف حجته، وانفراد روايته عن الجادة، فإنّ الذي ذكر في:

стр. 535

«هو المضموم الهاء»، مفقود هنا، وإن قيل بتوالي الإعلال فيلزم مثله في نحو: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ﴾، وقد أجمعوا على جواز إدغامه فلا فرق" (١)، ثمّ قال: "والصّحيح أن لا فرق بين ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ وبين ﴿الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾، وبين ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ﴾ إذ لا يصح نصّ عن أبي عمرو وأصحابه بخلافه، وما روي عن ابن جبير (٢) وابن سعدان عن اليزيدي من خلاف ذلك لا يصحّ " (٣)، والله أعلم. وأمّا الحاء ففي موضعين: ﴿النِّكاحِ حَتّى﴾ في البقرة، و ﴿لا أَبْرَحُ حَتّى﴾ في الكهف (٤). وأمّا القاف فخمسة مواضع: ﴿الرِّزْقِ قُلْ﴾، ﴿أَفاقَ قالَ﴾، ﴿يُنْفِقُ قُرُباتٍ﴾، ﴿الْغَرَقُ قالَ﴾، ﴿طَرائِقَ قِدَداً﴾ (٥). وأمّا الكاف فستّة وثلاثون حرفا (٦) نحو: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ﴾ (٧)، واختلف في: ﴿يَكُ كاذِباً﴾ (٨) لاعتلاله بالحذف فإنّ أصله «يكون»، سكنت نونه للجزم بحرف الشّرط، ثمّ حذفت [واوه لالتقاء السّاكنين] (٩)، ثمّ حذفت نونه للتّخفيف إذ لم يلها ساكن لكثرة دوره (١٠). واتّفق الجمهور على إظهار ﴿يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ بلقمان (١١)، لأنّ النّون التي قبل

стр. 536

الكاف أخفيت فانتقل مخرجها إلى الخيشوم فصعب التّشديد بعدها فامتنع الإدغام، ولو أدغمت لحصل إعلالان (١). وأمّا اللاّم: فمائتان وعشرون حرفا (٢) نحو: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ (٣)، ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤)، واختلف منها في كلمتين: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ (٥) لإعلاله بالحذف إذ أصله «يخلو» بواو فحذفت للجزم لأنّه جواب الأمر، ومذهب ابن مجاهد الإظهار لضعف الكلمة بالحذف أو لخفّتها لأنّ المحذوف كالموجود فهو فاصل بين اللاّمين، ومذهب الدّاجوني الإدغام لتلاقي المثلين لفظا، وقال الدّاني في (التّيسير): "قرأته بالوجهين" (٦). الكلمة الثّانية: ﴿آلَ لُوطٍ﴾، وهي في أربعة مواضع: اثنان في الحجر، والثالث في النمل، والرابع في القمر (٧)، فقال بإدغامه عن الدّوري جماعة منهم ابن سوار عن النّهرواني، ومنهم ابن شيطا عن الحمّامي، وابن العلاّف، ثلاثتهم عن ابن فرح عن الدّوري، وقال به ابن حبش عن السّوسي، وبه قرأ الدّاني، وقال جماعة من نقلة الإدغام بإظهاره، واختاره ابن مجاهد ورواه عن عصمة ومعاذ عن أبي عمرو نصّا،

стр. 537

وكذا قال بإظهاره جماعة من البغداديين في آخرين، محتجّين بقلّة حروفه، وروى ابن مجاهد عن عصمة بن عروة الفقيمي عن أبي عمرو أنّه قال: لا أدغمها لقلّة حروفها، لكن نقض هذه العلّة حذّاق القرّاء ونقّاد الإقراء بإدغام ﴿لَكَ كَيْداً﴾ (١) المجمع عليه لأنّه على حرفين باعتبار الاتّصال، وعلى حرف باعتبار الانفصال وهو مدغم، فلو كانت قلّة الحروف مانعة للإدغام لامتنع هذا بطريق الأولى لأنّ ءال على وزن «قال» لفظا وإن كان رسمها بحرفين اختصارا، لكن لو احتجّ القائل /بالإظهار، بتكرار إعلال عينه لرجح على مانعه لسلامته عن المعارضة، وتقريره أنّ مذهب سيبويه في البصريين أنّ أصل ءال «أهل» فقلبت الهاء همزة توصلا إلى الألف، ثمّ قلبت الهمزة ألفا وجوبا لاجتماع الهمزتين، ومذهب الكسائي في الكوفيين أنّ أصله «أوّل»، تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار ذلك كسائر المعتل الذي يؤثر الإظهار فيه للتّغير الذي لحقه لا لقلّة حروف الكلمة (٢). وقد حمل شيخ مشايخنا الشّمس ابن الجزري ما رواه الفقيمي عن أبي عمرو من قوله: "لقلة حروفها" على قلّة دورها في القرآن، فإنّ قلّة الدّور وكثرته معتبر، قال: "على أن أبا عمرو من البصريين، ولعلّه أيضا راعى كثرة الإعلال وقلّة الحروف مع اتّباع الرّواية" (٣)، والله أعلم. تنبيه قال الجعبري: "ولم يرو الناظم يعني الشّاطبي سوى الإدغام، علم هذا من أصل المثلين كما قال في (التّيسير):" وبه قرأت "، والإظهار حكاية مذهب الغير، فتقدير قوله:" وإظهار قوم " (٤) أي: من غير شيوخنا قال:" وهذا التقدير منع رمزية القاف مع

стр. 538

تقديم الصّريح، ودلّ على التقدير قوله: "إذا صح" (١) أي إظهاره كما في (التّيسير) لأنّه لو رواه لما علّقه. وفائدة ذكره بيان علّة الإظهار الصّحيحة من الفاسدة، مع رفع توهّم الإخلال، ويسمى الاستدلال لمذهب المخالف في الاصطلاح تبرعا " (٢)، انتهى. وأمّا النّون: فسبعون نحو: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ (٣). وأمّا الرّاء: فخمسة وثلاثون حرفا نحو: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾، ﴿الْأَبْرارِ * رَبَّنا﴾، ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ (٤). وأمّا التّاء: فأربعة عشر حرفا نحو: ﴿الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما﴾ ونحو: ﴿الشَّوْكَةِ تَكُونُ﴾ (٥). وأمّا الثّاء: فثلاثة: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في البقرة والنساء، و ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (٦) في المائدة. وأمّا السّين: فثلاثة مواضع: ﴿النّاسَ سُكارى﴾، ﴿لِلنّاسِ سَواءً﴾، كلاهما في الحج، ﴿الشَّمْسَ سِراجاً﴾ (٧) في نوح (٨). وأمّا الباء: فعند من لم يبسمل بين السّورتين أو بسمل ولم يصل آخر السّورة بالبسملة سبعة وخمسون حرفا، وعند من بسمل، ووصل تسعة وخمسون حرفا

стр. 539

لزيادة آخر الرعد وإبراهيم نحو: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾، ﴿الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ (١). وأمّا الميم: ففي مائة وتسعة وثلاثين حرفا نحو: ﴿الرَّحِيمِ * مالِكِ﴾، ﴿آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢). فهذا ما يدغم من المثلين في كلمتين (٣). وأمّا ما كان في كلمة نحو: ﴿جِباهُهُمْ﴾، و ﴿وُجُوهُهُمْ﴾، و ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) فلا يدغم إلاّ في قوله - تعالى -: ﴿مَناسِكَكُمْ﴾ في البقرة، و ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ في المدثر (٥) خلافا للمطّوّعي عن الأعمش كما سيأتي قريبا إن شاء الله - تعالى -، على إنّ تسمية كلّ من ﴿مَناسِكَكُمْ﴾، و ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ كلمة فيه تجوّز، فالأولى كلمتان والثّانية ثلاثة (٦)، لأنّ ﴿مَناسِكَكُمْ﴾ مضاف ومضاف إليه، و ﴿سَلَكَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول (٧)، لكن هذا جار على اصطلاح القرّاء باعتبار الاتّصال في الكتابة (٨). فجملة المدغم لأبي عمرو من المثلين من كلمة ومن كلمتين على مذهب ابن مجاهد: سبع مائة بالموحدة بعد السّين، وتسعة بتقديم المثناة على السّين، وأربعون حرفا (٩).

стр. 540

وقرأ يعقوب بإدغام الباء في الباء في موضع واحد وهو: ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ في النساء (١). وقرأ رويس عنه بإدغام أربعة أحرف كأبي عمرو، ثلاثة في طه: ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ﴾، والرابع: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ في المؤمنين (٢). واختلف الجمهور عنه في إدغام اثني عشر حرفا وهي: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ في البقرة (٣)، و ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ جميع ما في النحل وهو ثمّانية (٤)، و ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ في النمل (٥) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى﴾، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ كلاهما بالنجم (٦) فأدغمها النّخاس من جميع طرقه، وكذلك الجوهري كلاهما عن التّمار، وأظهرها/أبو الطيب وابن مقسم كلاهما عن التّمار عنه (٧). واختلف عنه أيضا في أربعة عشر حرفا، ثلاثة في البقرة: ﴿الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾، ﴿الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ بعده، وفي الأعراف: ﴿مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾، وفي الكهف: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾، وفي مريم ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾، وفي طه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾، وفي النمل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾، وبالزمر: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ﴾، وفي الرّوم ﴿كَذلِكَ كانُوا﴾، وفي الشورى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وفي النجم: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾، الأوّلان من النجم، وفي الانفطار: ﴿رَكَّبَكَ * كَلاّ﴾ (٨).

стр. 541

وروى عنه (١) ابن الفحّام والأهوازي: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ (٢) كلّ ما في القرآن، وروى عنه الحمّامي التّخيير فيها، وروى عبد الباري إدغام ﴿آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾، ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ بالأنعام (٣)، وروى عنه القاضي أبو العلاء من (الإرشاد): ﴿جاوَزَهُ هُوَ﴾، و ﴿تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ بالحج (٤)، ﴿وَطُبِعَ عَلى﴾ (٥) في جميع القرآن، وروى الأهوازي عنه إدغام «الباء» في «الباء» في جميع القرآن إلاّ قوله: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ في الأنعام (٦). وروى ابن العلاّف إدغام ﴿عاقَبَ بِمِثْلِ﴾ (٧) من (المستنير) (٨). وروى الشّهرزوري في (المصباح) عن يعقوب إدغام جميع المثلين والمتقاربين كأبي عمرو ووافقه غيره على ذلك (٩). ووافق اليزيدي أبا عمرو على إدغام جميع المثلين اتفاقا واختلافا (١٠). والحسن على إدغام ما كان من المثلين في كلمتين فقط وزاد تاء المتكلم والمخاطب ك ﴿كُنْتُ تُراباً﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ (١١).

стр. 542

وابن محيصن على ما ضمّ أوّله من المثلين في كلمتين نحو: ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (١)، ويشير إلى ضمّ الحرف (٢)، وزاد من (المفردة) على (المبهج) إدغام باقي المثلين المفتوح الأوّل منهما والمكسور، إلاّ أنّه أظهر ما اختلف فيه عن أبي عمرو، ك ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ و ﴿يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ (٣). ووافق الشّنبوذي عن الأعمش على إدغام «الباء» في «الباء» نحو: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾، والمطوعي عنه على إدغام جميع المثلين في كلمتين، وزاد مثلي كلمة في جميع القرآن نحو: ﴿جِباهُهُمْ﴾، لتلاقى المثلين، وقيل: أوّلهما حرف مدّ، فهو كإدغام: "هذه دار راشد"، بجامع تلاقي المثلين، وسبق أوّلهما بحرف المدّ، ونحو: ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤)، وهو من الإدغام العسير لسكون ما قبله، والنّحاة يمنعونه للسّاكنين على غير حدّهما، واستثنى من إدغام «التّاء» نحو: ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا﴾ (٥)، والقراءة سنّة متّبعة، ووافقه ابن محيصن على إدغام ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بالطور (٦)، وعنه الإظهار من (المبهج) (٧) والله الموفق. *****

стр. 543

الفصل الثّاني من الإدغام الكبير في إدغام المتقاربين والمتجانسين وهو كالمثلين من كلمة ومن كلمتين، فإذا اجتمع حرفان متحرّكان متقاربان في المخرج في كلمة اصطلاحية لم يدغم إلاّ «القاف» في «الكاف» لتقارب المخرجين وتجانسهما شدة وانفتاحا على ما تقرّر في باب مخارج الحروف وصفاتها، لكن بشرطين: إذا تحرّك ما قبل «القاف» وكان بعد «الكاف» ميم جمع لتحقّق الثّقل بكثرة الحروف والحركات وذلك: نحو: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ (١)، و ﴿رَزَقَكُمُ﴾ (٢)، ﴿واثَقَكُمْ﴾ (٣)، و ﴿صَدَقَكُمُ﴾ (٤)، و ﴿سَبَقَكُمْ﴾ (٥) ولا ماضي غيرهن (٦). ونحو: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ (٧) و ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ (٨)، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ (٩) ولا مضارع غيرهنّ. وجملة ما تكرّر من ذلك في القرآن سبعة وثلاثون حرفا. وقد يخرج بقيد المتحرك ما قبله ساكن نحو: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ (١٠)، و ﴿ما﴾

стр. 544

﴿خَلْقُكُمْ﴾ (١)، وبقيد الميم بعد الكاف ما لم يأت بعده شيء نحو: ﴿خَلَقَكَ﴾، و ﴿نَرْزُقُكَ﴾ (٢) وما بعده حرف الميم، لكن الأوّلين لا خلاف في إظهارهما عن أبي عمرو. وأمّا ما بعده حرف غير الميم فاختلف منه فيما كان بعد «الكاف» «نون» جمع وهو: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ في سورة التّحريم (٣) فقط فرواه ابن فرح عن الدّوري، وابن أبي عمر/النّقاش، والجلاء وأبو طاهر ابن عمر من غير طريق الجوهري وابن شيطا (٤) ثلاثتهم عن ابن مجاهد بالإدغام، وهي رواية ابن بشار عن الدّوري والكارزيني عن أصحابه عن السّوسي، والخزاعي عن ابن حبش عن السّوسي لأنّه قد اجتمع في الكلمة ثقلان، ثقل الجمع والتّأنيث، فوجب التّخفيف بالإدغام، والذي عليه عامة أصحاب ابن مجاهد عنه عن أبي الزّعراء عن الدّوري الإظهار، وهو رواية عامة العراقيين عن السّوسي، واحتجّ له ابن مجاهد بقول اليزيدي: يلزم أبا عمرو إدغام ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾، فإنّه يفهم منه أنّه لو كان يقرأ بالإدغام لم يلزمه به. وأجيب: بأنّه يدل على أنّه كان يدغمه لأنّه لازم له، وعورض: بأنّ النّقل لا يؤخذ بالاستدلال وقد ثبت عن أبي عمرو من رواية اليزيدي الوجهان قاله الجعبري، واختار الدّاني الإدغام (٥)، وقال: إنّه قرأ (٦) به، قال: "وهو رواية العباس بن الفضل عن أبي عمرو نصّا"، وقال ابن الجزري: "وعلى إطلاق الوجهين فيها من علمناه من القرّاء بالأمصار" (٧).

стр. 545

ووجه الجعبري الإظهار كغيره بكراهة اجتماع ثلاث تشديدات في كلمة (١)، يعني: لو أدغم. فهذا ما أدغم من هذا الفصل ممّا اجتمع في كلمة واحدة. فإن اجتمع المتقاربان أو المتجانسان وكان أوّلهما آخر كلمة وثانيهما أوّل الأخرى ولا مانع من الموانع المتقدّمة قريبا فيدغم الأوّل منهما في الثّاني إذا كان الأوّل أحد الحروف السّتّة عشر: الخمسة المختصّة بهذا الفصل، والأحد عشر المشتركة المنبّه عليها في فصل المثلين وهي: الحاء المهملة، والجيم، والسّين، والشين، والضّاد المعجمة، والدّال، والذّال، والقاف، والكاف، واللاّم، والنّون، والرّاء، والتّاء، والثّاء، والباء، والميم: فأمّا «الحاء» المهملة: فتدغم في «العين» المهملة في حرف واحد وهو: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ (٢)، بالنّص كما رواه أبو عبد الرحمن عن أبيه اليزيدي، ورواه شجاع وعبّاس وأبو زيد عن أبي عمرو نفسه، وعليه جميع طرق ابن فرح عن الدّوري، وابن جرير من جميع طرقه عن السّوسي، فتخصيص هذا الموضع يدل على أنّ إدغام «الحاء» في «العين» ليس بقياس، بل مقصور على السّماع وضعف الاعتماد على مطلق ما روي أنّ اليزيدي قال: من العرب من يدغم «الحاء» في «العين» نحو: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ (٣)، وكان أبو عمرو لا يرى ذلك، إذ معناه - كما تقدّم - أنّه لا يرى ذلك قياسا، بل يقصره على السّماع، وقد روي إظهاره عن أبي الزّعراء من جميع طرقه عن الدّوري جمهور العراقيين، وكذلك رووه من جميع طرق السّوسي عنه، قال في (النّشر): "والوجهان صحيحان" (٤).

стр. 546

وقد وجّهوا تخصيص إدغام ﴿زُحْزِحَ عَنِ﴾ بكثرة الحروف وتكرار المثلين، ووجّهوا إدغام «الحاء» في «العين» باشتراكهما مخرجا وانفتاحا واستفالا وزادت «العين» بالجهر وبعض الشدّة فحسن الإدغام، لكن عورض بأنّ سيبويه منع إدغام «الحاء» في «العين» لأنّ «الحاء» (١) أدخل في الفم، قال أبو علي: "لا يقلب الأخرج إلى الفم إلى الأدخل إلى الحلق لأنّ الأدخل أثقل، فلو أدغموا الأخرج لقلبوا الأخفّ إلى الأثقل وفي العكس"، قال بعضهم: الصّحيح أنّ إدغام «الحاء» في «العين» لم يثبت، وإن جاء من ذلك ما يوهم أنّه إدغام فإنّما يحمل على الإخفاء، وهذا ليس بشيء، لأنّه قد صحّ الإدغام في ذلك بالنّقل الثّابت الصّحيح كما قدّمناه، ويقوّيه اشتراكهما في المخرج، فالقاعدة المذكورة جارية على الأكثر والأغلب، والقراءة سنّة متبعة (٢). وأمّا «الجيم»: ففي حرفين: في الشّين: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (٣) بالفتح/لاشتراكهما مخرجا وتجانسهما انفتاحا واستفالا، وكافأ جهر «الجيم» وشدّتها لتفشّي «الشين». وفي التّاء في: ﴿ذِي الْمَعارِجِ * تَعْرُجُ﴾ (٤) بسأل، واستضعفها بعضهم بأنّ مخرج الجيم بعيد من مخرج التّاء (٥).

стр. 547

وأجيب: بأنّها قريبة من «الشين»، لأنّ التّفشي الذي في «الشين» بقربها من مخرج «التّاء»، و «الجيم» تدغم في «الشين» لما بينهما من التّقارب في المخرج والصّفة كما في: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، فحمل الإدغام في «التّاء» على الإدغام في «الشين» لما بين «الشين» و «التّاء» من التّقارب. وأجيب أيضا: بأنّ الإدغام يكون أيضا لمجرد الصّفات، وإن لم يتقاربا في المخرج، و «الجيم» تشارك «التّاء» في الشّدّة والانفتاح والاستفال. واختلف في: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ فأظهره ابن حبش عن السّوسي، والكاتب عن ابن مجاهد عن أبي الزّعراء عن الدّوري، وبالإدغام قرأ الدّاني وأصحابه ولم يذكروا غيره، ولم يذكر سيبويه إلاّ إدغام «الجيم» في «الشين» خاصة، فمن النّاس من حمل قراءة أبي عمرو على الإخفاء، والذي ينبغي أن تحمل عليه هو الإدغام، وهكذا تأدّت إلينا التّلاوة عنه، ومن حفظ حجّة على من لم يحفظ، وصحّح في (النّشر) الإدغام والإظهار في: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، وقد وافق ابن محيصن على إدغامه كاليزيدي (١). وأمّا «السّين»: فتدغم في: الزّاي في موضع واحد: وهو: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٢) لا غير، لاشتراكهما في المخرج وتجانسهما في الصّفير والانفتاح والاستفال. وفي الشّين في قوله: ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (٣)، لاتّصال التّفشّي بها وتجانسهما في الهمس والرّخاوة والتّسفل والانفتاح، وأظهرها ابن حبش عن أصحابه في روايتي الدّوري والسّوسي وابن شيطا عن أصحابه عن ابن مجاهد في رواية الدّوري والقاضي أبي العلاء عن أصحابه، والقاسم بن بشّار عنه، وأبي الليث عن شجاع

стр. 548

لتباعد المخرجين والاكتفاء بتخفيف البدل وهو الذي عليه أئمة البصرة، [وأدغمها الجمهور] (١)، والوجهان في (الشّاطبيّة) وغيرها، ولا خلاف في إظهار: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ (٢) لخفّة الفتحة بالسّكون السّابق وهو الألف (٣). وأمّا «الشّين»: فتدغم في «السّين» في موضع واحد: في سبحان: ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (٤) لا غير لتجانسهما في الهمس والرّخاوة والانفتاح والتّسفل، وكافأ الصّفير التّفشّي وانتشاره قربها من حروف متباعدة، واختلف فيه: فروى إدغامه منصوصا عبد الله بن اليزيدي عن أبيه، وهو رواية ابن شيطا من جميع طرقه عن الدّوري والثّغري (٥) عن السّوسي والدّوري، وبه قرأ الدّاني من طرق اليزيدي وشجاع، وروى إظهاره سائر أصحاب الإدغام، واختاره ابن سوار ومن وافقه لزيادة «الشين» بالتّفشّي، لكن تقدّم أنّ الصّفير كافأه، والله أعلم. قال ابن الجزري: "والوجهان صحيحان قرأت بهما وبهما آخذ" (٦). وأمّا «الضّاد» المعجمة: ففي موضع واحد: في «الشين»: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ في النّور (٧) فقط فأدغمه منصوصا السّوسي عن اليزيدي لتقاربهما وتجانسهما في الرّخاوة، وكافأ انتشار التّفشّي استطالة «الضّاد»، والصّوت مظهر، وكذا روى الإدغام أداء ابن شيطا، عن ابن أبي عمر عن ابن مجاهد عن أبي الزّعراء عن الدّوري وابن سوار من جميع طرق ابن فرح سوى الحمّامي (٨)،

стр. 549

[وبالإظهار رواه سائر رواة الإدغام وابن سوار من جميع طرق ابن فرح سوى الحمامي] (١)، ورواه شجاع عن غيره عن أبي عمرو وضعف للزومه ذهاب الاستطالة من غير تعويض عنها، وأيضا من حيث أنّ ما قبلها ساكن وإدغام مثل ذلك وإن لم يكن ضادا ممتنع عند النّحاة لما يؤدى إليه من اجتماع السّاكنين على حدّهما فصار ضعيفا عندهم من وجهين، وأجيب عن/الإدغام مع الإسكان بأنّه أخفى وأطلق عليه: الإدغام مسامحة، والإخفاء مع الإسكان جائز اتفاقا. وأجيب: بأنّ الذي عليه رواة الإدغام إدغامه بقلب «الضّاد» «شينا» وتشديدها، وليس مع الإخفاء قلب ولا تشديد فضعف الجواب، وأيضا فقد ثبتت هذه القراءة متواترة وهو إثبات مفيد للعلم، وما ذكره النّحاة ففي مستنده الظّن، فالإثبات العلمي أولى من النّفي الظّنّي، وغاية ما يجيبون عنه القدح في المتواتر، ولئن سلّمنا أنّها غير متواترة فأقلّ الأمر أن يثبت لغة، بدلالة نقل العدول لها، فيبقى التّرجيح فيها بالإثبات، ومذهب الخصم نفي والإثبات أولى، وبالإظهار رواه سائر رواة الإدغام، وكان ابن مجاهد فيما رواه عنه الدّاني بلاغا لا يمكّن من إدغامها إلاّ حاذقا، ولا خلاف في إظهار: ﴿وَالْأَرْضِ شَيْئاً﴾ (٢)، والقراءة سنّة متّبعة، لا مجال للقياس فيها (٣). وأمّا «الدّال»: فتدغم في عشرة أحرف وهي: «التّاء»، و «الثّاء»، و «الجيم»، و «الذّال»، و «الزّاي»، و «السّين»، و «الشّين»، و «الصّاد»، و «الضّاد»، و «الظّاء» المعجمة إذا تحرّك ما قبل «الدّال» وتحركت هي بأيّ حركة تحرّكت، إلاّ إذا فتحت وقبلها ساكن فإنّها لا تدغم إلاّ في «التّاء» لزيادة الثّقل باتحاد المخرج وذلك في موضعين بالتّوبة والنّحل وسيعيّنان قريبا إن شاء الله - تعالى -.

стр. 550

فأمّا إدغامها في: التّاء: ففي خمسة مواضع: ﴿الْمَساجِدِ تِلْكَ﴾، ﴿الصَّيْدِ تَنالُهُ﴾، ﴿كادَ يَزِيغُ﴾، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾، ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ (١) ليس غيرها. ووجه الإدغام التّشارك في المخرج والتّجانس في الشّدّة والانفتاح والتّسفل، واغتفر الجهر للاتحاد (٢). وفي الثّاء: في موضعين: ﴿يُرِيدُ ثَوابَ﴾، ﴿لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ﴾ (٣) للتّقارب والتّجانس. وفي الجيم: موضعان: ﴿داوُدُ جالُوتَ﴾، ﴿دارُ الْخُلْدِ جَزاءً﴾ (٤)، للتّجانس في الجهر والشّدة والانفتاح والاستفال والقلقلة (٥). وقد اختلف في الأخير فروي إظهاره عن الدّوري من طريق ابن مجاهد، وعن السّوسي من طريق الخزاعي، لاجتماع السّاكنين، وقال الحافظ أبو العلاء: "رواه القاضي عن رجاله عن ابن مجاهد بالوجهين" (٦)، وقال ابن أبي هاشم: "إن أظهرت فهو أحبّ إليّ، لأنّ السّاكن قبل الدّال ليس حرف مدّ"، وقال ابن مهران: "إنّ الإدغام فيه قبيح من وجوه"، وقال ابن غلبون: "وكان ابن مجاهد يكره إدغامه"، قال: "وعلى الإدغام العمل" (٧)، وفي (التّجريد) الوجهان (٨)، فقال في (المبهج): "واختلف عنه في ﴿الْخُلْدِ جَزاءً﴾، قال الكارزيني: وقرأت لشجاع وأبي شعيب بالإظهار، وقرأت عن

стр. 551

الدّوري بالإظهار " (١)، [ولم يذكر الإظهار في (الشاطبية) ك (التيسير) وقوله فيه: كابن مجاهد لا يرى إدغامه، قال الجعبري: وهو حكاية مذهب الغير فيندغم] (٢). وتدغم في الذّال في ستة عشر موضعا نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ و ﴿وَالْقَلائِدَ ذلِكَ﴾ (٣). وفي الزّاى في موضعين: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ﴾، و ﴿يَكادُ زَيْتُها﴾ (٤). وفي السّين في أربعة مواضع: ﴿الْأَصْفادِ * سَرابِيلُهُمْ﴾، ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾، ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾، ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ (٥). وفي الشّين: في موضعين: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾ موضعي يوسف والأحقاف (٦). وفي الصّاد: في أربعة مواضع: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ﴾، ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، و ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ﴾، و ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (٧). وفي الضّاد: في ثلاثة مواضع: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ في يونس وحم السجدة، و ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ في الروم (٨). وفي الظاء: في ثلاثة مواضع أيضا: ﴿يُرِيدُ ظُلْماً﴾ في آل عمران وغافر (٩)، و ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ في المائدة (١٠).

стр. 552

وأمّا مثالها مع فتحها وما قبلها ساكن المنصوص على إظهاره فنحو: ﴿داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾، ﴿لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾، ﴿بَعْدِ ضَرّاءَ﴾، ﴿بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾، ﴿داوُدَ زَبُوراً﴾، ﴿أَرادَ شُكُوراً﴾، ءال ﴿داوُدَ شُكْراً﴾، ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ (١)، استغناء بخفّتهما [يعنى الفتحة والسكون] (٢). ووجه إدغام «الدّال» في «التّاء» تشاركهما في المخرج/وتجانسهما في الشّدّة والانفتاح والتّسفل، واغتفر الجهر للاتحاد (٣)، وفي البواقي التّقارب في بعضها والتّجانس في الآخر، والتّفصيل لا يخفى وكذا التّكافئ. وأمّا «الذّال»: فتدغم في: السّين في قوله: ﴿وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ في موضعي الكهف (٤). وفي الصّاد موضع واحد: ﴿مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً﴾ (٥). وأمّا «القاف»: فتدغم في «الكاف» إذا تحرك ما قبلها في أحد عشر حرفا نحو: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾، ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦)، فإن سكن ما قبلها نحو: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ (٧) امتنع الإدغام (٨).

стр. 553

وأمّا «الكاف»: فتدغم في «القاف» إذا تحرّك ما قبلها في اثنين وثلاثين حرفا نحو: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ﴾، و ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ (١) للتّقارب والتّجانس شدّة وانفتاحا. وقيل الإظهار في «الكاف» عند «القاف» أحسن من الإدغام، لقرب الكاف، والقاف من حروف الحلق، وحروف الحلق لا يجوز إدغام الأخرج منهما في الأدخل، فلذلك ضعف إدغام «الكاف» التي هي الأخرج في «القاف» التي هي الأدخل، وقال بعضهم: إدغام «القاف» في «الكاف» أحسن من إدغام الكاف فيها، ولا يجوز إدغام كلّ واحد من «القاف» و «الكاف» في غيرهما ولا غيرهما فيهما، وقد أجمع رواة الإدغام عن أبي عمرو على إدغام «القاف» في «الكاف» إدغاما كاملا تذهب معه صفة الاستعلاء ولفظها ليس بينهم خلاف في ذلك، وإنّما خالف من خالف في ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ (٢) ممن لم يرو إدغام أبي عمرو (٣). فإن كان ما قبل القاف ساكن نحو: ﴿إِلَيْكَ قالَ﴾، ﴿يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، ﴿وَتَرَكُوكَ قائِماً﴾ (٤)، امتنع الإدغام أيضا. ووافق ابن محيصن على إدغام كلّ منهما في الآخر كاليزيدي (٥). وأمّا «اللاّم»: فتدغم إذا تحرك ما قبلها في الرّاء بأيّ حركة تحرّكت في أربعة وثمانين حرفا نحو: ﴿رُسُلُ رَبِّكَ﴾، ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ (٦).

стр. 554

فإن سكن ما قبلها أدغمها سواء كانت مضمومة أو مكسورة نحو: ﴿يَقُولُ رَبَّنا﴾، ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ (١). فإن انفتحت بعد السّاكن نحو: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) امتنع الإدغام، لخفّة الفتحة، إلاّ «لام»: ﴿قالَ﴾ نحو: ﴿قالَ رَبُّكُمْ﴾، ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ (٣)، فإنّها تدغم حيث وقعت لكثرة دورها، قال اليزيدي:" أدغم "، قال: لأنّ الألف تكفي من النّصب، قال الجعبري:" يشير بهذا إلى قاعدة وهي: إنّ حركة ما قبل المدغم تدلّ عليه، ففتحة ﴿قالَ﴾ الأصلية دلّت على حركة المدغم فخرج من هذا ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ (٤) للمغايرة " (٥). وأمّا «النّون»: فتدغم إذا تحرّك ما قبلها في الرّاء واللاّم إدغاما خالصا كاملا من غير غنة، أجمع على ذلك من روى الغنّة عنه في النّون السّاكنة والتّنوين من الإدغام الصّغير ومن لم يروها: فأمّا في الرّاء: ففي خمسة أحرف: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾، ﴿خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، ﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾، ﴿خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ (٦)، فإن سكن ما قبلها نحو ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٧)، امتنع الإدغام. وأمّا في اللاّم: ففي ثلاثة وستين حرفا نحو: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ﴾ (٨)

стр. 555

للتّقارب والتّشارك (١)، فإن سكن ما قبلها نحو: ﴿الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ﴾ (٢) فالإظهار ليس إلاّ عملا بالأصل، أو للجمع بين السّاكنين على غير أحدهما في البعض إلاّ في كلمة «نحن» حيث وقعت، وجملة الواقع منه عشرة مواضع: في البقرة أربعة، وواحد في آل عمران، وآخر في الأعراف، والسابع في يونس، [والثلاثة] (٣) في هود، والمؤمنون، والعنكبوت (٤) فتدغم النّون في اللاّم كما نصّ عليه أصحاب اليزيدي عنه، إلاّ ابن جبير لثقل الضّمّة مع لزومها أو تكرار النّون وكثرة دورها (٥). وأمّا «الرّاء»: فتدغم إذا تحرّكت بأيّ حركة تحرّكت هي، وكذا إن سكن ما قبلها وتحرّكت هي بالضّم أو الكسر في اللاّم في أربعة وثمانين حرفا، فمثال الأوّل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾، ﴿أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٦)، ومثال الثّاني: ﴿الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللهُ﴾، ﴿وَالنَّهارِ لَآياتٍ﴾ (٧) لتقارب مخرجهما على رأى سيبويه، وتشاركهما ما على رأي الفرّاء، وتجانسهما في الجهر/والانفتاح والاستفال والانحراف وبعض الشّدّة (٨). ولا خلاف في إظهارها إذا فتحت [وقبلها] (٩) ساكن نحو: ﴿وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ و ﴿الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا﴾ و ﴿الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ﴾ و ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي﴾ (١٠)

стр. 556

إلاّ ما جاء عن شجاع ومدين من إدغام [الثّلاثة الأوّل] (١). وقد ذهب الخليل وسيبويه وأصحابه إلى أنّه لا يجوز إدغام الرّاء في اللاّم من أجل التّكرير في الرّاء الذي صيّرها أقوى من اللاّم، والقويّ لا يدغم في الضّعيف، وعورض بإدغام ﴿أَحَطْتُ﴾ (٢) إجماعا إذ الطّاء أقوى، ولئن سلّمنا أنّ القوي لا يدغم في الضّعيف فلا نسلّم أنّ التّكرير يقوّيها لأنّه أمر عدمي لأنّه عارض فيها لا متأصّل، ويدلّ له أنّ الرّاء - كما تقدّم في باب المخارج - تخرج من ظهر اللسان وما يليه من الحنك الأعلى، فينبغي للاّفظ - كما قالوا - أن يحكم إلصاقها وإلاّ ارتعد رأس اللسان فحصل بكل مرّة راء فيتعدد، وهو لحن لا يجوز لما يترتب عليه من الزّيادة في القرآن، فمعنى قولهم:" حرف مكرر "، أي له قبول التّكرّر ولو سلّم، فتكرار الحرف لا يكسب ذاته قوة (٣). وقد أجاز الكسائي والفراء الإدغام وحكياه سماعا، ووافقهما على سماعه رواية أبي عمرو ويعقوب الحضرمي، وكذا أجازه وسمعه من العرب أبو جعفر الرؤاسي (٤) وهو إمام من أئمة اللغة والعربية من الكوفيين. ووجهه أبو حيّان بأنّ الرّاء إذا أدغمت في اللاّم صارت لاما، ولفظ اللاّم أسهل من لفظ الرّاء لعدم التّكرار، وإذا لم تدغم ثقل ذلك لأجل أنّ الرّاء فيها تكرار فكأنّها راء أنّ واللاّم قريبة من الرّاء فتصير كأنّك قد أتيت بثلاثة أحرف من جنس واحد. لكن قال الجعبري: من احتجّ بأن الرّاء قلبت لاما ثمّ أدغمت ممنوع، لأنّ القلب

стр. 557

من تغيير الإدغام، فلا يجوز مع امتناعه (١) وفيه هدم القاعدة، وقد حمل بعضهم ما روي عن القرّاء من الإدغام الذي منعه البصريون على الإخفاء، وعورض بكمال التّشديد في ذلك، والخصم موافق على خلوه من المخفي، وكيف يجوز حمل القرّاء على الغلط وقلّة الضّبط؟، هذا ممّا لا يحل اعتقاده، وليس لسان العرب محصورا فيما نقله البصريون فقط، والقراءات لا تتوقف على ما نقلوه، بل القرّاء من الكوفيين يكادون أن يكونوا أكثر من قراء البصرة، وقد وافق كبير البصريين وهو أبو عمرو بن العلاء كثيرا من الكوفيين على إدغام لم يروه البصريون، فوجب قبوله والرّجوع إلى علمه وعلم الكوفيين، إذ من علم ممّن هو من أهل الثّقة والمعرفة والتّمييز حجّة على من لم يعلم، ولا ينبغي أن يجترأ على أئمة القرّاء بأنّهم غلطوا أو بأنّهم جهلوا أو قرءوا ما لم يقرءوه فإنّه قدح في التّواتر. وأمّا «التّاء»: ففي عشرة أحرف وهي: «الثّاء»، و «الجيم»، و «الذّال»، و «الزّاي»، «السّين»، و «الشّين»، و «الصّاد»، و «الضّاد»، و «الطّاء»، و «الظّاء»: ففي الثّاء: في خمسة عشر حرفا نحو: ﴿بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ﴾، ﴿وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ﴾، ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ﴾ (٢)، واختلف عنه (٣) في ﴿الزَّكاةَ ثُمَّ﴾، و ﴿التَّوْراةَ ثُمَّ﴾ (٤) لأنّهما مفتوحتان بعد ساكن، وكان ابن مجاهد يأخذ بالإظهار لخفّة الفتح بعد السّكون. وروى الإدغام ابن حبش من طريقي الدّوري والسّوسي للتّقارب، وبالوجهين

стр. 558

قرأ الدّاني كما في (التّيسير) (١). وتدغم التّاء: في الجيم في سبعة عشر حرفا، نحو: ﴿الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾، ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ﴾ (٢) للتجانس في الشّدّة. وفي الذّال في تسعة أحرف نحو: ﴿الْآخِرَةِ ذلِكَ﴾، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو﴾، ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ (٣) للتّقارب في المخرج، واختلف في: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾، ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾ (٤) كلاهما من أجل أنّهما من المجزوم (٥)، أو ممّا حكمه حكمه، فبالإظهار أخذ ابن مجاهد/وكثير من البغداديين للنّقص وقلّة الحروف، وبالإدغام أخذ الدّاجوني وابن شنبوذ وأتباعهما للتّقارب مع ثقل الكسرة، وبالوجهين قرأ الدّاني وبهما أخذ الشّاطبي (٦). وتدغم في الزّاي: في ثلاثة أحرف: ﴿بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ﴾، ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً﴾، ﴿إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ (٧). وفي السّين: في أربعة عشر حرفا نحو: ﴿الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾، ﴿السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٨). وفي الشين: في ثلاثة مواضع: ﴿السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ موضعان، واختلف في ﴿جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ في سورة مريم (٩).

стр. 559

قال الجعبري:" والأشهر الإظهار " (١)، وبالوجهين قرأ الدّاني، وأخذ الشّاطبي، وتبعهما سائر المتأخّرين، ووجه الشّاطبي الإظهار بوجهين: كون التّاء تاء الخطاب، والثّاني: كون عين الكلمة محذوفة المعبر عنه بقوله: ونقصانه (٢). وتقريره أنّ التّصريفيين لمّا حولوا فعل الأجوف اليائي إلى فعل عند اتّصاله بتاء الضّمير وسكنّوا اللاّم وتعذّر القلب نقلوا كسرة الياء إلى الجيم استثقالا، ولينبّهوا على المحذوف حذفت الياء للسّاكنين لا الألف كما قيل لرجحان التّحويل على الزّيادة، ولقلّة التّغيير، وللتّاء جهتان: جهة اتّصال لكونه فاعلا مضمرا، وجهة انفصال لكونه كلمة، فإن اعتبرت انفصالها علّلت بالخطاب، ولا تعلّل حينئذ بالنّقص للتّناقض وإن اعتبرت اتّصالها علّلت بحذف العين كاللاّم ولا تعلّل بالخطاب لذلك قاله الجعبري، ووجّه الإدغام بأنّ ثقل الكسرة سوّغ إدغامه وأخرجه عن أصل المنع (٣). وتدغم في الصّاد: في ثلاثة أحرف: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾، ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾، ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ (٤). وفي الطّاء: في ثلاثة أحرف: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾، و ﴿الصّالِحاتِ طُوبى﴾، و ﴿الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (٥)، واختلف في: ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ﴾ (٦) لمانع الجزم، إلاّ أنّ الإدغام يقوى هنا لأجل التّجانس وقوة الكسرة والطّاء، ورواه الدّاني والأكثرون بالوجهين.

стр. 560

وأمّا ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ في النّساء (١): فأدغمه أبو عمرو وجها واحدا في وجهي الإظهار والإدغام، قال الدّاني: "لم [يدغم] (٢) من الحروف المتحركة إذا قرأ بالإظهار غيره" (٣)، انتهى، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - تحقيقه في سورة النساء (٤). وتدغم في الظاء في موضعين: ﴿الْمَلائِكَةُ ظالِمِي﴾ في النساء والنحل (٥). وأمّا «الثّاء»: ففي خمسة أحرف، التّاء والذّال السّين والشّين والضّاد: فالتاء: في موضعين: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾، و ﴿الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (٦). والذال: ﴿وَالْحَرْثِ ذلِكَ﴾ (٧) لا غير. السّين: في أربعة أحرف: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ﴾، ﴿حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، ﴿الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، ﴿مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً﴾ (٨). والشين: في خمسة أحرف: ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ (٩) في البقرة والأعراف، ﴿ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (١٠). والضّاد: موضع واحد: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ (١١).

стр. 561

وأمّا «الباء»: فتدغم من ﴿يُعَذِّبُ﴾ في ميم ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ (١) لا غير وذلك في خمسة مواضع: في آل عمران واحد، وفي المائدة اثنان، وآخر في العنكبوت، والخامس في الفتح لاتحاد مخرج الباء والميم وتجانسهما في الانفتاح والاستفال والجهر وكافأت الغنّة الشّدّة (٢). وليس منه موضع آخر البقرة (٣) لأنّه ساكن الباء في قراءة أبي عمرو، فهو واجب الإدغام عنه فمحله الإدغام الصّغير لا الكبير. وفهم من تخصيص باء ﴿يُعَذِّبُ﴾ وميم ﴿مَنْ﴾ إظهار ما عدا ذلك، نحو: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً﴾، ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾، ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ (٤). ووجه تخصيص الخمسة (٥) ثقل ضمّة الفعل بعد كسرة، وقيل: كسرة الذّال، وعورض بنحو: ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ (٦)، وقيل: مناسبة لمجاورها المدغم مع صحّة النّقل (٧)، وهو ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ/لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٨)، إمّا قبلها أو بعدها فطرد الإدغام لذلك، ورجح في (النّشر) هذه الأخير، قال: "ومن ثمّ أظهر ما عدا ذلك لفقد المجاور" (٩)، واستظهر لذلك بما جاء عن أبي عمرو من طريق جعفر الأدمي عن ابن سعدان عن اليزيدي من إدغام: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾، لما فيه من المجاورة مع

стр. 562

فتح الباء كما ترى (١)، واستدل لذلك بما أجمع على إظهاره وهو: ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ بهود (٢)، لعدم وجود المجاور (٣). وأمّا «الميم»: فتسكن عند الباء إذا تحرك ما قبلها، ثمّ تخفى بغنّة وذلك في ثمانية وسبعين حرفا نحو: ﴿بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾، ﴿آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ (٤)، لأنّه لما اشتركا في المخرج وتجانسا في الانفتاح والاستفال ثقل الإظهار والإدغام المحض يذهب الغنّة فعدل إلى الإخفاء، فإن سكن ما قبلها نحو: ﴿إِبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾، و ﴿الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾، ﴿الْيَوْمَ بِجالُوتَ﴾ (٥)، فأجمعوا من هذه الطّرق على الإظهار، وإنّما اشترطوا الحركة لتحقّق الثّقل والتّمكن من الغنّة، وليس في الإدغام الكبير مخفي غير ذلك، ونبّه بتسكين الباء على أنّ الحرف المخفي كالمدغم يسكن ثمّ يخفي، لكنّه يفرق بينهما بأنّه في المدغم يقلب ويشدّد الثّاني بخلاف المخفي. فهذا ما أدغمه أبو عمرو من هذا الفصل، وقد شاركه غيره: فقرأ حمزة وفاقا له بإدغام التّاء في أربعة مواضع وهي: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾، ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً﴾، ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾، ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ (٦) بغير إشارة. واختلف عن خلاّد عنه في ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾، ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ (٧)، فبالإدغام فيهما أخذ ابن مهران عن أصحابه عن الوزّان عن خلاّد، وأبو الفتح فارس بن أحمد

стр. 563

عن أصحابه عن خلاّد، وروى أبو اسحاق الطّبري عن البختري عن الوزّان إدغام ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ فقط، وبالإظهار أخذ غير من ذكر فيهما، والوجهان عنه في (الشّاطبيّة). وكذا قرأ يعقوب من (مصباح) الشّهرزوري بإدغام كلّ ما أدغمه أبو عمرو من هذا الفصل (١)، وبذلك قال أبو حيّان في كتاب (غاية المطلوب في قراءة يعقوب) وكذا غيره، فاعتضدّ ما في (المصباح) من الإطلاق، [قال في (النّشر): "وحكاه أبو الفضل الرازي، واستشهد به للإدغام مع تحقيق الهمزة"، قال ابن الجزري: "وهو رواية الزبيري عن روح ورويس وسائر أصحابه عن يعقوب"] (٢). وزاد يعقوب فأدغم التّاء من ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ (٣) في النّجم. ورويس بإدغامها من: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ بسبأ (٤)، وعلى هذا إذا ابتدئ بهاتين الكلمتين فبالتّاءين مظهرتين لموافقة الرّسم والأصل لسقوط الإدغام بالوقف كما هو معلوم، وهذا بخلاف الابتداء ب «تاءات» البزّي الآتية في آخر سورة «البقرة» إن شاء الله - تعالى - فإنّها مرسومة بتاء واحدة فكان الابتداء [بها] (٥) كذلك، والله أعلم. ووافق اليزيدي أبا عمرو على هذا الفصل اتفاقا واختلافا. وعن ابن محيصن: إدغام القاف في الكاف نحو ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ﴿وَرَزَقَكُمْ﴾، و ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ بالكهف (٦).

стр. 564

وعنه من (المفردة) إدغام جميع المتجانسين والمتقاربين، إلا أنّه أظهر منهما ما اختلف فيه عن أبي عمرو وزاد منها إدغام «الضّاد» في «التّاء» إذا كانا في كلمة واحدة نحو: ﴿أَفَضْتُمْ﴾، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾ (١). وأدغم من (المبهج) و (المفردة): الضّاد في الطّاء إذا اجتمعا في كلمة واحدة نحو: ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ﴾ ﴿إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ﴾ (٢). والظّاء في التّاء من: ﴿أَوَعَظْتَ﴾ (٣) ويبقى صوت حرف الإطباق (٤). وأدغم الجيم في الشين من: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (٥). وضعف الزّمخشري إدغام الضّاد في الطّاء ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ﴾، وعلّل بكونها: "لغة مرذولة" (٦)، وتعقبه في (البحر) بما نقله عن سيبويه أنّ بعض العرب قال: " «مطّجع» في «مضطجع» " (٧)، وغير ذلك ممّا يأتي تقريره إن شاء الله - تعالى - في سورة «البقرة» في أواخر الحزب الثّاني منها.

стр. 565

ووافق الشّنبوذي عن الأعمش أبا عمرو على إخفاء الميم عند الباء نحو: ﴿بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ /، وباء «يعذب» عند ميم «من»، والله أعلم. قواعد الأولى: اعلم أنّ الحرف المدغم إمّا أن يكون قبله متحرك أو ساكن، والأوّل واضح، والثّاني: إمّا أن يكون صحيحا أو معتلا، والأوّل: يعسر إدغامه ويصعب توجيهه لاجتماع السّاكنين على غير حده، وذلك نحو: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾، ﴿زادَتْهُ هذِهِ﴾، ﴿دارُ الْخُلْدِ جَزاءً﴾، ﴿الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١)، وفيه طريقان: طريقة المتقدّمين: أنّه مدغم إدغاما صحيحا، وقال شيخ مشايخنا ابن الجزري: "أنّه الصحيح الثابت عند قدماء الأئمة من أهل الأداء، والنّصوص مجتمعة عليه" (٢). وطريقة أكثر المحقّقين من المتأخّرين: أنّه مخفي بمعنى مختلس الحركة، وهو المسمّى بالرّوم في المسألة الآتية قريبا إن شاء الله - تعالى -، وحملوا ما وقع من عبارة المتقدمين من الإدغام على المجاز وهو في الحقيقة مرتبة ثالثة لا إدغام ولا إظهار، وليس المراد الإخفاء المذكور في باب النّون السّاكنة والتّنوين، لأنّه لا يكون إلاّ عن سكون، وفرارهم هنا من الإدغام إنّما هو لما يلزم عليه من التقاء ساكنين على غير حدّهما، وتقرير هذه القاعدة كما أفاده الجعبري وغيره عن التّصريفيين في باب التقاء السّاكنين: "إذا اجتمع ساكنان والأوّل حرف مدّ أو لين نحو: «خويصة» (٣)، حذف أو زيد في مدّه على حالتين"، وقوله على حالتين، لعله يريد أنّ ذلك منزّل على حالتين،
следующие страницы →