← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حتى تفجّر ماء زمزم فأنقذهما، فصار السعي بين الصفا والمروة رمزا للابتلاء والإيمان المطلق برحمة الله والصبر على الشدائد، وهذا أيضا من علاقة الآية بما قبلها فهو تحقيق لما ذكر بالآية (١٥٥) من أنه تعالى يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وأنّ الله مع الصابرين (الرازي)، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ كان الناس في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة تعظيما لصنمين كانا عليهما، ولذا تحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فبيّنت الآية أنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ من تطوّع خيرا فاعتمر فإنّ الله شاكر لعمله، عليم به، فالحجّ فريضة، والعمرة تطوّع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - في هذه الآية عودة إلى أصل السياق وهو عداوة اليهود للنبي ﷺ وإنكارهم مكان القبلة، وكتمانهم البشارات بقدوم النبيّ الأحمد، كما كتموا الدلائل على نبوّة المسيح من قبل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ قالوا: إن المقصود بالكتاب هو كتاب اليهود والنصارى، فتكون الإشارة بهذه الآية لهم، لأن أحبارهم وعلماءهم كانوا يحتكرون علم الكتاب ولا ينشرونه بين عامة الناس، بل إنهم كتبوا غيره من عندهم، ولم يترجم كتابهم المقدس إلى اللغات الأوروبية إلاّ في القرن السادس عشر، ويحتمل أن تكون العبرة بعموم اللفظ أي لا يجوز كتمان ما أنزل على الأنبياء من الكتب والوحي والعلم ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ أصل اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد وفي الشرع هو الإبعاد من رحمة الله ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون يسألون ربّهم أن يبعد الكفّار من رحمته، والمغزى أنّ جميع الكائنات تراهم جديرين بلعنة الله.

стр. 107

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن الكتمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم باتباع البيّنات والإسلام ﴿وَبَيَّنُوا﴾ جاهروا بعلمهم وعملهم وبيّنوه للناس ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم، وقد أسند تعالى إلى ذاته العليّة فعل التوبة الذي أسنده إليهم ﴿وَأَنَا التَّوّابُ﴾ يصف نفسه بكثرة الرجوع إلى العبد والتوبة عليه حتى لا ييأس العبد من رحمة ربّه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم الله تعالى رغم التفريط العظيم منهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أصرّوا على كفرهم حتى ماتوا، بالمقابلة مع الذين تابوا المذكورين في الآية السابقة ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ جميع من يعلم حالهم من الكائنات يراهم جديرين بلعنة الله وهي الحرمان من رحمته. ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية ولازمة لأعمالهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، لأنّ الإمهال كان في الحياة الدنيا. ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ تنبيه للمشار إليهم في الآيات السابقة ممّن يكتمون البيّنات والمصرّين على ضلالهم وشركهم، أنّ الخير والرحمة بيد الله وحده، فلا رجاء من غيره، وهذه الآية أيضا هي أساس التوحيد. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾

стр. 108

﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٤) ١٦٤ - إثباتا لما ورد في الآية السابقة تشرح هذه الآية بعض الآيات الكونية الدالّة على التوحيد، وعلى رحمة الله، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، وهي تحثّ الإنسان على استخدام العقل ودراسة العلوم والتفكير في العجائب اليومية للطبيعة، بما فيها الناتجة عن عبقرية الإنسان نفسه كالسفن التي تجري في البحر، وكلّها مؤشرات على وجود سلطة عليا مدبّرة للكون. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً﴾ أي رغم كل البراهين والدلائل الكونية القاطعة، ممّا هو مذكور في الآية السابقة، فمن الناس من يتّبع من دون الله أندادا، والندّ هو الذي يطلب منه ما لا يطلب إلاّ من الله ، ومنهم الأحبار والأسياد والرؤساء والزعماء الذين يطيعهم البعض فيحلّون بطاعتهم ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، أو يعتمدون عليهم في دفع المضار وجلب المنافع متوهّمين فيهم السلطة الغيبية، أو يتّبعون رؤساهم لارتباط مصالحهم الدنيوية بهم في المادة والجاه ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ يحبّون الانقياد لهم والتقرب إليهم، كحبّ المؤمنين لله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ وليس للأنداد ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ وجواب (لو) محذوف: أي لعلموا أنّ أسيادهم عاجزة لا تنفعهم. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا﴾ تنصّل الزعماء من أتباعهم، كما هو مفصّل في آيات [الأعراف ٧/ ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ الذي نتج عن

стр. 109

سوء عملهم ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ زالت العهود بينهم وما كانوا يتواصلون به من الضلال. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ عودة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا﴾ وهم السذّج الذين استسلموا لخداع زعمائهم، والانتهازيين الذين تهالكوا على مصالحهم الشخصية في الحياة الدنيا فرجّحوا طاعة أسيادهم على طاعة الله ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ فالعذاب بنتيجة الحسرة على ما قدّموا من سييء الأعمال ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ لأن فترة الاختبار تكون وقتئذ قد انتهت، فليس من فرصة ثانية بالعودة إلى هذه الدنيا كما يتمنّون. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - يلاحظ اتصال الكلام بما قبله، لأنّ البعض يطيع الأنداد في التحليل والتحريم بلا أساس من الكتاب والسنّة، فيقرّون للأنداد بحق إصدار تشريعات ذات صفة دينية أو شبه دينية، إضافة إلى العادات الاجتماعية التي سوّغتها التقاليد، وهيمنت عليهم، فصارت ملزمة لهم أكثر من الشرع: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً﴾ كلوا بطريق الحلال ﴿طَيِّباً﴾ وصف الحلال وحده أنه طيب، وهو أمر بطرح المحرّمات المنبثقة عن الخرافات والعادات والتقاليد، لأنّ الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما نصّ على حرمته الكتاب والسنة ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لأنه يزيّن للناس ضلالهم ويزين لهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

стр. 110

﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ﴾ الفحشاء المعاصي الكبيرة القبيحة ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ الإشارة إلى الشرائع الوضعية التي يبتدعها البشر من عند أنفسهم وينسبونها إلى الدين كما تفعل المجمعات المسكونية، وإلى التكاليف «الشرعية» التي يقرّها البعض من دون سند قطعي من القرآن والسنة الصحيحة ويجعلونها جزءا من العقيدة يلزمون به الناس. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) ١٧٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الكفار مصرّون على التقليد، ومبررهم الوحيد لاتّباع المعتقدات الخاطئة والمحرّمات أنهم توارثوها من التقاليد جيلا بعد جيل بلا تفكير، مفضّلين عقول آبائهم على عقولهم، ولذلك شبّههم تعالى بالبهائم في الآية التالية ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي لا يعقلون شيئا من الشرائع الإلهية، ولا يهتدون سبيلا إلى مصالحهم الدينية والدنيوية. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١) ١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ شبّه تعالى الذين صمّموا على الكفر بالبهيمة التي تشعر بنداء المنادي - الراعي - فلا تفقه منه سوى أنّه مجرّد تصويت ونداء، ولا تفهم معناه، والمعنى أن الكفرة، لكونهم أسرى لأفكارهم أو لانهماكهم في التقليد، لا يفكرون فيما يتلى عليهم من الوعظ ولا يتأمّلون فيه ولا يستوعبونه ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صمّ عن سماع الحق سماع الفهم والتفكّر، ولا يتكلمون به عن اعتقاد وعلم، ولا يبصرون آيات الله في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ينقادون لغيرهم كما تتبع البهائم الراعي دون أن يفقهوا النداء.

стр. 111

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢) ١٧٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ توسيع الحلال وإباحة ما في الأرض، سوى ما حرّم عليهم كما هو مبين في الآية التالية، والمغزى عدم مشروعية المبالغة في الزهد بتعذيب النفس وتحقير الجسد وترك حاجاته الطبيعية، كما يفعل الرهبان وبعض المتصوّفة ﴿وَاُشْكُرُوا لِلّهِ﴾ بالقول والعمل ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فلا تتبعوا الآباء، ولا التقليد، في التحليل والتحريم (الآية ١٧٠)، بل اتبعوا القرآن. ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وفي آية [المائدة ٥/ ٣] مزيد من التفصيل عن اللحوم المحرّمة ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ هو ما يذبح قرابين لآلهتهم أو أنصابهم أو قدّيسيهم ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ اضطرته الحاجة الشديدة وهو لا يبتغيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ ولا يتعدّى حاجته فيه ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوله عند الضرورة لأن إلقاء النفس إلى التهلكة أشد ضررا من أكله ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لما فعل ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرخصة فيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب اسم جنس لكل ما نزل من الوحي على الأنبياء ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ كل ثمن يؤخذ عوضا عن الحق فهو قليل ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ﴾ أي يأكلون في بطونهم الأغراض الدنيوية التي تهالكوا عليها فتكون سببا لدخولهم النار ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ كناية عن إعراضه تعالى عنهم وغضبه عليهم

стр. 112

﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يطهّرهم من ذنوبهم بالمغفرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ بنتيجة عملهم. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ كأنّ رأس مالهم الهدى فتخلوا عنه واختاروا عليه المآرب الدنيوية العاجلة ﴿وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ لأنّ المتهالك على الدنيا في عذاب دائم فهو دوما في طلب المزيد ولا يقنع بشيء، عدا عذاب الآخرة الذي ينتظره، فكأنّه فضّل العذاب على مغفرة الله ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ أي ما أجرأهم على العمل الذي يقرّبهم إلى النار. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ ذلك تشير إلى الحكم المذكور بالآيتين السابقتين هو بسبب أنّ الوحي نزل متضمنا بيان الحق ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ الذين أنكروا الكتاب أو كتموا بعضه أو رفضوا بعضه الآخر ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ بعيدون جدا من الصواب، وفي خصام كبير فيما بينهم فتراهم فرقا وشيعا كل منهم يبتكر من أفكاره الخاصة ما يظنه بديلا عن الكتاب، ومصداق ذلك ما نشاهده اليوم من تفرق أهل الكتاب شيعا بالمئات، كل كنيسة وفرقة منهم ذات عقيدة مختلفة عن الأخرى. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.

стр. 113

١٧٧ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ المعنى أنّ مجرّد التقيد بالشكليات والمظاهر الخارجية لا يكفي للتقوى، والإشارة للآية (١٤٢) التي تتضمن اعتراض السفهاء على التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، لأنّ البرّ هو ما ثبت في القلوب من الإيمان وما يظهر من أثره في النفوس من العمل وليس البرّ مجرّد الصلاة من دون عمل ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذكر الإيمان باليوم الآخر بعد الإيمان بالله، لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي اليقين بتحقق العدالة في كل الأمور، وأن الحياة الآخرة ليست سوى استمرار للحياة الدنيا بشكل آخر، أو هي مرحلة مترتبة عليها ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ﴾ المراد بالكتاب اسم جنس وهو كل ما نزل من الوحي على الأنبياء، وذكر الملائكة لأنها متضمنة في الإيمان بالغيب الذي لا يدركه البشر بحواسّهم ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ بلا تفريق بينهم ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أي رغم حبّه للمال، أو لأجل حبّ الله، والمقصود بإيتاء المال غير الزكاة، لأنّ الزكاة وردت مستقلة في تتمة الآية، أخرج الترمذي والدارمي عن فاطمة بنت قيس أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «إنّ في المال حقّا سوى الزكاة» ثم تلا هذه الآية، وقد أجمعت الأمة أنه عند الضرورة ينفق المرء من ماله ما يدفع الضرر وإن كان أدّى الزكاة بكاملها (الرازي)، ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ ذوو القربى أحق الناس بالنفقة والبر وصلة الرحم ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ﴾ والمساكين أي أهل السكون من الفقراء قعد بهم العجز عن كسب قوتهم فسكنت نفوسهم على ما هم عليه، لأنّ نفوسهم تأبى الاستجداء ﴿وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر الذي انقطعت به سبل العيش بسبب ظروفه، واللاجئين، ومن في المنفى ﴿وَالسّائِلِينَ﴾ الذين تدفعهم الحاجة للسؤال ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ العتق من العبودية، لأن التخلص من الرق هو أحد الأهداف الاجتماعية في الإسلام، وكان يستحيل إلغاء الرق بصورة فورية وقت نزول القرآن لما يسببه من خلل في النظام الاقتصادي الشائع آنذاك ولذا هدف الإسلام

стр. 114

إلى التخلّص منه تدريجيا، وفي آيات عديدة من القرآن أوجب تكفير الذنوب بإعتاق العبيد [النساء ٤/ ٩٢]، [المائدة ٥/ ٨٩]، [المجادلة ٥٨/ ٣] وكما في أحاديث شريفة عديدة أيضا ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ على أكمل وجه ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ قلّما تذكر الصلاة في القرآن إلاّ مقرونة بالزكاة لأنّها تصديق لها ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ وهنا انتقال من البر في العمل إلى البر في الأخلاق الحميدة والمعاملات والوفاء بالعهود ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ البأساء هي الفقر، والضراء ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب من أهل ومال، وكلمة ﴿الصّابِرِينَ﴾ مفعول به منصوب على المدح، تقديرها: وأمدح الصابرين، أو أخص بالذكر منهم الصابرين ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ البأس اشتداد الحرب، لأنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ صدقوا في الإيمان بأن قاموا بكل ما ذكرته الآية، وليس مجرّد الإيمان بأفواههم دون عمل ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ المتقون للأخطاء والمهالك وسوء الآخرة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾ بعد أن حدّدت الآية السابقة أنّ التقوى ليست عبادات فقط بل هي عمل أيضا، انتقل البحث في هذه الآية إلى تطبيقات حياتية ذات علاقة بسلوك الإنسان، فكما أنّ التقوى لا تتمّ من دون الأعمال الصالحة، فكذلك الاستقامة الفردية لا تتمّ ما لم يكن هنالك اتّفاق في المجتمع على الحقوق والواجبات الاجتماعية، أي أن يكون هنالك قانون عملي يضبط سلوك الفرد تجاه المجتمع والعكس، ولذا فإنّ التشريع يشغل حيّزا كبيرا في النظام الإسلامي، ونرى الآيات التشريعية متداخلة مع الآيات الغيبية، وبما أن سورة البقرة كانت أول ما نزل من الوحي في المدينة

стр. 115

بعدما أصبح للمجتمع الإسلامي في المدينة كيانا خاصا، وبما أن الحفاظ على حياة الإنسان هي أهم مشكلة تواجه أي مجتمع فقد لزم أن ينزل التشريع بذلك أولا، قال الرازي إن كلمة القصاص في اللغة تعني «التسوية»، فالقصاص عبارة عن تسوية، وقيل أيضا إن معنى القصاص هو مقاصّة ديّات بعض القتلى بديّات بعضهم الآخر، وقال عدنان الرفاعي بل هو قصّ أثر المجرم والقصاص منه دون غيره، فالآية تحدد بوضوح أن القصاص يجب أن يكون من القاتل فقط، وتنهى عن تجاوزه إلى غيره ممّن لم يقتل، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ولا يزالون حتى في العصر الحاضر على العديد من المستويات، فكانوا في الجاهلية إذا قتل عبد من قبيلة سيدا من قبيلة أخرى لم يكن دم العبد كفؤا لدم السيد القتيل، فلا يكتفون بقتل العبد بل يقتلون أسيادا من قبيلة العبد ممّن لا علاقة لهم بالجريمة، وبالعكس إذا كان القتيل عبدا والقاتل سيدا فيقولون إن دم العبد أقل من دم السيد فلا يجوز قتل السيّد، لذا نصّت الآية أنّ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ الإعجاز في الآية واضح، فقد ضربت مثلا بهذه الحالات الثلاثة: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، لبيان مبدأ عدم التجاوز في القتل إلى غير القاتل، أي لا يقتل بالقتيل غير قاتله، مهما كانت المرتبة الاجتماعية لأيّ منهما، ولم تتطرق الآية إلى حالات أخرى مثل أن يقتل العبد حرّا أو العكس، أو أن يقتل رجل امرأة أو العكس، فيكون معنى الآية كما يلي: إذا ارتكب الحرّ جريمة قتل فيطبق عليه القصاص، وإذا ارتكب الجريمة عبد فيطبّق عليه القصاص … إلخ، أي يجب تطبيق القصاص على القاتل فقط، بغضّ النظر عن شخصيته ومركزه الاجتماعي، ولا يشترط أن يكون القصاص قتلا، وإنّما يتوقف على ظروف جريمة القتل إن كان قتل عمد، أو دفاع عن النفس، أو قتل خطأ .. الخ، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الإشارة في ضمير

стр. 116

الغائب بكلمة «أخيه» تعود إلى القاتل، أما الأخ نفسه فهو القتيل، أو ولي أمره من عائلته، ويمكن أن يكون شخصية معنوية مجسّدة بالمجتمع في جهازه الإداري والقانوني، وهو المحامي العام، وبالتالي فإنّ عبارة ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ تشير إلى احتمال الظروف المخفّفة، إذا كان القتل خطأ أو بسبب استفزاز أو دفاع عن النفس … إلخ وفي مثل هذه الحالات لا يلزم قتل القاتل وإنّما يكتفى بتغريمه ديّة القتيل كما نصّت الآية (٩٢) من سورة النساء ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الظروف المخففة يجب أن تتبع بالمعروف، أو المطالبة تكون بالمعروف ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ تسديد الدية يجب أن يتمّ دون مماطلة، ثم إبراء ذمة القاتل من قبل وليّ المقتول ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ في هذه الحالات ﴿فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ من اعتدى بعد أن تتم التسوية فله عذاب أليم، في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لقوله ﷺ : «لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية» أي إنّ ولي المقتول إذا أخذ الدية ثم قتل غريمه بعد ذلك فيطبّق عليه القصاص، وله عذاب أليم في الآخرة لقوله تعالى ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ لأن خوف القصاص في ذاته رادع عن القتل فيكون في ذلك حياة الجميع، والمغزى أنّ القصد من القصاص ليس الانتقام وإنّما المحافظة على حياة الأفراد وأمن المجتمع ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ ذوي التفكير السليم والعقل الكامل ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلكم تتقون الاعتداء وتكفّون عن سفك الدماء، وتتقون الفوضى الاجتماعية. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - يلاحظ التسلسل المحكم في سياق الآيات بدءا من آية التوحيد (١٦٣)﴾ وما يتبعها من شرح له، وما يترتب عليه من أمور عملية كالبر والتقوى

стр. 117

وعدم الاقتصار على الشكليات، ثمّ البحث في الأبعاد الاجتماعية لذلك حفاظا على الأرواح والممتلكات (تشريع القصاص في الآية السابقة)، وتشريع الوصية في هذه الآية حفاظا على توزيع المال بالشكل العادل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ المراد حضور علامات الموت كالمرض الشديد، وفي الحديث: «ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده»، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ قالوا إنّ لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو تأكيد على وجوب الوصية، وقد ورد وجوب الوصيّة أيضا في سورة المائدة [المائدة ٥/ ١٠٦]، وفي آية المواريث بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ٤/ ١٢]، وتنصرف الوصية إلى ما لا يزيد عن ثلث المال كما في الحديث الشريف، وهي أولا للوالدين بالإضافة لما نصّت عليه آية الإرث [النساء ٤/ ١١] أي في حال حاجتهم ووجود الخير الكثير في التركة، وثانيا الأقربين ممّن لا يرثون الشخص من أقاربه، وثالثا لأعمال الخير ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ التكليف بالوصية واجب على المتقين، فبالأحرى أن يعمّ المتقين وغيرهم، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ كلمة إنّما للحصر أي من بدّل محتوى الوصية أو بدّل ما سمعه أو علم به من الوصي فيتحمّل وحده إثم التبديل، ولا يأثم من استفاد من التبديل من دون علمه، لأنّه تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فهو تعالى سميع للوصية عليم بها، ولا يخفى عليه تبديلها. ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٨٢).

стр. 118

١٨٢ - ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً﴾ أصل الجنف الميل نحو الهوى، والفرق بين الجنف والإثم أنّ الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا لم يعدل الموصي في وصيته، سواء خطأ أو عمدا، فتنازع في ذلك الموصى لهم، أو تنازعوا مع الورثة، فدخل بينهم وسيط وأصلح الخطأ ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق، وهو بخلاف المذكور في الآية السابقة، فالله تعالى أوجب الإثم على الذين يبدّلونه في الحالة الأولى، وأزاله عنهم في الثانية ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالمصلح. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣) ١٨٣. بعد تشريع القصاص في القتلى، وتشريع الوصية، ينتقل الخطاب إلى تشريع الصيام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي أنّ الصوم عبادة قديمة فرضها تعالى على الأمم من قبل ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لعلكم تتقون المعاصي. ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيام شهر رمضان ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ رخصة للمريض وللمسافر بالإفطار في رمضان، وصيام غيره من الأيام ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ يطيقونه بمشقة شديدة، أي يقدرون على الصوم مع المشقة الشديدة، فعليهم إطعام مسكين عن كل يوم فطر لا يصومونه، وأيضا في حال الإفطار لمرض أو

стр. 119

لسفر يصوم أياما أخر، ويطعم المساكين إن كان ذلك في طاقته، فيعود الضمير في ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ إلى الإطعام ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ من تطوّع بزيادة الفدية بإطعام أكثر من مسكين واحد عن كل يوم فطر، أو من تطوّع بالصيام زيادة على الأيام المعدودات، أو بإطعام أكثر من مسكين، فذلك خير له ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو أدركتم ما في الصوم من مغزى ومقاصد لعلمتم أنه خير عظيم لكم. ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ تفسير للأيام المعدودات المشار إليها في الآية السابقة، أي هي أيام شهر رمضان ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وهي الحكمة في تخصيص هذا الشهر بالصيام، لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، والمقصود ابتداء التنزيل في ليلة القدر من شهر رمضان لقوله تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ٩٧/ ١]، ثمّ نزّل نجوما، أي متفرقا، خلال ثلاث وعشرين سنة، والآية تثبت أنّ بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة، فلمّا كان رمضان مختصّا ببدء نزول القرآن وجب أن يكون مختصّا بالصوم ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ القرآن هدى للناس أجمعين ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى﴾ فيه آيات واضحات تهدي إلى الحق ﴿وَالْفُرْقانِ﴾ فيه معايير التفريق بين الحق والباطل ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ من كان منكم حاضرا حلول الشهر فليصمه، وقد لاحظ الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار أنه تعالى قال ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ ولم يقل «فصوموه» وهذا من إعجاز القرآن، فكما أنّ القرآن لم يحدد مواعيد الصلاة فلنفس الحكمة خاطب الأفراد في الصوم ولم يخاطب الجماعة، لأن القرآن موجّه لجميع البشر في

стр. 120

جميع أنحاء العالم، فمن البلاد كالمناطق القطبية ما لا شهور لها ولا أيام معتدلة المدة وقد يصل الأمر ببعض المناطق أن تكون السنة كلها يوما وليلة فترك تعالى لهم أن يقدروا لليوم قدره، وللشهر قدره، في تحديد مواعيد الصلاة والصوم ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلاّ يتوهّم البعض أنها غير محمودة في رمضان ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تعليل لما قبله ولسائر ما يشرع من الأحكام أن يكون الدين يسرا تاما لا عسر فيه ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وهي استيفاء صيام الأيام المعدودات ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ لتكبّروا الله عند انقضاء الشهر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لأنّه تعالى، مع جلاله وعزّته واستغنائه عن جميع المخلوقات، خصّ عبيده بهذه الهداية العظيمة فصار ذلك داعيا لشكره. ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) ١٨٦ - ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ بعد أن أوجب تعالى الصوم على عباده وأمرهم بالتكبير الذي هو ذكر الله، بيّن أنه بلطفه ورحمته قريب من العباد لا واسطة بينه وبينهم ولا حجاب ولا شفيع ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة»، لأنّه الصلة بين الإنسان وخالقه، ويجب أن يقترن الدعاء بالعمل بأن يتّخذ المرء الأسباب الموضوعية بطرقها الصحيحة من العلم والعزيمة والجهد، ثمّ يكون الدعاء بطلب التوفيق من الله، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤١] فجعل الاستجابة متعلقة بمشيئته تعالى، وفي الحديث: «ما من أحد يدعو الله إلاّ آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم». ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ بالطاعة وبالعمل ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إيمانا يقينيا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ حتى يستجيب تعالى لدعائهم.

стр. 121

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١٨٧) ١٨٧ - ثم توضح هذه الآية حل الجماع ليلة الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ الرفث هو الجماع، وكان المسلمون الأوائل يظنّون حرمة الجماع بعد صلاة العشاء في رمضان، فأزالت الآية هذا الظن ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ تشبيه الزوجين باللباس لأنهما عندما يعتنقان يصبح كلّ منهما للآخر كالثوب الذي يلبسه فسمّي كلّ منهما لباسا لصاحبه ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تختانون أنفسكم: بمعنى عدم الوفاء لأنفسكم بحاجتها، أي تنقصونها حاجتها بعدم الجماع ليلة الصوم ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ﴾ فلا يحملكم مشقة ذلك لأن الإسلام يسر وليس عسرا، والتوبة من الله على العبد الرجوع إليه بالرحمة والإحسان، وأمّا العفو فهو التجاوز عن العقوبة ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ لفظ المباشرة مشتق من تلاصق البشرتين عند الجماع ﴿وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ من المباشرة، يعني ابتغوا هذه المباشرة التي كتبها الله لكم وكنتم تظنّونها محرّمة، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، لأنه ما دام الإنسان يفكر بطلب اللذة والشهوة فلا يمكنه التفرّغ للطاعة والتعبّد، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهنّ حتّى تتخلّصوا من تلك الخواطر المانعة للتعبّد وبعدها ابتغوا ما كتب الله لكم من التعبّد والذكر والتسبيح (الرازي)، أو ابتغوا ما كتب الله لكم من المباشرة التي جعلها تعالى من طبيعة الحياة ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ كناية عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل وقت الفجر ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى غروب الشمس عندما يبدو سواد الليل في الأفق الشرقي ﴿وَلا﴾

стр. 122

﴿تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ الاعتكاف هو المكوث في المسجد بعيدا عن مشاغل الدنيا بقصد التعبد والتأمّل ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي التي تحدد الأعمال ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ مجرّد الاقتراب منها، وهو إرشاد إلى الاحتياط في أمرها ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٨) ١٨٨ - بعد تشريع الصيام وأحكامه بالآيات (١٨٣ - ١٨٧)، تبين هذه الآية أن العبادة يجب أن تكون مشفوعة بالاستقامة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ حرّم الاستيلاء على المال دون وجه حق، سواء كان الاستيلاء عنوة أو بالغش أو الاحتيال أو بأكل الربا أو أكل الأجور، ولفظ ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ بالجمع، إشعارا بوحدة الأمة وتضامنها ولأنّ التعدّي على مال الآخرين يعرّض كل مال للضياع ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي لا ترشوا الحكام لتأكلوا أموال الناس ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم تعلمون أنكم على الباطل، ومن مغزى الآية أيضا تحريم استخدام الأحابيل - القانونية - للاستيلاء على حقوق الآخرين، أخرج ابن ماجه عن أبي ذر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من ادّعى ما ليس له، فليس منّا، وليتبوّأ مقعده من النار». ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٨٩) ١٨٩ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الإشارة إلى الشهور القمرية التي بها يتحدد شهر الصوم وشهر الحج، وبحيث يدور شهر الصوم وموسم الحج على فصول السنة الشمسية، فيترتّب على ذلك تغيّر فترة الصيام قصرا وطولا بين الفجر والمغيب، وتغير حصول الصيام والحجّ بين فصول

стр. 123

الحرّ والبرد، وزيادة سهولة كلّ منهما أو صعوبته مع الفصول، ودوران ذلك على الأماكن المتفرقة من أنحاء العالم ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ إتيان البيوت من ظهورها كناية عن الإنحراف، وأما إتيان البيوت من أبوابها فهو كناية عن اتباع الأساليب الصحيحة في الوصول إلى الأهداف ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى﴾ المعنى أنّ البر ليس مجرّد التمسك بالشكليات وبالمواقيت رغم أهميتها، ولكن البر هو التقوى، وإنّ مجرد القيام بالعبادات وحده غير كاف بل يجب أن يتعدّاه إلى العمل لأنّ التقوى عمل، ويجب أن يكون الباطن مطابقا للظاهر، انظر الآية (١٧٧) بهذا المعنى ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ هذه كناية معروفة في كلام العرب، والمعنى لكي تصلوا إلى مبتغاكم أطلبوا الأمور بطرقها الصحيحة وبأسبابها الموضوعية العلمية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتّقوا الله على الوجه الصحيح لعلكم تظفرون بالمراد. ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٩٠) ١٩٠ - انتقال الآيات (١٩٠ - ١٩٥) لبيان شروط القتال وأحكامه خلال الأشهر الحرم: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الهدف الأساسي من الآية التأكيد على عدم استخدام القوة إلاّ عندما لا يكون هنالك مناص من استخدامها، فالقتال مشروع فقط لأغراض الدفاع، أي ضدّ من يقاتلون المسلمين، وهذا المبدأ واضح أيضا بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج ٢٢/ ٣٩]، وفي آية [الممتحنة: ٦٠/ ٨]، وآية [النساء: ٤/ ٩١]، أي إنه تعالى أمر بالجهاد بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي لا تعتدوا بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عنهم كالنساء والشيوخ والأطفال، أو بقتال من بينكم وبينهم عهد، أو بمباغتة من غير دعوة للقتال (الزمخشري).

стр. 124

﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (١٩١) ١٩١ - ﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ولهذا السبب أجلى رسول الله ﷺ كل مشرك من الحرم، ثم أجلاهم أيضا من المدينة، أخرج أحمد في مسنده ومالك في الموطّأ أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة بمعنى الاضطهاد الديني ومنع حرية العبادة فهي في هذه الحالة سلب الحرية، فمبرر القتال أنه لضمان حرية العبادة وحرية العقيدة (الآية ١٩٣)، والقتل سلب الحياة، فجعل تعالى سلب الحرية أشد من سلب الحياة ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ الإذن بالقتال مشروط بأن يبدأ المشركون به. ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٢) ١٩٢ - ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إن تركوا قتال المسلمين فإنّ الله غفور لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، رحيم به في آخرته. ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٩٣) ١٩٣ - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتّى يزول الاضطهاد الديني، وهو سبب الأمر بالقتال ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ تكون العبادة لله وحده ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ إن انتهوا لا يجوز قتالهم، ولا يعاقب منهم إلاّ من طغى وتجاوز كل الحدود في عداوته للمسلمين، انظر آية [الأنفال ٨/ ٣٩]. ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤).

стр. 125

١٩٤ - ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ أي من قاتلكم من المشركين في الشهر الحرام فقاتلوه في الشهر الحرام، والأشهر الحرم منذ زمن ابراهيم ﵇ هي أشهر الحج: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر العمرة رجب، وقد تعارف العرب منذ القدم على حرمة القتال فيها ليتمكن الحجاج والمعتمرون من قضاء مناسكهم بسلام ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات إلاّ إذا انتهكها الخصم أوّلا فعندئذ يدافعون عن أنفسهم ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه تعالى رخّص للمسلمين بالقتال، إذ بدأ الآخرون به، فقد أمرهم بمقابلة العدوان بالمثل فقط، دون زيادة ولا طغيان. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥) ١٩٥ - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى لا تسببوا هلاككم بمنع النفقة في سبيل الله، وعن أبي أيوب الأنصاري أنّ التهلكة هي الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (الزمخشري)، وعن ابن عباس: ليست التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكنها الامساك عن النفقة في سبيل الله (الطبري). ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٩٦) ١٩٦ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ لوجه الله، وليس للرياء والسمعة ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ بمرض أو غيره، أي إذا بدأتم الحج أو العمرة ثمّ حبستم ومنعتم منهما

стр. 126

بسبب خوف من عدوّ أو مرض أو علّة تمنع الوصول إلى البيت ﴿فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فانحروا ما استيسر من الهدي، ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقرّبا إليه ويطعم للمساكين، فإذا نحر الهدي حلّ المحصر من الإحرام، فإن فاته الحجّ وكان قاصدا حجّة الفريضة فعليه قضاؤها، وإن كانت حجّة تطوّع أو عمرة فلا قضاء عليه، وقيل ليس عليه حجّ أو عمرة إلاّ أن يشاء ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ المحلّ هنا اسم للزمان الذي يحصل فيه النحر، والمعنى لا بدّ من النحر قبل التحلّل بحلق الرأس، والمحصر مأمور بنحر الهدي سواء كان في حرم مكة أو خارجه ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ فاضطر أن يحلق رأسه قبل الهدي ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إذا كان الحاجّ مريضا أو لحقه أذى في رأسه فيتداوى، وله أن يحلق قبل أن يحلّ من إحرامه، ثمّ يفدي بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وهذا الحكم عام في جميع محظورات الحجّ ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ من العدو، أو من سبب الإحصار ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كان الحاج المحصر يعتمر بعد زوال الخوف أو المرض ثم يحلّ من إحرامه منتظرا حج العام القادم، ولكن الآية تنطبق على الحاجّ سواء كان محصرا بسبب مرض أو خوف أو غير محصر، أي إذا أدّى العمرة وقت وصوله البيت ثمّ استمتع بإحلاله منها إلى أن يحرم ثانية للحجّ فعليه الهدي، وسمّي تمتّعا لأنّ الحاجّ بعد تحلله من العمرة يستمتع بمحظورات الإحرام قبل أن يحرم ثانية للحجّ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ من لم يستطع الهدي فيصوم عشرة أيام تعتبر كاملة في البدل عن الهدي وتقوم مقامه ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ذلك: أي التمتّع بالعمرة إلى الحج مختص بحجّاج الآفاق فقط، وليس لأهل مكة، وفيه تيسير للقادمين من الأمصار إذ يجمعون الحجّة والعمرة في سفر واحد، وأمّا أهل مكة فلا متعة ولا قران لهم

стр. 127

لأنهم مقيمون، وكان عمر ﵁ ينهى أهل مكة عن الاعتمار في موسم الحجّ ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما فرض عليكم ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه. ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٧) ١٩٧ - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن نية الحجّ والإحرام لا تنعقد إلاّ فيها ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجب على نفسه الحج في هذه الأشهر بالنية أو الإحرام ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ بمعنى النهي عنهما في الحجّ، والرفث ما يتعلّق بالجماع ويدخل تحته فحش القول، والفسوق هو المعاصي ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ لا خلاف في مواعيد الحجّ ومناسكه، ولا نسيء، فقد استقام أمره الآن، والنسيء هو التلاعب بأوقات الأشهر الحرم، كانوا يفعلونه في الجاهلية ليناسب أغراضهم كالغزو في الأشهر الحرم وغيره، كما كانوا يختلفون في المناسك ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ كان بعضهم يتحرّج من التزوّد للحجّ بحجّة أنهم ضيوف الرحمن ثمّ يتطفّلون على الناس، فأمرهم تعالى بالتزوّد لسفر الدنيا، كما أرشدهم إلى زاد الآخرة الذي هو التقوى، وبيّن لهم أنّ زاد الآخرة خير من زاد الدنيا. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ (١٩٨) ١٩٨ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا مانع من طلب الرزق وقت الحج بالتجارة ونحوها، فذلك مباح في أثناء الحجّ على ألا يسبّب نقصانا في العبادة، وعلى أن يكون المرء خلالها مستحضرا ذكر الله ﴿فَإِذا﴾

стр. 128

﴿أَفَضْتُمْ﴾ أي تركتم عرفات مندفعين منها كما يفيض الماء - أي بسبب كثرتكم - ﴿مِنْ عَرَفاتٍ﴾ بعد مغيب التاسع من ذي الحجّة ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ بجمع صلاتي المغرب والعشاء بالمزدلفة ﴿وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ واذكروه على كل الأحوال بالدعاء والتسبيح والحمد، كما هداكم لدين الإسلام. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٩) ١٩٩ - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ أمرهم بالنزول من عرفات وسلوك الطريق الذي سلكه قبلهم إبراهيم وإسماعيل ﵉ وأتباعهما، والمعنى أنّ الإفاضة من عرفات بهذا الطريق شرع قديم لم يتغير ولا خلاف فيه، ومغزى الآية تجاوز النوازع والفروقات الفردية والالتزام بجماعة المسلمين والمساواة بين الناس بلا تعصب بين الأجناس والطبقات والمراتب الاجتماعية، وكانت قريش تتخذ طريقا للإفاضة غير طريق عامة الناس من العرب ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الأحاديث كثيرة في فضل الاستغفار خاصة بعد قضاء العبادات. ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ (٢٠٠) ٢٠٠ - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ كانوا في الجاهلية يذكرون آباءهم ويتفاخرون بهم، فالآية تحثّهم على ذكر الله كما كانوا يذكرون آبائهم أو أكثر من ذلك ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ من يجعل همّه الدنيا فيعمل لها ويدعو لها فقط فلا يكون له نصيب في الآخرة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (٢٠١).

стр. 129

٢٠١ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يطلبون الدنيا ولا ينسون الآخرة ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٢٠٢) ٢٠٢ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ وليس ممّا طلبوا بالضرورة - في الدعاء السابق - والمعنى أنهم ما داموا يطلبون الدنيا بواسطة الأسباب والسنن الكونية والسعي في الرزق، كما يسعون للآخرة سعيها بالعبادات والتقوى، فلهم نصيب من كسبهم في الدنيا والآخرة ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، وقد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، وإن لم يكن فالآخرة قريبة لأنّ الحياة قصيرة الأمد، فسرعان ما ينقضي الأجل ويحين وقت الحساب. ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٠٣) ٢٠٣ - ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا فرق أن ينفر الحاج من منى بعد يومين أو ثلاثة أيام من يوم النحر ليكون رحيل الحجاج وتخفيف الازدحام على مراحل ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ المهم أن يكون من المتقين، قال تعالى ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٥/ ٢٧]، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ بعد الحجّ ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المعنى أن المصرّ على الذنب لا ينفعه حجّه، وإن كان قد أدّى الفرض ظاهريا، ولعلّ هذه هي العلاقة بين هذه الآية والتي تليها. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)﴾.

стр. 130

٢٠٤ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية عامة في كلّ من له آراء جذّابة ظاهريا في أمور الحياة الدنيا ويتمتع بالخلابة اللسانية ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ يدّعي الصدق وحسن النية، ورغبة في الصلاح العام، في حين أنّه طالب دنيا فقط، ويهدف لصالحه الذاتي ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ شديد الخصومة والجدل بالباطل، يفحم خصومه باستخدام حجج ظاهرها الصلاح وحقيقتها الضلال، ويدعو إلى «مباديء أخلاقية» من ابتكاره، وهنالك علاقة واضحة بين هذه الآية والآيات (٨ - ١٢) من هذه السورة. ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٢٠٥) ٢٠٥ - ﴿وَإِذا تَوَلّى﴾ إذا تولّى بعض أمور الناس وحصلت له القيادة أو السيطرة بشكل كامل أو بشكل جزئي ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ الإفساد بسوء الخلق وعن طريق إدخال الشبهات في قلوب المسلمين والابتعاد عن الشرع، بغضّ النظر إن كان ذلك بنيّة مبيّتة ضد الدين، أم للصالح الشخصي فقط ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ الحرث هو الزرع أو نتاج الزرع وهو بمعنى المال، والمراد أنّه يخرّب النظام الاقتصادي، والحرث أيضا بمعنى النساء لقوله تعالى ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢/ ٢٢٣]، والنسل هو الذريّة، فيكون الإفساد بتخريب النظام الاقتصادي والنظام العائلي، وبالتالي تفتيت النسيج الاجتماعي بأكمله، لأنه حالما يتم القبول بالمعايير الفاسدة كأساس للسلوك الاجتماعي، يكون ذلك بداية حتمية لانتشار التفسخ الخلقي وتفكّك المجتمع. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٢٠٦) ٢٠٦ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ﴾ من قبل ناصح يحاول ردعه عن الغي ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أخذته الحميّة الجاهلية والكبر لما في قلبه من التكبر،

стр. 131

والعناد، وعدم النظر في الدلائل القرآنية ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المستقرّ الذي مهده لنفسه. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠٧) ٢٠٧ - ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الذين هم على النقيض من الناس المذكورين في الآيات (٢٠٤ - ٢٠٦) ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ يشري بمعنى يبيع كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف ١٢/ ٢٠] أي باعوه، والمعنى أنّه من الناس من يضحّي بكافة مصالحه الشخصية ويبذل نفسه إذا اقتضت مرضاة الله ذلك، والآية تتمة لما قبلها لأنّ من ينصح الفاسق الذي حصلت له الولاية يكون مستعدّا لبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وقيل إنّ عمر ﵁ قرأ هذه الآية ثمّ قال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل» ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ فمن رأفته تعالى أنّه لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٠٨) ٢٠٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كونوا كالمذكورين في الآية (٢٠٧)، ولا تكونوا كالمذكورين في الآيات (٢٠٤ - ٢٠٦)، والسلم هو الإسلام، والخطاب للمؤمنين بأن يدخلوا في كافة شرائع الإسلام بشكل متكامل، وبحيث يكون سلوك المسلم ومعاملاته مع الناس وتطلّعاته ومساعيه كلّها وفق الإطار الإسلامي، بحيث يكون عمله مطابقا لقوله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي ما خالف شرائع الإسلام ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس لكم ويزّين لكم سوء أعمالكم، راجع آية [الأعراف ٧/ ١٧]. ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٠٩) ٢٠٩ - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ إن زللتم عن الإسلام إلى الباطل والشكوك ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ في القرآن ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في عقابه، فبعد أن أمر تعالى الناس بدخول شرائع الإسلام كافة، بيّن أنّه لا عذر لهم بعد أن

стр. 132

جاءتهم الأنبياء بالرسالات والوحي والحقيقة الواضحة وأنذرته بالعواقب، ولا عذر لهم بالشك والإنكار واتباع الباطل، فعندئذ يوجبون العقاب على أنفسهم. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢١٠) ٢١٠ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هل ينتظرون؟ وهم المشار إليهم في الآية السابقة ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾ أمر ﴿اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي هل هم بانتظار ذلك حتى يكونوا على يقين من الحقيقة؟ والمغزى أنّ اختبار الإنسان يكمن في اختياره الحرّ بقبول الحقيقة المطلقة أو رفضها، رغم أنّه لا يستطيع تحقّقها بحواسّه الخارجية، ولكنه يستطيع الاستدلال عليها بالوحي الذي نزل على الأنبياء، وبالعقل والتفكّر بالمعجزات الكونية، ولكن الكفار ينتظرون أن يأتيهم أمر الله والملائكة حتى يؤمنوا، فلو حدث ذلك لقضي الأمر وفات الأوان ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الإيمان والتوبة لا يفيدان حينئذ، لأنّ الإيمان والطاعة لهما قيمة ما دامت الحقيقة بادية بشكل غير قسريّ، ممّا يمكّن الانسان من قبولها أو رفضها بخياره الحر، فإذا كشفت الحجب وظهرت الحقيقة سافرة، انتفى مجال الخيار وحرية الفكر والاختبار. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢١١) ٢١١ - بعد بيان الآيات (٢٠٧ - ٢١٠)، ضرب تعالى مثلا ببني إسرائيل فقال عزّ ثناؤه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ومع ذلك كفروا بها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ وهي الوحي الذي نزل على الأنبياء، وتبديلها بتحريف الكتب وتغييرها ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ والخطاب ينطبق على بني إسرائيل وغيرهم، أي إنّ العاقبة السيئة مصير من يبدّل نعمة الله بعدما جاءته، فهذا من سننه تعالى في الخلق وليس خاصا بالأمم الغابرة فقط.

стр. 133

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢١٢) ٢١٢ - بعد أن ذكر تعالى حال من يبدّل نعمة الله بعد ما جاءته، أتبعه بذكر السبب الذي لأجله فعلوا ذلك فقال ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ فانهمكوا بالجري خلفها دون حساب لما وراءها ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يسخرون منهم بأنّهم فوّتوا على أنفسهم لذّات الدنيا، لأنّ القول بالآخرة باطل عندهم ﴿وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يكون المتّقون فوق الكفار في الثواب والمنزلة ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ الله تعالى يرزق المؤمن والكافر في الحياة الدنيا، وقد جعل في الدنيا سننا وأسبابا ومسبّبات، من أخذ بها وصل إليها كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خاصة لبطل التكليف والاختيار والاختبار، ولصار الإيمان قسرا، انظر شرح الآيات (٣٦، ١٢٦، ١٥٥). ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢١٣) ٢١٣ - ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي على الفطرة والتجانس في حياتهم البسيطة الأولى، كما كانوا أيضا أمة واحدة على الجهل والترقب والبحث عن الحقيقة، يحاولون الاهتداء بما يرشد إليه العقل والفطرة السليمة حتى بعث فيهم الأنبياء ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ مبشّرين بثواب الآخرة والجنة، ومنذرين بالعقاب والنار ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ﴾ أي مع الأنبياء ﴿الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب بمعنى الوحي وليس كتابا بعينه، وهذا المعنى يتكرر في أماكن عديدة من القرآن الكريم ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يبيّن لهم الحق من الباطل فيما اختلفوا فيه من العقيدة والسلوك ﴿وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ﴾

стр. 134

﴿ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ سبب الاختلاف هو البغي، أي التعدّي والاستطالة على الحق من قبل البعض ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ الذين كانوا يبحثون عن الحقيقة من منفتحي الذهن اهتدوا بهدي الله، بعد الاختلاف مع غيرهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الاختلاف بين أتباع الحق وأتباع الباطل بإذن الله، لأنه تعالى كرّم الإنسان بحرية الخيار، انظر آيات [هود/ ١١٨ - ١١٩]، فالخلاف من الطبيعة البشرية التي جبل الناس عليها، ولو شاء تعالى لخلقهم جميعا بلا هوى أو شهوة أو غواية، ولكنه بحكمته وتكريمه بني آدم قضى أن يكون الانسان موكولا إلى فكره وحرية خياره ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوفق من يشاء الهداية إلى الطريق المستقيم. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٢١٤) ٢١٤ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب استمرار لقوله تعالى إنّه يهدي من يشاء الهداية إلى صراط مستقيم، والآية تضيف أنّ الهداية ليست مجرّد قناعة معرفية تكفي صاحبها لدخول الجنة، بل يلزم أن يرافقها الاستعداد للتضحية وتحمّل المشاقّ في سبيلها، مثلما تحملها المؤمنون من الأمم الماضية ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ﴾ البأساء هي الشدّة التي تصيب الإنسان كخسارة المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن، والضرّاء هي ما يصيبه من المرض أو الجرح أو القتل ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ اضطربوا اضطرابا شديدا بما أصابهم من الشدائد، حتى أشرفوا على الزلل ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ لشدة ما أصابهم الهول، وطول أمده، كادوا يفقدون الأمل فاستعجلوا الفرج بقولهم ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ فأجابهم تعالى

стр. 135

﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ وكلمة ﴿الرَّسُولُ﴾ في الآية دالّة على الرسل بشكل عام، لأنّ الإشارة قبلها إلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢١٥) ٢١٥ - ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ استمرار الخطاب، لأن الإنفاق من جملة التضحيات المطلوبة لدخول الجنة ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ السؤال عن بيان ما ينفقون؟ وأجيبوا ببيان جهة الإنفاق للتأكيد على الأولوية في الإنفاق، ولأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلاّ أن تكون في جهة الاستحقاق، أخرج النسائي وأحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك وأباك وأختك وأخاك، ثمّ أدناك أدناك»، ثم تبيّن الآية (٢١٩) أن الإنفاق يكون بما يزيد عن الحاجة، بما لا يرهق المرء إذا تصدّق به ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيثيبكم عليه، وهو عليم بنواياكم في الإنفاق، إن كان عن إيمان ويقين، أو كمن ينفق ماله رياء الناس الآية (٢٦٤). ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢١٦) ٢١٦ - استمرار الخطاب في التضحيات: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ روى مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من مات ولم يغز، ولم يحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة من نفاق»، ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور عقل الإنسان عن الإحاطة بكل شيء، من جهة، وكمال علمه تعالى من جهة ثانية، وهو سبحانه أعلم بالعواقب.

стр. 136

﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧) ٢١٧ - بعد أن فرض تعالى القتال على المؤمنين بيّن مشروعية القتال في الشهر الحرام ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ أي هل يصح أن يكون فيه قتال ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الجواب أن القتال فيه ذنب كبير بسبب حرمة الأشهر الحرم، ولكن يجب أحيانا ارتكاب أخف الضررين إن لم يكن بدّ من أحدهما ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ فالكفر وصدّ الناس عن الإسلام وعن الحج والعمرة في المسجد الحرام وإخراج المسلمين منه، كل ذلك أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وهذه الآية تقرأ مع آيات [البقرة ٢/ ١٩٠ - ١٩٤] و [الحجّ ٢٢/ ٣٩]، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الاضطهاد والظلم ومنع حرية العبادة أشنع من القتل ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا﴾ هذا هو الهدف النهائي لهم مجتمعات، وليس أفرادا بالضرورة، والآية وإن نزلت في كفار قريش فهي ككلّ آيات القرآن الكريم ذات مغزى عام لكلّ الأزمنة، انظر آيات [البقرة ٢/ ١٠٥، ١٠٩ - ١٢٠]، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ تبطل أعمال المرتد كأن لم يعمل خيرا في حياته قط، فلا يناله الثواب من أعماله في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو مصير المرتدين عن الإسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢١٨) ٢١٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ هم في الأساس مسلمو مكة الذين هربوا من اضطهاد المشركين لهم، وهاجروا إلى المدينة كي يعيشوا فيها

стр. 137

بحرية، ويقيموا شعائر الإسلام، ويؤخذ من سبب وجوب الهجرة في زمن البعثة، أنها تجب في كل زمان ومكان بمثل ذلك السبب، أي أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم في بلد لا يستطيع فيه إقامة شعائر الإسلام بحرية، ولا يستطيع التصريح بما يعتقده قولا وكتابة، مما يعرضه للأذى وللاضطهاد ﴿وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ مفهوم الجهاد أوسع من معنى القتال لأنه يشمل تكريس الفكر والنفس والمال لخدمة الدين ونشر الدعوة سواء بالقول أو الكتابة أو الجهد ﴿أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ هم أجدر أن ينالوا ما يرجون من رحمة الله، لأنهم عملوا لها بكل ما استطاعوا، أما طلب المنافع ودفع المضار من غير عمل، فليس رجاء، بل تمنّيا وغرورا ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للتائبين المهاجرين المجاهدين. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١٩) ٢١٩ - انتقال الآيات (٢١٩ - ٢٤٥) إلى جوانب من التشريع متعددة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ ذكر تعالى الإثم أوّلا، والمنافع ثانيا، لرجحان إثم الخمر والميسر على منافعهما المادية، وهذه قاعدة فقهية هامة أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فيجب الاجتهاد باجتنابه، كما يفهم منها أيضا أن الأحكام الاجتهادية التي لم تثبت بالنص القطعي لا تجعل تشريعا ملزما، لأن النبي ﷺ لم يلزم الأمّة بتحريم الخمر والميسر بعد نزول هذه الآية، إلى أن نزل النص القطعي بتحريمهما في سورة [المائدة ٥/ ٩٠ - ٩١]، ومن هنا يعرف سبب تساهل السلف في المسائل الخلافية، وعدم تكفير أحدهم لمخالفيه، لأنّ الاجتهاد يلتزم به فقط من ظهر له صحة دليله، ولا يعد شرعا يلزم به غيره من الناس (المنار)، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ العفو هو الزيادة عن الحاجة الذي لا يرهق المرء إذا تصدّق به، وفي الحديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول»

стр. 138

﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة كما سيرد في الآية التالية. ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٠) ٢٢٠ - ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي لعلّكم تتفكّرون في أمور الدنيا والآخرة معا ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أوصى تعالى بالعمل على مصلحة اليتيم بتربيته وتنمية ماله، وذلك خير للطرفين، الوصي واليتيم ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ مخالطة اليتامى مع المحافظة على أموالهم، فلا يحل للوصي إن كان غنيا أن يأكل من مال اليتيم، وإن كان الوصي فقيرا فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ثم يعيد ما أخذ إن استطاع، وقد جاء تفصيل ذلك في آيات [النساء ٤/ ٢، ٦، ١٢٧]، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ في مال اليتيم، فيجازي كلا بعمله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي لكلّفكم ما يشق عليكم، بتضييق التعامل مع اليتامى ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ في عقابه للمفسدين بأموال اليتامى ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلّف إلاّ ما يطاق. ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٢١) ٢٢١ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ليس معنى الأمة الرقيق بالضرورة، ولكن كما يقال أمة الله وعبد الله، وقد حرّمت الآية زواج المسلم من المشركة، وفي سورة المائدة ورد تحليل زواج المسلم من الكتابيات المحصنات بقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ﴾

стр. 139

﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ٥] وفيه دليل أن الغرض من تحليل نكاح الكتابيات هو تألف قلوب أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام وتعريفهم بحقيقته عن طريق انتشاره بين أهل المرأة، انظر تفسير آية [المائدة ٥/ ٥]، أما من يتزوج الكتابية وهو يرى نفسه دونها ويحرص على تقليد قومها من النصارى ويسمح لها بتنصير أولاده فيكون قد خالف الغرض الذي هدف إليه الشارع من تحليل نكاح الكتابيات ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ تحريم زواج المسلمة من المشرك من أي أصناف الشرك، بمن فيهم الكتابي، وفي قول عمر ﵁: «المسلم يتزوّج النصرانية، ولا يتزوّج النصراني المسلمة»، وقد كره عمر مع ذلك زواج المسلم من الكتابيّة وأمر طلحة وحذيفة أن يطلّقا زوجتيهما الكتابيتين ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ المشركون والمشركات يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي بتوفيقه إلى العمل الذي يؤدّي بالإنسان إلى الجنّة والمغفرة، ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الله تعالى يبيّن للناس الحكمة من الشريعة، لعلهم يتّعظون ويستقيمون عليها. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢) ٢٢٢ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تعبير عن حرمة الجماع وقت الحيض ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ وهو تحريم الشذوذ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ المراد منه التنزيه عن الذنوب، لأنّ الذنب نجاسة روحانية كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٨]، ففي ترك الذنوب طهارة روحانية.

стр. 140

﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣) ٢٢٣ - ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي مزرع ومنبت الولد وذلك على سبيل التشبيه ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فأتوا موضع الحرث من النساء كيفما شئتم ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن العلاقة الروحية بين الزوجين هي أساس العلاقة الجنسية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ روى مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «اتّقوا الله في النساء» ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ العاملين بأحكام الشريعة، بسعادة الدنيا والآخرة. ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٤) ٢٢٤ - ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ نهى تعالى عن الجرأة عليه بكثرة الحلف وهذا هو المعنى الأول للخطاب ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهو المعنى الثاني أنّ العرضة هي العارض أي المانع، فيكون المقصود لا تجعلوا أيمانكم مانعا لعمل الخير كالبرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد»، والتمسّك باليمين، إن كان به ضرر، أكبر إثما على صاحبه من الخروج منه والتكفير عنه. ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٢٥) ٢٢٥ - ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو هو الكلام الذي لا يعتدّ به كالحلف في أثناء الكلام دون قصد، وقد جاء النهي عنه في الآية السابقة، ولا يوجب الكفّارة ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إذا تعمّدتم الحلف وأخلفتم، والمؤاخذة توجب الكفّارة لقوله تعالى في سورة المائدة:

стр. 141

﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة ٥/ ٨٩]، روى البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير»، فالحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، وأما اليمين الغموس التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق والتوبة والاستقامة، وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان» ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور بمعنى المبالغة في ستر الذنوب واسقاط عقوبتها، وحليم لأنّه تعالى لا يعاجل بالعقوبة بل يمهل، ويؤخّر، ويعطي الفرص لتوبة عبده. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢٦) ٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الإيلاء في اللغة هو الحلف والقسم واليمين، كلّها بمعنى واحد، وفي عرف الشرع هو العزم على ترك الجماع، وهذه الآية استمرار للآيتين السابقتين ولكن بموضوع مخصّص وهو الحلف على ترك الجماع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ من الواضح أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من المودّة والانسجام، وفي بعض الحالات عندما تنشأ الخصومات ويحدث التوتر بين الزوجين، فإنّ الشرع يضع حدّا للفترة التي يبقى فيها الزوجان متنافرين من دون معاشرة زوجية، والتربّص هو الانتظار، وقد حددته الآية بأربعة أشهر، إمّا أن يتفق خلالها الزوجان، أو يقع الطلاق بنهايتها وتصبح المرأة حرّة في الزواج من جديد، وعند المالكية أنّ الفترة القصوى لهجران الرجل زوجته عن عمد، وهي أربعة أشهر، تسري بغضّ النظر إن كان حلف على ذلك أم لم يحلف، ونسب مثل هذا القول أيضا إلى ابن حنبل ﴿فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الفيء هو الرجوع، والمعنى إذا تمّ الصلح خلال مدّة أربعة الأشهر، وعادت العلاقة الزوجية إلى طبيعتها، فإنّ الله غفور لما سبق، رحيم بعباده، وقيل تجب على الزوج كفّارة.

стр. 142

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٧) ٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ عند أبي حنيفة أنّ الطلاق يقع بمجرّد انقضاء الأشهر الأربعة، ويكون طلاقا بائنا، فلا يحق للزوج إعادة زوجته خلال فترة العدّة، غير أنّه يحقّ لهما الزواج بعد ذلك بعقد جديد، إذا اتّفقا، وعند الشافعي أنّه بعد مضيّ أربعة الأشهر تطالب المرأة زوجها بالصلح أو الطلاق، فإن امتنع الزوج طلّقها القاضي، ولا عدّة عليها ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع بالطلاق عليم بالإحسان والإساءة. ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨) ٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ﴾ غير المشار إليهنّ بالآية السابقة ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أمر تعالى المطلّقة المدخول بها أن تنتظر ثلاثة قروء، ثمّ تتزوّج إن شاءت، والعرب تسمّي الحيض قرءا، والطهر قرءا، وتسمّي الطهر والحيض معا قرءا، ولذا اختلف الأئمّة فقال مالك والشافعي: إنّه إذا طلّق الرجل إمرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، وقال أبو حنيفة: لا تنقضي العدّة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود ﵃ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يكتمن ما في أرحامهنّ من حيض أو حمل ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ لزوجها الحق أن يردّها إليه ما دامت في عدّتها ﴿فِي ذلِكَ﴾ أي في فترة العدّة ﴿إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً﴾ إذا كان مراد الزوج الإصلاح والخير، وذلك في الطلقة الأولى والطلقة الثانية فقط، أمّا في الطلقة الثالثة فيمتنع على الزوج ردّها كما سيرد، ولمّا كانت إرادة

стр. 143

الإصلاح، بردّ الرجل امرأته في فترة العدة، لا تتحقق إلاّ بالمساواة بينهما بأن يقوم هو بحقوقها وتقوم هي بحقوقه، لذلك قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ وهو مساواة المرأة بالرجل، إلاّ بدرجة سيأتي بيانها ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إنّ المساواة بين الرجل والمرأة تكون بما هو معروف من المساواة بين الناس حسب الآداب والعادات في كل مجتمع وكل زمن، على أن لا يحلّ العرف حراما أو يحرّم حلالا ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهي درجة القوامة المذكورة في آية [النساء ٤/ ٣٤]، وهي درجة الرعاية والحماية والقيام بمصالح العائلة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في شرعه. ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩) ٢٢٩ - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ إذا طلّقها الرجل مرّة أو اثنتين فله الخيار أن يردّها، ما دامت في العدّة، إن كان ينوي الإصلاح حسب الأسس المذكورة في الآية السابقة، أو أن يتركها حتّى تنقضي العدّة وتبين منه، فيتوجب عليه عندئذ أن يمتّعها ولا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يضارّ بها، فإذا بانت منه بعد طلقة أو طلقتين يحقّ لهما الزواج بعقد جديد إن اتّفقا، أمّا إن طلّقها الثالثة فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، وفي جميع الأحوال يلزم أن يكون الطلاق في فترة طهر لم يحصل بها جماع، وقد كره الشرع أن يطلّق الرجل ثلاث مرّات في فترة طهر واحدة ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ ويدخل في ذلك المهر والهدايا وكل ما يعطيه الرجل لزوجته على سبيل التمليك، بالإضافة للمتعة لأنّ الآية (٢٤١)﴾ أوجبت المتعة للمطلّقة ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ أو يخاف أحدهما ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ وهي الحدود التي فرضها الله على الزوجين، كحسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع

стр. 144

ولاية الرجل والتعاون على القيام بأمر العائلة وعدم مضارة أحدهما للآخر ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين، والمعنيّون هم أولوا الأمر ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾ وهو الفراق المبني على الإفتداء، ويسمّى في عرف الشرع بالخلع، وهو حقّ الزوجة في الطلاق مقابل تعويض تدفعه إلى الزوج، فعندئذ لا يكلّف الرجل خسارة زوجته وماله معا، والقاعدة أن لا يأخذ الزوج من المختلعة فوق ما أعطاها من المهر، وليس له أن يعيد المختلعة في عدّتها، بغير رضاها، لأنّها ملكت نفسها بما أعادت له من ماله، ولهما أن يتزوّجا بعد ذلك بعقد جديد، إن اتّفقا ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ لا تتجاوزها إلى غيرها وتتبعوا الهوى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، فكل من الزوجين يضر بنفسه وبزوجه في حال التعدي. ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠) ٢٣٠ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الطلقة الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ تحرم عليه حتّى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الزوج الثاني، والمغزى أن رغبة الطلاق من قبل الزوج الثاني يلزم أن تكون حقيقية، وبمبادرة منه، وبعد الدخول بها، لأن المقصود دوما التقيد بروح النص، وليس بحرفيته ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي يتعاشرا بالمعروف كما هو مذكور آنفا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مقاصد الشريعة، فإذا كان قصد الثاني أن يحلّها للأوّل، فقد وردت الأحاديث بذمّه ولعنه، ونكاحه باطل. ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ﴾

стр. 145

﴿هُزُواً وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٣١) ٢٣١ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إذا قاربت عدّة المطلّقة الانتهاء ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فإمّا أن يردّها إليه ناويا عشرتها بالمعروف، أو يتركها حتّى تنقضي العدّة من غير شقاق ولا مخاصمة ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ فلا يعيد الرجل امرأته وهو ينوي إيذاءها أو ينوي طلاقها من جديد ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعود وبال ظلمه عليه ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ بعدم الالتزام بها، أو بالالتزام بها شكلا فقط دون الجوهر ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث محمد ﷺ وبيان أحكام الشريعة لكم ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وهي الحكمة والأحكام المتضمنة في الكتاب ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ لما فيه صالحكم وصالح المجتمع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن ترتكبوا المحرمات ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عليم بالأفعال الظاهرة والنوايا الباطنة. ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٢) ٢٣٢ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ لا تعضلوهنّ، أي لا تضيّقوا عليهنّ أن يتزوجن من جديد، والخطاب موجّه للأزواج أن لا يعرقل الزوج مطلّقته أن تتزوّج غيره بعد انقضاء العدّة، ويمكن حمل الخطاب أن يكون لأقرباء المطلّقة أن لا يعضلوها إذا أرادت العودة إلى زوجها بنكاح جديد ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما وافق الشرع من العقد الحلال والمهر ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المترتب عليه تحقق العدالة ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ في تزويج
следующие страницы →