كانت العرب تسميه بحر الظلمات، وقد تكون إحدى البحيرات الضخمة العكرة، حيث يخيّل للناظر وقت الغروب إنّ الشمس تغرب فيها بسبب كروية الأرض ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً﴾ من من الواضح إنّ هؤلاء القوم كانوا منغمسين في كل أنواع الشرور والفساد بدليل تتمة الآية: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ تعذّبهم بسبب ما هم عليه من الفساد ﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أو تصلحهم بالحسنى، فترك له باب الاجتهاد مفتوحا يجتهد برأيه، وهذه عبرة مستفادة من القصة،
﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ وأصرّ على الظلم ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ في دنياه لعله يتوب ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ في الآخرة، وقوله نكرا أو منكرا يفيد إنّ مدارك الإنسان الدنيوية تعجز عن مجرّد تخيّل الآخرة،
﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ للصالحين من القوم ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ المعنى إنّ ذي القرنين لن يطلب منهم تحمّل ما لا يطيقون، فالعمل الصالح هو الشيء الطبيعي المتوقّع من الصالحين، والدين يسر وليس عسرا،
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ مرة ثانية، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أقصى المشرق من حملته ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ يحتمل إنّه لم يكن ما يقيهم من
стр. 1157
أشعة الشمس، من ثياب أو خيام، بل كانوا يعيشون حياة بدائية جدا، في سهولهم، أو غاباتهم، فتركهم على ما هم فيه، غير راغب في إفساد بيئتهم وما هم عليه من طريقة العيش، دون أن يسبب لهم البؤس، ولا إفساد خلق الله، وهي عبرة أخرى من القصة،
﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ (٩١)
٩١ - ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ من عزمه على عدم إفساد البيئة الطبيعية، أو أحطنا بما لديه من حسن التلقّي وجودة العمل،
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ مرة ثالثة، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ توجّه إلى وجهة أخرى، مكوّنة من سلسلتي جبال، ليس من المهم تقصّيها جغرافيا ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ من دون السدّين ﴿قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يتكلمون لغات مختلفة، أو إنهم كانوا شديدي السذاجة والبساطة،
﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يغيرون علينا ويسلبون أموالنا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ مالا يكون أجرا لك ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حاجزا حائلا بيننا وبينهم،
﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥)﴾
стр. 1158
٩٥ - ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ من أي خرج تعرضونه عليّ، فالله تعالى قد أنعم علي بالرزق الروحاني، فضلا عن نعمه الدنيوية ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أساعدكم لوجهه تعالى ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ حاجزا بين الجبلين من الردم فلا يصلون إليكم،
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فلزّات الحديد ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ صدفي الجبل ﴿قالَ اُنْفُخُوا﴾ لإضرام النار ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً﴾ متوهّجة تذيبه ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ﴾ أصبّ ﴿عَلَيْهِ قِطْراً﴾ من فلزّات النحاس،
﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿فَمَا اِسْطاعُوا﴾ يأجوج ومأجوج، بعد ذلك ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يتجاوزوه على ظهره بالنظر لارتفاعه ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ ولا أن يجعلوا فيه فتحات يدخلوا منها،
﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿قالَ﴾ ذو القرنين ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ للعباد، إذ يمنع العدوان ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يوم القيامة ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أرضا مستوية، مدكوكا مسوّى بالأرض ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ واقعا لا محالة، وهنا تنتهي فجأة قصة ذي القرنين، ليستأنف الخطاب في الآيات التالية بما تكون عليه الحال يوم القيامة، وأما يأجوج ومأجوج فقد حيكت حولهم الكثير من الأساطير، وزعم البعض أنهم المغول والتتار، أو قبائل شرق آسيوية غيرهم، ولم يثبت ذلك، والظاهر أنها إشارة لا تنطبق على أقوام بعينهم، وإنّما إلى مجموعة من الأقوام والأحداث والكوارث تهدم الحضارات وتسبق وقوع الساعة، انظر آيات [الأنبياء ٩٦/ ٢١ - ٩٧]
стр. 1159
﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ (٩٩)
٩٩ - الواو في بداية الآية واو الاستئناف، وليست واو العطف، لأنّ الآية بداية الخطاب جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الناس جميعا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ للحشر والحساب،
﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتى لم يبق عندهم أيّ شك بها بعد كشف الغطاء،
﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ لأنّ دنيا المادة أعمتهم ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ لشدة انهماكهم في اللهاث وراء المال والسلطة والتسلّط، نسوا الآخرة ولم تنفع فيهم المواعظ فكأنما بهم صمم،
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ كما فعلت المسيحية بتأليه عيسى المسيح ووالدته مريم ﵉ ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر بلا توبة ﴿نُزُلاً﴾ في آخرتهم،
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ الذين تذهب أعمالهم هباء منثورا،
стр. 1160
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (١٠٤)
١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ وهم المشار إليهم بالآيات (١٠١ - ١٠٢) نسوا الله، وعبدوا الدنيا، وأشركوا الأوهام، وعموا عن الآخرة، ثمّ هم مغتبطون بما هم عليه من الضلال،
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ (١٠٥)
١٠٥ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أنكروا الآيات والبعث والحساب ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ حتى "الحسنة" منها ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ لأنه مهما قاموا في الدنيا من أعمال "صالحة" فإنها تحبط، وتصبح لا شيء، تجاه ما كانوا عليه من شرك وضلال،
﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الاحباط في أعمالهم ﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا﴾ لأنهم أصرّوا على الكفر ﴿وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ فلا يفيدهم مع الضلال شيء،
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (١٠٧)
١٠٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ القاعدة القرآنية بقرن العمل الصالح مع الإيمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولأنّ العمل الصالح يحبط مع الكفر كما تقدّم ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ في آخرتهم،
﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ لا يأسفون على ما تركوا من دنياهم، بخلاف الكفار يتوقون للعودة إلى الدنيا، لعله تكون فرصة أخرى لهم فلا يستطيعون،
стр. 1161
﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١٠٩)
١٠٩ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾ البحار جميعا، لأن البحر اسم جنس ﴿مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لأن الخلق في تجدد دائم ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ لأنّ البحار مهما اتّسعت فهي متناهية، أمّا كلمات الله وعلومه وحكمته فغير متناهية، فيستحيل أن يفي المتناهي بغير المتناهي،
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠)
١١٠ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فلا شيء ينفع مع الشرك ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ من كان يوقن بالآخرة والبعث والحساب ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ وهي القاعدة القرآنية النهائية،
***
مقدّمة الربع الثالث
القرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، حتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، ثم صدر بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)، كما صدر بيان النظم في الربع الثاني منه، أي من سورة الأعراف (٧)، حتى سورة الكهف (١٨)، وفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الثالث منه، أي من سورة مريم (١٩)، حتى سورة الزمر (٣٩)،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جمادى الأولى ١٤٢٥ هـ - تموز/ يوليو ٢٠٠٤ م
محمد فاروق الزين
البريد الإلكتروني faruk@zein.org
стр. 1165
مراجع الكتاب:
١ - رسالة القرآن - محمد أسد The Message of the Quran،Muhammad Asad
٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا.
٣ - التفسير الكبير - الرازي.
٤ - الكشاف - الزمخشري.
٥ - روح المعاني - الألوسي.
٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي.
٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي.
٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي.
٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي.
***
стр. 1166
مقدّمة الربع الرابع [¬*]
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤٤/ ٤١]
تتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن بعضا، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن، حتى إنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم، بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.
والمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم.
الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة، وطبقا لمتطلباتها في كل
стр. 1167
مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد فإنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧]، مما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية، لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.
الوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى.
فهنالك إذن نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما:
الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنا لك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى
стр. 1168
الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار، أن يأتوا بسورة من مثله.
والنقطة الثانية أن ترتيب السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب فيه ببيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.
وإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.
وليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) المحاولة الجزئية ذاتها، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا.
وقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب: «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما
стр. 1169
قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى.
وقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف.
ومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٤٦/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٠٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ [الإسراء ٤١/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الإسراء ٨٩/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ﴾
стр. 1170
﴿كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف ٥٤/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الفرقان ٥٠/ ٢٥].
وهنالك أيضاآيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أوسورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا، مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.
وتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم ومن ثم عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.
معظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١١ هـ ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السير والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم، عدا الفاتحة، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسم قليل من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يراها بعضهم ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!.
стр. 1171
واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن بعضا منها قد يناقض بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها».
والنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشيرالآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص فيها والتعامل معها بحذر شديد.
كما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.
وقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه (إحياء علوم الدين) أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه:
أولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل إليه أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟.
ثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له.
стр. 1172
ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.
رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة.
ومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني ومن ثمّ المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاثة مواضيع:
١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.
٢ - بيان موضوع كل سورة، أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.
٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.
وفي العصر الحديث، وفي الباكستان تحديدا، قام أحد علمائها وهو مولانا أمين إحسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.
وقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه (نظم الدرر) في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو
стр. 1173
الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ [الكهف ٩٩/ ١٨]، فالواو في قوله:
(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
شوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م
محمد فاروق الزين
البريد الإلكتروني faruk@zein.org
***
стр. 1174
سورة مريم - ١٩ - مكية
مقدمة
نزلت حوالي السنة السابعة قبل الهجرة، أي قبل لجوء الدفعة الأولى من المسلمين إلى الحبشة، وفي سيرة ابن هشام أن جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﷺ ، تلاها على نجاشي الحبشة عندما شرح له خلفية الدعوة الإسلامية.
ارتباط السورة بما قبلها
افتتحت سورة الكهف المتقدمة بوجوب حمده تعالى أن أنزل القرآن على نبيّه معجزا متجانسا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١/ ١٨)، ثم تختتم سورة مريم أنه تعالى يسّر القرآن على لسان نبيّه بشرى للمتقين وإنذارا للمكابرين:
﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧/ ١٩).
واختتمت سورة الكهف بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (١٠٧/ ١٨)، ثم تذكرسورة مريم من هؤلاء زكريا ويحيى، ومريم وعيسى، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وموسى وهارون، وإسماعيل وإدريس وتجملهم جميعا وذراريهم بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨/ ١٩)، ثم قوله تعالى في سورة مريم: إنه سينشر محبّتهم بين الناس:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦/ ١٩).
стр. 1175
وبالمقابل تذكرسورة الكهف أن أعمال الكفار تحبط يوم القيامة فلا وزن حتى لأعمالهم (الصالحة): ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ (١٠٥/ ١٨)، وتفصيل عاقبتهم في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٦٦/ ١٩ - ٧٠).
وفي سورة الكهف أن من أهداف القرآن الكريم إنذار الذين زعموا لله ولدا: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ (٤/ ١٨)، وتفصيله في سورة مريم:
﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥/ ١٩)، وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٨٨/ ١٩ - ٩٢).
وفي سورة الكهف إصرار المغترّين بالدنيا على إنكار الآخرة: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٥/ ١٨ - ٣٦)، ثم في سورة مريم أنهم يكتشفون في وقت متأخر نقيض ذلك، وأنّ على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية قبل الفوات:
﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥/ ١٩).
محور السورة
تتابع الرسالات السماوية في النبيين من ذرية آدم ونوح، وذرية إبراهيم، وسلالة النبوات من بني إسرائيل التي انتهت بآخر أنبيائهم عيسى ﵇: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ﴾
стр. 1176
﴿وَإِسْرائِيلَ﴾، وسلالة النبوات من إسماعيل الولد الأول لإبراهيم والتي انتهت بختم النبوات في محمد ﷺ : ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨)، وفي حين رفض اليهود رسالة آخر أنبيائهم عيسى ﵇ وكفروا بها، فقد انشقت المسيحية عن النصرانية وألّهت عيسى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣٧).
وتنقض السورة دعوى الكفار الذين يتجاهلون الرسالات السماوية ويعدّون نجاحهم المادي الدنيوي معيارا وحيدا في دنياهم بغض النظر عن أي معيار أخلاقي:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣)، فهم يظنّون الدين عائقا في سبيل تقدمهم المادي: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ (٧٧)، وأن أمثالهم سوف يعانون من العذاب أشد من غيرهم في الآخرة لكونهم ضلّوا وأضلّوا غيرهم من ضعاف القوم:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٦٨ - ٧٠)، وأن الله تعالى أعطاهم فرص التوبة في الدنيا، وأن على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥).
ثم تنقض السورة أيضا العقيدة المسيحية التي تزعم أن المسيح ابن الله:
﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٨٨ - ٩٢)، وأنه تعالى يسّر نزول القرآن الكريم على لسان نبيه محمد ﷺ لختم النبوات ولوضع الأمور في نصابها الصحيح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧).
стр. 1177
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿كهيعص﴾ (١)
١ - ﴿كهيعص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة ١/ ٢].
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (٢)
٢ - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ أي هذا ذكر وشرح لما تنزّلت به الرحمة من الله تعالى على عبده زكريا، والد النبي يحيى، ﵉، وكان من كبار رجال الدين في معبد القدس، ورحمته تعالى لزكريا في هذه الحالة هي استجابته لدعائه كما سوف يرد.
﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (٣)
٣ - ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ دعا زكريّا ربّه في السرّ، وليس جهرا، لأنّ مثل هذا الدعاء في السرّ أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء إن كان في جمع من الناس، خاصة أنه يطلب الولد على تقدّمه في السن، كما لم يرد أن يكون ذلك على مسمع من رجال الدين في المعبد الذين خاف أن يلوه، الآية (٥).
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٤)
٤ - ﴿قالَ﴾ زكريا في دعائه ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ضعف عظمه لتقدّمه في السن ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ عمّ الشيب رأسه ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يعني أن الله تعالى كان يستجيب لدعائه على الدوام.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥)
٥ - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ الموالي هم رجال الدين في المعبد، خاف أن يلوه في عمله بسبب فسادهم وتردّي سلوكهم الأخلاقي ﴿وَكانَتِ﴾
стр. 1178
﴿اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ لا تلد، وهي إليزابيث، أخت مريم ﵍، وقيل بل هي ابنة عمها ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ولدا يليني في خدمة المعبد.
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٦)
٦ - ﴿يَرِثُنِي﴾ في أعمالي في المعبد ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يرث من أحسن خصالهم، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وآل يعقوب هم ذرّيته ﴿وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مرضيّا عندك قولا وفعلا.
﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٧)
٧ - ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ استجاب تعالى لدعاء زكريا ﴿اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ومن البشارة أيضا أنّ الله تعالى اختار اسم يحيى تكريما لما سيهب له من الولد، ولأن اسم يحيى مشتق من الحياة، بالنظر لبعثة يحيى التى سبقت بعثة عيسى ﵇ بستة شهور.
﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٨)
٨ - ﴿قالَ﴾ زكريّا مستغربا ﴿رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كيف ومن أين؟ ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ لا تلد ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ مبلغا كبيرا من السن.
﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ (٩)
٩ - ﴿قالَ﴾ الملاك الذي حمل البشارة ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ لأنّ أمره تعالى في التكوين أن يقول له: كن، فيكون.
﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾
стр. 1179
١٠ - ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ إشارة ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ﴾ تمتنع عن الكلام معهم ﴿سَوِيًّا﴾ أي مع كونك سويا ليس بك أي مرض يمنعك من النطق.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١١)
١١ - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ بالإشارة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ داوموا على ذكر الله.
﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١٢)
١٢ - ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ﴾ تحققت البشارة، وبلغ يحيى أشدّه، وبعث نبيا إلى بني إسرائيل قبل عيسى، والكتاب المشار إليه هو التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لأن اليهود تلاعبوا بالتوراة، وكتبوا من عندهم الكثير، فالمقصود أن يأخذ يحيى من التوراة الصحيح المتبقي منها فقط، ويتمسك به ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ﴾ الحكمة قبل النبوة عندما كان ﴿صَبِيًّا﴾.
﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً﴾ رحمة عليه وتزكية له وطهورا من كل سوء ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ يتّقي كل ما لا ينبغي.
﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ في إشارة إلى أن بر الوالدين يلي عبادة الله، انظرآية [الإسراء ٢٣/ ١٧]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ بل متواضعا ليّن الجانب.
﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١٥)
١٥ - ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ فيتنزّل ﵇ الروحاني في كل هذه المراحل، وذلك قصارى ما يتمنّاه كل عاقل.
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)﴾
стр. 1180
١٦ - وهذه القصة الثانية بعد قصة زكريا ويحيى، والترابط بينهما لأنّ بعثتي يحيى وعيسى متقاربتان زمنيا، ولأنّ يحيى ابن خالة عيسى كما ذكرنا أعلاه، ولأنّ ولادة يحيى وعيسى كليهما كانت معجزة:
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ أي اذكر أيها الرسول، أو أيها القارئ قصة مريم كما وردت في هذا القرآن، تصحيحا لما ورد عنها في قصص العهدين القديم والجديد المشوّهة ﴿إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها﴾ اعتزلتهم ﴿مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ من بيت المعبد، أو من بيت المقدس، لأنّ والدتها امرأة عمران كانت نذرتها لخدمة المعبد، انظر [آل عمران ٣٥/ ٣ - ٣٦].
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ (١٧)
١٧ - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً﴾ اعتكفت للعبادة ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ روح من الله تعالى تمثّل لمريم على شكل بشر.
﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (١٨)
١٨ - ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ﴾ فلا تقربني ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تخاف الله تعالى، وقد علمت مريم أنّ الاستعاذة لا تؤثر إلاّ في الأتقياء.
﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ (١٩)
١٩ - ﴿قالَ﴾ يطمئنها ﴿إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ جئتك بهذه البشارة.
﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ فكيف ومن أين؟ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ بل امرأة طاهرة.
﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١)﴾
стр. 1181
٢١ - ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ أي عيسى ﵇ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ معجزة ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ للناس، بما سوف يتنزّل عليه من الوحي بما يفيدهم ويصحح انحرافاتهم ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ في حملها عيسى ﵇، محقق قضاؤه حتما منذ خلق الله السماوات والأرض.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ بالمسيح ﴿مَكاناً قَصِيًّا﴾ بعيدا من أهلها، خارج المعبد.
﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ نخلة ذهبت إليها لدى شعورها بالمخاض ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ قالته لشدّة ما كانت عليه من مشقة المخاض من جهة، ولما سوف تواجه به الناس بعد الولادة من جهة ثانية.
﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿فَناداها﴾ صوت ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ من تحت النخلة ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جدولا يسري ماؤه، وتحتها بمعنى تحت ناظرها، وذلك أيضا على سبيل الإعجاز.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ في مزيد من الإعجاز؛ لأن اهتزاز النخلة من جذعها يحتاج لقوة كبيرة، خاصة أن النخلة كبيرة ومثمرة.
стр. 1182
﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ طيبي نفسا ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ لأنني في حالة أناجي بها ربي.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ في وقت ما، بعدما استعادت قواها ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ عظيما عجيبا.
﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ لأن مريم من سلالة الكهنة الذين انحدروا من هارون أخي موسى ﵉، وتلك عادة معروفة لدى القبائل الساميّة في انتساب الأفراد إلى أجدادهم ﴿ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ بل أنت من سلالة عفيفة شريفة.
﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى ﵇، والمعنى اسألوه ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فذلك من العجب.
﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿قالَ﴾ عيسى ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ﴾ الإنجيل، واستخدامه للفعل الماضي لأنه محقق لا محالة في علم الله القديم ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى بني إسرائيل.
﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾
стр. 1183
٣١ - ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ في زيادة من الخير والعلوّ ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ بالدعاء ﴿وَالزَّكاةِ﴾ بأعمال الخير ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾.
﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ بل متواضعا مرضيّا.
﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وذلك غاية ما يطمح إليه المرء العاقل من السلام الروحاني في كافة مراحل حياته وبعثه.
﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿ذلِكَ﴾ ما تقدّم من قصّته ﴿عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ولد بكلمة الحق سبحانه ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكّكون ويتنازعون في المسيح، فاليهود رفضوه وزعموا أنه دعيّ، والمسيحية انحرفت عن رسالته إلى دعوة بولس فجعلته إلها أو ابن إله.
﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ كما زعم بولس وأتباعه ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزّه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولا يعجزه شيء.
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦)
٣٦ - قال لهم عيسى، وهو استمرار خطابه من الآية (٣٠): ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ وفي ذلك نفي لما زعموه عنه في أوقات لاحقة من الألوهية أو نصف الألوهية.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾
стр. 1184
٣٧ - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ وهي الطوائف المسيحية المتعددة جدا والتي لا تزال تتكاثر حتى اليوم توغل في التنظير لمعرفة (طبيعة) المسيح، لا تريد الإقرار بأنه مجرد بشر ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الآخرة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ بعد انكشاف الحجب يوم القيامة لا يبقى لديهم أدنى شك في الحقيقة، ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الغشاوة على أسماعهم وعلى أبصارهم في الدنيا بنتيجة ظلمهم أنفسهم وعدم استخدام مداركهم.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ يوم القيامة حيث يكثر التحسّر من الكفار ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بفناء الدنيا وزوال التكليف ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عنه اليوم ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بل مصرّون على كفرهم.
﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ تؤول الأمور إلى من لا يملك النفع والضرر إلاّ الله تعالى ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ للحساب.
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ (٤١)
٤١ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ أي اذكر أيها الرسول، أو أيها القارئ قصة إبراهيم كما وردت في هذا القرآن، الذي يصحح ما ورد في كتب اليهود والنصارى ويهيمن عليها، وهذه القصة الثالثة في السورة بعد قصّتي زكريا وولده يحيى، وقصة مريم وعيسى، وارتباطها مع ما قبلها أنّ إبراهيم أبا الأنبياء كان يدعو للتوحيد كما دعا إليه المسيح خلافا لما زعموه عنه.
стр. 1185
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ من الأصنام ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ لا يضرّك ولا ينفعك.
﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ سواء بالاستدلال العقلاني، أو عن طريق الوحي، انظر شرح آيات [الأنعام ٧٤/ ٦ - ٨٢]، ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ مستقيما.
﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ المغزى؛ إنّ نسب أي من صفات الألوهية لغير الله تعالى، وما في ذلك من إسفاف، ليس سوى عبادة للشيطان رمز المعصية منذ الخليقة، والمشتق اسمه من (شطن) أي ابتعد كثيرا عن الصواب والمنطق والأخلاق.
﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ المغزى؛ إنّ ولاية الشيطان التي هي اتّباع وعبادة القيم الزائفة، ونسب من صفات الألوهية لغيره تعالى، والتهالك على دنيا المادة، كلّ ذلك ليس سوى معارضة رضوان الله، فهي أكبر من العذاب نفسه.
﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ﴾ تنبذ الآلهة التي نقلّد بها ما عبد الآباء والأجداد ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن دعوتك ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالحجارة ﴿وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ دعني وشأني زمانا طويلا.
﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾
стр. 1186
٤٧ - ﴿قالَ﴾ إبراهيم ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ لطيفا رفيقا.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أفارقكم ﴿وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان والأوهام ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي﴾ وحده ﴿عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ حتى أكون جديرا باستجابة ربّي للدعاء.
﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ﴾ فارقهم وهاجر إلى بلاد الشام ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهجر ما يعبدون من الزيف ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ في بلاد الشام.
﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا﴾ أي من الوحي، لأن الرحمة هنا بمعنى الوحي، انظر [هود ٦٣/ ١١]، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ صاروا قدوة للناس حتى ادّعاهم أهل الأديان كلهم، من يهود ونصارى ومسلمين.
بعد أن ذكرت السورة ببعض التفصيل قصص كل من زكريا ويحيى، ومريم وعيسى، وقصة ابراهيم، تنتقل في الآيات التالية (٥١ - ٥٨) إلى ذكر بعض أنبياء بني إسرائيل من سلالة إسحاق بن ابراهيم، ثم من جهة ثانية اسماعيل بن إبراهيم الذي من سلالته ختمت النبوّات بالنبي ﷺ ، انظر شرح آية [البقرة ١٢٢/ ٢].
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾
стр. 1187
٥٢ - ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ جبل الطور في سيناء، والأيمن بمعنى المبارك ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ حتى ناجى ربّه.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ استجابة لدعاء موسى، انظرآية [طه ٢٩/ ٢٠].
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)﴾
٥٧ - ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ انظر شرح آية [البقرة ١٤٤/ ٢] عن رؤيا إدريس.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ لأنهم كانوا يعلمون حق العلم أنهم مجرد بشر متواضعين حملوا عبء الرسالات الإلهية.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ لم تنتفع الأقوام برسالات الرسل، فتخلّت عنها، بل انحرفت عنها وانكّبت على الدنيا ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ضلالا تامّا وخيبة عمّا كانوا يظنونه من الصواب، والمعنى أنهم يلقون جزاء هذا الغيّ، إن في دنياهم أو في آخرتهم.
стр. 1188
﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ قبل أن يفوت أوان التوبة ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٦١)
٦١ - ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات الخلد ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي بما غاب عن إدراك البشر الدنيوي، فهي فوق كل تصوّر أو إدراك ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ لا محالة.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً﴾ لغو الكلام من الذي لا طائل تحته، يصيب الإنسان السوي بالسقم ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ بل يتمتعون بالسلام والهدوء الروحاني الذي يفوق كل سلام ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ من الرزق الروحاني والمادي معا.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ من اتّقى الضلال في حياته، واتّبع الدلائل العقلية والنقلية من رسالات الرسل المشار إليها.
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤)
٦٤ - استمرار الخطاب من الآيات (٥١ - ٥٧)، بأن ملائكة الوحي تتنزّل على الرسل المشار إليهم:
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وهو قول الملائكة ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَنا﴾ من عالم الغيب الذي لا تدركه حتى الملائكة، فكيف
стр. 1189
بإدراك البشر؟ ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ من عالم المشاهدة وعالم الغيب ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ لا يفوت من حساب عباده شيء.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ ومن ذلك الصبر على عناد المعاندين والمكابرين والمصرّين على الكفر ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فهو الله وحده المتفرد بألوهيته، بخلاف ما يزعمون.
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٦٦)
٦٦ - بعد أن لخصت الآيات المتقدمة من بداية السورة بعث الأنبياء والرسل، تبين هذه الآية وحتى آخر السورة أن الكثرة من الناس لم تنتفع بذلك:
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ المكابر المعاند رغم بعث الأنبياء والرسل ﴿أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ وهو سؤال ينمّ عن استكبار وعنجهية وقصر نظر، لأن القائل يود أن يتصرف في الدنيا على هواه، حيث تكون نهاية المطاف.
﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ فما الذي يمنع من بعثه وحسابه؟ خلافا لما يتمنّى؟
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ المشار إليهم آنفا ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ مع شياطين أهوائهم التي كانوا يميلون إليها ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ على الركب، مستسلمين لها خانعين.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾
стр. 1190
٦٩ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من الخاطئين ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ من العتاة المتجبّرين من كبار القوم الذين لم يكتفوا بالضلال، وإنكار المسؤولية الأخلاقية، بل أضلّوا أتباعهم من الضعفاء والمستضعفين.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها﴾ بنار جهنم ﴿صِلِيًّا﴾ من الأتباع والمتبوعين، كلّ بحسب دوافعه وما يستحقه من عقاب.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ (٧١)
٧١ - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أيها الخاطئون ﴿إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ لأن ارتباط العقاب في الآخرة نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم، فهو كارتباط السبب بالمسبب، وليس أمرا اعتباطيا.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ ثمّ، ليست للتتابع الزمني، بل تفيد العطف، وقد تفيد التكرار، أي إنّ المتقين في منجاة من النار، بدليل الآيتين (٨٥ - ٨٦)، ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ جزاء وفاقا.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣)
٧٣ - هذه الآية بيان لما كان عليه عتاة المجرمين من إنكار وإصرار في دنياهم:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من العتاة الظالمين ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المستضعفين ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الفريق المادي الذي ينكر للدين أي دور؟ أم الفريق الذي يقر به وبالمسؤولية الأخروية؟ ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ يقولون لهم ذلك على سبيل السخرية، لأنهم زعموا أنّ الدين (أفيون) الشعوب، ولأنّ مقاييسهم قريبة الأجل، مادية محضة، يرون الدين عائقا في سبيل
стр. 1191
التقدم، بل في سبيل المنجزات التي لا حدود أخلاقية لها، والتي لم ينتج عنها سوى تخريب البيئة والمجتمعات.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً﴾ في الحضارات المادية ﴿وَرِءْياً﴾ في التقدم المادي، فلم ينفعهم ذلك، لاقتصار سلوكهم وتوجهاتهم عليها.
﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وهو دعاء للضالّين بمزيد من الفرص لعلهم يتوبون ويدركون الحقيقة قبل فوات الأوان ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ عندما يفوت كل أمل بالتوبة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ وذلك الجواب على كلامهم وسخريتهم المشار إليهما بالآية (٧٣).
﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً﴾ بما يتناسب مع ميولهم الخيّرة وجبلّتهم الصالحة ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من أعمالهم ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ تثمر في الدنيا رزقا ماديا أو معنويا، وثوابها في الآخرة، بالمقابل مع أعمال المذكورين بالآية المتقدمة الذين تحبط أعمالهم (الحسنة) منها والقبيحة.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣)﴾، ﴿وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ ظانّا أن الأمور تقاس بالنجاح الدنيوي المادي لا غير، وأن لا مسؤولية ولا ثواب ولا عواقب.
стр. 1192
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ حتى صار على معرفة بمستقبله القريب والبعيد؟ فقد يبور ماله، وقد يخذله أولاده ﴿أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ المعنى إنّ الغيب بيد الله، فلا يغتر الكافر بحاضره القريب.
﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ من ضلال ومزاعم، والكتابة مجاز ممّا لا يلزم السؤال عنه، انظرآية [الإسراء ١٣/ ١٧]، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ فيكابد العذاب الدنيوي بانهماكه في الماديات، عدا ما ينتظره من عذاب الآخرة.
﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من أموال وأولاد، فلا ينفعونه بعد موته البتّة ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ في منتهى العجز، ليس أمامه سوى العناية الإلهية، إذ هو معتمد عليها بالكليّة.
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٨١)
٨١ - استمرار الخطاب عن أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣):
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ والآلهة ليست بالضرورة من الأوثان، فقد تكون آلهتهم من القوى والإمكانات المادية، كالثروات والسلطات الدنيوية التي يتمتعون بها، والقيم الزائفة التي أقنعوا أنفسهم بها، حتى صار تمسكهم بها نوعا من العبادة.
﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾
стр. 1193
٨٢ - ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ المغزى؛ إنّ القيم الزائفة سوف تخذلهم، كما إن إمكاناتهم المادية لن تدوم ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معتقداتهم الباطلة سوف تكون وبالا عليهم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تحثهم على المعاصي، لأن حكمته تعالى في الخليقة اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، وأن يكون للمرء مطلق الحرية في قبول الحق أو اتّباع الباطل، باستخدام مداركه العقلية التي كرّمه بها الله تعالى، انظرآية [الإسراء ٧٠/ ١٧]، ولو شاءتعالى لجعل الناس أمّة واحدة على الهدى، لكن ذلك ينافي الحكمة من التكليف، انظرآية [هود ١١٨/ ١١]، والشياطين ليس لها من سلطة حقيقية إلاّ على من يستجيب لها، انظرآية [إبراهيم ٢٢/ ١٤].
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيها المؤمن، ولا تغتر بما هم عليه من دنياهم، فذلك ليس بدائم ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ حتى يحين موعد حسابهم.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ وفودا مكرمة.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ كما لو كانوا قطعانا عطاشا يردون البئر.
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ المغزى أنّ الحجّة قائمة على كل من وهب نعمة العقل أن يفهم السنن الكونية ويتفكّر في هدي الرسل، انظر شرح آية [البقرة ٢٧/ ٢]، والشفاعة تكون للمرتضى والتائب.
стр. 1194
﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ (٨٨)
٨٨ - استمرار الخطاب من الآية (٨١): ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ وهي الطوائف المسيحية، زعمت أن المسيح ابن الله بعد أن انحرفت عن نصرانية عيسى ﵇ إلى الديانة المسيحية التي ابتدعها بولس، انظر شرح آية [آل عمران ٣/ ٣].
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ منكرا عظيما.
﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ من قول هذا المنكر ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾.
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ (٩١)
﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ لأن مثل هذا القول يفترض النقص في ذات الله، تعالى عمّا يقولون علوّآ كبيرا.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ بمن فيهم عيسى المسيح الذي زعموا فيه الألوهية، وزعموا أنه ابن الله.
﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ﴾ أحصى أعمالهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يفوته منهم أحد.
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)﴾
стр. 1195
٩٥ - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ فينشر محبتهم بين الناس، ومن جهتهم يحبون ويتمنّون الخير والهداية لغيرهم من خلق الله.
﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿بِلِسانِكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٨٧)، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ الذين يختلقون شتّى الحجج الواهية لمحاولة دحض رسالة القرآن.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من المجتمعات هلكت بسوء أعمالها ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ المعنى لا تسمع لهم صوتا خفيا ولا ظاهرا.