Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤)
١٣٤ - ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ الله تعالى لم يترك الأعذار للناس بعد أن هداهم بالفطرة، ثم بعث لهم الأنبياء والرسل، وتبيّن لهم الحق من الباطل، فلا يعاقبهم تعالى قبل أن تبلغهم الرسالة، انظر [التوبة ١١٥/ ٩].
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥)
١٣٥ - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ الكفار ينتظرون تحقق ما يعتقدون أنه الصواب، وكذا المؤمنون ينتظرون تحقق معتقدهم، وتلك الطبيعة البشرية أن يعتقد كل امرئ أنّ طريقته في الحياة هي الصحيحة ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في الوقت المناسب أن في الدنيا ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم ﴿وَمَنِ اِهْتَدى﴾ منّا من الضلالة، ومن بقي عليها؟
стр. 1227
سورة الأنبياء - ٢١ - مكية
مقدمة
نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سورة ﴿طه﴾ بأن كل امرئ يعيش ما يظن أنه السبيل القويم في الحياة، وينتظر تحقق معتقده، ثم لا يدرك الحقيقة والعاقبة إلاّ بعد كشف الغطاء:
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥/ ٢٠)، ثم تفتتح سورة الأنبياء بأن حساب الناس قد اقترب وهم غافلون: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١/ ١٢).
محور السورة
إن الناس في غفلة لاهون، رغم نزول القرآن الكريم عليهم: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢)، وذلك سبب انحطاط الأمم وزوالها لإصرارها على تجاهل حقائق الوحي التي تتعارض مع مفهومها المادي للحياة: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وإن القرآن الكريم نزل على البشرية من أجل سعادتها وحفظا لكرامتها من اتّباع الأوهام ومن ذلّ عبادة المادة والأفراد: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠).
وإن معجزة (الانفجار الكبير) للكون وجعل الأحياء من الماء معجزات جديرة بالإيمان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾
стр. 1228
﴿فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٠)، وإن عناد المصرّين على الكفر سببه أنّ حقائق الوحي غير معروفة لديهم، كما أنهم لا يبذلون المجهود الكافي للاطلاع عليها وتقويم الرسالة من حيث جدارتها: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)، وإن الإنسان مبتلى في دنياه بالشر والخير، ثم لا مفر له من المعاد والحساب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥)، وإنه عجول قليل الصبر يستبق الأمور فيرفض الإيمان بالمعاد والحساب: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)، رغم أن الرحمن وحده حافظ للناس على الدوام: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٢).
وأنّ الإنسان يغتر بطول العمر حتى يظنّ أن الرخاء الذي يتمتع به دائم إلى الأبد وينسى أن الأيام دول: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)، ولكن لا سبيل لسماع من صمّوا آذانهم عن الحق: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (٤٥)، إذ ينكرون القرآن الكريم رغم كثرة خيراته: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٠)، وإن الله تعالى لا يهلك المجتمعات ببعض أخطائها، بل لإصرارها على الاستغراق بضلالها، فلا ترجع إلى جادة الصواب فتهلك: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن غيّهم (٩٥)، وإن رحمة الرحمن وحده، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، تحفظ الإنسان رغم محاولاته تجسيد الإله وعبادة الأوهام والأصنام:
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢).
стр. 1229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١)
١ - ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الموت والبعث والحساب، أقرب بعيد ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ في دنياهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أكثرهم معرضون عن الوحي.
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢)
٢ - ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية ﴿إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ بشيء من اللهو وعدم الاكتراث.
﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ عن الوحي، مستغرقين في دنياهم ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بإنكار الوحي ﴿هَلْ هذا﴾ أي محمد ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فكيف نؤمن لبشر؟ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ينسبون إعجاز القرآن إلى السحر، ويزعمون إنهم مبصرون للحقيقة، في حين أنهم يكتمون ملكاتهم الفكرية في تقويم القرآن الكريم من حيث جدارته، وتهربا من أي مسؤولية أخلاقية يفرضها عليهم قبول الإسلام.
﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤)
٤ - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما تنزّل به الوحي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم.
﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾
стр. 1230
٥ - ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ زعموا أن القرآن الكريم ليس سوى أخلاط أحلام ﴿بَلِ اِفْتَراهُ﴾ وزعموا أن النبي افتراه من عنده ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ أو أن النبي ليس سوى شاعر، والقرآن من جنس الشعر ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بمعجزات مادية تلمسها أيدينا، لأن ذوي العقليات الطفولية عطّلوا عقولهم عن دراسة القرآن دراسة جدية، وأعرضوا عن تقويمه من حيث جدارته.
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)
٦ - ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع من المجتمعات ﴿أَهْلَكْناها﴾ بإعراضها عن الوحي، وعن القيم الروحانية، وانهماكها في الدنيا والقيم المادية ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يؤمنون إذ يسيرون على خطا سابقيهم.
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧)
٧ - ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ اسألوا أهل الكتاب من قبلكم، من يهود ونصارى، قبل تحريف كتبهم وتبديلها وتغييرها، إن الرسل كانت من جنس البشر، ولم تكن آلهة أو ملائكة، ولم يكن لها من صفات الألوهية ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الحقائق، بل تتخبطون فيما لا تعلمون.
﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ (٨)
٨ - ﴿وَما جَعَلْناهُمْ﴾ أي الرسل ﴿جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ بل بشرا يأكلون الطعام، ويذوقون الموت.
﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾
стр. 1231
٩ - ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ بنصرهم وعلو رسالتهم ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ﴾ من صحابتهم ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين أهدروا طاقاتهم الفكرية بمقاومة الرسالة السماوية.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿كِتاباً﴾ القرآن الكريم ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يذكّركم بميثاقكم الفطري عندما كنتم في الأصلاب، كما يذكركم بتطابق الأدلة العقلية مع الأدلة النقلية، وما يؤدي به إلى سعادتكم ورفعتكم، في الحياة الدنيا، إضافة إلى ثواب الآخرة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ألا تستخدمون عقولكم للتوصل إلى هذه النتيجة؟
﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (١١)
١١ - ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ المجتمعات التي ظلمت أنفسها بالتكذيب، تنحط وتنهار حضاراتها ﴿وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ﴾ أفضل من سابقيهم.
﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا﴾ حانت نهايتهم، إما بالاستئصال كما في الأمم البائدة، أو بالانحطاط التدريجي ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ يحاولون النجاة بشتى الوسائل، ولكن أعمار الأمم كالأفراد تحين بآجالها، وقد لا تنفع بها المحاولات الإصلاحية اليائسة.
﴿لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ لا فائدة بعد فوات الأوان ﴿وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ﴾ لأنكم أهلكتم أنفسكم بالترف ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ عما جاءت به الرسل، وما فعلتم به.
﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾
стр. 1232
١٤ - ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أقرّوا بظلمهم بعد فوات الأوان، فلم ينفعهم.
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ يقرّون بها ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً﴾ حصيد الزرع ﴿خامِدِينَ﴾ كالرماد.
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ لأن الحياة ذات مغزى لا تتضح إلا على خلفية الدار الآخرة.
﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ لكن الله تعالى غني عن العالمين.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ لأن الباطل ليس له قرار ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ ما تنكرون من سمو الصفات الإلهية والأسماء الحسنى، وما تزعمون من أنّ الإله ليس سوى مادة الكون المتجسدة.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بلا حدود، فالكون متناه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ما يدحض مزاعمهم إن الله تعالى ليس سوى انعكاس للموجودات، فالله تعالى لا متناه، فوق الوجود المادي، وفوق نطاق الخبرة والمعرفة.
стр. 1233
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ المخلوقات لا تكفّ عن التسبيح، وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، انظر [الإسراء ٤٤/ ١٧].
﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ هل لهم مقدرة على البعث والنشور؟ فقد جعلوا من آلهتهم كل أنواع الأوثان، ورموز العبادة الزائفة، وألّهوا الأفراد والزعماء، بل عبدوا السلطة والمادة.
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ السماوات والأرض، ولذهب كل إله بما عنده ﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ تنزّه عمّا لا يليق به ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ من شرك.
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ في منتهى الحكمة ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ ويحاسبون.
﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ المسيحية زعمت المسيح إلها بل جعلته ابن الله ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ القرآن الكريم ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ الكتب المنزلة من قبل، قبل تحريفها ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ بل يتخبطون ويتبعون الظن ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القرآن الكريم خاتم الرسالات السماوية.
стр. 1234
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ رسالة التوحيد جاءت بها جميع الرسل.
﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ وهو قول المسيحية؛ زعمت المسيح ابن الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تعالى، تنزّه عمّا يقولون ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الرسل والأنبياء مكرمون بالرسالة وبالنبوة.
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ بل يتلقّون الوحي ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ يبلّغون الرسالة.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ من المرضي عنهم ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ خيفة عذابه ﴿مُشْفِقُونَ﴾ لا يأمنون مكر الله.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ يدّعي الألوهية ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - الآيات (٣٠ - ٣٣) تشير إلى بعض نواحي الإعجاز الذي عمي عنه الكفار:
стр. 1235
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً﴾ واحدا ملتحما ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ بعضهما عن بعض بالانفطار الكبير الذي نتجت عنه ملايين المجرات والنجوم ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وهي المعجزة الكبرى الأخرى في الخليقة ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ كيف يكفرون بعد هذا الإعجاز؟
﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ كي لا تميد الأرض بهم وتهتز، بل تكون عامل استقرار ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً﴾ طرقا ومسالك ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الهداية الروحانية المعنوية، والهداية الدنيوية لمبتغاهم.
﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ لا يصلون إلى أطرافها، لأن أبعادها تصل إلى ملايين السنين الضوئية، ولا يرجمون بها رجوم الغيب، ولا رجوم الشياطين، انظر [الملك ٥/ ٦٧]، ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها﴾ معجزاتها ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ما يشاهدون منها أقل القليل.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ في إعجاز متناسق يبهر العقول.
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فالرسول ليس استثناء من ذلك، وهذا من جملة اعتراضاتهم السخيفة أن الرسول فان ومن جنس البشر ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ لا يلبثون أن يموتوا، فيبعثوا فيحاسبوا.
стр. 1236
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ لا تنفك عنه ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ اختبارا لكم في دنياكم ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب.
﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ سخرية واستخفافا ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بأنهم لا ينفعون عبدتهم ولا يضرّون ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ مصرّون على إنكار القرآن الكريم.
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جنس الإنسان يستعجل الأمور فيطلب الشيء قبل أوانه، فكأنه مخلوق من العجل نفسه ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ الخطاب للكفرة المستعجلين، يستعجلون الوعد الله بنصرة الرسل، أو بوقوع العذاب.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ متى وقت وقوع الساعة؟ يقولونها استهزاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ وقت وقوع الساعة ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ من جهة الغير.
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾
стр. 1237
٤٠ - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ الساعة ﴿بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ تدهشهم وتحيرهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون ليستريحوا طرفة عين، وفيه تذكير بإمهالهم في دنياهم.
﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي ﴿فَحاقَ﴾ أحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاط استهزاؤهم بهم، فأوردهم موارد الهلاك.
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ من بأس الرحمن ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ معرضون عن القرآن الكريم، فهم ليسوا من أهل الفكر والسماع.
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فضلا عن نصر غيرهم ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ فهم في غاية العجز.
﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ﴾ الناس ﴿وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وهم غافلون مصرّون على الكفر ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾ أي الدول؛ كما قال يوسف للعزيز: اجعلني على خزائن الأرض. وقصد بها دولة مصر، انظر [يوسف ٥٥/ ١٢]- ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ شيئا فشيئا، لأن الدول
стр. 1238
والمجتمعات تنحط ثم تنهار عندما تتنكر للقيم الروحانية ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ على أمرهم؟
﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ إذا أصرّوا على عدم السماع.
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لا يقرّون بظلمهم إلا بعد نزول العذاب بهم.
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ العدل ﴿لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ انظر [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٨)
٤٨ - الآيات (٤٨ - ٩١) مرتبطة بقوله تعالى بالآية (٢): ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، وهي تصف جانبا من قصص الأنبياء؛ موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ويونس وزكريا ويحيى وعيسى، والعبر الخاصة بها:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي إن الفرقان، الفارق بين الحق والباطل، ليس سوى ضياء وذكر لمن يتقي الباطل.
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾
стр. 1239
٤٩ - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ بخلاف ما يرون في عالم المشاهدة ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَهذا﴾ القرآن الكريم ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات، فيه من قصص الأنبياء كما سيرد ﴿أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؟
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ الحكمة العقلية والنقلية ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل موسى وهارون ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ بمستواه الفكري السامي.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ﴾ الجمادات ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ على عبادتها؟
﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ زعموا أن عقول آبائهم خير من عقولهم فعطّلوها واكتفوا بالتقليد.
﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ على السواء ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لم تستفيدوا من ملكاتكم الفكرية التي أودعها الله تعالى فيكم.
﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ﴾ وما نحن عليه باطل؟ ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ تهزأ بنا؟
﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦)﴾
стр. 1240
٥٦ - ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ خلقهنّ وأبدعهنّ على غير مثال سابق ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فذلك واضح أمامي في عالم المشاهدة.
﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (٥٧)
٥٧ - تتمة كلام إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فأسبّب سقوطهم ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ إلى أعمالكم.
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً﴾ حطاما ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ﴾ الصنم الكبير تركه سالما ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه ما حلّ بصغاره؟
﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿قالُوا﴾ بعد عودتهم ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا﴾ بأصنامنا ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم.
﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوء ﴿يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾.
﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ على مرأى منهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ ضده.
﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ﴾ جعلت أصنامنا حطاما؟.
﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ كبير أصنامكم ﴿هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فهم أعجز من الاستجابة لكم.
стр. 1241
﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ يلوم بعضهم بعضا ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ تظلمون إبراهيم إذ تحمّلونه المسؤولية.
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ في عودة إلى جهالتهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ هم أعجز من النطق، فكيف نسألهم؟.
﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلهكم الحقيقي ومتولّي أموركم ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ من هذه الجمادات؟
﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ خالقكم وممدّكم بالحياة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تستخدمون عقولكم على النحو السليم؟
﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ في النار ﴿وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ إذ لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ في نصرهم.
﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ فلم تنله النار بأذى.
﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ فلم يفلحوا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ لأنه فارقهم بعد ذلك مع ابن أخيه لوط، وفاتتهم فرصة الاستفادة من رسالته، ثم بقوا غارقين في جهالاتهم.
﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)﴾
стр. 1242
٧١ - ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً﴾ ابن أخيه ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وهي فلسطين، مهد الرسالات، ومسرى النبي ﷺ .
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ بعد أن وهبه الله تعالى ابنه الأكبر إسماعيل، وهبه إسحاق ويعقوب نافلة، أي زيادة بعد أن بلغ من الكبر عتيّا ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ للناس ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ بالوحي الذي نزل عليهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ بخلاف ما زعموه في كتب العهد القديم عن فسادهم.
﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً﴾ وهي الحكمة التي تسبق النبوة ﴿وَعِلْماً﴾ بالوحي ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ كانوا يأتون الرجال من دون النساء ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منهمكين في أسوأ الشرور ﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين عمّا خلقت له الطبيعة البشرية.
﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ بنجاته مما حل بقومه من الدمار بما كسبت أيديهم ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾
стр. 1243
٧٦ - ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل الأنبياء المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ إذ نادى ربه إني مغلوب فانتصر، انظر [القمر ١٠/ ٥٤]، ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الفيضان.
﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منهمكين في الشر ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بعد فوات فرصتهم وإصرارهم على التكذيب.
﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ يحكمان في الأرض الزراعية ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ رعت الغنم في الأرض الزراعية ليلا بإهمال من صاحب الغنم فأفسدتها ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ لحكم داود ثم حكم سليمان في القضية، فقد اشتكى صاحب الأرض الزراعية إلى داود، أن غنم الراعي دخلت زراعته ليلا فأفسدتها، فقضى له أن يأخذ الغنم تعويضا عمّا حلّ به من خسارة، ممّا أبقى صاحب الغنم بلا مورد رزق، لكن سليمان استأذن والده تبديل الحكم، حيث يأخذ صاحب الأرض قطيع الغنم مؤقتا فينتفع منه، ريثما يقوم صاحب الغنم بإصلاح الأرض الزراعية وإعادتها إلى ما كانت عليه، وبعد ذلك يستعيد غنمه.
﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ أي الحكم المشار إليه آنفا ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً﴾ حكمة، وحكما على بني إسرائيل ﴿وَعِلْماً﴾ داود وسليمان، بما فيه حكم داود المشار إليه ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ يقدّسن الله تعالى
стр. 1244
﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ ذلك، والمغزى أنّ داود كان يستشعر في نفسه عظمة الخالق بما يشاهد في الطبيعة من عجائب الخلق.
﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ وهي صناعة الدروع المعدنية التي تلبس دفاعا عن النفس ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ من بأس أعدائكم، أي من حروبهم العدوانية ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لهذه النعم؟
ومن المعروف تاريخيا أن العصر البرونزي كان قد انتهى في فلسطين قبل عهد داود بزمن، ثم إن داود كان يستورد فلز الحديد إلى فلسطين خصيصا لصناعة الدروع، ولأغراض أخرى منها صناعة الأدوات المعدنية اللازمة للزراعة والحراثة، انظر قوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ ١٠/ ٣٤]، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، أي فلز البرونز من الحديد والنحاس.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأساطيله التجارية في البحر الأحمر ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي بلاد الحجاز، بما فيها مكة المكرمة والكعبة المشرّفة ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ بما يقوم به سليمان من خدمة الأراضي المباركة في فلسطين والحجاز، انظر أيضا قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، أي تسير الريح بأساطيله ذهابا وإيابا شهرا بشهر، لهذه الأغراض، وهذا الموضوع ثابت تاريخيا من استخدام سليمان لأساطيل تجارية كثيرة في البحر الأحمر، وكذا في البحر الأبيض المتوسط، انظر أيضا قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي بأساطيله التجارية ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨].
стр. 1245
﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ من شياطين الإنس ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ لاستخراج اللؤلؤ من قاع البحر الأحمر ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ من الصناعات ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ لما يقومون به من أعمال حميدة، لقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤].
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ من المرض والهزال ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لا راحم في الحقيقة سواه، وفي سورة (ص) نسب أيوب الضرّ من المرض والهزال إلى الشيطان، انظر قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ [ص ٤١/ ٣٨]، والمغزى الأخلاقي من القصة أنّ أيوب أدرك أن الله تعالى يعرضه للمحن، وأنّ عليه الصبر، ولا سيما على وساوس الشيطان.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ من المرض والعذاب ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ ذرية جديدة بدلا من الذين توفّوا منهم ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ من أمثاله.
﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ الذين صبروا على مشاق التكليف وشدائد النوب.
﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾
стр. 1246
٨٦ - ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح لعصمتهم من الذنوب.
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ وهو يونس ﵇، ذهب غاضبا على قومه، وهم أكثر من مئة ألف من أهالي نينوى في آشور بالعراق، ضاق بهم بعد أن رفضوا بعثته، انظر قصته بتفصيل في [الصافات ١٣٩/ ٣٧ - ١٤٨] حيث التقمه الحوت ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بعد أن تخلّى عن بعثته ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ في ظلمات بطن الحوت ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ﴾ أي أنزّهك يا الله تنزيها لائقا بك عن كل نقص وسوء، وأن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ظلمت نفسي، وظلمت قومي بتعريضهم للهلاك إذ تخلّيت عنهم من غير أمر، وبخلاف ما اعتاد عليه الأنبياء.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ لدعائه ولتوبته ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ من غمّ بطن الحوت ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من الغموم، إذا دعوا الله تعالى بإخلاص، إذ لا نجاة أدنى منها.
﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ انظر [مريم ١/ ١٩ - ٦]، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ خير حيّ يبقى بعد الجميع.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بعد أن كانت عاقرا لا تلد ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ زكريا ويحيى وأمّه
стр. 1247
﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً﴾ راغبين في نعمنا ﴿وَرَهَباً﴾ وراهبين من ردّها ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ مخبتين متضرعين دائمي الوجل.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ مريم ﵍ ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ عبارة عن الإحياء، قال الألوسي: وليس هنالك من نفخ حقيقة.
﴿وَجَعَلْناها وَاِبْنَها﴾ عيسى ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ رسالة للناس، ومعجزة.
﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيها الأنبياء المشار إليهم، وأيها الناس المبعوث إليهم، جاءتكم الرسل برسالة التوحيد منذ الأزل، وهي رسالة الإسلام لله تعالى ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ بلا شرك، والمغزى؛ ما دامت الرسالة واحدة فلا مبرر للتفرق أمما وطوائف، ولمعنى العبادة انظر شرح قوله تعالى في آية [الذاريات ٥٦/ ٥١].
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ رغم أن الرسالات السماوية واحدة، إلا أنّ الناس تفرقت طوائف وجماعات وأحزابا، كلّ حزب بما لديهم فرحون، كلّ منهم يعتقد أنه يحتكر الحقيقة لنفسه، فمرجعهم إلى الله تعالى وحده يحاسبهم.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا حرمان لثواب عمله، عبّر عنه بالكفران الذي هو ستر النعمة وجحودها، لبيان كمال نزاهته تعالى عمّا يستحيل صدوره عنه، وفي الآية ما يدلّ على أنّ قبول
стр. 1248
العمل الصالح مطلقا مشروط بالإيمان ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ مثبتون ذلك في صحيفة أعماله.
﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٩٥)
٩٥ - ﴿وَحَرامٌ﴾ أي محرّم قطعيا ﴿عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ مجتمع من المجتمعات قضى الله تعالى بهلاكه ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ إلى صوابهم، أي بنتيجة إصرارهم الكلّي على الضلال، وليس بسبب انزلاقهم جزئيا في الخطأ هنا وهناك، فمن سننه تعالى أن المجتمعات لا تهلك إلاّ إذا كان انحرافها عن جادة الصواب كليا، وليس انزلاقها الجزئي نحو الخطأ.
﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٩٦)
٩٦ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، أي بعد هلاك المجتمعات الضالة، لم يبق سوى وقوع الساعة المرموز لها بانطلاق يأجوج ومأجوج: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ حيكت حول يأجوج ومأجوج الكثير من الأساطير، وزعم بعض الباحثين أنهم المغول والتتار، أو قبائل شرق آسيوية غيرهم، ولم يثبت ذلك، والظاهر أنها إشارة لا تنطبق على أقوام بعينهم، وإنّما على مجموعة من الأقوام والأحداث والكوارث تهدم الحضارات، وتسبق وقوع الساعة، انظر أيضاآيات [الكهف ٩٤/ ١٨]، وفي قوله تعالى إنهم من كل حدب ينسلون أي من كل ناحية من نواحي الأرض، مما يفيد أنه عند وقوع الساعة يهرع كل فرد إلى مصيره بلا مقاومة.
﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يوم القيامة ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي شاخصة لذهولها باتجاه واحد لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، انظر [إبراهيم ٤٣/ ١٤]، ﴿يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ﴾ تامّة ﴿مِنْ هذا﴾ البعث
стр. 1249
والرجوع، ولم نعلم أنه حق ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ بترك الآيات والنذر، مكذّبين بها.
﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن القيم الزائفة، أيها الكفار على مر الأيام والعصور ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقود لجهنم ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ جزاء وفاقا.
﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ (٩٩)
٩٩ - ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ﴾ المزعومون آنفا ﴿آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ العابدون والمعبودون.
﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ لشدة ما ينالهم من عذاب ﴿وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ لأن الكفار يحشرون صمّا، كما يحشرون عميا، انظر [طه ١٢٤/ ٢٠]، وذلك كناية عن استمرار الصمم الروحاني الذي كانوا عليه في دنياهم، إذ لم يستجيبوا لرسالات الرسل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ معنى الحسنى توفيقه تعالى لهم بالطاعات، والكلمة الحسنى المتضمنة البشارة بثوابهم وشكر أعمالهم ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لأنهم في الجنة.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ حسيس جهنم ﴿وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ دائمون في غاية التنعم.
стр. 1250
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ من أهوال القيامة ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في دنياكم، من تحقق النعيم والأمن لكم.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤)
١٠٤ - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ فتغيب وتختفي ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كما تطوى الصحيفة المشتملة على الكتب، فتغيب عندما يغلق السجل ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ لأن القادر على الخلق قادر على الإعادة ﴿وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ كل شيء ممّا نريد أن نفعل.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ (١٠٥)
١٠٥ - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور اسم علم للكتب المقدسة، وإن اختصت التسمية بعد ذلك بكتاب داود، انظر [النساء ١٦٣/ ٤] و [الإسراء ٥٥/ ١٧]، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ القرآن الكريم ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ في الدنيا ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ الصالحون لعمرانها، ولأداء الرسالات السماوية فيها ونشرها بالموعظة والقدوة الحسنة.
﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿إِنَّ فِي هذا﴾ المذكور بالآيات (١٠١ - ١٠٥) ﴿لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ رسالة أكيدة لهم.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)﴾
стр. 1251
١٠٧ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قاطبة، وليس لأمّة بعينها، وفي ذلك ارتباط مع الآيات (٣ - ٤)، ولأن القرآن الكريم الذي هو ختم الرسالات يناشد العقول والمنطق، وليس فيه من الأفكار الوثنية ما يزعج الفكر السليم، وبخلاف الكتب السابقة فقد بقي محافظا على سلامته من أدنى تغيير أو تحريف.
﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ له؟ ومستسلمون؟
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ (١٠٩)
١٠٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام وعن التوحيد ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أعلمتكم الرسالة بكل وضوح وبكل عدالة، وليس هنالك من جبر ولا إكراه ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ لا أدري قرب البعث والنشور والحساب الذي توعدونه، فذلك في علم الغيب وخارج طاقتي.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ (١١٠)
١١٠ - ﴿إِنَّهُ﴾ الله تعالى ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ما تجهرون به من أقوالكم من خير أو شر ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ منها من خير أو شر، فيحاسبكم عليها.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١١١)
١١١ - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ أي التأخير في البعث والنشور والحساب ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ ليس سوى اختبار لكم، ولحرية العمل والإيمان، أو الكفر من جانبكم.
стр. 1252
﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢)
١١٢ - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ بما أنت أهله ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ من محاولات تجسيد الإله، وما يتضمنه ذلك من كفر وإهانة للعقل السليم.
стр. 1253
سورة الحج - ٢٢ - مكية وقيل مدنية
مقدمة
اختلفوا في كون السورة مكية أم مدنية، والأكثرون على أنها مكية مع نزول بعض آياتها في المدينة بعد الهجرة.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سورة الأنبياء المتقدمة بالإشارة إلى الفزع الأكبر يوم تطوى السماء كطي السجل للكتب، وأن متاع الدنيا مؤقت، ومن رحمته تعالى أن في ذلك فتنة ومهلة لمن ترجى توبته: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١١١/ ٢١)، ثم تفتتح سورة الحج بإنذار الناس بالقيامة: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١/ ٢٢).
وفي سورة الأنبياء أن الناس تقطّعوا أمما وعقائد مختلفة: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ (٩٣/ ٢١)، ثم في سورة الحج أن ذلك من سننه تعالى في خلقه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧/ ٢٢).
وفي سورة الأنبياء أن إصرار المجتمعات على ضلالها أوردها موارد الهلاك:
﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٩٥/ ٢١)، ثم في سورة الحج
стр. 1254
أن ذلك هو المصير الحتمي للمجتمعات الظالمة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨/ ٢٢).
محور السورة
أنّ المجادلين يجادلون بالباطل بغير علم: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)، وبلا هدي من الوحي: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٨)، وهنالك من أنصاف المؤمنين من يقف موقف المتردد فينهار عند الشدائد: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١١)، وأن في الحج تعظيما لحرمات الله ما يوجب اجتناب عبادة القيم الزائفة واجتناب الزور:
﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠).
وتأذن السورة بالقتال الدفاعي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)، وأن الله تعالى ينصر من ينصره: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)، وأن عاقبة المجتمعات الظالمة إلى زوال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)، وأن لا معنى حقيقيا لمفهوم الزمن الدنيوي:
﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧)، ومن ثم لا يغتر الإنسان بأن الله تعالى يمهل الظالمين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨).
стр. 1255
وأن من سننه تعالى في الخلق أن الأمم تتبع ما تظنّه صوابا فلا ينخدع المسلمون بضلال غيرهم، بل يلتزمون بما هم عليه من الهدى، ولا يثنيهم ذلك عن الدعوة إلى الإسلام: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧)، وأن يتفادوا الجدل العقيم مع المجادلين بالباطل، في إشارة للآيات (٣، ٨): ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٦٨)، والحساب على الله: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٦٩).
وأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل، دين يسر وسهولة وقريب من العقل، ينفي الحرج، ويأخذ بالاعتبار ضعف الانسان: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١)
١ - استمرار الخطاب من آخرسورة الأنبياء: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ قاطبة ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ كونوا على علم بما سوف تؤول إليه الأمور ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يوم القيامة.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (٢)
٢ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ تذهل عن أعزّ ما لديها، والمغزى أن كل امرئ يذهل يومها عن أعز ما لديه ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ قبل أوانه ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ في ظاهرهم، لهول الموقف ﴿وَما﴾
стр. 1256
﴿هُمْ بِسُكارى﴾ ما هم فيه ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ لمن غفل عن حتمية هذا اليوم.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)
٣ - ومع ذلك ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الغافلين، المستكبرين، أو المصرّين على الكفر ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل يبتدع النظريات من عنده، فيزعم أن الكون أوجد نفسه، وأن لا خالق ولا بعث ولا نشور ولا حساب، في محاولة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ متمرد من شياطين الإنس أو الجن.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٤)
٤ - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ النتيجة الحتمية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ جعله وليا له، متوليا أموره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ إلى أوخم العواقب.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥)
٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ المصرّون على الكفر وإنكار البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ لديكم أدنى شك ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المراحل المتطورة للجنين ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الولادة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ في شبابه ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الشيخوخة ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ يصير في حالة من الخرف، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ جرداء ميتة ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ﴾ المطر ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ بذورها
стр. 1257
﴿وَرَبَتْ﴾ فتحركت ونبتت ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من النبات، دليل على حتمية البعث.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦)
٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر والإعجاز الذي سبق بيانه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ وحده القادر على الإمداد بالحياة ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.
﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٧)
٧ - ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ استمرارا للحياة الدنيا، ولضرورة البعث والنشور، حتى تكمل الأخرة الأولى ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ للحساب.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٨)
٨ - ومع كل الدلائل القاهرة الآنفة الذكر على حتمية الآخرة والحساب فهنالك من يجادل ويكابر: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، بل عن تخمين، وعن تخبط في الجهل والتنظير ﴿وَلا هُدىً﴾ يهتدي به ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ يهتدي به من الوحي.
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٩)
٩ - ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاويا لجانبه، كناية عن عدم قبوله، متكبرا شامخا بأنفه، معرضا عن الحق ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجادل الآخرين بغرض الإضلال ﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ حتى لو ازدهرت أحواله المادية في ظاهرها، فسوف يعيش بحالة من التعاسة والخواء الروحاني، والاضمحلال التدريجي لكل قيمة أخلاقية ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ من عذاب الغم، وهو أشد أنواع العذاب، انظرالآية (٢٢)﴾.
стр. 1258
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ من المعاصي والإعراض في دنياك ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل بعث الرسل وأنذر الناس بالحساب.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١١)
١١ - وهنالك من أنصاف المؤمنين: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ المذبذبين ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هو بين الشك واليقين، وبين الحق والباطل ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ﴾ ظانّا أنّه من صنع يديه، وأنّه يستحقه تمام الاستحقاق ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ كمرض أو ضرر في ماله وأهله ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ نكص إلى الشك والكفر ﴿خَسِرَ الدُّنْيا﴾ فاته ما يسرّه فيها ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ إذ لم يعمل لها، بل كان يتعامى عنها ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ الواضح كونه خسرانا تاما.
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿يَدْعُوا﴾ أي هذا المذبذب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوهام ﴿ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ وينسب كل ما يعتريه إلى الحظ والصدف ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ إذ لا صدفة ولا حظوظ بل عمل واجتهاد.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ من الأوهام والزعماء ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ لأن الأوهام والزعماء لن تفيد شيئا في نهاية المطاف ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ من الزعماء المضلّلين ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ من الأصحاب الضالّين الذين يعاشرهم.
﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾
стр. 1259
١٤ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ بالمقارنة مع مصير المذبذبين المشار إليهم آنفا ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ في إيصال الثواب لمستحقيه.
﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وهو من زمرة الناس الذين يعبدون الله على حرف المشار إليهم بالآية (١١)، إذ يشكك في أن الله تعالى ينصر عباده ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ﴾ أي فليطلب، إن استطاع، أسلوبا أو حيلة يصل بهما إلى السماء، بعد أن دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه، الآيات (١٢ - ١٣)، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليمض في سبيله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ تخطيطه ﴿ما يَغِيظُ﴾ أي إن تخطيطه قصير الأمد لن يفيده شيئا في إزالة غيظه المترتب على الفتنة التي أصابته فخسر بها الدنيا والآخرة.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ القرآن الكريم ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ من غير المذبذبين الذين يعبدونه على حرف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١٧)
١٧ - بعد أن أشارت الآيات المتقدمة (٨ - ١٣) و (١٥)﴾ إلى أحوال الكفار المكابرين، والمذبذبين أنصاف المؤمنين، تبين هذه الآية أن الفصل بين الناس يكون يوم القيامة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المسلمين ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ الصابئين أتباع يحيى المعمدان بن زكريا، لأنه كان يعمّد، أي يصبغ أتباعه في نهر الأردن في دلالة على اعتناقهم رسالته ﴿وَالنَّصارى﴾ الذين نصروا عيسى
стр. 1260
المسيح ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ أتباع زرادشت من عبدة النار ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ حساب الجميع على الله، وليس لإنسان أن يحاسب أخاه الإنسان على عقيدته، أو أن يكرهه عليها ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بعقائد عباده.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ طوعا وكرها ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ منقادة لإرادته ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ المؤمنين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ من الكفار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ غير الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ إذ كرّم عباده بحرية الخيار الديني والأخلاقي.
﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ أحدهما مؤمن، والآخر كافر ينكر وجود الله ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ بنتيجة ما اختاروه لأنفسهم.
﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ بنتيجة خيارهم وأعمالهم التي حبطت في دنياهم.
﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ كناية عن معاناتهم الغم، كما هو مذكور بالآية التالية:
стр. 1261
﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ﴾ وهو العذاب الحقيقي الذي يعاني منه الكفار ﴿أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم حبيسو عذاب الغمّ.
﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ بالمقارنة مع الكفار المذكورين آنفا.
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ في الآخرة كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده نتبوأ من الجنة حيث نشاء، وفي الدنيا: قولهم لا إله إلا الله، بما يعنيه ذلك قولا ومعنى وفعلا ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد، سواء حمده حامد أم لم يحمد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٥)
٢٥ - بعد أن حشدت السورة من أولها البراهين على البعث والحساب، وأن الناس مع ذلك بين مؤمن ومذبذب وكافر ومشرك، ووصفت مآل كل منهم، ينتقل الخطاب لبيان سلوك الكفار في المسجد الحرام تمهيدا لما سوف يرد من مناسك الحج:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ العاكف المقيم فيه ﴿وَالْبادِ﴾ الطارئ الذي جاء من البدو ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ شيئا ما، أو مرادا ما ﴿بِإِلْحادٍ﴾ بعدول عن القصد
стр. 1262
والاستقامة المعنوية ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حق ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن أراد السيئة في مكة المكرمة.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢٦)
٢٦ - انتقال الآيات (٢٦ - ٣٧) إلى إبراهيم، ومناسك الحج، لأنه هو الذي بنى البيت الحرام، وإسماعيل:
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ فجعلناه مرجعا يعود إليه في العبادة ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الطهارة المعنوية أولا من عبادة الأوثان، ثم الطهارة المكانية ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ حول الحرم ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ المقيمين فيه للعبادة والتأمّل ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلّين.
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي ناد فيهم، لأن الأذان هو الإعلام والإشعار ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ مشاة على الأقدام ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ ركبانا على الخيل أو البعير الهزيل أتعبه السفر ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ غاية في البعد.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ فمن جهة يواجه المسلم أول بيت وضع لله، ومن جهة يشعر بالأخوة الروحانية مع الحجاج القادمين من مختلف أنحاء الأرض، ومن جهة يتعاطف مع مشاكلهم ومصاعبهم الاجتماعية ﴿وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ يوم العيد ويومان بعدها ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ من الأضاحي ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ لا حرج في الأكل منها للمضحّي
стр. 1263
﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ﴾ الذي أصابه البؤس ﴿الْفَقِيرَ﴾ المحتاج، والتأكيد على ذكر اسم الله عند ذبح الأضاحي القصد منه تعظيم الحياة وبيان حرمتها.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهو انتهاء حالة النسك، ومن ثم السماح بالغسل والحلاقة وقص الأظافر ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ من أعمال البر في حجّهم ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الإفاضة ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ البيت الحرام.
﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ جمع حرمة، وهو ما يحترم شرعا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يثاب عليه ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي ذبحها وأكلها ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ الرجس:
النجس، وهو غير النجس بالمعنى الفقهي، بل هو نجس معنوي يلوّث العقيدة، والمعنى؛ اجتنبوا الرجس أو النجس الناتج من ممارسة العقائد الوثنية، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الافتراء.
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ مائلين عن كل دين زائغ إلى الدين الحق مخلصين له تعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ الأوثان والأوهام ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ كأنما سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ جوارح الطير في سقوطه ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ يتردّى فيه.
﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾
стр. 1264
٣٢ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ من مختلف مناسك الحج، أما البدن فليست سوى جزء من الشعائر، انظرالآية (٣٦)، ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ بعد معرفة المغزى الرمزي من هذه الشعائر.
﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿لَكُمْ فِيها﴾ في مناسك الحج، وفي تقوى القلوب ﴿مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدى الحياة ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن أساس التقوى هو الإقرار بالتوحيد، المرموز إليه بالبيت العتيق، أي الكعبة، انظرالآية (٣٧).
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ مذهبا في طاعته تعالى ﴿لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ﴾ وحده دون غيره ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ عند ذبحها تعظيما لها، ولهبة الحياة عامة ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله غيره ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الأمر ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المطمئنين، الذين سوف يرد ذكرهم.
﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ من مشاق التكليف، ومن المحن والنوائب كالأمراض والمحن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوقاتها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة وهي البقرة أو الناقة تنحر في مكة ﴿جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ من مناسك الحج ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ نفع في الدنيا، وأجر
стр. 1265
في الآخرة ﴿فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك ﴿صَوافَّ﴾ قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سقطت على الأرض، كناية عن موتها ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ﴾ الراضي بما عنده ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المعترض للسؤال، من اعترّه إذا تعرّض إليه ﴿كَذلِكَ﴾ مثل هذا التسخير البديع ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ فتأخذونها منقادة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم، بالتقرّب لنا والإخلاص.
﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ لن يصيب رضا الله تعالى اللحوم المتصدّق بها ولا الدماء المهراقة منها ﴿وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ يناله ما يصحب ذلك من تقوى قلوبكم التي تدعوكم لتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ مثل هذا التسخير ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ لتعرفوا عظمته تعالى باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ المخلصين الذين يبتغون الإحسان في كل أعمالهم.
﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المشار إليهم آنفا الذين يعظّمون شعائر الله، والكلام مستأنف لتوطين قلوب المؤمنين إن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم، ولا يقدرون صدّهم عن الحج ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾ لله ﴿كَفُورٍ﴾ برسالاته.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أذن لهم بالقتال الدفاعي، وهو القتال الوحيد المسموح به في القرآن الكريم، أسوة بالسنة النبوية الشريفة لأن غزوات النبي ﷺ كانت كلها دفاعية، انظر أيضاآية [البقرة ١٩٠/ ٢]، ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي إن
следующие страницы →