← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقرأ الباقون وهم: أبو عمرو، وابن ذكوان من طريق الصّوري، وهشام، وحمزة، والكسائي، وكذا خلف بالإدغام للتّقارب في المخرج والتّشارك في الصّفات، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن والأعمش (١). وأمّا ﴿أَخَذَتِ﴾، و ﴿أَخَذْتُمْ﴾، و ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ (٢) ونحو ذلك فقرأه بالإظهار ابن كثير وحفص وكذا رويس لكن بخلف عنه، وبالإدغام رواه عنه أبو الطّيب وابن مقسم، وبالإظهار رواه الجمهور عن النّخّاس، وفي (المبهج) و (التّذكرة) /إظهار: ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ بالكهف، وإدغام ما عداه وفاقا للكارزيني عن النّخّاس، وقرأ الباقون بالإدغام للتّقارب في المخرج والاشتراك في بعض الصّفات (٣). وأمّا ﴿فَنَبَذْتُها﴾ في سورة «طه» (٤)، فقرأ أبو عمرو، وهشام بخلف عنه، وحمزة والكسائي، وكذا خلف بالإدغام، وافقهم اليزيدي والحسن والأعمش، والإظهار لهشام في (الشّاطبيّة) ك (التّيسير) و (العنوان) و (الكافي) و (التّبصرة) وفاقا لجميع المغاربة والإدغام له في (المستنير) و (الكامل)، ورواه صاحب (التّجريد) من طريق الدّاجوني، وهو في (المبهج) من طريق الحلواني، وعليه جمهور المشارقة، وافقه ابن محيصن بخلف عنه، وقرأ الباقون بالإظهار (٥). وأمّا ﴿عُذْتُ﴾ ب «غافر» و «الدّخان» (٦) فقرأ أبو عمرو، وهشام بخلف عنه،

стр. 597

وحمزة والكسائي وكذا أبو جعفر وخلف بالإدغام للتّقارب والاشتراك، وهو لهشام عند الحافظ أبي العلاء والهذلي وابن سوار وفاقا لجمهور العراقيين، والإظهار له في (الشّاطبيّة) كأصلها وفاقا لجميع المغاربة، وهو في (المبهج) من طريق الحلواني والدجواني، ووافقهم على الإدغام فقط ابن محيصن من المفردة واليزيدي والحسن والأعمش، وقرأ الباقون وهم: نافع وابن كثير وهشام في وجهه الثّاني وابن ذكوان وعاصم وكذا يعقوب بالإظهار على الأصل، ووافقهم ابن محيصن من (المبهج) (١). وأمّا ﴿يس * وَالْقُرْآنِ﴾ (٢) فقرأ نافع والبزي وابن ذكوان وعاصم بخلف عنهم وهشام والكسائي وكذا يعقوب وخلف بإدغام النّون في الواو، وافقهم ابن محيصن والأعمش على الإدغام فقط، وهو عن قالون في (الشّاطبيّة) كأصلها وفاقا لجمهور المغاربة، وفي (جامع) الدّاني الإظهار له من طريق أبي نشيط، والإدغام من طريق الحلواني. وأمّا ورش فالإدغام له من طريق الأزرق مقطوع به في (الشّاطبيّة) ك (التّيسير)، وكذا قطع له به من طريق الأصبهاني في (التّجريد) و (المبهج)، وابن سوار وفاقا للأكثرين، وبالإظهار، من طريق الأزرق قطع له صاحب (التّجريد) حسب ما قرأ به على شيوخه من طرقهم، وبه أخذ له من طريق الأصبهاني ابن مهران وغيره. وأمّا البزّي فالإظهار له من طريق أبي ربيعة، والإدغام من طريق ابن الحباب. وأمّا ابن ذكوان فالإظهار عنه طريق الصّوري والإدغام طريق الأخفش. وأمّا عاصم فالإدغام عن أبي بكر من طريق يحيى بن آدم، والإظهار طريق

стр. 598

العليمي، وأمّا حفص فالإدغام عنه من رواية عمرو بن الصّبّاح من طريق زرعان والإظهار من طريق الفيل. وقرأ الباقون وهم: قنبل وأبو عمرو وحمزة، وكذا أبو جعفر بالإظهار على الأصل، وافقهم اليزيدي والحسن (١). وأمّا ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ (٢) فقرأ قالون وقنبل وأبو عمرو وحمزة، وكذا أبو جعفر بالإظهار على الأصل، وافقهم ابن محيصن من (المبهج) واليزيدي والحسن والمطّوّعي عن الأعمش، وقرأ ورش والبزي وابن ذكوان وعاصم بخلف عنهم، وهشام والكسائي، وكذا يعقوب وخلف بالإدغام، وافقهم ابن محيصن من (المفردة)، والشنبوذي: فالإدغام لورش من طريق الأزرق قطع به في (التّلخيص) و (التّجريد) وغيرهما، والإظهار صاحب (العنوان) وقال في (الهداية):" إنّه الصّحيح عن ورش "، وفي (التّيسير) إنّه" الذي عليه عامة أهل الأداء "، والوجهان في (الشّاطبيّة) وغيرها (٣). والخلاف عن البزّي وابن ذكوان وعاصم كالخلاف في يس سواء إلاّ أنّ الإدغام عن أبي بكر من طريق العليمي قطع به سبط الخيّاط هنا، وبالإظهار في يس، ولم يفرق غيره/بينهما عنه (٤)، والله أعلم.

стр. 599

وأمّا ﴿طسم﴾ أوّل «الشّعراء» و «القصص» فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وكذا يعقوب وخلف بالإدغام، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن والشّنبوذي عن الأعمش، وقرأ حمزة وكذا أبو جعفر بالإظهار، وافقهما المطّوّعي عن الأعمش، على أنّه لا يحتاج إلى ذكر أبي جعفر مع المظهرين لأنّ مذهبه السّكت على كلّ حرف من حروف فواتح السّور كما تقرّر في باب السّكت لأنّ من لازم السّكت عدم الإدغام (١). *****

стр. 600

الفصل السّادس في أحكام النّون السّاكنة والتّنوين كان ذكر هذا الفصل في التّجويد أشبه، لأنّ أكثر مسائله إجماعية وإنّما ذكروه هنا لكثرة دور مسائله والاختلاف في بعضها، وقيّدوا النّون بالسّكون لتخرج المتحركة، ولم يقيّدوا التّنوين به لأنّ وضعه الإسكان. وقد عرّفوه بأنّه:" نون ساكنة تلحق آخر الاسم لفظا وتسقط رسما ووقفا". وهو عند سيبويه والجمهور خمسة أقسام: تمكين: وهو اللاّحق للاسم المعرب المنصرف إشعارا ببقائه على أصالته، نحو: «زيد ورجل». وتنكير: وهو اللاّحق لبعض المبنيّات فرقا بين معرفتها ونكرتها، نحو: «سيبويه» لغير معين، ويطّرد فيما آخره: «ويه». والعوض: وهو ضربان: عن حرف، نحو:" جوار "وهو الياء المحذوفة. وعوض عن مضاف إليه: إمّا جملة نحو:" يومئذ "، وإمّا مفرد: نحو: [طلى] (١) على رأي.

стр. 601

وتنوين المقابلة: وهو اللاّحق لما جمع بألف وتاء مزيدتين نحو: «مسلمات»، لأنّه قابل النّون في جمع المذكّر السّالم، وهذه الأربعة من خواص الاسم. وتنوين التّرنّم: وهو اللاّحق للرّوي المطلق عوضا عن مدّة الإطلاق في لغة تميم وقيس، وهذا يشترك فيه الاسم والفعل، قال ابن مالك: وقولهم: تنوين التّرنّم هو على حذف مضاف، أي: تنوين ذي التّرنّم، وإنّما هو عوض من التّرنّم لأنّ التّرنّم هو مدّ الصّوت بمدّ يجانس حرف الرّوي. انتهى. ثمّ إنّ أحكام النّون السّاكنة والتّنوين أربعة: إظهار، وإدغام، وإقلاب، وإخفاء. الأوّل: الإظهار (١) ويكون عند حروف الحلق السّتّة وهي: «الهمزة» نحو: وينئون فقط، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ﴿عادٍ إِذْ﴾ (٢). و «الهاء» نحو: ﴿عَنْهُمُ﴾، ﴿مِنْ هادٍ﴾، ﴿اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٣). و «العين»: ﴿أَنْعَمْتَ﴾، ﴿مِنْ عَمَلِ﴾، ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). و «الحاء» نحو: ﴿وَاِنْحَرْ﴾، ﴿مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٥). و «الغين»: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾، ﴿مِنْ غِلٍّ﴾، ﴿إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ (٦). و «الخاء» نحو: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ (٧).

стр. 602

فاتّفقوا كلّهم على إظهار النّون السّاكنة والتّنوين عند هذه الستّة لبعد مخرج النّون والتّنوين من مخرج حروف الحلق، إلاّ أنّ أبا جعفر قرأ بإخفائهما عند الحرفين الأخيرين: الغين والخاء المعجمتين كيف وقعا لقربهما من حرفي أقصى اللسان: القاف والكاف، لكن بعضهم استثنى عنه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾، و ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا﴾، ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ (١)، فأخذ فيها بإظهار النّون كالجمهور، ولم يستثنها ابن مهران بل أطلق الإخفاء في الثّلاثة كسائر القرآن، والاستثناء أشهر وعدمه أقيس، وانفرد ابن مهران عن ابن بويان عن أبي نشيط عن قالون بالإخفاء أيضا عند الغين والخاء أيضا في جميع القرآن وهو في (كامل) الهذلي و (جامع) الدّاني عن أبي نشيط من طريق ابن شنبوذ (٢). الحكم الثّاني: الإدغام (٣) ويكون في ستّة أحرف أيضا وهي: النّون: ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾، ﴿مَلِكاً نُقاتِلْ﴾ (٤). والميم: نحو: ﴿مِنْ مالٍ﴾، ﴿سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (٥).

стр. 603

والواو: نحو ﴿مِنْ والٍ﴾، ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (١). والياء: نحو: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾، ﴿فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ (٢). واللام: نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾، ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). والرّاء: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿ثَمَرَةٍ رِزْقاً﴾ (٤). فاتّفقوا على إدغامهما/في هذه الستّة مع إثبات الغنّة مع الميم والنّون (٥). فإن قلت: النّون من طرف اللسان وفوق الثّنايا، والميم من بين الشّفتين، وبينهما مخارج، فلم ساغ الإدغام مع التّباعد؟. أجبت: بأنّه قد يحصل للمتباعد وجه يسوغ إدغامه فالوجه الذي قرب من النّون والميم ونحوهما الغنّة التي اشتركا فيها، فصارا بذلك متقاربين. واتّفقوا على حذف الغنّة مع اللاّم والرّاء لبعدهما عن الغنّة، وهذا في (النّشر) (٦) مذهب الجمهور من أهل الأداء والجلة من أئمة التّجويد وعليه أئمّة الأمصار في هذه الأعصار، وهو الذي في (الشّاطبيّة) كأصلها و (العنوان) و (الهداية) وغيرها وفاقا لجميع المغاربة.

стр. 604

وذهب كثير إلى الإدغام في الرّاء واللام مع بقاء الغنّة ورووا ذلك عن أكثر القرّاء كنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم، وكذا أبو جعفر وغيرهم، وهو رواية النّهرواني عنهم، ووردت عن كلّ القرّاء وصحّت من طرق (النّشر) نصّا وأداءا عن أهل الحجاز والشام والبصرة وحفص، لكن هذا - وإن أطلقوه - فينبغي له كما في (النّشر) (١) تقييده في اللاّم بما إذا كان منفصلا رسما، وذلك: ﴿أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾، في الأعراف، و ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾، و ﴿أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ﴾ في التوبة، ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾، و ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ في قصه نوح، وفي الحج، و ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾، وفي يس ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾، وفي الدخان: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ وفي الممتحنة: ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾، وفي «ن والقلم»: ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ﴾ (٢). أمّا إذا كان متصلا رسما نحو: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ بهود، و ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ بالكهف (٣)، ونحو ذلك ممّا حذفت منه النّون فإنّه لا غنّة فيه لمخالفة الرّسم في ذلك، وهذا اختيار الدّاني وغيره من المحقّقين. وإذا قلنا بإظهار الغنّة في اللاّم والرّاء عن أبي عمرو فينبغي قياسا إظهارها من النّون المتحركة فيهما نحو: ﴿نُؤْمِنَ لَكَ﴾، ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾، ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾، ﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ (٤)، لأنّ النّون تسكن أيضا للإدغام، لكن القراءة سنّة متّبعة لا مجال للقياس فيها، فإن صحّ نقلا اتبع (٥).

стр. 605

واختلف في الواو والياء، فقرأ خلف عن حمزة بإدغام النّون السّاكنة والتّنوين فيهما بغير غنة اتباعا لأصل الإدغام، وافقه المطّوّعي عن الأعمش، وبه قرأ الدّوري عن الكسائي في الياء من طريق أبي عثمّان الضّرير، وروى عنه جعفر بن محمد بالغنّة، وفي (المبهج) الوجهين، وكلاهما صحيح قاله في (النّشر) (١). وقرأ الباقون بالغنّة فيهما وهو الأفصح. فإن قلت: وجود الغنّة مع الإدغام في الواو والياء وكذلك اللاّم والرّاء عند القائل به يمنع أن يكون إدغاما، فينبغي أن يكون إخفاء، كما صرّح به السّخاوي حيث قال: "إنّ حقيقة ذلك إخفاء لا إدغام، وإنّما يقولون: أنّه إدغام مجازا " (٢)، قال:" وهو في الحقيقة إخفاء "، أجاب الجعبري بأنّه:" إدغام لوجود حقيقة الإدغام بالقلب، والقائل بالإخفاء يعترف بوجود التّشديد فيه، ومذهبه خلو المخفي منه " (٣)، والتّحقيق:" أنّ الإدغام مع عدم الغنّة [محض كامل التشديد، ومعها غير محض ناقص التشديد من أجل صوت الغنة] (٤) الموجودة معه، فهو بمنزلة صوت الإطباق الموجود مع الإدغام في ﴿أَحَطْتُ﴾ و ﴿بَسَطْتَ﴾ "، وقد حكى بعضهم إجماع القرّاء على إبقاء الإطباق، واستشكله ابن الحاجب مع الإدغام، لأنّ الإطباق صفة للطبق، لا يتأتى إلاّ به، فلو بقى الإطباق مع إدغام الطّاء لزم اجتلاب طاء أخرى لتدغم في التّاء غير الطّاء التي قام بها وصف الإطباق وفي ذلك جمع بين السّاكنين/فإذا نحو «فرطت» بالإطباق ليس فيه إدغام ولكنّه لمّا اشتدّ التّقارب وأمكن النّطق بالثاني بعد الأوّل من غير نقل (٥) اللسان، أطلق عليه إدغام مجازا.

стр. 606

وفرق بين الإطباق والغنّة، فإنّ الغنّة لا تتوقف على النّون لأنّها من مخرج غير مخرجه، فإنّ النّون من الفم والغنّة من الخيشوم، بخلاف الإطباق فإنّه مع الطّبق في مخرجه فلا يتأتى إلاّ به (١)، انتهى. وأجيب: بأنّ القراء نصّوا على أنّ في نحو: ﴿فَرَّطْتُ﴾ (٢) تشديدا متوسطا مع بقاء الإطباق (٣). ولو كان على ما ذكره ابن الحاجب لم يكن فيه تشديد، ولا يمتنع إبقاء الإطباق قائما ببعض صوت الطّاء، لأنّ الطّاء لم يستكمل إدغامه في التّاء، ولا يلزم من ذلك اجتلاب طاء أخرى ولا جمع بين ساكنين، وعلى هذا فقياسه على الغنّة مستقيم. واختلفوا في الغنّة الظّاهرة مع الإدغام في الميم فذهب ابن كيسان وابن مجاهد وغيرهما إلى أنّها غنّة النّون المدغمة، وذهب الجمهور إلى أنّها غنّة الميم لا غنّة النّون والتّنوين لانقلابها إلى لفظها، واختاره الدّاني والمحققون وهو الصحيح، لأنّ الأوّل قد ذهب بالقلب، فلا فرق في اللفظ بالنّطق بين: «من من»، و «أن من»، وبين: «وهم من»، و «أم من»، قاله في (النّشر) (٤). واتفقوا على أنّ الغنّة مع الواو والياء غنة المدغم، ومع النّون غنة المدغم فيه (٥). واتفقوا أيضا على إظهار النّون السّاكنة إذا اجتمعت مع الياء أو الواو في كلمة واحدة نحو: ﴿صِنْوانٌ﴾ و ﴿الدُّنْيا﴾ و ﴿بُنْيانٌ﴾ خوف التباسه بالمضاعف وهو ما تكرّر أحد أصوله نحو: «صوان» و «ديان» و «حيّان» (٦).

стр. 607

الحكم الثّالث: القلب وهو في الباء الموحدة فقط نحو: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾، ﴿أَنْ بُورِكَ﴾، و ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ﴾ (١). فاتّفقوا على قلب «النّون» السّاكنة المتوسطة أو المتطرفة أو التّنوين ميما خالصة وإخفاؤهما بغنة عار من الإدغام، وحينئذ فلا فرق في اللفظ بين: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ و ﴿أَمْ بِهِ﴾ (٢). وجه القلب والإخفاء عسر الإتيان بالغنّة ثمّ إطباق الشّفتين في الإظهار ولم تدغم لاختلاف نوع المخرج وقلّة التّناسب، فتعيّن الإخفاء ثمّ روعي متبوعه، وتوصل إليه بالقلب ميما لتشارك الباء مخرجا والنّون غنّة (٣)، ويحترز القارئ - عند التّلفظ به - من كزّ الشّفتين على الميم المقلوبة في اللّفظ لئلا يتولّد من كزّهما غنّة من الخيشوم، فليتلطف بسكون الميم، والله الموفق. الحكم الرّابع: الإخفاء وهو عند باقي حروف المعجم وهي ما عدا حروف الإظهار والإدغام وحرف الإقلاب والألف، وجملتها خمسة عشر حرفا، وهي: القاف نحو: ﴿يَنْقَلِبُ﴾، ﴿مِنْ قَرارٍ﴾، ﴿بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ (٤). والكاف: ﴿أَنْكالاً﴾، ﴿مَنْ كانَ﴾، ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ (٥). والجيم: ﴿أَنْجَيْنَا﴾، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾، ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا﴾ (٦).

стр. 608

والشّين: ﴿(يُنَشَّؤُا)﴾ (١)، ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢). والضّاد: ﴿مَنْضُودٍ﴾، ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾، ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا﴾ (٣). والطّاء: ﴿وَما يَنْطِقُ﴾، ﴿مِنْ طِينٍ﴾، ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٤). والدّال: ﴿عِنْدَهُ﴾، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، ﴿عَمَلاً دُونَ﴾ (٥). والتّاء: ﴿كُنْتُمْ﴾، ﴿وَمَنْ تابَ﴾، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ (٦). والصّاد: ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾، ﴿عَمَلاً صالِحاً﴾ (٧). والسّين: ﴿الْإِنْسانُ﴾، ﴿أَنْ سَيَكُونُ﴾، ﴿وَرَجُلاً سَلَماً﴾ (٨). والزّاي: ﴿يُنَزِّلَ﴾، ﴿مِنْ زَوالٍ﴾، ﴿نَفْساً زَكِيَّةً﴾ (٩). والظّاء: ﴿اُنْظُرْ﴾، ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾، ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ (١٠). والذّال: ﴿لِيُنْذِرَ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، ﴿وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ﴾ (١١).

стр. 609

والثّاء: ﴿الْأُنْثى﴾، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾، ﴿أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ (١). والفاء: ﴿يُنْفِقُ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ﴿خالِداً فِيها﴾ (٢). فهذه أحرف الإخفاء وأمثلتها مرتبة على ترتيب المخارج. واتّفقوا على إخفاء النّون السّاكنة المتوسطة والمتطرفة والتّنوين عند هذه الحروف إخفاء يبقى معه صفة الغنّة، وإنّما تعيّن الإخفاء لأنّ النّون والتّنوين لم يقربا من هذه الحروف كقربهما من حروف الإدغام/فيدغمان فيهن، ولم يبعدا منهن كبعدهما من حروف الحلق فيظهران عندهنّ، فلذا تعيّن الإخفاء الذي هو حالة بين الإظهار والإدغام وإخفاؤهما على قدر قربهما منهنّ، فكلّما قوي التّناسب بالمخرج أو الصّفة قرب إلى الإدغام، وكلّما قلّ قرب إلى الإظهار، قاله الجعبري (٣)، وهو معنى قول غيره:" فما قربا منه كانا عنده أخفى ممّا بعد عنه " (٤). فإن قلت: ما الفرق بين المخفي والمدغم؟. أجيب: بأنّ المدغم مشدّد والمخفي مخفف (٥). واتّفقوا على أنّه لا عمل للسان في النّون والتّنوين حالة الإخفاء كعمله فيهما مع ما يظهران عنده أو ما يدغمان فيه بغنة، وإنّما يخرجان مع حروف الإخفاء من الخيشوم. وليحترز القارئ من المدّ قبل إخفاء النّون في نحو: ﴿كُنْتُمْ﴾، لئلاّ يتولد منها واو فتصير: «كوتّم».

стр. 610

وليحترز أيضا من تثقيل النّون بإلصاق اللسان فوق الثنايا العليا عند الإخفاء، فذلك خطأ، وطريق الخلاص منه تجافي اللسان قليلا عن مخرج النّون، والله أعلم. وإذا كان المدغم والمدغم فيه من كلمة فالحكم عام في الوصل والوقف، وإن كانا من كلمتين فالحكم مختص بالوصل، وهذا عام في جميع نوعي الإدغام الصغير (١)، والله أعلم. *****

стр. 611

الباب الثّاني في ذكر حكم هاء الكناية (١) ذكروه بعد الإدغام لأنّه أوّل أصل اختلف فيه وقع بعد الإدغام الواقع في «الفاتحة» وهو: ﴿فِيهِ هُدىً﴾ (٢). ويسمّيها البصريون ضميرا، وهو: "اسم مبني لشبه الحرف وضعا وافتقارا على حركة لتوحيده". وكانت ضمّة تقوية لها ووصلت بمد لخفائها وانفرادها، وكانت المدّة وواوا اتباعا، وكسرت الهاء مع الكسرة والياء مجانسة فصارت الصّلة ياء لذلك، وفتحت للمؤنث فصارت ألفا، وحذفت الصّلة وقفا تخفيفا وبقيت الألف في المؤنث للدّلالة على الفرعية (٣). وتأتي باعتبار طرفها على أربعة أقسام: الأوّل: أن تقع بين متحركين نحو: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾، ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾، و ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾، ﴿فِي رَبِّهِ﴾ … ﴿إِذْ قالَ﴾ (٤) ولا خلاف في صلتها بعد الضّم بواو وبعد الكسر بياء لأنّها حرف خفي إلاّ ما يستثنى إن شاء الله - تعالى -.

стр. 612

القسم الثّاني: أن تقع بين ساكنين نحو: ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾، و ﴿فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١). القسم الثّالث: أن تقع بين متحرك فساكن: نحو: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ و ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، و ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾، ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ﴾، و ﴿عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ (٢). وهذان القسمان لا خلاف في عدم الصّلة فيهما لأجل الجمع بين السّاكنين على غير حدّهما [إلاّ ﴿لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا﴾، و ﴿عَلَيْهُ اللهَ﴾ (٣) كما سيأتي في تحقيق ذلك إن شاء الله - تعالى]-. القسم الرّابع: أن يقع بين ساكن فمتحرك نحو: ﴿عَقَلُوهُ وَهُمْ﴾، ﴿فِيهِ هُدىً﴾ (٤)، وهذا القسم مختلف فيه، فابن كثير يصل الهاء بياء في الوصل إن كان السّاكن قبل الهاء ياء نحو ﴿فِيهِ هُدىً﴾، وبواو إن كان السّاكن غير هاء نحو: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، و ﴿اِجْتَباهُ وَهَداهُ﴾ (٥) على الأصل فيهما، وافقه ابن محيصن (٦). وقرأ حفص: ﴿فِيهِ مُهاناً﴾ (٧) بالفرقان بالصّلة وفاقا للمكّيّين للجمع بين اللغتين، وقيل: قصد بها مدّ الصّوت تسميعا بحال العاصي، وقرأ الباقون بكسر الهاء بعد الياء وضمها بعد غيرها مع حذف الصلة لأجل التّخفيف، إلاّ أنّ حفصا ضمها في: ﴿أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾ بالكهف (٨)، وكذا: ﴿عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾ بالفتح (٩)، وافقه

стр. 613

ابن محيصن في موضع الفتح وهو من القسم الثّالث (١)، وزاد ضم كلّ هاء ضمير مكسورة قبلها كسرة، أو ياء ساكنة إذا وقع بعدها ساكن نحو ﴿بِهِ اُنْظُرْ﴾، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ (٢). وقرأ الأصبهاني عن ورش بضم: ﴿بِهِ /اُنْظُرْ﴾ (٣)، كما سيأتي كلّ في موضعه إن شاء الله - تعالى -. وقد وجّهوا حذف الصّلة للجمهور بأنّ الهاء خفيّة يضعف حجزها فحذفت الصّلة لتوهّم التقاء السّاكنين، وهو قول سيبويه كما ذكره الجعبري، وقيل: تخفيفا اجتزاء بالكسرة قبلها (٤). وقد استثنوا من القسم الأوّل حروفا خالف بعض القرّاء أصله فيها وجملتها اثنا عشر حرفا، منها أربعة أحرف في ستة مواضع وهي: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ و ﴿لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ بآل عمران (٥)، و ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ فيها أيضا اثنان، وثالث في الشورى (٦)، و ﴿نُوَلِّهِ﴾، و ﴿وَنُصْلِهِ﴾ في النساء (٧): فسكّن هذه الأربعة في الستّة مواضع أبو عمرو وهشام من طريق الدّاجوني، وأبو بكر وحمزة، وكذا عيسى بن وردان من طريق النّهرواني عن ابن شبيب وأبي بكر بن هارون، كلاهما عن الفضل عنه، وابن جمّاز من طريق الهاشمي وافقهم الحسن والأعمش، وقرأ قالون وهشام من طريق الحلواني بخلف عنه، وابن ذكوان من أكثر

стр. 614

طرق الصّوري وكذا يعقوب وابن جمّاز من طريق الدّوري، وابن وردان من باقي طرقه باختلاس كسرة الهاء، وقرأ الباقون بإشباع الكسر وافقهم اليزيدي، وبه قرأ هشام في وجهه الثّاني من طريق الحلواني وعليه أكثر المؤلفين عنه وهو الثّاني لابن ذكوان أيضا، وقد تلخّص من هذا أنّ لهشام في هذه الأربعة ثلاثة أوجه: الإسكان والصّلة والاختلاس، [ولابن ذكوان وجهين: الصلة والاختلاس، ولأبي جعفر وجهين: الإسكان والاختلاس] (١)، ويأتي توجيه كلّ من الصّلة وحذفها والإسكان في محالها من السّور إن شاء الله - تعالى -. ومنها: ﴿يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ بطه (٢)، فقرأه بالإسكان السّوسي بخلف عنه، وهو في (الشّاطبيّة) كالدّاني من جميع طرقه وفاقا لسائر المغاربة، وبالصّلة رواه عنه صاحب (العنوان) وابن سوار وابن مهران وفاقا لسائر العراقيين، ونصّ على الوجهين عنه معا المهدوي في (هدايته) وافقه اليزيدي بخلف أيضا، وقرأه قالون وكذا ابن وردان ورويس بكسر الهاء مع حذف الصّلة ومع إثباتها، فحذفها لقالون قرأ به الدّاني على أبي الحسن، وهو طريق ابن مهران والعلاّف والشّذائي عن ابن بويان وطريق صالح بن إدريس عن أبي نشيط وذكره في (التّجريد) و (التلخيص) و (التّبصرة) وغيرها وهو لابن وردان من طريق هبة الله بن جعفر وابن العلاّف والورّاق وابن مهران عن أصحابهم عن الفضل، ولرويس من طريق العراقيين أجمعين، والإثبات لقالون قرأ به الدّاني على أبي الفتح ولم يذكر في (جامعه) عن الحلواني غيره، وهو طريق إبراهيم الطّبري، وغلام الهرّاس عن ابن بويان وطريق جعفر بن محمد عن الحلواني، والوجهان عنه في (الشّاطبيّة) كأصلها، وهو لابن وردان عند النّهرواني وابن هارون من جميع طرقها ولرويس من رواية طاهر بن غلبون والدّاني من طريقيه وفاقا لسائر المغاربة، وقرأ الباقون وهم: ورش وابن كثير والدّوري وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وكذا

стр. 615

ابن جمّاز وروح وخلف بإثبات الصّلة، وافقهم ابن محيصن والحسن والأعمش (١). ومنها: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ في النّور (٢)، فقرأه قالون وحفص، وكذا يعقوب بكسر الهاء من غير إشباع، وقرأه أبو عمرو وهشام من طريق الدّاجوني وأبو بكر، وكذا ابن وردان من طريق الرّازي وهبة الله بإسكان الهاء وافقهم اليزيدي والحسن والأعمش على الإسكان وجها واحدا. واختلف عن هشام من طريق الحلواني، وعن ابن ذكوان وخلاّد، وكذا عن ابن جمّاز وابن وردان/فأمّا الحلواني عن هشام فروى حذف الصّلة ابن عبدان وابن مجاهد عن الجمّال، وبه قرأ الدّاني على فارس وليس في (التّيسير) غيره، وروى النّقّاش وأحمد الدّاري (٣) وابن شنبوذ من جميع طرقهم عن الجمّال بإشباع الكسرة، والوجهان له في (الحرز). وأمّا ابن ذكوان فالأكثر من طريق الصّوري على حذف الصّلة، وروى عنه زيد من طريق أبي العزّ وغيره إثباتها، ورواه الأخفش من جميع طرقه. وأمّا خلاّد فأخذ له بالإسكان ابن مهران وابن سوار وفاقا لسائر العراقيين وبه قرأ الدّاني على أبي الفتح، ونصّ له على الصّلة صاحب (العنوان) و (التّلخيص) وفاقا لسائر المغاربة، والوجهان له في (الحرز) كأصله. وأمّا ابن وردان فروى الإسكان عنه النّهرواني وابن هارون الرّازي وهبة الله، وروى الإشباع عنه ابن مهران وابن العلاّف والورّاق.

стр. 616

وأمّا ابن جمّاز فروى عنه الإشباع الهاشمي من طريق رزين، وروى عنه الدّوري والهاشمي من طريق الجمّال القصر. وقرأ الباقون بالإشباع (١). وكلهم كسر القاف إلاّ حفصا فإنّه سكّنها حملا للمنفصل على المتّصل، وذلك أنّهم يسكّنون عين «فعل» فيقولون: «كبد»، و «كتف» في «كبد»، و «كتف» فهي كلمة واحدة، ثمّ أجروا ما أشبه ذلك من المنفصل مجرى المتّصل كقوله (٢): قالت سليمى اشتر لنا سويقا … تريد: "اشتر لنا" (٣)، وقول مكّي: "كان يجب على من أسكن القاف أن يضمّ الهاء لأنّ هاء الكناية إذا سكن ما قبلها ولم يكن السّاكن ياء ضمت نحو: «منه» و «عنه»، ولكن لمّا كان سكون القاف عارضا لم يعتد به، وأبقى الهاء على كسرتها التي كانت عليها مع كسر القاف، ولم يصلها بياء لأنّ الياء قبل الهاء منوية فبقى الحذف الذي في

стр. 617

الياء قبل الهاء على أصله" (١)، تعقبه الشّاطبي كما نقله في (الدر) فقال: "تعليله حذف الصّلة بأنّ الياء المحذوفة قبل الهاء مقدرة منوية .. " إلى آخره؛ غير مستقيم من قبل أنّه قرأ «يؤدّهي» وشبهه بالصّلة، ولو كان يعتبر ما قاله من تقدير الياء قبل الهاء لم يصلها " (٢) انتهى. قال أبو عبد الله الفاسي شارح قصيدته:" هو وإن قرأ: «يؤدّهي» وشبهه بالصلة فإنّه قرأ ﴿يَرْضَهُ﴾ بغير صلة، فألحق مكّي ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ ب ﴿يَرْضَهُ﴾، وجعله ممّا خرج فيه عن نظائره لاتّباع الأثر والجمع بين اللغتين، وترجّح ذلك عنده لأنّ اللفظ عليه، ولمّا كانت القاف في حكم المكسورة بدليل كسر الهاء بعدها صار كأنه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بكسر القاف والهاء من غير صلة كقراءة قالون وهشام في أحد وجهيه فعلله بما يعلل به قراءتهما، والشاطبي ترجّح عنده حمله على الأكثر ممّا قرأ به لا على ما قلّ، فاقتضى تعليله ما ذكر " (٣)، انتهى. ومنها: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) في النّمل، فقرأه قالون وابن ذكوان [من أكثر طرق الصوري وكذا يعقوب وابن جماز من طريق الدوري وابن وردان] (٥) من غير طريق النّهرواني بكسر الهاء من غير إشباع إجراء على الأصل قبل حذف اللاّم إذ لو ثبتت لم توصل عنده (٦)، وقرأ أبو عمرو وهشام وعاصم من طريق الدّاجوني، وكذا ابن وردان من طريق النّهرواني، وابن جمّاز من طريق الهاشمي بإسكان الهاء، لأنّها لمّا حذفت اللاّم وحلّت الهاء موضعها سكنت، وافقهم اليزيدي والحسن والأعمش من غير خلف، واختلف عن الحلواني عن هشام في الاختلاس، وقرأ الباقون بإشباع

стр. 618

الكسر، وبه قرأ الحلواني في الوجه الثّاني جمعا بين اللغتين، فيصير لهشام ثلاثة أوجه: الإسكان والاختلاس والإشباع (١). ومنها: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ في الزمر (٢)، فقرأه نافع وحفص وحمزة وكذا يعقوب بضم الهاء/من غير صلة، وافقهم الأعمش، واختلف فيه عن ابن ذكوان وكذا ابن وردان فحذف الصّلة لابن ذكوان من رواية الصّوري والنقاش على الأخفش إلاّ من طريق الدّاني وابن الفحّام، وهو لابن وردان من رواية ابن العلاّف وابن مهران والخبازي والوراق عن أصحابهم عنه، وروى الإشباع عن ابن ذكوان ابن الأخرم عن الأخفش من جميع طرقه إلاّ (المبهج)، ولم يذكر في (العنوان) و (التّذكرة) (٣) وفاقا لسائر المصريين والمغاربة عنه غيره وهو لابن وردان من رواية ابن هارون الرّازي وهبة الله بن جعفر والنهرواني عن أصحابهم عنه، وقرأه السّوسي بالإسكان ووافقه الحسن، واختلف فيه عن الدّوري وهشام وأبي بكر وكذا عن ابن جمّاز، ووافقهم اليزيدي، فالإسكان للدّوري رواه أبو الزّعراء من طريق المعدّل وابن فرح من طريق المطّوّعي عنه ولم يذكر في (العنوان) غيره، وهو لهشام في (الشّاطبيّة) ك (التّيسير) من قراءته على أبي الفتح، لكن تعقّبه في (النّشر) بأنّ " ظاهره أن يكون من طريق ابن عبدان " (٤)، والذي في (جامع البيان) أنّه من قراءته على أبي الفتح عن عبد الباقي بن الحسن الخراساني عن أبي الحسن بن خليع عن مسلم بن عبيد الله بن محمد عن أبيه عن

стр. 619

الحلواني، وليس عبيد الله هذا من طرقهما، ثمّ نفى وجدانه رواية الإسكان لهشام بعد التّتبع إلاّ من غير طرق (نشره)، ثمّ قال:" وفي ثبوته عن الدّاجوني فيه نظر لولا شهرته عن هشام وصحّته في نفس الأمر لم نذكره " (١)، انتهى. وهو - أعني الإسكان - لأبى بكر من رواية يحيى بن آدم من طريق أبي حمدون، ولابن جمّاز عند الهاشمي من [غير] (٢) طريق الأشناني، وروى الصّلة عن الدّوري ابن مجاهد عن أبي الزّعراء وزيد بن أبي بلال عن ابن فرح من غير طريق القطّان والحمّامي، ولم يذكر في (التلخيص) و (التّبصرة) و (الهداية) (٣) وفاقا لسائر المصريين والمغاربة عنه غيره، وفي (الشّاطبيّة) كظاهر (التّيسير) الوجهان له، وهي لابن جمّاز من رواية الدّوري عنه والأشناني عن الهاشمي، وروى الاختلاس عن هشام سائر الرّواة واتّفق عليه أئمة الأمصار في جميع مصنفاتهم، وهو لأبي بكر من رواية العليمي وابن آدم من طريق شعيب سوى ابن خيرون عنه، والوجهان عنه في (العنوان)، وقرأ الباقون بالإشباع، وبه قرأ الدّوري وابن ذكوان، وكذا ابن جمّاز وابن وردان في وجههم الثّاني، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي في أحد وجهيه. فتلخّص: أنّ لكلّ من الدّوري وابن جمّاز وجهان: الإسكان والإشباع، ووافقهم اليزيدي، ولكل من هشام وأبي بكر وجهان: الإسكان والاختلاس، ولكل من ابن ذكوان وابن وردان وجهان: الاختلاس والإشباع (٤)، انتهى ملخصا. ومنها: ﴿أَرْجِهْ﴾ في الأعراف والشعراء (٥)، فقرأه قالون وابن ذكوان وكذا ابن

стр. 620

وردان من طريق ابن هارون عن الفضل وهبة الله بن جعفر من طرقه بكسر الهاء من غير صلة فيهما، وقرأ ورش والكسائي وكذا ابن جمّاز وابن وردان من طريق ابن شبيب عن الفضل وخلف بكسر الهاء مع الصّلة، وقرأ ابن كثير وهشام من طريق الحلواني بضم الهاء مع الصّلة، وافقهم ابن محيصن، وقرأ أبو عمرو والدجواني عن هشام، وأبو بكر من طريق أبي حمدون ونفطويه عن الصّريفيني كلاهما عن يحيى عنه، وكذا يعقوب بضم الهاء من غير صلة، وافقهم اليزيدي والحسن/، وقرأ عاصم من غير طريق أبي حمدون ونفطويه وحمزة بإسكان الهاء، وافقهما الأعمش (١). فهذا حكم الهاء، وأمّا الهمزة فتأتي إن شاء الله - تعالى - مع الهاء مفصلا في سورة الأعراف. ومنها: ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ﴾ في البلد (٢)، و ﴿خَيْراً يَرَهُ﴾ و ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ في الزلزلة (٣): فأمّا موضع البلد فقرأه هشام من طريق الدّاجوني بالإسكان وقرأه ابن وردان ويعقوب بخلف عنهما بالكسر من غير إشباع وقرأه الباقون بالإشباع، وبه قرأ هشام من طريق الحلواني، وكذا ابن وردان ويعقوب في وجههما الثّاني وهو الذي رواه الجمهور عن روح (٤). وأمّا موضعي الزلزلة فقرأهما هشام من جميع طرقه، وكذا ابن وردان من طريق النّهرواني عن ابن شبيب عن الفضل بالإسكان، وقرأ يعقوب بخلف عنه وابن وردان من طريق ابني هارون والعلاّف عن ابن شبيب بكسر الهاء من غير إشباع، وقرأ الباقون بالإشباع، وبه قرأ يعقوب في الوجه الثّاني، وابن وردان من باقي طرقه في الوجه

стр. 621

الثّالث، وفي (المستنير) و (الإرشاد) تخصيص رويس بالإشباع، وروح بالاختلاس وصحّحوا كلا الوجهين عن يعقوب (١). ومنها: ﴿بِيَدِهِ﴾ موضعي البقرة، ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾، ﴿إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (٢)، وموضع المؤمنين ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، وموضع يس ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ﴾ (٤)، فقرأه رويس باختلاس كسرة الهاء في الأربعة وقرأ الباقون بالإشباع فيها (٥). ومنها: ﴿تُرْزَقانِهِ﴾ في يوسف (٦)، فقرأه قالون وكذا ابن وردان بخلاف عنهما باختلاس كسرة الهاء، وهو الذي في (كفاية) أبي العز و (غاية) أبي العلاء عن أبي نشيط عن قالون، ورواه الطّبري عن الحلواني، ورواه أبو بكر ابن هارون الرّازي عن ابن وردان، وقرأ الباقون بالإشباع وبه قرأ قالون من الطّريقين كما رواه سائر الرّواة، وهو الذي لم يذكر المغاربة غيره، وكذا رواه سائرهم عن ابن وردان (٧). ومن ذلك: ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٨) في حالة الوصل بالبسملة، قرأه قالون من طريق أبي نشيط باختلاس ضمة الهاء فيما انفرد به أبو بكر الخيّاط من طريق أبي نشيط كما حكاه الهمداني عنه (٩).

стр. 622

ومما استثنوه من القسم الثّاني وهو الذي وقعت الهاء فيه بين ساكنين: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ (١) في رواية تشديد التّاء من ﴿تَلَهّى﴾ عن البزّي، ووافقه ابن محيصن في أحد وجهيها فإنّهما يقرآنه بواو الصّلة بين الهاء والتّاء ويمدان لالتقاء السّاكنين كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - في آخر سورة البقرة (٢). ومما استثنوه أيضا من القسم الثّالث، وهو ما وقعت الهاء فيه بين متحرك فساكن حرفان: أحدهما: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ﴾ بالأنعام (٣)، فقرأه ورش من طريق الأصبهاني بضم الهاء، وافقه ابن محيصن، وقرأه الباقون بكسرها، وبه قرأ ورش من طريق الأزرق (٤). الثّاني: ﴿لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا﴾ في طه والقصص (٥)، فقرأ حمزة بضم الهاء فيهما، وافقه الأعمش وابن محيصن، وقرأ الباقون بالكسر فيهما (٦). *****

стр. 623

الباب الثّالث في أحكام الهمز وهو مصدر همزت: ضغطت، اسم جنس واحده: همزة، وجمعها: همزات. وإنّما سمّي به أوّل حرف من الهجاء لما يحتاج في إخراجه من أقصى الحلق إلى ضغط الصّوت. ولم يرسموا للهمزة صورة وإنّما استعاروا لها شكل ما تؤول إليه إذا خففت. والتّحقيق هو الأصل، ويقابله التّخفيف وهو: لغة أهل الحجاز. وأنواعه ثلاثة: البدل ويرادفه القلب لغة، والبدل أعم اصطلاحا، وهو جعله حرف مدّ وتأصل للسّاكنة، والتّسهيل ويرادفه بين بين أي: يجعل حرفا/بين مخرج المخففة ومخرج حرف المدّ المجانس لحركتها أو حركة سابقتها وتأصل للمتحركة. والحذف: وهو إسقاطها مزادة مدلولا عليها وغير مدلول، ولم يأت إلاّ في المتحركة. ثمّ إنّ الهمز إمّا: مفرد أو مجتمع، والثّاني: إمّا متّصل وهو الهمزتين المتلاصقتين في كلمة واحدة، أو منفصل وهو الهمزتين المتلاصقتين في كلمتين، والمنفرد إمّا عام في حال الوقف والوصل أو خاص بالوقف، الثّاني: وقف حمزة وهشام والأوّل إمّا أن تتغير فيه الهمزة وحدها أو مع ما قبلها، الثّاني: ما نقل حركة الهمز إلى السّاكن قبله، ويندرج فيه السّكت لاشتراكهما في الشرط [والأول ما تخفيفه بالبدل. ووقع الكلام في هذا الباب في فصول] (١):

стр. 624

الفصل الأوّل في الهمز المفرد وإنّما عقبته بهاء الكناية مراعاة لترتيب الكتاب العزيز، قال - تعالى -: ﴿فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ولا عبرة بمدّ المتقين لفرعيته، وكثير من المؤلفين عقّبوا بالمدّ والقصر، واحتجّوا لهم بما بين هاء الكناية والمدّ من المشاركة بجامع الخفاء، والذي أثبته للتّرتيب القرآني كما نبّه عليه المحقق أبو إسحاق الجعبري أظهر (٢). والهمز المفرد: هو الذي لم يلاصق مثله (٣). وهو ثلاثة أنواع: ما يبدل، وما ينقل، وما يسكت على السّاكن قبله: النّوع الأوّل: ما اختلف فيه بالبدل والتّحقيق: وقدّم على غيره من فصول هذا الباب لما مرّ، ولكونه يعم الوقف والوصل. وينقسم إلى: ساكن ومتحرك، وكلّ منها ينقسم أيضا إلى: أصلي وزائد، والأصلي ثلاثة: فاء، وعين، ولام: القسم الأوّل: الهمزة السّاكنة: وتأتي بعد ضمّ نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿نُؤْتى﴾ والرءيا و ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ و ﴿لَوَلَّوْا﴾ و ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ و ﴿يَقُولُ اِئْذَنْ لِي﴾ (٤)، وبعد كسر نحو: ﴿بِئْسَ﴾ و ﴿جِئْتَ﴾ و ﴿شِئْتَ﴾ و ﴿وَرِءْياً﴾ و ﴿نَبِّئْ﴾ و ﴿الَّذِي اُؤْتُمِنَ﴾ (٥).

стр. 625

وبعد فتح نحو: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ و ﴿فَأْذَنُوا﴾، و ﴿وَآتُوا﴾ و ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ و ﴿مَأْواكُمُ﴾ و ﴿اِقْرَأْ﴾ و ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ و ﴿الْهُدَى اِئْتِنا﴾ (١): فقرأ ورش من طريق الأصبهاني في جميع ذلك بإبدال الهمزة في الحالين حرف مدّ من جنس سابقتها في الأسماء والأفعال، فبعد الضّم واوا، وبعد الكسر ياء، وبعد الفتح ألفا، ووجه إبدالها تعذّر تسهيلها وإخلال حذفها، وإنّما دبرت بحركة قبلها، لأنّ ما بعدها يكون إعرابا فتختلف الأبنية ولا مزية لأحدها فيغلب ولتقدير حركة سابقتها عليها ك ﴿مُوسى﴾ قاله الجعبري (٢). واستثنى من ذلك: خمسة أسماء وهي: ﴿الْبَأْسِ﴾ و ﴿الْبَأْساءِ﴾ و ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ و ﴿لُؤْلُؤٌ﴾ حيث وقع (٣) و ﴿وَرِءْياً﴾ (٤) في مريم، و ﴿كَأْسٍ﴾ و ﴿الرَّأْسُ﴾ (٥) حيث وقعا. وخمسة أفعال وهي: ﴿جِئْتَ﴾ وما جاء منه نحو: ﴿جِئْناهُمْ﴾ و ﴿جِئْتُمُونا﴾ (٦). و ﴿نَبِّئْ﴾ وما جاء منه نحو: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ و ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ و ﴿نَبَّأْتُكُما﴾، و ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ (٧).

стр. 626

و ﴿قَرَأْتَ﴾ وما جاء منه نحو: ﴿قُرْآناً﴾ و ﴿اِقْرَأْ﴾ (١). و ﴿وَهَيِّئْ﴾ (٢). ووتئوى وتئويه (٣). وأمّا من طريق الأزرق فخصّ الإبدال بالهمزة الواقعة فاءا من الفعل فقط، لأنّها تجرى مجرى المبتدأة فألحقها بأصله في النّقل نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، و ﴿يَأْلَمُونَ﴾ (٤) و ﴿يَأْخُذُ﴾، و ﴿يُؤْمِنَّ﴾، و ﴿لِقاءَنَا اِئْتِ﴾ (٥)، و ﴿الْمَأْوى﴾، و ﴿مَأْواكُمُ﴾، و ﴿فاؤُ﴾. واستثنى من ذلك ما جاء من باب «الإيواء» نحو: ﴿الْمَأْوى﴾ و ﴿فَأْوُوا﴾ وو تئوى وتئويه (٦) لأنّ التّخفيف إذا أدّى إلى التّثقيل لزم الأصل، وهو محقّق في «تؤويه» للواوين والضّمة والكسرة، ولم يبدل ممّا وقع عينا من الفعل إلاّ ب يس كيف أتى، و «البير» و «الذيب» (٧)، وحقّق ما عدا ذلك (٨). وقرأ أبو عمرو ووافقة اليزيدي (٩) بخلاف عنهما بإبدال جميع هذا الضرب إلاّ ما سكن للجزم أو البناء، وما إبداله أثقل، أو يلتبس بمعنى آخر أو لغة أخرى:

стр. 627

فأمّا الأوّل: وهو الجزم (١) فوقع في ستّة ألفاظ /: [الأول] (٢): ﴿نُنْسِها﴾ في البقرة (٣) خوف اللبس، فإنّ «ننسأها» بالهمز من التأخير كقولهم: "نسأ الله في أجلك"، لئلا يلتبس ب «ننساها» من النسيان. الثّانية (٤): «تسؤ» في ثلاثة مواضع: ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ بآل عمران والتوبة و ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ بالمائدة (٥). الثّالثة (٦): ﴿يَشَأْ﴾ بالياء، ووقع في عشرة مواضع: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بالنساء والأنعام وإبراهيم وفاطر، و ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ﴾ بالأنعام، و ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بسبحان، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ﴾، و ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ﴾ بالشورى (٧). والرابع: ﴿نَشَأْ﴾ بالنون في ثلاثة مواضع: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ بالشعراء و ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾ بسبأ، ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ بيس (٨). الخامس: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ في الكهف (٩). السّادس: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ في النجم (١٠).

стр. 628

وأمّا الثّاني: وهو ما سكن للبناء فوقع في [إحدى] (١) عشر كلمة وهي: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾ بالبقرة، و ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بيوسف، و ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ و ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ﴾ بالحجر، و ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ﴾ بالقمر ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ بالأعراف والشعراء ﴿وَهَيِّئْ لَنا﴾ بالكهف، و ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ بسبحان، و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾ بالعلق (٢). قال الجعبري: "ووجه استثناء السّاكنة للجزم والبناء محافظة على ذات حرف الإعراب والبناء ليكون السّكون نصّا، فلا يرد عليه إسكان ﴿بارِئِكُمْ﴾ ونحوه لبقاء ذات الحرف، وحركته مدلول عليها"، قال: "وتحير بعض الموجهين في هذا النّقص فالتزمه ومنع السّكون، وهو غالط في التّوهيم، وقيل: لعروض السّكون، أو لئلاّ يتوالى بين إعلالين، ويردّ عليهما نحو: فادارءتم" (٣). وأمّا الثّالث: وهو [الثّقل] (٤) ففي كلمة واحدة أتت في موضعين: وتئوى إليك بالأحزاب وتئويه في المعارج (٥)، لأنّ تحقيقه أسهل من بدله لاجتماع الواوين، واجتماعهما أثقل من الهمز. وأمّا الرّابع: وهو الالتباس ففي موضع واحد: ﴿وَرِءْياً﴾ في مريم (٦) لأنّ المهموز من «الرّواء» وهو المنظر الحسن، [والمشدد

стр. 629

مصدر روى من الماء: امتلأ، والمعنى: أحسن أثاثا ومنظرا] (١)، فلو ترك همزه لاشتبه بري الشّارب وهو امتلاؤه (٢). وأمّا الخامس: وهو الخروج من لغة إلى أخرى فهو كلمة واحدة في موضعين: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ في البلد والهمزة (٣)، لأنّه من «آصدت» أي: أطبقت، فلو ترك الهمز لخرج عن لغة من هو عنده من «أوصدت» (٤). واستثنوا أيضا ﴿بارِئِكُمْ﴾ موضعي البقرة (٥) حالة قراءته بالسّكون كما نصّ عليه مكّي في (التّبصرة) محافظة على ذات حرف الإعراب، وأبدلها أبو الحسن ابن غلبون فيهما منفردا بذلك طلبا للتخفيف، وبه قطع في (التّيسير) تبعا لشيخه وإلى الوجهين أشار الشّاطبي بقوله: وبارئكم بالهمز حال سكونه … وقال ابن غلبون بياء تبدّلا فالاستثناء من زياداته على (التّيسير)، وإنّما نسبه إليه لنصه عليه في (التّذكرة) وعبارته: "وكذا أيضا السّوسي بترك همز ﴿بارِئِكُمْ﴾ في الموضعين" (٦) انتهى. وعورض بأنّ إسكان الهمزة فيهما عارض [لأن أصله الحركة] (٧) فلا يعتدّ به، وإذا كان السّاكن اللازم حالة الجزم والبناء لم يعتدّ به فهذا أولى وأيضا فلو اعتدّ بسكونها وأجريت مجرى اللازم كان إبدالها مخالفا لأصل أبي عمرو لأنّه يشتبه بأن

стр. 630

يكون من «البرا» وهو التّراب، ولم يخفف ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ لذلك مع أصالة السّكون فيهما فلهذا كان التّحقيق في هذا أولى وهو الصّواب (١) انتهى. تنبيه خصّ في (الشّاطبيّة) الإبدال بالسّوسي، ومفهومه تخصيص الدّوري، وهو مخالف لأصله من جهة تخصيص المبدل ومن جهة تعميم البدل في كلّ حال، وعمّم في الأصل وخصّص وعبارته كما سبق في الإدغام: "اعلم أنّ أبا عمرو كان إذا قرأ في الصّلاة أو/أدرج قراءته أو قرأ بالإدغام لم يهمز كلّ همزة ساكنة" (٢) انتهى. فإن قلت: لم آثر الصّلاة بالبدل؟. أجيب: بأنّ الصّلاة يقرأ فيها بما خفّ من القراءة لئلاّ يشتغل المصلي بالألفاظ عمّا هو أهم، وقد روي عن حمزة أنّه كان لا يهمز فيها مع أنّه صاحب الهمز في الوصل، وعن الكسائي: "من علامة الأستاذية ترك الهمز في المحاريب" (٣) انتهى. وقد أجيب عن تخصيص الشّاطبي بالسّوسي بأنّ القراءة بالبدل وقعت من طريقه وعنه انتشر أكثر من الدّوري. وعورض بأنّ رواية الشّاطبي (التّيسير)، وقد أجراه للدّوري والسّوسي واشتهاره عنهما لا يخفى استواؤه كما يشهد به كتب المحققين. وأجيب: بأنّ للنّقلة في الخلاف طريقين الإطلاق والتّرتيب فاختار الشّاطبي طريقة التّرتيب وفاقا للصّقلي وابن شريح على قاعدة أرباب الاختيارات فنقض وجه تخفيف الدّوري ووجه تحقيق السّوسي (٤).

стр. 631

وأجيب عن تعميمه البدل: بأنّ الدّاني في (جامعه) نقل عن إبراهيم من رواية عبيد الله وغيره عن اليزيدي أنّ أبا عمرو كان إذا قرأ فأدرج القراءة لم يهمز ما كانت الهمزة فيه مجزومة، ثمّ قال: "فدل على أنّه إذا لم يسرع في قراءته واستعمل التّحقيق همز"، قال: "وحكى أبو شعيب عنه أنّ أبا عمرو كان إذا قرأ في الصّلاة لم يهمز"، ثمّ قال: "فدل ذلك على أنّه كان إذا قرأ في غير الصّلاة سواء استعمل الحدر أو التّحقيق همز"، قال: "وحكى أبو عبد الرحمن وإبراهيم من راوية العباس وأبو حمدون وأبو خلاّد ومحمد بن شجاع وأحمد بن حرب عن الدّوري أنّ أبا عمرو كان إذا قرأ لم يهمز"، ثمّ قال: "فدل ذلك على أنّه كان لا يهمز على كلّ حال في صلاة أو غيرها وفي حدر أو تحقيق"، انتهى (١). فحصل من ذلك طريقان قال الجعبري: "فاختار في (التّيسير) الخصوص لأنّه أكثر النّصوص، واختار الشّاطبي العموم لشهرته في الاداء" (٢)، انتهى. والذي تحرّر في نحو: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾، و ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ (٣) بالنّسبة إلى الإدغام الكبير والإظهار والإبدال والتّحقيق ثلاثة مذاهب كما سبق في باب الإدغام وهي: الإظهار مع الإبدال، والإدغام مع الإبدال للسوسى، والإظهار مع التّحقيق للدّوري، وامتناع التّحقيق مع الإدغام، وكذا مع المدّ. وقرأ أبو جعفر جميع هذا الضّرب بالإبدال، ولم يستثن من ذلك كله إلاّ كلمتين ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ في البقرة ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ في [الحجر] (٤).

стр. 632

واختلف عنه في ﴿نَبِّئْنا﴾ بيوسف (١)، وبالتّحقيق قطع له أبو العلاء الحافظ (٢). واتّفق الرّواة عنه على قلب الواو المبدلة من همز «رؤيا»، و ﴿الرُّؤْيَا﴾ وما جاء منه ياء وإدغامها في الياء التي بعدها معاملة للعارض معاملة الأصلي، وعلى الجمع بين الواو المبدلة من همزة وتئوى وتئويه وبين واوها الأصلية مظهرا (٣). تنبيه إذا لقيت الهمزة السّاكنة ساكنا فحرّكت لأجله كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ في الأنعام، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ﴾ في الشورى (٤) خفّفت في مذهب الأصبهاني عن ورش، وكذا أبو جعفر كما نصّ عليه الدّاني في (جامعه)، وإذا سكنت المتحركة للوقف نحو: ﴿يَشَأْ﴾ و ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ و ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ﴾ فهي محقّقة عند من يبدل السّاكنة اتفاقا كالأصبهاني، وكذا أبو جعفر، وأمّا حمزة فعلى أصله في الوقف (٥). وهاهنا حروف أبدلها بعض القرّاء وفاقا للمبدلين المذكورين وهي سبعة ألفاظ: أحدها: ﴿الذِّئْبُ﴾ في ثلاثة مواضع في يوسف ﴿الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ﴾، و ﴿الذِّئْبُ وَما﴾ و ﴿الذِّئْبُ وَنَحْنُ﴾ (٦) فقرأها ورش من طريق الأزرق كالأصبهاني/ والكسائي وكذا خلف بالإبدال (٧). ثانيها: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ بالكهف والأنبياء (٨)، فقرأها بالهمز عاصم ووافقه

стр. 633

الأعمش، وقرأ الباقون بغير همز، وافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن (١). وثالثها: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ و ﴿لُؤْلُؤٌ﴾ (٢) قرأه بالإبدال أبو بكر وفاقا لأبي عمرو، وأبي جعفر ووافقهم اليزيدي وهي لغة بني أسد ذكره الفرّاء، قيل: ولا وجه له إلاّ اللغة العربية المحكية عن العجّاج أنّه كان يهمز «العألم» و «الخأتم»، وقراءة الباقين بغير همز هي لغة كلّ العرب غير بني أسد، قاله أبو حيّان في (البحر) (٣). وهل الهمز أصل أم تركه؟، يأتي إن شاء الله - تعالى - البحث فيهما في سورة الكهف، وبالله المستعان. ورابعها: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ و ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ (٤) قرأه بالإبدال فيهما قالون من طريق أبي نشيط فيما قطع به ابن سوار وصاحب (الكفاية) والحافظ أبو العلاء، وهو الصحيح عن الحلواني، ورواه الجمهور عن قالون بالهمز، ولم يذكر المغاربة والمصريون عنه غيره، وذلك وفاقا لورش من طريقيه، وأبي عمرو وكذا أبي جعفر وافقهم اليزيدي (٥). خامسها: ﴿ضِيزى﴾ في النّجم (٦) قرأه ابن كثير بالهمز ووجه على أنّه مصدر ك ﴿ذِكْرى﴾ (٧) وصف به، وأنشد الأخفش (٨):

стр. 634

فإن تنأ عنك تقتنصك وإن تغب … فسهمك مضؤوز وأنفك راغم ووافقه ابن محيصن (١)، وقرأه الباقون بالإبدال، قال أبو حيّان: "والظاهر أنّه صفة على وزن «فعلى» بضم الفاء كسرت لتصحّ الياء، ويجوز أن تكون مصدرا على وزن «فعلى» ك «ذكرى» ووصف به" (٢) انتهى، يعني أنّ وزنه في الأصل مضموم لأنّ الصّفات إنّما جاءت بالضم أو الفتح ك «سكرى» كثيرا، والكسر قليل كما حكاه ثعلب مشبه «حبلى» و «سفلى» فأصله «ضيزى» بضاد مضمومة بعدها ياء ساكنة فقلبت الضّمّة كسرة [لتسلم الياء] (٣) ك «بيض» و «الضيزى» الجائرة من «ضازه»، «يضيزه»، إذا ضامه، قال الشّاعر (٤): ضازت بنو أسد بحكمهم … إذ هم يجعلون الرأس كالذّنب وافقهم اليزيدي والحسن والأعمش (٥). سادسها: ﴿وَرِءْياً﴾ بمريم (٦) قرأه بتشديد الياء من غير همز قالون وابن ذكوان، وكذا أبو جعفر، وقرأ الباقون بالهمز. سابعها: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ في الموضعين (٧) قرأهما بالهمز أبو عمرو، وحفص، وحمزة وكذا يعقوب وخلف وافقهم اليزيدي والحسن والأعمش، وقرأ الباقون وهم

стр. 635

نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر والكسائي وكذا أبو جعفر بالإبدال وافقهم ابن محيصن (١). وعن الأعمش من طريق الشّنبوذي إبدال ﴿سُؤْلَكَ﴾ في طه (٢). وعن الحسن إبدال ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ و ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ مع كسر الهاء (٣). وعن ابن محيصن إبدال نحو: ﴿الْهُدَى اِئْتِنا﴾، و ﴿الَّذِي اُؤْتُمِنَ﴾ (٤) وفاقا من الثّلاثة لمبدليها (٥). ووجه تخصيص السّاكنة بالتّخفيف هو أنّ العلماء اتّفقوا على أنّ كلّ حرف مد ساكنه أخفّ من متحركه، واختلفوا في الهمز فأكثرهم على أنّ ساكنها أثقل من متحركها لاحتباس النّفس، وفقد ما يعين على إخراجها، ومن ثمّ صعب الوقف عليها وأورد عليه إسكان ﴿بارِئِكُمْ﴾، وأجيب: بأنّ الغرض تخفيف الحركة لا الحرف بدليل ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ وقيل: متحركها أثقل لكثرة العمل كالبواقي فعلى الأوّل لكونها أثقل، وعلى الثّاني للزومها طريقة في التّخفيف والمتحركة تتشعب أنحاؤها (٦). *****
следующие страницы →