← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

محور السورة يبدو محور السورة واضحا في الآية الأولى منها: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فهي تركّز على حقيقة الوحدانية ومباديء الأخلاق الأساسية المتضمنة في الوحي السماوي الذي نزل على البشر متتاليا عبر الرسل، وتحشد السورة البراهين على الغيب، وتخاطب العقل الإنساني فتحضه على إدراك الحقيقة بشكل مستقل وتبين أن سبب كفر الكفار أنهم مكبّلون بأغلال التقليد: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ (٥)، ولأن: ﴿اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١١)، سوى أنه في نهاية المطاف لا بد من ظهور الحق وزوال الباطل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٧)، وأن المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الناس أحرارا في خيارهم فلا يجبرهم تعالى على الهدى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ (٣١)، غير أنه لا يمكن لأحد أن يهمل أو يتجاهل الوحي دون أن يتحمل النتائج الطبيعية التي تترتب على مثل هذا الإهمال والإصرار على الكفر: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١)، فالمشركون في حالة من العجز الفكري إذ يؤمنون بالوهم: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٣٣)، لكن الذين أوتوا فهم الكتاب من ذوي الإدراك السليم والفكر المستقل يفرحون بما نزل من القرآن الكريم إذ يغربل الصحيح من الزائف في الكتب السابقة: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٣٦)، وأن كل رسالة

стр. 982

سماوية نزلت لتناسب عصرها إلى أن نسخت رسالة الإسلام ما قبلها: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ١ - ﴿المر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من الوحي هو ﴿الْحَقُّ﴾ المبين، ورغم ذلك: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لتشنّجهم على التقليد وإعراضهم عن التفكير المستقل، ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ المشتملة على النظام الكوني الهائل بما فيه من المجرات والنجوم والكواكب التي لا تحصى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ لأن العمد التي ترفع النظام الكوني هي قوانين الفيزياء والجاذبية التي أوجدها الخالق فهي لا ترى بالعين، وإن كانت ترى بالعلم فهي تعبير عن قدرته تعالى في النظام الكوني وتدبيره ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة وتدبيره وحفظه لها، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، إنما للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف راجع إعراب القرآن للزجاج، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث وعن الزمان والمكان، ونلاحظ أن الاستواء على العرش قد تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]،

стр. 983

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لكي يكون هنالك حياة على الأرض بالحال الذي نعهده ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ في مسارات ثابتة وحدود مرسومة وفق النظام الكوني لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيكون الأجل النهائي الذي ينقطع بعده النظام، انظر [التكوير ١/ ٨١ - ٢]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر الملكوت ضمن خطة حكيمة فلا يتركها عبثا بعد الخلق ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ آيات الكتاب فتكون بينة واضحة، والآيات الكونية الدالة على الإعجاز ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لعلكم تتفكرون بهذه الآيات المفصّلة فتتوصلوا منها إلى العلم اليقيني بحتمية البعث والجزاء. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) ٣ - استمرار الخطاب في الآيات الكونية: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ فجعلها صالحة للحياة ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَأَنْهاراً﴾ تبعث الحياة ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ وهي أعضاء التأنيث والتذكير في الزهور المتلاقحة، ففي غالب الأحوال تشتمل الزهرة التي تنبثق عنها الثمرة على عضوي التذكير والتأنيث معا، وفي بعض الأحوال تكون أعضاء التذكير في زهور منفصلة عن زهور أعضاء التأنيث في النبتة نفسها، كما هنالك حالات تكون فيها الأشجار بالكامل مذكرة أو مؤنثة كما في النخيل العربي والبابايا الهندي ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا فط الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض، انظر آية [الأعراف ٥٤/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هم الذين يعملون الفكر في المغزى من هذا الخلق البديع.

стр. 984

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) ٤ - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ ولكنها مختلفة في طبيعة التربة وصلاحيتها للزرع ونوع الزرع الذي تنبت ﴿وَجَنّاتٌ﴾ حدائق وبساتين ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾ من أشجار الكروم ﴿وَزَرْعٌ﴾ من كل نوع ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ ذات فروع مشتركة بجذر واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ منفردة بجذر واحد ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ لا اختلاف فيه سواء كان من المطر أو النهر أو الينابيع، ومع ذلك تختلف ثمارها: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ يختلف طعم بعض الأصناف عن طعم أصناف أخرى رغم وجود التشابه في ماء السقاية وتشابه التربة، وفي آيات [الأنعام ١٤١/ ٦، ٩٩] مزيد من التفصيل وبيان مغزى الخلق والبعث ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرة ومقنعة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على الوجه السليم. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ أيها النبي، أو أيها العاقل، أو أيها المؤمن، من معجزات الخلق هذه ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الأعجب من آيات الخلق كفر الكافر مع كل هذه المعجزات والآيات الباهرات التي يستطيع المرء أن يدركها بالملاحظة، والدالّة على وجود قدرة خالقة مهيمنة، والأكثر عجبا أولئك الذين قد يؤمنون بوجود الخالق غير أنهم يشكّون في البعث والجزاء - كما هي الحال عند بعض اليهود - فما دام أن الخالق أوجد الكون والحياة على النحو الذي نشاهد فما الذي يمنع من الخلق ثانية على نحو لا نستطيع الآن إدراكه ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ دون حجة ولا برهان ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ الآن في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، فالأغلال الدنيوية كناية عن استسلامهم لأوهامهم واغترارهم بالحياة الدنيا وامتناعهم عن الإيمان وعبوديتهم

стр. 985

للمادة، فكأنهم مقيدون بقيود التقليد لا يرجى فكاكهم ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لا ينفكون عنها نتيجة طبيعية لما كانت عليه نفوسهم في الدنيا. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ يقولون ذلك إمعانا في التحدي، ومن قبيل السخرية يطلبون نزول العقاب بهم - قبل أوانه - إنكارا منهم لإمكانية حدوثه، وهذا التحدي منهم بلغ مبلغ الحماقة فقد أغلقوا عقولهم سلفا وامتنعوا عن الحوار والفكر السليم، ولم يبق عندهم سوى العجز أمام الطرح الفكري للرسالة والإيمان فاختاروا لأنفسهم ما لا يتوافق مع مصلحتهم الحقيقية وإن كان قد يناسب مصالحهم الآنية ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ تحققت ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ العقوبات التي نزلت في الماضي بأمثالهم من الجاحدين فلم ينظروا فيها ولم يعتبروا بها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ يغفر لهم رغم ظلمهم ويعطيهم فرص التوبة والإصلاح ولا يعاجلهم بالعقوبة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ للمصرّين على الجحود والكفر الذين فسد استعدادهم فلا يرجى صلاحهم ولا توبتهم. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهو نوع آخر من أنواع التحدي والجهل والحمق يبديه المكابرون أو العاجزون عن استعمال عقولهم إذ يطلبون معجزة مادية تلمسها أيديهم، ولكن القرآن الكريم يبين في آيات عديدة أنّ أمثال هؤلاء المكابرين المصرين على الكفر لا يؤمنون حتى لو فتحت لهم أبواب السماء، انظر [الحجر ١٤/ ١٥ - ١٥]، وحتى لو عاد الموتى من الآخرة ليخبروهم بحقيقتها انظر [الأنعام ١١١/ ٦]، وحتى لو نزل الوحي عليهم في كتاب ملموس انظر [الأنعام ٧/ ٦]، وحتى لو جاءتهم كل آية من الآيات الباهرات، انظر [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧] و [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]،

стр. 986

ولذا خاطب تعالى نبيه بقوله عزّ من قائل: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ فدور النبي - ومن ثمّ كل مسلم بعده - هو الدعوة والإنذار وليس القهر والإجبار، والهداية على الله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فالمنذر هو النبي ﷺ ، والهادي هو الله تعالى وحده يهدي قلوب من يشاء من العباد، ويحتمل المعنى أيضا أن النبي ﷺ منذر وهاد لكل قوم من الأقوام والأمم نظرا لعالمية الرسالة الإسلامية، وقد يكون الهداة أيضا العلماء والدعاة من بعده. ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ (٨) ٨ - المزيد من بيان الآيات بعد قولهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ ليس فقط ما تحمل من ذكر أو أنثى بل يعلم أيضا مستقبل الحمل ومستقبل الولد وما سيكون من شأنه من الحياة إلى الممات، وما يكون من شأنه من إيمان أو كفر وجحود ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ فتجهض الحمل، لأن الغيض هو النقصان، أو ما تنقص عن تسعة شهور حتى سبعة الشهور ﴿وَما تَزْدادُ﴾ عن الشهور التسعة حتى قد تبلغ العشرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ بمقدار يتناسب مع الغرض الذي من أجله خلق، ومع متطلبات الحياة ومع الدور المقدر له أن يلعبه في الخليقة، وهو شبيه قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤]. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ (٩) ٩ - ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ يعلم ما يغيب عن حس البشر وإدراكهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ويعلم ما هو ضمن نطاق مشاهدتهم ﴿الْكَبِيرُ﴾ بحسب قدرته وعلمه بلا حدود، وهذا يقتضي قدرته على البعث الذي أنكروه، وعلمه بالغيب الذي غاب عنهم ﴿الْمُتَعالِ﴾ فوق أي مخلوق كائن أو ممكن، والمتنزه عن كل ما لا يجوز عليه، والمنزه عن كل ما لا ينبغي له، وهو أيضا المتعالي عن أي تصور أو تخيل عن ماهيته.

стр. 987

﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ علمه تعالى فيهم واحد إذ يعلم سرهم وعلانيتهم ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ لريبة ما فهو يخرج في الليل مستخفيا مختبئا في ظلام الليل ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ يخرج نهارا فيظهر بلا ريبة لا يخشى شيئا، كلاهما واحد، لأنه لا يستتر عنده تعالى شيء ولا يخفى عليه أحد. ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ (١١) ١١ - ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ تحيط به من جميع جهاته بصورة مكشوفة وبصورة خفية ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي هو يظن - بزعمه - أن المعقبات يحفظونه من أمر الله ومن قدره، في حين أنه تعالى محيط بكل شيء، والخطاب استمرار من الآية السابقة فالضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود لمن أسرّ القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، فليس فقط أن مثله لا يستتر ولا يخفى عن علمه تعالى، بل سواء أيضا إن كان له معقّبات أي حرس يقومون بحراسته بصورة مكشوفة: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أو بصورة خفية كالمخابرات: ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾ ومثال ذلك ما يفعله بعض الزعماء وكبار القوم من قبيل الحرص على أنفسهم مع أن هؤلاء الحرس لا يستطيعون حفظهم من أمر الله ولا يستطيعون دفع القدر حال وقوعه، أي كل هذه الأساليب المصطنعة لا تفيد، وفي بيان السبب تعود السورة لموضوع الآيات (٥ - ٦ - ٧): ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ سلبا أو إيجابا، قسرا أو اعتباطا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بملء إرادتهم وحريتهم، فالأقوام ليست مقهورة على أمرها لا تملك لنفسها التغيير والتبديل، بل هي تتحمل مسؤولية نفسها من واقع حرية أفرادها وسلوكهم وحضارتهم، لأن تغيير كل فرد لنفسه سلبا أو إيجابا يكون سببا لتغيير الأمة بأكملها سلبا أو إيجابا أيضا، وهذه سنة اجتماعية تخضع لها الأقوام فتمكنها من تغيير أحوالها نحو

стр. 988

الأفضل - إن لم تكن غافلة - وتغيير ما بالأنفس يشمل الأفكار والمفاهيم، والنتيجة أنه تعالى يغير ما بالقوم حتما إن هم غيروا ما بنفوسهم، وقد منح تعالى الأفراد القدرة على تغيير ما بنفوسهم لكي تتغير أقوامهم فتنتقل من حالة إلى أخرى، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في سورة الشمس بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٧/ ٩١ - ١٠]، ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً﴾ بما كسبت أيديهم وما هي عليه نفوسهم ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ يخليهم تعالى لأنفسهم وعاقبة عملهم، فلا يملك أحد دفع السوء عنهم ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ يلي أمرهم ويدفع السوء عنهم، لأن الأفراد في هذه الحالة يكونون قد فقدوا القدرة على تزكية نفوسهم بعد أن أفسدوها بما لا يرجى صلاحه وعجزوا عن العودة إلى جادة الصواب، وذلك معنى الطبع أو الختم على القلوب، فتهلك الأمة بالنتيجة، وصيرورة الأقوام على هذا النحو من السوء إنما هو بعملهم وسعيهم وليس أنه تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء. ثم يعود خطاب السورة لبيان دلائل قدرته تعالى ووجود خطة إلهية كامنة في الخلق ومغزى منه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١٢) ١٢ - بيان المزيد من الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً﴾ من صواعقه، كما سيرد في الآية التالية ﴿وَطَمَعاً﴾ في الغيث ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ المحمّل بالمطر. ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ تعبيرا عن عظمته وتنزيها له عن كل نقص، ففي كل شيء في الخلق تجسيد لتسبيح الله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾

стр. 989

تسبّح ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ من عظمته وجلاله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ ويصرفها عمّن يشاء، ومع كل ذلك: ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ خبط عشواء، بين كافر ومشرك، من دون حجة ولا يقين ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ شديد القوة والقدرة لا يعجزه أحد منهم. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (١٤) ١٤ - بعد بيان الآيات الباهرات تنقتل السورة إلى النتيجة الحتمية وهي أن دعوة الحق له وحده: ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لأن الله تعالى يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤاله - إن كان فيه مصلحة له - فهو تعالى حقيق أن يوجّه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه، ومن جهة ثانية فإن الحقّ هو الله تعالى فيحتمل المعنى أيضا: له دعوة المدعو الحقّ الذي يسمع فيستجيب، لأن ما دونه من الآلهة باطل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ من طلباتهم ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ استجابة الآلهة لهم كاستجابة باسط كفيه إلى الماء يطلب منه أن يبلغ فاه ﴿وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ فالماء جماد لا يشعر بالدعاء ولا ببسط الكف فلا يجيب الداعي ولا يبلغ فاه ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ في ضياع لا منفعة فيه ولا جدوى منه، فالكفار إن دعوا الله تعالى لم يجبهم، وإن دعوا آلهتهم فلا تقدر على شيء. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ لأن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، فكل من في السماوات والأرض من كائنات حية وجماد ساجد له تعالى بهذا المعنى شاؤوا أم أبوا لا يقدرون على الامتناع، والكافر منقاد له تعالى لا يقدر على دفع الموت عن نفسه

стр. 990

ولا يقدر على دفع سننه تعالى فيه، حتى أن ظلالهم تنقاد له ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ أيضا محكومة بمشيئته في الامتداد والتقلص والفيء والزوال بحسب ارتفاع الشمس وميلها ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ قالوا إنه تعالى خصّ الغدو والآصال، أي الصباح والمساء، بالذكر لأن الظلال تمتد وتطول بين هذين الوقتين وبين وقت الظهيرة. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦) ١٦ - بعد أن حشدت السورة البراهين القاهرة على قدرته تعالى في الخلق وعلى دلائل التوحيد وأن كل من في السماوات والأرض منقاد له طوعا أو كرها تنتقل هنا إلى الرد على المشركي: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، للمشركين: ﴿مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليس سؤال استفهام بل سؤال إقرار ﴿قُلِ اللهُ﴾ فالموضوع ليس مجال إنكار منهم سوى أنهم مشركون يعتقدون أن للشركاء المزعومين حظوة عنده تعالى ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ مع كل هذه البراهين والآيات الكونية، تعبدونهم وتستنصرونهم وتدعونهم ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ فمن باب أولى أنهم لا يملكون لكم النفع أو الضرر ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى﴾ الكافر أو المشرك الذي تعمى عليه هذه الحجج ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ منفتح الذهن على الحقيقة ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ﴾ ظلمات الشرك والكفر ﴿وَالنُّورُ﴾ نور الإيمان والتوحيد ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ فالشركاء الموهومين في منتهى العجز حتى أنهم لا يقدرون على ما تقدر عليه المخلوقات، فضلا عن مضاهاة قدرة الخالق ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فكيف تلتبس الأمور عليهم؟ فالله تعالى يخلق من العدم ولا يمكنهم ذلك ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا شريك له في الخلق ﴿وَهُوَ الْواحِدُ﴾ لا شريك له ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره لا تتغير سننه في خلقه.

стр. 991

﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وهو ماء المطر ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ كانت جافة، وهي بعض الأودية بحسب توزع المطر ﴿بِقَدَرِها﴾ بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة، أو بمقدارها الذي أراده تعالى واقتضته حكمته ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ حمل ﴿زَبَداً﴾ هو الغثاء الذي يطرحه الوادي عندما يضطرب موجه ﴿رابِياً﴾ عاليا منتفخا فوق الماء ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ ابتداء جملة جديدة معطوفة على الجملة الأولى لضرب مثل آخر، وهو فلز المعادن تصهره النار ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ كحليّ الذهب والفضة ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ كالأواني والمعدات والآلات من الحديد والنحاس وغيرهما ﴿زَبَدٌ﴾ وهو الخبث الذي يطفو على سطح الفلز المصهور ﴿مِثْلُهُ﴾ مثل الزبد الطافي على سطح السيل ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الضرب البديع للأمثال ﴿يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ﴾ يضرب مثل الحقّ ﴿وَالْباطِلَ﴾ ويضرب مثل الباطل، فكأن المثل المضروب عين الحقّ والباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الرابي على السيل أو الخبث الطافي على الفلز المصهور ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ مرميّا به ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ من ماء السيل الصافي، أو من جوهر المعدن الخالص ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الماء يسقي الخلق ويغذي الخزانات الجوفية والعيون، كما أن جوهر المعدن يستفاد منه في الأمور المعيشية وهو المراد من المكث في الأرض، وقالوا في تقديم الزبد على ما ينفع إن الزبد هو الظاهر المنظور وما ينفع باق كامن مستمر في الوجود ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ وهو تمثيل الحق بالماء الذي يغذي عيون الأرض والآبار فينبت الزرع والثمار ويسقي الخلق، وكجوهر المعدن الخالص المستفاد منه والضروري لحياة البشر، وتمثيل الباطل بغثاء السيل الذي يضمحل ويزول بسرعة، وكخبث المعادن الزائل الذي يرمى به فلا نفع منه ولا دوام له.

стр. 992

﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا لربهم الحسنى، وهي الجنة ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ بل عاندوا الحق ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ من أصناف المال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ مضاعفا ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ من هول العاقبة التي تنتظرهم ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ لأن كفرهم أحبط أعمالهم، فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيئاتهم لقوله تعالى: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم ١٨/ ١٤]، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وهو ما مهدوا لأنفسهم من البؤس. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٩) ١٩ - هنا تعود السورة لموضوع الآية (١): ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن الذي مثّل بالماء المنزّل من السماء وبجوهر المعدن الخالص في النفع والجدوى ﴿الْحَقُّ﴾ علم أنه الحق فاستجاب له ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ البصيرة لم يدرك الحق، أو أدركه ولم يستجب له، فالعالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، لا يستويان ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ ذوو العقول الصافية الخالصة من تقليد المألوف وقبول الأوهام، يأخذون العظة من آيات الله، ويتذكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وهم الموصوفون في الآيات التالية (٢٠ - ٢٤): ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ وهو ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى [الأعراف ١٧٢/ ٧]، أو عهد الله تعالى عليهم في كتبه المنزّلة،

стр. 993

وكل ما أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود في المعاملات وأداء الأمانات، وباختصار الالتزام الأخلاقي والاجتماعي تجاه الآخرين. ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ويدخل في ذلك جميع الروابط العائلية كصلة الرحم، وغير العائلية كصلة القرابة بسبب أخوة الإيمان، وحقوق الجوار ورعاية اليتيم والفقير، وفي الحالة العامة المسؤولية الأخلاقية للإنسان المنبثقة عن إيمانه بمغزى الخلق ومسؤوليته أن يعامل جميع مخلوقات الله بالشفقة والرأفة ﴿وَيَخْشَوْنَ﴾ معصية ﴿رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ فيحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على التكليف وعلى كل ما تكرهه النفس من المصائب في المال والأبدان والأنفس، وتجاوزوا هوى النفس كالانتقام والحسد والغيبة وغيرها ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طلبا لرضا الله بلا رياء ولا سمعة ولا يطلبون من العباد جزاء ولا شكورا ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ على تمامها لشعورهم بالعبودية الكاملة له تعالى فيعيشون الحرية أمام العالم ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ كالزكاة والصدقة ﴿سِرًّا﴾ حيث يحسن السر ﴿وَعَلانِيَةً﴾ حيث تحسن العلانية ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون الشر بالخير، ويجازون الإساءة بالإحسان ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات الجليلة ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ في الآخرة وهي جنات عدن كما سيرد في الآية التالية. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾

стр. 994

٢٣ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ الزوج في اللغة يشمل الذكر والأنثى، فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، كما أن الآباء تجمع الأبوين الأم والأب، والأجداد والجدات، كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ [يوسف ٦/ ١٢]، والآية تبين أن الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الصلاح ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ فتنزل السكينة عليهم، وقالوا إن الأبواب كناية عن أبواب البر، فتقول الملائكة لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بشارة بالأمن والطمأنينة والصفاء ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ بنتيجة صبركم في الدنيا على المكاره في السراء والضراء وحين البأس والعمل في سبيل الله ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ جنة الله أعدها لكم. ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٢٥) ٢٥ - بعد أن ذكرت السورة صفات من يتذكّر من أولي الألباب ومآلهم في جنات عدن، (الآيات ٢٠ - ٢٤)، أتبعتها بالمقابل بذكر أحوال عمي القلوب المذكورين بالآية (١٩)﴾ - ومآلهم في الآخرة: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قال الرازي إن عهد الله هو ما ألزم عباده بواسطة الأدلة العقلية والسمعية، فيكون المراد من نقض هذه العهد ألاّ ينظر المرء في الأدلة أصلا، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها، أو أن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعلمه بها، أو أن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يقطعون كل من له حق من ذوي الرحم وغيرهم، ويتراجعون عن التزامهم التعاقدي مع الناس بعد عهدهم الموثق معهم، فلا يحترمون كلمتهم وعهودهم مع الآخرين ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد مستغلين إمكاناتهم ومواقعهم بإفساد الوضع

стр. 995

الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعاد من رحمة الله بسبب أعمالهم ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ جهنم في الآخرة. ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾ (٢٦) ٢٦ - بعد أن ذكرت الآية السابقة أن المفسدين في الأرض مآلهم اللعنة وسوء الدار، تبين هذه الآية أنه تعالى - مع ذلك - يبسط الرزق لمن يشاء في الحياة الدنيا مؤمنا كان أو كافرا فالدنيا دار امتحان: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ من أولي الألباب، ومن هو أعمى، يرزقهما على السواء بحسب سننه تعالى في ارتباط المسبّبات بالأسباب ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق أو يعطي بقدر الكفاية ﴿وَفَرِحُوا﴾ المفسدون الغافلون عمي القلوب ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بما بسطه تعالى لهم من الرزق فاستسلموا لها واستغرقوا فيها ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب الآخرة وبالمقارنة معها ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ متعة قليلة حقيرة، والمعنى أنهم فرحوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ناقضوا العهد ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون آية مادية حسية كمعجزات موسى وعيسى، لأنّهم بعنادهم عطّلوا عقولهم عن التفكير بمعجزة القرآن، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٥١/ ٢٩]، وتكرار السؤال عن طلب معجزة مادية - انظر الآية ٧ - بعد الكلام عن الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، يفيد أنه استحال على ناقضي العهد إدراك المصدر الإلهي للقرآن الكريم كونهم أفسدوا فطرتهم الطبيعية بعد أن فرحوا بالحياة الدنيا واستغرقوا في تفاصيلها واستسلموا لها ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ يضل من يشاء الضلال فلا يجبره على الهدى لعلمه أنه لا ينفع فيه اللطف

стр. 996

والإرشاد فيتركه لخياره الحر الناتج عن سوء استعداده ومكابرته وعناده ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ إلى الله تعالى ورجع إليه، وهو وأمثاله من المذكورة صفاتهم في الآية التالية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتهى أمرهم إلى الإيمان، ثم تبين الآية التالية أن الإيمان يجب أن يقترن بالعمل الصالح ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ تستقر وتسكن قلوبهم بتلاوة الذكر الحكيم وهو القرآن، وتدبر آياته، واستخدام الفعل المضارع لإفادة دوام الاطمئنان وتجدده حسب دوام الذكر ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ لأن القرآن المجيد معجزة باقية إلى يوم القيامة تطمئن القلوب بتلاوته وتدبّر آياته، قال الألوسي: وفي ذلك إشعار أن الكفرة لا قلوب لهم وأفئدتهم هواء إذ لم يطمئنوا بالقرآن ولم يدركوا آياته، مع أنه أظهر الآيات على الإطلاق وأبهرها. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تأكيد على وجوب اقتران الإيمان بالأعمال الصالحة ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ فرح وقرة عين وغبطة والعيش الطيب لهم والسلام الروحاني ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ حسن المرجع والمستقر. ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن، المصحوب بالمعجزة القرآنية الباهرة التي يهتدي بها المنيبون ﴿أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ﴾ مضت قبلها أمم كثيرة قد أرسل لهم رسل ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ لتقرأ عليهم الوحي الأخير ليفقهوه وليهتدوا بهديه ﴿وَهُمْ﴾ أي المصرّون على الكفر ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ بإنكار الإله أو بإنكار الهدي الإلهي أو بالشرك ﴿قُلْ هُوَ﴾ الرحمن ﴿رَبِّي﴾ خالقي ومتولّي أموري ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾

стр. 997

أي لا مستحق للعبادة سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ إليه مرجعي وتوبتي. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١) ٣١ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي كذلك أرسلناك بالوحي النهائي المعجز ومع ذلك فالمكابرون يصرّون على الكفر مهما بلغت المعجزة: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ حتى لو سارت الجبال بالقرآن أو شقّت به أنهار وعيون أو تصدّعت الأرض بالشقوق أو قام الموتى من قبورهم يتكلمون به يبقى المكابرون على عنادهم لأنهم مصمّمون سلفا على إغلاق عقولهم عن أي منطق وفكر سليم، انظر آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ بأن جعل التكليف مبنيا على الاختيار بلا إلجاء ولا قهر ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ بأن ألجأهم إلى الإيمان إلجاء وقسرا ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ تصيبهم الكوارث والنزاعات والحروب لسوء أعمالهم ولانهماكهم في المادة وخلو تعاملاتهم من البعد الروحي ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ فينتشر الفساد فيهم شيئا فشيئا ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ بالنصر أو بحلول أجلهم أو بيوم القيامة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ بما وعد به من البعث ونفاذ سننه في خلقه. ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد، كما هي عادة أكثر البشر في السخرية والتهكم من الرسل لاعتقادهم باكتفائهم الذاتي بما لديهم من العلم

стр. 998

﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أمهلتهم ولم أعاجلهم بالعقوبة وأعطيتهم الفرص في المال والعمر، وأتحت لهم فرص التفكّر والنظر والتوبة ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بسوء أعمالهم وبإصرارهم على الجحود والتجبر والنكران ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إذ لم ينتفعوا بما كانوا عليه من نعمة العقل ونعمة الوحي الذي نزل على أنبيائهم. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ﴾ الله تعالى ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رقيب مهيمن عليها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ من الخير والشر فيجزيها وفق عملها حتى تتحقق العدالة على تمامها، ومع ذلك جعلوا له شركاء في منتهى العجز لا يقدرون على شيء: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ لا تضر ولا تنفع ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ إن شئتم، واطلقوا عليهم ما تشاؤون من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالشركاء من التفاهة والعجز المطلق مهما كانت أسماؤهم ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشركاء مستحقين للعبادة؟ وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، فيستحيل أن تعلموا بشيء وهو لا يعلمه ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ممّا لا حقيقة له كالشركاء ومن غير معنى متحقق في أسمائهم ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ فبدا لهم باطلهم حسنا ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن سبيل الحق ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فلا يجبره تعالى على الهدى بل يتركه ويخلّيه لنفسه وعناده. ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالآفات التي تصيبهم نفسيا أو جسديا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ من عذاب الدنيا ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ يدفع عنهم العذاب.

стр. 999

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ (٣٥) ٣٥ - بعد أن بيّن تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ المثل لأن حقيقة الجنة في علم الغيب ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ قال الزمخشري: ذلك تمثيل لما غاب عنّا بما نشاهد، أي بما نعرفه من المحسوس ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ فيما أعدّه تعالى لهم من النعيم ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ يحتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن الكريم، أو التوراة والإنجيل، والمقصود الذين أوتوا فهم الكتاب ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن لما عرفوا فيه من الحق والاستنارة ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ من أتباع الديانات الأخرى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ينكرون بعض القرآن ما لا يوافق كتبهم ولا يستطيعون إنكار بعضه الآخر لأنه مصدّق لما بين يديهم من الكتاب ومهيمن عليه، فهو يغربل الصحيح في كتابهم من الزائف بما لا يستطيع إنكاره إلا المكابر ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ وحده ﴿وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ شيئا، وقد تكون هذه إشارة إلى التثليث عند المسيحية ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ إلى عبادته ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ إشارة إلى الحشر والنشور والحساب. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، أنزلنا عليك القرآن ﴿حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ لكي يفهمه العرب أولا ومن خلالهم العالم أجمع لأنهم واسطة الوحي، ولأن الله لم يبعث نبيا إلا بلسان قومه ليبيّن لهم [إبراهيم

стр. 1000

٤/ ١٤]، وأما عالمية الرسالة الإسلامية فواضحة في كثير من الآيات، وأما كون القرآن حكما فلكونه إرادة إلهية تحكم الحياة بالشريعة الشاملة، ولأنه مشتمل على الحكمة، ولكونه حاكما على الأمور بما يمكّن من تمييز الغث من السمين ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ﴾ أيها المسلم، لأن الخطاب موجه إلى الأمة من خلال النبي ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ بقبول الحلول الوسط في العقيدة من الذين ينكرون بعض القرآن المشار إليهم بالآية السابقة ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ القرآني اليقيني الذي جاء حكما عربيا ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولّى أمورك وينصرك ﴿وَلا واقٍ﴾ يقيك عاقبة السوء. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً﴾ كثيرة ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فليس من مبرر لإنكارهم بعث خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ فكانوا من جنس البشر ولم يكونوا ملائكة، والمغزى أن على الناس تقويم الرسالة الإلهية من حيث جدارتها وليس من حيث نزول الخوارق والمعجزات الحسية ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ برسالة سماوية ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ حصرا، ويحتمل أيضا أن يكون المقصود بالآية المعجزة الحسية الخارقة التي يطلبها السذّج والمعاندون ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ وقت العمل بالتوراة والإنجيل مضى وانقضى وحان وقت العمل بالقرآن، بدليل الآية التالية. ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ من الرسالات السابقة التي نزلت لتناسب وقتها وظروفها ﴿وَيُثْبِتُ﴾ رسالة الإسلام التي جاءت خاتمة لما سبقها، أنظر الآية [البقرة ١٠٦/ ٢] مع شرحها ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أم الكتاب منبع الوحي، وهو أيضا علم الله تعالى القديم المحيط الأزلي الذي لا يكون شيء إلا وفق ما فيه.

стр. 1001

﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من عذاب الحياة الدنيا المشار إليه بالآية (٣٤)، أو القارعة التي تصيبهم المشار إليها بالآية (٣١)، والكلام عن المصرين على الكفر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ فقط ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ لا عليك حسابهم ولا جزاؤهم، فالحساب على الله وحده. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء الكفار والغافلون ﴿أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ فلا تدوم على حال إذ تتحول من العمران والازدهار إلى الخراب والدمار، فلا يتم شيء إلا ويتحول إلى نقص، ولا شيء يبقى على حاله، ولا يدوم عزّ إلا ويصير إلى انحطاط، مما هو مشاهد ومحسوس في كثير من المجتمعات والدول، فكيف يأمن الضالون على أنفسهم من مثل ذلك؟ والأمر ليس مقتصرا على الخراب المادي والكوارث الاجتماعية بل يتعداه إلى اضمحلال القيم الأخلاقية وما يتلوها من انكماش وزوال الدول، لأن الأرض بمعنى الدولة، كما في قوله تعالى على لسان يوسف مخاطبا عزيز مصر: ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف ٥٥/ ١٢] وقصد بها دولة مصر، ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ليس من يعقب حكمه بالرد أو الإبطال، فلا رادّ لحكمه وسننه الكونية، وكل شيء خاضع للتغيير ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن عواقب الأعمال من خير أو شر سرعان ما تنجلي. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لإبطال سنة الله في نصرة دينه وأنبيائه ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ لأن تدبيرهم لا شيء أمام تدبيره الخفي الذي يسير الكون بموجبه ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيحيط بها من حيث لا تعلم ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ لمن تكون العاقبة الحميدة إن كانت لهم أم لغيرهم.

стр. 1002

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرون على الكفر ﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ إنكارا منهم لنبوته ﷺ ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بما أظهر للناس من الأدلة والحجج، وهي الشهادة الأولى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ وهي الشهادة الثانية، والكتاب هو القرآن، لأن الذي يفقه القرآن حق الفقه لا بد له أن يقر بنبوته ﷺ ، ويجوز أن يكون المقصود بالكتاب أيضا التوراة والإنجيل لأن من يفقه ما تبقى فيهما من الحقيقة لا بد له أن يقر برسالة القرآن، وفي ذلك إشارة إلى قوله في الآية ٣٦: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. ***

стр. 1003

سورة إبراهيم - ١٤ - مكية مقدّمة من أواخر السور المكية، واسمها مشتق من دعاء إبراهيم المذكور في الآيات ٣٥ - ٤١، وليس معنى ذلك أن السورة تختص بقصة إبراهيم ﵇، لأن العنوان هو مجرد اسم لتعريف السورة، أي السورة التي يذكر فيها إبراهيم. ارتباط السورة بما قبلها بعد أن بينت سورة الرعد المتقدمة جوانبا من أوصاف القرآن: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ (٣٦/ ١٣)، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩/ ١٣)، وقوله تعالى: ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣/ ١٣)، تبدأ سورة إبراهيم بالإشارة للكتاب بقوله تعالى: ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١/ ١٤)، محور السورة تضرب السورة مثلا بكفر اليهود برسالة موسى، وكفر أقوام نوح وعاد وثمود وغيرهم، ثم تخلص إلى النتيجة أن أعمال الكفار تحبط وتذهب هباء يوم الحساب: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨)، وأن الشيطان لم يكن له من سلطان على الناس سوى الغواية، فالذين استحقوا

стр. 1004

العذاب إنما استحقوه بمحض حريتهم واختيارهم وعد الشيطان: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢٢)، ولذا تقارن السورة مثل الكلمة الطيبة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقيل هي القرآن، وقيل دعوة الإسلام، وقيل التسبيح والتنزيه، وقيل الثناء على الله تعالى، وقيل كل كلمة حسنة أي هي الكلمة الطيبة بأوسع معانيها فهي في جهة العلوّ، مع مثل الكلمة الخبيثة: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦) التي هي كلمة الكفر، والدعاء إليه، والدعاء لغير الإسلام، أو الكذب، أي هي الكلمة الخبيثة بأوسع معانيها بما يتمثل فيها من معاني الكفر والضلال والإضلال والزيف والنفاق والأخلاق والصفات الذميمة الخبيثة، وتأثيرها مؤقت لأن الباطل إلى زوال، كما أن الكافر والخبيث لا يصعد له عمل ولا يتقبّل منه شيء، (الآية ١٨)، وأمثالهم قد بدّلوا نعمة الله كفرا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨)، غير أن الله تعالى يمهلهم ولا يهملهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢). وفي الآيات (٣٥ - ٤١) تضرب السورة مثالا جانبا من قصة إبراهيم ودعائه. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿١ - ﴿الر (١)﴾ الله أعلم بمراده، وردت ﴿الر﴾ في ست سور متتالية هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وشرح آية [يونس ١/ ١٠]،

стр. 1005

﴿كِتابٌ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ قاطبة ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الجهل والشك والتخبط إلى نور الحقيقة ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بتيسيره وتوفيقه لمنفتحي الذهن، أما المصرّين على الكفر فسوف يلي الخطاب عنهم ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وهو النور المشار إليه، أي إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه وشرعه لهم، والمعنى أنه بعد أن يكون القرآن سببا لخروج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور الحقيقة عليه أن يتوجه بالعمل نحو صراط العزيز الحميد، ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٢) ٢ - ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي هو وحده يملك جميع ما في السماوات وما في الأرض، فلا بد أيضا أن يملك التصرف بشؤون عباده بإنزال الكتاب وإخراجهم من الظلمات إلى النور ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ بسبب غفلتهم عن هذه الحقيقة أي إن العذاب ليس سوى نتيجة طبيعية للغفلة، وفي الآية التالية تعريف لهم ولخصالهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣) ٣ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ معنى يستحبون أنهم في غاية المحبة لها دون غيرها، لأنهم غافلون عن الآخرة، وعن الحقيقة الغيبية ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾ تقدير الخطاب: ويؤثرونها على الآخرة، وذلك مكمن الضلال لأنهم جمعوا بين محبة الدنيا وإيثارها على الآخرة بخلاف من يحب الدنيا ولا يؤثرها على الآخرة ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهي صفة ثانية من صفات الكفار أنهم يمنعون الآخرين من الوصول إلى دين الله فهم ضالين أولا ومضلون ثانيا ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يسعون إلى إلقاء الشكوك والشبهات حول الرسالة السماوية إمعانا في الإضلال، فهم يبغون لها عوجا أي اعوجاجا وذلك غاية الإضلال، ولذا وصفتهم الآية أنهم في ضلال بعيد: ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ في أقصى مراتب الضلال مما لا يرجى العودة منه.

стр. 1006

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ٤ - استمرار الخطاب من الآية (١): ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ ليفقهوا ما يدعوهم إليه بسهولة من غير حاجة إلى ترجمة، ولم يخرج القرآن الكريم عن هذه القاعدة، انظر [فصّلت ٤٤/ ٤١]، لأن المشككين قالوا ويقولون كيف تكون رسالة الإسلام عالمية مع أنها باللغة العربية، انظر [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما يدعوهم إليه من الهداية السماوية ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ لأنه تعالى لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلاّ من يعلم أنه يؤمن، والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية التوفيق واللطف، فالأمر متعلق بحرية اختيار المرء وميوله واستعداده وليس نتيجة جبر مفروض عليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شؤون عباده. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٥) ٥ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ التي نزلت عليه في التوراة ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استكمال الخطاب من الآية (١)﴾، أي كما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى قبلك بآياتنا ليخرج قومه من ظلمات الجهالة والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ أي بيوم الحساب، واستعمال الجمع بدل المفرد بقوله أيام لأن مفهوم الزمن في الآخرة لا معنى له ولا علاقة له بمفهومنا الدنيوي له ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ التذكير ﴿لَآياتٍ﴾ إشارات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يصبر على الابتلاء ﴿شَكُورٍ﴾ ويشكر النعم، أي لكل مؤمن لأن المؤمن هو الذي يصبر على الابتلاء ويشكر النعم.

стр. 1007

﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ مذكّرا إياهم بأيام الله السالفة في ابتلائهم ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من ظلمهم ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ بمختلف الوسائل ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ بغرض الإبادة وخوفا من نشوء جيل جديد منهم يقف في وجه طغيانهم ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يستبقونهنّ كي يستفيدوا منهنّ لخدمتهم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ اختبار لكم عظيم، والبلاء هو الابتلاء، وقد يكون ذلك بالنعمة تارة وبالنقمة تارة أخرى، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٧) ٧ - تتمة خطاب موسى لقومه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ الأذان هو الإعلان، والمعنى هنا أنه تعالى جعله معلوما لديهم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ النعم بالإفادة منها في الطاعات والعمل الصالح، لأن الشكر ليس بالقول فقط وإنما بالعمل، وهو معنى العبادة ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ من النعم أكثر مما تستحقون ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ كفران النعم بالجحود ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ التعريض بالعذاب بعد التصريح بالإنعام. ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا﴾ نعمه سبحانه ولم تشكروها بالعمل الصالح ﴿أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ لم يتضرر بل يتضرر الجاحد بكفرانه النعم ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن شكر الناس أجمعين، لأنه تعالى لا ينتفع من شكرهم ولا يتضرر من كفرانهم، فالمنفعة والضرر تعود إلى العابد لا إلى المعبود ﴿حَمِيدٌ﴾ مستوجب الحمد بذاته وإن لم يحمده أحد من الناس، وكأن موسى بثاقب نظره النبوي، وبما لمس منهم من المعاندة والنكوص إلى عبادة العجل الذهبي كان يتوقع مستقبلهم الحافل بالجرائم وبالارتكاس المتكرر نحو الوثنية.

стр. 1008

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٩) ٩ - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ﴾ استمرار الخطاب من موسى لقومه ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ لأنهم اندثروا من وجه الأرض ولم يبق لهم أثر ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالحجج الواضحة والمعجزات ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ جعل الكفار أيديهم على أفواه الرسل لمنعهم من الكلام وهو تعبير مجازي المقصود منه أنهم لا يريدون الاستماع لما ينافي ما اعتادوا عليه من العقائد القديمة التي انغلقت عليها عقولهم ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي كفرنا بما تزعمون أنكم أرسلتم به، وذلك لعجزهم عن قبول حقيقة تناقض ما اعتادوا عليه من التقليد ﴿وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لا نستطيع القطع في صحة دعوتكم ورسالتكم، والنفس غير مطمئنة إليها، وتلك محاولة منهم للتهرب من الالتزام بالرسالة الجديدة وما يترتب عليها من تبعات. ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أفي وجوده شك؟ فإن الفطرة السليمة شاهدة على وجوده ومجبولة على الإقرار به، ولكن قد يعرض لبعضها شك فتحتاج للنظر في الدليل ولهذا قالت الرسل ترشدهم إلى طريق المعرفة: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، وعلى نظام أنيق دقيق في غاية الإعجاز ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يمهلكم إلى وقت الموت لعلكم تتوبوا عن كفركم وعن ذنوبكم ﴿قالُوا﴾ لرسلهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تأكلون وتشربون وتمشون في الأسواق فكيف تمتازون عنّا بتلقي الوحي؟ وهي الشبهة الأولى للكفار دوما

стр. 1009

﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ فنحن متمسكون بتقليدهم لأنه كان فيهم الحكماء والعلماء ولا يعقل أنهم كانوا على خطأ، وهذه الشبهة الثانية، والمعنى أنهم رفضوا إعمال عقولهم في الرسالة واعتبروا عقول الآباء خيرا من عقولهم ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فهل من معجزة خارجة عن استطاعة البشر تؤيد قولكم؟ وهي الشبهة الثالثة. ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ١١ - ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إقرار أن الأنبياء ليسوا سوى بشر مثل غيرهم من الناس ثم لم يذكروا فضلهم على غيرهم تواضعا منهم واقتصروا على القول: ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ الله تعالى يمنّ بالنبوة على من هم أهل لها من عباده ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ما جئنا به من الرسالة كاف لغير المكابر والمصر على التقليد، وهو حجة عقلية قاطعة، أما ما تطلبون من المعجزات القاهرة فقد تصبح نوعا من الإلجاء الخارجي وعند ذلك يفقد الإيمان صفته الأخلاقية والفكرية والعقلية في حين على الإنسان أن يتوصل للإيمان بطريق الدليل والعقل ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فما علينا إلا البلاغ، ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ كيف يليق بنا وأي عذر لنا في ألاّ نتوكل على الله، وأي شيء يمنعنا من التوكل عليه بعد أن هدى كل واحد منا إلى الطريق الصحيح وعرّفنا الحق من الباطل ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ ونتحمل الحرمان والاضطهاد لما تفرضه علينا مسؤولية الرسالة، ولا بد للحق أن ينتصر من الباطل ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في دفع شرور الكفار، لأنه هو مالك الأمر كله، وهو يحمي العاملين المتوكلين عليه من أخطار المجهول.

стр. 1010

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا﴾ التهديد بالإخراج من الأرض بعد الإمعان في الإيذاء الذي سبقت الإشارة إليه وذلك منعا لسريان فكر الرسالة بين ذوي الفطرة السليمة والتفكير السوي ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ أيها الرسل فتصيروا على ما نحن عليه من التقليد ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى الرسل ﵈ بعدما لحقهم من تهديد ﴿رَبُّهُمْ﴾ متولّي أمورهم ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي الكفار المفسدين الذين يظلم بعضهم بعضا، وخصّ تعالى بالهلاك الظالمين من الذين كفروا، أما باقي الكفار من غير الظالمين فإنه تعالى يمهلهم لعلهم يتوبوا. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بمعنى أن الرسالات التي تنزل على الأنبياء تبقى بعد هلاك منتقديها وجاحديها ﴿ذلِكَ﴾ الوعد لما قضى به تعالى من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم مختص بالمتقين ممن يخافون يوم الحساب ويخافون العذاب: ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ في يوم الحساب ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ خاف سوء العاقبة. ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا﴾ أي الكفار طلبوا الفتح والانتصار على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل، وقيل الضمير عائد للرسل بمعنى أنهم هم الذين استنصروا الله تعالى على أعدائهم، وقد يكون الضمير عائد للرسل والكفار معا استفتحوا جميعا فنصر الرسل وخاب كل جبار عنيد ولم يفلح باستفتاحه: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ﴾ متكبر عن الحق ﴿عَنِيدٍ﴾ معتد بما عنده من الباطل.

стр. 1011

﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي هي مصيره ومآله يدخلها من خلال عمله السيء وجبروته وعناده عن الحق ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ لأن شدة كراهته تصدّ عن تناوله. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ الكافر عند إحساسه بالعطش ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ لأن نفسه لا تتقبله لما يثيره فيه من مشاعر القرف ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ من خلال العذاب الغليظ ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ يتمنى الموت فلا يأتيه بل يبقى في العذاب: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فيمكث فيه. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨) ١٨ - بعد أن وصفت السورة بالآيات (٣ - ١٧) عناد الكافرين ومكابرتهم تجاه رسلهم تبين هذه الآية أن أعمال الكفار في الحياة الدنيا تحبط في الآخرة ولا تفيدهم بشيء فهي كالرماد الذي تنثره الرياح العاصفة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ الأعمال التي كانوا يتقربون بواسطتها لآلهتهم باطلة، وكذا أعمال البر والخير لا يستفيدون من ثوابها ﴿اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ فحملت العاصفة الرماد وبعثرته حتى لم يبق منه شيء، وكذا أعمالهم ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ من أعمال الدنيا ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ من الثواب، أي لا يجدون لها ثوابا في الآخرة ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ لأنهم ضلّوا ويحسبون أنهم على شيء، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٩) ١٩ - استكمال الخطاب من الآية السابقة لأنّ الخطاب موجّه للكفار الذين في الضلال البعيد المشار إليهم آنفا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾

стр. 1012

﴿بِالْحَقِّ﴾ ذلك من الوضوح لذوي العقول النيرة حيث لا يمكن إنكاره إلا من قبل المكابر الجاحد الغافل ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الكفار ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ خيرا منكم. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَما ذلِكَ﴾ المذكور من إذهاب الكفار والإتيان بخلق جديد مكانهم ﴿عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ليس بمتعذر ولا بمتعسر. ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً﴾ يوم القيامة، ومعنى برزوا أنه لا يخفى منهم أحد ولا تخفى منهم خافية بعد أن كانوا يستترون على ذنوبهم في الدنيا، واستخدام الفعل الماضي لبيان تحقق وقوعه لا محالة فكأنه وقع فعلا ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ أي لرؤسائهم الذين كانوا يتبعونهم في الرأي والأمر والنهي، ويظنون فيهم العقل والرشاد ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ أي كنّا أتباعكم في الحياة الدنيا نتبعكم في التقليد وفي تجميد عقولنا وفي تكذيبكم الرسل ﵈ ونبذ رسالاتهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ وهو سؤال توبيخ وتقريع وملامة مريرة ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي بعض الشيء ﴿قالُوا﴾ أي الزعماء والمستكبرون ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولكن ضللنا فضلّلناكم معنا ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ فلا ينفع الجزع ولا الصبر في ذلك اليوم، ونحن وإياكم سواء في سوء العاقبة ﴿ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ ليس لنا مكان نحن ولا أنتم ننجو به من هذه العاقبة التي استوجبناها لأنفسنا، وقد فات أوان التوبة بعد كشف الحجب، ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا﴾

стр. 1013

﴿أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾ الذي أضل الفريقين من الأتباع والمتبوعين ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فوقع الحساب ولم يعد هنالك من فرصة لتصحيح الماضي الذي وقع وانصرم ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الذي لا يخلف وقد أنجز وعده في البعث والجزاء على الأعمال ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعد الباطل بأن لا بعث ولا حساب، وإن كانا فأوهمتكم أن الأصنام والشركاء يشفعون لكم ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ موعدي وظهر بطلانه وكذبه ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ من سلطة أجبركم بها على تصديق وعودي والعمل بموجبها ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلى الضلال ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فأسرعتم بالاستجابة لي من تلقاء أنفسكم ظالمي عقولكم وأنفسكم ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بوعدي الكاذب لكم إذ لم يكن بطاقتي قسركم ولا إلجاؤكم إلى الباطل، ولكنكم اخترتم ما اخترتم لأنفسكم بمحض الوسوسة التي وسوستها لكم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث استجبتم لوسواس السوء، وبمحض حريتكم اخترتم الضلال دون حجة ولا دليل وإنما بنتيجة سوء استعدادكم وانبهاركم بتزيين المعصية لكم، وكان الأحرى أن تستجيبوا لربكم إذ دعاكم إلى الحق المقرون بالبينات والحجج ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وأصله من الصراخ كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ مما أنا فيه، أي إنه هو محتاج إلى الإصراخ فمن باب أولى أن لا يمكنه إصراخ الغير ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إنني من الأصل أنكرت توهمكم خلال حياتكم الدنيا أن هنالك شركا حقيقيا ولكنكم جعلتموني شريكا لله في الطاعة ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾

стр. 1014

٢٣ - ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي بخلاف الذين ضلّوا والذين ضلّلوا من الأتباع والمتبوعين المشار إليهم آنفا ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ سلام الطمأنينة الروحانية. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (٢٤) ٢٤ - بعد أن بينت الآية (١٨) أن أعمال الكفار تذهب هباء منثورا، ثم بينت الآيات (٢١ - ٢٢) أن الذين استحقوا العذاب إنما استحقوه بمحض اختيارهم وحريتهم، وفي الآية (٢٣) أن المؤمنين الذين عملوا الصالحات يدخلون الجنة بسلام، تضرب الآيات (٢٤ - ٢٧) مثلا بالكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي شهادة التوحيد، وقيل هي القرآن، وقيل دعوة الإسلام، وقيل التسبيح والتنزيه، وقيل الثناء على الله تعالى، وقيل كل كلمة حسنة أي هي الكلمة الطيبة بأوسع معانيها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي طيبة الثمار والمنظر والرائحة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ جذورها ضاربة في الأرض لا تقتلعها العواصف والشدائد ﴿وَفَرْعُها﴾ أي فروعها أو أعلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ أي في جهة العلوّ. ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ ثمارها الدنيوية والأخروية ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ على الدوام ﴿بِإِذْنِ رَبِّها﴾ أي بأمره ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لأن في ضرب الأمثال زيادة تفهيم وتذكير للناس فهو تصوير المعاني العقلية بصور المحسوسات. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل هي الدعاء إليه، والدعاء لغير الإسلام، أو الكذب، أي هي الكلمة الخبيثة بأوسع معانيها بما يتمثل فيها

стр. 1015

من معاني الكفر والضلال والإضلال والزيف والنفاق والأخلاق والصفات الذميمة الخبيثة ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ضارة لا يطيب لها ثمر ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ استؤصلت من سطح الأرض والمعنى أن تأثيرها مؤقت لأن الباطل إلى زوال ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ ما لها من ثبات كما هو الزيف والضلال، وقد تكون براقة خلابة تجذب إليها مؤقتا ولكنها سامة وعاقبتها إلى الزوال، كما أن الكافر والخبيث لا يصعد له عمل ولا يتقبّل منه شيء راجع الآية (١٨). ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ يثبتهم بالكلمة الطيبة المشار لها والتي تمكنت في قلوبهم وثبتت لديهم بالحجة والبرهان واطمأنت وارتاحت إليها نفوسهم فلا ينهارون أمام الفتن والاضطهاد والإغراء ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يثبتهم طيلة مكثهم في الحياة الدنيا ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ويثبتهم أيضا في الآخرة في مواقف الهول يوم القيامة ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ بحسب إرادتهم واختيارهم الناشيء عن سوء استعدادهم فيتركهم وشأنهم، وهم الكفرة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وإفساد الفطرة السليمة وبتقليد كبارهم وشيوخهم والإعراض عن الحجة السليمة والبينات الواضحة ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ مما تقتضيه الحكمة العلوية في تدبير شؤون العباد. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المؤمن أو أيها العاقل ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً﴾ وهم أصحاب الكلمة الخبيثة المشار لها آنفا، لأن الله تعالى أنعم عليهم ببعث الرسول ونزول القرآن فاختاروا الكفر على الإيمان ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ بأن صدّوا ضعاف العقول عن الإيمان ودعوهم إلى الكفر، ودار البوار أي الهلاك وهي جهنم كما سيرد في الآية التالية.

стр. 1016

﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي بئس المستقر. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَجَعَلُوا﴾ الذين بدّلوا نعمة الله كفرا ﴿لِلّهِ أَنْداداً﴾ أي أشباها بما ابتدعوه من آلهة ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قومهم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن سبيل الله القويم وهو التوحيد، وقد ذكر الرازي أن اللام في قوله ﴿لِيُضِلُّوا﴾ هي لام العاقبة، وخاصة إذا قرئت بفتح الياء، والسبب أن المشار لهم مشركون لا يعتقدون أنهم في ضلال بل يزعمون أنهم مهتدون ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ وخذوا حريتكم في ما تتقلبون به من حياة وصحة وأمان واستسلموا لحاضركم وأنتم في غفلتكم عن الغيب، فإن حالكم الآن ليست سوى تمتع بالمقارنة مع ما سوف تصلون إليه، فكأنهم لا يملكون لأنفسهم سوى الامتثال لأمر الشهوة التي تأمرهم بالتمتع، وهذا الأمر قد يكون مجازا عن التخلية والخذلان كما ذكر الزمخشري ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ لأنها النهاية الطبيعية لتلك البداية. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مقابل الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وجعلوا لله أندادا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لأن الإيمان ليس بنطق الشهادتين فقط ﴿وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ ليعيشوا معنى العبادة تطبيقا عمليا ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ بإخفاء صدقة التطوع وإعلان الواجب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فلا يفيد المال شيئا ﴿وَلا خِلالٌ﴾ فلا يغني فيه أحد عن أحد. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ (٣٢) ٣٢ - بعد أن أسهبت السورة في وصف أحوال المؤمنين وأحوال الكفار، ولما كان ذلك كله متعلقا بمعرفة الله تعالى، تبين الآيات ٣٢ - ٣٤ بعض الدلائل على وجود الخالق وكمال قدرته وعلمه: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بما

стр. 1017

فيها من أكوان وخلائق ونظم وقوانين ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فسلكه ينابيع في الأرض ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ كوسيلة من وسائل الحياة ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ بما أودع في البحر من سنن ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ تكون لكم شريانا للحياة. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ لا يفتران ولا ينقطعان عن الحركة في نظام كوني بديع يترتب عليه ما يترتب من فصول السنة وتغير المناخ وقوانين الفيزياء ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتعاقبان في تنظيمهما لحياة الإنسان فيهدأ الإنسان ليلا وينطلق نهارا في تحصيل معاشه. ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ من للتبعيض، ومن كلّ ما سألتموه بحسب الحكمة والمصلحة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ بحذف المضاف والتقدير إن تعدّوا آثار نعمة الله لا تحصوها لكثرتها ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان ﴿لَظَلُومٌ﴾ يظلم نفسه بالجحود والمعصية ﴿كَفّارٌ﴾ شديد الكفران للنعم ولا يؤديها حقها من الشكر. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ (٣٥) ٣٥ - بعد الآيات ٢٤ - ٣٤ التي ضرب تعالى فيها مثل الكلمة الطيبة ومثل الكلمة الخبيثة، وأنه تعالى يثبّت المؤمنين بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، ويضلّ الظالمين الذين بدّلوا نعمة الله كفرا، وبعد الحض على الإنفاق وبيان دلائل التوحيد في السماوات والأرض، تأتي هذه الآيات (٣٥ - ٤١) لتضرب مثالا قصة إبراهيم ﵇ فتروي جانبا منها ويأتي خلالها دعاء إبراهيم استكمالا لخطاب السورة ولبيان أن الطريق الوحيد للاستقامة هو طريق اليقين بوجود الله وحده لا شريك له ونبذ الاعتقاد بأية "سلطة مشاركة" لله في الألوهية:

стр. 1018

﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ والبلد هو مكة بعد أن بنى فيه إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام، أراده إبراهيم بلد أمن وسلام واطمئنان، يشعر فيه الناس بالأمان من أي عدوان بغض النظر عن خلافاتهم، ويحرم فيه القتال ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ أي ثبتني وذريتي على تجنب عبادتها وعلى الإسلام، وهذا الدعاء طلبا للسلام الروحاني الناتج عن التوحيد وتأكيدا لعدم الانحراف نحو الشرك سواء بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد وبظلم العقل أو بالوقوع تحت تأثير الزعماء أو المتسلطين أو المفسدين الضالين والمضلّين وسواء كانت الأصنام من البشر أو الجماد، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ومن بمنزلتها كما سبق وصفه ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ ممّن لا يملكون الوعي الصحيح أو لا يدققون في الأفكار التي تطرح عليهم ويقلدون غيرهم فيما لا يعقلون ولا يعلمون ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ من الناس فيما أنا عليه من اليقين والتوحيد المحض ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي في ديني واعتقادي ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ واستكبر مع وصول الدعوة إليه ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترحم الناس وتمهلهم وتمتّعهم في الدنيا ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتغفر لمن استحق المغفرة منهم، وتعاقب من استوجب لنفسه العقوبة، ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وهم إسماعيل وذريته الذين استقروا في مكة ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ واد صخري قاحل وهو وادي مكة، فإسكان ذريته هنالك لم يكن طلبا في مكاسب دنيوية مادية لأن الأرض لا توفر ذلك ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الذي حرّم الله تعالى التعرض له والتهاون به ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهو الغرض من ترك ذريته في هذا الموقع المبارك أي ليقيموا العبادة في

стр. 1019

البيت الحرام، هم ومن بعدهم، متبرّكين بتلك البقعة المباركة من الأرض ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ وهم المسلمون ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تميل إلى الحج في البيت الحرام، وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض المباركة فتكون لهم قاعدة روحية دينية ثقافية وتجارية، ويكون ذلك سببا في رزقهم ورزق أهل مكة ﴿وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي بعض الثمرات التي ترد عليهم من تقاطر الوفود والحجاج ومن عمارة القرى حولهم وزراعتها، لكي يطمئنوا لرعاية الله لهم وتدبيره فيشكروا نعمه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فيزدادوا عبادة وإخلاصا وعملا ودعوة إلى ديانة التوحيد. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ من نوايا وأفكار ومشاعر وطموحات وحاجات، فلا يخفى عليك سبحانك شيء مهما حاولنا إخفاءه في قلوبنا، وإنما ندعوك ونبتهل إليك تضرعا وعبادة وخشوعا ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ فمن باب أولى أنه لا تخفى عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ أي مع كبر سنّي ويأسي أن يكون لي ولد ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ومالك أموري ومتوليها ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ يسمع دعاء عباده المخلصين، فيستجيب لهم بحسب مصالحهم. ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ (٤٠) ٤٠ - بعد أن حمد الله تعالى على أن وهبه الذرية دعاه أن يكون وذريته مقيما للصلاة: ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مواظبا عليها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من للتبعيض أي اجعل بعضا من ذريتي مقيما للصلاة، لأن البعض الآخر من الذرية

стр. 1020

قد يكون كافرا أو مؤمنا لا يصلّي، فجاء من ذريته بنو إسماعيل الذين خرجت منهم قريش وبعث فيهم خاتم الأنبياء والرسل، ومن ذريته أيضا بنو إسرائيل من إسحاق الذين توهمت غالبيتهم أنهم الشعب المختار دائما وأبدا على مرّ الزمن مهما انغمسوا في الكفر والإجرام وانتكسوا إلى الوثنية، وهذا من سننه تعالى في خلقه ومن تكريمه بني آدم أن ترك لهم حرية الخيار في الحياة الدنيا ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ بجعلي وجعل بعض من ذريتي مقيمي الصلاة. ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي﴾ ما فرط من ذنوبي ﴿وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ وفي هذا الدعاء عبرة كي لا يعيش الإنسان في دائرة ذاتية قاصرة على نفسه، فلا يقتصر بالدعاء لنفسه فقط، بل يكون منفتحا على الآخرين فيدعو لوالديه وللمؤمنين من أمّته، فيحب لإخوانه ما يحب لنفسه. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢) ٤٢ - بعد أن طلب ابراهيم المغفرة من الله تعالى يوم يقوم الحساب تنبّه هذه الآية إلى يوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ أي في حال رأيتهم يتمتّعون بالحياة الدنيا دون عقاب على ظلمهم فلا تظن أنهم ناجون ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ وهو يوم الحساب، والمعنى أنه تعالى يمهلهم في الحياة الدنيا لعلهم يثوبوا إلى رشدهم، ولأن حكمته تعالى اقتضت أن تكون للناس حرية الإرادة والاختيار في الحياة الدنيا بما يترتب على ذلك من مسؤولية، فإذا انقضى أجلهم وانقطعت فرصة توبتهم كان حسابهم يوم القيامة على خالقهم، يوم تشخص أبصارهم في حالة من الذهول والعجز والدهشة والحيرة أمام أهوال القيامة. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي برغم شخوص أبصارهم وذهولهم فإنهم مهطعين، أي مسرعين نحو البلاء الذي ينتظرهم ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ رافعي رؤوسهم أمام
следующие страницы →