Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الجنس البشري تائها يتخبّط في البحث عن المقاييس الأخلاقية المطلقة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا﴾ أيها الإنسان ﴿وَكِيلاً﴾ تكل أمورك إليه، أو تعتمد عليه في معرفة الحق من الباطل،
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، لأنّ الرحمة أيضا بمعنى الوحي، انظر آيات [هود ٦٣/ ١١، ٢٨]، حيث سمّى الوحي رحمة، والمعنى: لولا الوحي لما استقامت أمور الإنسان ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان، لأن الله تعالى أنعم على الإنسان بنعمة العقل من جهة، وبنعمة الوحي الإلهي من جهة ثانية،
﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ بكلّ ما يملكون من طاقات الفكر العلمية والتقنية والأدبية ﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في أسلوبه المعجز، ومحتواه العميق المتنوع، وإيحاءاته الروحية المبهرة، ونظمه المحكم ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ولو كانوا يعضدون وينصرون بعضهم بعضا، لأن المسألة ليست مشروطة بتكامل الطاقات في سبيل تكامل النص في إبداعه، بل مرتبطة بالسر الخفيّ وراءه،
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كرّرنا وقلّبنا المعاني القرآنية من كلّ الوجوه والأساليب، ليصبح القرآن قريبا من الأفهام ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ لأنّ فهم أكثر الناس سطحي وضحل ومقتصر على مادية الدنيا، كما سيرد في الآية التالية:
﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠)﴾
стр. 1122
٩٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ يريدون معجزات مادية تلمسها أيديهم بسبب قصور عقولهم عن تقويم القرآن من حيث جدارته،
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ (٩١)
٩١ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ وهذا من قبيل التعجيز، والتهكّم، والتهرّب من مواجهة معجزة القرآن،
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ يقولون ذلك بلهجة من التحدّي، في إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤/ ٥٢]، أي يستعجلون العذاب بسقوط السماء عليهم قطعا ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ وبمزيد من التهكّم والتحدّي يريدون أن يظهر الله تعالى لهم مع ملائكته جماعة،
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من الذهب ﴿أَوْ تَرْقى﴾ تصعد ﴿فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لصعودك في السماء حتى لا تسحرنا بطريقة من الطرق ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ هكذا بطريقة مادية بحتة ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ الجواب أنّ كل ذلك ليس في طاقتي، وما أنا إلاّ بشر مثلكم مرسل من الله، وعليكم استخدام ما حباكم الله به من نعمة العقل، وليس تعطيل عقولكم، ولا التفكير بمثل هذه الطلبات الصبيانية،
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤)﴾
стр. 1123
٩٤ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ في عقلية بدائية تتطلّب الخوارق للإيمان، ما يجمع المتناقضات من كون الرسل ملائكة والمرسل إليهم بشرا،
﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ (٩٥)
٩٥ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ لأن المرسل إليهم يجب أن يكون من جنسهم، ليتناسب فكره مع فكرهم، وقدراته العملية مع قدراتهم،
﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فيما أدّعيه من الرسالة، وما أبلّغه للناس من الوحي ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ فهو أعلم بعباده من مهتدين وضالّين،
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ (٩٧)
٩٧ - بعد أن أسهبت الآيات (٨٢ - ٩٦) في تأكيد أصالة الوحي القرآني، وتحدي ذوي العقول البدائية له بشتى الأساليب الصبيانية، تنتقل هذه الآية والآيات التي تليها (٩٧ - ١٠٠) لبيان أنّ الإنسان بالخيار أن يستفيد من ملكاته العقلية، أو أن يهدرها، وفي الحالتين يلقى عاقبته نتيجة طبيعية لما اختاره من الهدى أو الضلال:
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من يختار الهداية يوفّقه الله تعالى لها ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ من يختار الضلال فالله تعالى يخلّيه لنفسه ولا يقسره على الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ ينصرونهم من دون الله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى﴾
стр. 1124
﴿وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ يحشرون بالحالة التي كانوا عليها في دنياهم إذ أهدروا إمكاناتهم العقلية والفكرية ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾،
﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ لأن إنكارهم البعث والجزاء ليس سوى إنكار لجبروت الخالق وعظمته، بل إنكار لوجوده،
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٩٩)
٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فكيف ينكرون البعث ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يستطيعون تجاوزه، ولا يستطيعون تحقيق ما يطمحون إليه من الخلود في دنياهم ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ رغم كل الآيات القاهرات،
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ بما منّ على الإنسان من نعمة العقل، ونعمة الوحي، ونعمة الأرزاق المادية ﴿إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ رغم كل ما بكم من النعم، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ بما جبل عليه من خوف المستقبل، ظانّا أنه يخلد أمدا طويلا، فلا ينفتح على خير،
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١)﴾
стр. 1125
١٠١ - بعد أن فصّلت الآيات (٩ - ١٠٠) في قوامة القرآن على غيره من الكتب السابقة، يعود الخطاب في الآيات (١٠١ - ١٠٤) إلى أول السورة الآيات (٢ - ٨):
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى﴾ في بعثته إلى فرعون ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ آيات مادية بيّنة تناسب المستوى الفكري لقوم فرعون ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أيها النبيّ فيتأكّدوا مطابقة الوحي القرآني لما جاء في كتبهم عن هذا الموضوع ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ موسى ينقذهم من عبودية الفراعنة ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أو ساحرا، لما اعتاد عليه فرعون من خداع قومه بفنون السحر، وقد وردت القصة بمزيد من التفصيل في آيات [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٣٧]، وآيات [طه ٤٩/ ٢٠ - ٧٩]،
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾ الآيات البيّنات الماديات المحسوسات الخارقات، ما لا علاقة لها بالسحر ﴿إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ هي دلائل وحجج كأنها بصائر للعقول، تفتح العيون على الإيمان ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ هالكا، بما تصرّ عليه من الضلال،
﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿فَأَرادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أن يمحق بني إسرائيل من أرض مصر، أو أن يزعجهم في أرزاقهم فيها ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ وهو في طريق مطاردته لهم، عند انفلاق البحر لموسى وقومه ثم انغلاقه على فرعون وجيشه، انظر آية [يونس ٩٠/ ١٠]،
﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)﴾
стр. 1126
١٠٤ - ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ يعني اسكنوا أرض فلسطين مؤقتا، وليست ميراثا أبديا لهم، فلم يستقم الحكم لهم فيها سوى حوالي أربعة قرون، من القرن العاشر قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ المشار إليها بالآية (٧)، ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ بأعداد كبيرة، لتلاقوا مصيركم المخزي فيها،
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (١٠٥)
١٠٥ - استكملت الآيات (١٠١ - ١٠٤) بإيجاز ما سيكون عليه بني إسرائيل عندما يجيء وعد الآخرة، وهنا يعود الخطاب لإكمال تركيز السورة على فضائل القرآن الكريم وختمه للرسالات السابقة:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ ما يفيد الحصر، أي نزل القرآن بالحق لا غير ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ مشتملا عليه كاملا بلا نقصان ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ بلا إكراه،
﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ تتمة الخطاب بمعنى فرقناه قرآنا، أي فصّلناه ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ﴾ أيها النبي ﴿عَلى مُكْثٍ﴾ بتمهّل وتأنّ ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ مفرّقا على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية، ومع ذلك فهو في منتهى الإحكام والإعجاز في ترتيب توقيفي مغاير لترتيب النزول الزمني، وهذا الواقع يوجب قراءة القرآن متكاملا، وحدة شاملة غير مجتزأة، بعضه على ضوء بعض، انظر آية [طه ١١٤/ ٢٠]،
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧)﴾
стр. 1127
١٠٧ - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فالأمر ليس متوقّفا عليكم، إذ هو معجز بذاته ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا حقيقة الوحي الإلهي في التوراة والإنجيل ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل نزول القرآن ﴿إِذا يُتْلى﴾ القرآن ﴿عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ لما فهموا فيه من الإعجاز وختم الرسالات، وقد دخل الإسلام الكثيرون منهم، ولا يزال الكثير من مفكّريهم يدخلون الإسلام حتى اليوم،
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ تنزّه عن كل ما لا يليق به ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ بتحقق نبوءات الكتب السابقة في القرآن،
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (١٠٩)
١٠٩ - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ كلّما ازدادوا فيه فهما وتعمّقا،
﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠)
١١٠ - استكمال الخطاب من الآيات (١٠٥ - ١٠٩)، أي بعد أن فهمتم القرآن بتمهّل وتأنّ فهما شموليا، واستوعبتم إعجازه، كما فعل الذين أوتوا العلم من قبله، لم يبق سوى الدعاء بالحسنى:
﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ﴾ بصفات الكمال ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ له وحده صفات الكمال ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ للمراءاة تجاه الآخرين، من مسلمين وغيرهم ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ في الدعاء ﴿وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ وسطا، بأن يسمع المرء نفسه،
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)﴾
стр. 1128
١١١ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ وهذه إشارة لزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم اليهود أن عزير ابن الله، انظر آية [التوبة ٣٠/ ٩]، وشرحها ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فكل ما عداه باطل ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ غنيّ عن كل ما سواه ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ عن الأنداد والشركاء المزعومين،
***
стр. 1129
سورة الكهف - ١٨ - مكية
المقدّمة
نزلت خلال السنة الأخيرة قبل الهجرة، واشتق اسمها من قصة أهل الكهف وهي واحدة من قصص رمزية أربعة وردت في السورة بمعان مكملة بعضها لبعض،
اتصال السورة بما قبلها
كان تركيز سورة الإسراء في معظمها، وخاصة في الآيات (٤٦، ٤٥، ٤١، ٨٢ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥، ٨٩)،
على أصالة القرآن الكريم وهدايته لما هو أقوم من الكتب السابقة، وتفتتح سورة الكهف بحمده تعالى أن أنزل الكتاب على عبده محمد ولم يجعل له عوجا:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١/ ١٨)، فبخلاف الكتب السابقة قد حفظه تعالى من التغيير والتحريف،
وفي سورة الإسراء قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، وفي سورة الكهف قوله تعالى: ﴿قَيِّماً﴾ (٢/ ١٨)،
واختتمت سورة الإسراء بالأمر بحمده تعالى وتنزيهه عمّا لا يليق: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (١١١/ ١٧)، ثم تفتتح سورة الكهف بحمده تعالى
стр. 1130
وتبين أن من أغراض القرآن إنذار الذين زعموا لله ولدا: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ (٤/ ١٨)،
وفي سورة الإسراء نهي عن اقتفاء ما ليس للإنسان به علم: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦/ ١٧)، ثم في سورة الكهف أنهم يتخبطون في صفات الله تعالى بلا علم:
﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ (٥/ ١٨)، وتنهى عن الإدعاء إلا بما يعلمه الإنسان يقينا: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ (٢٢/ ١٨)،
وفي سورة الإسراء أن أكثر الناس كفروا بالقرآن رغم إعجازه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٨٩/ ١٧)، ثم تبين سورة الكهف سبب ذلك في طبيعة الإنسان الجدلية:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٥٤/ ١٨)،
وفي سورة الإسراء أنه تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (٢٠/ ١٧)، والسبب تبينه سورة الكهف بأن الدنيا دار ابتلاء: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٧/ ١٨)، وأن الله تعالى يمهل الكفار لعلهم يتوبون: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ (٥٨/ ١٨)،
وفي سورة الإسراء أن الكفار أنكروا البعث: ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٩٨/ ١٧)، ثم في سورة الكهف حتمية البعث: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ﴾
стр. 1131
﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ (٤٨/ ١٨)، وأنه واقع لا محالة: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ (٥٨/ ١٨)،
وفي سورة الإسراء أن ليس لإبليس من سلطان حقيقي على الناس: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (٦٥)، ثم في سورة الكهف أن الضالين اتّخذوا إبليس وأتباعه أولياء بمحض اختيارهم: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٥٠/ ١٨)،
محور السورة
أنّ الدنيا دار ابتلاء: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٧/ ١٨)، ما يوجب تفادي الغفلة وعدم اتباع الأهواء: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢٨/ ١٨)، وأن أمد الدنيا زائل وقصير: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (٤٥/ ١٨)، والمال والبنون زينة زائلة: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦/ ١٨)، والدنيا ليس لها من وجود حقيقي في جنب الآخرة: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧/ ١٨)،
أمّا المجتمعات فتهلك بظلمها: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ (٥٩/ ١٨)، والمجرمون لا يفيقون من غفلتهم إلا على عذاب الآخرة: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً * الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي﴾
стр. 1132
﴿غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠٠/ ١٨ - ١٠١)، وأن أعمال الكفار تحبط يوم القيامة، حتى "الصالح" منها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ (١٠٥/ ١٨)، والمقادير لا تسير دوما بحسب تخطيط الإنسان لها: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (٢٣/ ١٨ - ٢٤)،
وتبرز هذه الحقائق في السورة من خلال أربع قصص رمزية تظهر نسبية الزمن الدنيوي: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (١٩/ ١٨) (قصة أصحاب الكهف)،
واغترار الإنسان بظاهر الحياة الدنيا: ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ (٣٥/ ١٨) (قصة الرجلين)،
وزيف الظاهر من حيث إنه لا يطابق الواقع بالضرورة: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧٨/ ١٨) (قصة موسى مع الخضر)،
وضعف التدبير البشري تجاه الخطة الإلهية: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ (٩٨/ ١٨)، وأن مادية الدنيا ومباهجها لا تتناقض بالضرورة مع الإيمان والاستقامة والعمل ما دامت تذكّر الإنسان مرحلية الدنيا وقصرها: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ (٩٥/ ١٨) (قصة ذي القرنين).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١)
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ محمد ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ للقرآن ﴿عِوَجاً﴾ لأنّ القرآن واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس،
стр. 1133
﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (٢)
٢ - ﴿قَيِّماً﴾ على الإنسان، كما هو قيّم في ذاته ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾ للمجرمين والكافرين برسله وبكتبه ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح،
﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ (٣)
٣ - ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في الأجر ﴿أَبَداً﴾ نعيمهم غير محدود بزمن دنيوي، بل هو زمن مطلق بلا نهاية،
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ (٤)
٤ - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ بمن فيهم المسيحية التي زعمت إن المسيح ابن الله،
﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ (٥)
٥ - ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ﴾ ليس لهم من علم حقيقي بالله تعالى، ولا بكماله وصفاته، ولا علم لهم بما يجوز عليه تعالى وما يمتنع إذ ينسبون إليه الولد ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ لما فيها من كفر وافتراء ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ يستحيل أن يدخل تحت إمكان الصدق أصلا،
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (٦)
٦ - ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن الموقن، أو أيها الداعية المسلم ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها حزنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ بعد تولّيهم عن الإيمان ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ الجليل الشأن، وهو القرآن الكريم ﴿أَسَفاً﴾ على عدم استجابتهم، وعدم استيعابهم لعظمة الدعوة والرسالة،
стр. 1134
﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٧)
٧ - ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من نعم وخيرات ﴿زِينَةً لَها﴾ فانية ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ لأنّ الدنيا دار اختبار، وليست دار مقام، والخطاب استمرار من الآية السابقة، بمعنى أن لا مبرر لأن يهلك المؤمن نفسه حزنا على المصرّين على الكفر، فالله تعالى أتاح للأفراد أن تظهر شخصيّاتهم وتوجهاتهم الحقيقية، أخلاقية وغير أخلاقية تجاه ما تزخر به الدنيا من المادة، والنتيجة: التعلّق الأعمى بها من قبل البعض، مقترنا بكبرياء زائف من قبل البعض الآخر لما تمكّنوا فيها من إنجازات،
﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾ (٨)
٨ - ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ من زينة المادة ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ ترابا لا نبات فيه، فالدنيا زينة طارئة، وحالة عابرة،
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ (٩)
٩ - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ استمرار الخطاب، أي ما دامت الدنيا زينة ابتلاء، فكيف تظنّ أن معجزة أصحاب الكهف، التي سوف ترد، أكثر عجبا من باقي معجزات الخلق؟ فآياتنا كلها عجب، وهذه بداية القصة الأولى في السورة:
والرقيم بمعنى المرقوم، أي السجلّ، وللقصة أصول يهودية تعود إلى الفترة التي عاصرت بعثة عيسى ﵇ مباشرة، وقد تكون الإشارة لطائفة الإسنيين اليهودية Essenes ، وهي طائفة اتسمت بالطهارة والزهد، وقيل كان ينتمي إليها عيسى المسيح نفسه، وقد اعتزلت في كهوف الجبال غربي البحر الميت هربا من الاضطهاد الروماني خلال القرن الأول الميلادي، واستغرقت في كتابة وحفظ السجلات التي أحضرتها معها من القدس، وقد يكون أيضا أن تلك
стр. 1135
السجلات هي التي تم اكتشافها في العام ١٩٤٥ في الكهوف شرقي البحر الميت وعرفت باسم وثائق قمران، وهذه الطائفة حافظت على النصرانية التي جاء بها عيسى ولم تنحرف إلى مسيحية بولس، انظر كتاب "المسيحية والإسلام والاستشراق"،
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ (١٠)
١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ فتية الطائفة المذكورة ﴿إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ من الرزق والأمن ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا﴾ الذي هجرنا فيه دار الكفر ﴿رَشَداً﴾ نهتدي لمعرفة الصواب من الخطأ،
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ (١١)
١١ - ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ جعلنا عليها حجابا يمنع السماع، كناية عن النوم ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ معدودة، الآية (٢٥)،
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ (١٢)
١٢ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ إلى ما كانوا عليه من الحياة في دنياهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ المعنى: من من وجهتي النظر منهم أحصى للمدة الزمنية التي قضوها رقودا، إذ وقع الخلاف بينهم في تحديد المدة، الآية (١٩)، أو أن الخلاف وقع بين من عثر عليهم من الناس، الآية (٢١)، وحيث أنّ علمه تعالى يشمل الماضي والحاضر والمستقبل فيكون المقصود ظهور ذلك العلم لخلقه، وما به من إعجاز،
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ (١٣)
١٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بعيدا عن التخمين وعن الأساطير التي أحاطت بقصتهم ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ فاهتدوا إليه ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾
стр. 1136
على أساس السنة الإلهية التي تمدّ المؤمنين بالفيض الروحاني، فالإيمان أولا ثم اللطف الإلهي،
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ شددنا عليها وقوّينا عزائمهم ﴿إِذْ قامُوا﴾ في مجتمعهم تجاه الطغاة والمصرّين على الكفر والانحراف عن رسالة عيسى المسيح ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً﴾ لا نعبد من دونه إلها آخر ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ لو فعلنا، لقلنا قولا خارجا عن حدود المعقول، مفرطا في البعد عن الحق،
﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (١٥)
١٥ - ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إشارة إلى المسيحية التي ابتدعها بولس وانحرف بها عن ديانة المسيح، وزعم أن المسيح إله أو ابن الله ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجّة واضحة الدلالة على دعواهم ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بنسبة الشرك والشركاء إليه تعالى، أو نسبة الألوهية لغيره،
﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾ (١٦)
١٦ - ﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ اعتزلتم قومكم الكفار ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ واعتزلتم ما يعبدون من دون الله ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ وحده فلم تعتزلوه، ولم تعتزلوا عبادته، وكلّ ذلك قول الفتية بعضهم لبعض ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ التجئوا إليه ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يبسط لكم ويوسّع عليكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم بصدده ﴿مِرفَقاً﴾ ترتفقون وتنتفعون به، من الرفق واللطف واليسر،
стр. 1137
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ (١٧)
١٧ - هذه الآية وصف لجانب من جوانب الإعجاز في رقود الفتية مئات السنين، والمفهوم منها أنهم كانوا في متّسع من كهف، فوّهته متّجهة نحو الشمال الجغرافي: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ﴾ تميل ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ﴾ من جهة المشرق ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تعدل عنهم ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ من جهة المغرب ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ في متّسع من الكهف، تنالهم منه التهوية الكافية دون أن يصيبهم قيظ الشمس مباشرة أو يؤذيهم، ولا عفونة تطالهم أو تبلي ثيابهم ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ الآفاقية الكثيرة، وهو أيضا من آيات الله أن هداهم للرقود في مثل هذا الكهف ذي التهوية والتكييف الطبيعي ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ بتوفيقه ولطفه ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ فيخلّيه تعالى لنفسه ولإصراره، ولسوء استعداده ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ يتولّى حمايته ويبيّن له طريق الصواب،
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رقدتهم كثيرا، لأنّ التقليب يفيد كثرة التكرار ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ لجهة أيمانهم ﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾ لجهة شمائلهم، واقتضت حكمته تعالى ذلك كي لا تأكل الأرض أبدانهم بل يكون حفظها بما جرت به العادة في نومهم من التقلّب يمينا وشمالا، وإظهارا لعظيم قدرته تعالى في شأنهم، إذ جمع فيهم الإنامة الثقيلة والتقليب الكثير ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ في فناء الكهف بحالة استرخاء ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ لأنه لا بد للمشاهد أن يلحظ
стр. 1138
حولهم سرّا خفيّا مريعا غير معتاد، وما هو إلاّ هالة روحية مهيبة محيطة بهم، تثير الروعة في الناظر إليها، فتوحي إليه أنه يقف أمام نخبة مختارة من عباد الله،
﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ (١٩)
١٩ - ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ بعد هذه الإنامة الطويلة ﴿لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اهتمّ أحدهم بمعرفة المدة "الفعلية" التي انقضت ما بين نومهم وإفاقتهم، وغاب عنه نسبية الزمن الدنيوي ﴿قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ الواضح من إجابة الباقين أنهم كانوا مستوعبين لحقيقة أنّ الزمن الدنيوي لا حقيقة "فعلية" له، ولا معنى، في جنب الزمن المطلق، وما بين وجهتي النظر هاتين بين الزمن الدنيوي والزمن المطلق إشارة لقوله تعالى بالآية (١٢): ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾،
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ بدراهمكم ﴿هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ ظنّوا الزمن الدنيوي متوقفا خلال فترة رقودهم، كما في حالة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، انظر آية [البقرة ٢٥٩/ ٢]،
﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ كما أنمناهم وبعثناهم، لفتنا نظر الناس لقصتهم ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ بالموت والنشور ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ الذين اكتشفوا أمرهم ﴿فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً﴾
стр. 1139
صرحا يكون علامة لما حلّ بهم من رقود، وبعث، ثم موت ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ وهكذا تنتهي القصة هنا فجأة، كعادة القرآن الكريم، حيث لا يروي القصص لمجرّد التأريخ بل لبيان العبر منها،
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿سَيَقُولُونَ﴾ في المستقبل بعد مرور الزمن، ممّا يدلّ أن قصة أهل الكهف شغلت أذهان الناس لمدة طويلة ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ من العارفين قطعا ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ لا تجادل في موضوعهم إلاّ بجدال واضح ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ لا تطلب المعرفة من القصّاصين والخائضين فيما لا يعلمون،
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ أيها النبي، أو أيها الإنسان ﴿لِشَيْءٍ﴾ تعزم عليه ﴿إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً﴾ لأنّ الغد ليس في سيطرة البشر في كينونته أو عدمها، وفي ذلك عودة لمفهوم الزمن الذي أوردته القصة،
﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يحين الغد، فيفعل المرء ما شاء الله أن يفعل ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ وجوب إرجاع الأمور إليه تعالى ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ أقرب ممّا أنا عليه من الرشد،
стр. 1140
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ من السنين، وهي الفرق بين حساب السنوات الشمسية والقمرية،
﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قُلِ﴾ للخائضين في الموضوع ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده يعلم الغيب ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ لا تحيطون بسمعه وبصره ﷻ ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يستطيع نصرهم ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ممّن زعموا من الشركاء،
﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (٢٧)
٢٧ - تتمة الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾ بيّنه للناس ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا تبديل فيه ولا نسخ ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ لا ملجأ منه تعالى إلاّ إليه،
﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيها الرسول، وأيها الداعية، وأيها المؤمن ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وهم ضعفاء القوم، لا تحتقرهم ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يبتغون رضاه دون الرياء والسمعة ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ إلى كبار القوم ووجهائهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تطلب مجالسة الأغنياء وأصحاب الدنيا ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أغفلناه بالخذلان
стр. 1141
والتخلية، لبطلان استعداده للذكر ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ في ترك الإيمان ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أي ضياعا وهلاكا،
ومغزى الآية عام ينطبق في كل الأزمنة بمعنى أنّ على المسلم ألاّ يتشدد مع الآخرين إن كانت أفكارهم لا تطابق العقيدة تماما، بل يتسامح ويصبر معهم في شرح المبادئ القرآنية،
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزل به القرآن ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ بلا إكراه، لأن رسالة الإسلام تناشد العقول السليمة ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالإصرار على الكفر ﴿ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ كناية عن استحالة الفكاك منها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح بحسب القاعدة القرآنية ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ لا ينفعهم إيمانهم من دون الإحسان في العمل،
﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٣١)
٣١ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات الخلود ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ جزاء وفاقا لما كانوا عليه في دنياهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ﴾
стр. 1142
﴿ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ تفضّلا منه تعالى،
﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً﴾ (٣٢)
٣٢ - بهذه الآية تبدأ القصة الثانية في السورة، وهي قصة رمزية، أي مثل، وفي الخطاب عودة إلى مغزى الآيات (٧ - ٨) إن الدنيا دار اختبار وهي زينة زائلة: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ حديقتين، أو بستانين ﴿مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً﴾
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ لم تنقص ﴿شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾
﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ وفير ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ على سبيل المفاخرة والاعتداد بالمادة ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ في تلميح ساخر إلى ما هو عليه من الكفر، ونعم الدنيا معا،
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ حديقته ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بحسبانه أن ما فيها من ثمر وفير، وغلال، كان بحوله وقوته لا غير، أي بوسائل الزراعة والري التي نفّذها ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ ناسيا أو متناسيا السرّ الخفيّ وراء خلق المادة الحيّة،
стр. 1143
﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ إمعانا في الانكار، معتبرا دنيا المادة نهاية المطاف ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ قالها على مسمع من صاحبه المؤمن، وفي كلامه من التعريض والسخرية ما فيه،
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ لأن الحوار والمنطق السليم هو القاعدة عند المؤمنين، وليس التهجّم والتشنّج الفكري ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ فكيف يمكن للعقل السليم أن ينسى أو يتناسى أبسط مراحل الخلق البيّنة في اعجازها الهائل؟
﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿لكِنَّا﴾ لكن أنا ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ وحده منبع الخلق والتكوين ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ لا أشرك به المادة ولا الدنيا الزائلة، التي ظننت أنها لن تبيد أبدا،
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أي هلاّ قلت؟ وفيه حضّ صاحبه على القول ﴿ما شاءَ اللهُ﴾ كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿لا قُوَّةَ﴾ حقيقية ﴿إِلاّ بِاللهِ﴾ بتقدير الله ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ أي اعترف بعجزك، وأنّ ما بك من مادة الدنيا كان بتقدير الله،
﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠)﴾
стр. 1144
٤٠ - ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾ قد يحصل ذلك بفضله وكرمه، وتقديره، وسننه في خلقه ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ على حديقتك ﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ مقدّرا من السماء، محسوبا في علم الله القديم منذ خلق السماوات والأرض، كالصواعق والحرائق والآفات ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ ترابا لا نبات فيه، تنزلق عليه الأقدام لنعومته،
﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ (٤١)
٤١ - ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ غائرا في الأرض بفعل عوامل التصدّعات والشقوق الأرضية الجوفية ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ لأنّ المياه الجوفية في هذه الحالة تسلك لنفسها جريانا باتجاهات متغيّرة،
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أحاط الدمار به كاملا بسبب آفة من الآفات ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ندما وتحسّرا ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ في حراثتها وزراعتها ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ خالية ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ سقوفها من عرائش وما تتسلق وتتكئ عليه الكروم والنباتات ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ تذكّر، بعد فوات الأوان، موعظة صاحبه بالآية (٣٨)،
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ صار في حالة من العجز التام الناجز، لا رجعة فيه ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ لا أحد يستطيع نصره، فضلا عن أن ينصر نفسه بنفسه،
﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)﴾
стр. 1145
٤٤ - ﴿هُنالِكَ﴾ في هذه الدنيا، كما في الآخرة ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ وحده ينصر عباده ويتولّى أمورهم، وما عداه باطل ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ في العاقبة،
﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أي بعد كلّ ما تقدّم من قصة الرجلين، وما تبيّن منها من العبر، اضرب لهم مثل الدنيا عموما، تشبيها لها بالمطر ينبت النبات، ثمّ لا يلبث النبات أن يصبح يابسا متفتتا تفرّقه الرياح، وكذا حال الدنيا ﴿وَكانَ اللهُ﴾ منذ الأزل، ولا يزال ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ في الدنيا، وعلى البعث في الآخرة،
﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦)
٤٦ - تتمة الخطاب من الآية المتقدمة، والمغزى نهي عن الغرور بالدنيا:
﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الفانية، فلا يغترّ بهما أحد ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من الأعمال ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً﴾ أجرا ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ لمن يأمل الآخرة ويرجوها، ولا يقتصر أمله على دنياه،
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ يوم القيامة، فتتخلّى الأرض عن حقيقتها الظاهرية ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي من العباد، مؤمنهم وكافرهم،
стр. 1146
﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ لا يفوت منهم أحد ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ وهذا القول للكفار الذين في حياتهم أنكروا حقيقة الآخرة،
﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ كتاب الأعمال ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمّا فِيهِ﴾ من الجرائم والذنوب ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا﴾ يا هلاكنا، أي يتمنّون الهلاك ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ﴾ سجلّ الأعمال ﴿لا يُغادِرُ﴾ لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ من الذنوب ﴿إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في دنياهم ﴿حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لأن الجزاء من جنس العمل، ومترتّب عليه،
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٥٠)
٥٠ - عودة الخطاب لقصة الخليقة الرمزية، ومعصية إبليس، مرتبط بما قبله، باعتبار المجرمين المشار إليهم آنفا قد مارسوا الخيار الأخلاقي الخاطئ في دنياهم:
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تكريم، لما حباه الله من الفكر المجرّد ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كناية عن عناصر الشر التي سوف يكابدها الإنسان في الدنيا ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ أي بدلا من الخيار الأخلاقي الصحيح الواجب اتّباعه،
стр. 1147
﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ (٥١)
٥١ - ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأنهم مجرّد مخلوقات كانوا في دائرة العدم ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ فأي حاجة لله تعالى إلى مخلوقاته؟
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله تعالى يوم القيامة للمشركين ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ في الألوهية كذبا وبهتانا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لأنهم في منتهى العجز، لا يستطيعون نصرة أدعيائهم، ناهيك عن نصرة أنفسهم ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ حاجزا عريضا من الهلاك، والمغزى أيضا وجود حاجز معنوي كبير كان، في دنياهم، يفصل بين خيالهم وبين الواقع، أو يفصل بين خيالهم وبين ما كانوا يعبدون من مخلوقات لا تستحق العبادة،
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا﴾ ظنّ اليقين ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ واقعون بها ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ ينصرفون إليه،
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ قلّبنا لهم وكرّرنا من كلّ الوجوه ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كما ورد آنفا، وفي الآيات المتشابهات، انظر [آل عمران ٧/ ٣]، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ رغم وضوح الحق من الباطل،
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥)﴾
стр. 1148
٥٥ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ أي لم يؤمنوا بسبب طبيعتهم الجدلية المشار إليها، بالرغم من بعث الرسل إليهم بالهداية ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ بالتوبة ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ فهل ينتظرون نزول العذاب بهم؟ كما حدث لأسلافهم من الأمم البائدة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً﴾ وجها لوجه، فعندئذ لا يكون لإيمانهم قيمة أخلاقية،
﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ بلا إكراه ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ﴾ بما صمّمت عليه عقولهم من الباطل، وما انطوت عليه نفوسهم من طبيعة الجدال ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الذي جاءت به الرسل ﴿وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً﴾ تهرّبا من المنطق السليم، ومن مسؤولياتهم الأخلاقية،
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لأن الموضوع ليس سوى ذكرى لما وقر في الإنسان من إقراره بربوبية الله وحده ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾ عن الذكرى ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ من الشرور ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية معنوية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلاّ يفقهوه ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ ثقلا، فلا يسمعوا الموعظة ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ لسوء استعدادهم وسوء جبلّتهم، وإصرارهم على الضلال،
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)﴾
стр. 1149
٥٨ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ وسعت رحمته المؤمنين والعصاة على السواء ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ المغزى: إنّ الله تعالى يعطيهم الفرص لعلهم يتوبون ويصلحون ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ لا منجا ينجون إليه، بعد نقطة اللاعودة، والموعد قد يكون بوفاتهم في الدنيا، كما هو مذكور بالآية التالية:
﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾ بإصرار، ولأزمان طويلة ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ وقتا عندما يحين لا يستأخرون عنه، فلا تستمر شرورهم بلا عقاب،
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ (٦٠)
٦٠ - وهذه القصة الثالثة في السورة، ويلاحظ ارتباط الخطاب مع الآية (٥٤)﴾ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، ما معناه أيضا أن العلوم لا متناهية وخاصة الروحانية منها، ومن ذلك قصة موسى مع الخضر في بحثه عن العلم، وكما في معظم قصص القرآن الكريم نلاحظ التركيز على العبر المستخلصة من القصة، فهي تروى في إطار مجرّد من التأريخ ومن المكان:
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ لخادمه ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لا أنفكّ، ولا أزال أسير حتى ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل هما التقاء خليج العقبة مع خليج السويس في جنوب سيناء، ونسب البعض لمجمع البحرين تفسيرا صوفيا، كما ذكر البيضاوي، حيث قال: هما علم الظاهر الذي نتعلمه من عالم المشاهدة، وعلم الباطن الذي كان يسعى إليه موسى ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ زمانا طويلا في السعي وراءه،
стр. 1150
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ (٦١)
٦١ - ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ مجمع بين البحرين ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نسيا ما كان بشأن السمكة، ويبدو أنها كانت علامة لما هم بصدده من البحث عن المطلوب ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ أي سلك طريقه في البحر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد ١٠/ ١٣]
﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ مجمع البحرين ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ تعبا وإعياء،
﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿قالَ﴾ فتاه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ التي لجأنا إليها وأقمنا عندها ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ عندها ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بوساوس السوء ﴿وَاِتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ قالها مستغربا،
﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ ما كنا نطلبه من علامة، للفوز بالمطلوب ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ يقصّان أثرهما قصصا وهما يعودان أدراجهما،
﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ الجمهور على أنه الخضر، وهو نبي من الأنبياء كان متمكنا في علوم الباطن، ذو نظرة صوفية ثاقبة في بواطن الأمور كأقصى ما يمكن لإنسان أن يتمتع به من هذا النوع ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾
стр. 1151
الرحمة هي الوحي، كما وردت في سورة هود، الآيات [هود ٦٣/ ١١، ٢٨]، ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ علما من عند الله، بالإضافة لما نزل عليه من الوحي، ويبدو أنّ هذا العلم ممّا لم يؤته الله لغير الخضر في الإحاطة ببواطن الأمور،
﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ استئذانا منه لنفسه ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ﴾ ممّا لا أعلم ﴿رُشْداً﴾ علما ذا رشد، يرشدني لأحسن ممّا أنا عليه،
﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ لأنني أنظر في عواقب الأمور قبل وقوعها، وأما أنت فنظرتك جزئية محدودة لا تتجاوز ما أنت عليه في حاضرك، فهنالك فارق زمني داخلي بين نظرتينا،
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ المعنى إنك لن تستطيع فهم الأمور والأشياء على حقيقتها سلفا، فالظواهر والحقائق قد لا تتطابق دوما، حتى بالنسبة إلى الأنبياء كموسى، فالمرء قد يشاهد أمورا من أمور الغيب ليس لها مقابل في ما اعتاد عليه في ذهنه،
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿قالَ﴾ له موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ بلا اعتراض،
﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)﴾
стр. 1152
٧٠ - ﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أذن الخضر لموسى بمرافقته شريطة أن لا يبادره موسى بالسؤال عن شيء قبل أن يبدأه الخضر بالكلام أو البيان،
﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ (٧١)
٧١ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ موسى والخضر معا ﴿حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ جعل الخضر فيها ثقبا لتعطيلها مؤقتا عن الملاحة ﴿قالَ﴾ موسى مستغربا ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ شيئا داهيا منكرا،
﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ المعنى إنّ هذا من جملة الأمور الظاهرية التي تستعصي على فهمك الفوري،
﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بما أخبرتني به من قبل ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ بما نسيت من وصيتك بعدم المبادرة إلى السؤال،
﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ في مسيرهما ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ الخضر ﴿قالَ﴾ موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ طاهرة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بغير حقّ القصاص ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ منكرا جدا،
﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فهذا أيضا من ظواهر الأمور التي خفيت عواقبها عليك،
стр. 1153
﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ سأله موسى أن يعطيه فرصة أخيرة، إن تكرر منه السؤال يترك صحبته ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ قد سمعت كثيرا من الأعذار منّي،
﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ معا متابعين السير ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ طلبا الطعام من أهل القرية ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ بعكس قواعد الضيافة المعروفة عند البدو، ولعلّ أخلاق أهل القرية كانت مغايرة لأخلاق البدو في الكرم ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ جدارا كان على وشك الانهيار ﴿فَأَقامَهُ﴾ الخضر، وأعاد بناءه ﴿قالَ﴾ موسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أجرا قد نشتري به طعاما،
﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ هذا نهاية المطاف فيما سبق واتفقنا عليه من صحبتك لي ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ بما سوف تؤول إليه الأمور في عاقبتها ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ ممّا لم تستطع الصبر عليه لمعرفة العواقب، وممّا هو خارج إدراكك،
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يكسبون منها معاشهم ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ مؤقتا ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ كي لا يغتصبها الملك منهم إذ يجدها غير صالحة للملاحة،
стр. 1154
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وهو لم يكن مثلهما، بل كان طاغيا عاقّا لوالديه ﴿فَخَشِينا﴾ الخشية من قبل الخضر معناها علم اليقين، بسبب نظرته الثاقبة لبواطن وعواقب الأمور ﴿أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ بطغيانه وكفره،
﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ (٨١)
٨١ - ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً﴾ فيكون زكيا طاهرا بخلاف أخيه الطاغية الكافر ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ وأكثر صلة رحم مع أبويه،
﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بهما ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ عن رأيي واجتهادي، بل كل ما فعلته في هذه الحالة، والحالات التي قبلها كان بدافع يفوقني بكثير، وهذا ما يفسّر استخدام ضمير الجمع من قبله في الآيات (٨٠ - ٨١)، ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ﴾ تفسير ومآل ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ من خبراتك المحدودة بالظاهر،
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٨٣)
٨٣ - وهذه القصة الرابعة في السورة، وبها يعود الخطاب مرة أخرى إلى الآية (٥٤)﴾، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبيّ ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ لإبراز بعض العبر من قصّته، واختلف المفسّرون في شخصية ذي القرنين المشار
стр. 1155
إليه في هذه القصة، فهو في القصة رجل مؤمن موحّد، ومن المؤكد إنّه ليس الإسكندر المقدوني الذي خرج من اليونان وغزا المشرق في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، لأنه كان وثنيا، وهو قطعا ليس أحد ملوك حمير اليمنيين الوثنيين كما ظنّ بعضهم، وبما أن معظم القصص القرآنية تضع نفسها خارج إطار الزمان والمكان، وأنها لا تروى قط لمجرّد التأريخ بل لإبراز العبر منها، فليس من فائدة لتقصّي شخصية تاريخية لذي القرنين، ولنا أنّ نعتبر إنّ القصّة رمزية بحتة، تمشيا مع الآية (٥٤) إنه تعالى صرّف في القرآن من كلّ مثل:
والقرنان في القصة قد يرمزان إلى مصدرين متفاوتين، ومتكاملين من مصادر القوة، إحداهما القوة المادية الدنيوية، والثانية القوة الروحانية المنبثقة من شدة الإيمان بالله تعالى، وهو ما تمتّع به ذو القرنين المشار إليه،
﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا التمكين هو جانب القوة المادية الدنيوية ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ آتاه الله تعالى كل الوسائل التي يحتاجها ذو القرنين للتوصّل إلى غاياته،
﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي استخدم الأسلوب الصحيح في التوصّل إلى ما يبغيه، والمغزى أنّ ذي القرنين لم يستخدم قطّ طرقا ملتوية للتوصّل إلى غاياته الشريفة،
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أقصى رحلته غربا ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ عكرة، وقد تكون كناية عن شاطيء المحيط الأطلسي الذي
стр. 1156
كانت العرب تسميه بحر الظلمات، وقد تكون إحدى البحيرات الضخمة العكرة، حيث يخيّل للناظر وقت الغروب إنّ الشمس تغرب فيها بسبب كروية الأرض ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً﴾ من من الواضح إنّ هؤلاء القوم كانوا منغمسين في كل أنواع الشرور والفساد بدليل تتمة الآية: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ تعذّبهم بسبب ما هم عليه من الفساد ﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أو تصلحهم بالحسنى، فترك له باب الاجتهاد مفتوحا يجتهد برأيه، وهذه عبرة مستفادة من القصة،
﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ وأصرّ على الظلم ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ في دنياه لعله يتوب ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ في الآخرة، وقوله نكرا أو منكرا يفيد إنّ مدارك الإنسان الدنيوية تعجز عن مجرّد تخيّل الآخرة،
﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ للصالحين من القوم ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ المعنى إنّ ذي القرنين لن يطلب منهم تحمّل ما لا يطيقون، فالعمل الصالح هو الشيء الطبيعي المتوقّع من الصالحين، والدين يسر وليس عسرا،
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ مرة ثانية، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أقصى المشرق من حملته ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ يحتمل إنّه لم يكن ما يقيهم من
стр. 1157
أشعة الشمس، من ثياب أو خيام، بل كانوا يعيشون حياة بدائية جدا، في سهولهم، أو غاباتهم، فتركهم على ما هم فيه، غير راغب في إفساد بيئتهم وما هم عليه من طريقة العيش، دون أن يسبب لهم البؤس، ولا إفساد خلق الله، وهي عبرة أخرى من القصة،
﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ (٩١)
٩١ - ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ من عزمه على عدم إفساد البيئة الطبيعية، أو أحطنا بما لديه من حسن التلقّي وجودة العمل،
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ مرة ثالثة، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ توجّه إلى وجهة أخرى، مكوّنة من سلسلتي جبال، ليس من المهم تقصّيها جغرافيا ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ من دون السدّين ﴿قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يتكلمون لغات مختلفة، أو إنهم كانوا شديدي السذاجة والبساطة،
﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يغيرون علينا ويسلبون أموالنا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ مالا يكون أجرا لك ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حاجزا حائلا بيننا وبينهم،
﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥)﴾
стр. 1158
٩٥ - ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ من أي خرج تعرضونه عليّ، فالله تعالى قد أنعم علي بالرزق الروحاني، فضلا عن نعمه الدنيوية ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أساعدكم لوجهه تعالى ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ حاجزا بين الجبلين من الردم فلا يصلون إليكم،
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فلزّات الحديد ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ صدفي الجبل ﴿قالَ اُنْفُخُوا﴾ لإضرام النار ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً﴾ متوهّجة تذيبه ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ﴾ أصبّ ﴿عَلَيْهِ قِطْراً﴾ من فلزّات النحاس،
﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿فَمَا اِسْطاعُوا﴾ يأجوج ومأجوج، بعد ذلك ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يتجاوزوه على ظهره بالنظر لارتفاعه ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ ولا أن يجعلوا فيه فتحات يدخلوا منها،
﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿قالَ﴾ ذو القرنين ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ للعباد، إذ يمنع العدوان ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يوم القيامة ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أرضا مستوية، مدكوكا مسوّى بالأرض ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ واقعا لا محالة، وهنا تنتهي فجأة قصة ذي القرنين، ليستأنف الخطاب في الآيات التالية بما تكون عليه الحال يوم القيامة، وأما يأجوج ومأجوج فقد حيكت حولهم الكثير من الأساطير، وزعم البعض أنهم المغول والتتار، أو قبائل شرق آسيوية غيرهم، ولم يثبت ذلك، والظاهر أنها إشارة لا تنطبق على أقوام بعينهم، وإنّما إلى مجموعة من الأقوام والأحداث والكوارث تهدم الحضارات وتسبق وقوع الساعة، انظر آيات [الأنبياء ٩٦/ ٢١ - ٩٧]
стр. 1159
﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ (٩٩)
٩٩ - الواو في بداية الآية واو الاستئناف، وليست واو العطف، لأنّ الآية بداية الخطاب جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الناس جميعا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ للحشر والحساب،
﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتى لم يبق عندهم أيّ شك بها بعد كشف الغطاء،
﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ لأنّ دنيا المادة أعمتهم ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ لشدة انهماكهم في اللهاث وراء المال والسلطة والتسلّط، نسوا الآخرة ولم تنفع فيهم المواعظ فكأنما بهم صمم،
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ كما فعلت المسيحية بتأليه عيسى المسيح ووالدته مريم ﵉ ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر بلا توبة ﴿نُزُلاً﴾ في آخرتهم،
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ الذين تذهب أعمالهم هباء منثورا،
стр. 1160
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (١٠٤)
١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ وهم المشار إليهم بالآيات (١٠١ - ١٠٢) نسوا الله، وعبدوا الدنيا، وأشركوا الأوهام، وعموا عن الآخرة، ثمّ هم مغتبطون بما هم عليه من الضلال،
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ (١٠٥)
١٠٥ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أنكروا الآيات والبعث والحساب ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ حتى "الحسنة" منها ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ لأنه مهما قاموا في الدنيا من أعمال "صالحة" فإنها تحبط، وتصبح لا شيء، تجاه ما كانوا عليه من شرك وضلال،
﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الاحباط في أعمالهم ﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا﴾ لأنهم أصرّوا على الكفر ﴿وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ فلا يفيدهم مع الضلال شيء،
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (١٠٧)
١٠٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ القاعدة القرآنية بقرن العمل الصالح مع الإيمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولأنّ العمل الصالح يحبط مع الكفر كما تقدّم ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ في آخرتهم،
﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ لا يأسفون على ما تركوا من دنياهم، بخلاف الكفار يتوقون للعودة إلى الدنيا، لعله تكون فرصة أخرى لهم فلا يستطيعون،
следующие страницы →