← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي بئس المستقر. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَجَعَلُوا﴾ الذين بدّلوا نعمة الله كفرا ﴿لِلّهِ أَنْداداً﴾ أي أشباها بما ابتدعوه من آلهة ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قومهم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن سبيل الله القويم وهو التوحيد، وقد ذكر الرازي أن اللام في قوله ﴿لِيُضِلُّوا﴾ هي لام العاقبة، وخاصة إذا قرئت بفتح الياء، والسبب أن المشار لهم مشركون لا يعتقدون أنهم في ضلال بل يزعمون أنهم مهتدون ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ وخذوا حريتكم في ما تتقلبون به من حياة وصحة وأمان واستسلموا لحاضركم وأنتم في غفلتكم عن الغيب، فإن حالكم الآن ليست سوى تمتع بالمقارنة مع ما سوف تصلون إليه، فكأنهم لا يملكون لأنفسهم سوى الامتثال لأمر الشهوة التي تأمرهم بالتمتع، وهذا الأمر قد يكون مجازا عن التخلية والخذلان كما ذكر الزمخشري ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ لأنها النهاية الطبيعية لتلك البداية. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مقابل الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وجعلوا لله أندادا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لأن الإيمان ليس بنطق الشهادتين فقط ﴿وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ ليعيشوا معنى العبادة تطبيقا عمليا ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ بإخفاء صدقة التطوع وإعلان الواجب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فلا يفيد المال شيئا ﴿وَلا خِلالٌ﴾ فلا يغني فيه أحد عن أحد. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ (٣٢) ٣٢ - بعد أن أسهبت السورة في وصف أحوال المؤمنين وأحوال الكفار، ولما كان ذلك كله متعلقا بمعرفة الله تعالى، تبين الآيات ٣٢ - ٣٤ بعض الدلائل على وجود الخالق وكمال قدرته وعلمه: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بما

стр. 1017

فيها من أكوان وخلائق ونظم وقوانين ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فسلكه ينابيع في الأرض ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ كوسيلة من وسائل الحياة ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ بما أودع في البحر من سنن ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ تكون لكم شريانا للحياة. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ لا يفتران ولا ينقطعان عن الحركة في نظام كوني بديع يترتب عليه ما يترتب من فصول السنة وتغير المناخ وقوانين الفيزياء ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتعاقبان في تنظيمهما لحياة الإنسان فيهدأ الإنسان ليلا وينطلق نهارا في تحصيل معاشه. ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ من للتبعيض، ومن كلّ ما سألتموه بحسب الحكمة والمصلحة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ بحذف المضاف والتقدير إن تعدّوا آثار نعمة الله لا تحصوها لكثرتها ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان ﴿لَظَلُومٌ﴾ يظلم نفسه بالجحود والمعصية ﴿كَفّارٌ﴾ شديد الكفران للنعم ولا يؤديها حقها من الشكر. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ (٣٥) ٣٥ - بعد الآيات ٢٤ - ٣٤ التي ضرب تعالى فيها مثل الكلمة الطيبة ومثل الكلمة الخبيثة، وأنه تعالى يثبّت المؤمنين بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، ويضلّ الظالمين الذين بدّلوا نعمة الله كفرا، وبعد الحض على الإنفاق وبيان دلائل التوحيد في السماوات والأرض، تأتي هذه الآيات (٣٥ - ٤١) لتضرب مثالا قصة إبراهيم ﵇ فتروي جانبا منها ويأتي خلالها دعاء إبراهيم استكمالا لخطاب السورة ولبيان أن الطريق الوحيد للاستقامة هو طريق اليقين بوجود الله وحده لا شريك له ونبذ الاعتقاد بأية "سلطة مشاركة" لله في الألوهية:

стр. 1018

﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ والبلد هو مكة بعد أن بنى فيه إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام، أراده إبراهيم بلد أمن وسلام واطمئنان، يشعر فيه الناس بالأمان من أي عدوان بغض النظر عن خلافاتهم، ويحرم فيه القتال ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ أي ثبتني وذريتي على تجنب عبادتها وعلى الإسلام، وهذا الدعاء طلبا للسلام الروحاني الناتج عن التوحيد وتأكيدا لعدم الانحراف نحو الشرك سواء بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد وبظلم العقل أو بالوقوع تحت تأثير الزعماء أو المتسلطين أو المفسدين الضالين والمضلّين وسواء كانت الأصنام من البشر أو الجماد، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ومن بمنزلتها كما سبق وصفه ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ ممّن لا يملكون الوعي الصحيح أو لا يدققون في الأفكار التي تطرح عليهم ويقلدون غيرهم فيما لا يعقلون ولا يعلمون ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ من الناس فيما أنا عليه من اليقين والتوحيد المحض ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي في ديني واعتقادي ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ واستكبر مع وصول الدعوة إليه ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترحم الناس وتمهلهم وتمتّعهم في الدنيا ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتغفر لمن استحق المغفرة منهم، وتعاقب من استوجب لنفسه العقوبة، ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وهم إسماعيل وذريته الذين استقروا في مكة ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ واد صخري قاحل وهو وادي مكة، فإسكان ذريته هنالك لم يكن طلبا في مكاسب دنيوية مادية لأن الأرض لا توفر ذلك ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الذي حرّم الله تعالى التعرض له والتهاون به ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهو الغرض من ترك ذريته في هذا الموقع المبارك أي ليقيموا العبادة في

стр. 1019

البيت الحرام، هم ومن بعدهم، متبرّكين بتلك البقعة المباركة من الأرض ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ وهم المسلمون ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تميل إلى الحج في البيت الحرام، وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض المباركة فتكون لهم قاعدة روحية دينية ثقافية وتجارية، ويكون ذلك سببا في رزقهم ورزق أهل مكة ﴿وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي بعض الثمرات التي ترد عليهم من تقاطر الوفود والحجاج ومن عمارة القرى حولهم وزراعتها، لكي يطمئنوا لرعاية الله لهم وتدبيره فيشكروا نعمه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فيزدادوا عبادة وإخلاصا وعملا ودعوة إلى ديانة التوحيد. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ من نوايا وأفكار ومشاعر وطموحات وحاجات، فلا يخفى عليك سبحانك شيء مهما حاولنا إخفاءه في قلوبنا، وإنما ندعوك ونبتهل إليك تضرعا وعبادة وخشوعا ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ فمن باب أولى أنه لا تخفى عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ أي مع كبر سنّي ويأسي أن يكون لي ولد ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ومالك أموري ومتوليها ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ يسمع دعاء عباده المخلصين، فيستجيب لهم بحسب مصالحهم. ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ (٤٠) ٤٠ - بعد أن حمد الله تعالى على أن وهبه الذرية دعاه أن يكون وذريته مقيما للصلاة: ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مواظبا عليها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من للتبعيض أي اجعل بعضا من ذريتي مقيما للصلاة، لأن البعض الآخر من الذرية

стр. 1020

قد يكون كافرا أو مؤمنا لا يصلّي، فجاء من ذريته بنو إسماعيل الذين خرجت منهم قريش وبعث فيهم خاتم الأنبياء والرسل، ومن ذريته أيضا بنو إسرائيل من إسحاق الذين توهمت غالبيتهم أنهم الشعب المختار دائما وأبدا على مرّ الزمن مهما انغمسوا في الكفر والإجرام وانتكسوا إلى الوثنية، وهذا من سننه تعالى في خلقه ومن تكريمه بني آدم أن ترك لهم حرية الخيار في الحياة الدنيا ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ بجعلي وجعل بعض من ذريتي مقيمي الصلاة. ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي﴾ ما فرط من ذنوبي ﴿وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ وفي هذا الدعاء عبرة كي لا يعيش الإنسان في دائرة ذاتية قاصرة على نفسه، فلا يقتصر بالدعاء لنفسه فقط، بل يكون منفتحا على الآخرين فيدعو لوالديه وللمؤمنين من أمّته، فيحب لإخوانه ما يحب لنفسه. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢) ٤٢ - بعد أن طلب ابراهيم المغفرة من الله تعالى يوم يقوم الحساب تنبّه هذه الآية إلى يوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ أي في حال رأيتهم يتمتّعون بالحياة الدنيا دون عقاب على ظلمهم فلا تظن أنهم ناجون ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ وهو يوم الحساب، والمعنى أنه تعالى يمهلهم في الحياة الدنيا لعلهم يثوبوا إلى رشدهم، ولأن حكمته تعالى اقتضت أن تكون للناس حرية الإرادة والاختيار في الحياة الدنيا بما يترتب على ذلك من مسؤولية، فإذا انقضى أجلهم وانقطعت فرصة توبتهم كان حسابهم يوم القيامة على خالقهم، يوم تشخص أبصارهم في حالة من الذهول والعجز والدهشة والحيرة أمام أهوال القيامة. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي برغم شخوص أبصارهم وذهولهم فإنهم مهطعين، أي مسرعين نحو البلاء الذي ينتظرهم ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ رافعي رؤوسهم أمام

стр. 1021

الهول الكبير بخلاف المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه كي لا يراه ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي نظرهم، ما يفيد دوام الشخوص والذهول ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي قلوبهم خالية من من أي خواطر وأفكار ومن كل رجاء وأمل سوى ما استحقوه لأنفسهم من عذاب محتوم يشخصون إليه بأعينهم. ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ﴾ حتى لا يستمروا في الغفلة فيظنوا أنفسهم في مأمن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر وبالمعصية وظلموا الآخرين بهضم حقوقهم ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ بعد معاينة أهوال القيامة يطلبون العودة إلى دار التكليف لإصلاح ما فاتهم ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ أي أن غفلتكم كانت بملء إرادتكم وتعمدتم التهرب من الحقيقة الواضحة التي جاء بها الرسل وزعمتم أن الدنيا نهاية المطاف ولا زوال عنها إلى حياة آخرة. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي سكنتم في بيئتهم وبلادهم ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بنتيجة تجاهلهم بعث الرسل وإنكارهم مكارم الأخلاق ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ لكي تفكروا وتعتبروا بغيركم. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ بشركهم وافترائهم الكذب وفي سلوكهم ومكائدهم لمجابهة الحق ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ لا يغيب عنه تعالى شيء من مؤامراتهم وخططهم الخبيثة فهو لهم بالمرصاد ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ أي لشدة خبثهم ودهائهم.

стр. 1022

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقامٍ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي في نصرة أنبيائه ورسالاتهم ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا غالب إلا هو ﴿ذُو اِنتِقامٍ﴾ ينتقم لأولياء الحق من أولياء الباطل. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ أي يوم القيامة، في إشارة للتغير الكوني الرهيب عما اعتاد عليه البشر، وانكشاف حجب الغيب بما يفوق مقدرة الإنسان على التخيل ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي ظهروا ﴿لِلّهِ الْواحِدِ﴾ ليس له من شريك في ملكه ﴿الْقَهّارِ﴾ الغالب على أمره. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ الأصفاد هي القيود، وكونهم مقرّنين في الأصفاد أي كل كافر يقرن في القيد مع أعماله الشريرة، وقيل يقرن الكافر مع شيطانه، وقيل تقرن الأيدي والأرجل إلى الرقاب بالقيود، وكل ذلك مجاز لما يلقاه المجرمون عقابا ليس لجرائمهم فقط، وإنما لما ترتب عليها أيضا من معاناة وسلبيات في حياة البلاد والعباد. ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ ثيابهم من مادة شديدة الاشتعال ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ يتصاعد لهيبها ليغطي وجوههم، وهو تصوير غيبي، بما يعرفه الإنسان من المحسوس، للعقاب الرهيب الذي ينتظر المجرمين. ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ لأن العقاب ليس كيفيا ولا اعتباطا وإنما بما كسبته كل نفس بما عملت من خير أو شر ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ الله تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه،

стр. 1023

﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ فلا يكون هنالك جهل ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ لكي تكون عواقب الأمور من خير وشر واضحة لهم ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فلا يغترّوا بشركاء موهومين ولا بالزعماء والرؤساء والأولياء ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ البلاغ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي ذوو العقول السليمة والتفكير المستقل المتحرر من التقليد، ليتذكّروا الإعراض عن الباطل والإقبال على الخير والصلاح والإصلاح. ***

стр. 1024

سورة الحجر - ١٥ - مكية مقدّمة نزلت سورة الحجر في أثناء السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة قبل هجرته إلى المدينة، واشتق اسمها من الإشارة إلى أصحاب الحجر بالآية (٨٠)، وليس معنى ذلك أن أصحاب الحجر موضوعها الرئيسي بل فقط هي السورة التي يذكر فيها أصحاب الحجر. ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة إبراهيم المتقدمة بقوله تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢/ ١٤)، وتفتتح سورة الحجر بقوله تعالى مبينا ماهية البلاغ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١/ ١٥)، وفي سورة إبراهيم أن الله تعالى يمهل ولا يهمل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢/ ١٤)، ثم في سورة الحجر أن لكل أمة أجل: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥/ ١٥)، وفي سورة إبراهيم أن الشيطان لم يكن له من سلطان على الناس: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (٢٢/ ١٤)، وفي سورة الحجر قوله تعالى مخاطبا إبليس: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢/ ١٥)،

стр. 1025

وفي سورة إبراهيم حمده لله أن وهبه على الكبر إسماعيل وإسحاق: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩/ ١٤)، وفي سور الحجر بشارة الملائكة له بإسحاق: ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥٤/ ١٥)، محور السورة إنّ الله تعالى لا يترك المجتمعات البشرية تائهة بلا بعث الرسل إليها: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤)، حتى اكتملت الرسالات السماوية بنزول القرآن الكريم للعالمين: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩)، ولكن المصريّن على الكفر لا يستفيدون من الهدي الإلهي حتى لو فتحت لهم حجب الغيب: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٤ - ١٥)، وإن وساوس الشيطان تمكّن الإنسان من ممارسة الخيار الأخلاقي بين الخير والشر، والإيمان والكفر، بلا إكراه: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢)، سوى أنّ عقاب الغاوين قد ينزل بهم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧٢ - ٧٣)، ما يدل أنّ خلق السماوات والأرض ليس عبثا: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥)، ما هو واضح في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧)، لكنّ جهود الجاهدين في تعضية القرآن الكريم تذهب بهم بعيدا في الضلال: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩١ - ٩٣)، وتضرب السورة مثلا جانبا من قصص إبراهيم ولوط، وقوم شعيب أصحاب الأيكة، وقوم ثمود أصحاب الحجر، وبعض العبر المترتبة منها.

стр. 1026

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١) ١ - هذه آخر السور الستة: (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) في الترتيب القرآني التي تفتتح بالحروف المقطعة: ﴿الر﴾ وهي في سورة الرعد بزيادة حرف الميم ﴿المر﴾، الله أعلم بمراده، أنظر شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وشرح آية [يونس ١/ ١٠]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي الوحي الذي نزل على خاتم الأنبياء والرسل بختم الرسالات ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ أي وهو قرآن مبين، وكونه مبينا لأنه المعيار الواضح لبيان الحق من الباطل ما يجعل الكفار يودّون لو كانوا مسلمين كما سيرد في الآية التالية، ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ بعض المصرّين على الكفر يودّون في قرارة نفوسهم لو كانوا مسلمين، لأنهم يدركون تمام الإدراك أصالة القرآن وبيانه الحق من الباطل بالآية السابقة -، وإنما يمنعهم من ذلك القيود الاجتماعية التي تكبّلهم، كما يمنعهم الخوف من فوات الزعامات والمراكز الاجتماعية والامتيازات التي يتمتعون بها، كما يمنعهم الاستكبار، ويحتمل المعنى أيضا أن لا بد من مجيء زمن على المصرّين على الكفر يندمون فيه ويودّون لو كانوا مسلمين في ما سبق من حياتهم الدنيوية، وقد يكون ذلك عند الموت أو قبله أو يوم القيامة. ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ٣ - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ على الداعي، بعد إنذارهم وإصرارهم على الجحود، أن يتركهم لحرية خيارهم لأنّ إصرارهم على الكفر يجعل الاستمرار في دعوتهم عديم الجدوى ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الكاذب ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة خيارهم وسوء صنيعهم عندما يحين الوقت.

стр. 1027

﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي مجتمع ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ لأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات قبل إنذارها، ثم يمهلها لعلها تتوب وتثوب إلى رشدها، ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ كما هي الحال في الدول والحضارات حيث تمر بمراحل الصعود ثم الانحطاط حتى إذا أمعنت في الضلال فقدت مبررات وجودها، ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَقالُوا﴾ المشار إليهم بالآية ٣ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ المغزى أنهم مقرّون في نفوسهم أن القرآن ذكر يذكّرهم بالميثاق الفطري، ولكنهم جاحدون مكابرون يتهمون النبي بالجنون: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وقد يكون معنى الاتهام أيضا: إنك لمجنون إذ تدّعي نزول الذكر عليك، وهذا الاتهام وإن كان موجها من المشركين إلى النبي في عصره إلا أنه يتكرر منهم في كل العصور إلى يومنا هذا، ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧) ٧ - ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهو طلب فيه من السخرية كما فيه من الإحجام عن تحكيم العقل في فحوى الرسالة. ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ (٨) ٨ - ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ لأن نزولها يسبق القيامة، انظر آية (الفرقان ٢٥/ ٢٥)، ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ فلا تفيدهم التوبة وقتئذ عند انكشاف حجب الغيب. ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩) ٩ - ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ مفرّقا على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية وما في ذلك من الإعجاز ما يفحم كل مكابر ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من التغيير والتبديل

стр. 1028

والحذف والإضافة، على العكس مما حدث للكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وهذه الآية جواب على اتهامهم النبي بالجنون لتنزّل الذكر عليه (الآية ٦)، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ لكل أمة رسولها، فما وجه الغرابة في بعث خاتم الأنبياء والرسل إلى الناس قاطبة؟ ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١١) ١١ - ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ كما استهزأ كفار قريش ببعثة النبي الأحمد، وكما يستهزيء بها الكفار في كل عصر. ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أي الاستهزاء ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالنظر لسوء جبلّتهم وإصرارهم على الضلال وتشنّج عقولهم، فلا يفيدهم العقل السليم، ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالرسول أو بالقرآن ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ في أن الله تعالى يهلك المكذّبين، الآية (٥). ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء المعاندين المكابرين ﴿باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ لو أتيحت لهم فرصة الصعود إلى السماء وانكشاف بعض حجب الغيب لهم، ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾ لشدة عنادهم ومكابرتهم يظنّون انقطاع الرؤية السليمة عن أعينهم، وسكر البصر كالسكر الذي يسد مجرى الماء، أو السكر الناتج عن الثمالة ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ويظنون السحر

стр. 1029

بأنفسهم لاختلاط الأمور عليهم وعدم تفريقهم بين حقيقة الوحي وبين الوهم والسحر، والنتيجة أنه لتشبث عقولهم بما هي عليه من الضلال لا ينفعهم شيء حتى لو انكشفت حجب الغيب لهم، لذا تشير الآيات التالية إلى بعض معجزات الكون كبرهان من براهين وجود الخالق ومقدرته، ما يجب التفكر بها، ما هم عنها عمون. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ وفي ذلك من الإعجاز الهائل والآيات ما هو أكثر من كاف لغير المكابرين المجرمين المشار إليهم بالآية (١٢)، ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ شياطين الإنس والجن الذين يحاولون الرجم بالغيب عن طريق التنجيم ما يحرمه الإسلام قطعيا، ﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ بمعنى أن كل محاولة شيطانية للرجم بالغيب ومعرفة المستقبل بطرق ملتوية تعود على صاحبها بأسوأ العواقب. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ما فيه مزيد من دلائل القدرة الإلهية في خلق متجدد وبيئة طبيعية متوازنة يخل بها الإنسان في تخريبه المستمر لها باسم الحضارة، انظر سورة التكاثر، ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ جميع الحيوانات والنباتات ما لا يرزقها الإنسان وإنما يرزقها الله وحده، في دليل قاطع أن جميع المخلوقات بمن فيها الإنسان نفسه معتمدة على الرزق الإلهي فقط دون غيره،

стр. 1030

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الرزق ﴿إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ بحسب الحكمة والمصلحة وللوظيفة التي خلقت لأجلها، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ للنبات وللسحاب ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ لأنه في حالة استمرار القحط لا تنفع كل وسائل التخزين البشرية. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ فكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ وعند الله وحده علم أحوال ما سبق خلقه من البشر أو من مات منهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ وأحوال من سيخلق ويموت، فلا يخفى عليه شيء من أحوالهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للحساب جميعا المستقدمين منهم والمستأخرين ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ لأن الحكمة تقتضي وجوب الحشر والحساب ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي من الطين الأسود المنتن المتغير على مر السنين، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة ٢٥٩/ ٢]، وذلك جانب آخر من جوانب الإعجاز العديدة في الخلق التي بدأت الإشارة إليها في الآية (١٦)﴾،

стр. 1031

﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل آدم ﴿مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ من غير المادة الجسمية، وسمي الجان لاختفائه عن الأعين، ومن كان كافرا منهم سمي شيطانا، انظر آية [الجن ١٤/ ٧٢ - ١٥]، ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٨) ٢٨ - بعد بيان بعض معجزات الكون الآيات (١٦ - ٢٧)، ينتقل الخطاب لبيان مغزى الخليقة: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ سبق أن وردت هذه القصة الرمزية في سورتي [البقرة ٣٤/ ٢ - ٣٦] و [الأعراف ١١/ ٧ - ١٨]، وهي تتكرر في القرآن الكريم بمجمله سبع مرات في سور (البقرة - الأعراف - الحجر - الإسراء - الكهف - طه - ص) من زوايا وعبر متنوعة، ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾ لما خلقته له ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته، قال الزمخشري: ليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل للإحياء، وقال الألوسي: ليس هناك نفخ حقيقة، وقد يكنّى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل المجاز ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ لما كرّمته عليكم بأن علّمته الأسماء كلها، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١) * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ ٣٠ - ٣٨ - المقصود من هذه القصة الرمزية أن معصية الشيطان تؤدي وظيفة معينة في الخطة الإلهية وأن إنظاره إلى يوم الدين لأن وساوس الشيطان هي التي تمكن الإنسان من ممارسة الخيار الأخلاقي.

стр. 1032

﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) * قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢) ٣٩ - ٤٢ - المعنى أن وقوع إبليس في الغواية كان باختياره، كما أنه لا يملك للناس سوى وساوس الشر لقوله ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤]، وهو سبب وقوع المجرمين في الغواية، الآيات (٢ - ١٥)، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهي النتيجة الطبيعية لمن يقع في الغواية بمحض اختياره، ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ فيكون عذاب المجرمين في جهنم بحسب مستوى جرائمهم. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) * اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ ٤٥ - ٤٦ - هم المشار إليهم بالآية: ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠)، لم يستجيبوا لوساوس الشيطان ولم يقعوا في الغواية، ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ لأنّ الغلّ وهو الحقد الكامن في القلب يتغلغل في صدر صاحبه فيعكّر عليه صفوه ومعيشته ﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ لا يعكّر صفوهم النفسي شيء، ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ﴾ تعب جسمي ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ بعد أن نفت الآية السابقة عن المتقين ما يعكّر عليهم صفوهم النفسي من الغلّ تنفي هذه الآية عنهم المضار المادية،

стр. 1033

﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ ٤٩ - ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ذكر الرازي من لطائف الآية أنه تعالى لمّا ذكر المغفرة والرحمة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها قوله ﴿أَنِّي﴾ وثانيها قوله ﴿أَنَا﴾ وثالثها إدخال الألف واللام على قوله ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ثم لم يذكر ذلك في العذاب، الآية التالية: ﴿وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ للمصرّين على الضلال، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ وردت هذه القصة بمزيد من التفصيل في سورة هود بالآيات (٦٩ - ٨٣) ومناسبتها مع ما قبلها أن الآيتين السابقتين تؤكدان على مغفرته تعالى من جهة وعذابه من جهة، ثمّ في قصة إبراهيم قوله: ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ (٥٦) في إشارة للآية (٤٩)، ثم وصف العذاب الذي لحق بقوم لوط في إشارة للآية (٥٠)، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي الملائكة جاؤوه في صورة بشر ﴿فَقالُوا سَلاماً﴾ أي قولا سلاما ﴿قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي خائفون، قالها لامتناعهم عن الأكل كما ورد في سورة هود الآية (٧٠)، ولأن الضيف إذا أكل عند مضيفه امتنع إيذاؤه، ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تخف ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو إسحق، وعليم لكونه نبيا، ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ لأنه بلغ من العمر ما يزيد عن مائة عام ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فبأي أعجوبة تبشّروني؟ ما يفيد دهشته من البشارة،

стр. 1034

﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ﴾ بما سيكون لا محالة ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ فلا تقطع الرجاء، ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ لأن القنوط من رحمته تعالى لا يحصل إلا عند الضلال، وفي الحديث أن اليأس من روح الله تعالى من الكبائر، ذكره الألوسي، ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ وأي شيء آخر جئتم لأجله سوى البشارة؟ لأنهم كانوا جمعا من الملائكة بصورة بشر، ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وهم قوم لوط، انظر آيات [هود ٧٧ - ٨٣]، ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ أهل بيته ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بلا استثناء إلا امرأته، ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ﴾ من أهل بيته ﴿قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ المهلكين لإصرارها على الضلال، وقد أسند الملائكة التقدير إلى أنفسهم مع إنّه من فعل الله تعالى بما يفيد علمه المسبق بما هو كائن وما سيكون من سلوك العباد وخيارهم، ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ وصول الملائكة إلى أهل بيته،

стр. 1035

﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تعبيرا عن خشيته من شذوذ قومه تجاههم وخوفه ألاّ يستطيع حمايتهم، أنظر سورة هود الآية (٧٧)، ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ لأنهم كانوا يشككون بالقضاء الذي هو نتيجة حتمية للإجرام المتعمّد، وتلك هي العبرة من تكرار قصة لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر في هذه السورة، ويلاحظ أن هؤلاء الأقوام الثلاثة استوطنوا المناطق على الطريق بين الحجاز والشام بحيث يرى آثارهم كفار قريش في غدوّهم ورواحهم ما يوجب الاعتبار بهم، الآية (٧٥)، ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ﴾ بتحقق وقوع عذاب الاستئصال بهم لا محالة ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ فيما نقول، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ اتّبع آثار بناتك وأهلك بحيث تكون آخر من يمشي وراءهم ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ الالتفات مجاز، والمعنى اقطعوا كل صلة لكم بالقوم ﴿وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ حيث تكون نجاتكم، ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ﴾ إلى لوط ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ الدابر الآخر، والمعنى استئصالهم عن آخرهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ فيكون ذلك وقت دخول الصبح، وهو سبب الأمر أن يغادروا بقطع من الليل،

стр. 1036

﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يبغون فعل الفاحشة في الضيوف حسب ظنهم، ﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ بأن تتعرضوا لهم بسوء، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ في عملكم ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ فتسببوا لي الذل والهوان، ﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي عن إجارة أحد منهم، لأنهم كانوا يتعرضون لكل أحد من الغرباء بسوء، ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي﴾ يعني نساء القوم لأنهم بناته مجازا، أو بناته حقيقة، وفي الخطاب محذوف تقديره فتزوجوهنّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ إن كنتم مصرّين على قضاء الشهوة فلتكن في الحلال، ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قيل الخطاب من الملائكة إلى لوط، وقيل بل الخطاب للنبي ﵇ ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي في غوايتهم وشدة غلمتهم التي أزالت عقولهم يتخبطون في العمه وهو عمى البصيرة، فأنّى يسمعون النصح؟ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قد يكون أنها صوت الزلازل البركانية التي قلبت بلادهم عاليها سافلها كما سيرد في الآية التالية ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس،

стр. 1037

﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ السجّيل من السجل وهو الكتاب، أي ما كتبه تعالى عليهم من الأزل لعلمه المسبق بسوء صنيعهم وسوء جبلّتهم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي للمعتبرين الذين يعملون عقولهم في ظواهر الأمور فيعلموا بواطنها وحقيقتها، ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ على الطريق بين الحجاز وبلاد الشام إلى الشرق من البحر الميت لا تزال آثاره باقية مقيمة إلى اليوم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله تعالى ورسله، تكفيهم آية من الآيات، ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قوم شعيب، والأيكة الغيضة كثيفة الشجر وهي أرض مدين، انظر [الأعراف ٨٥/ ٧ - ٩٣]، ﴿لَظالِمِينَ﴾ بكفرهم وشركهم وسوء صنيعهم، ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ على الطريق إلى بلاد الشام إلى الشرق من خليج العقبة والبحر الميت، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾

стр. 1038

٨٠ - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ﴾ يعني ثمود وهم الأنباط، والحجر بين الحجاز والشام، انظر شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]، ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ كذّبوا رسولهم صالح فكانوا كمن كذّب الأنبياء جميعا، ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا﴾ كآية الناقة ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ فلم ينظروا فيها ولم يستدلّوا بها لتشنّج عقولهم على التقليد، ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ آمنين من نزول العذاب بهم، معتمدين على حولهم وقوتهم متحصنين في بيوتهم المنحوتة في الجبال، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ فأهلكتهم في وضح النهار، ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من القوة والثروة والتجبّر، ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥) ٨٥ - نتيجة السورة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ بمغزى وهدف معين بلا عبث ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيتم فيها الحساب وتتحقق العدالة على أكمل وجه ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ عن الكفار في هذه الدنيا لأنها دار مرور واختبار وليست دار قرار، وفي ذلك تأكيد للآية (٣)﴾، في إشارة للمذكورين بالآيات (٢ - ١٥)، فيلاقوا سوء عاقبتهم إن في الدنيا كما حدث لقوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، أو في الآخرة،

стр. 1039

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ﴾ خالق العباد جميعا مؤمنهم وكافرهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ عليم بأحوالهم ودوافعهم، فيمهلهم حتى يتوبوا أو ينزل بهم البلاء، ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) ٨٧ - وخلافا لما زعموا من جنون النبي ﷺ بالآية (٦)، فقد آتاه الله القرآن العظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيها النبي ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ وفي ذلك إشارة لموضوع الآيتين (١) و (٩)، وقالوا أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة لكونها "أم الكتاب" وجوهره، وهي سبعة آيات بما فيها البسملة، يثنّى بعدها ما يقرأ في الصلاة ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف العام على الخاص، وفيه دلالة على امتياز الخاص، ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ولأنّ الذي آتيناك من السبع المثاني والقرآن العظيم يفوق متاع الدنيا فلذلك: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ﴾ من الكفار والمترفين، فما ذلك إلاّ متاع الدنيا لنفتنهم فيه ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لجحودهم وإصرارهم على الكفر ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كناية عن الرفق واللين والتواضع لهم، ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿وَقُلْ﴾ للناس كافة ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ المذكور في كتب اليهود والنصارى، وهو سبب استخدام أل التعريف، ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ ٩٠ - ٩١ - ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ عطف على الآية (٨٧)، والمعنى: آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على المقتسمين، وقيل إنهم

стр. 1040

اليهود والنصارى نزل عليهم التوراة والإنجيل فآمنوا بالقسم القليل منهما وشوّهوا الباقي بحسب هواهم، ثم لمّا نزل القرآن عموا عنه وحاولوا تمزيق معانيه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ التعضية: التفرقة والتجزئة، وفي الحديث: "لا تعضية في ميراث إلاّ فيما احتمل القسمة"، و ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أيضا يأخذون من القرآن ما يناسب آراءهم ويتركون ما يناقض أهواءهم، فبذلك يقطّعون القرآن الكريم إربا، عمدا أو سهوا، بسبب نظرتهم الجزئية إليه آية آية، فتضيع عليهم معانيه لافتقادهم النظرة الشمولية التي بدونها يعجزون عن فهم القرآن، وفي ذلك أيضا إشارة إلى الذين يتعمّدون تعضيته من المستشرقين والمغرضين لقوله تعالى في الآية (١٢): ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جميع هذه الأصناف من المقتسمين المذكورة آنفا، سوف يكونون في موقع المسؤولية، ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنهم في موقع المسؤولية بعد أن بلغتهم الرسالة، ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أظهره جهارا أيها النبي، وأيها المسلم ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تلتفت لما يقولون، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥/ ٥]، ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك أو بهذه الرسالة فلا يضروك شيئا، وهم المشار إليهم بالآية (١١)، ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾

стр. 1041

٩٦ - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ وهم كفار قريش والمشركون في كل العصور ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملهم، أو سوف يعلمون الحقيقة في نهاية المطاف، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ضيق الصدر عكس الشرح، والعرب تسمي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمعنى أن النبي ﵇، والمسلم عامة، يضيق صدره بما يقول الكفار، وعلاج ذلك مبيّن بالآية التالية: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ اللجوء للتسبيح والحمد والصلاة لنفي ضيق الصدر، ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قالوا إنّ اليقين هو الموت لتيقن وقوعه، والمعنى داوم على العبادة ما دمت حيّا، ***

стр. 1042

سورة النحل - ١٦ - مكية نزلت في مكة خلال الشهور الأخيرة التي سبقت هجرته إلى المدينة، وقيل إن الآيات الثلاث الأخيرة منها نزلت في المدينة، واشتق اسم السورة من الإشارة في الآية (٦٨) إلى واحدة من عجائب الخلق وهي النحل، ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة الحجر المتقدمة بقوله تعالى: ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [٩٩/ ١٥]، ثم افتتحت سورة النحل بقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [١/ ١٦]، وتفصيله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٢٨/ ١٦]، ثم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٣٢/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [٣٣/ ١٦]، وفي سورة الحجر نزول القرآن الكريم بختم الرسالات: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [٩/ ١٥]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٤٤/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [٦٤/ ١٦]، وفي سورة الحجر بعث الرسل في الأمم السابقة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ [١٠/ ١٥]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي﴾

стр. 1043

﴿كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [٣٦/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [٦٣/ ١٦]، وفي سورة الحجر: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [٨٥/ ١٥]، ثم في سورة النحل: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [٣/ ١٦]، وفي سورة الحجر قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [٦/ ١٥]، وتفصيله في سورة النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [٤/ ١٦]، وفي سورة الحجر الأمر بترك المشركين إن هم أصرّوا على الكفر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [٣/ ١٥]، وفي سورة النحل أن لو شاء الله لهداهم أجمعين: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [٣٧/ ١٦]، محور السورة إن الله تعالى بيّن للناس طريق الهداية من الضلال وكرّمهم بالخيار: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩)، ثم كان استكبار الكفار سببا في إنكارهم الآخرة: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢)، إذ لم يعتبروا بمصير أمثالهم من سابقيهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)، وأن ذلك من موجبات البعث: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩)، وأن كل ابن آدم خطّاء لكن الله تعالى يعطي

стр. 1044

الناس فرص التوبة، فوجب اغتنامها قبل الفوات: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١)، وتدحض السورة عقيدة المثنوية: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١)، وتبيّن أن بعث الرسل قد تتالى في الأمم البائدة: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣)، ثم لزم الأمر نزول القرآن الكريم لحسم الخلاف بين الناس: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤)، سوى أنه لا سبيل لهدي المصرّين على الكفر: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣)، وأنّ من مقاصد الدين العمل بمكارم الأخلاق: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠)، وأنّ الله تعالى كرّم الناس بحرية الخيار ما يوجب تحملّهم المسؤولية: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)، وأن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)، وأن المسلمين على ملة إبراهيم الحنيف: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣)، وبعد نسخ الرسالات السابقة وجبت الدعوة للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بأحسن الأساليب: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥).

стр. 1045

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) ١ - ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ المراد به يوم القيامة، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحققه لا محالة فكأنه وقع، وقد يكون المراد به العذاب المشار إليه بالآية (٢٦) المترتّب على تفسخ المجتمعات الجاحدة وفسادها وانهيارها ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لأن الكفار والمشكّكين في موقع التحدّي والسخرية، وقت البعثة، وفي كل عصر، لأنه بنزول العذاب تنتهي فترة اختبار الإنسان ويصبح الإيمان إلجاء فيخلو من أي خيار أخلاقي، فالاستعجال إذن من شأن الجاهلين والحمقى، ومع ذلك فالكفار مصرّون على الشرك: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والشرك هنا بمعنى التهالك على الدنيا والمادة وطلب الجاه والزعامات وتكديس المال والثروات واعتبارها هدفا نهائيا بذاتها، وأيضا إعجاب ذي الرأي برأيه، فأمثال هؤلاء المشركين منكرون للآخرة والمسؤولية والحساب، عابدون لشهواتهم ودنياهم وأهواءهم. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٢) ٢ - المشركون المشار إليهم آنفا حريصون على دنياهم، غافلون عن الوحي الذي نزل على الرسل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ الروح هو الوحي لأنه يحيي النفوس التي ماتت بالشرك والجهل والتهالك على الدنيا والغفلة ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ في الوحي، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، لأن الوحي لا يتنزّل بكل أمور الغيب، وإنما فقط بما يحتاجه العباد لدنياهم وآخرتهم ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فالله أعلم حيث يجعل رسالته ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ الرسل جميعا جاؤوا برسالة التوحيد ما يوجب التقوى من الشرك: ﴿فَاتَّقُونِ﴾،

стр. 1046

﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) ٣ - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ على النقيض مما يظن المشركون العابثون فإنّ الخلق تمّ بالحق، أي هو ذو معنى ومغزى، وليس من صدفة في شيء ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ به تعالى من دنياهم، من أوهام، ومن شركاء ووسطاء وشفعاء وهميين لا يقدرون على شيء، ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ الذي كرّمه تعالى على سائر المخلوقات بالفكر المجرّد فعلّمه الأسماء كلها، وكرّمه بالحرية الفكرية [السجدة ١٣/ ٣٢]، الآية (٩)، وسخّر له من مخلوقاته، الآيات (١٨/ ٥)، وأرشده إلى الطريق القويم، الآية (٩)، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ من بداية وضيعة بسيطة جدا ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ من بداية النطفة المتواضعة إلى مخلوق قادر على المنطق والمحاجّة، ممّا قد يرتفع به فكريا إلى أعلا علّيين، أو يهبط به أسفل سافلين دون أن يفقه شيئا من مغزى الخلق فيتحدّى ويستعجل العذاب، الآية (١)، وفي الانتقال من البداية البسيطة المتواضعة إلى تمام الخلق من الإعجاز ما فيه، ما يدحض شرك المشركين وحجج المخاصمين، ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، انظر آيتي [الأنعام ١٤٣/ ٦ - ١٤٤]، ﴿خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ من وبرها وصوفها كما هو مفصّل في الآية (٨٠)، ﴿وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ وما في ذلك مزيد من دلائل الإعجاز من جهة، وتكريم الإنسان بتسخير المخلوقات له من جهة ثانية، وأكثر الناس غافلون عن ذلك، ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ﴾ للتأمل والتفكّر ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ في المساء ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ بها نهارا للرعي،

стр. 1047

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ فضلا عن أن تحملكم على ظهورها، كما في الإبل ﴿إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ تصلون إليه بكل جهد ومشقة ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك من جملة نعمه عليكم، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ﴾ خلقها بالإضافة للأنعام المشار إليها بالآية (٥)، ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ ليس فقط لمنافعها في المواصلات، بل للزينة كما في الخيل ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من وسائل المواصلات في المستقبل، وهو ما نعرفه اليوم من مركبات وطائرات وسفن وغيرها، وهذا التطور في تقدم وسائل المواصلات ينطبق على كل زمن في الماضي والحاضر والمستقبل، وقد نسب تعالى خلقها إلى ذاته العلية، لأنه هو الذي أودع في الإنسان المقدرة على التفكير والإبداع والاختراع، ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩) ٩ - بعد أن ذكر تعالى أنّ خلق السماوات والأرض ذو مغزى، الآية (٣)، وأنه خلق الإنسان وكرّمه بمنحه المنطق والمحاجّة، الآية (٤)، وسخّر له المخلوقات، الآيات (٥ - ٨)، تضيف هذه الآية أن الله تعالى لم يترك الإنسان يتخبط على غير هدى، وهو القصد من الوحي المشار إليه بالآية (٢): ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ وحده ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ لبيان الطريق المستقيم منها ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ ومن هذه الطرق ما هو منحرف عن الطريق الحق، فالله تعالى ترك للناس حرية اتباع المستقيم منها من الجائر ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قسرا، دونما حرية من جهتكم، لولا أنّ مغزى الخلق مرتبط بالمسؤولية الأخلاقية وبحرية الخيار الأخلاقي للإنسان المشار إليه بالآية (٤)﴾، والغافلون عن النعم والإعجاز في الخلق لا يهتدون،

стр. 1048

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ من الماء شراب ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ ومنه ينبت الشجر ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ترعون فيه مواشيكم، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١١) ١١ - وينبت به الزرع: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لمجرّد نزول المطر من السماء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتفكّرون في هذا الإعجاز العجيب الذي يراه البعض نوعا من المسلّمات العادية ويغفلون عن عظمته، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سخّرها لمعيشة الإنسان ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ﴾ وباقي النجوم مسخّرات بأمره تعالى، لحكمة يعلمها وحده ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الذين يستفيدون من طاقاتهم العقلية على النحو السوي، ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نشر لكم فيها من المخلوقات الجماد، وغير الجماد ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ ألوان الطيف المختلفة الرائعة المنعكسة منه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ الذين يذّكرون قدرته تعالى على الخلق بلا حدود، ويذّكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ فضلا عمّا سخّر لكم على اليابسة المشار إليها آنفا ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾

стр. 1049

﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ دليلا على ما أودعه تعالى في الإنسان من المقدرة على الاختراع والتقانة ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتسهيل معاشكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، قولا وعملا، ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ وهي الجبال ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لئلا تميد الأرض بكم، أي لئلا تهتز وتضطرب، والمقصود أنّ الجبال تساهم في توازن القشرة الأرضية، فهي متوازنة على اللافا المنصهرة في باطن الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ [النبأ ٧/ ٧٨]، ولا يمنع ذلك حدوث الزلازل وانفجار البراكين أحيانا، وذلك أيضا من مظاهر الإعجاز التي لا يعقلها إلاّ العالمون ﴿وَأَنْهاراً وَسُبُلاً﴾ من المعالم الطبيعية والجغرافية والجيولوجية على سطح الأرض ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بمعالم الطرق هذه، أو لعلكم تهتدون إلى الإيمان بالخالق الأحد، بدليل الآية (١٧)، ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَعَلاماتٍ﴾ الله تعالى جعل هذه المعالم الطبيعية المشار إليها آنفا علامات يستفاد منها في الأسفار ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وهي معالم طبيعية في السماء يستفاد منها لمعرفة الاتجاهات في البحار والصحاري، بالإضافة إلى المعالم الأرضية المشار إليها، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ كل هذه العجائب المذهلة المشار إليها بالآيات (٣ - ١٦) المتقدمة ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ شيئا، من الشركاء المزعومين المشار إليهم بالآيات (١) و (٣)، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ حقائق الأمور؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ أيها المجادلون والمخاصمون بالمشار إليهم بالآية (٤)﴾ ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾ آثار أو تجلّيات نعمة الله عليكم ﴿لا تُحْصُوها﴾ فما سبق ذكره

стр. 1050

منها على سبيل المثال لا الحصر ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بعباده، لا يعاجل المستعجلين، الآية (١)، والجاحدين والمشركين والكفار بالعقوبة، بل يمهلهم بمزيد من الوقت والفرص لعلهم يتوبون، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ (١٩) ١٩ - استمرار الخطاب للمجادلين المخاصمين: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ من المكائد ضد الإسلام ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ منها، فيحاسبكم على ما تخرجون منها إلى حيّز التنفيذ، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآلهة الوهمية والوسطاء والشفعاء والأولياء المزعومين الذين يدعونهم الكفار والمشركون ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ تدبّ فيه الحياة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فالله تعالى خالقهم، وليس لهم من صفات الألوهية شيء، ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ فهم أعجز من عبدتهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ آلهتهم جاهلون بالغيب، بل لا يعلمون وقت بعث عابديهم، ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وقد ثبت ذلك من الأدلة القاهرة المتقدمة المشار إليها ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ رغم البراهين والأدلة القاهرة ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ الكفار ينكرون الآخرة من موقع الاستكبار الزائف وليس من موقع القناعة الفكرية، لأنهم يرفضون الإقرار باعتمادهم الكلي على الخالق ومسؤوليتهم الأخلاقية تجاهه، ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ من العناد والتكبر في عقلهم الباطن ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من نظريات فكرية منحرفة يتسترون بها على

стр. 1051

عنادهم وتمرّدهم ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ لأن الاستكبار انحراف فكري يترتب عليه الكفر واضطهاد إنسانية الآخرين، ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ بمعنى لا تغفلوا عن الوحي الإلهي الذي نزل على الرسل ﴿قالُوا﴾ من موقع الاستكبار والسخرية ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يزعمون أنه أساطير وليس وحيا إلهيا، وهذا من مظاهر استكبارهم أن تعمى بصائرهم فيمتنعون عن تحكيم الفكر والعقل بقيمة الوحي، ويعجزون عن تقويمه من حيث جدارته، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ﴾ أي آثامهم، لأن الوزر هو الحمل، فكأنهم يحملون أثقال آثامهم على ظهورهم ﴿كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فتلك العاقبة الطبيعية لهم، لأن ما قدّموه من عمل في دنياهم مرتبط بعاقبتهم في الآخرة كارتباط السبب بالمسبّب، ولذا قالوا إن اللام في قوله ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ هي لام العاقبة ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ يحملون أيضا من أوزار الذين يضلّونهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم ولا فهم من العوام والجاهلين الذين ضلّوا بسببهم ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي ما أسوأ هذا النوع من الحمل الذي يحملون من دنياهم لآخرتهم، ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل مكرهم السيئ، فضلّوا، بزعمهم أن الوحي مجرّد أساطير وأنكروا الآخرة والحساب، الآيات (٤ و ٢٢ و ٢٤)، وهذه ظاهرة تتكرر على مر العصور، لأنّ الإنسان مكرّم بالعقل من جهة وبحرية الخيار من جهة ثانية، فإذا هو خصيم مبين ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في الآية من المجاز الواضح والتمثيل ما فيها، فهي

стр. 1052

تشير إلى سننه تعالى في المجتمعات والأمم التي تخفق في الاستفادة من العقل والوحي والحرية على النحو السوي فتتفسّخ ويحين أجلها الدنيوي، فتنهار المجتمعات والحضارات والدول ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ الذي كانوا يستعجلون وقوعه تحدّيا وتهكّما، الآية (١)، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ الفساد يتغلغل فيهم شيئا فشيئا، ويدبّ الشرك الخفي فيهم فيستكبرون، ويلهثون وراء دنياهم ويعبدون شهواتهم ودنياهم وأوهامهم، وهم غارقون في غفلتهم من حيث لا يشعرون، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ فضلا عن الخزي الذي لحقهم في الحياة الدنيا المشار إليه آنفا ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ في زعمكم واعتقادكم؟ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ فجعلتم أنفسكم وأوهامكم وعبوديتكم للمادة في شقّ، والمؤمنون والإيمان والوحي في شقّ آخر، فيمتنع الجواب عليهم، فيقول الذين أوتوا العلم: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين استفادوا من الدلائل العقلية والوحي ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فهي العاقبة الطبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الجحود والغفلة، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة أي: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ظلموا أنفسهم بالجحود والنكران وعبادة الدنيا، حتى حان أجلهم قبل أن يتوبوا، فعرّضوا أنفسهم للعذاب المقيم في الآخرة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ بخلاف ما كانوا عليه في دنياهم من الشقاق والتكبّر، لم يكن بوسعهم سوى الاستسلام والانقياد والخضوع في أول

стр. 1053

دخولهم عالم الغيب، وخروجهم من عالم المشاهدة، فيقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ يظنّون أنهم كانوا مصلحين في الأرض، أو يقولون هذا القول وهم يكذبون على أنفسهم ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حيث أخرجتم نواياكم السيئة إلى نطاق العمل، فلن تنفعكم اليوم أعذاركم الفاسدة، ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ نتيجة لازمة لما كنتم في دنياكم، فلا ينفع الإيمان والإقرار بعد الفوات ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ بئس الاستكبار الذي أوردكم هذا المورد، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - بعد أن أوضحت الآيات (٢٢ - ٢٩) أحوال المستكبرين منكري الآخرة، توضح بالمقابل الآيات (٣٠ - ٣٢) أحوال المتقين: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ كما قيل للمستكبرين منكري الآخرة، الآية (٢٤)، ﴿قالُوا خَيْراً﴾ لأنّ الوحي هو الخير المطلق، في حين زعم الجاحدون أنه أساطير الأولين ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ ولا يشترط كون هذه الحسنة مادية، فالمؤمنون يتمتعون في دنياهم بالسكينة والطمأنينة والسلام الروحاني ما لا يعرفه الكفار والغافلون ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدنيا ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار النعيم المقيم في الآخرة كما سيأتي وصفه: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين اتقوا الهوى والغفلة والتشنج الفكري، وهم الموصوفون في الآية التالية:

стр. 1054

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ في حالة من الطهارة الروحية الداخلية ﴿يَقُولُونَ﴾ لهم وقت خروجهم من الدنيا ودخولهم عالم الغيب ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ انعموا بالسلام، لا خوف عليكم في الآخرة، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير في دنياكم، لأن العبرة بالعمل وليست العبرة بالأقوال والتمنّي، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - بعد أن أوضحت الآيات (٣٠ - ٣٢) مآل المتّقين الطيبين بعد الوفاة، يعود الخطاب لبيان أحوال الكفار المشار إليهم بالآيات (٢٤ - ٢٩): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة الموت فيفوت أوان التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ فيحين قضاؤه المشار إليه بالآية (١)، والمغزى أنّ الأجل أقرب بعيد، فالواجب الإفاقة من الغفلة قبل الفوت ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المعاندين المنكرين، أصرّوا على الغفلة والتشنّج حتى جاءتهم ملائكة الموت ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ لأن العاقبة مترتبة على العدل، انظر الآية (٢٨)، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالعناد والاستكبار والجحود والنكران، ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ انعكس عملهم السيئ عليهم سلبا فدمّر إمكاناتهم الروحية والأخلاقية حتى انتهى بهم إلى عذاب الآخرة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ من الرسالات السماوية والوحي،

стр. 1055

﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لم يكتف المشركون بإنكار الآخرة، الآية (٢٢)، والزعم أنّ القرآن الكريم أساطير الأولين، الآية (٢٤)، بل أضافوا التشكيك بحرية الخيار التي منحها تعالى للبشر، فزعموا، تهربا من مسؤوليتهم الأخلاقية، أن لا خيار لهم فيما هم عليه من العقيدة، وأرجعوا شركهم إلى المشيئة الإلهية ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المصرّين على الضلال ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس على الرسل قهر الناس على الخيار الصحيح، لأنّ القهر يناقض الحكمة من التكليف، والمشيئة الإلهية المتمثلة في علم الله القديم الذي هو من صفات الألوهية لا يستوجب إلغاء الإرادة الفردية، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ فلم يبق لأحد عذر بالجهل، والخطاب مرتبط بالآية (٩)﴾ أن الله تعالى يرشد الناس إلى السبيل القويم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، واتقوا الشرك بكل أشكاله لما فيه من حط لكرامة البشر، ولانعكاسه سلبا على نمو الإنسان الروحي والأخلاقي ﴿وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ من رؤوس الشر والضلال ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ بلطف الله وتوفيقه لمن حافظ على سلامة الفطرة فاستفاد من الهدي الإلهي ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ بعناده واستكباره وسوء استعداده فيخليه الله تعالى لنفسه ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ لأن سننه تعالى في خلقه لا تتغير،
следующие страницы →