← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

عنادهم وتمرّدهم ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ لأن الاستكبار انحراف فكري يترتب عليه الكفر واضطهاد إنسانية الآخرين، ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ بمعنى لا تغفلوا عن الوحي الإلهي الذي نزل على الرسل ﴿قالُوا﴾ من موقع الاستكبار والسخرية ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يزعمون أنه أساطير وليس وحيا إلهيا، وهذا من مظاهر استكبارهم أن تعمى بصائرهم فيمتنعون عن تحكيم الفكر والعقل بقيمة الوحي، ويعجزون عن تقويمه من حيث جدارته، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ﴾ أي آثامهم، لأن الوزر هو الحمل، فكأنهم يحملون أثقال آثامهم على ظهورهم ﴿كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فتلك العاقبة الطبيعية لهم، لأن ما قدّموه من عمل في دنياهم مرتبط بعاقبتهم في الآخرة كارتباط السبب بالمسبّب، ولذا قالوا إن اللام في قوله ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ هي لام العاقبة ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ يحملون أيضا من أوزار الذين يضلّونهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم ولا فهم من العوام والجاهلين الذين ضلّوا بسببهم ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي ما أسوأ هذا النوع من الحمل الذي يحملون من دنياهم لآخرتهم، ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل مكرهم السيئ، فضلّوا، بزعمهم أن الوحي مجرّد أساطير وأنكروا الآخرة والحساب، الآيات (٤ و ٢٢ و ٢٤)، وهذه ظاهرة تتكرر على مر العصور، لأنّ الإنسان مكرّم بالعقل من جهة وبحرية الخيار من جهة ثانية، فإذا هو خصيم مبين ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في الآية من المجاز الواضح والتمثيل ما فيها، فهي

стр. 1052

تشير إلى سننه تعالى في المجتمعات والأمم التي تخفق في الاستفادة من العقل والوحي والحرية على النحو السوي فتتفسّخ ويحين أجلها الدنيوي، فتنهار المجتمعات والحضارات والدول ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ الذي كانوا يستعجلون وقوعه تحدّيا وتهكّما، الآية (١)، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ الفساد يتغلغل فيهم شيئا فشيئا، ويدبّ الشرك الخفي فيهم فيستكبرون، ويلهثون وراء دنياهم ويعبدون شهواتهم ودنياهم وأوهامهم، وهم غارقون في غفلتهم من حيث لا يشعرون، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ فضلا عن الخزي الذي لحقهم في الحياة الدنيا المشار إليه آنفا ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ في زعمكم واعتقادكم؟ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ فجعلتم أنفسكم وأوهامكم وعبوديتكم للمادة في شقّ، والمؤمنون والإيمان والوحي في شقّ آخر، فيمتنع الجواب عليهم، فيقول الذين أوتوا العلم: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين استفادوا من الدلائل العقلية والوحي ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فهي العاقبة الطبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الجحود والغفلة، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة أي: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ظلموا أنفسهم بالجحود والنكران وعبادة الدنيا، حتى حان أجلهم قبل أن يتوبوا، فعرّضوا أنفسهم للعذاب المقيم في الآخرة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ بخلاف ما كانوا عليه في دنياهم من الشقاق والتكبّر، لم يكن بوسعهم سوى الاستسلام والانقياد والخضوع في أول

стр. 1053

دخولهم عالم الغيب، وخروجهم من عالم المشاهدة، فيقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ يظنّون أنهم كانوا مصلحين في الأرض، أو يقولون هذا القول وهم يكذبون على أنفسهم ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حيث أخرجتم نواياكم السيئة إلى نطاق العمل، فلن تنفعكم اليوم أعذاركم الفاسدة، ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ نتيجة لازمة لما كنتم في دنياكم، فلا ينفع الإيمان والإقرار بعد الفوات ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ بئس الاستكبار الذي أوردكم هذا المورد، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - بعد أن أوضحت الآيات (٢٢ - ٢٩) أحوال المستكبرين منكري الآخرة، توضح بالمقابل الآيات (٣٠ - ٣٢) أحوال المتقين: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ كما قيل للمستكبرين منكري الآخرة، الآية (٢٤)، ﴿قالُوا خَيْراً﴾ لأنّ الوحي هو الخير المطلق، في حين زعم الجاحدون أنه أساطير الأولين ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ ولا يشترط كون هذه الحسنة مادية، فالمؤمنون يتمتعون في دنياهم بالسكينة والطمأنينة والسلام الروحاني ما لا يعرفه الكفار والغافلون ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدنيا ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار النعيم المقيم في الآخرة كما سيأتي وصفه: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين اتقوا الهوى والغفلة والتشنج الفكري، وهم الموصوفون في الآية التالية:

стр. 1054

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ في حالة من الطهارة الروحية الداخلية ﴿يَقُولُونَ﴾ لهم وقت خروجهم من الدنيا ودخولهم عالم الغيب ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ انعموا بالسلام، لا خوف عليكم في الآخرة، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير في دنياكم، لأن العبرة بالعمل وليست العبرة بالأقوال والتمنّي، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - بعد أن أوضحت الآيات (٣٠ - ٣٢) مآل المتّقين الطيبين بعد الوفاة، يعود الخطاب لبيان أحوال الكفار المشار إليهم بالآيات (٢٤ - ٢٩): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة الموت فيفوت أوان التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ فيحين قضاؤه المشار إليه بالآية (١)، والمغزى أنّ الأجل أقرب بعيد، فالواجب الإفاقة من الغفلة قبل الفوت ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المعاندين المنكرين، أصرّوا على الغفلة والتشنّج حتى جاءتهم ملائكة الموت ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ لأن العاقبة مترتبة على العدل، انظر الآية (٢٨)، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالعناد والاستكبار والجحود والنكران، ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ انعكس عملهم السيئ عليهم سلبا فدمّر إمكاناتهم الروحية والأخلاقية حتى انتهى بهم إلى عذاب الآخرة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ من الرسالات السماوية والوحي،

стр. 1055

﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لم يكتف المشركون بإنكار الآخرة، الآية (٢٢)، والزعم أنّ القرآن الكريم أساطير الأولين، الآية (٢٤)، بل أضافوا التشكيك بحرية الخيار التي منحها تعالى للبشر، فزعموا، تهربا من مسؤوليتهم الأخلاقية، أن لا خيار لهم فيما هم عليه من العقيدة، وأرجعوا شركهم إلى المشيئة الإلهية ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المصرّين على الضلال ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس على الرسل قهر الناس على الخيار الصحيح، لأنّ القهر يناقض الحكمة من التكليف، والمشيئة الإلهية المتمثلة في علم الله القديم الذي هو من صفات الألوهية لا يستوجب إلغاء الإرادة الفردية، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ فلم يبق لأحد عذر بالجهل، والخطاب مرتبط بالآية (٩)﴾ أن الله تعالى يرشد الناس إلى السبيل القويم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، واتقوا الشرك بكل أشكاله لما فيه من حط لكرامة البشر، ولانعكاسه سلبا على نمو الإنسان الروحي والأخلاقي ﴿وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ من رؤوس الشر والضلال ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ بلطف الله وتوفيقه لمن حافظ على سلامة الفطرة فاستفاد من الهدي الإلهي ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ بعناده واستكباره وسوء استعداده فيخليه الله تعالى لنفسه ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ لأن سننه تعالى في خلقه لا تتغير،

стр. 1056

﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم في كل زمن وفي أي مكان ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لا يجبر المعاندين والمكابرين الذين حقّت عليهم الضلالة ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ولا عبرة بما قد يكونون عليه من متاع الدنيا الزائل، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مما يدلّ على أنهم مؤمنون بالله، سوى أن إيمانهم غامض لا يترتّب عليه شيء، فقد أشركوا مع الله أوهامهم وأهواءهم ودنياهم وجعلوا المادة منتهى همّهم ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ينكرون البعث تعاميا عن مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية لكي يتصرفوا في الدنيا على هواهم ﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس يعتمدون الظن والتخمين وينكرون الوحي، وقد يبتدعون في ذلك نظريات فلسفية ويدّعون ما يسمّونه "العلمانية"، مع أن العلمانية تفيد العلم بالشيء، وهي صفة المؤمنين العالمين بحقيقة الوحي، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فتحسم الأمور ويتبيّن على وجه اليقين الحق من الباطل ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ يظهر للكفار ما كانوا عليه من الكذب على أنفسهم، وهذان السببان من موجبات البعث، ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلا يعجزه تعالى شيء، فما وجه الغرابة في البعث من جديد؟

стр. 1057

﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١) ٤١ - الذين هاجروا في أثناء البعثة النبوية من مكة إلى الحبشة أولا، ثم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة في رمضان العام ٨ هجرية، هربا من الاضطهاد الديني، وبعد ذلك صارت الهجرة تعبيرا عن ترك دار الكفر في أي زمن، وقد تكون هجرة روحانية بحتة، وليست هجرة مكانيّة بالضرورة من مكان إلى آخر: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي﴾ سبيل ﴿اللهِ﴾ فتركوا دار الكفر، وهي في هذه الحالة هجرة روحانية بحتة، لأن مقارنتهم مع المصرّين على الكفر المشار إليهم في الآيات (٣٧ - ٣٨)، العاملين في اضطهاد غيرهم من المؤمنين ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ فينعمون بالراحة النفسية وبالسكينة وبالطمأنينة، وليس بالضرورة بالنعم المادية ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من أجر الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كان المصرّون على الكفر يعلمون ذلك لآمنوا، ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاقّ الهجرة ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن اتخذوا للأمور ما يستطيعون تدبيره دنيويا، أرجعوا الأمور كلها إلى الله فيما لا يملكون من الإمكانات العادية، ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - بعد أن ذكرت السورة إصرار المشركين على الشرك، الآية (١٧)، وزعمهم أن القرآن ليس سوى أساطير الأولين، الآية (٢٤)، وأنهم مقيّدون بالجبرية وتقليد الآباء والأجداد، الآية (٣٥)﴾، أضافوا القول إن محمدا ﷺ لم يكن سوى بشر فكيف يوحى إليه؟ وهو ما تجيب عليه الآية:

стр. 1058

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الرسل المبعوثون إلى كل الأمم، كالمشار إليهم في الآية (٣٦)، لم يكونوا سوى بشر ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الذين أوتوا فهم الوحي في القرآن والكتب السابقة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين، بل تتخبّطون في الظنّ، ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة أي: ما أرسلنا قبلك، أيها النبيّ، إلاّ رجالا نوحي إليهم بالآيات البينات، وبالزّبر، وهي الكتب المقدّسة ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن الكريم تذكيرا بالميثاق المأخوذ على الناس في الأصلاب ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فتفصّل للناس ما أجمله القرآن ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في معانيه، ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ بابتداع النظريات الفلسفية التي تنكر وجود الله، وتنكر الأخلاق والقيم ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فيكون دمارهم كاملا ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيتغلغل الفساد فيهم شيئا فشيئا، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فجأة، وهم يتقلّبون في شؤون حياتهم المعتادة ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون تفادي نهايتهم المحتومة، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ التخوّف التنقّص، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء ٤٤/ ٢١]، أي إن الأمم والدول الفاسدة اجتماعيا وأخلاقيا تتعرض للانكماش والنقصان

стр. 1059

شيئا فشيئا حتى يحين أجلها المحتوم ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إذ كرّم الناس بالعقل وبعث الرسل وبيّن الحق من الباطل، وأمهل الكفار لعلهم يتفكرون ويتوبون قبل الفوات، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - وهنا تنتقل الآيات (٤٨ - ٥٠) لبيان بعض مظاهر الإعجاز في الخلق، التي غفل عنها الذين مكروا السيئات المشار إليهم آنفا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ معجزة الظلال التي تتحرك مع حركة دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، فيتحرك نور الشمس من الشرق إلى الغرب، وتتحرك الظلال من المغرب نحو المشرق في أثناء الفترة ما بين الشروق إلى الغروب ﴿سُجَّداً لِلّهِ﴾ منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون، منقادون لسنته تعالى، ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - بعد أن ذكرت الآية السابقة انقياد المخلوقات الجماد لسننه تعالى فيها، تذكر هذه الآية انقياد كافة المخلوقات الحية أيضا: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ سجود انقياد لسنته تعالى في خلقه ﴿مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ المخلوقات من الدواب ذوات الأجسام المادية، والمخلوقات غير المادية كالملائكة، كلها منقادة له تعالى ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ منقادون لخالقهم بلا خلاف، ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لأن ذلك من طبيعة خلقهم، ودوافعهم الذاتية، بخلاف الإنسان الذي يتمتع بحرية الإرادة، إذ يستطيع

стр. 1060

الاختيار بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، فهو لذلك غالبا ما يخطئ ويرتكب الآثام، ومع ذلك فهو خاضع لسنة الله في خلقه لجهة السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد ١٥/ ١٣]، ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١) ٥١ - بعد أن ذكرت الآية (٢) إنذار الوحي للناس أن لا إله إلاّ الله، والآيات (١٦) و (٢٠) أن الآلهة المزعومة لا تقدر على شيء من الخلق، تضرب هذه الآية مثلا بعقيدة المثنوية: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ كما هي الحال في العقيدة الزرادشتية عند الفرس الذين كانوا يعتقدون بثنائية الآلهة: إله النور: أهورا مازدا، وإله الظلام أهريمان، وفي هذه الآية من الإعجاز، لأن عقيدة المثنوية لم تكن معروفة في جزيرة العرب وقت البعثة النبوية، ولم يطلع عليها العرب إلا بعد الفتوحات ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ الله وحده يستحق الطاعة والرهبة، بخلاف الآلهة الخيالية المزعومة التي لا تقدر على شيء، والآيات التالية (٥٢ - ٦١) تحشد البراهين على ذلك: ﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ كل مخلوق معتمد عليه بالكلية ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً﴾ أي دائما، ويقال واظب على الشيء وواصب عليه أي داوم، والدين بمعنى الانقياد ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ لأن الآلهة الوهمية في منتهى العجز، ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وحده ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من مرض أو بلاء ﴿فَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تَجْئَرُونَ﴾ تتضرّعون إليه بالدعاء، وتنسون ما تشركون،

стр. 1061

﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ رفع ما مسّكم من الضرّ ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يتجدد إشراكهم به تعالى، بعبادة آلهة وهمية، أو بالجري وراء أطماع دنيوية بحتة، وينسبون كشف الضرّ إلى حولهم وقوّتهم، أو إلى "الحظ"، أو إلى أسباب مادية بحتة، ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ من النعم المادية والروحانية، ونعمة كشف الضرّ عنهم، واللام لام العاقبة، أي عاقبة تضرعهم لم تكن إلاّ كفرا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بكشف الضر عنكم حتى حين، لأن الله تعالى يمهلهم للتوبة، ولا يعاجلهم بالعقاب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمركم، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - الخطاب متعلق بالآيات الثلاث السابقة: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ يعلمون أن الله تعالى خالقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون من الآلهة الوهمية، نصيبا في الألوهية، فيعتقدون أنها تضرهم وتنفعهم ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ لأن الإنسان في موقع المسؤولية، فسوف يحاسب المفترون على افترائهم الكذب، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ لأنهم زعموا في الجاهلية أن آلهتهم الوهمية، اللات والعزّى ومناة، بنات الله، كما زعموا أن الملائكة بنات الله أيضا، وهذا الزعم يتكرر عند المسيحية بشكل آخر، إذ يقولون إن عيسى المسيح ابن الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له تعالى عن نسبة الولد إليه ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ من الأولاد الذكور، أو من متاع الدنيا الزائل الذي يلهثون وراءه،

стр. 1062

﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾ وهي بشارة تليق أن تكون سارّة، لأن المولود ذكرا كان أم أنثى، هبة منه تعالى تستحق عطف الوالدين ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ سواد الوجه كناية عن الغم والحزن والكراهية ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يكظم غيظه، ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يختفي عن الأنظار ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ بزعمه، لأنهم كانوا يكرهون الأناث خوف الفقر والعار ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ أيمسك ما بشّر به؟ أي الأنثى، على هون منه لها، أو يرضى بهوان نفسه رغم أنفه ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ يدسّ ما بشّر به، أي الأنثى، فيخفيها في التراب، وهي عادة وأد البنات في الجاهلية ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ من كراهيتهم الأنثى، وعادة وأد البنات، فليس أسوأ من حكمهم فيها، ومع أن الآيات (٥٧ - ٥٨ - ٥٩) تدور حول عادة وأد البنات في الجاهلية إلاّ أنها ذات مغزى أعمّ ينطبق في كل العصور، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧)، أي إنّ الكفار أو المشركين في كل العصور يريدون أن تسير الأمور على هواهم بلا رادع أخلاقي، ولا مسؤولية ولا حساب، ولذلك فإنهم ينكرون البعث والحساب والآخرة تهربا من مسؤولياتهم الأخلاقية التي يواجههم بها القرآن، وهو ما تشير إليه الآية التالية: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي لهم صفة السوء بنتيجة إنكارهم الآخرة والمسؤولية، وما يترتب على ذلك من اتباع الهوى وارتكاب قبائح الأعمال ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي صفة العلوّ مطلقا عن صفات المخلوقين، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنفرد بكمال

стр. 1063

القدرة ﴿الْحَكِيمُ﴾ يفعل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة، كما هو مشار إليه في الآية التالية: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ المراد بالدابّة الكافر، لقوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧]، أي لهلكوا على الفور بلا إمهال ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لعلهم يتوبون، ويرجعون عن غيّهم ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ منتهى العمر ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقتئذ يفوتهم أوان التوبة، فيلاقوا الجزاء المترتب على أعمالهم، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ ليس فقط أنهم ينسبون البنات لله تعالى، وهو ما يكرهونه لأنفسهم، بل ينسبون له من الشركاء المزعومين، ما يكرهونه لأنفسهم أيضا، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في زعاماتهم ومناصبهم ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ وهذا من قبيل التمني، إذ يعتبرون أفكارهم الدينية، أو اللادينية، جيدة في نظرهم، بالرغم من سخافتها وتهافتها، ويكذبون على أنفسهم أن الله تعالى سوف يكافئهم عليها، في حال كانت هنالك آخرة، والآية التالية تشرح حالهم بأن الشيطان زيّن لهم أعمالهم فجعلها تبدو جيدة في نظرهم ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ نتيجة طبيعية لكذبهم على أنفسهم ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ مفرطون على أنفسهم بارتكاب الذنوب، ولذلك هم مفرطون في النار، أي متروكون فيها، ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إرسال الرسل إلى الأقوام كان مستمرا منذ الخليقة، فما وجه الغرابة في بعثة خاتم الأنبياء والرسل إلى الناس

стр. 1064

كافة؟ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ جعل أعمالهم وأفكارهم ونظرياتهم الفلسفية تبدو حسنة في نظرهم، وهي لا تعدو إنكار الآخرة والحساب والمسؤولية الفردية، كي يتصرفوا في الدنيا على هواهم ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي يوم القيامة، وأيضا هو وليّ كفار قريش اليوم أي وقت البعثة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ العذاب مرتبط بسلوكهم الدنيوي كارتباط السبب بالمسبّب، ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي القرآن ﴿إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فليس من مبرر لمعارضتهم القرآن بل كان يجدر بهم، كما يجدر بذوي العقول السليمة في كل الأوقات أن يتقبلوه بصدر رحب لأن ما فيه يطابق العقل السليم، ما يمنع الاختلاف والتخبط في نظريات فاسدة ﴿وَهُدىً﴾ يبين طريق الهداية من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ الرحمة هي الوحي، انظر آية [هود ٦٣/ ١١]، لأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ منفتحو الذهن الذين لديهم قابلية للإيمان، أما المكابرون والمعاندون، فأولئك لهم شأن آخر، ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٥) ٦٥ - بعد أن بينت الآيات السابقة أن الكفار والمشركين يريدون أن تسير الأمور على هواهم بالمطلق، لذا يخشون مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية فينكرون الآخرة والحساب، ويتخبطون بابتداع النظريات الفلسفية من عندهم، ينتقل الخطاب هنا في الآيات (٦٥ - ٨١) لبيان آيات الله الآفاقية وما فيها من الإعجاز المذهل ما يراه الغافلون أمورا بديهية مسلما بها: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فما الذي يمنع بعث الإنسان بعد موته؟ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يسمعون سماع فهم وتفكّر،

стр. 1065

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ لمن يتأمل ويفكّر في معجزتها ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي نسقيكم مما في بعض بطونه اللبن ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ من بين المواد التي يطرحها الجسم، وبين الدم الذي يغذي الدورة الدموية ﴿لَبَناً خالِصاً﴾ تفرزه الغدد ﴿سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ تستسيغه أذواق الشاربين، ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ السكر الخمر، وسمّيت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا، والمقارنة هنا بين منافع النخيل والأعناب، فمنها ما يستخرج منه الخمر، ومنها ما يكون رزقا حسنا، فألمحت الآية أن الخمر ليس بالرزق الحسن، وهذا أول ما ورد في القرآن الكريم من التدرج نحو تحريم الخمر، وقد نزلت بعدها آيات [البقرة ٢١٩/ ٢] و [النساء ٤٣/ ٤] وآية [المائدة ٩٠/ ٥] التي حرمت الخمر نهائيا ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ذوو العقول المنفتحة، ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ (٦٨) ٦٨ - وهذا مزيد من معجزاته تعالى في خلقه: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فجعل ذلك الوحي من غريزتها ﴿أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ومن العرائش أيضا اتخذي بيوتا، ومن للتبعيض، فهي ليست في كل جبل وشجرة وعريشة، والبيوت المشار إليها مكوّنة من شهد العسل الذي يبنيه النحل على أشكال هندسية مخروطية سداسية رائعة الشكل، وهي اقتصادية جدا في الحجم وفي المواد المكوّنة لها،

стр. 1066

﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ من أزهارها وطلعها ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ في الطرق التي ألهمك تعالى صنع العسل ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ وهو العسل تختلف ألوانه باختلاف أنواع الزهور وأعمار النحل ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يشفي الكثير من الأمراض، وتنكير ﴿شِفاءٌ﴾ بمعنى أن ليس كل الأمراض يشفيها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتفكرون في هذا الإعجاز وكيفية حدوثه، ما يغفل عنه الغافلون، ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٧٠) ٧٠ - مزيد من بيان الإعجاز في خلق الإنسان: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ في أجلكم المحدد في علم الله القديم، فيأتيكم الأجل في سن الشباب أو الكهولة ﴿وَمِنْكُمْ﴾ من للتبعيض، أي ليس كل الناس يردّون إلى أرذل العمر ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وهو الهرم عندما يستولي الضعف على الجسم والعقل والذاكرة ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ فيفقد التركيز وينسى كل معلوماته أو أكثرها ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ﴿قَدِيرٌ﴾ مهيمن عليها، ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١) ٧١ - هذه الآية مثل ضربه الله تعالى للذين جعلوا له شركاء يدعونهم من دونه: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الناس متفاوتون في أرزاقهم وغناهم تبعا لحركة الأسباب والمسببات ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ ما ملكت أيمانهم هم أسارى الحرب الدينية الدفاعية في سبيل الله، الذين آل مصيرهم إلى العبودية، وفي الوقت الحاضر هم الذين

стр. 1067

يعتمدون على غيرهم في معاشهم، كالعمال الذين يصبحون من مسؤولية أرباب العمل، فإذا كان الله قد فضّل بعضهم على بعض في الأرزاق، فالذين فضّلوا لا يقبلون التنازل عمّا يملكون من امتيازات للذين فضّلوا عليهم ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ حتى يصبحوا هم وما ملكت أيمانهم على مستوى واحد في الرزق، فمن البديهي أنهم لا يقبلون ذلك، فكيف للمشركين أن يساووا الله تعالى الذي بيده مقاليد الأمور كلها مع الشركاء المزعومين الذين يدعونهم من دون الله؟ ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ كيف لهم إنكار النعمة التي فضّل بعضهم على بعض بها؟ في حين لا يقبلون التنازل عن امتيازاتهم للذين فضّلوا عليهم؟ ومع ذلك فقد أوضح الحديث الشريف أن الذين فضّلوا على غيرهم بالرزق يجب أن يعاملوا الذين فضّلوا عليهم كإخوان لهم، فقد روى البخاري وغيره عن النبي ﷺ قوله: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه عليه»، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ المرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، كلاهما زوج الآخر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ الرزق الطيب الحلال ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون رغم ذلك بالأصنام وبالأوهام وبالشركاء المزعومين؟ ويحرّمون الطيبات على أنفسهم ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ويكفرون بما أنعم عليهم الله تعالى من الرزق؟ بل قد يزعمون أن الرزق جاءهم عن طريق الشركاء الذين يتوهمون؟ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾

стр. 1068

٧٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام والشركاء والأوهام ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً﴾ المعبودون لا يملكون شيئا من الرزق المادي أو المعنوي ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ شيئا البتة، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ لا تشبهوه بخلقه، سبحانه وتعالى عمّا يصفون، فهو أعلى وأجلّ أن يحيط به أي تعريف ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ علم اليقين ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ العلم الحقيقي، ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ عاجز عن القيام بأي شيء، فهو مملوك من جهة، وليس من شيء يتصرف به من جهة أخرى، وإمكاناته العقلية والمادية تقارب الصفر ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً﴾ ينفق من رزق الله المادي والمعنوي ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ الجواب الواضح أنهم لا يستوون، فإن كان الأمر كذلك، كيف للكفار أن يدّعوا المساواة بين الله تعالى الذي له مقاليد الأمور، وله ما في السماوات والأرض، يرزق عباده من مؤمن وكافر، وبين الأصنام العاجزة التي لا تقدر على شيء؟ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أنهم لا يستطيعون إنكار ذلك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ بل هم جهلة، يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم شيئا، ولا يستطيع لهم ضرّا ولا نفعا، ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مفيد ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ هو عبء عليه ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فلا يستفاد منه بشيء البتة ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ﴾

стр. 1069

﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ الجواب بالنفي طبعا، فكيف يحكمون بأن الصنم الجماد، أو الأموات، أو الأضرحة التي يعبدونها، مساوية لرب العالمين في استحقاق العبادة؟ ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧٧) ٧٧ - هذه الآية مرتبطة بالآية (٧٤) التي تنص أن الله تعالى محيط بالعلم الحقيقي ما لا يحيط به بشر: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فما يعلمه الإنسان من عالم الغيب أقل القليل، وهو ما ذكره القرآن في الآيات المتشابهات ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ لقوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧]، ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ لعدم وجود أي فارق زمني بين قوله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبين وقوعها ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء، والآيات التالية تبين المزيد من دلائل القدرة: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨) ٧٨ - مزيد من دلائل القدرة والإعجاز: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أطفال عاجزون معتمدون بالكامل على أمهاتهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أنشأكم من تلك الطفولة العاجزة إلى إنسان بالغ عاقل يتمتع بالسمع العادي، وسمع الفهم، والإبصار العادي، والاستبصار، والعقل والتحليل الفكري ما يمكنه من السيطرة على البيئة من حوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بالشكر القولي والعملي لهذه النعم التي ترونها مسلّما بها، ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ﴾ خاضعون لقوانينه تعالى في الطبيعة، وقد جعل لكل شيء سنة من سننه ترتبط

стр. 1070

فيها المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لديهم قابلية للإيمان، غير جاحدين، ولا مكابرين ومعاندين، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ تميلون فيها إلى السكينة والطمأنينة وراحة الجسد والروح، وجعل للسكن حرمة معنوية، انظر آية [النور ٢٧/ ٢٤] ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً﴾ كما هي الحال عند البدو ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ فهي خفيفة الحمل في أسفاركم ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ عندما تقيمون فيها ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً﴾ تتخذون منها فرشا وبسطا وثيابا وكسوة ﴿وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ تتمتعون بها حتى تبلى، ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً﴾ تقيكم أشعة الشمس ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾ الكهوف والمغاور ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ﴾ ثيابا ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وتقي البرد أيضا، لأن ما يقي الحر يقي البرد ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وهي الدروع ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أموركم لله وتخضعوا له، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الرسالة، بعد كل هذه الدلائل القاهرة المشار إليها في الآيات المتقدمة (٦٥ - ٨١) ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليك إلجاء الآخرين إلى الإيمان قسرا لأن الله تعالى كرّم الإنسان بحرية الاختيار،

стр. 1071

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ نعمه الكثيرة المشار إلى بعضها آنفا ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ جحودا واستكبارا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ الأكثرية يغطّون الحقيقة عن أنفسهم، ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٨٤) ٨٤ - بعد أن بينت الآية السابقة أن أكثر الناس كافرون يتعامون عن الحقيقة، تصف الآيات (٨٤ - ٨٩) مآلهم بعد خروجهم من الدنيا ودخولهم الآخرة: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ وهم الأنبياء يشهدون، رمزيا، على أممهم أنهم بلّغوا الرسالة فأصبح الحق واضحا من الباطل ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يؤذن لهم التكلم بأعذار فاسدة ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يسمح لهم بالاستعتاب وهو طلب الرضا من الله تعالى، بالدعاء أو العمل يصححون به أخطاءهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، وباب الدعاء والعمل قد أغلق بالخروج من الدنيا وبالدخول في الآخرة، ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ﴾ المترتب على أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة ليست سوى استمرار لها ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ بمقتضى العدالة، لأن حجم العذاب يتناسب وحجم المعصية والانحراف ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون للعودة إلى الدنيا، وأوان التوبة قد فات، ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، أو ينسبون لهم من صفات الألوهية، أو زعماءهم الذين كانوا يطيعونهم في

стр. 1072

التحليل والتحريم ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ﴾ أضلّونا وأكرهونا على الشرك، وزيّنوا لنا سوء أعمالنا ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ كنتم تكذبون على أنفسكم، لأن الأتباع جحدوا نعمتي العقل والوحي، فتبرّأ المتبوعون من الأتباع، ولم يتحمّلوا أية مسؤولية عنهم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ استسلم الأتباع والمتبوعون إلى الله من موقع العجز، بعد أن كانوا يرفضون أوامره ونواهيه في الدنيا في ظل حرية الإرادة التي كانوا يتمتعون بها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من نظريات فلسفية كانوا يتلاعبون بها، أو ما كانوا يفترون من صفات الألوهية في شركائهم، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ لم يكتفوا بكفرهم بل أضافوا إليه أن صدّوا الآخرين عن سبيل الله، عن طريق البعثات التبشيرية، أو عن طريق القسر والإكراه والاضطهاد ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ﴾ العذاب الذي يقتضيه كفرهم، والعذاب المترتب عن إضلال الآخرين ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ بنتيجة إفسادهم في الأرض، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ١/ ٤٧]، فتذهب أعمالهم هباء، حتى "الحسنة" منها، ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يوم القيامة تشهد الرسل على الأمم بأن الرسالة بلغتها ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ أيها النبي ﴿شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ﴾ على أمة الإسلام ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بعد أن

стр. 1073

نزّلنا عليك القرآن تدريجيا، بيانا لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم، في التفريق بين الحق والباطل، بالمعنى الفردي والاجتماعي لذلك ﴿وَهُدىً﴾ إلى الطريق المستقيم ﴿وَرَحْمَةً﴾ منه تعالى، لأن الرحمة أيضا بمعنى الوحي ﴿وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ الذين أسلموا أمرهم لله، بما ينتظرهم في الآخرة، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠) ٩٠ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة أن القرآن الكريم نزل على البشرية تبيانا لكل شيء من الحق والباطل، تفصّل الآيات (٩٠ - ٩٧) بعضا من ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ حتى لو كان صاحب الحق كافرا يعطى حقه ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ في العمل، وفي الحديث أن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ العطاء لهم، ودائرة ذوي القربى على درجات، تبدأ من قرابة الدم، إلى قرابة المصاهرة، وتتسع لتشمل العطاء للمحتاجين من كل جنس ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ الأفعال والأقوال القبيحة التي تتجاوز العرف ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ وهو ما يقابل العرف، ومضمونه الفعل أو القول الذي تستنكره العقول لقبحه، أو لمفسدته، وضرره ﴿وَالْبَغْيِ﴾ العدوان بالكلام أو بالفعل على الناس ظلما ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ مسؤولياتكم، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ إذا عاهدتم الآخرين وحلفتم الأيمان على عهودكم، كان ذلك بمثابة عهد أمام الله، انظر شرح آية [البقرة ٢٧/ ٢] ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ لأن من حلف بالله تعالى فكأنه جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب حلفه ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ فيحاسبكم على ما يصدر من أعمالكم إلى حيز التنفيذ،

стр. 1074

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ لأن من يبرم العهد مع الآخرين، ويحلف عليه أمام الله ليثقوا في عهده ثم ينقضه، يكون حاله كحال المرأة الحمقاء التي تجهد نفسها بغزل الصوف ثم تنقضه بعد ذلك، فكأنها نقضت غزلها أنكاثا، أي نكثت أنكاثا، والنتيجة أن أعمالكم تذهب هباء ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ تتخذون الأيمان وسيلة لخداع الناس وخيانتهم، إذ تعاهدونهم وتحلفون الأيمان بنيّة النكث ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ من أجل التفاضل فيما بينكم بأساليب الخداع والغش والخيانة لأغراض دنيوية محضة ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ يختبركم الله تعالى بحرصكم على مادة الدنيا إذ تتهالكون عليها ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من خير أو شرّ، فيحاسبكم عليه، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الخير، فلا يكون منكم من يحلف الأيمان ثم ينقض العهد جريا وراء مكاسب الدنيا الفانية، ولكن ذلك يصبح أمرا قهريا منافيا للحكمة الإلهية من خلق الإنسان مختارا ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ فلا يجبره على الهدى، بل يخلّيه لنفسه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية، فيوفقه إليها ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن الحساب مترتّب على العمل الذي يخرج من حيز التفكير والتخطيط إلى حيز التنفيذ، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾

стр. 1075

٩٤ - ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ هذه الآية تبيّن أن من يتخذ الأيمان الكاذبة وسيلة للوصول إلى مكاسب دنيوية عن طريق خداع الأخرين، يؤول به ذلك إلى الزلل، والمعنى أنه ينحطّ إلى خلق جديد يسم شخصيته بالسوء ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ بالمقابل ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بسبب صدّكم عن سبيل الله بأساليبكم الملتوية، وبسبب خيانتكم ودجلكم، فأفسدتم العقيدة والسلوك، وساهمتم في التفسخ والفساد الأخلاقي للمجتمع ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إن في الدنيا بنتيجة فساد المجتمعات وتفسخها، أو في الآخرة عذابا عظيما متناسبا مع حجم الجريمة، أو كلاهما معا، ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾ بحلف الأيمان الكاذبة ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من حطام الدنيا الزائل ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ﴾ من الثواب والأجر على المحافظة على العهد، والاستقامة ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكث العهود ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين، ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ من متاع الدنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ بحلول الأجل، أو قبله ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ من الأجر والثواب ﴿باقٍ﴾ لكم في خلود الأخرة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجر الصابرين على مصاعب الدنيا متناسب مع أحسن أعمالهم إطلاقا، وهذه مزيّة كبرى للصبر، ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ اشترط الإيمان مع العمل الصالح، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ﴾

стр. 1076

﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [النور ٣٩/ ٢٤]، أي إنّ العمل "الصالح" مع الكفر يذهب هباء، وذلك ارتباط هذه الآية مع ما قبلها لأن الذين نقضوا عهد الله بحلف الأيمان الكاذبة صاروا بمنزلة الكفار لا ينفعهم عملهم "الصالح"، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ ينعم فيها بالسكينة والطمأنينة، وليس بالضرورة بالمتاع الدنيوي الزائل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما يتناسب مع أحسن أعمالهم، وليس أقلّها، ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) ٩٨ - بعد أنّ فصّلت الآيات (٩٠ - ٩٧) بعض ما ذكرته الآية (٨٩) أن الله تعالى نزّل القرآن تبيانا لكل شيء، تبيّن هذه الآية أن قراءة القرآن يجب أن تكون بعيدة عن وساوس السوء لكي يفهم القرآن على وجهه الصحيح: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ﴾ وسواس ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا يستطيع قهرهم على إرادتهم ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن يتخذوا للأمور عدتها الدنيوية، ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يخضعون له ولوساوسه، وما يثيره فيهم من قيم زائفة، وأخلاق ومناهج فاسدة يتّبعونها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فيعبدون المادة الدنيوية والزعامة والسلطة، ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١) ١٠١ - عودة الخطاب إلى الآية (٢)، وإلى الآية (٨٩)﴾ أن الله تعالى نزّل القرآن تبيانا لكل شيء، ومن ذلك ما ذكرته الآيات (٩٠ - ٩٧)، وما أمرت به الآيات (٩٨ - ١٠٠) من النهي عن تولّي الشيطان، والاستعاذة من وساوسه لدى قراءة القرآن الكريم:

стр. 1077

﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ رسالة سماوية مكان أخرى، انظر شرح آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ من القرآن الكريم الذي نسخ ما قبله من الرسالات ﴿قالُوا﴾ قال الكفار للنبي ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي افتريت القرآن، وجئت به من عندك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ بل يتّبعون الظن والتخمين، ولا يقرؤون القرآن قراءة جدية لتقويمه من حيث جدارته، ومعرفة مصدره الحقيقي، كما سوف يرد في الآية التالية: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇ ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ متضمّنا الحق ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ به ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ الذين أسلموا وجههم لله، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ زعموا أن النبي ﷺ تعلّم القرآن من بشر، أي من كاهن يهودي أو نصراني، في حين أنّ: ﴿لِسانُ﴾ الكتاب المقدّس عند اليهود والنصارى، بقسميه العهد القديم، والعهد الجديد ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ يميلون إليه ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ لأنه وقت البعثة النبوية لم يكن العهدان القديم والجديد مترجمين إلى اللغة العربية، فالعهد الجديد كان متاحا إمّا باللغة السريانية، طبعة البسيطة، أو باللاتينية، طبعة الفالجيت الشائعة، أمّا الترجمة العربية الأولى للعهد الجديد فتمت بتاريخ ١٠٦٠ م، أي بعد البعثة النبوية بأكثر من أربعة قرون، وهي طبعة موجودة الآن في روسية بمكتبة سان بطرسبرج، ومن باب أولى أنه لم يكن هنالك ترجمة عربية للعهد القديم، مع العلم أن النبي ﷺ كان أميا على أية حال،

стр. 1078

وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران ٩٣/ ٣]، فمعناه من جهة، أنه لم يكن يوجد من العرب من غير اليهود من يقرأ التوراة باللغة اليونانية، وهي الترجمة السبعينية للعهد القديم، ولا من يقرأها بالعبرية، ومن جهة أخرى تحداهم القرآن أن يأتوا بتوراة موسى الأصلية، وليس الكتب التي ألّفوها من عندهم فلم يبق لديهم من أصل الوحي إلاّ أقلّ القليل، ومن إعجاز القرآن أنه أخبر بهذه الأمور مع أنه لم يكن في جزيرة العرب مركز ثقافي ديني ليقوم بنشر أفكار الكتاب المقدس التي طرقها القرآن، وفي ذلك نقرأ قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩]، ﴿وَهذا﴾ القرآن ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ بإعجازه وإحكامه يستحيل أن يكون من كلام البشر إطلاقا، ومن باب أولى يستحيل أن يتقوله أحد من غير العرب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ استكبارا، وتعاميا عن الحقيقة، وتقليدا لآبائهم وأجدادهم ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ مضت سنته تعالى في أمثالهم أنهم لا يهتدون، من تلقاء أنفسهم، والله تعالى لا يجبرهم على الهدى قسرا ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ متناسب مع كفرهم، والإصرار عليه، ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ المصرّون على إنكار الألوهية ونبوة الأنبياء ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ يفترون الكذب بزعمهم أن القرآن مفترى، ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - بعد أن بينت الآية السابقة حال من يفترون الكذب، فينكرون الألوهية والأنبياء، ترخّص هذه الآية بذلك لمن هم تحت التهديد القسري،

стр. 1079

صونا لنفوسهم من القتل أو التعذيب لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وبالمقابل تبين الآيات (١٠٧ - ١٠٩) حال من باع آخرته بدنياه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ فانحرف من موقع الحق إلى موقع الباطل ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ من كان كفره ظاهريا بسبب القسر والتهديد والتعذيب، فلا يؤاخذه الله تعالى عليه، لأن القلب بقي مطمئنا بالإيمان ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ من انشرح صدره للكفر ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنهم ارتدّوا عن الإسلام تفضيلا لدنياهم على آخرتهم، رغم قناعتهم الداخلية بصحة الرسالة الإسلامية، ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ استسلموا لإغراءات الكفر وامتيازاته وشهواته، وفضّلوا دنياهم على آخرتهم، وحاضرهم الفاني على مستقبلهم الذي لا يفنى ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ مضت سنته تعالى أن يترك أمثال هؤلاء لخيارهم الحر بسبب خبث سرائرهم ونفوسهم فلا يقسرهم على الهدى، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ﴾ نسب تعالى الطبع إلى ذاته العليّة، مع أن ذلك كان بنتيجة خيارهم الحر، والسبب أنّ الله تعالى هو الذي أوجد السنن في الخلق بأنّ من يعتاد سلوك الطرق المنحرفة، واتخاذ الخيارات الخاطئة، يكون كمن طبع على قلبه وسمعه وبصره، وليس أن الله تعالى طبع عليهم ابتداء، انظر آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ عن حقائق الأمور،

стр. 1080

﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ لأنهم اشتروا دنياهم الفانية بأخراهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٠) ١١٠ - بعد أن ذكرت الآيات (١٠٦ - ١٠٩) حال من أكرهوا على الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، وحال من كفر وقلبه منشرح لمكاسب الدنيا، تذكر هذه الآية حال من يضطر للهجرة بسبب الاضطهاد الدين: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الفتنة هنا بمعنى الوقوع تحت الاضطهاد الديني مما اضطرهم للهجرة، انظر أيضا شرح آية [الأنفال ٢٥/ ٨] في تعريف الفتنة، وقد يكون أنهم هاجروا هجرة روحية، وليس بالضرورة هجرة مكانية ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ ليس بالضرورة جهادا قتاليا، ولكن جهاد دعوة وإقناع بالحجة والقدوة الحسنة، لقوله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿جِهاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان ٥٢/ ٢٥]، ﴿وَصَبَرُوا﴾ على مشاق الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم، ويرحمهم، ويلطف بهم، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١) ١١١ - فارتقبوا أيها الناس: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ يوم القيامة حيث المسؤولية فردية ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ إن خيرا بخير، بفضله تعالى وامتنانه، أو شرا بشرّ مترتبا على العدالة، وليس على الانتقام ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله تعالى غير محتاج لظلم عباده، ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾

стр. 1081

١١٢ - بعد أن بينت الآيات (١٠١ - ١١١) مآل الكفار الذين استحبوا الدنيا على الآخرة وأنكروا الوحي والنبوات، تضرب هذه الآية مثلا بعاقبة المجتمعات التي تكفر نعم الله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ القرية في التعبير القرآني هي المجتمع، والمعنى أن هذا المجتمع المطمئن الآمن كان يتمتع بأنعم الله الكثيرة، على سبيل الكفاية والترف ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ لم تشكر الله على نعمه، بل ادّعت وزعمت أن كل هذه النعم والرغد ناتجة من استحقاقها وجدارتها وحذاقتها لا غير، بل إنها أنكرت الديانات والرسل، وزعمت ما تسميه "العلمانية" مع العلم أن العلمانية تقتضي العلم بالشيء لا الجهل به وهو ما يأمر به الإسلام ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تكون العاقبة الطبيعية لمثل هذه المجتمعات التفسخ والفساد الاجتماعي والأخلاقي، فالانهيار، وهو ما نشاهده اليوم في كثير من المجتمعات الغنية المتقدمة، أي إن العقاب يحل بها في الدنيا قبل الآخرة بسبب تغليبها القوانين الوضعية على الشرع الإلهي، ومن ذلك مثلا أنهم يحلّون اللواط بل يسمحون بالزواج المثلي في كنائسهم، وفي كل ذلك نقض لعهد الله من بعد ميثاقه، ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ من كل أمة ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وزعموا أنهم مكتفون بذواتهم، وخضعوا لقوانين وضعية ابتدعوها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية لارتباط السبب بالمسبب ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ لأنفسهم، ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ ولا تبتدعوا التحليل والتحريم من عند أنفسكم، أو بقوانين وتفاسير وضعية ﴿وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تكونوا كالقرية المشار إليها بالآية (١١٢)﴾،

стр. 1082

﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٥) ١١٥ - استمرارا للآية (١١٢) وما بعدها، تضرب الآيات (١١٥ - ١١٩) مثالا من التحليل والتحريم، وتنهى عن التحليل والتحريم الكيفي بلا دليل: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ من الأوثان والنصب، انظر بهذا المعنى آية [الأنعام ١٤٥/ ٦]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبتغيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ لا يتعدّى فيه حاجته أو أو ما يسد رمقه ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الزيف ﴿هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ تحللون وتحرمون من عندكم، فتتخذون لأنفسكم حق التشريع ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ ما لم يأذن به ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لا ينجحون في دنياهم قبل آخرتهم، ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ يتمتعون في الدنيا فيما استحلّوا من الحرام ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ انظر شرح آية [الأنعام ١٤٦/ ٦]، ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بالتشديد في تحريم ما حرّموه على أنفسهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم»،

стр. 1083

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ عملوا السوء من موقع الجهل، وليس من موقع التمرد والمعصية ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ عن معصيتهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد توبتهم ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوب التائبين، ويرحمهم، ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - هذه الآية متعلقة بالآية (١١٨)، لأن اليهود يدّعون الانتساب إليه، ويزعمون لذلك أنهم الشعب المختار، وهو ما ينفيه القرآن الكريم تماما أن الاكتفاء بالنسب وحده لا يفيد: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ اجتمعت فيه كل الفضائل، فحقّ أن يسمّى أمّة يؤتمّ به ﴿قانِتاً﴾ مطيعا ﴿لِلّهِ حَنِيفاً﴾ مستقيما، مائلا عن الباطل إلى الحق ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل عاش التوحيد في فكره وروحه ووجدانه، ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ تعالى ﴿اِجْتَباهُ﴾ اختاره الله واصطفاه ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدعوة إلى الله، والترغيب في الدين الحق، ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي النبوة، حتى أن كل أهل الأديان يقرون به ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿ثُمَّ﴾ عندما بلغ الوحي على الإنسانية ذروته ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبي ﴿أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ مائلا عن كل ما هو باطل ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المقصود إحياء شرعة إبراهيم في التوحيد،

стр. 1084

﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - وهنا يعود النص إلى فحوى الآية (١٠١) إنّ القرآن الكريم نسخ ما قبله من الرسالات: ﴿إِنَّما جُعِلَ﴾ تعظيم ﴿السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وهم اليهود، وقد بالغوا في تعظيمه حتى منعوا عمل الخير فيه، وحتى شفاء المرضى جعلوه محرما في السبت، حتى قال لهم عيسى ﵇: هل جعل السبت من أجل الإنسان؟ أم الإنسان من أجل السبت؟ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهو زعمهم أنهم شعب الله المختار، استعلاء واستكبارا على غيرهم من الأمم، وإن المسؤولية فردية لا علاقة لها بالنسب والسلالة، ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - بعد بلوغ الوحي السماوي ذروته بنزول القرآن الكريم، الذي نسخ الرسالة اليهودية (الآية ١٠١)، وبعد أن كفر بنو إسرائيل بعثة آخر أنبيائهم العظام عيسى ﵇، لم يبق سوى بيان طريقة الدعوة إلى الإسلام، بما يتناسب مع قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ بما يتناسب مع كل حالة من الحالات، ومع المستوى الفكري للطرف الذي أنتم بصدد دعوته، بعيدا عن الجمود والتشنج الفكري ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الرفق في الموعظة لتأليف القلوب النافرة، والبعد عن الزجر والتأنيب ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالابتعاد عن الطعن في كبرياء الآخرين وكرامتهم، فالجدل ليس مباراة فكرية القصد منها إحراج الآخرين والشعور بالتفوق عليهم، بل كسب الخصوم إلى صف الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ المعنى أن الداعي

стр. 1085

الكفؤ مكلف بالدعوة بإحدى هذه الأساليب الثلاثة، ثم تنتهي مهمته، وأما حصول الهداية فلا يتعلق به، لأنّ الله تعالى أعلم بالمصرّين على الضلال، وأعلم بالذين لديهم قابلية للهدى، ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة: والمعنى إن اضطررتم إلى الرد على التهجّم الفكري من قبل من تدعونهم إلى الإسلام ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فليكن ضبط النفس رائدكم بعيدا عن الحمق، وأن يكون الرد عليهم متناسبا مع قولهم دون زيادة ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على مزاعمهم وتهجّمهم ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ من حيث النتيجة، لأن الأولى ترك الانتقام، والرحمة أفضل من القسوة، ﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿وَاِصْبِرْ﴾ وهو أمر جازم بوجوب الصبر في مثل هذه الحالات ﴿وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي بتوفيقه ومعونته ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لا تحزن بسبب فوت استجابتهم لك ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ولا يضيق صدرك من مكائدهم ضد الدعوة، ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ العدوان والحمق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ بترك الانتقام، ***

стр. 1086

سورة الإسراء - ١٧ - مكية مقدّمة نزلت في السنة الأخيرة من الفترة المكية وذلك ظاهر من الإشارة للإسراء في الآية الأولى منها، وقيل بعض آياتها مدنية، وتسمى أيضا سورة بني إسرائيل، الإسراء والمعراج الإسراء والمعراج مرحلتان من خبرة داخلية روحية غيبية واحدة للنبي ﷺ ممّا لم يحصل لغيره البتّة، وقد كانت رؤيا عيان، لا رؤيا منام، انظر قوله تعالى في الآية (٦٠)، إذ رافق جبريل ﵇ النبيّ ﷺ ليلة إسرائه من المسجد الحرام في مكة، إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، حيث صلىّ النبيّ إماما بالأنبياء الذين خلوا من قبله، ما يفيد أن الإسلام الذي بعث به محمد كان تتويجا للرسالات السماوية التي سبقته، فنسخ الإسلام منها ما نسخ، وبلغ منها حد الكمال، وبذلك ختمت الديانات، واكتمل التطور الديني للبشرية قاطبة بمبعث خاتم الأنبياء والرسل ﷺ ، واختلفوا في كون إسرائه ﷺ بالروح فقط، أم بالروح والجسد معا، فأغلبية الصحابة على أنه كان بالروح والجسد معا، والقلة، ومنهم أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم هانيء، ومعاوية، والتابعي الحسن البصري، على إن الإسراء كان بالروح فقط، ولعل القائلين إن الإسراء تم بالجسد والروح اعتبروا أن البديل لذلك أن يكون ما رآه النبي ﷺ قد يكون مناما، ما يقلل كثيرا من أهميته، ولم

стр. 1087

يأخذوا بالاعتبار أن خروج روح النبي ﷺ من جسده مؤقتا في أثناء الإسراء والمعراج، هو إعجاز هائل في حد ذاته، يفوق كثيرا الإسراء بالجسد والروح معا، لأن خروج الروح من الجسد لا يكون عادة إلا بعد الموت، كما كانت الحال مع الأنبياء الذين صلّى بهم النبي إماما، ثم التقاهم أثناء معراجه، فقد التقى بهم أرواحا بعد موتهم، أما هو فقد كان روحا لا يزال على قيد الحياة الدنيوية، فلا يقلل من واقعية هذه الخبرة الروحية الغيبية العجيبة للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه، قيد شعرة أنها كانت بالروح فقط عمّا لو كانت بالروح والجسد معا، لا بل إنها تفوق عليها بكثير، وقد قيل الكثير من الإسرائيليات في تفصيل قصة إسرائه ومعراجه ﷺ ، مما لا يقبله عقل، قال الرازي: ومن ذلك ما روي من شقّ بطنه وتطهيره بماء زمزم، وهو بعيد، لأن ما يغسله الماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد أيضا، لأنه تعالى لمّا سيّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق؟ ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة على المسلمين في اليوم والليلة، ثم إنّ محمدا لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى حتى أصبحت الخمسون خمسة، وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء على الله تعالى وهو محال، فثبت أن هذا الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله عقلا فكان مردودا، وغيره كثير، انظر أيضا كتاب زكريا بن خليفة المحرمي: "قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث" صفحة (٢٤٦ - ٢٥٠)، اتصال السورة بما قبلها في أواخر سورة النحل أن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١/ ١٦)، ومن ذلك نسخ السبت عند اليهود: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ﴾

стр. 1088

﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤/ ١٦)، ثم تفتتح هذه السورة بذكر الإسراء بالنبي ﷺ إلى مهد رسالة موسى وعيسى ﵉ في إشارة ضمنية لنسخ رسالتيهما: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧)، ثمّ الإشارة لمعراجه ﷺ حيث صلّى إماما بالإنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، وتبيّن أن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، فيستحيل أن يكون القرآن مفترى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨/ ١٧)، وفي سورة النحل استكبار منكري الآخرة: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء بيان عاقبتهم بعد الإشارة من طرف خفي أنهم اليهود: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠/ ١٧)، وفي سورة النحل أن مكر المكذّبين أدّى بهم إلى دمار مجتمعاتهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى بسورة الإسراء: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٦/ ١٧)، وقوله تعالى عن المجتمعات الكافرة: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٥٨/ ١٧)، وفي سورة النحل أن لم تخل أمة من بعث الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ (٣٦/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء أن الأمم تصبح مسؤولة بعد بلاغها: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥/ ١٧)

стр. 1089

وفي سورة النحل أن متاع الكفار في الدنيا زائل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [٥٥/ ١٦]، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨/ ١٧)، وفي سورة النحل أن مشركي قريش كانوا ينسبون البنات لله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧/ ١٦)، وتفصيله في سورة الإسراء أنهم جعلوا الملائكة بنات الله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ (٤٠/ ١٦)، وفي سورة النحل الأمر بإيتاء ذي القربى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (٩٠/ ١٦)، وفي سورة الإسراء أن ذلك حقّ لهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ (٢٦/ ١٧)، وفي سورة النحل أن الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣٢/ ١٧ - ٣٥)، وفي سورة النحل النهي عن التقليد الأعمى للآباء: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥/ ١٧)، وفي سورة الإسراء بيان البديل عن التقليد في الأمر باستخدام العقل السليم والحواس: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦/ ١٧)،

стр. 1090

وفي سورة النحل النهي عن عبادة إلهين اثنين كما في عقيدة المثنوية -: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١/ ١٦)، وفي سورة الإسراء بيان عاقبة ذلك: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (٣٩/ ١٧)، محور السورة الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧) ومعراجه ﷺ إلى السماء السابعة حيث صلّى إماما بالأنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، ما هو دليل على نسخ الكتب السماوية السابقة بالقرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، فبنو إسرائيل أفسدوا ويفسدون في الأرض خلال حقبتين طويلتين من الزمن على الأقل ولم يستفيدوا من التوراة: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (٤/ ١٧)، وينكرون الآخرة: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠/ ١٧)، وإنكار اليهود للآخرة مذكور في آيات [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥] و [المجادلة ١٤/ ٥٨] و [الممتحنة ١٣/ ٦٠]، ومذكور أيضا في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة، ما اقتضى عزلهم عن حمل عبء رسالة التوحيد وتحميل العبء العرب من بني إسماعيل، انظر آية [آل عمران ٢٦/ ٣]، وأن معجزة القرآن الفكرية من السمو والعظمة، على مدى الدهر، بحيث يستحيل على الإنس والجن مجتمعين الإتيان بمثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ﴾
следующие страницы →