← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

التقدم، بل في سبيل المنجزات التي لا حدود أخلاقية لها، والتي لم ينتج عنها سوى تخريب البيئة والمجتمعات. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً﴾ في الحضارات المادية ﴿وَرِءْياً﴾ في التقدم المادي، فلم ينفعهم ذلك، لاقتصار سلوكهم وتوجهاتهم عليها. ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وهو دعاء للضالّين بمزيد من الفرص لعلهم يتوبون ويدركون الحقيقة قبل فوات الأوان ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ عندما يفوت كل أمل بالتوبة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ وذلك الجواب على كلامهم وسخريتهم المشار إليهما بالآية (٧٣). ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً﴾ بما يتناسب مع ميولهم الخيّرة وجبلّتهم الصالحة ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من أعمالهم ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ تثمر في الدنيا رزقا ماديا أو معنويا، وثوابها في الآخرة، بالمقابل مع أعمال المذكورين بالآية المتقدمة الذين تحبط أعمالهم (الحسنة) منها والقبيحة. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣)﴾، ﴿وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ ظانّا أن الأمور تقاس بالنجاح الدنيوي المادي لا غير، وأن لا مسؤولية ولا ثواب ولا عواقب.

стр. 1192

﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ حتى صار على معرفة بمستقبله القريب والبعيد؟ فقد يبور ماله، وقد يخذله أولاده ﴿أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ المعنى إنّ الغيب بيد الله، فلا يغتر الكافر بحاضره القريب. ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ من ضلال ومزاعم، والكتابة مجاز ممّا لا يلزم السؤال عنه، انظرآية [الإسراء ١٣/ ١٧]، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ فيكابد العذاب الدنيوي بانهماكه في الماديات، عدا ما ينتظره من عذاب الآخرة. ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من أموال وأولاد، فلا ينفعونه بعد موته البتّة ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ في منتهى العجز، ليس أمامه سوى العناية الإلهية، إذ هو معتمد عليها بالكليّة. ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٨١) ٨١ - استمرار الخطاب عن أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣): ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ والآلهة ليست بالضرورة من الأوثان، فقد تكون آلهتهم من القوى والإمكانات المادية، كالثروات والسلطات الدنيوية التي يتمتعون بها، والقيم الزائفة التي أقنعوا أنفسهم بها، حتى صار تمسكهم بها نوعا من العبادة. ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾

стр. 1193

٨٢ - ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ المغزى؛ إنّ القيم الزائفة سوف تخذلهم، كما إن إمكاناتهم المادية لن تدوم ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معتقداتهم الباطلة سوف تكون وبالا عليهم. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تحثهم على المعاصي، لأن حكمته تعالى في الخليقة اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، وأن يكون للمرء مطلق الحرية في قبول الحق أو اتّباع الباطل، باستخدام مداركه العقلية التي كرّمه بها الله تعالى، انظرآية [الإسراء ٧٠/ ١٧]، ولو شاءتعالى لجعل الناس أمّة واحدة على الهدى، لكن ذلك ينافي الحكمة من التكليف، انظرآية [هود ١١٨/ ١١]، والشياطين ليس لها من سلطة حقيقية إلاّ على من يستجيب لها، انظرآية [إبراهيم ٢٢/ ١٤]. ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيها المؤمن، ولا تغتر بما هم عليه من دنياهم، فذلك ليس بدائم ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ حتى يحين موعد حسابهم. ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ وفودا مكرمة. ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ كما لو كانوا قطعانا عطاشا يردون البئر. ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ المغزى أنّ الحجّة قائمة على كل من وهب نعمة العقل أن يفهم السنن الكونية ويتفكّر في هدي الرسل، انظر شرح آية [البقرة ٢٧/ ٢]، والشفاعة تكون للمرتضى والتائب.

стр. 1194

﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ (٨٨) ٨٨ - استمرار الخطاب من الآية (٨١): ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ وهي الطوائف المسيحية، زعمت أن المسيح ابن الله بعد أن انحرفت عن نصرانية عيسى ﵇ إلى الديانة المسيحية التي ابتدعها بولس، انظر شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]. ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ منكرا عظيما. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ من قول هذا المنكر ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾. ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ (٩١) ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ لأن مثل هذا القول يفترض النقص في ذات الله، تعالى عمّا يقولون علوّآ كبيرا. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ بمن فيهم عيسى المسيح الذي زعموا فيه الألوهية، وزعموا أنه ابن الله. ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ﴾ أحصى أعمالهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يفوته منهم أحد. ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)﴾

стр. 1195

٩٥ - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ فينشر محبتهم بين الناس، ومن جهتهم يحبون ويتمنّون الخير والهداية لغيرهم من خلق الله. ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿بِلِسانِكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٨٧)، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ الذين يختلقون شتّى الحجج الواهية لمحاولة دحض رسالة القرآن. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من المجتمعات هلكت بسوء أعمالها ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ المعنى لا تسمع لهم صوتا خفيا ولا ظاهرا.

стр. 1196

سورة طه - ٢٠ - مكية مقدمة نزلت خلال السنة السادسة من بعثة النبي ﷺ ، أي حوالي سبع سنوات قبل الهجرة. ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة مريم المتقدمة بأنه تعالى يسّر نزول القرآن الكريم على البشرية بلسان نبيه محمد ﷺ بشيرا ونذيرا: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧/ ١٩)، ثم افتتحت سورة طه بأن نزول القرآن على البشرية لم يكن تضييقا لها، وإنما تعميقا لشعورها بالحق والباطل: ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (١/ ٢٠ - ٣)، ولبيان أخبار ما سبق من بعث الرسل: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ (٩٩/ ٢٠)، وعاقبة الإعراض عن هدي القرآن: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً﴾ (١٠٠/ ٢٠)، وحث الناس على التقوى، وتذكرة بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم في الأصلاب: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (١١٣/ ٢٠). وقد أجملت سورة مريم تتابع الرسالات بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨/ ١٩)، كما فصّلت في بعثتي يحيى وعيسى ﵉ بالآيات (٢/ ١٩ - ٣٧)، وقدّمت لبعثتي موسى وهارون ﵉ بقوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾

стр. 1197

﴿الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥١/ ١٩ - ٥٣)، ثمّ في سورة طه تفصيل بعثتي موسى وهارون بالآيات (٩/ ٢٠ - ٩٨). وفي سورة مريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦/ ١٩)، ومن تفصيله قوله تعالى في سورة طه مخاطبا موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٣٩/ ٢٠)، فيكون العبد الصالح محبوبا من الله ومن الناس. وفي سورة مريم إن الكفار يعدّون ازدهارهم ومتاعهم الدنيوي مقياسا وحيدا لنجاحهم، دون النظر لأي مقاييس أخلاقية: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣/ ١٩)، وفي سورة طه تحذير من الاغترار بما ينعمون به من الدنيا: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٣١/ ٢٠). محور السورة القرآن الكريم نزل على البشرية فرقانا لتعميق شعورها بالحق والباطل وليس تضييقا لها: ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (١ - ٣)، والخطاب في قوله تعالى: ﴿طه﴾ بمعنى أيها الإنسان. والمقصود من العبادة تكييف النفس الإنسانية لما خلقت لأجله، ولكي يعرف الإنسان خالقه ويكيّف وجوده الدنيوي بحسب إرادته تعالى المبيّنة فيما نزل على الأنبياء والرسل من الوحي، وهو ما تؤكده السورة بقوله تعالى مخاطبا موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٤)، ولأن العبادة لا يستفيد منها سوى المخلوق مما ينمّي مداركه الفكرية، انظرآيات الذاريات (٥٦/ ٥١ - ٥٧)، وأن مغزى الخلق لا يتضح ولا يكتمل إلا على خلفية الدار الآخرة: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥).

стр. 1198

ولذا وجب أن تتسم الدعوة بالرفق وباللين وبدافع الأمل والرجاء من قبل الداعي: ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٤٣ - ٤٤)، وبالمقابل يكون التكالب على مكاسب الدنيا سببا للمكابرة والجحود: ﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ (٥٧)، وأن مفهوم الإنسان للزمن الدنيوي ليس سوى وهم، ما قد يؤدي به إلى الهاوية: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ (١٠٣ - ١٠٤)، لأنّ الجاحد يجري وراء مادية الدنيا ظانّا أنه يخلد أبد الدهر ناسيا آخرته: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (١٢٠). فعلى المرء أن يستوعب القرآن بنظرة شمولية متكاملة، وليس بنظرة مجتزأة لبعض الآيات والسور: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤)، وأن من يعرض عن الذكر يحيا حياة دنيوية مادية عقيمة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ (١٢٤)، وأن القرآن الكريم نزل على البشرية مبينا لها حقيقة ما سبق من الكتب المنزلة: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣). وإنّ من طبيعة النفس البشرية أن يظن كل امرئ، بغض النظر عن معتقده، أن أسلوبه في الحياة هو الصحيح ثم لا يدرك الحقيقة وعاقبة أمره إلا بعد الفوات: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ (١) ١ - ﴿طه﴾ قال بعض المفسرين إنّ طه من الحروف المقطّعات، انظر شرح آية [البقرة ١/ ٢]، ومع ذلك فإنّ كلمة (طه) ذات معنى في اللهجات السريانية

стр. 1199

والنبطية والحبشية والعبرية المنبثقة عن العربية، ولا بد أنها مطابقة أيضا للغة قريش، ومعناها: (يا رجل)، وبعبارة أخرى: (أيها الإنسان). ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢) ٢ - ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أيها الإنسان ﴿لِتَشْقى﴾ لم ينزل القرآن الكريم على البشرية تضييقا عليها ولا تقييدا لها. ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٣) ٣ - ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ وذلك المقصود من النظام الأخلاقي الذي نزل به القرآن الكريم، أي لتعميق شعور الإنسان بمقاييس الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، فهو لتحقيق سعادة البشر وليس لشقائهم، وهو أيضا تذكرة للعباد وليس قسرا، وذلك من جملة تكريمه تعالى لبني آدم، انظرآية [الإسراء ٧٠/ ١٧]. ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ (٤) ٤ - ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ القرآن الكريم نزّل تنزيلا، أي منجّما على مدة البعثة النبوية، من خالق الأرض والسماوات، لتحقيق مصالح العباد. ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ (٥) ٥ - ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ كناية عن هيمنته تعالى على خلقه، وتدبيره له بلا حدود، ومن ذلك نزول القرآن، وقد تكرر تعبير الاستواء على العرش في القرآن الكريم سبع مرات، انظرآيات [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)﴾

стр. 1200

٦ - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ من عالم الغيب، ما يغيب عن إدراك البشر ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ ما لا يرى بالمشاهدة. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ (٧) ٧ - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أيها الإنسان ﴿فَإِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ما يدور في خاطرك من أفكار ﴿وَأَخْفى﴾ كما يعلم ما يدور في عقلك الباطن من نوايا، فلا تخفى على منزّل القرآن خافية. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨) ٨ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ صفات الكمال لمنزّل القرآن وحده، وقد تكرّر تعبير الأسماء الحسنى في القرآن الكريم أربع مرات، انظر قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف ١٨٠/ ٧]، أيضا في آيات [الإسراء ١١٠/ ١٧]، [طه ٨/ ٢٠]، [الحشر ٢٤/ ٥٩]. ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ (٩) ٩ - استمرار الخطاب من الآيات (٢ - ٤) في التنزيل الحكيم: ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ أيها النبي، أو أيها القارئ، أو أيها المستمع ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ فيما يرويه القرآن الكريم تصحيحا لما ورد عن قصة موسى في كتب اليهود، وبيانا لوحدة الرسالات السماوية إلى بني البشر؟. ﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (١٠) ١٠ - ﴿إِذْ رَأى ناراً﴾ وهو في طريق عودته من مدين بعد هروبه من مصر، ثمّ قضائه الأجل المتفق عليه مع حميه، انظرسورة [القصص ٢١/ ٢٨ - ٢٩]، ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ﴾ لعائلته ﴿اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ أبصرت نارا عن بعد ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ جذوة من النار ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ المغزى؛ إنه

стр. 1201

كان تائها ليس فقط في الصحراء، فقد يكون التيه روحانيّا، وقد يكون ذلك بداية إدراك موسى أنه بحاجة إلى الهداية الروحانية. ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ (١١) ١١ - ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ بعد وصوله إلى النار ﴿نُودِيَ﴾ بنداء النبوّة ﴿يا مُوسى﴾. ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٢) ١٢ - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ تشريفا للوادي وتواضعا لله تعالى، قال الألوسي: المعنى أيضا على المجاز؛ أي فرّغ قلبك من الدنيا ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ قال الزمخشري: الوادي طوى بمعنى ثنى، لأنه قدّس مرّتين، الأولى بندائه تعالى إلى موسى، والثانية برفع موسى إلى مصاف النبوّة. ﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ﴾ رسولا ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ سوف يوحى إليك. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٤) ١٤ - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ تأكيدا على التوحيد ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ لمعنى العبادة انظر شرح آيات [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وهكذا تقرّرالآية أنّ التوحيد وذكر الله هو المغزى، كما أنّه المبرر الفكري للعبادة والصلاة الحقيقية، في كل الأديان. ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥) ١٥ - ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها﴾ تكاد تكون خافية عن الغافلين، مع أنّ كل ما في الكون يشير إليها، فلا يعقل أن تكون الدنيا نهاية المطاف، إذ لا تستقيم العدالة إلا بوجودها: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ كل ما يتعمّد

стр. 1202

المرء القيام به، أو ما يتعمّد تجنب القيام به من أفعال أخلاقية أو لا أخلاقية، يجزى عليه، إن خيرا فخير، أو شرا فشر، انظرآية [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]. ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ (١٦) ١٦ - ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ يا موسى، أو أيها الإنسان، لأن الخطاب في أول السورة إلى ﴿طه﴾، المعنى: لا يصدّنّك عن الإيمان بالآخرة ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها﴾ فظنّ أنّ الدنيا نهاية المطاف ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ ظانّا أن لا حساب ولا ثواب ولا عقاب، فانهمك في دنياه ونسي آخرته ﴿فَتَرْدى﴾ تصل إلى الهلاك المحتوم، بالدمار الروحاني في الدنيا، إضافة إلى عذاب الآخرة. ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ انتقال الخطاب لبيان المعجزات التي سيقوم بها موسى، والسؤال سؤال تقرير، وهو بداية الحوار عندما كلم الله موسى تكليما، انظر [النساء ١٦٤/ ٤]. ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨) ١٨ - ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ عندما يثقلني الجهد ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أخبط بها أغصان الشجر حتى تتساقط فتأكله الغنم ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ كالدفاع عن النفس، وحمل الزاد والماء. ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ (١٩) ١٩ - ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ قال الرازي إلقاء العصا كناية عن ترك الطلب، أي الاستغناء عن الدنيا، كما كان خلع النعلين كناية عن تحمل المسؤولية وترك الهرب. ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)﴾

стр. 1203

٢٠ - ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ وهذه المعجزة الأولى لموسى استعدادا لبعثته إلى فرعون، لأن المصريين كانوا يعتقدون أن الثعبان المسمى أبو فيس Apophis كان عدوا لإله الشمس (ر ع) عندهم، إذ كان الثعبان أبو فيس يلاحق الإله (ر ع) يوميا وهو في رحلته حول الشمس، ولم يفلح (ر ع) في قتله، لذا كان المصريون يقومون ببعض الطقوس ضد الثعبان تفاديا للفوضى التي كان يمكن أن يحدثها في عالمهم!! فكان في معجزة موسى بتحويل العصا إلى ثعبان تعريض بثعبانهم أبو فيس. ﴿قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ (٢١) ٢١ - ﴿قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ عصا كما كانت. ﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يشع البياض منها دون أن يكون بها ما يسيء الناظرين إليها ﴿آيَةً أُخْرى﴾ معجزة أخرى، بعد معجزة العصا. ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ طمأنة لك، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أي هذا غيض من فيض. ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ بادعائه الألوهية، وهي أكبر خطيئة يمكن لإنسان أن يرتكبها. ﴿قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ العرب تسمي الغم والهم ضيق صدر، ونقيضه شرح الصدر، أي إن موسى أراد أن يقابل فرعون وهو في حالة من

стр. 1204

الانشراح النفسي، ونزول السكينة والطمأنينة عليه، وذلك نقيض الرهبة والقلق، انظرآية [الرعد ٢٨/ ١٣]. ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ بالألطاف الإلهية، بعد طلب الانشراح النفسي، أراد موسى أن تكون أموره مع موسى ميسورة غير متعثرة ولا صعبة المنال. ﴿وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ لأن موسى لم يكن طليق اللسان، ولا مفوّها في الخطاب، فدعا ربّه ألاّ تكون هذه الخصلة عائقا في دعوته فرعون إلى الحق. ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ لكي يفقه فرعون وآله دعوته لهم بوضوح، دون التباس أو غموض. ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ معاونا يحمل معي الوزر، أي الحمل الثقيل، وهذا هو معنى الوزير أي الذي يساهم في الحمل. ﴿هارُونَ أَخِي﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿هارُونَ أَخِي﴾ ذاته. ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٣١) ٣١ - ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي ظهري، فيضم إمكاناته إلى إمكاناتي، وهو أفصح لسانا مني، انظرآية [القصص ٣٤/ ٢٨]. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾

стр. 1205

٣٢ - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ في أمر النبوة والرسالة إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل من بعده. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ بالقول وبالفعل وبالاعتقاد. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ بصفات الجلال والكبرياء. ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ بصيرا بوجوه مصالحنا، فأعطنا ما هو أصلح لنا، تفويضا لأمورنا لك بالكلية. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ قد استجبنا لطلبك، لأن السؤل هو الطلب. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ بأن أجبناك إلى طلبك، وتلك الاستجابة من عظيم نعمه تعالى على موسى، إضافة إلى ما سبق من نعمه العظام عليه منذ ولادته، كما سيرد بالآيات التالية، والقصة مذكورة بمزيد من التفصيل في آيات [القصص ٣/ ٢٨ - ٢١.] ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ما يجب أن يوحى بالإلهام. ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)﴾

стр. 1206

٣٩ - ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ في صندوق ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ في نهر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ بفعل التيار والأمواج ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وهو فرعون ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ﴾ يا موسى ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فأحبه الناس، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم ٩٦/ ١٩]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بالألطاف الإلهية. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ فتقوم بإرضاعك ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ في مصر بعد أن بلغت أشدّك ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ بهروبك إلى أرض مدين ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ بهذه الأحداث ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ حيث قضيت الأجل من ثماني إلى عشر سنين ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ سيناء بالوادي المقدس طوى ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ في علم الله القديم ﴿يا مُوسى﴾. ﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٤١) ٤١ - ﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ رسولا لبعثتك إلى فرعون أولا، ثم رسولا إلى بني إسرائيل ثانيا. ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي﴾ برسالاتي ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ لا يعتريكما الفتور ولا الضعف في ذكري على الدوام. ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ فقد تجاوز كل الحدود بادعاء الألوهية، واستعبد الناس.

стр. 1207

﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ إشارة إلى تعليم كيفية الإرشاد، وإلاّ فإن علم الله القديم محيط بأنّ فرعون لن يؤمن، وهذا أحد جوانب مغزى القصة، لأن اللين والرفق في الدعوة مطلوب في كل الأوقات والعصور. ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قد يعجل علينا بالعقوبة والأذية، وقد يقتلنا على الفور، وقد ينفينا أو يطردنا، قبل أن نتمكن من إبلاغه الرسالة أولا ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فيتخطى حدوده ويقول في الله تعالى ما لا ينبغي. ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ فلا يصل إليكما بما تخافا. ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي لك ربّ، هو ربّ الأرباب، ولست إلها كما تظنّ وتدّعي ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أطلقهم من عبوديتك في مصر ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ العذاب الذي لبثوا فيه بعد وفاة يوسف ﵇، وخروج الهكسوس من مصر، قرابة ثلاث مئة عام ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ برسالة ﴿وَالسَّلامُ﴾ الروحاني في هذه الدنيا ﴿عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾ من اتّبع هدى ربّه، أمّا من تهالك على دنياه، وادّعى فيها الألوهية فإن له فيها معيشة ضنكا. ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ﴾ الأنبياء والرسل ﴿وَتَوَلّى﴾ عن الذكر.

стр. 1208

﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خطاب فرعون موجّه إلى موسى، لأن فرعون سبق أن زعم أنه الرب لقوله: ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات [٢٤/ ٧٩]. ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فهذا ظاهر في عملية الخلق المستمرة والمتجددة على مر العصور والأزمان، وما على فرعون سوى أن يلتفت حوله ويتأمل ويشاهد الآيات الآفاقية حتى يفيق من غفلته، ﴿ثُمَّ هَدى﴾ هدى تعالى من شاء الهداية، وهدى كل مخلوق لتحقيق ما هو مقدر له في دنياه على قدره، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (*) * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (*) * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١/ ٨٧ - ٣]. ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ (٥١) ٥١ - ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ يعني الأمم البائدة التي عبدت العديد من الآلهة؟ حيث تزعم الآن يا موسى أنها لن تنجوا من العقاب؟ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ لا شأن لي بها، فهذا من أمور الغيب، استأثر الله بعلمه، وليست وظيفتي أن أخبرك بمصيرها، ولا عقابها، أو إن كان قد غفر لها، فهذا من شأن ربّ الأرباب وحده، يقرر مصيرها في الحياة الآخرة، فهو يعلم دوافعها وأخطاءها ويقرر أخلاقياتها من عدمها ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ لا يغيب عن علمه القديم شيء. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣)﴾

стр. 1209

٥٣ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ الخطاب تعريض بمدّعي الألوهية فرعون الذي لا يقدر على شيء من ذلك. ﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أي ذوي العقول الراجحة، وفرعون ليس منهم. ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ من الأرض، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥]، ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بعد وفاتكم ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ للبعث والحساب. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا﴾ رسالاتنا، ومعجزاتنا ﴿كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ الاستجابة. ﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ أي لتحرمنا من حكم مصر؟ وتستولي عليها، وتخرج أهلها منها؟ وهكذا كان تركيز فرعون على مكاسبه الذاتية وموقعه الطغياني الذي تمسّك به. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً﴾ سوف نتحدى سحرك ولك الخيار أن تحدد الموعد والمكان. ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾

стр. 1210

٥٩ - ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يبدو أنه يوم رأس السنة عند قدامى المصريين ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ على رؤوس الأشهاد. ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ما يكاد به من السحرة ﴿ثُمَّ أَتى﴾ الموعد ومعه جمعه. ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ (٦١) ٦١ - ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن تتعمّدوا، أيها السحرة، تكذيب الرسالة الإلهية ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ يستأصلكم ﴿وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ الكذب على الله. ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ للتشاور سرّا فيما بينهم. ﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ موسى وهارون ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما﴾ فيستولوا على أرض مصر، أو يحلوا مكانكم عند فرعون ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ التي تتلاعبون بواسطتها بالجماهير وتعززون حكم فرعون. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ ما تكيدون به موسى وهارون ﴿ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا﴾ واحدا ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى﴾ على الطرف الآخر. ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)﴾

стр. 1211

٦٥ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك أوّلا ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ حبالنا وعصيّنا. ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ إظهارا لعدم المبالاة ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ أي إن السحر مجرد خيال، وما قام به السحرة لم يكن سوى تخييل وهلوسة وقعت الجماهير تحت وطأتهما، حتى موسى نفسه وقع تحت وطأتها مؤقتا. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ استشعر قي نفسه الخوف، لما شعر به من الهلوسة. ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ لأنهم يتلاعبون بالسحر، وأنت جئتهم بالرسالة الإلهية. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ عصاك ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ تأخذه بسرعة وتبطل السحر، انظر شرح [الشعراء ٤٥/ ٢٦]، ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ ليس سوى تخييل ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ سواء كان يهدف إلى الخير أو إلى الشرّ، والمغزى؛ إدانة السحر بكل أشكاله بغض النظر عن قصد صاحبه إن كان خيرا أو شرا. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)﴾

стр. 1212

٧٠ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ لشدة ذهولهم إذ اكتشفوا الفرق بين الدجل والحقيقة ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ المبعوثين من العناية الإلهية الحقيقية. ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ (٧١) ٧١ - ﴿قالَ﴾ لهم فرعون ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أن تستسلموا له ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ عدّ فرعون موسى كبير السحرة، قد تآمر مع مجموعته ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ لشدة مخالفتكم لي ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ التقطيع والتصليب، غير القتل والصلب، وهو دليل على كثرة السحرة الذين حشدهم فرعون للمواجهة. ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لن نفضلك ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ من الحق ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ أبدعنا وأوجدنا، الله سبحانه ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ فلا سيطرة لك على أفكارنا وعقيدتنا ﴿إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ولا تدري ما الآخرة؟ ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ التي ارتكبناها قبل أن ندرك الرسالة الإلهية ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ لأن إتيان السحر مدان ﴿وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ من ملكك الفاني. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)﴾

стр. 1213

٧٤ - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ لا يقضى عليه ويجد السلام في الفناء، بل يعاني فيها من الغم والهم، انظر [الحج ٢٢/ ٢٢]، ﴿وَلا يَحْيى﴾ ولا يجد السلام في ولادة روحانية جديدة. ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الإيمان لا يستقيم ولا ينفع صاحبه من دون العمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ في الآخرة، انظر [الأنعام ١٥٨/ ٦]. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ (٧٦) ٧٦ - بيان الدرجات العلا: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ النعيم الخالد ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ من توصّل إلى الطهارة الروحية من كل أنجاس الباطل والشهوات والضلال. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ إلى أرض الحرية فلسطين، بعد انقطاع الأمل في إيمان فرعون وصحبه، انظر [الأعراف ١٣٠/ ٧]، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً﴾ فلا يدركك فرعون بالمطاردة ﴿وَلا تَخْشى﴾ بأسه. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ما لا يمكن مقاومته من طغيان البحر، ولم ينفع فرعون إيمانه عند الغرغرة، عندما غرق مع جيشه في البحر، انظر [يونس ٩١/ ١٠]. ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)﴾

стр. 1214

٧٩ - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ أصرّ المتبوعون على الضلال، فضلّ الأتباع. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ جبل الطور، والأيمن أي المبارك، لأن العرب تقول أيمن وميمون تفاؤلا، وهو الجبل الذي نزلت فيه التوراة على موسى ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ بلا أي مجهود منكم، منّة من الله تعالى، وهو معنى أو مغزى المنّ، أي الرزق المادي، بغض النظر عن كونها قد تعني طيور السمّان. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ (٨١) ٨١ - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ فيما رزقناكم من النعم، فتظنّون أنكم مستحقوها بجدارتكم، أو بنسبكم إلى أبيكم إبراهيم ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ فكأنه وقع في الهاوية. ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ عن خطاياه ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى﴾ إلى الحق. ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ يعني تركتهم وجئت إلى الطور قبل أن تستقر الرسالة في نفوسهم، وتختمر في عقولهم، استعجلت وتركتهم، بعد طول عبوديتهم لفرعون، وكان الأجدر بك ألاّ تفعل ذلك. ﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾

стр. 1215

٨٤ - ﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ قد يكون قالها مجازا يقصد أن قومه تفهموا الرسالة واستوعبوها بعد أن لقنهم إياها، أي هم على أثره في فهمها وفهم التوحيد ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ فلا خوف أن تركتهم بمفردهم. ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي على عكس ما تظنّ، فالإيمان لم يتأصلّ فيهم، بل إن السامري أضلّهم: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهو أحد المصريين الذين انضموا إليكم من مصر، لأن (شمر) باللغة المصرية القديمة معناها الأجنبي أو الغريب، أي هو أجنبي عن بقية بني إسرائيل، وإن اعتنق ديانتهم، ويحتمل أن تكون الطائفة اليهودية السامرية المعروفة، والتي لا تزال بقاياها تعيش إلى اليوم في نابلس من السلالة المصرية، مما يفسر إلى حدّ ما العداوة المتأصلة بين السامريين وبين باقي المجتمع الإسرائيلي. ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ في الدنيا بنجاتكم من فرعون، وما كان ينتظركم من ثواب الآخرة؟ ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مازلتم حديثي العهد بالرسالة، فما بالكم تخليتم عنها؟ ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بدلا من ثوابه ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ولم تكترثوا بالرسالة الإلهية. ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ لم يكن ذلك بملء إرادتنا ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ من حلي المصريين، أخذناها منهم قبل رحيلنا على عجل بأعذار كاذبة زاعمين أنها برسم الإعارة، ولذا فهي أوزار، ذنوب، نحمل

стр. 1216

وزرها فوق ظهورنا ﴿فَقَذَفْناها﴾ في النار التي أوقدها السامري ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أيضا ما لديه من حليّ الذهب. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿فَأَخْرَجَ﴾ السامريّ ﴿لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ كالعجل الذهبي Apis الذي كان يعبده المصريون في معبد ممفيس Memphis ﴿فَقالُوا﴾ الذين عبدوا العجل الذهبي ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾ لأن موسى نفسه كان في بلاط فرعون قبل هروبه إلى مدين ﴿فَنَسِيَ﴾ زعم السامريّ أن موسى نسي ماضيه في البلاط حيث كانوا يعبدون العجل. ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ لا يستجيب لهم ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾. ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ على النقيض من مزاعم السامري ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ بالعجل الذهبي ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ وحده ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ (٩١) ٩١ - ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ على العجل الذهبي ﴿عاكِفِينَ﴾ نعبده ﴿حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾. ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿قالَ﴾ موسى لأخيه بعد عودته ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ﴾ ألاّ تتبعني، وتمنعهم من غيّهم ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ عن الصواب.

стр. 1217

﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ لماذا لم تتبعني ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾؟ ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ﴾ يا بن أمي، أي يا أخي ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ قد يكون قصده التفريق بين المصريين منهم وبين العبرانيين ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ في بقائهم موحّدين. ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ ما سبب هذا العمل الذي عملته؟ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ من حاجة القوم إلى تجسيد الإله ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ الرسول هو موسى نفسه، وأثره هو جانب من الرسالة الإلهية التي جاء بها ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي نبذت بعضا من رسالته، وتجاهلتها ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي ذلك وحسّنته في نظري. ﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ سوف تعيش منبوذا وحيدا معزولا عن الناس ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ في الآخرة ﴿وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ العجل الذهبي ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ تعبده ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ فنلقي ما تبقّى منه في البحر. ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)﴾

стр. 1218

٩٨ - ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا شريك له ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ينقذ عباده من مذلة الشرك. ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيها النبي، وأيها القارئ والسامع ﴿مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ ما لم تكن تعرف ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ أي القرآن الكريم، يذكر الناس بميثاقهم الفطري، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وفيه عودة لأول السورة بعد انتهاء قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل. ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً﴾ (١٠٠) ١٠٠ - الخطاب في الآيات (١٠٠ - ١١٤) في القرآن الكريم، ووصف أحوال الآخرة: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن الكريم ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً﴾ حملا وإثما كبيرا. ﴿خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ في وزر تجاهلهم القرآن الكريم وإعراضهم عنه ﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ لأنهم عموا حقيقة القرآن في دنياهم. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ على عيونهم غشاوة زرقاء، فكأنهم عمي. ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يهمسون بصوت منخفض ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ يفوتهم مفهوم الزمن ونسبيته. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً (١٠٤)﴾

стр. 1219

١٠٤ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ الله وحده أعلم بما يدور في نفوسهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعدلهم رأيا وأرجحهم عقلا ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ يتخبّطون في مفهوم الزمن. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْجِبالِ﴾ يوم القيامة كيف تكون؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ حتى تصبح غبارا. ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً﴾ تصبح أرضا مستوية عارية عن النبات. ﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ تصير في تمام الاستواء، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، أي هي من أمور الغيب وخارج تصور البشر. ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ صوت الداعي ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا ينفك عنه أحد ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ وهي شفاعة رمزية يشرّف بهاتعالى الأنبياء والتقاة، ولا تكون إلاّ لمن يستحقها من التائبين. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠)﴾

стр. 1220

١١٠ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ لا يحيط علمهم بعلمه تعالى، لاتّصافه سبحانه بالكمال والعلم الشامل القديم. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ (١١١) ١١١ - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ذلّت وخضعت ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ إلى آخرته. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لأن الإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الأعمال والحسنات، انظر [النور ٣٩/ ٢٤]، ﴿فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ لا يهضم له حق بل يوفّاه، ويجزى بأحسن ما عمل، انظر [النحل ٩٦/ ١٦]. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ بلسانهم، أي العرب أجدر بفهمه من غيرهم، ومن ثم هم على مستوى أعلى من المسؤولية والحساب ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ذوو العقول الراجحة منهم ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ في قلوبهم، فيتذكروا الميثاق الذي فطروا عليه. ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ عن كل ما لا يليق بجلاله ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ الخطاب عام كما هو واضح من أول السورة بقوله ﴿طه﴾، والمعنى: احذر أيها القارئ من قراءة القرآن قراءة مجتزأة،

стр. 1221

بل عليك النظر إليه نظرة كلية شاملة، لأنه يفسر بعضه بعضا ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ في علوم القرآن وغيره. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (١١٥) ١١٥ - عودة الخطاب إلى الآية (٩٩)، وقصة الخليقة حتى الآية (١٢٧)، وما فيها من عبر: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة للآية (١١٧)، ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ كناية عن ضعف النفس البشرية، انظرآية [النساء ٢٨/ ٤]. ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ سجود تكريم لجنس البشر لما علّمه من الأسماء كلها ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبقى الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل. ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا﴾ إبليس ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يحاول الإيقاع بكما ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها﴾ لا تشعر بالجوع في الجنة ﴿وَلا تَعْرى﴾ ولا تشعر بالعري، أي على النقيض مما هو مذكور بالآية (١٢١) حيث بدت لهما سوءاتهما. ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ فلا تعاني من أشعة الشمس.

стр. 1222

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ممّا يدل أنّ هاجس الإنسان من البداية كان توقه إلى الخلود، انظر [الأعراف ٢٠/ ٧]، وأنّ شجرة الخلد المشار لها ليست سوى رمز للحدود التي وضعهاتعالى لرغبات الإنسان التي إن تجاوزها لم يضر سوى نفسه وطبيعته التي خلق لأجلها، وأنّ توق الإنسان للخلود ليس سوى رغبة منه في إنكار الموت، ومن ثم إنكار البعث والحساب والمسؤولية، ومن ثم التوصل إلى ما أشار إليه الشيطان بقوله: وملك لا يبلى، وما في ذلك من إنكار الإله وإنكار المغزى من الحياة. ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ من شجرة الخلد المزعومة ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ما يسوؤهما النظر إليه ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ولباس التقوى ذلك خير، انظر [الأعراف ٢٦/ ٧]، والعري هنا كناية عن الإخفاق والعجز ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ خاب عمله وضلّ، واكتشف عجزه المطلق واعتماده الكليّ على الخالق. ﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ووفقه للتوبة ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قبل توبته ﴿وَهَدى﴾ هداه إلى الصراط المستقيم. ﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)﴾

стр. 1223

١٢٣ - ﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً﴾ انتقال الخطاب إلى الجمع، كناية عن الجنس البشري بكامله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ عن الصراط المستقيم ﴿وَلا يَشْقى﴾ في دنياه وآخرته، بخلاف من يعرض عن هدي الأنبياء والرسل. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن القرآن الكريم، وعن هدي الرسل من قبله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ضيقة شديدة، مادية عقيمة خالية من أي مغزى روحاني ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ استمرارا لما كان عليه في دنياه من عمى البصيرة. ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ لم يدرك عمى بصيرته في دنياه. ﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا﴾ رسالات الرسل ﴿فَنَسِيتَها﴾ أعرضت عنها، ولم تكثرت بها ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ بما نسيت في دنياك، فتترك في العمى الروحاني، والمعنى أن حياة الآخرة أو ثوابها أو عقابها ليست سوى استمرارية، بل مرحلة ثانية من الحياة، تكمل الحياة الدنيا. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾

стр. 1224

١٢٧ - ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ تجاوز الحدود في دنياه ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بل أنكر رسالات الرسل، ولم يتفكر في الآيات الآفاقية ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ من عذاب الدنيا، ومن الانهماك بها والجري وراء مادتها. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي الكفار الذين يحجبون الحقيقة عن ناظرهم رغم الآيات والوحي ﴿كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ فيعتبرون ويهتدون بما حلّ بالأمم والمجتمعات قبلهم ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ في قراهم ومدنهم وآثارهم التي صارت خاوية ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ دلائل وعبر لذوي العقول الراجحة. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال ليوم الحساب، وإعطاء فرص التوبة ﴿لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي لكان العقاب فوريا، ولكن رحمته تعالى وسعت كل شيء، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧]، ولولاها لهلك كل كافر وعاص على الفور. ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (١٣٠) ١٣٠ - الخطاب من هذه الآية حتى آخر السورة إرشاد للمؤمنين لما يجب أن يكونوا عليه تجاه إصرار الكفار على الكفر: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها المؤمن ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ ما على المسلم سوى الصبر تجاههم، وليس عليه إكراههم، انظر [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٦]، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾

стр. 1225

﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ تحديد لمواعيد الصلاة كما فصّلتها السنة الشريفة، والمعنى أن يستعين المرء على الكفار وعلى الغافلين بالصبر والصلاة. ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ﴾ نهي عن الغيرة والحسد ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ما يتمتع به الكفار والغافلون من مادة الدنيا ليس سوى اختبار وابتلاء لهم ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين، بما فيه الرزق المادي والمعنوي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ لما يتمتعون به من السلام الروحاني في دنياهم، ثم ما ينتظرهم من ثواب الأخرة. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ لأن العبادة يعود مردودها على المرء وحده، ولا يستفيد منها الخالق ، انظر [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٧]. ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿وَقالُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿لَوْلا يَأْتِينا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية تلمسها حواسهم لأنهم عطّلوا عقولهم عن الفكر والنظر ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ جاءهم القرآن الكريم مبينا لهم صحة ما جاءت به الكتب المقدّسة من قبل، ومغربلا الصحيح منها من الزائف، ومصدقا ما بقي فيها من الوحي الصحيح، ومهيمنا عليها، انظر [المائدة ٤٨/ ٥]، ومحققا النبوءات التي وردت فيها عن مبعث خاتم الأنبياء والرسل، فماذا يريد المكابرون أكثر من ذلك؟

стр. 1226

﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ الله تعالى لم يترك الأعذار للناس بعد أن هداهم بالفطرة، ثم بعث لهم الأنبياء والرسل، وتبيّن لهم الحق من الباطل، فلا يعاقبهم تعالى قبل أن تبلغهم الرسالة، انظر [التوبة ١١٥/ ٩]. ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥) ١٣٥ - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ الكفار ينتظرون تحقق ما يعتقدون أنه الصواب، وكذا المؤمنون ينتظرون تحقق معتقدهم، وتلك الطبيعة البشرية أن يعتقد كل امرئ أنّ طريقته في الحياة هي الصحيحة ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في الوقت المناسب أن في الدنيا ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم ﴿وَمَنِ اِهْتَدى﴾ منّا من الضلالة، ومن بقي عليها؟

стр. 1227

سورة الأنبياء - ٢١ - مكية مقدمة نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة ﴿طه﴾ بأن كل امرئ يعيش ما يظن أنه السبيل القويم في الحياة، وينتظر تحقق معتقده، ثم لا يدرك الحقيقة والعاقبة إلاّ بعد كشف الغطاء: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥/ ٢٠)، ثم تفتتح سورة الأنبياء بأن حساب الناس قد اقترب وهم غافلون: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١/ ١٢). محور السورة إن الناس في غفلة لاهون، رغم نزول القرآن الكريم عليهم: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢)، وذلك سبب انحطاط الأمم وزوالها لإصرارها على تجاهل حقائق الوحي التي تتعارض مع مفهومها المادي للحياة: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وإن القرآن الكريم نزل على البشرية من أجل سعادتها وحفظا لكرامتها من اتّباع الأوهام ومن ذلّ عبادة المادة والأفراد: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠). وإن معجزة (الانفجار الكبير) للكون وجعل الأحياء من الماء معجزات جديرة بالإيمان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾

стр. 1228

﴿فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٠)، وإن عناد المصرّين على الكفر سببه أنّ حقائق الوحي غير معروفة لديهم، كما أنهم لا يبذلون المجهود الكافي للاطلاع عليها وتقويم الرسالة من حيث جدارتها: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)، وإن الإنسان مبتلى في دنياه بالشر والخير، ثم لا مفر له من المعاد والحساب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥)، وإنه عجول قليل الصبر يستبق الأمور فيرفض الإيمان بالمعاد والحساب: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)، رغم أن الرحمن وحده حافظ للناس على الدوام: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٢). وأنّ الإنسان يغتر بطول العمر حتى يظنّ أن الرخاء الذي يتمتع به دائم إلى الأبد وينسى أن الأيام دول: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)، ولكن لا سبيل لسماع من صمّوا آذانهم عن الحق: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (٤٥)، إذ ينكرون القرآن الكريم رغم كثرة خيراته: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٠)، وإن الله تعالى لا يهلك المجتمعات ببعض أخطائها، بل لإصرارها على الاستغراق بضلالها، فلا ترجع إلى جادة الصواب فتهلك: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن غيّهم (٩٥)، وإن رحمة الرحمن وحده، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، تحفظ الإنسان رغم محاولاته تجسيد الإله وعبادة الأوهام والأصنام: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢).

стр. 1229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١) ١ - ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الموت والبعث والحساب، أقرب بعيد ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ في دنياهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أكثرهم معرضون عن الوحي. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية ﴿إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ بشيء من اللهو وعدم الاكتراث. ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٣) ٣ - ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ عن الوحي، مستغرقين في دنياهم ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بإنكار الوحي ﴿هَلْ هذا﴾ أي محمد ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فكيف نؤمن لبشر؟ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ينسبون إعجاز القرآن إلى السحر، ويزعمون إنهم مبصرون للحقيقة، في حين أنهم يكتمون ملكاتهم الفكرية في تقويم القرآن الكريم من حيث جدارته، وتهربا من أي مسؤولية أخلاقية يفرضها عليهم قبول الإسلام. ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) ٤ - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما تنزّل به الوحي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم. ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾

стр. 1230

٥ - ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ زعموا أن القرآن الكريم ليس سوى أخلاط أحلام ﴿بَلِ اِفْتَراهُ﴾ وزعموا أن النبي افتراه من عنده ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ أو أن النبي ليس سوى شاعر، والقرآن من جنس الشعر ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بمعجزات مادية تلمسها أيدينا، لأن ذوي العقليات الطفولية عطّلوا عقولهم عن دراسة القرآن دراسة جدية، وأعرضوا عن تقويمه من حيث جدارته. ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) ٦ - ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع من المجتمعات ﴿أَهْلَكْناها﴾ بإعراضها عن الوحي، وعن القيم الروحانية، وانهماكها في الدنيا والقيم المادية ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يؤمنون إذ يسيرون على خطا سابقيهم. ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ اسألوا أهل الكتاب من قبلكم، من يهود ونصارى، قبل تحريف كتبهم وتبديلها وتغييرها، إن الرسل كانت من جنس البشر، ولم تكن آلهة أو ملائكة، ولم يكن لها من صفات الألوهية ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الحقائق، بل تتخبطون فيما لا تعلمون. ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَما جَعَلْناهُمْ﴾ أي الرسل ﴿جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ بل بشرا يأكلون الطعام، ويذوقون الموت. ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾
следующие страницы →