Полный текст (2 031 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة ٥/ ٨٩]، روى البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير»، فالحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، وأما اليمين الغموس التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق والتوبة والاستقامة، وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان» ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور بمعنى المبالغة في ستر الذنوب واسقاط عقوبتها، وحليم لأنّه تعالى لا يعاجل بالعقوبة بل يمهل، ويؤخّر، ويعطي الفرص لتوبة عبده.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢٦)
٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الإيلاء في اللغة هو الحلف والقسم واليمين، كلّها بمعنى واحد، وفي عرف الشرع هو العزم على ترك الجماع، وهذه الآية استمرار للآيتين السابقتين ولكن بموضوع مخصّص وهو الحلف على ترك الجماع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ من الواضح أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من المودّة والانسجام، وفي بعض الحالات عندما تنشأ الخصومات ويحدث التوتر بين الزوجين، فإنّ الشرع يضع حدّا للفترة التي يبقى فيها الزوجان متنافرين من دون معاشرة زوجية، والتربّص هو الانتظار، وقد حددته الآية بأربعة أشهر، إمّا أن يتفق خلالها الزوجان، أو يقع الطلاق بنهايتها وتصبح المرأة حرّة في الزواج من جديد، وعند المالكية أنّ الفترة القصوى لهجران الرجل زوجته عن عمد، وهي أربعة أشهر، تسري بغضّ النظر إن كان حلف على ذلك أم لم يحلف، ونسب مثل هذا القول أيضا إلى ابن حنبل ﴿فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الفيء هو الرجوع، والمعنى إذا تمّ الصلح خلال مدّة أربعة الأشهر، وعادت العلاقة الزوجية إلى طبيعتها، فإنّ الله غفور لما سبق، رحيم بعباده، وقيل تجب على الزوج كفّارة.
стр. 142
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٧)
٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ عند أبي حنيفة أنّ الطلاق يقع بمجرّد انقضاء الأشهر الأربعة، ويكون طلاقا بائنا، فلا يحق للزوج إعادة زوجته خلال فترة العدّة، غير أنّه يحقّ لهما الزواج بعد ذلك بعقد جديد، إذا اتّفقا، وعند الشافعي أنّه بعد مضيّ أربعة الأشهر تطالب المرأة زوجها بالصلح أو الطلاق، فإن امتنع الزوج طلّقها القاضي، ولا عدّة عليها ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع بالطلاق عليم بالإحسان والإساءة.
﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨)
٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ﴾ غير المشار إليهنّ بالآية السابقة ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أمر تعالى المطلّقة المدخول بها أن تنتظر ثلاثة قروء، ثمّ تتزوّج إن شاءت، والعرب تسمّي الحيض قرءا، والطهر قرءا، وتسمّي الطهر والحيض معا قرءا، ولذا اختلف الأئمّة فقال مالك والشافعي: إنّه إذا طلّق الرجل إمرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، وقال أبو حنيفة:
لا تنقضي العدّة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود ﵃ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يكتمن ما في أرحامهنّ من حيض أو حمل ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ لزوجها الحق أن يردّها إليه ما دامت في عدّتها ﴿فِي ذلِكَ﴾ أي في فترة العدّة ﴿إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً﴾ إذا كان مراد الزوج الإصلاح والخير، وذلك في الطلقة الأولى والطلقة الثانية فقط، أمّا في الطلقة الثالثة فيمتنع على الزوج ردّها كما سيرد، ولمّا كانت إرادة
стр. 143
الإصلاح، بردّ الرجل امرأته في فترة العدة، لا تتحقق إلاّ بالمساواة بينهما بأن يقوم هو بحقوقها وتقوم هي بحقوقه، لذلك قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ وهو مساواة المرأة بالرجل، إلاّ بدرجة سيأتي بيانها ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إنّ المساواة بين الرجل والمرأة تكون بما هو معروف من المساواة بين الناس حسب الآداب والعادات في كل مجتمع وكل زمن، على أن لا يحلّ العرف حراما أو يحرّم حلالا ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهي درجة القوامة المذكورة في آية [النساء ٤/ ٣٤]، وهي درجة الرعاية والحماية والقيام بمصالح العائلة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في شرعه.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩)
٢٢٩ - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ إذا طلّقها الرجل مرّة أو اثنتين فله الخيار أن يردّها، ما دامت في العدّة، إن كان ينوي الإصلاح حسب الأسس المذكورة في الآية السابقة، أو أن يتركها حتّى تنقضي العدّة وتبين منه، فيتوجب عليه عندئذ أن يمتّعها ولا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يضارّ بها، فإذا بانت منه بعد طلقة أو طلقتين يحقّ لهما الزواج بعقد جديد إن اتّفقا، أمّا إن طلّقها الثالثة فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، وفي جميع الأحوال يلزم أن يكون الطلاق في فترة طهر لم يحصل بها جماع، وقد كره الشرع أن يطلّق الرجل ثلاث مرّات في فترة طهر واحدة ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ ويدخل في ذلك المهر والهدايا وكل ما يعطيه الرجل لزوجته على سبيل التمليك، بالإضافة للمتعة لأنّ الآية (٢٤١)﴾ أوجبت المتعة للمطلّقة ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ أو يخاف أحدهما ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ وهي الحدود التي فرضها الله على الزوجين، كحسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع
стр. 144
ولاية الرجل والتعاون على القيام بأمر العائلة وعدم مضارة أحدهما للآخر ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين، والمعنيّون هم أولوا الأمر ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾ وهو الفراق المبني على الإفتداء، ويسمّى في عرف الشرع بالخلع، وهو حقّ الزوجة في الطلاق مقابل تعويض تدفعه إلى الزوج، فعندئذ لا يكلّف الرجل خسارة زوجته وماله معا، والقاعدة أن لا يأخذ الزوج من المختلعة فوق ما أعطاها من المهر، وليس له أن يعيد المختلعة في عدّتها، بغير رضاها، لأنّها ملكت نفسها بما أعادت له من ماله، ولهما أن يتزوّجا بعد ذلك بعقد جديد، إن اتّفقا ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ لا تتجاوزها إلى غيرها وتتبعوا الهوى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، فكل من الزوجين يضر بنفسه وبزوجه في حال التعدي.
﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠)
٢٣٠ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الطلقة الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ تحرم عليه حتّى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الزوج الثاني، والمغزى أن رغبة الطلاق من قبل الزوج الثاني يلزم أن تكون حقيقية، وبمبادرة منه، وبعد الدخول بها، لأن المقصود دوما التقيد بروح النص، وليس بحرفيته ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي يتعاشرا بالمعروف كما هو مذكور آنفا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مقاصد الشريعة، فإذا كان قصد الثاني أن يحلّها للأوّل، فقد وردت الأحاديث بذمّه ولعنه، ونكاحه باطل.
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ﴾
стр. 145
﴿هُزُواً وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٣١)
٢٣١ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إذا قاربت عدّة المطلّقة الانتهاء ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فإمّا أن يردّها إليه ناويا عشرتها بالمعروف، أو يتركها حتّى تنقضي العدّة من غير شقاق ولا مخاصمة ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ فلا يعيد الرجل امرأته وهو ينوي إيذاءها أو ينوي طلاقها من جديد ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعود وبال ظلمه عليه ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ بعدم الالتزام بها، أو بالالتزام بها شكلا فقط دون الجوهر ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث محمد ﷺ وبيان أحكام الشريعة لكم ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وهي الحكمة والأحكام المتضمنة في الكتاب ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ لما فيه صالحكم وصالح المجتمع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن ترتكبوا المحرمات ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عليم بالأفعال الظاهرة والنوايا الباطنة.
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٢)
٢٣٢ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ لا تعضلوهنّ، أي لا تضيّقوا عليهنّ أن يتزوجن من جديد، والخطاب موجّه للأزواج أن لا يعرقل الزوج مطلّقته أن تتزوّج غيره بعد انقضاء العدّة، ويمكن حمل الخطاب أن يكون لأقرباء المطلّقة أن لا يعضلوها إذا أرادت العودة إلى زوجها بنكاح جديد ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما وافق الشرع من العقد الحلال والمهر ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المترتب عليه تحقق العدالة ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ في تزويج
стр. 146
المطلّقات ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ مصالح عباده وما يستوجب دفع المفاسد ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الخيرة فيما تفعلون أو تتركون.
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٣)
٢٣٣ - ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ الإشارة إلى الوالدات بشكل عام، المطلّقات منهنّ وغير المطلّقات، وقد حددت الآية أقصى مدّة الإرضاع بسنتين كاملتين لقوله تعالى ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ أي هذا تمام مدّة الرضاعة، لمن شاء، وهي المدّة التي يعتدّ بها في التحريم، لما ورد في الحديث أن الرضاعة لا تحرّم إلا ما كان دون الحولين، وقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما هو معروف ومعتاد في المجتمع، ويلاحظ دقة التعبير في عبارة ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ مقابل كلمة ﴿الْوالِداتُ﴾ واختير للتنبيه على سبب وجوب النفقة على الزوج ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها﴾ الوسع ضد الضيق، وهو ما تتسع له القدرة، فلا يكون تجاوز لطاقة الأب ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ لا يسبّب الأب الضرر للأم فينزع منها الولد مع رغبتها فيه وشدّة محبّتها له ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وأيضا لا تسبب المرأة الضرر للأب، كأن تلقي الولد إليه وتمتنع عن إرضاعه، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو أن لا يغيظ أحدهما الآخر عن طريق الولد ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ إذا توفّي أحد الأبوين فمن بقي منهما لا يضارّ بالولد، خاصة بعد أن يتزوّج الأب أو تتزوّج الأم من جديد ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ الفصال هو الفطام: فتدلّ الآية أنّ الفطام في أقلّ من حولين جائز برضا الوالدين، والفصال أيضا الانفصال: ممّا
стр. 147
يدلّ أن الانفصال بين الأم والولد جائز برضا الطرفين، على أن لا يسبب ذلك ضررا للولد ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ أي لأولادكم، بحذف حرف الجر، وهو شائع في التنزيل راجع إعراب القرآن للزجاج ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج أن تطلبوا المراضع لإرضاع أولادكم ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا سلّمتم الأجور إلى المرضعات، وإذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد لعذر من أحد الطرفين ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن تعتدوا الحدود ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بما تعملون.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٣٤)
٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ الأزواج في الآية هنّ النساء، والعرب تسمّي الرجل زوجا والمرأة زوجا وربما ألحقوا بها الهاء، فالآية تحدّد أنّ المرأة التي يتوفّى عنها زوجها تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام قبل الزواج من آخر ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وهي نهاية العدّة المشار إليها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو النكاح الحلال ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وما جبلت عليه النفس البشرية من الرغبة.
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٣٥)
٢٣٥ - ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ التعريض ضدّ التصريح والمقصود خطبة التي تكون في عدّة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا
стр. 148
تصريحا ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي أخفيتم في أنفسكم، والمراد الرغبة الداخلية في خطبتها بعد العدّة ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي تبوحون لهنّ بما في نفوسكم من الرغبة فيهن ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ نهي عن الارتباط بها سرّا، كأن يأخذ منها عهدا أن تلتزم به ولا تتزوج غيره، لأن المرأة قد لا تكون في حالة نفسية تمكنها من اتخاذ القرار المناسب خلال فترة العدة ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ يجوز له أن يعدها في السرّ بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ لا تحقّقوا عقد الزواج إلاّ بعد انقضاء العدّة ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ مطّلع على الخبايا ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ فاحذروا عقابه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ يستر ذنوب عباده ﴿حَلِيمٌ﴾ فلا يعاجلهم بالعقوبة.
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦)
٢٣٦ - ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أباح تعالى طلاق النساء بعد العقد عليهنّ وقبل الدخول بهنّ ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ اللواتي لم تمسّوهنّ، والمسّ هو الجماع ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الفريضة هي الصداق أي المهر، والمعنى:
أو تفرضوا لهنّ فريضة إذا أردتم الدخول بهنّ، والمقصود اللواتي لم يذكر صداقهنّ في العقد، فقد أباح تعالى طلاق المرأة التي لم يذكر صداقها ولم يتم الدخول بها، إذ المعلوم أنّ عقد النكاح يوجب الصداق للمرأة في كل الأحوال، غير أنّ الصداق قد يكون مذكورا أو غير مذكور سلفا، والمعنى أيضا أنّه لا يجوز مسّ المرأة إلاّ بعد أن يفرض لها الصداق ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي أعطوا المطلّقات من أموالكم ما يتمتّعن به، وأن يكون العطاء حسب أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار، والمعنى أيضا أن المطلّقة غير الممسوسة تجب لها المتعة، كما هو واضح في آية
стр. 149
[الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، أي يعطيها الرجل من ماله ما تتمتع به، حتّى لو لم يكن قد فرض لها المهر سلفا ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أوجب تعالى متعة المطلّقات على المحسنين، وعلى المتقين (الآية ٢٤١)، ولمّا كان تعالى قد أمر جميع خلقه أن يكونوا من المحسنين والمتّقين، فالمتعة واجبة على الجميع سواء كانوا من أهل الإحسان والتقى أو غيرهم، والقيام بالواجب يوصف بالإحسان وقد ورد ذلك في آيات كثيرة، والمتعة واجبة لكلّ مطلّقة دون تخصيص لقوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢٤١]، فلم يخصّص منهنّ بعضا دون بعض، والعبرة بظاهر اللفظ، وهو عام، ولا يوجد دلالة أنّه ما دام فرض للمطلّقة المهر بعد الدخول، أو نصف المهر قبل الدخول، أنّه يبطل عنها المتعة، إذ إنّ وجوب المهر، أو نصف المهر، لا ينفي حقّ المطلّقة بالمتعة، فاجتماعهما ليس محالا، والقرآن دلّ على وجوب ذلك [الأحزاب ٣٣/ ٤٩].
والنتيجة أن الآية أسقطت الحرج في تطليق النساء قبل الجماع، فلو قيل: هل من حرج لو طلّقها بعد الجماع؟ فالجواب بقوله ﷺ : «إنّ الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات»، وذلك يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق.
ومن معنى الآية أيضا إباحة تطليق المرأة قبل المسيس إطلاقا، في أي وقت، سواء كانت في الحيض أو الطهر، ولا عدّة عليها [الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، وليس الأمر كذلك بعد المسيس، إذ ليس لزوجها أن يطلّقها إلاّ في طهر لم يجامعها فيه، وعليها العدّة.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٧)
٢٣٧ - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أي نصف ما فرضتم لهنّ يسقط، وهو حكم المطلّقة غير
стр. 150
الممسوسة، فلها نصف الصداق فقط، ولها المتعة، ولا عدّة عليها [الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ جعل تعالى العفو إليهنّ، إن شئن أخذن حقّهنّ، وإن شئن عفون ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزوج، وعفوه أن يعطيها الصداق كاملا ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ الخطاب للرجال والنساء معا، غير أنّ الغلبة في الخطاب للذكور إذا اجتمعوا مع الأناث، والمعنى إن تعفوا أيها المفارقون أزواجكم أقرب لكم إلى تقوى الله ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ للترغيب في العفو ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم بإحسانكم أو إساءتكم.
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ (٢٣٨)
٢٣٨ - نلاحظ في أسلوب القرآن الكريم أنّ الآيات المطوّلة المتعلّقة بالتشريع الاجتماعي يتخلّلها غالبا آيات الحثّ على التقوى والعبادة، وهكذا ترد هنا آيات الصلاة بين آيات شرع الزواج والطلاق، والمغزى من ذلك أن العبادة ليست مجرد شكليات وطقوس بل يجب أن يرافقها العمل بما ينص عليه الشرع ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ استدلّ البعض أنّ هذه الآية تدل بشكل غير مباشر على عدد الصلوات اليومية الخمسة، لأنّ كلمة صلوات تدلّ على الثلاثة حيث إنّ أقلّ الجمع ثلاثة ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ تدلّ على زيادة عن الثلاثة، وإلاّ كان في الكلام تكرار، والأصل عدم التكرار، ثمّ بعد الزيادة لا يكون المجموع أربعة، وإلاّ فليس للمجموع وسط، فأقلّ ذلك أن يكون العدد خمسة، وهذا الاستدلال مبني على أنّ الوسطى في العدد، وليس في الفضيلة، أمّا الآيات التي تشير إلى أوقات الصلاة فهي [الروم: ٣٠/ ١٧]، [الإسراء: ١٧/ ٧٨]، [طه: ٢٠/ ١٣٠]، [هود: ١١٤/ ١١]، أما قوله تعالى ﴿حافِظُوا﴾ ففي الحديث: «احفظ الله يحفظك» أي حافظ على طاعة الله يحفظك الله، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (١٥٢)﴾، وقوله : ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ [المائدة ٥/ ١٢].
стр. 151
واختلفوا في الصلاة الوسطى فقيل إنّها الصبح، وقيل الظهر، وقيل العصر، وقيل المغرب، وقيل العشاء (الرازي)، وقيل المراد من الوسطى الصلاة النابعة من القلب بحضور الذهن، واستحضار المعاني في أثناء القراءة (المنار)، وعلى هذا يكون تقدير الآية: حافظوا على الصلوات، بأن تكون صلواتكم وسطى، ولذا أتبعها تعالى بقوله ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ أي بخشوع وسكينة.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٩)
٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ سواء كان الخوف من عدوّ أو غيره ﴿فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ أي فصلّوا وأنتم راجلين مشاة أو راكبين في حالة الخوف، وقالوا إنّ الصلاة لا تتمّ إلاّ بثلاث: ١) النيّة بالقلب، ٢) والقراءة، ٣) وأعمال الجوارح وهي القيام والركوع والسجود باتجاه القبلة، ففي حال الخوف تبقى الأولى والثانية وتسقط الثالثة ويكتفى بالإيماء في أي اتجاه، وأمّا الوضوء فيجزيء عنه التيمّم ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ بزوال الخوف عنكم ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فأقيموا الصلاة على تمامها، واذكروا الله واشكروه على نعمته عليكم بما علّمكم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠)
٢٤٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ الحول هو السنة، وتقدير الآية: أنّ الذين يتوفّون منكم، بعد أن أوصوا وصيّة لأزواجهم بنفقة، وسكنى لمدة سنة في بيت الزوج ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ فإن خرجن من بيوت أزواجهنّ قبل إتمام السنة، وبعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا حرج عليهنّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾
стр. 152
﴿مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لأنه تعالى أباح لهنّ الخروج والزواج بعد إتمام العدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا يلزمهنّ انتظار تمام السنة، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون تقدير الآية: وصية من الله لهنّ بإتمام السكنى لمدة سنة في بيوت أزواجهنّ، إن شئن، أي إنه تعالى جعل لهنّ الخيار والحق في ذلك، وأنّ على الرجال الوصية لأزواجهم بإتمام سكنى الحول في بيوتهم إن شئن.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١)
٢٤١ - ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ هذا الحكم عام لكلّ المطلّقات، بايجاب المتعة لهنّ، ولم تحدد الآية مقدار المتعة لأنها تتوقف على مقدرة الزوج المالية لقوله تعالى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢٣٦)، أي أعطوا المطلّقات من أموالكم ما يتمتّعن به، وقال بعضهم المتعة هي النفقة، وهي ليست مقتصرة على ما هو واجب، بل ما هو مستحبّ أيضا لقوله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢٣٧).
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٤٢)
٢٤٢ - ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي بتشريع الحلال والحرام في الحياة الزوجية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما هو صالح لكم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢٤٣)
٢٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ بعد تشريعات الحياة الزوجية ينتقل القرآن الكريم إلى موضوع آخر وهو الجهاد، مشيرا إلى أقوام خرجوا من ديارهم للنجاة بحياتهم وهربا من العدوان، ولم يشر القرآن الكريم، ولا السنّة الشريفة، من هم هؤلاء القوم؟ ولا يشترط أن تكون الآية لقصّة واقعة بعينها، وإنما هي مثل يتكرر في تاريخ الأمم ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ أي قضت سنة الله في خلقه أن يموتوا بما أتوه من أسباب الموت،
стр. 153
كالجبن والتخاذل والتفكك والتخلّي عن الديار، ممّا يؤدّي إلى تنكيل العدو بهم، واستيلائه على ديارهم، فيموتون كمجتمع وكأمّة، ويتفرّق شملهم، فهذه دعوة للمؤمنين في كلّ الأوقات كي يكونوا مستعدّين متكاتفين، وتحذير لهم بعدم التقصير ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ أي أحيا أمّتهم بعد أن غيّروا ما بأنفسهم، فوحّدوا كلمتهم وبذلوا أنفسهم ومالهم لتدارك ما فاتهم، فحياة الأمم متوقّفة على الإيمان والعمل ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بما جعل في الحياة من هذه السنن، إذ جعل المصائب سببا لإحياء عزائم الأمم من جديد ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وهي حال أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة ربهم، فلا يستفيدون من سنة الله في خلقه.
﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٤)
٢٤٤ - ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بعد أن حذّر تعالى المؤمنين في الآية السابقة من موتهم كأمة، أتبع تعالى ذلك بالحض على القتال في سبيل الله، دفاعا عن مجتمع المسلمين وعقيدة الإسلام ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعائكم عليم بعملكم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥)
٢٤٥ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ استمرار للآية السابقة، لأنّ القتال في سبيل الله يحتاج لبذل المال للتجهيز للقتال، ولحثّ المؤمنين عليه فقد جعل تعالى بذل المال بمثابة الإقراض له، وهو الغني عن العالمين، وفي التفسير المأثور لهذه الآية قول عمر ﵁: القرض الحسن هو المجاهدة والإنفاق في سبيل الله ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ أي فيضاعف ثوابه، والمضاعفة أيضا تنعكس على الأمة بعزتها وغناها وكثرة مرافقها وسعادتها ودوام النعمة على أفرادها ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ يحجب الرزق عن البعض لأنهم يجهلون سننه في
стр. 154
خلقه أو يتساهلون في اتّباعها، ويبسطه للبعض بما يوفقه من الهداية إلى معرفة تلك السنن واتّباعها، فيفتح لهم الأبواب ويسهّل الأسباب ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبكم على ما قدّمتم ويوفّيكم أعمالكم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٢٤٦)
٢٤٦ - بعد الآيات الثلاث السابقة، ضرب تعالى مثلا بقصة طالوت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ الملأ هم أكابر القوم ﴿إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بعد وفاة موسى ﵇ خلفه عدد من الأنبياء كان آخرهم صموئيل، وهو النبيّ المشار له في هذه الآية، وقد تعرّض اليهود خلال تلك الفترة للكثير من النكسات المادية والفكرية وانتشر فيهم الفساد، فطلبوا من نبيّهم أن يعيّن ملكا عليهم يقودهم لقتال الأقوام المجاورة التي كانت تهددهم، العام ١٠٢٠ ق. م ظنا منهم أن وجود القيادة الحازمة كاف لإخراجهم من أوضاعهم المتردية، غافلين عن سنته تعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا﴾ لعلمه بفساد نفوسهم ﴿قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ أي اضطروا للخروج من مصر مع ذريتهم هربا من الاضطهاد ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بترك الجهاد.
والخطاب ذو علاقة بالآيات السابقة في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٢٤٣)، وقوله ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ (٢٤٤)﴾، فكأنّه تعالى أكّد وجوب الجهاد بأن ذكر قصة بني إسرائيل، وفي الخطاب حثّ للمسلمين على الجهاد ضد العدوان في كلّ زمان.
стр. 155
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٧)
٢٤٧ - ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ طالوت هو المسمّى شاؤول في كتب اليهود ﴿قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ كان كبار بني إسرائيل مدفوعين بأطماعهم الشخصية، كلّ منهم يريد أن يكون الملك له، لذا زعموا أنّ طالوت ليس من أهل الملك، واحتجّوا بأنّه لم يؤت سعة من المال إذ كان فقيرا ﴿قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ اصطفاه أي فضّله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للحكم ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي إن من طبيعة الأمور أن يكون ولي الأمر من العلماء الأقوياء، وقد بيّن تعالى أنّ طالوت كان أهلا للملك لسببين: أحدهما العلم، والثاني المقدرة، فالعلم والمقدرة لا يمكن سلبهما من الإنسان، بينما يمكن سلب الجاه والمال منه، كما أن العالم القادر يمكن الانتفاع به للحفاظ على مصلحة الأمة أكثر من العالم الضعيف، أو الغني صاحب النسب، وقد قدّم تعالى البسطة في العلم على البسطة في الجسم، لأنّ الميّزات الفكرية أعلى مرتبة من القوّة ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي إنّ له سنّة في الأسباب المؤدية للملك ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ في إسباغ الملك والنعم ﴿عَلِيمٌ﴾ يؤتي الملك من يشاء بحكمته.
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٤٨)
٢٤٨ - ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ آية ملكه هي الإشارة أو العلامة الدالّة على أنه تعالى قد بعث طالوت ملكا ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال البيضاوي إن التابوت هو القلب، أما السكينة فهي الأمن والثبات
стр. 156
والسكون، كما في قوله تعالى ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤٨/ ٢٦]، أي أنّ علامة ملكه تكون في نزول السكينة على قلب كلّ منهم ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ بما أنّ الأنبياء لا يورّثون سوى الدين والشريعة، فتكون البقية هي الدين والشرائع التي ورثها أجدادهم عن موسى وهارون، تتنزّل بها الملائكة عليهم، والمعنى أن تنتظم أمور دينهم وشرعهم بعدما ضلّوا عن شريعة موسى وهارون ودخلت فيهم العادات الوثنية، وانتشر فيهم الفساد ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تلك هي المعجزة الباهرة، إن كنتم مؤمنين بدلالتها، أمّا أقوال بعض المفسّرين عن كون التابوت صندوقا يحتوي على التوراة وعلى عصا موسى، فيرى محمد أسد أنها منبثقة من أساطير تلمودية لا تستند على أساس، والمعلوم أن الكثير من كتب اليهود التي بين أيدينا كتبت في وقت متأخر بعد وقوع الأحداث بزمن طويل، فالكثير منها كتب خلال فترة الأسر البابلي أي بعد داوود وسليمان بحوالي ست مئة عام، ومنها ما كتب بعد ذلك، والتلمود كتب بعد بعثة المسيح ﵇.
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٢٤٩)
٢٤٩ - ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ بعدما أذعنوا لملكهم الجديد غادر البلدة بهم للقاء العدو فقال ﴿قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ مبتليكم أي مختبركم، وابتلاء الناس يكون بظهور الشيء فالله تعالى لا يثيب ولا يعاقب الناس بعلمه المسبق عنهم، ولكن بظهور الأفعال منهم، وذلك لا يحصل إلاّ بالتكليف، ولذا سمّي التكليف ابتلاء ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ التكليف كان عدم الشرب من
стр. 157
النهر، رغم العطش والمشقة، والمغزى أن الإيمان والثقة بعدالة القضية لا قيمة لهما إذا لم يرافقهما الانضباط والالتزام بالشرع، وعدم الاكتراث بالمصالح المادية الشخصية ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ بعد أن جاوز النهر مع القليل من المؤمنين معه أبدى الباقون أنهم لا يستطيعون مجابهة جالوت ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ لم يكن لدى الموقنين بالآخرة أي شك بالنتيجة النهائية ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الصابرين على صعوبة التكليف.
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٥٠)
٢٥٠ - ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ عند اللقاء توجهّوا إلى الله تعالى بالدعاء قائلين: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ تعبيرا عن المبالغة في طلب الصبر تجاه أهوال الحرب ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ حتّى لا نضطر إلى الفرار ﴿وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال البيضاوي: في هذا الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا ربّهم الصبر، ثم الثبات، ثم النصر الذي يترتب على الصبر والثبات.
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١)
٢٥١ - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بتوفيقه وتيسيره ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ كان داوود في جيش طالوت واستطاع أن يقتل جالوت ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ بعد موت طالوت، خلفه داوود في الملك ﴿وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ أي آتاه النبوة لقوله تعالى ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [النساء ٤/ ١٦٣]، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وهو شرح للكيفية التي يسير بها العالم وفق الخطة الالهية، وهو مغزى القصة، فالله تعالى يعطي السلطة والقوة لبعض
стр. 158
الأمم ضمن حدود معينة، فإذا تجاوزت وفسدت جابهها بأمّة أخرى لتكبحها، ولو أنّه فسح المجال لأمة واحدة أن تسيطر وتطغى إلى الأبد لانتشر الفساد وعمّت الشرور ﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ فمن فضله تعالى أنّه يضع حدّا للفساد والطغيان.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٥٢)
٢٥٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بما فيها من العبر البليغة ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنّ النبي ﷺ عرف تاريخ الأقوام القديمة عن طريق الوحي، من غير تعلّم ولا دراسة، وفي ذلك إفحام لمن شكّك في نبوّته من أهل الكتاب، خاصة إذا عرفنا أن كتب اليهود والنصارى لم تكن مترجمة للعربية زمن البعثة النبوية، ولم تترجم للعربية حتى العام ١٠٦٠ م.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ (٢٥٣)
٢٥٣ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ وهو موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ وهو محمد ﷺ كونه بعث للناس كافة، بخاتم الرسالات لكل العصور والأزمان ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ورود عيسى ﵇ في هذا السياق للتأكيد على كونه نبيا ولدحض ادعاءات من اعتبروه إلها، ولمعنى التأييد بالروح القدس راجع آية [المائدة ٥/ ١١٠]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فطر تعالى الناس على حرية الرأي والاختلاف، ولو شاء تعالى لجعل سنته في خلقه أن يعذر المتخالفون بعضهم بعضا وأن يكون خلافهم في الرأي مقتصرا على النقاش فيدعم كل منهم رأيه بالحجة فقط، فلو
стр. 159
كانت تلك سنته تعالى في الخلق لما اقتتلوا، ولكن جعلهم درجات في الفهم والفكر، فكان اختلافهم في الرأي والمصالح، مع عدم عذر بعضهم بعضا، مؤديا إلى الاقتتال بين بعضهم البعض.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٥٤)
٢٥٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ بعد قصّة داود وطالوت، يعود القرآن الكريم إلى موضوع الآية التي سبقت هذا الشرح ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (٢٤٥)، ويلاحظ في قوله ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ أنّه لا يطلب من المؤمنين إلاّ بعض ما جعلهم مستخلفين فيه، والعبرة في الآية أنّ من اتّبعوا طريق الإيمان الصحيح يجب أن يكونوا مستعدّين للتضحية المالية في سبيل ذلك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ حيث لا تقدرون يومئذ على ابتياع شيء بأموالكم ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ الخلّة من الخليل وهو الصديق، والمعنى أن خليل المرء، إن كان ينفعه في الدنيا، فلا يقدر على شيء في الآخرة ﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ لا شافع يشفع لهم عند الله كما كان بعضهم يشفع لبعض في الدنيا ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الكافرون في هذا المجال هم الذين يعتبرون ممتلكاتهم الشخصية لديهم أعز من رضا الله، أو من يظنون أنهم رغم شحّهم وإحجامهم عن التضحية فسوف لن يحاسبوا على ذلك يوم القيامة فيغفر لهم بشفاعة غيرهم، والظلم والكفر يتواردان في القرآن على المعنى الواحد فيطلقان تارة على ما يتعلق بالعقيدة وتارة على ما يتعلق بالعمل.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
стр. 160
٢٥٥ - بعد أن ذكّر تعالى في الآية السابقة بيوم القيامة، حيث لا ينفع المرء مال ولا خلة ولا شفاعة، أتبعها في هذه الآية بأن لا سلطة حقيقية في الوجود إلاّ لله وحده:
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، وبالتالي لا مستحقّ للعبادة سواه، والعبادة هي الطاعة، فالمعنى لا مستحق للطاعة المطلقة إلاّ الله تعالى ﴿الْحَيُّ﴾ له الحياة الدائمة وكل ما عداه فان والمخلوقات تحيا بإمداد منه ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بذاته والقيّم على كلّ شيء من خلقه ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ السنة هي النعاس، والمعنى لا يغيّره ما يغيّر غيره، ولا يزيله عمّا لم يزل عليه، والدائم على حال واحد لا يتغيّر ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ الجميع عبيده، وكلهم مقهور لسنّته في الكون ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ لأنهم ظنّوا أن لهم شفعاء عند الله انظر آية [يونس ١٠/ ١٨]، وآية [الزمر ٣٩/ ٣]، ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما هو ضمن ادراكهم، وما هو خارج ادراكهم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ لا يعلمون من علم الغيب والمشاهدة إلاّ ما شاء أن يعلموه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ كرسيّه كناية عن علمه، أي إن علمه وسع كلّ شيء كما أخبر تعالى عن نفسه في دعاء الملائكة ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر ٤٠/ ٧]، وأصل «الكرسي» العلم ومنه «الكرّاسة» وهي الصحيفة التي كتب بها علم، ومنه يقال للعلماء «كراسي» ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ لا يشقّ عليه حفظ هذه العوالم، فهو العليّ عن النظير، وكل ما دونه صغير عن عظمته.
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥٦)
٢٥٦ - في الآية السابقة أن الله تعالى هو القيوم على خلقه، لذا بعث إليهم الأنبياء والرسل، وختمهم بالنبي الأحمد ﷺ (الآية ٢٥٣) فتميّز الحق من الباطل:
стр. 161
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ بعد أن تميّز الحق من الباطل، لا يصحّ أن يكون الإيمان مبنيا على الإجبار والقسر، وإنّما على الحرية والاختيار، لأنّ القهر والإكراه ينافيان التكليف فيبطل معنى الاختبار.
والخطاب استمرار للآية (٢٥٣) إن الاختلاف سببه حرية الخيار التي كرّم بها تعالى خلقه، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ١٨/ ٢٩]، وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ١٠/ ٩٩]، وقوله تعالى ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء ٢٦/ ٤]،
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ الطاغوت كلّ رأس في الضلال كائنا ما كان، سواء كان معبودا بقهر منه لعابديه، أو بطاعة ممّن عبدوه، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة، وقدّمت الآية الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى، في إشارة أنّه لا يجتمع الإيمان بالله مع طاعة رؤوس الضلال ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها﴾ العروة الوثقى أي التي لا تنقطع، وهي ما يتعلّق به المرء للنجاة، ضربها تعالى مثلا لما يعتصم به المؤمن، وقيل هي الإسلام، ولا تنقطع لقوله تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٨/ ٥٣]، والاستمساك بالعروة الوثقى لا يتم إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان الصحيح وما يترتب عليهما ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع للقول عليم بالنوايا.
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧)
٢٥٧ - ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين اختاروا الإيمان، والمؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد عليه إلا الله تعالى ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾
стр. 162
يخرجهم بتوفيقه من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وهذا بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين، لأن الولاية على العقول والقلوب هي لله وحده ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الذين اختاروا الكفر وصمّموا عليه ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ لأنه لا سلطان على نفوسهم إلا الباطل ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ من النور الذي منحوه بالفطرة وبالرسالات السماوية إلى الكفر والجهل والانهماك في المادة ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بما اكتسبوه لأنفسهم من الضلال.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥٨)
٢٥٨ - الآية تضرب مثلا لما قبلها بمعنى:
انظروا إلى إبراهيم كيف اهتدى إلى الحجج القيّمة بولاية الله له، وإلى الذي حاجّ إبراهيم كيف تعامى عن نور الحجّة باستسلامه للطاغوت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ قيل هو ملك كلدان في العراق وقت بعثة إبراهيم ﵇ ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي أنّ إيتاء الله تعالى الملك له حمله على الغرور والمحاجّة، فقد كان نظام حكمه قائما على التفرد والتسلط ﴿إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ حجّة إبراهيم شبيهة بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة ٢/ ٢٨]، ومغزى قول إبراهيم: أنّ الحياة إنما تكون بإمداد من الله وحده، والموت يكون بسحب هذا المدد منه، وبالتالي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، ولا مستحقّ للطاعة المطلقة إلاّ هو، وبذلك نفى كل ادّعاء للألوهية أو الربوبية عن الملك وغيره، وقد يكون قصد إبراهيم من الإحياء معنى الهداية: كقوله تعالى ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام ٦/ ١٢٢] فيكون الكفر
стр. 163
بمثابة الموت، والإيمان بمثابة الحياة، لأنّ إبراهيم كان بصدد دعوة الملك إلى الهدى،
﴿قالَ﴾ الملك ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ لم يفهم الملك مغزى كلام إبراهيم إلاّ فهما سطحيا، بمعنى أن باستطاعة الملك قتل من يريد وترك من يريد حيّا، فلذلك انتقل إبراهيم من الإقناع المعنوي إلى الإقناع الحسّي فقال له: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بهت أي صار مغلوبا لا يجد حجة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الظالم بهذا المعنى الإعراض عن النور الإلهي، وهو نور العقل الصحيح البريء من الأهواء الذي لم يستسلم للطواغيت، وينسب تعالى «الهداية» إلى مشيئته لأنّ سنن الطبيعة بأكملها من أسباب ونتائج تعود إليه، ومن ذلك أنّ الاهتداء نتيجة طبيعية لحرية الخيار الذي منحه تعالى لبني آدم، انظر شرح الآية (٦)، فالكافر لم يقرّ بالايمان رغم الدليل القاطع، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ١١١]، وقوله تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤].
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٥٩)
٢٥٩ - من المهم ملاحظة أنّ هذه الآية تتوسط الآية السابقة التي يقول فيها إبراهيم ﵇ للكافر: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ثم الآية التالية التي
стр. 164
يطلب فيها إبراهيم من ربّه أن يريه إحياء الموتى، وفي هذه الآية يبيّن تعالى نسبيّة الزمن، ومعجزة الخلق الموجودة في كلّ شيء:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ ليس في القرآن والسنة ما يدلّ على شخصية الذي مر على القرية أو مكانها، وليس من المهم معرفة من هو لأنّ العبرة بمغزى القصة ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالية من أهلها وقد انهارت سقوفها ﴿قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ قال ذلك تعجبا واستغرابا، أو استبعادا ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بعثه برهانا لقدرته تعالى على إحياء الموتى ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتسنّه أي لم يؤثر عليه مرّ السنين، فبقي كما هو ﴿وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾ معطوف على قوله ﴿فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ﴾ والمعنى أنّ الحمار أيضا لم يتسنّه، ولا زال حيا برهانا على قدرته تعالى على منح الحياة بلا أمد ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ لأنه عندما يخرج إلى الناس فسوف يجد أن الأجيال قد تغيرت وبقي هو على حاله، وهذه العبارة تتوسّط الكلام، بين المعجزات الخاصة بإحيائه وعدم تسنّه الطعام وإبقاء الحمار حيّا، وبين المعجزة العامة التي غفل عنها هذا المتعجّب وهي نشوز العظام من العدم:
﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ أي تفكّر في معجزة الخلق المستمرّة، وكيف يتطور الجنين وتتكوّن عظامه في الرحم وهذا منتهى الإعجاز، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون ٢٣/ ١٤]، فمن ينظر في ذلك لا يستغرب إحياء القرية بعد موتها، فالمعجزات موجودة في الخلق وفي كلّ وقت، والزمن نسبي، وللإنسان أن يتدبّر ذلك ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أدرك حقيقة الإعجاز فيما اعتاد أن ينظر إليه كمسلّمات من الأمور العاديّة.
стр. 165
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠)
٢٦٠ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ أرني بعيني كيفية إحيائك الموتى، وهو سؤال بصيغة الإقرار إذ بدأه إبراهيم بإقرار الربوبية، ﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وهو سؤال بصيغة بيان الواقع، أي سبق وقد آمنت يا إبراهيم، والمعنى أنّ الإيمان بهذا السر الإلهي والتسليم به كاف، فذلك منتهى ما يطلب من البشر، ولا ينبغي لهم ولا يمكن لهم معرفة كنه القدرة الإلهية ممّا استأثر به تعالى في علمه، ﴿قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ طلبا للطمأنينة فيما تاقت إليه نفس إبراهيم من معرفة أسرار الربوبية، وقد يكون سؤال إبراهيم بمعنى: ربّ أرني كيف تهدي الكفار، لقوله تعالى ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام ٦/ ١٢٢]، ﴿قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي أملهنّ إليك، لأنّ صاره أو يصيره بمعنى أماله، والمقصود أن تألفه الطيور فتميل إليه، قال أبو مسلم الأصفهاني: هذا هو المشهور في اللغة، وأما التقطيع والذبح كما يقول البعض فليس في الآية ما يدلّ عليه، وثانيا: لو كان المقصود قطّعهنّ لما قال ﴿إِلَيْكَ﴾ وإنما يستقيم المعنى عندما يكون أملهنّ إليك، وثالثا: أنّ الضمير في ﴿اُدْعُهُنَّ﴾ عائد للطيور وكذلك الضمير في ﴿يَأْتِينَكَ سَعْياً،﴾ ﴿ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً﴾ جزء الأربعة هو الواحد أي اجعل على كل جبل منها واحدا (الرازي)، ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ مهما كانت الجبال بعيدة تأتيه الطيور بمجرد دعوتها، والمغزى أنّه كما أطاعت الطيور إبراهيم فأتت إليه بمجرد دعوتها، فكذلك يحيي الله الموتى، ويهدي الكفار بقوله كن فيكون، وذلك غاية ما يطمح البشر لمعرفته من سر الإحياء والهداية ﴿وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في خلقه.
стр. 166
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١)
٢٦١ - بعد أن بيّن تعالى موضوع الإيمان في الآيتين السابقتين أتبع في هذه الآية بذكر الإنفاق، لأن الإيمان اليقيني والعمل الصالح لا ينفك أحدهما عن الآخر:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الإنفاق في سبيل الله يشقّ على الكثير من النفوس، فعلّمهم تعالى أنّ ما ينفقونه في المصالح العامة مفيد لهم في دنياهم وآخرتهم، وقد ذكر في الآية (٢٤٥) أنّ الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافا كثيرة، ثم ذكر هنا سبع مئة ضعف تعبيرا عن الكثرة وليس تحديدا لها، ولذلك قال ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ فيزيده زيادة لا تقدّر ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ لا ينحصر فضله ولا حدود لعطائه ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق المضاعفة من المخلصين، ومن الواضح أنّ آثار النفقات تظهر آثارها مباشرة في قوة الدين وانتشاره، وسعادة المسلمين، وازدهار مؤسساتهم الدينية والإجتماعية والصحية.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٦٢)
٢٦٢ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً﴾ المنّ في الأصل هو النقص لأنّه ينقص النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم ٦٨/ ٣] أي غير منقوص وغير مقطوع، ومنه سمّي الموت منونا لأنّه ينقص الأعمار، ظاهريا، أو يقطعها، والمعنى أنّ المنّ، وهو أن يذكر المحسن تفضّله على من أحسن إليهم، ينقص الأجر أو يبطله، وكذلك الأذى، وهو مباهاة المرء بإحسانه أمام الغير، لأنّ الإنفاق إن كان خالصا لوجه الله فلا معنى
стр. 167
لمنّ المنفق على من أنفق عليه، لأنّ المعطي حقّا هو الله وليس العبد، فعليه أن يعتقد بأنّ الله قد أنعم عليه إذ وفّقه لهذا العمل ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم عند فراقهم الدنيا ولا من أهوال القيامة، ولا يحزنون على ما خلّفوا وراءهم في الدنيا.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٢٦٣)
٢٦٣ - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قول جميل، ودعاء الرجل للسائل ولو لم يعطه شيئا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي ستر منه على السائل لما يعلمه من سوء حالته ﴿خَيْرٌ﴾ عند الله ﴿مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾ بالتفاخر أمام الناس أو سوء القول أو سوء المقابلة ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ عمّا يتصدّقون به ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجّل بالعقوبة على من يمنّ بالإنفاق على غيره ويؤذيه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦٤)
٢٦٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المراد إبطال أجرها وثوابها بالمنّ والأذى، لأنّ المرائي لا يؤمن بالله واليوم الآخر إلا إيمانا ظاهرا، وهو ينفق كي يظهر أمام الناس، فبطلان أجره وثوابه لا شك فيه، كبطلان أجر وثواب المؤمن الذي يتبع صدقاته بالمنّ والأذى ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي المرائي ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ الصفوان هو الصفا أي الصخرة الملساء ﴿فَأَصابَهُ وابِلٌ﴾ من المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ أي صلبا أملس، وقد شبّه تعالى نفقة المرائي والمانّ والمؤذي، بالمطر ينزل على صخر عليه تراب قليل، فيذهب التراب وتبقى الصخور لا تستفيد من المطر ولا تنبت شيئا، والمعنى أنّ ثواب الإنفاق يبطل بسبب المن والأذى والرياء ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ المرائي والمانّ
стр. 168
والمؤذي لا يكسبون ثواب ما أنفقوا ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ من يختار الكفر والنفاق لا يهتدي إلى الإخلاص بإنفاق المال على الوجه الصحيح.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٦٥)
٢٦٥ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ يريدون رضا الله وهو غايتهم الأولى من الإنفاق ﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تثبيتا من أنفسهم لهم على طاعة الله وهي الغاية الثانية، وقيل إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، وقيل تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم في منازل الايمان ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أي بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ الربوة هي المكان المرتفع عن السيل ﴿أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أصابها المطر الغزير فضاعف ثمرها، فشبّه الإنفاق بالمطر الغزير ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ إن لم يصبها المطر يهبط عليها الندى أو الرذاذ أو المطر الخفيف وهو الإنفاق القليل بقدر المستطاع، ومعنى التشبيه أن المنفق ابتغاء مرضاة الله كالبستان الخصب إذا أصابه الخير الكثير، أي الإنفاق كالمطر المنهمر، وإن أصابه خير قليل أنفق منه بقدره كالندى، وفي الحالتين يناله ثواب عظيم وهو معنى قوله ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ،﴾ ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بصير بالإنفاق وبالنوايا.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٦٦)
٢٦٦ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ الكلام لا يزال في الإنفاق، وقد ضرب تعالى مثلا بمن حصل على نعم الدنيا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ وكان له فيها من كلّ مباهجها ﴿وَأَصابَهُ﴾
стр. 169
﴿الْكِبَرُ﴾ وهو لا زال ممسكا عن الإنفاق، مفرّطا في طاعة الله، ولم يكن همّه إلاّ الدنيا ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ فنشأت ذريّته مثله، تعمل لدنياها ولا تعمل لآخرتها، وهذا منتهى الضعف ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ترك دنياه خلفه بعد موته فلا تفيده شيئا، كأنّما أصابها إعصار فاحترقت، والإعصار كناية عن الشحّ ومنع الإنفاق والتهالك على المادة، والمعنى أنّه بعد موته وجد نفسه صفر اليدين، بأشدّ الحاجة إلى عمل صالح لو كان فعله، روى مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لعلّكم تتفكّرون في زوال الدنيا وإقبال الآخرة فتعملون لها قبل فوات الأوان، لأن الامتناع عن الإنفاق، أو الإنفاق رئاء الناس، كمن احترقت ثروته فلم يبق منها شيء، انظر الآية (٢٥٤).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢٦٧)
٢٦٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ طيبات ما كسبتم بمعنى أنّ الزكاة والصدقة يجب أن تكونا من المال الحلال، والمعنى أنّ الأصل في مال المؤمنين أن يكون حلالا ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من نتاج الزراعة والمعادن والوقود ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ لا تقصدوا كسب المال الحرام ثمّ تنفقوا منه ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ لأنّ المال الحرام الذي تحصّل من الرشوة، وأكل مال الغير بالباطل، قد حلّله المرء لنفسه باختلاق أعذار واهية، فكأنه أغمض عينيه عن إثمه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غنيّ عن صدقاتكم كلّها، فكيف بالحرام منها؟ وحميد بما أعطاكم من النعم.
стр. 170
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦٨)
٢٦٨ - ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ وسوسة الشيطان للنفس الأمّارة بالسوء تخوّف المرء من الفقر إذا أراد الإنفاق ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ عن طريق الوسواس السييء، والفحشاء البخل، لأن البخل عند العرب من أفحش الفواحش ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ بستر المعاصي وتكفير الذنوب ﴿وَفَضْلاً﴾ بأن يخلف على المنفق في الدنيا بتسهيل أسباب الرزق له، كما يرفع من شأنه في قلوب الناس، وهو الرزق المعنوي ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ واسع المغفرة والغنى ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنفقات والغيب ومستقبل العباد.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩)
٢٦٩ - بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أن الشيطان يعد الفقر، ويوسوس به، ويأمر بالفحشاء، وأنّ الرحمن يعد بالمغفرة والفضل، نبّه على أنّ الحكمة ترجّح وعد الرحمن، فقال تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ والحكيم هو المنفق ماله، بدليل أن الآية السابقة والآية التي تلي كلاهما في الإنفاق.
ومن تفسير الحكمة في القرآن الكريم أنّها العقل والعلم والعمل به كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ٣١/ ١٢]، وهي أيضا بمعنى الحكم القرآنية كقوله تعالى ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢/ ٢٣١] ولذا قيل إن الحكمة هي القرآن والفقه به،
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بالإنفاق حسب الآيات (٢٦١ - ٢٦٧)، ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ لما يترتب عليها من المغفرة والفضل من الله، كما في الآية (٢٦٨)﴾، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ لأنّ أولي الألباب يعلمون الحكمة ويعملون بها،
стр. 171
قال الرازي في تفسير دعاء إبراهيم ﵇ بآية [الشعراء ٢٦/ ٨٣]: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ أي الحكمة النظرية ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي العمل بها،
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٢٧٠)
٢٧٠ - ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ سواء أخرجتم النفقة أو نذرتم انفاقها ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ يعلم ما أنفقتم ويعلم ما نذرتم فيجازيكم به بحسب نواياكم ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ الظالم بهذا المعنى من لا ينفق فهو بالنتيجة يظلم نفسه، انظر الآية (٢٦٦)، وإذا أنفق فهو ينفق لغير المستحق، فيظلم المستحقين.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٧١)
٢٧١ - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي نعم ما هي أو نعم الشيء هي.
والصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل، أمّا الزكاة فلا تطلق إلاّ على الفرض، قال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة ٩/ ٦٠]، وقال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ٩/ ١٠٣]، فسمّى الزكاة صدقة
﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ﴾ اشترط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء، والمقصود حثّ المتصدّق على تحرّي موضع الصدقة فيعطيها للمستحقين ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قد يكون المعنى ترجيح الإخفاء على العلانية، وقد لا يكون ترجيحا، بمعنى أن الإخفاء وإيتاء الفقراء هو خير من الخيرات، والقاعدة إظهار الفرض وإخفاء التطوع، روي أنّه ﷺ كان أكثر صلاته في البيت، إلاّ المكتوبة، فكذا في الصدقات ما لم يكن مصلحة في خلاف ذلك، وفي الحديث أنّ السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الإقتداء به ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ التكفير في اللغة التغطية والستر، فالكفارة ستر لما حصل من الذنب، وقوله تعالى ﴿مِنْ﴾
стр. 172
﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ يعني بعضها لكي يكون العبد بين الخوف والرجاء ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعلم صدقاتكم في السر والعلن.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٢٧٢)
٢٧٢ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمراد به هو وأمّته، والمقصود ليس عليك أن تلجئ غير المسلمين إلى الاهتداء بأن تمنع الصدقة عنهم، فمثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ فيكون الاهتداء بالتطوّع والاختيار ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تعود لكم منفعته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، ولا يضرّكم كفرهم ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ إن كنتم مهتدين حقّا ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ يوفّ إليكم جزاء الإنفاق في الآخرة ولا ينقص منه شيئا، فمالكم تمنعون النفقة وتمنّون عليهم؟ إنّما النفقة لأنفسكم وابتغاء مرضاة الله، وقد أجمعوا أنّ صدقة التطوع تجوز للمسلم وغير المسلم، أما الزكاة فخاصة بالمسلمين فقط.
﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢٧٣)
٢٧٣ - بعد أن بيّن تعالى أنّ صرف الصدقة يكون للفقراء بقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ (٢٧١)﴾، بيّن في هذه الآية الفقراء الأشدّ استحقاقا، فقال جل ثناؤه:
﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ المعنى أنفقوا للفقراء الذين حصروا أنفسهم أي وقفوها على الجهاد في سبيل الله، سواء كان هذا الجهاد بالقتال أو بالدعوة أو العمل لصالح الدين والمجتمع، وأيضا الذين تحمّلوا الأذى والضرر في
стр. 173
سبيل ذلك ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ﴾ لا يستطيعون السفر في البلاد طلبا للرزق لأنهم كرّسوا أنفسهم وأوقاتهم للجهاد ممّا يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ الجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء، لأنهم لا يسألون أحدا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ السمة هي العلامة، والمعنى أنّ أثر الجهد والفقر والحاجة ظاهر عليهم، لا يخفى على فراسة المؤمن ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ السائل الملحف هو اللحوح الذي يستخرج المال من غيره بكثرة إلحاحه وتلطّفه، والمعنى أنهم لا يسألون الناس، وإذا سألوا عن ضروة لم يلحّوا، لأنّ السؤال محرّم لغير ضرورة ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيثيبكم عليه.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤)
٢٧٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه الآية عامة في الذين ينفقون الصدقات في جميع الأوقات وجميع الحالات، كلّما ظهرت لهم حاجة محتاج أنفقوا عليها دون انتظار موسم أو وقت معيّن ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا يحزنون لفراق الدنيا وما خلّفوه وراءهم.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧٥)
٢٧٥ - هنالك علاقة مباشرة بين موضوع الربا في هذه الآية، وموضوع الصدقات الذي سبق، لأنّ أحدهما نقيض الآخر، فالصدقة هي إنفاق المال دون توقّع أي مردود دنيوي، في حين أنّ الربا هدفه تحصيل المال دون بذل أي مجهود
стр. 174
من قبل المقرض، كما أن أكلة الربا، على العكس من المنفقين تماما، يمتصون أموال الآخرين دون وجه حق: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ ويتهالكون على المادة ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ لأنّ الشيطان يدعو إلى طلب الدنيا واللّذات والشهوات، فينشغل الإنسان عن الذكر، وآكل الربا يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا عليها، فيصبح سلوكه كما لو أنّ به مسّ من الشيطان، وهذا تشبيه، لأن العرب زعمت أنّ الإنسان يتخبّط من مسّ الشيطان، والمسّ عندهم هو الجنون، وزعموا أيضا أن الجنّي يمسّ الرجل فيختلّ عقله، ولذا قالوا: جنّ الرجل، كما كانوا إذا أرادوا تقبيح شيء نسبوه إلى الشيطان، انظر الرازي، فخاطبهم القرآن على ما تعارفوا عليه، وقد يكون مسّ الشيطان أيضا وساوسه السيئة، وقيل المقصود وصف حالة أكلة الربا يوم الجزاء ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ كلمة ﴿ذلِكَ﴾ تشير إلى تخبطهم المذكور فيما تقدّم، أي إنّ حالتهم تلك سببها قولهم أنّ البيع مثل الربا ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وذلك لعدّة وجوه منها:
أ- الربا عبارة عن الاستيلاء على مال الغير بلا مقابل رغم أنّ المال له حرمة عظيمة، وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه»، فلذا يكون أخذ مال الغير من غير مقابل محرّما، فإن قيل: لم لا يكون هنالك مقابل لبقاء المال في يد المقترض، إذ لو بقي رأس المال في يد صاحبه لأمكنه أن يتّجر فيه ويستفيد ربحا في حين أن الربح استفاد منه المقترض، والجواب أنّ ربح المقترض المشار إليه أمر ظنّي قد يتحقق وقد لا يتحقق، في حين أن الربا الذي يقتصّه صاحب المال أمر مؤكّد فلا يجوز اقتصاص شيء مؤكّد مقابل شيء ظنّي، ولهذا السبب لا يدخل في الربا من يقرض آخر مالا يستثمره ويشاركه في ربحه أو خسارته إن حصل.
стр. 175
ب - التعامل بين الناس يجب أن يكون بحيث يستفيد الواحد من الآخر مقابل عمل، وليس لأحد حق على الآخر من دون عمل.
ج - الاشتغال بالربا غير منتج، ينتفع صاحبه به دون مشقة، وهو يصرف الناس عن الانشغال بالإنتاج المفيد كالصناعة والتجارة والحرف والعمار وذلك يؤدي إلى البطالة والركود والإضرار بالمجتمع.
د - لا معنى للاتّجار بالنقود مقابل النقود إلاّ اتّخاذها هدفا لذاتها، كالاتجار بالأوراق النقدية، وهذا ظلم فالنقود وجدت لتكون ميزانا لتقدير القيمة وتبادل السلع، فلو تبدّل ذلك وصارت النقود مقصودة لذاتها عن طريق الاتّجار بها لأدّى ذلك إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثرية الناس لتنحصر في أيدي من يقتصر عملهم على من يربحون المال بالمال، وبالنتيجة يبخس العاملون قيم أعمالهم لأنّ الربا يذهب بمعظم الربح فيهلك الفقراء.
هـ - غالبا ما يكون المقرض غنيا والمقترض فقيرا فبواسطة الربا يأخذ الغني من الفقير مالا زائدا مؤكّدا دون أن يتحمّل أي عبء أو مخاطرة مع الفقير، إذ يحتفظ بحقه في رأس المال كاملا، وقد ينتهي الأمر بالحجز على أموال الفقير بكاملها.
و- الربا استغلال محض يؤدّي إلى انقطاع المعروف والإحسان بين الناس.
﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ له ما أكل من الربا قبل نزول الحكم وحسابه على الله، والمعنى عدم ملاحقة المرابين لاسترداد ما أخذوه في السابق لأنّ ذلك يؤدّي إلى نزاعات قضائية لا حدّ لها، فالتحريم لم يكن له مفعول رجعي كي لا يسبب اضطرابا في المعاملات الاقتصادية بين الناس، وليس معنى ذلك أن ما أخذه المرابون في السابق يعتبر حلالا ولكن حسابهم على الله، وفي ذلك حثّ للمرابين كي يعيدوا طواعية ما أخذوه من ربا سابق إلى أصحابه ﴿وَمَنْ عادَ﴾ من عاد إلى استحلال الربا
стр. 176
والعمل به مدّعيا أن البيع مثل الربا صار كافرا: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٧٦)
٢٧٦ - بعد أن شرح تعالى في الآيات المتقدّمة مواضيع الربا والصدقات بيّن في هذه الآية عاقبة كلّ منها وهي محق الربا وإرباء الصدقات، أما المحق فهو النقصان، والإرباء هو النموّ، ويتّضح معنى الآية بقوله ﷺ «الربا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ» رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود، فالبركة تزول عن مال المرابي لأنه يستغرق في حب الدنيا، ويتهالك عليها، ويصبح جمع المال شغله الشاغل، وهدفا نهائيا بذاته، فيختلّ تفكيره ويفقد توازنه ولا يهنأ بكسبه، وتعمى بصيرته عن الحقيقة وعن الآخرة، وتؤول عاقبته إلى العداوة والكراهية بينه وبين الناس.
وتلاحظ العواقب الوخيمة للربا في الحياة الاقتصادية للأمّة على نطاق واسع: فالقروض الربوية منها الاستهلاكية التي يضطرّ لها الفقراء للوفاء باحتياجاتهم المعيشية اليومية، ومنها قروض الاستثمار التي قد يحتاجها بعض التجار والصناعيين والمزارعين لتأسيس أو تشغيل مشاريعهم.
أمّا القروض الاستهلاكية فمن الواضح أنّها تؤدي إلى خراب المجتمع، لأنّ الفقير يقترض ما يحتاجه لسداد قوته اليومي، فيكون عبء الربا من الثقل بحيث لا يستطيع سداد الدين الأصلي، بل قد يحتاج للاقتراض من جديد لسداد الفوائد، وهكذا قد يدفع أضعاف الدين الأصلي ويبقى أصل المبلغ دون سداد، والنتيجة أن فئة قليلة من الناس تستغل الأكثرية بامتصاص مجهودها فينخفض الإنتاج على المدى الطويل وتتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية معا وتنمو بذور الاضطرابات ويتفكك المجتمع.
стр. 177
أمّا قروض الاستثمار في المشاريع الإنتاجية فهي أيضا تسبب الضرر بالتثبيت المسبق لنسبة ربح فاحشة، كما يلاحظ في الأمثلة التالية:
(١) المشاريع الضرورية للمجتمع التي قد يكون مردودها المادي أقل من معدلات الفائدة على الإقراض تبقى من دون تحقيق لأنها لا تجد من يمولها.
(٢) لا يمكن لأحد أن يضمن سلفا أنّ مشروعه سوف يحقق ربحا أعلى من نسبة الفائدة على الإقراض أو يضمن أن يكون مشروعه رابحا أصلا ففي هذه الحال تبقي الجهة المقرضة ضامنة للربا الذي تستوفيه في حين يكون احتمال المخاطرة والخسارة على صاحب المشروع قائما.
(٣) تعتبر فوائد الإقراض عبئا ماليا يضاف إلى كلف المشروع فينتج عنها انخفاض معدل الربح وقد تجعل المشروع غير مجد اقتصاديا، بل قد تجعله خاسرا إذا كان هامش الربح متواضعا، وفي جميع الأحوال تبقى عاملا سلبيا تهدد المشروع بالخسارة والحجز.
(٤) بما أن اهتمام المؤسسات الربوية منصب فقط على تحصيل الربا بغضّ النظر عن نجاح المشاريع أو فشلها، فعند ظهور أقل مؤشر لركود الاقتصاد تبادر هذه المؤسسات لسحب أموالها من الأسواق ممّا يسبب تفاقم الركود وزيادة البطالة.
(٥) كثيرا ما تتصرف المؤسسات الربوية بأموال المودعين بأن تقرضها بربا فاحش إلى جهات يشكّ في نجاحها الاقتصادي، فهي بذلك تغامر بأموال الآخرين مقابل الربا الفاحش الذي تتقاضاه.
وعلى النقيض من كلّ ذلك فعندما تكون رؤوس الأموال شريكة في المشاريع، وليست مجرّد جهة خارجية مقرضة، فيتحمل أصحابها إمكانية الربح والخسارة، ويكون لهم مصلحة مشتركة في النجاح مع أصحاب المشاريع، وليس
стр. 178
مجرّد استغلال حاجة الآخرين للتمويل، فعندئذ تنخفض كلف المشاريع، ويزداد احتمال الربح وتكون النتائج لصالح الطرفين وازدهار الاقتصاد وانخفاض البطالة.
روي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإنّ نبيّ الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والريبة»، وفي حين أنّ الربا محرّم بلا جدال، فإنّ مشكلة الاقتصاد الحديث تكمن في المؤسسات الربوية التي تأخذ أموال المودعين مقابل فوائد أقل من نسبة التضخم، ثمّ تقرض هذه الأموال للآخرين مقابل الربا الفاحش.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧)
٢٧٧ - بعد أن وصف تعالى في الآية (٢٧٥) أكلة الربا الذين جعلوا الدنيا وجمع المال شغلهم الشاغل وهدفهم النهائي، فاستولى ذلك على عقولهم، واختلّ تفكيرهم وفقدوا توازنهم، فاستهلكتهم رغبتهم العارمة في مشاهدة أموالهم تتضاعف، وعميت بصيرتهم عن الحقيقة، ونسوا الآخرة، ثمّ في هذه الآية يذكر تعالى الصنف الآخر من الناس، الذين استوعبوا حقيقة الدنيا وزوالها، فقدّموا العمل الصالح لآخرتهم، فبشّرهم تعالى بأن لا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على فراق الدنيا، روى أحمد في مسنده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧٨)
٢٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بقلوبكم حقّا، أو إن كان إيمانكم شاملا لجميع ما جاءت به رسالة الاسلام.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.
стр. 179
٢٧٩ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إن لم تتركوا الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا يهنأ لكم عيش، ولا يطفئ ظمأكم للمادة شيء، وتجرون وراءها جري الوحوش، وفي زمن البعثة كانت مقاومة الرسول للمرابين بالحرب فعلا، أمّا في حاضرنا فنحن نرى أثر هذه الحرب في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الربوية، كازياد حجم العجز في ميزانيات الدول الكبيرة والصغيرة، وبشكل تصاعدي حاد لا يرجى منه شفاء، لأنّ الميزانيات لا تكاد تكفي لسداد الفوائد على القروض الحكومية، وقد ترتّب على ذلك تقلص الخدمات الاجتماعية والصحية لمستحقيها، ونقص الدخل وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وارتفاع نسبة الجريمة، واتساع الهوة بين دخل الأغنياء وعامة الناس بسبب تركز الثروة لدى شريحة قليلة من الناس ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي إن تبتم من استحلال الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فلا تظلمون الآخرين بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون بنقصان رأس مالكم.
﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠)
٢٨٠ - ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ العسرة من الإعسار، وهو تعذّر وجود المال، والنظرة من الإنظار وهو الإمهال، أما الميسرة واليسر فهي الغنى، والمعنى إذا كان المدين معسرا فعليكم إمهاله وتأجيل الدين حتّى يصير في يسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن تصدّقتم بالدين على المعسر فهو خير لكم من الإمهال، والصدقة تكون على الفقير، وأمّا على الموسر فلا، وهكذا فإنّ إمهال المعسر واجب، والأخذ منه بعد الإمهال حلال، ويستحبّ التصدّق عليه بالدين إن كان فقيرا، انظر الطبري.
стр. 180
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٨١)
٢٨١ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وهو يوم الحساب ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وتفصيل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧ - ٨]، وقيل أنّ هذه الآية مع آيات الربا وآية الدين آخر ما نزل من القرآن.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢)
٢٨٢ - في الآيات المتقدمة ذكر تعالى أحكام الإنفاق، ثمّ الربا، وفي هذه الآية يوصي تعالى بحفظ الأموال الحلال عن التلف والفساد، وذلك بالتنظيم والاحتياط في أمور التعامل بها:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ أوجب تعالى كتابة الدين والمعاملات المؤجّلة إلى أجل مسمّى، روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الكتابة بالحق والإنصاف بحيث يضمن كل من الطرفين حقّه ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ لا يجوز للكاتب أن يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله من الكتابة والأحكام
следующие страницы →