← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30041

لطائف الإشارات لفنون القراءات

القسطلاني

Полный текст (3 984 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

مرّتين: بمكة حين فرضت الصّلاة، وبالمدينة لمّا حوّلت القبلة (١). والسّورة: جمعها سور، وفيها لغتان: إحداهما: الهمز، والآخر: بغير همز: فبغير همز هي: المنزلة من منازل الارتفاع، ومن ثمّ سمّي سور البلد لارتفاعه على ما يحويه، ومنه قول النابغة (٢): ألم تر أنّ الله أعطاك سورة … ترى كلّ ملك دونها يتذبذب يعني منزلة من منازل الشّرف التي قصرت عنها منازل الملوك فسمّيت السّورة لارتفاعها وعلوّ قدرها. وأمّا السّؤر بالهمز فهو القطعة التي فصلت من القرآن عمّا سواها، وأبقيت منه لأنّ سؤر كلّ شيء بقيّته بعد ما يؤخذ منه، ومن ثمّ سمّي ما فضل في الأناء بعد الشّرب منه سؤرا، ومنه: "إذا شربتم فأسئروا" (٣)، يعني فأبقوا فضلة في الإناء (٤). وهل يكره أن يقال: سورة كذا كسورة الفاتحة أو سورة البقرة مثلا؟، الصحيح لا (٥).

стр. 982

و «الفاتحة»: مكّيّة (١) في قول ابن عباس وقتادة، ومدنية (٢): في قول أبي هريرة ومجاهد وعطاء. وحروفها: مائة وعشرون (٣).

стр. 983

وكلمها: خمس وعشرون (١). وآيها: سبع متفق الإجمال (٢). وخلافها: آيتان ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ عدّها مكّي وكوفي (٣)، ولم يعدّا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ،﴾ وعكسه: مدني وبصري وشامي (٤). وفيها ما يشبه الفاصلة: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٥).

стр. 984

وفواصلها (١): ﴿ … الرَّحِيمِ﴾ (١) ﴿الْعالَمِينَ﴾ (٢) ﴿ … الرَّحِيمِ﴾ (٣) ﴿ … الدِّينِ﴾ (٤) ﴿. نَسْتَعِينُ﴾ (٥) ﴿ … الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) ﴿ … الضّالِّينَ﴾ (٧) وسبب الاختلاف/في الآي: أنّ النّبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي للتّوقيف، فإذا علم محلها، وصل للأصالة والتّمام، فيحسب السّامع أنّها ليست فاصلة، وأيضا البسملة نزلت مع السّور في بعض الأحرف السّبعة؛ فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدّها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدّها. ثمّ إنّ مدار العدد على عشرة من أهل الأمصار: فمن مكة: عبد الله بن كثير، ومجاهد بن جبر. ومن المدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وأبو نصاح شيبة بن نصاح، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، ونافع بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن جعفر. ومن البصرة: أبو المجشر عاصم بن الحجاج الجحدري. ومن الشام: عبد الله بن عامر اليحصبي، وأبو عمر يحيى ابن الحارث الذماري

стр. 985

الدمشقي، وأبو حيوة شريح بن يزيد الحمصي. فهؤلاء الذين اشتهر عنهم العدد وتصدّوا لتعليمه. فإذا اتّفق أبو جعفر وشيبة ونافع وإسماعيل قيل: مدني أوّل، وإن انفرد عنهم فمدني أخير، وإذا اتّفق ابن كثير ومجاهد فمكي فإن وافق المدني فحجازي، وإذا اتّفق كوفي وبصري فعراقي، وإذا اتّفق ابن عامر ويحيى فدمشقي، فإن وافقهما أبو حيوة فشامي (١). وفائدة اختلاف السّور بالمكي والمدني: معرفة الناسخ والمنسوخ لأجل التّقدّم والتّأخر، وله طريقان: سماعي وقياسي: فالسّماعي: ما وصل إلينا نزوله بأحدهما. والقياسي: قال علقمة عن عبد الله كلّ سورة فيها ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فقط بخلاف «الحج»، أو أوّلها حرف تهجّ سوى «الزّهراوين» (٢) و «الرّعد» في وجه، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهي مكّيّة، وكلّ سورة [فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية فهي مكية، وكل سورة فيها] (٣) فريضة أو حدّ فهي مدينة (٤). ومن فوائد الفواصل: الإمالة (٥).

стр. 986

ومن فوائد الكلمات: جواز الإشارة بالرّوم والإشمام في الوقف، وإلحاق هاء السّكت، وتعليق اليمين على التّلفظ بكلمة. ومن فوائد الحروف: السّكت على حروف الهجاء، وفساد الصّلاة بالتّلفظ بحرفين أو حرف مفهم من غير القرّاء، ومن ثمّ ابتغي تعيينها، واحتيج إلى إيضاحها وتبيينها. وسبب الاختلاف في الكلم: أنّ الكلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كلّ منها جائز، وكلّ من العلماء اعتبر أحد الجوائز ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ كلّ من الكلم الأربع كلمتان حقيقة، وكلمة مجازا (١)، ونحو ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ ثلاث كلمات لفظا، وكلمة رسما (٢).

стр. 987

وسبب الاختلاف في الحروف: أنّ كلّ حرف مشدّد حرفان في الأصل، وحرف واحد في اللفظ والرسم، وبعض الحروف يثبت في بعض الأحرف السّبعة دون بعض، وبعض الحروف ثابت لفظا لا رسما، وبعضها رسما لا لفظا نحو: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وَسارِعُوا﴾ (١) و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ (٢) و ﴿أُولُوا قُوَّةٍ﴾ (٣) فاعتبر كلّ جهة من الجهات الجائزة فزاد بذلك أو نقص، [قاله الجعبري] (٤). *****

стр. 988

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القراءات وتوجيهها ذكر البسملة: وهي مصدر «بسمل» نحو: «حوقل»، و «هيلل»، و «حمدل» إذا قال: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»، و «لا إله إلا الله»، و «الحمد لله»، وهذا شبيه بباب النّحت في النّسب أي إنّهم يأخذون اسمين فينحتون منهما لفظا واحدا فينسبون إليه كقولهم: «حضرمي»، و «عبقسي»، و «عبشمي» نسبه إلى: «حضرموت»، و «عبد القيس»، و «عبد شمس»، قال (١): وتضحك منّي شيخة عبشميّة … كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا وهو غير مقيس فلا جرم أنّ بعضهم قال في: «بسمل» و «هيلل» إنّها لغة مولّدة، (٢) قال الماوردي (٣): يقال لمن قال: «بسم الله»: «مبسمل»، وهي لغة مولّودة، وقد جاءت في الشعر، قال عمرو بن أبي ربيعة (٤): لقد بسملت ليلى غداة لقيتها … فيا حبّذا ذاك الحديث المبسمل

стр. 989

/ونقلها غيره من أهل اللغة، ولم يقل إنّها مولّدة كثعلب والمطرز (١). والكلام على البسملة في مباحث: الأوّل: لا خلاف أنّها بعض آية من «النّمل» في قوله و ﴿إِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢)، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي:" اتّفق النّاس على أنّها آية من كتاب الله تعالى في سورة «النمل» " (٣)، وكأنّه تساهل في قوله آية؛ وإنّما هي بعض آية كما نصّ عليه الإمام أبو بكر الرّازي (٤) وعبارته:" لا خلاف بين النّاس أنّها ليست بآية تامة في سورة «النمل» وأنّها هناك بعض آية، وأنّ ابتداء الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ " (٥)، ولا خلاف أيضا أنّ نصفها الأوّل بعض آية نحو ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها﴾ (٦)، وكذا الأخير نحو ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٧). واختلف فيها أوّل «الفاتحة»: فذهب إمامنا الشّافعي إلى أنّها آية مستقلة من أوّل «الفاتحة» بلا خلاف عنده ولا عند أصحابه لحديث أم سلمة المروي في البيهقي وصحيح ابن خزيمة:" أنّ رسول الله ﷺ قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوّل «الفاتحة» في الصّلاة وعدها آية " (٨)، وفي رواية إمامنا الشّافعي قال: قرأ رسول الله ﷺ «فاتحة الكتاب» فعدّ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ﴾

стр. 990

﴿الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آية، ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آية، ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية، ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ آية، وهذا استدلال جيد لولا أن يقال:" إن عدها آية "من فهم الرّاوي، قال الذّهبي في مختصر السنن:" إن كان العدد بلسانه في الصّلاة فذاك مناف للصلاة، وإن كان بأصابعه فلا يدلّ على أنّها آية من «الفاتحة» "، وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أنّ «الفاتحة» هي «السبع المثاني»، وهي سبع آيات، وأنّ البسملة هي الآية السابعة، وعن ابن عباس أيضا في قوله - تعالى - ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ (١) قال: هي فاتحة الكتاب، قيل فأين السابعة؟، قال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ وفيه نظر إذ غاية ما فيه أنّه قول الصّحابي، وأنتم لا ترونه حجّة، لا يقال أنّهم قالوه ولم يخالفوا؛ فكان إجماعا سكوتيا لأنّ الواقع بخلافه، فكم من مخالف حينئذ، وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا قرأتم الحمد فاقرأوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إنّها «أم القرآن»، و «أم الكتاب»، و «السبع المثاني»، و ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إحدى آياتها " (٢)، قال الدّارقطني: رجال إسناده كلّهم ثقات، وأيضا فهي آية مستقلة منها في أحد الحروف السّبعة المتّفق على تواترها، وعليه ثلاثة من القرّاء السّبعة كما سيأتي إن شاء الله - تعالى -. وأمّا غير «الفاتحة» ففيها ثلاثة أقوال (٣): أحدها: أنّها ليست بآية تامة من أوّل كلّ سورة بل هي بعض آية. ثانيها: أنّها ليست بقرآن في أوائل السّور خلا «الفاتحة».

стр. 991

ثالثها: أنّها آية تامة من أوّل كلّ سورة سوى «براءة». واستدلّوا لذلك بإثباتها في المصحف الكريم أوّل كلّ سورة سوى «براءة» دون الأعشار وتراجم السّور والتعوذ، فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك لأنّه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، وروي عن ابن عباس أنّه قال:" من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله "، فسمّاها آية، لكن قوله:" أربع عشرة "لا يتأتى إلاّ مع الإتيان بها أوّل «براءة»، وقد أجمعوا على إسقاطها منه إلاّ ما حكاه الأهوازي (١) فيما نقله عنه العلاّمة شهاب الدين السمين الحلبي أنّ بعضهم أثبتها أوّلها قال:" وهو شاذ غريب "، وقد يتأيّد بما نقل عن ابن عباس إن صحّ، وقد أجاب الخصوم عن هذا الدليل/بأن إتيانها مهم لعلة الفصل بين السّور والإيذان بانقضائها والابتداء بغيرها، وقد ردّ أصحابنا هذا الوجه من أوجه: منها: أنّه لا يجوز ارتكاب مثل هذا لمجرد الفصل. ومنها: أنّها لو كانت للفصل لكتبت بين «براءة» و «الأنفال». ومنها: لو كانت للفصل لم تكتب أوّل «الفاتحة». ومنها: لو كانت للفصل لاكتفي عنها بتراجم السّور كما اكتفي بذلك بين «براءة» و «الأنفال». واستدل أصحابنا أيضا بحديث نزول سورة «الكوثر» المروي في مسلم ففيه: أنّه ﷺ قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٢)، وجه الدلالة منه أنّه قرأها مع ما سماه سورة، وفي حديث ابن عباس المروي في المستدرك للحاكم وصححه: كان النّبي ﷺ لا يعرف فصل السّورة حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ وكذا رواه أبو داود، وفي المستدرك أيضا نحوه من حديث عمرو بن دينار

стр. 992

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (١)، لكن في الاستدلال به نظر لا يخفى إذ لا يلزم من مجرد قراءته ذلك أن يكون قرآنا لاحتمال التبرك بذلك كما لا يدلّ إتيانه بقوله:" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "ونحوه بأنّه قرآن، قال الغزالي: ما معناه كما نقله العلاّمة شهاب الدين الحلبي: إنّ هذه الأحاديث متعاضدة مقوية للظن بكونها قرآنا، والظّن كاف في مثله، وخالف القاضي أبو بكر الباقلاّني وشنّع على مذهب الشّافعي وقال: كيف يثبت القرآن بالظّن، وأنكر عليه الغزالي، وأقام الدليل على الاكتفاء بالظن فيما نحن بصدده ممّا يطول ذكره، وقد نقل في (البسيط) (٢) عن العراقيين خلافا في أنّ المسألة ظنية أو قطعية، وتحرير الخلاف كما نقله الماوردي والبندنيجي (٣) أنّ في المسئلة وجهين (٤): أحدهما: أنّها قرآن على سبيل القطع. والثّاني: أنّها قرآن على سبيل الحكم؛ بمعنى أنّها لا تصحّ الصّلاة إلاّ بقراءتها في أوّل «الفاتحة»، ولا يكون قارئا للسّورة بكمالها إلاّ إن ابتدأ بها، وهذا هو الصّحيح، قال بعضهم:" وكيف تكون قطعية وقد أجمع المسلمون على أنّها لا يكفر نافيها من القرآن غير سورة «النمل»، ولو كانت قرآنا قطعيّا لكفر نافيها فعلى هذا يقبل في إثباتها خبر الآحاد كسائر الأحكام، وإذا قلنا أنّها قطعية لا نقبل فيها خبر الآحاد كسائر القرآن: انتهى، وقال غيره: "وكما لا نكفّر نافيها كذلك لا نكفّر مثبتها في القرآن لأنّ الإجماع قائم على أنّ من زاد في القرآن حرفا واحدا كفر"، وما ذكره هذا القائل وهذا الدليل ممنوع، ولعدم التّكفير وجه آخر أظهر من هذا وهو: أنّ قوّة الشبهة منعت

стр. 993

التّكفير من الجانبين لا لكونها غير قطعية، وقال الماوردي: "قال جمهور أصحابنا هي آية حكما لا قطعا، وقال أبو علي بن أبي هريرة (١): هي آية من أوّل كلّ سورة غير «براءة» قطعا" (٢)، قال الشّيخ شهاب الدين الحلبي: "وهذا الذي قاله أبو علي هو الحق، لا أعتقد قرآنية شيء إلاّ أن يكون مقطوعا به، ولا يضرّ الخلاف فيه فإنّ من رواها قرآنا مكمل للقطع، وهو التّواتر مع استواء الطّرفين والوسط، وأمّا النافيين لقرآنيتها فإنّهم لم يصل النّقل عندهم إلي حدّ التّواتر. وقد أجمع القرّاء العشرة عليها أوّل كلّ سورة ابتدأ بها القارئ إلاّ «براءة» كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي والأعمش (٣). أمّا على قراءة من فصل بها بين السّورتين الآتي تعريفه - إن شاء الله تعالى - فواضح، وأمّا على قراءة من ألغاها فللتّبرك وموافقة خط المصحف لأنّها عند من ألغاها إنّما كتبت لأوّل السّورة تبركا، وهو فلم يلغها/في حالة الوصل إلاّ لكونه لم يبتدئ، فلمّا ابتدأ لم يكن بدّ من الإتيان بها لئلا يخالف المصحف وصلا ووقفا فيخرج عن الإجماع، فكان ذلك عنده كهمزات الوصل تحذف وصلا وتثبت ابتداء، ولذلك لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أوّل «الفاتحة» سواء وصلت ب «النّاس» أو ابتدئ بها لأنّها ولو وصلت لفظا فإنّها مبتدئ بها حكما، قال في (التّيسير):" ولا خلاف في التسمية في أوّل فاتحة الكتاب وفي أوّل كلّ سورة ابتدأ القارئ بها ولم يصلها بما قبلها في مذهب من فصل أو لم يفصل " (٤)، وتعقبه الجعبري فقال:" التّحقيق أنّ المراد بسملة الفصل، ولم يثبتها أحد أوّل «الفاتحة»، وأمّا بسملتها فجزء منها كما تقرّر فلا

стр. 994

حاجة إلى التّعرض لها " (١)، ثمّ قال ملغزا (٢): يا علماء العصر حيّيتم … دونكم من خاطري مسألة ما سورتان اتّفق الكلّ … على أن يثبتوا بينهما بسملة وأجمعوا أيضا على أنّهم … لم يثبتوا بينهما بسملة ثمّ أجاب بقوله: مالي أرى المقرئ المشرفي … يبهم أعلام الهدى الواضحة سألتنا عن مبهم واضح … هما هديت النّاس والفاتحة إذ تلك جزء لا لفصل كذه … وتركت بل نافت الفاضحة فجعل علّة البسملة أوّل «الفاتحة» حاله الوصل كونها جزءا منها، ولا تتمّ له هذه العلة إلاّ إن اتّفق كلّ القرّاء على جزئيتها وليس كذلك، فقد قال السّخاوي:" اتّفق القرّاء عليها أوّل الفاتحة، وابن كثير وعاصم والكسائي يعتقدونها آية منها ومن كلّ سورة، ووافقهم حمزة على «الفاتحة» فقط، وأبو عمرو وقالون ومن تابعه من قرّاء المدينة لا يعتقدونها آية من «الفاتحة» " (٣) انتهى. وتعقبه ابن الجزري في قوله:" ومن كلّ سورة "فلو قال:" يعتقدونها من القرآن أوّل كلّ سورة "، لكان أسدّ لأنّا لا نعلم أحدا منهم عدّها آية من كلّ سورة سوى «الفاتحة» نصّا، قال:" وأمّا قوله أنّ قالون ومن تابعة من قرّاء المدينة لا يعتقدونها آية من «الفاتحة» "، فيه نظر إذ قد صحّ نصّا أنّ إسحاق بن محمد المسيبي أوثق أصحاب نافع وأجلّهم قال: سألت نافعا عن قراءة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فأمرني بها وقال:

стр. 995

أشهد أنّها من السبع المثاني، وأنّ الله أنزلها، روى ذلك الحافظ أبو عمرو الدّاني بإسناد صحيح (١) انتهى. وعن الحسن: البسملة في أوّل «الفاتحة» فقط، ولم يسمّ في غيرها، ورواه شريح عن حمزة، وصاحب (المبهج) عن خلف (٢). المبحث الثّاني: في حكمها بين السّورتين: اختلف في الفصل بينهما بالبسملة وتركه: فقرأ قالون وورش من طريق الأصبهاني وابن كثير وعاصم والكسائي وكذا أبو جعفر بالفصل بينهما بالبسملة لأنّها عندهم آية لحديث سعيد بن جبير: "كان ﵊ لا يعلم انقضاء السّورة حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ " (٣)، ولثبوتها في المصحف بين السّورتين ما عدا «براءة»، وتكرير نزولها دليل على أنّها منها، ووافقهم ابن محيصن والمطّوّعي. واختلف عن ورش من طريق الأزرق وأبي عمرو وابن عامر، وكذا يعقوب في الوصل والسكت، والبسملة بينهما جمعا بين الدليلين، ووافقهم اليزيدي: فأمّا/ورش فالبسملة له في (التّ الثّلاثة في (الشّاطبيّة) (٤)، والوصل من غير بسملة قطع له به في (العنوان) و (المفيد)، وهو الثّاني في (الشّاطبيّة) (٥)، وبالسكت ابنا غلبون وابن بلّيمة وهو الذي في (التّيسير)،

стр. 996

وبه قرأ الدّاني على جميع شيوخه، وهو الثّالث في (الشّاطبيّة) (١). وأمّا أبو عمرو فقطع له بالوصل من غير بسملة صاحب (العنوان)، وهو أحد الوجهين في (الشّاطبيّة) وفاقا ل (جامع البيان)، وبه قرأ الدّاني على شيخه الفارسي (٢)، وبالسّكت صاحب (الهداية) في الوجة الثّاني، وهو الذي في سائر كتب العراقيين لغير ابن حبش عن السّوسي، واختاره الدّاني، وهو الوجه الآخر في (الشّاطبيّة) (٣)، وقطع له بالبسملة صاحب (الهادي)، ورواه ابن حبش عن السّوسي (٤). وأمّا ابن عامر فقطع له بالبسملة في (العنوان) (٥) وفاقا لسائر العراقيين، وبه قرأ الدّاني على أبي الفتح والفارسي ولم يذكر المالكي في (الرّوضة) سواه (٦)، وبالوصل صاحب (الهداية)، وهو أحد الوجهين في (الشّاطبيّة) (٧)، وبالسكت في (التّبصرة)، واختاره الدّاني وهو الآخر في (الشّاطبيّة) (٨).

стр. 997

وأمّا يعقوب فقطع له بالبسملة الدّاني (١)، وبالوصل صاحب (الغاية) (٢)، وبالسكت صاحب (المستنير) كسائر العراقيين (٣). فالوصل: لبيان ما في أواخر السّور من إعراب وبناء وهمزات وصل ونحو ذلك. والسكت: لأنّهما آيتان وسورتان، وفيه إشعار بالانفصال، واشترط في السّكت أن يكون من دون تنفس (٤). واختلفت ألفاظهم في التّأدية عن زمن السّكت، وفي (المبهج): "وقفة تؤذن بإسرارها"، أي البسملة، وهذا يدل على المهلة، وفي (جامع البيان): "سكتة خفيفة من غير قطع شديد"، وقال أبو العز: "سكتة يسيرة"، إلى غير ذلك من ألفاظهم المخرج استقصاؤها عن غرض الاختصار، وخصوصا حاصلها يرجع إلى أنّه دون زمن الوقف عادة، وهم في مقداره بحسب مذاهبهم في التّحقيق والحدر والتوسط حسبما تحكمه المشافهة، قال في (النّشر): "والصّواب حمل «دون» من قولهم:" دون تنفس "أن تكون بمعنى: غير، كما دلّت عليه نصوصهم، وما أجمع عليه أهل الأداء من المحققين من أنّ السّكت لا يكون إلاّ مع عدم التّنفس سواء قلّ زمنه أم كثر" (٥)، ويؤيّده ما تقدم عن صاحب (المبهج) فإنّ الزّمن الذي يؤذن بإسرار البسملة أكثر من زمن إخراج النّفس بلا نظر، وقد علم بهذا أنّ حمل «دون» على معنى «أقل» خطأ، وعلى تقدير حملها على معنى «أقلّ» فلا بدّ من تقديره كما قدّروه بقولهم: أقلّ من زمن إخراج النّفس ونحو ذلك، وعدم التّقدير أولى (٦)، والله أعلم.

стр. 998

تنبيه اختلف الشّراح في قول الشّاطبي (١): ولا نصّ كلاّ حبّ وجه ذكرته … وفيها خلاف جيده واضح الطّلا فقيل: أي لا رواية لذي «كاف» «كلا» و «حاء» «حب» ابن عامر وأبي عمرو في البسملة عن شيوخنا، وفي إثباتها وحذفها لذي «جيم» «جيده» ورش وجهان مشهوران، فعلى هذا التّفسير لا بسملة لأبي عمرو وابن عامر في رواية الشّاطبي، وهو رأي الشّارح الأوّل (٢)، لكن وجّه النّفي إلى التّخيير أي ثبت عن الاثنين ترك البسملة، ولا نصّ لهما في السّكت ليمتنع الوصل، ولا في الوصل ليمتنع السّكت، فأخذ النّقلة بالتّخيير لكن مفهومه أنّ لورش في أحدهما نصّا، وليس كذلك، وهو مطابق لقول/ (التّيسير) حيث قال: "الباقون فيما قرأنا لهم لا يبسلمون" (٣)، ووجه البسملة لورش من الزّيادات … ، وقيل: لا رمز في هذا البيت والنفي متوجه إلي التّخيير، والمعنى: لا رواية في التّخيير للثلاثة، وفي البسملة عن المخيرين خلاف مشهور، وعلى هذا التّفسير البسملة للثلاثة من الزّيادات " (٤) انتهى، والأوجه في نظري الثّاني لأنّا إن قلنا بالرّمزية للثّلاثة لزم أن يكون عن ورش نصّ في التّخيير وليس كذلك كما مرّ، وأنّه لا خلف عن أبي عمرو وابن عامر في البسملة وهو خلاف المنقول، لا يقال أنّه يلزم منه مع مفهوم قوله (٥): وبسمل بين السّورتين بسنّة … رجال نموها درية وتحمّلا تناقض حيث ثبت لهم عدمها من قاعدته، ثمّ أثبتها لهم لأنّا نقول أنّه ذكر وفاق

стр. 999

الأربعة على إثباتها، ثمّ ذكر الخلاف عن الثّلاثة، وحينئذ فلا تناقض، وإن سلمناه فارتكابه مع البيان أولى من ارتكاب مخالفة المنقول، [نعم عدم البسملة لأبي عمرو وابن عامر وورش وهو طريقه ك (التيسير)] (١)، ثمّ إنّ ما ذكر من الخلاف بين السّورتين هو عام بين كلّ سورتين سواء كانتا مرتّبتين أو غير مرتّبتين، فلو وصل آخر «الفاتحة» ب «الأنعام» مثلا جازت البسملة وعدمها - كما تقدم -، أمّا لو وصلت بأوّلها كأن كرّ" لم أجد فيه نصّا، والذي يظهر البسملة قطعا فإنّ السّورة والحالة هذه مبتدأة كما لو وصلت النّاس ب «الفاتحة» " (٢) انتهى. وإذا فصل بين السّورتين بالبسملة جاز لكلّ من رويت عنه ثلاثة أوجه: وصلها بالماضية مع الآتية لأنّه الأصل، وفصلها عنهما لأنّ كلاّ من الطرفين وقف تام، وفصلها عن الماضية ووصلها بالآتية، قال الجعبري:" وهو أحسنها لإشعاره بالمراد وهو: أنّها لتبرك الابتداء أو من السّورة "، ويمتنع وصلها بالماضية وفصلها عن الآتية لأنّ البسملة لأوائل السّور لا لأواخرها، والمراد بالفصل والقطع الوقف كما نصّ عليه الشّاطبي بقوله (٣): فلا تقفنّ الدّهر فيها فتثقلا وتعقبه الجعبري فقال:" لو قال: "فلا تسكتن" لكان أسدّ يعني بالمهملة لما يلزم من نفي السّكت نفي الوقف بخلاف العكس "، وتعقبه ابن الجزري فقال:" إنّه وهم لم يتقدمه إليه أحد، قال: وكأنه فهمه من كلام السّخاوي حيث قال: "فإذا لم تصلها بآخر السّورة جاز أن تسكت عليها"، فلم يتأمله، ولو تأمله لعلم أنّ مراده بالسكت: الوقف، فإنّه قال أوّل الكلام اختيار الأئمة لمن يفصل بالتّسمية أن يقف القارئ على

стр. 1000

أواخر السّورة ثمّ يبتدئ بالتّسمية " (١) انتهى. وقرأ حمزة وكذا خلف بوصل آخر السّورة بأوّل التي تليها من غير بسملة لأنّ القرآن عندهما كالسّورة الواحدة، قال حمزة فيما رووا عنه:" القرآن عندي كالسّورة الواحدة فإذا بسملت في «الفاتحة» أجزأني ولم أحتج إليها كالأبعاض، وإذا لم أحتج إلى الفصل بالبسملة لم أحتج إلى السّكت " (٢). واحتجّوا لترك البسملة بحديث ابن مسعود المروي: كنّا نكتب:" باسمك اللهم "، فلما نزل ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها﴾ كتبنا «بسم الله»، فلمّا نزل ﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ﴾ كتبنا «بسم الله الرحمن»، فلمّا نزل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ كتبناها" (٣)، قالوا: فهذا دليل على أنّها لم تنزل أوّل كلّ سورة، والله أعلم. وقد اختار كثير من أهل الأداء عن من وصل السّورة بالسّورة لمن ذكر من ورش وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وكذا يعقوب السّكت بين «المدّثر» و «القيامة»، وبين «الانفطار» و «المطففين»، وبين «الفجر» و «البلد»، وبين «العصر» و «الهمزة» كاختيار الآخذين بالسّكت لورش وأبي عمرو وابن عامر وكذا/يعقوب الفصل بالبسملة بين السّور المذكورة، وإنّما اختاروا ذلك لبشاعة اللفظ ب ﴿لا﴾ و ﴿وَيْلٌ،﴾ ففصلوا بالبسملة للساكت، وبالسكت للواصل، ولم يمكنهم البسملة له لأنّه ثبت عنه النّص بعدم البسملة فلو بسملوا لصادموا النّصّ بالاختيار وذلك لا يجوز، واحتجاج مكّي في (الكشف) للفصل بالبسملة بقوله ﷺ : "لا أحب العقوق" (٤)، قال مالك: كأنّه كره

стр. 1001

الاسم، وبذم الخطيب الواصل: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما" (١) بفتح لفظه ليس بشيء لأنّه في الأوّل كره الاشتقاق وهذا ليس منه، وفي الثّاني زاد جدا في تقصير الخطبة وهو الذي يقتضيه سياق مسلم لأنّه في مقام تعليم ورشد وبيان ونصح فلا يناسب غاية الإيجاز، وهذا هو الصّحيح في سبب الذّم (٢)، وقيل: لجمعه بين الله ورسوله في كلمة وليس بشيء أيضا كما بينته في كتابيّ (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) (٣)، و (حاشية الشفا)، وفيما عدل إليه القرّاء نظر لأنّهم فرّوا من قبيح إلى أقبح منه لأنّ من وجوه البسملة الوصل فيلتصق معهم ﴿الرَّحِيمِ﴾ ب ﴿وَيْلٌ،﴾ وأيضا في القرآن كثير من هذا نحو ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ،﴾ والأكثرون على عدم التّفرقة بين الأربعة وغيرها وهو مذهب المحققين (٤). المبحث الثّالث « لا خلاف في حذف البسملة إذا ابتدأت براءة أو وصلتها بالأنفال على الصّحيح، وقد حاول بعضهم جوازها في أوّلها، وقال السّخاوي: "إنّه القياس" (٥)، ووجهوا المنع بنزولها بالسيف، قال ابن عباس: "بسم الله أمان وليس فيها أمان" (٦)، ومعناه أنّ العرب كانت تكتبها أوّل مراسلاتهم في الصّلح والأمان فإذا نبذوا العهد والأمان لم يكتبوها، قال السّخاوي (٧): "فيكون مخصوصا بمن نزلت فيه، ونحن إنّما نسمي للتبرك" (٨)، انتهى.

стр. 1002

وممّا احتجّوا به للمنع أنّهم لم يقطعوا بأنّ «براءة» سورة قائمة بنفسها دون «الأنفال»، قال ابن عباس: سألت عثمان عن ذلك فقال: "كانت «الأنفال» من أوائل ما نزل بالمدينة، و «براءة» من آخر القرآن، وقصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا، فظننت أنّها منها فقرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم " (١)، وهذا يحيل الخلاف لأنّ غايته أنّها جزء منها، وقيل: الحجة قول أبيّ: "كان ﷺ يأمرنا بها في أوّل كلّ سورة ولم يأمرنا في أوّلها بشيء" (٢)، وعورض بأنّ من لم يبسمل في أوّل غيرها لا يسلم أنّه ﷺ كان يأمر بها في غيرها وإلاّ بسمل، وأيضا عدم الأمر يوجب التّخيير لا الإسقاط أصلا لأنّ الأجزاء لم يكن يأمرهم فيها بشيء، وقيل: قول مالك نسخ أوّلها وهو يوجب التّخيير لكن القرّاء مجمعون على ترك البسملة فيها (٣). وأمّا تجويز ابن شيطا الابتداء بها فيها تبركا دون الفصل بينهما بالبسملة، وقال: إنّه بدعة وضلالة وخرق للإجماع ومخالف للمصحف، فقال ابن الجزري: "لقائل أن يقول له ذلك أيضا في البسملة أوّلها أنّه خرق للإجماع ومخالف للمصحف، ولا تصادم النصوص بالآراء، ولو وصلت «براءة» بأخر سورة سوى سورة «الأنفال» فالحكم كما لو وصلت بها (٤).

стр. 1003

المبحث الرّابع تجوز البسملة وعدمها في الابتداء بما بعد أوائل السّور ولو بكلمة لكلّ من القرّاء تخييرا، كذا أطلق التّخيير في الوجهين الشّاطبي كالدّاني، ومنهم من خصّ البسملة عمن فصل بها بين السّورتين كابن كثير وأبي جعفر، وبتركها عمن لم يفصل بها كحمزة وخلف، وكان الشّاطبي يأمر بالبسملة بعد الاستعاذة في قوله - تعالى - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، وقوله ﴿إِلَيْهِ /يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (٢) لما في ذلك من البشاعة، قال في" وهو اختيار مكّي في غير (التّبصرة)، وينبغي قياسا أن ينهى عن البسملة في قوله - تعالى - ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (٣)، وقوله ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ (٤)، ونحو ذلك للبشاعة " (٥). وأمّا الابتداء بما بعد أوّل «براءة» منها فلا نصّ للمتقدمين فيه، وظاهر إطلاق كثير من أهل الأداء كالشاطبي التّخيير فيها، واختار السّخاوي في (جمال القرّاء) الجواز وقال: ألا ترى أنّه يجوز بغير خلاف أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦)، وإلى منعها ذهب الجعبري (٧)، وتعقب السّخاوي فقال: إن كان نقلا فمسلّم، وإلاّ فرد عليه لأنّه تفريع على أصل مصادم لتعليله، وتعقب الجعبري بأنّه لعلّة لم يقف على كلامه، وإلاّ فهو قد أقام الدّليل على جوازها في أوّلها كما تقدّم، وإذا تأصّل ذلك بني عليه هذا، وقد أفسد أدلة المانعين وألزمهم القول بها قطعا، وليس هذا مصادم لتعليله لأنّه لم يقل بالمنع حتى يعلله فكيف يكون له تعليلا والله أعلم (٨).

стр. 1004

لكن قوله: "ألا ترى … " إلى آخره، فيه نظر لأنّه محل النّزاع، والصّواب كما في (النّشر) أن يقال: "إنّ من ذهب إلى ترك البسملة في أوساط غير براءة لا إشكال في تركها عنده في وسط براءة، وكذا لا إشكال في تركها عند من ذهب إلى التّفصيل؛ إذ البسملة عندهم في وسط السّورة تبع لأوّلها ولا تجوز البسملة أوّلها وكذلك وسطها. وأمّا من ذهب إلى البسملة في الأجزاء مطلقا فإن اعتبر بقاء أثر العلّة التي من أجلها حذفت البسملة أوّلها وهي: نزولها بالسيف كالشاطبي ومن سلك مسلكه لم يبسمل، وإن لم يعتبر بقاء أثرها ولم يرها علّة بسمل بلا نظر، والله أعلم" (١). [لطيفة قال بعضهم: أمر الله - تعالى - عباده أن يستعيذوا إذا قرءوا لئلا يوسوس لهم الشيطان بتحريف معاني القرآن فيفهموه على خلاف ما هو عليه، ثم أمرهم بالبسملة بعد الاستعاذة لتحصل لهم البركة في قراءة القرآن وفهمه، فالاستعاذة لدفع الشر والبسملة لجلب الخير. فائدة في «آمين»: قال الهذلي في (كامله): «آمين» لم تؤخذ علينا في التلاوة بعد «الفاتحة»، وقال قراء [العجم] (٢) لا بد من ذكرها إذا ختمت الفاتحة كالصلاة انتهى. وفيها لغتان: المد وهو أبلغ في الدعاء، وبه ورد الخبر من تأمين النبي ﷺ ، والأخرى القصر، وليس للقراء فيها نص فيذكر، نعم حكى بعضهم أن المد مذهب ابن عامر والكوفيين، والله أعلم] (٣). فهذا ما تيسر من القول في البسملة.

стр. 1005

وعن الحسن «الحمد لله» (١) حيث وقع بكسر الدّال اتباعا لكسرة لام الجرّ بعدها، وهي لغة تميم وبعض غطفان يتبعون الأوّل للثاني للتّجانس، ورويت عن زيد بن علي وغيره، والجمهور بالرّفع على الابتداء، والخبر الجار والمجرور بعده فيتعلق بمحذوف وهو الخبر في الحقيقة، ثمّ ذلك المحذوف إن شئت قدّرته أسماء وهو المختار، وإن شئت قدّرته فعلا أي: الحمد مستقر لله، أو استقر (٢)، قال أبو حيّان: "وقراءة الرّفع أمكن في المعنى" (٣)، ولهذا أجمع عليها القرّاء العشرة لأنّها تدلّ على ثبوت الحمد واستقراره لله. وقرأ «الرّحيم ملك» (٤) بإدغام الميم الأولى في الثّانية أبو عمرو بخلف عنه، وكذا يعقوب من (المصباح)، ووافقهما ابن محيصن من (المفردة)، واليزيدي بخلف عنه، والحسن والمطّوّعي، وخصّص الشّاطبي في إقرائه الإدغام بالسّوسي والإظهار بالدوري، والجمهور عن يعقوب على الإظهار في هذا الموضع ونحوه، وتخصيص الإدغام بأحرف سبق التّنبيه عليها في بابه، ويجوز المدّ والقصر والتوسط في حرف المدّ السّابق قبل المدغم. وتكرير ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥) بعد الذي في البسملة إشارة إلى أنّه الحقيق بالحمد (٦). واختلف في ﴿مالِكِ﴾ (٧) فعاصم والكسائي وكذا يعقوب وخلف بالألف مدّا على وزن «سامع» اسم فاعل من «ملك» «ملكا» بالكسر، وهي موافقة للرّسم تقديرا،

стр. 1006

وقراءة الخلفاء الأربعة وكثير من الصّحابة، وفي الترمذي وأبي داود حديث أنّه ﷺ وأبو بكر وعمر وأراه قال: وعثمان: "كانوا يقرؤن ﴿مالِكِ﴾ بالألف" (١). قالوا: و ﴿مالِكِ﴾ أمدح من «ملك» لعموم إضافة ﴿مالِكِ﴾ إذ يقال: "مالك الجنّ والطير"، ولا يقال: "ملك الطير"، ولأنّ ثواب تاليها أكثر من ثواب تالي ﴿مالِكِ﴾ (٢) انتهى. ووافقهم الحسن والمطّوّعي (٣). وقرأ الباقون «ملك» بغير ألف على وزن «سمع» على أنّه صفة مشبهة من «ملك»، «ملكا»، أي: "قاضي يوم الدين"، لأنّه/ينفرد ذلك اليوم بالحكم، وقد روي عن العرب: "لي في هذا الوادي «ملك»، و «ملك»، و «ملك» "، مثلث الفاء، ولكن المعروف الفرق بين الألفاظ الثّلاثة: فالمفتوح الشدّ والرّبط، والمضموم القهر والتسلّط على من يتأتّى منه الطّاعة ويكون باستحقاق وغيره، والمكسور التّسلط على من يتأتّى منه الطاعة ومن لا يتأتّى منه، ولا يكون إلاّ باستحقاق، وعلى هذا فيكون بين المكسور والمضموم عموم وخصوص من وجه، وقال الراغب: "والملك - بالكسر - كالجنس للملك - بالضّم -، وكلّ ملك - بالكسر -، ملك - بالضم -، وليس كلّ ملك ملكا" (٤) فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وبهذا يعرف الفرق بين «ملك» و «مالك» فإنّ «ملكا» مأخوذ من «الملك» بالضم، و «مالكا» من «الملك» بالكسر كما تقدّم " (٥) انتهى.

стр. 1007

قالوا: وقراءة القصر أبلغ من قراء المدّ لأنّ الصّفة المشبهة تدلّ على معنى الثبوت، وأعم لاندراج المالك في الملك، وأشرف لختم الكتاب العزيز به في سورة «النّاس» المجمع عليه، ولموافقة الرسم تحقيقا (١). وأمّا كون ﴿(مالِكِ)﴾ أكثر ثوابا لزيادة الألف؟. فأجيب: بأنّ تضاعف الثواب كما يكون بالحروف يكون بالأشرف (٢). وفي تفسير البيضاوي أنّ «ملك» يعني بالقصر:" هو المختار لأنّه قراءة أهل الحرمين " (٣) انتهى. وقد رجّح كلّ من الفريقين إحدى القرائتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى، وهذا غير مرضي لأنّ كلا منهما متواتر. وعن المطّوّعي «مالك» بفتح الكاف نصبا على القطع (٤) أي: أمدح، أو أعني، أو منادى مضافا بحذف الأداة توطئة ل ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ،﴾ والجمهور بكسرها. وعن الحسن «يعبد» (٥) بالياء تحت مضمومة مبنيّا للمفعول الغائب، ووجهها على إشكالها: أنّ فيها استعارة والتفاتا، أمّا الاستعارة فإنّه استعير فيها ضمير النّصب لضمير الرفع، والأصل: «أنت تعبد»، وهو سائغ: وأمّا الالتفات فكان من حقّ هذا القارئ أن يقرأ «إيّاك تعبد» بالخطاب، ولكنّه التفت من الخطاب في ﴿إِيّاكَ﴾ إلى الغيبة في «يعبد» إلاّ أنّ هذا التفات غريب لكونه في جملة واحدة، والجمهور بالنّون مبنيّا للفاعل وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب إذ لو جرى الكلام على أصله لقيل:

стр. 1008

﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ)﴾ ثمّ قيل: «إيّاه نعبد»، والالتفات نوع من البلاغة والحكمة فيه تنشيط السامع (١). وعن المطّوّعي «نستعين» (٢) بكسر حرف المضارعة وهي لغة مطردة في حروف المضارعة، وذلك بشرطين: أن لا يكون حرف المضارعة ياء لثقل ذلك، وإن يكون المضارع من ماض مكسور العين نحو: «تعلم» من «علم»، أو في أوّله همزة وصل نحو ﴿نَسْتَعِينُ﴾ من نحو: «استعان»، أو تاء مطاوعة نحو: «نتعلم» من «تعلم»، فلا يجوز في «تضرب» و «تقتل» كسر حرف المضارعة لعدم الشرطين المذكورين (٣). ومعنى الآية: نخصّك بأقصى غاية التّذلل وطلب المعونة لما أثنى عليه كأنّه حضر بين يديه فخاطبه، وهو إخبار من جميع العباد الذي هو فرد منهم أدرج عبادته في عبادتهم لعلّها تقبل ببركتها، أو المراد الحاضرون لا سيما إن كان في جماعة، وقيل: النّون للتّعظيم لأنّه إذا كان في العبادة فجاهه عريض (٤). واختلف في ﴿الصِّراطَ﴾ و ﴿صِراطَ﴾ (٥) فقنبل من طريق ابن مجاهد وكذا رويس بالسين حيث وقعا على الأصل لأنّه مشتق من «السرط» وهو: البلع، يقال: سرط الطعام، إذا ابتلعه كأنّه يبلع المارة به (٦)، وعليها عامة العرب، ووافقهما ابن محيصن من (المفردة) فيهما، والشّنبوذي فيما تجرّد عن اللاّم، وقرأ خلف عن حمزة بإشمام الصّاد الزّاي في كلّ القرآن، ومعناه مزج لفظ الصّاد بالزاي لأنّها/تجانس الطّاء في

стр. 1009

الجهر، ويعبّر عنه ب «صاد» بين بين وك «زاي»، وهي: لغة قيس ووافقه المطّوّعي، واختلف عن خلاّد ففي (الشّاطبيّة) كأصلها إشمام أوّل «الفاتحة» فقط، وبه قرأ الدّاني على أبي الفتح فارس وقطع له بالإشمام في حرفي «الفاتحة» فقط صاحب (العنوان) الطرسوسي من طريق ابن شاذان عنه، وصاحب (المستنير) من طريق ابن البحتري عن الوزّان عنه، وقطع له بالإشمام في المعرّف باللام خاصة هنا، وفي جميع القرآن أبو علي في (الرّوضة) وفاقا لجمهور العراقيين، وقطع له بعدم الإشمام في الجميع في (التّبصرة) و (الكافي) و (الهداية) وفاقا لجمهور المغاربة، وبه قرأ الدّاني على أبي الحسن وانفرد ابن عبيد عن الصّوّاف عن الوزّان بالإشمام مطلقا في جميع القرآن كخلف عن حمزة، وقرأ الباقون بالصّاد، ورواه ابن شنبوذ وسائر الرواة عن قنبل، قال البيضاوي:" وهي لغة قريش " (١) زاد الجعبري في كلّ سين بعدها عين أو خاء أو قاف أو طاء، وإنّما قلبت السّين صادا لتطابق الطّاء في الإطباق والاستعلاء والتّفخيم مع الرّاء استثقالا للانتقال من سفل إلى علو، قال الجعبري:" وهي الفصحى عليها جاء التّنزيل لقول عثمان ﵁: "إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش لأنّ القرآن نزل بلغتهم"، والأصل مرجوح بتعدّد التّناسب وهي موافقة للرّسم " (٢). وعن الحسن «اهدنا صراطا مستقيما» (٣) بالنّصب والتّنوين فيهما من غير «أل» في أوّل الكلمتين اعتمادا على إيضاحه بالبدل كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ﴾ (٤)، وقيل معناه: معنى التّعريف لأنّ فيه معنى التّجريد كقوله (٥):

стр. 1010

… وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل ثمّ أنّ مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته إذ في كلّ جزء منه ما في جملته ألا ترى قوله (١): وأعلم أنّ تسليما وتركا … أي التّسليم والتّرك (٢). واختلف في ضم الهاء وكسرها من: ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ و ﴿إِلَيْهِمْ،﴾ و ﴿لَدَيْهِمْ،﴾ و ﴿عَلَيْهِما،﴾ و «إليهما»، و ﴿فِيهِما،﴾ و ﴿عَلَيْهِنَّ،﴾ و ﴿إِلَيْهِنَّ،﴾ و ﴿فِيهِنَّ،﴾ و ﴿أَيُّهُمْ،﴾ و ﴿صَياصِيهِمْ،﴾ و ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ،﴾ و ﴿تَرْمِيهِمْ،﴾ و ﴿وَما نُرِيهِمْ،﴾ و ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣) وما يشبه ذلك من ضمير التثنية والجمع مذكرا ومؤنث، فحمزة وكذا يعقوب من ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿إِلَيْهِمْ﴾ و ﴿لَدَيْهِمْ﴾ الثّلاثة فقط حيث أتت بضم الهاء على الأصل لأنّ الهاء لمّا كانت ضعيفة لخفائها خصّت بأقوى الحركات، والدليل على أنّ أصلها الضّم أنّها تضم مبتدأة وبعد الفتح والألف والضّمة والواو والسكون

стр. 1011

في غير الياء نحو: ﴿هُوَ﴾ و ﴿لَهُ﴾ و ﴿دَعاهُ﴾ و «دعوته» و «دعوه» و «دعه»، وهي لغة قريش والحجازيين وافقهما المطّوّعي في الثّلاثة، والشّنبوذي في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فقط حيث وقع، وزاد يعقوب فقرأ جميع ما ذكر وما شابهه ممّا قبل الهاء ياء ساكنة بضم الهاء أيضا ووافقه الشّنبوذي في ﴿عَلَيْهِما﴾ فقط، وهذا كله إذا كانت الياء موجودة (١). فإن زالت لعلّة جزم نحو ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ﴾ و ﴿يُخْزِهِمْ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ (٢)، أو بناء نحو ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ (٣): فرويس وحده بضم الهاء في ذلك كلّه إلاّ قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ ب «الأنفال» (٤) فإنّه كسرها من غير خلف، واختلف عنه في ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ في «الحجر»، و ﴿يُغْنِهِمُ اللهُ﴾ في «النّور»، و ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ،﴾ و ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ موضعي «غافر» (٥)، وانفرد فارس بن أحمد عن يعقوب بضم هاء ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ في «الأنعام»، و ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ في «الإعراف» (٦)، وانفرد ابن مهران عن يعقوب أيضا بكسر الهاء من ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ و ﴿وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (٧)، وقرأ الباقون بكسر الهاء في ذلك كلّه في جميع القرآن لأنّ الهاء لخفائها ليست بحاجز حصين فإذا ضمت فكان ضمتها قد وليت الكسرة أو الياء السّاكنة، وذلك ثقيل وهي لغة قيس وتميم/ وبني سعد أخواله ﷺ (٨) لقوله ﷺ :" أنا أفصحكم … "الحديث (٩).

стр. 1012

واختلف في صلة ميم الجمع بواو وإسكانها إذا وقعت قبل محرك ولو تقديرا نحو ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا﴾ ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فقالون بخلاف عنه وابن كثير وكذا أبو جعفر بواو في اللفظ وصلا اتباعا للأصل بدليل ﴿دَخَلْتُمُوهُ﴾ و ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ (٢)، وبذلك قطع لقالون من طريق الحلواني صاحب (الهداية)، وقطع له بالإسكان صاحب (الكافي) وكذا في (الهداية) من طريق أبي نشيط وهو الذي في (العنوان)، وبه قرأ الدّ من طريق أبي نشيط وعلى أبي الفتح من قراءته على عبد الله بن الحسين من طريق الحلواني، ونصّ على الخلاف في (التّيسير) له من طريق أبي نشيط، وأطلق التّخيير له في (الشّاطبيّة) وفافا لجمهور أئمة العراقيين جمعا بين اللغتين، كقول لبيد (٣): وهموا فوارسها وهمو حكّامها وافقهم ابن محيصن، وإنّما اشترطوا في الميم أن تكون قبل محرك ولو تقديرا ليندرج فيه «كنتمو تمنون» و «فظلتمو تفكّهون» على التّشديد، وأن يكون المحرك منفصلا ليخرج عنه المتّصل نحو ﴿(دَخَلْتُمُوهُ)﴾ و ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ فإنّه مجمع عليه. وقرأ ورش بالصّلة إذا وقع بعد ميم الجمع همزة قطع نحو ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ إيثارا للمدّ، وعدل عن نقل حركة الهمزة إلى السّاكن قبلها الذي هو مذهبه لأنّه لو أبقى الميم ساكنة لتحرّكت بسائر الحركات فرأى تحريكها بحركتها الأصلية أولى (٤).

стр. 1013

وعن الحسن قراءتها بالإتباع يعني إن كان قبل الميم كسرة كسرها نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿يُنادِيهِمْ أَيْنَ﴾ و ﴿فِيهِمْ رَسُولاً،﴾ وإن كان قبلها ضم ضمها نحو ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ﴾ و ﴿فِيكُمْ رَسُولاً﴾ و ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ (١). وقرأ الباقون بالسكون في جميع القرآن إرادة للتّخفيف، ولكثرة دور الضمائر مع أمن اللّبس، وعليه الرسم، وأجمعوا على إسكانها وقفا لأنّه محل تخفيف (٢). واختلف في ضم ميم الجمع وكسرها وضم ما قبلها وكسره إذا كان بعد الميم ساكن وقبلها هاء مكسور ما قبلها أو ياء ساكنة نحو ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ و «يؤتهم الله» (٣) و ﴿بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ و ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٤): فنافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وكذا أبو جعفر بضمّ الميم وكسر الهاء في ذلك كلّه مناسبة للهاء بالياء وتحريك الميم بحركتها الأصلية، ووافقهم ابن محيصن. وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء المجاورة الكسرة أو الياء السّاكنة وكسر الميم أيضا على أصل التقاء السّاكنين، ووافقه اليزيدي والحسن. وقرأ حمزة والكسائي وكذا خلف بضمّها لأنّ الميم حرّكت للساكن بحركة الأصل وضم الهاء اتباعا لها ووافقهم الأعمش. وقرأ يعقوب بإتباع الميم الهاء على أصله فضمّها حيث ضم الهاء في نحو ﴿يُرِيهِمُ اللهُ﴾ (٥) لوجود ضم الهاء وكسرها في نحو ﴿قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ لوجود الكسرة (٦).

стр. 1014

وأمّا الوقف فكلّهم على إسكان الميم، وهم على أصولهم في الهاء: فحمزة يضم الهاء من نحو ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ و ﴿إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ﴾ (١)، ويعقوب بضم ذلك، وفي نحو ﴿يُرِيهِمُ اللهُ﴾ و ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ (٢)، ورويس في نحو ﴿يُغْنِهِمُ اللهُ﴾ على أصله بالوجهين (٣). واتّفقوا على ضمّ الميم المسبوقة بضمّ سواء كان في هاء أو كاف أو تاء نحو ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ و ﴿عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾ و ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٤)، وإذا وقفوا سكّنوا الميم (٥). وعن ابن محيصن من (المبهج) (٦) «غير المغضوب» (٧) بنصب ﴿غَيْرِ﴾ فقيل على الحال من ﴿الَّذِينَ،﴾ وهو ضعيف، وقيل: من الضّمير في ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ قال أبو حيّان: "وهو الوجه" (٨) /، وعنه من (المفردة) الخفض كالجمهور على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ بدل نكرة من معرفة، وقيل: نعت ل ﴿الَّذِينَ،﴾ وهو مشكل لأنّ ﴿غَيْرِ﴾ نكرة، و ﴿الَّذِينَ﴾ معرفة، وأجابوا عنه بوجهين: أحدهما: أنّ ﴿غَيْرِ﴾ إنّما يكون نكرة إذا لم يقع بين ضدّين، فأمّا إذا وقع بين ضدّين فقد انحصرت الغيريّة فتعرّف ﴿غَيْرِ﴾ حينئذ بالإضافة، تقول: «مررت» بالحركة غير السّكون، والآية من هذا القبيل، وهذا إنّما يتمشّى على مذهب السّراج وهو مرجوح.

стр. 1015

والثّاني: أنّ الموصول أشبه النّكرات في الإبهام الذي فيه فعومل معاملة النّكرات. وقيل: إنّ ﴿غَيْرِ﴾ بدل من المضمر المجرور في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ (١). *****

стр. 1016

المرسوم اتّفقت المصاحف على كتابه ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) بغير ألف ليحتمل القراءتين فعلى قراءة القصر قياسي، وعلى قراءة المدّ اصطلاحي حذف تخفيفا لزيادته ومدّيته، وكذلك ﴿مالِكَ الْمُلْكِ﴾ بآل عمران (٢) كما في (المقنع)، ولم يذكره في (الرائية)، ومقتضاه أنّ ما عداه يكتب على لفظه (٣). وقد اصطلحوا على حذف ألف فاعل في الأعلام، وقال ابن قتيبة: "ما كان من الأسماء أي الأعلام المنقولة من الصّفات على فاعل وكثر استعماله نحو ﴿صالِحُ﴾ و ﴿مالِكِ﴾ و ﴿خالِدٌ﴾ فحذف ألفه أحسن من إثباتها فإن حلّيت باللام تعيّن الإثبات" (٤). واتّفقوا أيضا على كتابة ﴿الصِّراطَ﴾ بالصاد سواء كان عاريا من «أل» مضافا أو مقطوعا أو محلى بهاء بأيّ إعراب كان نحو ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ و ﴿صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ و ﴿لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ﴾ ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ﴾ و ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ (٥) للدّلالة على البدل لأنّ السّين هو الأصل إذ هو من «سرطت» أي بلعت كما مرّ، وكلّ سين بعد

стр. 1017

طاء أو قاف أو خاء أو عين جاز قلبها صادا أو زايا لما بينهما من مجانسة الاستعلاء واتّحاد المخرج، وكذا كتبوا بالصاد ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ بالبقرة (١)، فيخرج عنه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ (٢) المتّفق على أنّه بالسين، وكذلك كتبوا بالصاد ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ ب «الطور» (٣)، و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ب «الغاشية» (٤). *****

стр. 1018

الوقف والابتداء أعوذ: (ن) لتعلّق الجار والمجرور به (١). ﴿الرَّحِيمِ:﴾ (م) لتجرّده عن لاحقه (٢). ﴿بِسْمِ:﴾ (ن) للفصل بين المضاف والمضاف إليه (٣)، ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ (ح) للإفادة الحاصلة من المبتدأ والخبر تقديره «ابتدائي بسم الله»، أو من الفعل والفاعل بتقدير: «ابتدائي بسم الله»، وحينئذ فالباء في الأوّل في محل رفع، وفي الثّاني نصب لكن لا يحسن الوقف عليه من جهة الفصل بين النّعت ومنعوته، والجار ومجروره فهو من هذه الجهة (ن) كنظائره الآتية (٤) إن شاء الله - تعالى -. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ (م) لتجرّده عمّا بعده تجردا كلّيّا كآخر الاستعاذة وسائر السّور اتفاقا إلاّ سورة «الفيل» كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - البحث فيها (٥). ﴿الْحَمْدُ﴾ (٦): (ن) لتعلقه بالجار والمجرور، وقصور المبتدأ عن الخبر وحاجته إليه، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ (ح) للفائدة الحاصلة بالمبتدأ والخبر لكن لا يسوغ الابتداء بتاليه فهو (ن) لفصله بين النعت ومنعوته والجار ومجروره. ﴿رَبِّ﴾ (٧): (ن) للفصل بين المضاف والمضاف إليه (٨).

стр. 1019

﴿الْعالَمِينَ﴾ (١): (ك) أو (ح) لحصول الفائدة مع مراعاة الفاصلة لا سيما وفي حديث أمّ سلمة المروي في الترمذي وقفه ﷺ عليه (٢)، وقد سمّوه كنظائره وقف السنة (٣)، وتعقبه الجعبري فقال: "ووهم من سمّاه وقف السنة لأنّ فعله ﵇ إن كان تعبدا فهو مشروع لنا، وإن كان لغيره فلا فما وقف عليه دائما تحقّقنا أنّه فاصلة وما وصلة دائما تحقّقنا أنّه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل/ الوقف أن يكون لتعريفها أو لتعريف الوقف التّام والاستراحة، والوصل أن تكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدّم معرفتها أو على الأصل أو لتعريف التّام فتردّد فيه" (٤) انتهى، وحاصله أنّه احتمل واحتمل فسقط الاستدلال به على السّنية. ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥): (ك) أو (ح) وإن كان التّالي نعت له كتالي ﴿الْعالَمِينَ﴾. ﴿مالِكِ﴾ (٦): (ن) للفصل بين المضاف والمضاف إليه. ﴿الدِّينِ﴾ (٧): (ت) للانتقال من الغيبة إلى الخطاب.

стр. 1020

﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١): (ح) لحصول الفائدة، (ن) لعطف التّالي عليه فلا يفصل بينهما. ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (٢): (ت) للانتقال إلى الدعاء وليسا كاملين لأنّهما لم يتجرّدا عن تاليهما تجرّدا كلّيّا. ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣): (ك) أو (ح) وإن كان التّالي بدل من الأوّل بدل الكلّ لمراعاة الفاصلة، وتالي ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ خفض بدلا من ﴿الَّذِينَ﴾ أو صفة له على ما تقرّر في قراءات هذه السّورة أو نصبا حالا، وعلى الوجهين فاء للاّحق متعلق بالسّابق، وقد يسوغ الوقف على تقدير أنّه من الفواصل. وإيّاك أن تفتح الابتداء بتالي ﴿الْعالَمِينَ،﴾ و ﴿الرَّحِيمِ،﴾ و ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيرد عليك ابتداؤه ﵊ بها فافهم. ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ (٤): (م) لتجرّده عن لاحقه تجردا كليّا. واختير فصل «آمين» لكونها ليست قرآنا اتّفاقا. *****
следующие страницы →