← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

سورة الإسراء - ١٧ - مكية مقدّمة نزلت في السنة الأخيرة من الفترة المكية وذلك ظاهر من الإشارة للإسراء في الآية الأولى منها، وقيل بعض آياتها مدنية، وتسمى أيضا سورة بني إسرائيل، الإسراء والمعراج الإسراء والمعراج مرحلتان من خبرة داخلية روحية غيبية واحدة للنبي ﷺ ممّا لم يحصل لغيره البتّة، وقد كانت رؤيا عيان، لا رؤيا منام، انظر قوله تعالى في الآية (٦٠)، إذ رافق جبريل ﵇ النبيّ ﷺ ليلة إسرائه من المسجد الحرام في مكة، إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، حيث صلىّ النبيّ إماما بالأنبياء الذين خلوا من قبله، ما يفيد أن الإسلام الذي بعث به محمد كان تتويجا للرسالات السماوية التي سبقته، فنسخ الإسلام منها ما نسخ، وبلغ منها حد الكمال، وبذلك ختمت الديانات، واكتمل التطور الديني للبشرية قاطبة بمبعث خاتم الأنبياء والرسل ﷺ ، واختلفوا في كون إسرائه ﷺ بالروح فقط، أم بالروح والجسد معا، فأغلبية الصحابة على أنه كان بالروح والجسد معا، والقلة، ومنهم أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم هانيء، ومعاوية، والتابعي الحسن البصري، على إن الإسراء كان بالروح فقط، ولعل القائلين إن الإسراء تم بالجسد والروح اعتبروا أن البديل لذلك أن يكون ما رآه النبي ﷺ قد يكون مناما، ما يقلل كثيرا من أهميته، ولم

стр. 1087

يأخذوا بالاعتبار أن خروج روح النبي ﷺ من جسده مؤقتا في أثناء الإسراء والمعراج، هو إعجاز هائل في حد ذاته، يفوق كثيرا الإسراء بالجسد والروح معا، لأن خروج الروح من الجسد لا يكون عادة إلا بعد الموت، كما كانت الحال مع الأنبياء الذين صلّى بهم النبي إماما، ثم التقاهم أثناء معراجه، فقد التقى بهم أرواحا بعد موتهم، أما هو فقد كان روحا لا يزال على قيد الحياة الدنيوية، فلا يقلل من واقعية هذه الخبرة الروحية الغيبية العجيبة للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه، قيد شعرة أنها كانت بالروح فقط عمّا لو كانت بالروح والجسد معا، لا بل إنها تفوق عليها بكثير، وقد قيل الكثير من الإسرائيليات في تفصيل قصة إسرائه ومعراجه ﷺ ، مما لا يقبله عقل، قال الرازي: ومن ذلك ما روي من شقّ بطنه وتطهيره بماء زمزم، وهو بعيد، لأن ما يغسله الماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد أيضا، لأنه تعالى لمّا سيّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق؟ ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة على المسلمين في اليوم والليلة، ثم إنّ محمدا لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى حتى أصبحت الخمسون خمسة، وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء على الله تعالى وهو محال، فثبت أن هذا الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله عقلا فكان مردودا، وغيره كثير، انظر أيضا كتاب زكريا بن خليفة المحرمي: "قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث" صفحة (٢٤٦ - ٢٥٠)، اتصال السورة بما قبلها في أواخر سورة النحل أن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١/ ١٦)، ومن ذلك نسخ السبت عند اليهود: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ﴾

стр. 1088

﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤/ ١٦)، ثم تفتتح هذه السورة بذكر الإسراء بالنبي ﷺ إلى مهد رسالة موسى وعيسى ﵉ في إشارة ضمنية لنسخ رسالتيهما: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧)، ثمّ الإشارة لمعراجه ﷺ حيث صلّى إماما بالإنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، وتبيّن أن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، فيستحيل أن يكون القرآن مفترى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨/ ١٧)، وفي سورة النحل استكبار منكري الآخرة: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء بيان عاقبتهم بعد الإشارة من طرف خفي أنهم اليهود: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠/ ١٧)، وفي سورة النحل أن مكر المكذّبين أدّى بهم إلى دمار مجتمعاتهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى بسورة الإسراء: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٦/ ١٧)، وقوله تعالى عن المجتمعات الكافرة: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٥٨/ ١٧)، وفي سورة النحل أن لم تخل أمة من بعث الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ (٣٦/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء أن الأمم تصبح مسؤولة بعد بلاغها: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥/ ١٧)

стр. 1089

وفي سورة النحل أن متاع الكفار في الدنيا زائل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [٥٥/ ١٦]، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨/ ١٧)، وفي سورة النحل أن مشركي قريش كانوا ينسبون البنات لله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧/ ١٦)، وتفصيله في سورة الإسراء أنهم جعلوا الملائكة بنات الله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ (٤٠/ ١٦)، وفي سورة النحل الأمر بإيتاء ذي القربى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (٩٠/ ١٦)، وفي سورة الإسراء أن ذلك حقّ لهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ (٢٦/ ١٧)، وفي سورة النحل أن الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣٢/ ١٧ - ٣٥)، وفي سورة النحل النهي عن التقليد الأعمى للآباء: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥/ ١٧)، وفي سورة الإسراء بيان البديل عن التقليد في الأمر باستخدام العقل السليم والحواس: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦/ ١٧)،

стр. 1090

وفي سورة النحل النهي عن عبادة إلهين اثنين كما في عقيدة المثنوية -: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١/ ١٦)، وفي سورة الإسراء بيان عاقبة ذلك: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (٣٩/ ١٧)، محور السورة الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧) ومعراجه ﷺ إلى السماء السابعة حيث صلّى إماما بالأنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، ما هو دليل على نسخ الكتب السماوية السابقة بالقرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، فبنو إسرائيل أفسدوا ويفسدون في الأرض خلال حقبتين طويلتين من الزمن على الأقل ولم يستفيدوا من التوراة: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (٤/ ١٧)، وينكرون الآخرة: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠/ ١٧)، وإنكار اليهود للآخرة مذكور في آيات [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥] و [المجادلة ١٤/ ٥٨] و [الممتحنة ١٣/ ٦٠]، ومذكور أيضا في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة، ما اقتضى عزلهم عن حمل عبء رسالة التوحيد وتحميل العبء العرب من بني إسماعيل، انظر آية [آل عمران ٢٦/ ٣]، وأن معجزة القرآن الفكرية من السمو والعظمة، على مدى الدهر، بحيث يستحيل على الإنس والجن مجتمعين الإتيان بمثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ﴾

стр. 1091

﴿ظَهِيراً﴾ (٨٨/ ١٧)، في حين كانت معجزات موسى ﵇ مادية محضة بما يناسب عقول الناس في عصره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (١٠١/ ١٧)، ومع ذلك فالمصرّون على التكذيب يغلقون عقولهم سلفا عن استيعاب معاني القرآن الكريم: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ (٤٥/ ١٧ - ١٦)، فهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لأنفسهم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ (٨٢/ ١٧)، وقد فصّل وكرّر للناس الحقائق من كل جانب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٨٩/ ١٧)، وأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات قبل أن يبيّن لها الحق من الباطل: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٥/ ١٧ - ١٦)، فالإنسان مسؤول عن استخدام حواسه وملكاته العقلية على النحو السليم: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦/ ١٧)، وأن الله تعالى كرّم بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (٧٠/ ١٧)، كما كرّمه بالعلم، انظر آية [البقرة ٣١/ ٢]، وكرّمه بحرية الخيار، وليس لإبليس من سلطان على البشر سوى وساوس الشر: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (٦٥/ ١٧)،

стр. 1092

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) ١ - ﴿سُبْحانَ﴾ تنزيها له تعالى عن كل ما لا يليق بقدسه ﴿الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ محمد، وتعبير ﴿بِعَبْدِهِ﴾ إشارة لكونه ﷺ بشرا، وليس فوق جنس البشر، بالرغم من الإعجاز في إسرائه ومعراجه ﴿لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الأقصى، أي الأبعد بالنسبة للمسجد الحرام، وهو موقع مسجد سليمان في بيت المقدس، وقوله: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ إشارة إلى مبعث العدد الكبير من أنبياء بني إسرائيل في فلسطين، آخرهم عيسى المسيح ﵇، والمقابلة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى بما يفيد أن الإسلام ليس دينا جديدا، بل استمرارا وتتويجا وختما لما سبقه من الرسالات السماوية ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ لكي يرى محمد بعضا من آيات ربّه، وليس كلها، لأنّ ﴿مِنَ﴾ تفيد التبعيض، ومما يدلّ أن عالم الغيب بمجمله لا يطّلع عليه أحد، بمن فيهم خاتم الأنبياء والرسل ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ الله تعالى ﴿السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْبَصِيرُ﴾ البصير بأحوالهم، ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ (٢) ٢ - يلاحظ في الآية المتقدمة وفي هذه الآية انتقال الخطاب من ضمائر الغائب إلى الحاضر إلى الغائب إلى الحاضر، في إشارة إلى أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا تحيط به الضمائر التي تستخدم للبشر، ويبدو تعلق هذه الآية بما قبلها واضحا لجهة الربط بين الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وبين نزول الكتاب على موسى ﵇، فالإسراء من ذات المرتبة الروحية السامية التي تقابل نزول الكتاب على موسى، وهو من التكريم للنبيّ أيضا ما يقابل تكليمه تعالى لموسى، انظر آية [النساء ١٦٤/ ٤]، وآية [الأعراف ١٤٤/ ٧]:

стр. 1093

﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ بما فيه من التأكيد على رسالة التوحيد، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (٣) ٣ - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة وتقديره: لا تتخذوا ذريّة من حملنا مع نوح من دوني وكيلا ﴿إِنَّهُ﴾ نوح ﴿كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ بعيدا عن الشرك، فاقتدوا به، ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (٤) ٤ - ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ﴾ أي في علم الله القديم المحيط الشامل، ومنه ما هو مذكور في كتبهم بالعهد القديم، انظر (سفر اللاويين ١٤/ ٢٦ - ٣٩) و (سفر التثنية ١٥/ ٢٨ - ٦٨)، ويتضمن العواقب الوخيمة جدا - المذكورة بالتفصيل - التي تنتظرهم في حال معصيتهم وعدم استجابتهم للرسالة الإلهية، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ نكص بنو إسرائيل إلى الفساد والإفساد بالرغم من أنه تعالى جعل التوراة هدى لهم، الآية (٢)، وإفسادهم في الأرض مرّتين ليس بالضرورة مقتصرا على مرّتين بالعدد، وإنما إفسادهم خلال حقبتين طويلتين من تاريخهم، بدليل أن القرآن الكريم والكتاب المقدّس يذكران الكثير من معاصيهم وجرائمهم المستمرة، ليس أقلّها عبادتهم آلهة وثنية، وتحويل معبد القدس إلى معبد آشوري في عهد ملوكهم آحاز Ahaz ، ومنسّى Manasseh (٦٨٧ - ٦٤٢ ق م)، وتسطيرهم في العهد القديم من المخازي والفساد والإفساد ما يفوق الحصر ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ من موقع الاستكبار والاستعلاء بظنّهم يستوعبوا أن الرسالة السماوية مسؤولية وعبء، وليست امتيازا، ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥)﴾

стр. 1094

٥ - ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أولى حقبتي الإفساد ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا﴾ عباده تعالى ليسوا بالضرورة أنّهم من المؤمنين لأن الخلق كلهم عباد الله، طوعا أو كرها ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ يبدو أن المرة الأولى تشير إلى الآشوريين بقيادة سرجون الثاني الذين اجتاحوا فلسطين وقضوا على مملكة إسرائيل الشمالية (٧٢١ ق م) ونفوا وشتتوا قبائل إسرائيل العشرة نهائيا إلى غير رجعة، ثم بعد ذلك بحوالي ١٣٥ عاما اجتاح البابليون بقيادة نبو خذنصّر مملكة يهوذا الجنوبية ودمّروا القدس والمعبد وأخذوا ما تبقّى من بني إسرائيل إلى ما صار يعرف بالنفي البابلي (٥٨٦ ق م)، وكل ذلك يفيده معنى قوله تعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ تخلّلوا فيها جيئة وذهابا ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ تحقّق وانقضى. ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ (٦) ٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيها اليهود ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ بعد اجتياح الفرس لبابل (٥٣٧ ق م)، سمح لهم قورش ملك الفرس بالعودة لفلسطين حيث أعادوا بناء المعبد، ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ (٧) ٧ - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ بمقتضى سننه تعالى في خلقه إن عاقبة الإحسان والسوء تعود على أصحابها ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ مرة الإفساد الثانية ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ فيصيبكم من الإذلال منهم منتهاه ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ مسجد سليمان ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما دخله البابليّون في المرة الأولى ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ يدمّرون القدس والمعبد الثاني دمارا تامّا، وقد تمّ ذلك على إثر هزيمة اليهود ونفيهم وتشتيهم نهائيا في أنحاء الأرض بعد دخول الجيوش الرومانية القدس بقيادة تيطوس ش ص ش ر ث (٧٠ م)، وأخرى في العام (١٣٥ م) بقيادة أدريانوس،

стр. 1095

﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ (٨) ٨ - ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بأن يذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الفساد والافساد ﴿عُدْنا﴾ إلى عقابكم ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ كلّما تكررت جرائمكم ومعصيتكم وإفسادكم عدنا إلى عقابكم، وتلك سنّته تعالى في الخلق وفي نظام الأسباب والمسببّات من حيث إنّ الأمم التي تطغى وتنشر الفساد تؤول عاقبتها إلى الدمار والزوال وعذاب الدنيا، قبل ما ينتظرها من عذاب الآخرة، غير أن الأستاذ بسام جرار رأى في كتابه زوال إسرائيل أن المرة الثانية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ متعلقة بدولة إسرائيل الحالية، لأنه بعد زوال دولتهم في نهاية المرة الأولى بالعام (٥٨٦ ق م) لم تقم لليهود دولة بالمعنى الكامل إلا في العصر الحديث اعتبارا من العام ١٩٤٨، صحيح أنهم عادوا من النفي البابلي إلى فلسطين عام (٥٣٧ ق م) عندما سمح لهم قورش ملك الفرس بذلك لكنهم بقوا تحت حكم الفرس، ثم تحت حكم اليونان عند اجتياح الإسكندر الكبير لشرق المتوسط، وتبعه حكم السلوقيين إلى أن احتلت روما فلسطين، العام ٦٢ ق م، وخلال تلك الفترة كلها لم يكادوا يحققوا سوى حكما ذاتيا بسيطا تحت زعمائهم المكابيين منذ العام ١٦٤ ق م حتى اجتياح روما لهم عام ٦٢ ق م، ومن الصعوبة أن ينطبق على تلك الفترة نصّ الآية: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ (٦)، أو نصّ الآية: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ (١٠٤)، بقدر ما تنطبق هذه الآيات على دولة إسرائيل الحالية ما يدل أن النبوءة: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)﴾ سوف تتحقق بدخول المسلمين بيت المقدس لتصبح لهم اليد العليا فتظهر سوءات اليهود للعالم وتنفضح صورتهم الإعلامية المزيفة.

стр. 1096

﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (٩) ٩ - بعد أن ذكرت الآية (٢) أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل، ثم ذكرت الآيات (٤ - ٨) فساد وإفساد بني إسرائيل في الأرض، تعود الآية التالية (٩) إلى موضوع بداية السورة، وهو الإسراء بالنبي ﷺ ، والمعنى أنه بعد فشل بنو إسرائيل في حمل رسالة التوحيد، فقد انتقل هذا العبء إلى بنو عمومتهم العرب من ذرية إسماعيل، على قاعدة: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦]، ولم تذكر السورة بعثة عيسى المسيح لأنه كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة، إذ كان آخر فرصة لهم لإصلاح فسادهم فكفروا به، ثم انشقت المسيحية عن بعثته واتبعت ديانة بولس: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ من الكتب السابقة، وهو ناسخ لها، انظر آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، وسوف نلاحظ التركيز على مزايا القرآن في تتمة السورة وخاصة بالآيات: (٨٢، ٤٦، ٤٥، ٤١ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥)، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ بشارة الأجر الكبير مرتبطة بالإيمان الذي يرافق العمل الصالح، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ وهذه إشارة إلى اليهود الذين خلت كتبهم التي ألّفوها من أي إشارة للآخرة، تعاميا عن مسؤولياتهم الأخلاقية، سوى إشارة واحدة في سفر دانيال، والمعروف أن إحدى طوائفهم المسماة "السدوقيين ش د د خ ص خ خث" تنكر الآخرة بتاتا، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (١١) ١١ - بعد أن بيّنت الآية (٩)﴾ أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة، يستمر الخطاب من هذه الآية وحتى آخر السورة، عدا الآيات (١٠١ - ١٠٤)، بتفصيل ذلك:

стр. 1097

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ مع أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، وإن الوحي الإلهي هو المعيار الوحيد لمعرفة الحق من الباطل، فالإنسان يتخبط على غير هدى، وقد يدعو ما ليس في صالحه، فيستعجل الشر ظانّا أنه خير، انظر قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، فلا بد من الصبر وتحمّل المعاناة واستبعاد العجلة، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ (١٢) ١٢ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ دليلين قاطعين على التوحيد ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ كناية عن الجهل ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ كما هي في القرآن الكريم يخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الزمنية، ولتذكروا منها فترة بقائكم المؤقتة في دنياكم ﴿وَالْحِسابَ﴾ فتعدّوا العدّة لآخرتكم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ كلّ ما تحتاجونه في مصالح دينكم وأخلاقكم ودنياكم فصّلناه، وهكذا أزيحت عنكم الأعذار والعلل، فأصبحتم في موقع المسؤولية كما هو مذكور في الآية التالية: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ لأن العرب في الجاهلية كانت تطلق الطير فإن طار يمنة تفاءلت، وإن طار يسرة تشاءمت، فصار الطير عندهم بمنزلة الفأل أو الحظ، ولما كثر ذلك عندهم سمّي الخير والشر بالطائر، فخاطبهم تعالى بما تعارفوا عليه، وأخبرهم أنّ مسؤولية الإنسان فردية مرتبطة بعمله وتنبثق من خياره الأخلاقي فتطوّق عنقه، أي تحيط به، وهو ملزم بها يحاسب عليها وفق عمله، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً﴾ بأعماله ﴿يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ واضحا بيّنا،

стр. 1098

﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (١٤) ١٤ - ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ كتاب أعمالك ﴿كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ فانظر تحقق العدالة بنتيجة ما تراه من كتاب أعمالك، ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) ١٥ - ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثواب العمل الصالح مختصّ بفاعله ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله يعود عليه لا يتعدّاه ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر في اللغة هو الحمل، ثم استخدم للإثم لأنه يثقل ظهر حامله، والمعنى إنّ كل أحد مختص بذنب نفسه، فلا يستطيع أن يحمل من ذنوب غيره، ولا الآخرين يستطيعون أن يحملوا من ذنوبه، لأنّ المقلّدين زعموا أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلّدوهم، جاهلين أن لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وبالمناسبة فإنّ هذه القاعدة تنفي زعم المسيحية إن المسيح تحمّل أخطاء البشرية سلفا نيابة عنها، كما تنفي زعم اليهود إنهم شعب الله المختار وإنّ ذنوبهم مغفورة بدعوى نسبهم إلى إبراهيم ﵇ ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ أحدا على ذنوبه ﴿حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ يبيّن للناس الحق من الباطل، فتنزاح الأعذار عنهم سلفا، ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ القرية في لغة القرآن هي المجتمع أو الأمّة ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بالاستقامة وفق ما جاءت به الرسل المشار إليها في الآية السابقة، وقوله ﴿مُتْرَفِيها﴾ لأنهم، في العادة، يكونون مالكين لمقاليد الأمور في مجتمعاتهم ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ خرجوا عن الحق، واتّبعوا أهواءهم ومقاييسهم الوضعية، وتمسّكوا بالتقليد بدلا من اتباع ما أمروا من الاستقامة ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ بنتيجة معصيتها وفسادها ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ تدميرا مرتبطا بفسادها وفسقها، كارتباط السبب بالمسبّب،

стр. 1099

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ من أمثال تلك القرى المشار إليها آنفا ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ فيحاسبهم عليها، ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) ١٨ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ وهي الدنيا الفانية، يريدها مكتفيا بها، وجاعلها منتهى أمله، ناسيا آخرته ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ من متاع الدنيا ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ من الضلاّل والجاحدين، والمعنى أنّ الله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء بحب سننه في الخلق، ولو اقتصر الرزق على المؤمنين دون غيرهم لأصبح الإيمان إلجاء ممّا ينافي التكليف، وقوله ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ يفيد أن الكثير من الضالّين يعرضون عن الدين طلبا للدنيا، فيخسرون الدين والدنيا معا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ جزاء وفاقا ﴿مَذْمُوماً﴾ على ما كان عليه من طلب الدنيا ونسيان الآخرة ﴿مَدْحُوراً﴾ عاجزا لا يقدر على شيء، ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ في مقابلة من أراد الدنيا فقط ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ السعي للآخرة مرتبط بالإيمان، فيكون السعي الدنيوي وفق الضوابط القرآنية ﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ يثابون عليه، ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ﴾ ممّن يريد العاجلة ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ ممّن يريد الآخرة ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ لأن الدنيا دار ابتلاء وتكليف، والكل مخلوقون في دار العمل ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ عن الطرفين من طلاب الدنيا أو طلاب الآخرة، وإلاّ لصار الإيمان إلجاء، ومن اتبع سنن الله في الخلق وصل، مؤمنا كان أم كافرا،

стр. 1100

﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ (٢١) ٢١ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بنتيجة سعيهم الدنيوي وتفاضلهم في العقول واتّباعهم سنة الله في خلقه، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ من درجات الدنيا ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ لأن العبرة تكون وقتئذ بالعمل الصالح الذي ارتبط مع الإيمان، ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ (٢٢) ٢٢ - بعد أن فصّلت الآيات (١١ - ٢١) قواعد السعي الدنيوي، تؤكّد هذه الآية أن لا سعي يفيد مع الشرك: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ تجعله شريكا في الألوهية، وهؤلاء الشركاء غير مقتصرين على الأصنام، أو زعماء الدين، أو القديسين، أو الشفعاء الموهومين، بل يدخل فيهم الاعتقاد بالقيم الزائفة ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾ بين الناس ﴿مَخْذُولاً﴾ في الآخرة، ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أتبع الأمر بعبادة الله وتوحيده، بالأمر ببر الوالدين، فالله تعالى هو الخالق، والسبب الظاهري لوجود الإنسان أبواه، فأمر تعالى بتعظيم السبب الحقيقي أولا، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ وقد يتغير مزاجهما سلبا بسبب التقدم في السن ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما﴾ حرّمت الآية أبسط تعبير عن التذمّر من الوالدين، فضلا عن تحريم زجرهما ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ بالكلام اللطيف المقرون بالتعظيم والاحترام،

стр. 1101

﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ المبالغة في التواضع تجاههما، لأن خفض الجناح كناية عن التواضع، كما يخفض الطير جناحيه فوق فراخه ﴿وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما﴾ وأحسن إليهما ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ كما أحسنا في تربيتي صغيرا، ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ (٢٥) ٢٥ - بعد أن أمرت الآيات المتقدمة بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ثم أتبعت بالأمر ببر الوالدين، تبيّن هذه الآية إنّ الله تعالى مطّلع على ما يضمره الناس في نفوسهم من الإخلاص أو الرياء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ إن كنتم صالحين مخلصين ترجعون إلى الله على الدوام في أعمالكم، فالله تعالى يتجاوز عن سيئاتكم، وقوله: ﴿لِلْأَوّابِينَ﴾ يفيد كثرة رجوع المؤمنين إليه تعالى بالتوبة والمداومة عليها، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ (٢٦) ٢٦ - يلاحظ التدرج في الخطاب، فبعد الأمر بعبادة الله وحده، ثم الأمر ببر الوالدين، ينتقل الخطاب هنا إلى الأمر ببر ذوي القربى، الأقرب فالأقرب وغيرهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ يلاحظ الدقة في التعبير إذ جعل تعالى أعطيات ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقّا لهم، وليس منّة، وفي العصر الحديث يشمل تعبير "أبناء السبيل" اللاجئين الذين انقطعت بهم السبل ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ في غير طاعة الله، أو تنفق في الباطل، أو فيما لا جدوى منه، ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ لأن التبذير بلا طائل، أو في الفساد والافساد، يفيد الاستخفاف بنعم الله، فكأن المبذّر يتّبع وسواس الشياطين في سبل الإنفاق،

стр. 1102

﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ عن ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، المشار لهم بالآية (٢٦)، أي تمتنع عن عطائهم ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ بسبب قلة إمكاناتك المادية، وأنت تأمل تحسّنها قريبا، وقد سمّت الآية الرزق الماديّ رحمة، وفي آيات أخرى قد يكون رزقا معنويّا ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ كلاما لطيفا لعلّك تتمكّن من عطائهم فيما بعد، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ كناية عن منتهى البخل والشح، فكأنما اليد مربوطة إلى العنق منعا للإنفاق ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيبلغ إنفاقك منتهاه بحيث لا يبقى عندك شيء ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ من قبل من هم بحاجة إليك من أهلك وأولادك ﴿مَحْسُوراً﴾ عمّا تحتاجه من المال، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بلا حدود ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ من عباده ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أو يرزقهم ضمن الحدود الدنيا، وفق المصلحة والحكمة الخافية على معظم البشر، أو وفق سننه تعالى في خلقه ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً﴾ بحاجياتهم ﴿بَصِيراً﴾ بأحوالهم، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (٣١) ٣١ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ الأناث والذكور من صغاركم ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ خشية الفقر، ومن ذلك أنهم كانوا في الجاهلية يئدون البنات أي يقتلونهنّ في صغرهنّ خشية الفقر والعار، وهذا التحريم في العصر الحاضر قد يطال الإجهاض المبني على أسباب اقتصادية بحتة ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ الأرزاق بيده تعالى ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ إثما كبيرا لا ينسجم مع احترام إنسانية الولد، ولأن لحياة الإنسان عامة حرمة في

стр. 1103

الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (٧٠)، وهذا الفهم قد لا يعني إغلاق إجراءات تنظيم النسل المبني على مبررات صحية وتربوية واجتماعية، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ نهي عن مجرّد الاقتراب منه، وهو أشد من التحريم ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ ما يعظم قبحه من الفعل أو القول ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ هو أسوأ السبل لقضاء الشهوة الجنسية عن طريق الحرام، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ للنفوس، مؤمنة أم كافرة، حرمة في الإسلام ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ كما في حال تشريع القصاص، ولا يكون تنفيذه إلا عن طريق الحكومة، وليس لآحاد الناس أن يحكم به أو يقوم به، وقد يضطر إليه المرء في حالة الدفاع عن النفس أو العرض أو المال أو المستضعفين، أو في حال حرب دفاعية قائمة ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ بغير وجه حق ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ الذي يليه في القربى، والمسؤول عنه ﴿سُلْطاناً﴾ سلّطنا وليّه على قتله أو العفو عنه، ضمن تشريع القصاص القضائي ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ فلا يقتل غير القاتل، ولا يتجاوزه إلى غيره ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ فيما جعله الله له من حق وولاية على القتيل، فلا يميل إلى الانتقام والعجلة، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ فتأخذوا منه شيئا ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بقصد تنميته ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فيصبح بالغا عاقلا، انظر شرح آية [النساء ٤/ ٢]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ الوفاء بالعهود قاعدة إسلامية مهمة تنتظم بها الحياة، انظر شرح آية [المائدة ٥/ ١]، ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ يسأل عنه المرء ويحاسب عليه،

стр. 1104

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ الكيل المادي والمعنوي فيما يتعلق بأداء الحقوق ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ﴾ الميزان ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ بلا غبن ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ لكم كأفراد ومجتمعات ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ الأحسن لكم مآلا وعاقبة، في الدنيا والآخرة، ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَلا تَقْفُ﴾ أيها الإنسان ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تتّبع ولا تقتف، ولا تتّبع أثر ما لا علم لك به معتمدا على الظن والتخمين والأقاويل ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ أجهزة الحواس التي أنعم بها الله عليك ﴿وَالْفُؤادَ﴾ كناية عن العقل الذي كرّمك به الله تعالى ﴿كُلُّ أُولئِكَ﴾ كلّ ملكاتك الحسيّة والعقلية أن تستخدمها على الوجه السليم في سبيل التوصّل إلى الحقيقة ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ مسؤولا أن تتّبع علم اليقين في السلوك والعمل والعقيدة، وليس القيل والقال والإشاعات والتقليد، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ تواضع، ولا تتكبّر ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ فإنك خلق ضعيف مهما أعجبتك نفسك، ومهما ظننت بها الكبر، ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿كُلُّ ذلِكَ﴾ ما تقدّم من الأشياء السيئة المذكورة، أي الأخلاق السلبية ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ من العمل القبيح والمعصية ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ الله تعالى يكره كل قبيح من الأعمال لعبيده،

стр. 1105

﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿ذلِكَ﴾ المنهج الأخلاقي العملي الذي بيّنته الآيات المتقدّمة (٢٢ - ٣٨)، ﴿مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ بعض ما أوحى إليك ربّك من الحكمة، وهي معرفة الصواب من الخطأ، على ضوء المقاييس الأخلاقية التي نزل بها الوحي ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ من الآلهة الخيالية المزعومة وتنسب لها من المقاييس الأخلاقية الوضعية المناقضة للحكمة ﴿فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُوراً﴾ لا حول لك ولا قوّة، وهكذا يكتمل الخطاب، كما بدأ بالآية (٢٢)، بالدعوة إلى التوحيد، ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ (٤٠) ٤٠ - وهذه الآية حتى الآية (٤٤) أمثلة على ضحالة الشرك: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ أفخصّكم ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً﴾ إشارة لزعمهم في الجاهلية أن الملائكة بنات الله، رغم أنهم، في تناقض فاضح لسلوكهم، كانوا يئدون البنات ويستبقون الذكور، وفي المعنى العام للآية بيان ضحالة الفكر الذي ينسب من صفات الألوهية لغير الله تعالى، انظر آيات [الأنعام ١٠٠/ ٦ - ١٠١]، ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ قولا مقيتا لا يقبله العقل السليم، انظر آيات [مريم ٨٨/ ١٩ - ٩٢]، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ (٤١) ٤١ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ قلّبنا وأوضحنا لهم من كل الوجوه، في إشارة للآية (٩)، ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ما فطروا عليه من الإيمان ﴿وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ شبّهتهم الآية بالحمر النافرة، لشدّة تمسّكهم بالتقليد، وتشنّج عقولهم عليه، ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ لو كان زعم المشركين صحيحا في نسبهم من صفات الألوهية لشركائهم الذين يزعمون فيهم الوساطة أو

стр. 1106

الشفاعة مع الله تعالى ﴿إِذاً لابْتَغَوْا﴾ هؤلاء الشركاء المزعومون ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ لطلبوا الشفاعة لأنفسهم من الله تعالى، وذلك لمنتهى عجزهم، فضلا أن يستطيعوا طلب الشفاعة أو الوساطة لغيرهم، وقوله تعالى ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ يفيد أن كل ما في الكون واقع تحت هيمنته لا يشاركه ولا يعجزه فيه أحد البتّة، ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له تعالى عما لا يليق به من الصفات ﴿وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ من المزاعم والأوهام ﴿عُلُوًّا كَبِيراً﴾ شتّان ما بين ضحالة أقاويلهم وبين عظمته تعالى التي لا يرقى إليها ولا يحيط بها وصف، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ الأنظمة الكونية العديدة، لأن السماء هنا بمعنى النظام الكوني، والسبع في اللغة العربية، كما في اللغات السامية تفيد التعدد وليس العدد سبعة بالضرورة ﴿وَالْأَرْضُ﴾ ولا يمنع ذلك أن هنالك أرضين كثيرة في الأنظمة الكونية المتعددة، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ من مخلوقات ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الكائنات ﴿إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ رغم أن كلّ ما في الكائنات يشهد شهادة قاهرة على وجود خالق جبّار مهيمن فإن أكثر الناس عمون عن ذلك ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً﴾ يمهل عباده للتوصل إلى الحقيقة ﴿غَفُوراً﴾ يغفر لهم جهلهم وتقصيرهم، ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٤٥) ٤٥ - عودة الخطاب إلى الآية (٤١)﴾: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أيها النبي ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ حجابا نفسيا معنويا غير مادي، أي لشدة إنكارهم الآخرة لا تفيدهم تلاوة القرآن،

стр. 1107

﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية معنوية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفقهوه ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ ثقلا في السمع، فالقرآن ثقيل على أسماعهم، لا تنفتح له عقولهم، وقد نسب تعالى تغطية قلوبهم عن الفهم، وأسماعهم عن السمع إلى ذاته العلية مع أن ذلك من أعمالهم الاختيارية، والمعنى أن الله تعالى خلاّهم لأنفسهم ولم يجبرهم على الهدى ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ إلها واحدا منزّها عن الشرك والشركاء ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ أداروا ظهورهم لمفهوم التوحيد ونفروا منه، لأنهم مصرّون على ما اعتادوا عليه من الشرك، وتقليد الآباء والأجداد، وجمود عقولهم على ذلك، ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ إذ صمّمت عقولهم سلفا على ما فيها ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي إنّ ما يستمعون به من القرآن وما يصرّون على ما في عقولهم المنغلقة سلفا، خلاف ما يتلى عليهم ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ يتكلمون سرّا فيما بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ لبعضهم البعض، ولمن يميل منهم إلى الإيمان ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ لشدة انبهارهم بالقرآن يتخبّطون ويختلقون شتّى الأعذار للصدّ عنه، ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ للتهرب من الحقيقة ﴿فَضَلُّوا﴾ عن السبيل القويم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ بسبب العناد والمكابرة، ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً﴾ باليا مفتتا ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ وذلك لشدة ماديتهم، إذ يعتقدون أن الإنسان ليس سوى جسد مادي لا غير،

стр. 1108

﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ المغزى أنكم تنكرون الروح، والعبرة ليست بمادة الجسد، ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ (٥١) ٥١ - ﴿أَوْ خَلْقاً﴾ ماديا ﴿مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ مما يستحيل بعثه حسب ظنكم ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾ في إنكار واضح للخالق ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فهو قادر على خلقكم من جديد ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ يحرّكون رؤوسهم غير مصدّقين، فينتقلون من سؤال لآخر في تهرب واضح من الحجج القاطعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ يسألون عن توقيت البعث لأن عقولهم قاصرة عن مفهوم الزمن المطلق، ويقيسون الأمور بالزمن الدنيوي النسبي ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ كما هو مبيّن في الآية التالية: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ للبعث ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ مغزى الاستجابة بحمده أنه لا يبقى لديهم وقتئذ أدنى شك في وجود الخالق وفي عظمته ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الأرض ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ تستقلّون مدة لبثكم في الدنيا بعد أن زال عنكم مفهوم الزمن الدنيوي، ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا﴾ للذين لا يشاطرونهم عقيدة الإسلام ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إذ لا إكراه في الدين، والجدال يجب أن يكون بالحسنى ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يفسد بين الناس ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ من الأزل، ولا يزال ﴿لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ يستفزهم إلى الحماقات وإلى الشر، انظر آية [مريم ٨٣/ ١٩]،

стр. 1109

﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ فيوفق من يشاء الهداية من الناس إلى الهدى ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخلّي العصاة لأنفسهم ويتركهم لحرية خيارهم فلا يجبرهم على الهدى ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ﴾ أيها النبي ﴿وَكِيلاً﴾ لست مسؤولا عن سلوكهم، ولا عن مصيرهم، أما الدعوة فلا بد أن تكون باللين والرفق، ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿وَرَبُّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الله تعالى أعلم بما يدور في عقول عباده من أفكار ونظريات وعقائد، ولا بدّ من التعامل معها بالحرية الفكرية والحوار في مجال الدعوة ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ بختم النبوّات بمحمد ﷺ ونزول القرآن الكريم عليه، كما قال الزمخشري ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ الكتاب المقدس الذي أوحي إليه، ويلاحظ في المقابلة بين خاتم الأنبياء والرسل ﷺ ، وبين داود ﵇ عودة إلى الآيات (١ - ٢)، ما فيه إشارة لانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿قُلِ﴾ للمشركين ﴿اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الملائكة والأوهام والشفعاء المزعومين ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ في إشارة واضحة للمسيحية التي تؤمن بفكرة الفداء بالنيابة، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧)﴾

стр. 1110

٥٧ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ من الملائكة والشفعاء ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يبتغون طريق التقرّب إلى الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ حتى كبار الملائكة والأنبياء منهم ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ تعالى ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً﴾ ممّا يحذره العاقل ويحترس منه، ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع من المجتمعات ﴿إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ لأن كل شيء على هذه الأرض فان وذو طبيعة مؤقتة، والخلود في الآخرة فقط ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً﴾ بالجوع والخوف ونقص من الأموال والثمرات، كما في آية [البقرة ١٥٥/ ٢]، وبما تكسب أيدي المستكبرين والمترفين ويتّبعهم عليها المستضعفون، لأن سنته تعالى في خلقه جرت على ربط النتائج بالمقدمات، والمسببات بالأسباب ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ فيما قدّره الله في علمه القديم الشامل، في كتاب التكوين الذي أخضع الحياة لقوانين وضوابط، ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ المعجزات المادية التي تؤيد الأنبياء ﴿إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ من الأقوام البدائية التي لم تصل إلى مرحلة من النضوج الفكري، كما هي الحال في المعجزات المادية الكثيرة التي لم تفد بني إسرائيل، كتظليل الغمام لهم في سيناء، ونزول المن والسلوى عليهم، ومع ذلك عاندوا موسى وكذّبوه، وقالوا أرنا الله جهرة، ثم ارتكسوا بعده إلى الوثنية ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ذات دلالة واضحة عند من يبصر المغزى منها

стр. 1111

﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظلموا أنفسهم بعقرها، انظر آيات [الشمس ١١/ ٩١ - ١٥]، ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ﴾ المعجزات المادية ﴿إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ تأييدا للرسل، والمغزى العام من الآية أنّ القرآن الكريم نزل على البشرية، ختما للرسالات، معجزة خالدة على مر العصور، يخاطب عقول الناس بعد أن ارتقت البشرية إلى مرحلة كافية من النضوج الفكري، فلم يبق من حاجة لمعجزات مادية ملموسة، وفي الآية عودة لتركيز السورة على إعجاز القرآن الكريم، انظر الآيات: (٩، ٨٢، ٤٦، ٤٥، ٤١ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥، ٨٩، ٨٨)، ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ﴾ أيها الرسول ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ بعظمته وقدرته وعلمه القديم ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ رؤيا الإسراء والمعراج ﴿إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ اختبارا لهم، فيهتز بها إيمان ضعاف العقول وأنصاف المؤمنين بنبوّة محمد ﷺ ، وتنكشف أمورهم، أما الذين آمنوا إيمان اليقين فيزداد يقينهم ويبتهجوا بما أنعم الله على رسوله من رؤيا الإسراء والمعراج ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ جعلناها فتنة للناس أيضا، وهي شجرة الزقّوم التي ترمز إلى جهنم، انظر [الصافّات ٦٢/ ٣٧ - ٦٥]، وقد وصفت بالملعونة أي المبعدة من رحمة الله، لأنّ من يؤول مصيرهم إلى جهنم مبعدون من رحمته تعالى ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بمثل هذه الآيات المتشابهات، انظر [آل عمران ٧/ ٣]، ونصوّر لهم عذاب الآخرة تصويرات حسيّة تناسب عقولهم الدنيوية ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ هذا التخويف ﴿إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ طغيان المصرّين على الكفر، ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١)﴾

стр. 1112

٦١ - بعد أن فصّلت الآيات (٤٠ - ٦٠) في عناد المشركين وإصرارهم على الكفر رغم الآيات الباهرات المحيطة بهم، تنتقل هذه الآية إلى قصة الخلق الرمزية، ولبيان أن الإنسان في دنياه يكابد الصراع بين الخير والشر، في خيار حرّ بينهما، وقد وردت هذه القصة الرمزية بأوجه وعبر متنوعة في سور سبع من القرآن الكريم وهي (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص) ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لجنس البشر ﴿فَسَجَدُوا﴾ سجود تكريم له بعد أن علّمه الله تعالى الأسماء كلّها، ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ رمز الشر ووساوس السوء ﴿قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ أبى إبليس أن ينقاد للحقّ، بل صمّم على القيام بدوره، ما يجعل الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿قالَ﴾ إبليس ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ بان أسجدت له الملائكة ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ أمهلتني ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ المعنى أضع في حنك الكثيرين من الناس لجاما أقودهم منه كالدواب، فيطيعونني طاعة عمياء ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منهم، وهم المشار لهم بالآية (٦٥)، ﴿قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿اِذْهَبْ﴾ في سبيلك الذي اخترته من الشر ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من الضلاّل ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً﴾ جزاء عادلا مترتّبا على ما يختارونه لأنفسهم، ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (٦٤)﴾

стр. 1113

٦٤ - ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ في الخطاب كناية، والمعنى: استخدم كل ما لديك من استطاعة وإمكانات مادية ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ﴾ بتحريضهم أن يأكلوا من أموال الآخرين بالسرقات والرشوات، وإنفاق الأموال في اللهو والمعاملات الفاسدة ﴿وَالْأَوْلادِ﴾ ما يفيد استخدام إمكاناته المعنوية أيضا في إفساد الذرية وحضّها على الفساد والعقوق ﴿وَعِدْهُمْ﴾ من المواعيد والأماني الباطلة، كأن لا آخرة ولا حساب ولا مسؤولية ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ ما يضلّل به العقول، ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ المخلصين، من أهل الفضل والعلم والإيمان ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فلا تستطيع التغرير بهم ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ عليهم يعصمهم من وساوس الشيطان، ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٦٦) ٦٦ - بعد انتهاء قصة الخليقة، وبيان مكابدة الإنسان بين عناصر الخير والشر، تعود السورة لبيان أن الإنسان بين الخوف والرجاء: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ يسيّر ﴿لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ ويسهّل عيكم علوم التحكم بها ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ابتغاء رزقه ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ بما يمكن العباد من تحصيل رزقهم باتّباع سننه في خلقه، ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ بهياج البحر، وإشرافكم على الهلاك، في أثناء ابتغائكم الرزق والمعاش أو الأبحاث ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ لجأتم

стр. 1114

إلى الله تعالى وحده في دعائكم، ونسيتم شركاءكم المزعومين، وهذا الأمر ينطبق اليوم على من يركب الطائرات أيضا ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ برحمة منه، أو استجابة لدعائكم ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الدعاء والتوحيد، بعد أن أمنتم، ونسبتم نجاتكم إلى حولكم وقوتكم، أو إلى محاسن الصدف ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ به نزعة إلى كفران النعم، ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾ أي حتّى لو وصل الإنسان إلى بر الأمان، فهو ليس بأمان مطلق، لأن الأرض قد تخسف بالزلازل والبراكين ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ ربّكم ﴿عَلَيْكُمْ حاصِباً﴾ من الرياح العاتية والأعاصير التي تحمل كل ما في طريقها من مواد وحصباء فتحصب به الناس ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا﴾ في هذه الحالات ﴿لَكُمْ وَكِيلاً﴾ يحميكم من قدرته تعالى، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ تعودون لركوب البحر في رحلاتكم القادمة ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ﴾ فيقصف سفنكم بالأعاصير ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ﴾ فتغرقوا بما كفرتم، وبما كسبت أيديكم من الفساد والجحود، وبما نسبتم لأنفسكم من إمكانات الجبروت والسيطرة على الدنيا بواسطة التقانة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً﴾ ليس من يحاسب على ما وقع، فالله تعالى لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠)﴾

стр. 1115

٧٠ - وهنا تعود السورة إلى موضوع الآية (٦١)، وما ورد في قصة الخلق من تكريم بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بأن علّمه تعالى الأسماء كلها، فأمكنه من التفكير المجرّد من بين جميع المخلوقات، ومنحه حرية الفكر والخيار والعقيدة، ولذلك أسجد له الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بما أودع تعالى في عقولهم من وسائل العلوم والمعرفة يخترعون بواسطتها شتّى أنواع المركبات والسفن ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ بما جعل في الكون من سنن من سار عليها وصل إلى مراده ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ من حيوانات يقتصر فكرها على إشباع غرائزها البهيمية، وليس لها من ميّزات الإنسان المذكورة شيء ﴿تَفْضِيلاً﴾ كثيرا واضحا بيّنا، ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٧١) ٧١ - ﴿يَوْمَ﴾ القيامة ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ بعد ما ذكرته الآية السابقة من تكريمه تعالى لبني آدم، تبيّن هذه الآية أنه يوم القيامة سوف يدعى كلّ أناس بإمامهم، وهو ما فسّره الرازي بتركيبة المرء الأخلاقية، أو اللاأخلاقية، التي كانت تسوقه في دنياه، فمنها شخصية الأخلاق الفاضلة والكرم وطلب العلم والزهد، ومنها شهوة طاغية للمال، أو شهوة طاغية للسلطة والتسلط، ومنها شخصية الحقد والحسد والتخريب، وشخصية الإجرام، فهذه كلها بمثابة إمام للفرد يقتديه، ويدعى بموجبه في الآخرة، وفي الحديث: «لكلّ امرئ ما نوى»، ويدخل في ذلك الأعمال التي يفترض أن قام بها المرء فتركها ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ كناية عن حسن الطالع، لأن العرب تقول ميمون وأيمن ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ كتاب أعمالهم وهم في حالة من السرور، لما كانوا

стр. 1116

عيه من الاستقامة في دنياهم ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ مقدار شعرة، وذلك ينطبق على أصحاب اليمين، كما ينطبق على المجرمين من أصحاب الشمال، ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمى﴾ القلب ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ القلب أيضا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ عمّا كان عليه في دنياه، والمعنى أنّ نوعية الحياة الآخرة ليست فقط مترتّبة على ما كان عليه المرء في دنياه، بل هي في الواقع امتداد لها، ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ (٧٣) ٧٣ - استمرار الخطاب من الآيات (٧٠ - ٧٢)، لأنه من نتائج تكريم بني آدم بالفكر المجرّد وبالحرية الفكرية، ضلال الكثيرين من الناس، كما تبيّنه الآيات (٧٣ - ٧٧): ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يغرونك أيها النبي بشتى وسائل الإغراء ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ يريدون أن يطابق الوحي الإلاهي مقاييسهم الدنيوية وما توارثوه عن أجدادهم بالتقليد، وبمعنى آخر أرادوا التوصّل إلى حلول "وسط" مع النبي ﷺ ، كي يقبلوا نبوّته، ومن جهته يفتري قرآنا من عنده بزعمهم ﴿وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ وهو ما رفضه النبي ﷺ قطعيا، ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ المغزى أن الإيمان الشديد الذي كان يتمتع به النبي ﷺ ، جعل من المستحيل عليه قبول عروضهم "الوسط"، ﴿إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)﴾

стр. 1117

٧٥ - ﴿إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ أي عذاب الضعف في الدنيا والآخرة، أولا بسبب ضلاله عن الوحي الموحى إليه، وثانيا بسبب ضلال أتباعه من بعده، وهو المعصوم ﵊، وعلى أية حال ففي الآية مغزى عام، وهو أنه لا يمكن التغاضي عن أية نية مبيّتة ضد حقيقة إلهية، ما لم يقع صاحبها في خطيئة لا تغتفر ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً﴾ لا أحد ينصرك من دون الله في مثل هذه الحالات، ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أيها النبيّ، بعد أن فشلوا في إقناعك بالتخلّي عن رسالة الإسلام ﴿مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ من أرض مكة، لأن السورة مكية، واضطهاد قريش ضد الرسالة في مكة كان على أشدّه ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ تحققت هذه النبوءة بعد أكثر من سنتين بقليل، أي في رمضان بالعام ٢ للهجرة عندما قتل أكابر قريش في وقعة بدر، وقوله تعالى: ﴿خِلافَكَ﴾ يفيد بنتيجة مخالفتهم لك، أي تلك النتيجة الطبيعية لمخالفة خاتم الأنبياء والرسل، وهو أيضا بمعنى بعدك أو خلفك، ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ سنّته تعالى في نصرة أنبيائه لا تتغيّر ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾ فقد لاقى أكثر من شاركوا في إخراج النبي من مكة مصيرهم المحتوم في بدر أو في مكة، ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨)﴾

стр. 1118

٧٨ - تتمة الخطاب من الآيات السابقة، أي إذا كان الأمر كذلك من تثبيت الله تعالى لرسله ونصرتهم، الآيات (٧٣ - ٧٧)، فلا بد من مداومته ﷺ ، ومداومة أمّته على الصلاة، لدوام التثبيت، ودوام الشكر: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآية تفيد الصلوات الخمسة، وقد فصّلتها السنّة الشريفة، وقالوا دلوك الشمس معناه زوالها في منتصف النهار، فيكون المعنى: أقم الصلاة من زوال الشمس في منتصف النهار، حتى غسق الليل، فيدخل في ذلك صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يفيد صلاة الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ لأن النبي ﷺ كان يطيل قراءة القرآن وقت صلاة الفجر تركيزا على أهميتها الخاصة، وقد رأى الرازي في أهميتها من الإلهام يطرق قلب المؤمن عندما يبدأ نور الفجر بالانبلاج عن ظلام الليل ممّا يعزز تركيزه على الحقيقة الروحية، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ قيام الليل ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ زيادة عن الصلوات المفروضة، ندبا وليس فرضا ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ في الدار الآخرة، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿وَقُلْ﴾ في صلاتك، وفي دعائك، وفي عملك، وفي ذهابك ومجيئك ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ في كلّ ما أقوم به من صلاة وعمل في سبيلك ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أخرجني من الصلاة، ومن كل أعمال الدنيا، ومن جميع المواقف، بالصدق والإخلاص وحضور الذكر ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾

стр. 1119

﴿سُلْطاناً نَصِيراً﴾ أي اجعل لي حجّة بيّنة تنصرني بها على أعدائي، فيكون نصري بالاقناع والحجج السليمة، على قلوبهم، وليس على أجسادهم، ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ بنصرة الإسلام وقرب انتشاره في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة والموعظة الحسنة والحجج الفكرية السليمة، على قاعدة: ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (٨٠)، وقاعدة: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥٣)، وقد تحققت هذه النبوءة خلال أقل من مئة عام من البعثة النبوية الشريفة بانتشار الإسلام من الصين شرقا حتى الأندلس غربا ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ من طبيعة الباطل أن يزول على أسرع الوجوه، وإن كانت له دولة وجولة، لأنه لا يحمل في طياته عناصر البقاء الضرورية للبقاء والاستمرار، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ (٨٢) ٨٢ - بعد أن ذكرت الآية (٧٨) أن قرآن الفجر كان مشهودا، يعود الخطاب للتركيز على قوامة القرآن على ما سبقه من الكتب، انظر الآيات: (٩، ٤٦، ٤٥، ٤١): ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ لما في الصدور من الشك والحيرة والترقّب والجهل ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يتوصّلون للإيمان بفهم القرآن وتدبّر معانيه، ووعيها، والعمل بها بجدية ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ﴾ الذين يعيشون حياة اللامبالاة والتسويف وخداع النفس والمادية البحتة ﴿إِلاّ خَساراً﴾ قد يخسرون طريقتهم في الحياة، عدا خسارة آخرتهم، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ٢٠/ ٦]، ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣)﴾

стр. 1120

٨٣ - ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ من نوع الظالمين المشار إليهم بالآية السابقة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الهدى، وظنّ أن ما توصّل إليه من نعم الدنيا ناتج عن حوله وقوّته لا غير ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ كناية عن استكباره ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ من فقر أو مرض أو مصيبة من المصائب ﴿كانَ يَؤُساً﴾ كان شديد اليأس من رحمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢]، ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ من الناس ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ على استعداده، أي بحسب ميوله ومكوّناته الشخصية، وما شاكل جوهر نفسه من طهارتها أو كدرها وخسّتها ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً﴾ الله تعالى أعلم بمن يسير على الاستقامة، أو ينحرف نحو الغشّ والضلال وخداع النفس، فأنّى للآخرين قسره على الهداية، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الرُّوحِ﴾ أي عن الوحي القرآني وطبيعته وماهيّته، لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢]، فسمّى الوحي روحا، ولأنّ النظم من الآية (٨٢) حتى الآية (٨٩) يدور كله حول الوحي ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ في علمه واستئثاره ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ما لا يمكّن الإنسان من الإحاطة إلاّ بجزء قليل من الغيبيّات، ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ وهذه الآية جواب على سؤالهم بالآية (٨٥)﴾ عن طبيعة الوحي، والمعنى أنّه من دون الوحي الإلهي يبقى

стр. 1121

الجنس البشري تائها يتخبّط في البحث عن المقاييس الأخلاقية المطلقة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا﴾ أيها الإنسان ﴿وَكِيلاً﴾ تكل أمورك إليه، أو تعتمد عليه في معرفة الحق من الباطل، ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، لأنّ الرحمة أيضا بمعنى الوحي، انظر آيات [هود ٦٣/ ١١، ٢٨]، حيث سمّى الوحي رحمة، والمعنى: لولا الوحي لما استقامت أمور الإنسان ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان، لأن الله تعالى أنعم على الإنسان بنعمة العقل من جهة، وبنعمة الوحي الإلهي من جهة ثانية، ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ بكلّ ما يملكون من طاقات الفكر العلمية والتقنية والأدبية ﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في أسلوبه المعجز، ومحتواه العميق المتنوع، وإيحاءاته الروحية المبهرة، ونظمه المحكم ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ولو كانوا يعضدون وينصرون بعضهم بعضا، لأن المسألة ليست مشروطة بتكامل الطاقات في سبيل تكامل النص في إبداعه، بل مرتبطة بالسر الخفيّ وراءه، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كرّرنا وقلّبنا المعاني القرآنية من كلّ الوجوه والأساليب، ليصبح القرآن قريبا من الأفهام ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ لأنّ فهم أكثر الناس سطحي وضحل ومقتصر على مادية الدنيا، كما سيرد في الآية التالية: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠)﴾

стр. 1122

٩٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ يريدون معجزات مادية تلمسها أيديهم بسبب قصور عقولهم عن تقويم القرآن من حيث جدارته، ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ (٩١) ٩١ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ وهذا من قبيل التعجيز، والتهكّم، والتهرّب من مواجهة معجزة القرآن، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ يقولون ذلك بلهجة من التحدّي، في إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤/ ٥٢]، أي يستعجلون العذاب بسقوط السماء عليهم قطعا ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ وبمزيد من التهكّم والتحدّي يريدون أن يظهر الله تعالى لهم مع ملائكته جماعة، ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من الذهب ﴿أَوْ تَرْقى﴾ تصعد ﴿فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لصعودك في السماء حتى لا تسحرنا بطريقة من الطرق ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ هكذا بطريقة مادية بحتة ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ الجواب أنّ كل ذلك ليس في طاقتي، وما أنا إلاّ بشر مثلكم مرسل من الله، وعليكم استخدام ما حباكم الله به من نعمة العقل، وليس تعطيل عقولكم، ولا التفكير بمثل هذه الطلبات الصبيانية، ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤)﴾

стр. 1123

٩٤ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ في عقلية بدائية تتطلّب الخوارق للإيمان، ما يجمع المتناقضات من كون الرسل ملائكة والمرسل إليهم بشرا، ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ لأن المرسل إليهم يجب أن يكون من جنسهم، ليتناسب فكره مع فكرهم، وقدراته العملية مع قدراتهم، ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فيما أدّعيه من الرسالة، وما أبلّغه للناس من الوحي ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ فهو أعلم بعباده من مهتدين وضالّين، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ (٩٧) ٩٧ - بعد أن أسهبت الآيات (٨٢ - ٩٦) في تأكيد أصالة الوحي القرآني، وتحدي ذوي العقول البدائية له بشتى الأساليب الصبيانية، تنتقل هذه الآية والآيات التي تليها (٩٧ - ١٠٠) لبيان أنّ الإنسان بالخيار أن يستفيد من ملكاته العقلية، أو أن يهدرها، وفي الحالتين يلقى عاقبته نتيجة طبيعية لما اختاره من الهدى أو الضلال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من يختار الهداية يوفّقه الله تعالى لها ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ من يختار الضلال فالله تعالى يخلّيه لنفسه ولا يقسره على الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ ينصرونهم من دون الله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى﴾

стр. 1124

﴿وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ يحشرون بالحالة التي كانوا عليها في دنياهم إذ أهدروا إمكاناتهم العقلية والفكرية ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾، ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ لأن إنكارهم البعث والجزاء ليس سوى إنكار لجبروت الخالق وعظمته، بل إنكار لوجوده، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فكيف ينكرون البعث ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يستطيعون تجاوزه، ولا يستطيعون تحقيق ما يطمحون إليه من الخلود في دنياهم ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ رغم كل الآيات القاهرات، ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ بما منّ على الإنسان من نعمة العقل، ونعمة الوحي، ونعمة الأرزاق المادية ﴿إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ رغم كل ما بكم من النعم، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ بما جبل عليه من خوف المستقبل، ظانّا أنه يخلد أمدا طويلا، فلا ينفتح على خير، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١)﴾

стр. 1125

١٠١ - بعد أن فصّلت الآيات (٩ - ١٠٠) في قوامة القرآن على غيره من الكتب السابقة، يعود الخطاب في الآيات (١٠١ - ١٠٤) إلى أول السورة الآيات (٢ - ٨): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى﴾ في بعثته إلى فرعون ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ آيات مادية بيّنة تناسب المستوى الفكري لقوم فرعون ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أيها النبيّ فيتأكّدوا مطابقة الوحي القرآني لما جاء في كتبهم عن هذا الموضوع ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ موسى ينقذهم من عبودية الفراعنة ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أو ساحرا، لما اعتاد عليه فرعون من خداع قومه بفنون السحر، وقد وردت القصة بمزيد من التفصيل في آيات [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٣٧]، وآيات [طه ٤٩/ ٢٠ - ٧٩]، ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾ الآيات البيّنات الماديات المحسوسات الخارقات، ما لا علاقة لها بالسحر ﴿إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ هي دلائل وحجج كأنها بصائر للعقول، تفتح العيون على الإيمان ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ هالكا، بما تصرّ عليه من الضلال، ﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿فَأَرادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أن يمحق بني إسرائيل من أرض مصر، أو أن يزعجهم في أرزاقهم فيها ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ وهو في طريق مطاردته لهم، عند انفلاق البحر لموسى وقومه ثم انغلاقه على فرعون وجيشه، انظر آية [يونس ٩٠/ ١٠]، ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)﴾
следующие страницы →