Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ﴾ وهو العذاب الحقيقي الذي يعاني منه الكفار ﴿أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم حبيسو عذاب الغمّ.
﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ بالمقارنة مع الكفار المذكورين آنفا.
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ في الآخرة كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده نتبوأ من الجنة حيث نشاء، وفي الدنيا: قولهم لا إله إلا الله، بما يعنيه ذلك قولا ومعنى وفعلا ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد، سواء حمده حامد أم لم يحمد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٥)
٢٥ - بعد أن حشدت السورة من أولها البراهين على البعث والحساب، وأن الناس مع ذلك بين مؤمن ومذبذب وكافر ومشرك، ووصفت مآل كل منهم، ينتقل الخطاب لبيان سلوك الكفار في المسجد الحرام تمهيدا لما سوف يرد من مناسك الحج:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ العاكف المقيم فيه ﴿وَالْبادِ﴾ الطارئ الذي جاء من البدو ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ شيئا ما، أو مرادا ما ﴿بِإِلْحادٍ﴾ بعدول عن القصد
стр. 1262
والاستقامة المعنوية ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حق ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن أراد السيئة في مكة المكرمة.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢٦)
٢٦ - انتقال الآيات (٢٦ - ٣٧) إلى إبراهيم، ومناسك الحج، لأنه هو الذي بنى البيت الحرام، وإسماعيل:
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ فجعلناه مرجعا يعود إليه في العبادة ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الطهارة المعنوية أولا من عبادة الأوثان، ثم الطهارة المكانية ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ حول الحرم ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ المقيمين فيه للعبادة والتأمّل ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلّين.
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي ناد فيهم، لأن الأذان هو الإعلام والإشعار ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ مشاة على الأقدام ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ ركبانا على الخيل أو البعير الهزيل أتعبه السفر ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ غاية في البعد.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ فمن جهة يواجه المسلم أول بيت وضع لله، ومن جهة يشعر بالأخوة الروحانية مع الحجاج القادمين من مختلف أنحاء الأرض، ومن جهة يتعاطف مع مشاكلهم ومصاعبهم الاجتماعية ﴿وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ يوم العيد ويومان بعدها ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ من الأضاحي ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ لا حرج في الأكل منها للمضحّي
стр. 1263
﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ﴾ الذي أصابه البؤس ﴿الْفَقِيرَ﴾ المحتاج، والتأكيد على ذكر اسم الله عند ذبح الأضاحي القصد منه تعظيم الحياة وبيان حرمتها.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهو انتهاء حالة النسك، ومن ثم السماح بالغسل والحلاقة وقص الأظافر ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ من أعمال البر في حجّهم ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الإفاضة ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ البيت الحرام.
﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ جمع حرمة، وهو ما يحترم شرعا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يثاب عليه ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي ذبحها وأكلها ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ الرجس:
النجس، وهو غير النجس بالمعنى الفقهي، بل هو نجس معنوي يلوّث العقيدة، والمعنى؛ اجتنبوا الرجس أو النجس الناتج من ممارسة العقائد الوثنية، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الافتراء.
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ مائلين عن كل دين زائغ إلى الدين الحق مخلصين له تعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ الأوثان والأوهام ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ كأنما سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ جوارح الطير في سقوطه ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ يتردّى فيه.
﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾
стр. 1264
٣٢ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ من مختلف مناسك الحج، أما البدن فليست سوى جزء من الشعائر، انظرالآية (٣٦)، ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ بعد معرفة المغزى الرمزي من هذه الشعائر.
﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿لَكُمْ فِيها﴾ في مناسك الحج، وفي تقوى القلوب ﴿مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدى الحياة ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن أساس التقوى هو الإقرار بالتوحيد، المرموز إليه بالبيت العتيق، أي الكعبة، انظرالآية (٣٧).
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ مذهبا في طاعته تعالى ﴿لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ﴾ وحده دون غيره ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ عند ذبحها تعظيما لها، ولهبة الحياة عامة ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله غيره ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الأمر ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المطمئنين، الذين سوف يرد ذكرهم.
﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ من مشاق التكليف، ومن المحن والنوائب كالأمراض والمحن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوقاتها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة وهي البقرة أو الناقة تنحر في مكة ﴿جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ من مناسك الحج ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ نفع في الدنيا، وأجر
стр. 1265
في الآخرة ﴿فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك ﴿صَوافَّ﴾ قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سقطت على الأرض، كناية عن موتها ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ﴾ الراضي بما عنده ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المعترض للسؤال، من اعترّه إذا تعرّض إليه ﴿كَذلِكَ﴾ مثل هذا التسخير البديع ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ فتأخذونها منقادة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم، بالتقرّب لنا والإخلاص.
﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ لن يصيب رضا الله تعالى اللحوم المتصدّق بها ولا الدماء المهراقة منها ﴿وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ يناله ما يصحب ذلك من تقوى قلوبكم التي تدعوكم لتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ مثل هذا التسخير ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ لتعرفوا عظمته تعالى باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ المخلصين الذين يبتغون الإحسان في كل أعمالهم.
﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المشار إليهم آنفا الذين يعظّمون شعائر الله، والكلام مستأنف لتوطين قلوب المؤمنين إن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم، ولا يقدرون صدّهم عن الحج ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾ لله ﴿كَفُورٍ﴾ برسالاته.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أذن لهم بالقتال الدفاعي، وهو القتال الوحيد المسموح به في القرآن الكريم، أسوة بالسنة النبوية الشريفة لأن غزوات النبي ﷺ كانت كلها دفاعية، انظر أيضاآية [البقرة ١٩٠/ ٢]، ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي إن
стр. 1266
القتال الدفاعي مأذون به بسبب أنّ المؤمنين ظلموا ولم يكونوا البادئين بالقتال ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ لتخليصهم من الاضطهاد، كما سوف يرد.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير ما يوجب إخراجهم ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ المعنى أنّ المبرر الوحيد لإخراجهم من الديار لم يكن سوى إصرارهم على التوحيد ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي لمنع الاضهاد الديني ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ يعتكف فيها الزهّاد ﴿وَبِيَعٌ﴾ كنائس ﴿وَصَلَواتٌ﴾ معابد اليهود ﴿وَمَساجِدُ﴾ المسلمين ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾ من قبل الجميع ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي من ينصر دينه الحق، المشار إليهم في الآية التالية ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء.
وهكذا تبيّن الآيات (٣٨ - ٤١) أن المبرر الوحيد للقتال في الإسلام هو منع الاضطهاد الديني، ولمنع الفساد في الأرض، انظرآية [البقرة ٢٥١/ ٢].
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بالسلطة ونفاذ الأمر ﴿أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ كمسلمين ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المخوّلون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر هم الفقهاء الحقيقيون، والعلماء المتبحّرون في القرآن والسنة الصحيحة منهم فقط، وليس لكل جاهل ودخيل أن يتنطّع لذلك ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ مرجعها إلى حكمه تعالى وتقديره فقط.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾
стр. 1267
٤٢ - ٤٤ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها الرسول، فلا عليك من إكراههم، ولا تبادرهم بالقتال، إلا أن يبادروك بالعدوان أولا، كما حدث في وقعات بدر وأحد والخندق، وصلح الحديبية، ووقعة تبوك ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أمهلتهم ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذ عزيز مقتدر، بعد إصرارهم على الضلال ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي كيف كان إنكاري عليهم إصرارهم على الضلال، فغيّرت ما كان بهم من رغد الحياة والنعم وحضارة البلاد حتى انقلب كل ذلك إلى ضده، وهذا الأخذ ليس مقتصرا على الأمم المذكورة، بل هو عام في كل وقت بمقتضى سننه تعالى في خلقه، كما هو مبين في الآيات التالية (٤٥ - ٥١):
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ بمقتضى سنننا في الخليقة ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ انظر [هود ١٠٢/ ١١، ١١٧]، ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ على سقوفها، لأن العروش السقوف، والمعنى تعطّل بنيانها فتهدّمت حيطانها وخرّت سقوفها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ في البوادي والمزارع تركت لا يسقى منها لهلاك أهلها وأصحابها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ صار خاويا بهلاك أهله، ويحتمل المعنى أيضا أن الذين حلّ بهم الهلاك كانوا يعطّلون الآبار، أي المشاريع المفيدة الإنتاجية، في حين كان زعماؤهم يبنون القصور المشيدة وينفقون عليها وعلى صيانتها لراحتهم الشخصية بدلا من العمل لمصلحة شعوبهم كما نرى اليوم في الكثير من بلدان المسلمين.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾
стр. 1268
٤٦ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هؤلاء الناس المكذّبون المشار إليهم آنفا ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ ينظرون في تاريخ الأمم البائدة فتعتبر بها عقولهم ﴿أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يجب أن يسمعوا من أخبارها ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عندما تتشنج العقول وتفقد المقدرة على التحليل ومعرفة العواقب بقياس الماضي على الحاضر والمستقبل.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ بدلا من السير في الأرض، واستخدام العقل السليم الذي أكرمهم به تعالى، فإنهم يتخّذون موقف التحدّي الأحمق بتعطيل عقولهم واستعجال العذاب ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ بمجيئه في الوقت المحدد، وليس في الوقت الذي يحددون ويرغبون ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لأن الزمن نسبي لا يقاس بالمقاييس الدنيوية.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع، كمثال على ما تقدم، فهنالك الكثير منها ﴿أَمْلَيْتُ لَها﴾ أمهلتها كما أمهلت كفار قريش ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ لعلها تعتبر وتفكر وتعود إلى رشدها ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ بالاضمحلال والاندثار والعذاب بعد طول الإمهال والإملاء ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ للحساب.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ قاطبة ﴿إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ من كل ما تقدم، فارجعوا إلى عقولكم قبل الفوات، كما سوف تبين الآيات (٥٠ - ٥١).
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾
стр. 1269
٥٠ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ من الرزق الروحاني تطمئن به قلوبهم، وقد يرفده أيضا الرزق الدنيوي المادي.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ يبذلون الجهد في معارضتها ومحاولة إبطالها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مشاقّين المؤمنين ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ بما اختاروا لأنفسهم.
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٢)
٥٢ - استمرار الخطاب ممّا تقدّم لأنهم زعموا أنّ الرسل قبل النبي ﷺ ، جاءت بمطامع شخصية دنيوية، وليس برسالات إلهية خالصة، فها هنا تبين الآيات (٥٢ - ٦٠) أن ما قد يلقي الشيطان عند بعض الرسل، من أمنيات ومطامع الدنيا فإن الله تعالى ينسخها على الفور:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى﴾ من أماني الدنيا ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ من هذه الأماني ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ الله تعالى يبطلها ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ لأن الآيات السماوية واضحة معجزة بيّنة مسفرة عن نفسها، تنفي كل ما زعموه من المطامع الخفية للرسل والأنبياء، و ﴿ثُمَّ﴾ ها هنا تفيد العطف ولا تفيد الترتيب الزمني ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والواضح أنّ الآية ليس لها أية علاقة، مهما تكن، بنظرية نسخ الآيات القرآنية التي يزعمها ويعتقد بها البعض، كما أن الآية ناقضة بوضوح لقصة الغرانيق المزعومة في بعض كتب التفسير، والتي لا شك أنها من وضع الزنادقة ثم لاقت قبولا عند بعض المفسرين، فالآية تتحدّث عن الرسل والأنبياء قبل الرسول ﷺ .
стр. 1270
﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ اختبارا ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المنافقين والمذبذبين الذين يعبدون الله على حرف، الآية (١١)، ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالإنكار والتعامي، والوقوع في وساوس الشيطان ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ هم في شقّ من التفكير والضلال، والمؤمنون في شق آخر بعيد عنهم كلّ البعد.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ اليقيني، وليس الظني التخميني ﴿أَنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وحي من السماء، وليس تخيلات شيطانية ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ تخشع له ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقينا ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شك من القرآن الكريم، بل في شك من وجود الله تعالى ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا تفيدهم التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ينقطع رجاؤهم وقت وفاتهم.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يوم يتضح الحق من الباطل ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه من الإيمان.
стр. 1271
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بما كسبت أيديهم.
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ هربا من الاضطهاد الديني ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ دفاعا عن النفس ﴿أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ في الآخرة ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ من الأرزاق في الدنيا والآخرة.
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾ في جنات النعيم ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ﴾ بما يرضيهم ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل أعداءهم بالعقوبة.
﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ أي قاتل دفاعا عن نفسه فقط، ولم يزد في عقاب عدوّه على ما ابتدأه به، فذلك هو المبرر الوحيد للقتال في الإسلام ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ إذا عاد العدو إلى عدوانه رغم ذلك ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ يصبح بإمكانه في هذه الحالة فقط أن يستخدم كل وسائله الممكنة لردع البغي ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ الله تعالى في هذه الحالة يغفر له تجاوزه في الرد.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾
стр. 1272
٦١ - ﴿ذلِكَ﴾ النصر المشار إليه ﴿بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فهو وحده واضع السنن الكونية الآفاقية، والسنن الأخرى في خلقه، لا يعجزه شيء ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء عباده ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر، والاتصاف بكمال القدرة الإلهية، وكمال العلم الإلهي سبببه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلها، أو مؤلّها ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ المعدوم في ذاته ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على جميع الأشياء ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك، تعالى عن ذلك شأنا، فهو أكبر منه سلطانا.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (٦٣)
٦٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فمن غير الله تعالى يقدر على ذلك؟ ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ متفضّل على العباد بإيصال منافعه إليهم بإنزال الماء واخضرار الأرض ﴿خَبِيرٌ﴾ عليم بدقائق الأمور ومقادير مصالح العباد.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ خلقا، وملكا، وتصرّفا ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ لا يفتقر إلى شيء، بل العباد يفتقرون إليه ﴿الْحَمِيدُ﴾ مستحق الحمد بذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ جعلها مذلّلة لكم ومعدّة لمنافعكم تتصرّفون بها كيفما شئتم ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾
стр. 1273
﴿بِأَمْرِهِ﴾ بحسب السنن والقوانين الفيزيائية التي وضعها في خلقه ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ بموجب سننه تعالى في خلقه ومنها قوانين الفيزياء ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي بمشيئته، فعندئذ يختلّ النظام الكوني، وتقع الواقعة، انظرآية [الواقعة ١/ ٥٦]، ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ﴾ قاطبة ﴿لَرَؤُفٌ﴾ بما سخّر لهم من معاشهم ﴿رَحِيمٌ﴾ حتى عمّت رحمته فيهم، مؤمنهم وكافرهم.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ (٦٦)
٦٦ - مزيد من دلائل الإعجاز التي بدأت بالآيات (٦١ - ٦٥):
﴿وَهُوَ﴾ الله تعالى وحده ﴿الَّذِي أَحْياكُمْ﴾ من العدم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ميتتكم الأولى عند مجيء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والنشور ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ جحود ينكر النعم.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧)
٦٧ - بعد أن ذكرت الآية (٦٥) أن الله يرزق عباده على السواء، مؤمنهم وكافرهم، تبين الآيات (٦٧ - ٦٩) السبب في ذلك بأنّ التنوع في الخليقة مقصود، وليس مصادفة:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي طريقة في العبادة، ونظيره قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]، ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أحد منهم من تلك الأمم ﴿وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ برسالة الإسلام، بالقدوة والموعظة الحسنة، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ على الإسلام، والآخرون على ضلال.
﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾
стр. 1274
٦٨ - ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ بباطلهم ﴿فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠].
﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيظهر لكم في حينه الحق من الباطل، والمغزى؛ إنّ تفاوت العقائد في الخليقة ليس مصادفة بل مقصود، وحساب الجميع على الله.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها المسلم، أو أيها الإنسان عامة ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك ما يضمر الناس من عقائد، وما يظهرون ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ في علم الله الأزلي القديم منذ خلق السماوات والأرض ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٧١)
٧١ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل المشار إليه آنفا، تبلغ ببعضهم الحماقة أن يعبدوا الأوهام والأوثان ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من دليل عقلي ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يؤيدهم وينصرهم على ما هم فيه من الضلال.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾
стр. 1275
٧٢ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ بشكل لا يقبل اللبس ولا الغموض، مما يدلّ على بطلان ما هم عليه من عبادة غير الله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي الإنكار ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لشدة غيظهم وغضبهم وانغلاق عقولهم على ما هم فيه من التقليد، يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم الآيات البيّنات ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ الحال الذي أنتم عليه ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، فلم يستفيدوا من نعمة العقل ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي يختارونه لأنفسهم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الذين تجادلون بالباطل ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ جدير بالاعتبار ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ سماع عقل وتفكّر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الزعماء والأوثان والأوهام ومن تزعمون فيهم الألوهية ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أوّلهم وآخرهم ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً﴾ من عافيتهم ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ بل هم حياله في منتهى العجز ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ لكونه باطلا من أصله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ استنقاذه، رغم حقارته.
﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إذ عبدوا من دونه من أوهامهم ما يضرهم ولا ينفعهم ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره.
﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ يبلّغون الوحي للرسل والأنبياء ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ رسلا إلى أقوامهم، ومع ذلك فليس لأحد منهم، مع الله تعالى
стр. 1276
من شرك، فليسوا سوى مخلوقات من خلقه يعبدون الله، ولا يستحقّون العبادة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم، محيط علمه القديم بهم.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم الشهادة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يحيطون بشيء منه إلاّ بقدر ما يشاء ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خالق كل شيء، ولا يرجع إلى الملائكة والرسل من شيء، فكيف يعبدونهم؟ ويزعمون فيهم الألوهية؟
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧٧)
٧٧ - هذه الآية والتي تليها هي الخلاصة الجامعة للمؤمنين ألاّ يأبهوا لما حولهم من العقائد الباطلة، بل يقوموا بما عليهم من واجب، والله يدبر الأمور على النحو الذي يشاء:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا﴾ أقيموا الصلاة ﴿وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحده لا إله إلاّ هو ﴿وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ اقرنوا العبادة بالعمل الصالح ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ترجون الفلاح في دنياكم وآخرتكم.
﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿وَجاهِدُوا فِي﴾ سبيل دين ﴿اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ بكلّ ما يستلزمه جهاد الدعوة من الحكمة والموعظة الحسنة، انظرآيات [النحل ١٢٥/ ١٦] و [الفرقان ٥٢/ ٢٥]، ﴿هُوَ اِجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لحمل رسالة الإسلام ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ لخلوّ العقيدة الإسلامية من أي غموض، ومن أي صعوبة في العبادات، ومن حيث رفض المبالغة في التنسك والزهد، بل إعطاء
стр. 1277
الجسد حقه، مع مراعاة أن الانسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤]، ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ديانة الإسلام، انظر [البقرة ١٣١/ ٢]، ﴿هُوَ﴾ الله تعالى ﴿سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ نزول القرآن ﴿وَفِي هذا﴾ القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ فيكون قدوة لكم ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ قدوة لهم قاطبة، قولا وفعلا ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تقربا إليه تعالى ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ ثقوا به في جميع أموركم وأحوالكم ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصركم ومتولّي أموركم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا مثيل له تعالى في الولاية والنصرة.
стр. 1278
سورة المؤمنون - ٢٣ - مكية
مقدمة
نزلت في أواخر الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها:
اختتمت سورة الحج المتقدمة بتعريف المسلمين أنّهم على ملة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وأمرتهم بالصلاة والزكاة والاعتصام بالله: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨/ ٢٢)، ثم تفتتح سورة المؤمنون ببيان صفات المفلحين من هؤلاء المسلمين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١/ ٢٣ - ١١).
وفي سورة الحج أن من سننه تعالى في خلقه أن يختلفوا على الحق والباطل بالنظر لحرية الخيار التي خلقوا عليها: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧/ ٢٢)، وفي
стр. 1279
سورة المؤمنون أن الضالين منهم فرحون بما هم عليه من الضلال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٣/ ٢٣).
وفي سورة الحج أن مفهوم البشر للزمن الدنيوي لا معنى له: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧/ ٢٢)، وبيان ذلك في سورة المؤمنون:
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ * قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٢/ ٢٣ - ١١٤)،
محور السورة
فلاح المؤمنين المتصفين بالصفات السامية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)، بالمقارنة مع وضاعة خلق الإنسان من الطين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)، ثم رفع منزلته بنفخ الروح فيه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١٤)، وبعثه من جديد بعد الموت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٥ - ١٦)، ما يوجب عليه حسن استخدام ملكاته في دنياه، لا التقليد الأعمى: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤)، كما في دعاء نوح أن يمنحه الله الهداية والبصيرة كي يصل إلى ما فيه الفلاح الدنيوي والأخروي: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩).
وقد تتالى بعث الرسل على مرّ العصور: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤٤)، والرسل بعثت للناس برسالة واحدة: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥٢)، ثم تفرقت الأمم من بعدهم فرقا وطوائف:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٣)، فوجب على المسلم - بعد دعوتهم - أن يذرهم حتى يكتشفوا أخطاءهم: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ (٥٤)، لأنهم يظنّون أنّ رخاءهم المادي هو غاية ما يطمح
стр. 1280
إليه المرء: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٦)، وأن عقائدهم وأعمالهم على النقيض مما جاءت به الرسل: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣).
فما لهم لا يفقهون القرآن إذ هو استمرار لما سبق من تنزيل الوحي: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)، وأنّى لهم إنكار خاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩)، فقد جاءهم القرآن بكل ما يحتاجون إليه من حقائق ومعارف فأعرضوا عنها: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)، وأصرّوا على الكذب على أنفسهم: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٩٠)، لكن دفع الشر لا يكون بمثله، بل بخير منه: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ (٩٦)، حتى إذا حان وقت الحساب أدركوا أن دنياهم لم تكن شيئا في جنب الآخرة: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٢ - ١١٣)، وإذ كانوا يتوقون للخلود في دنياهم فقد أدبر عنهم في الآخرة مفهومهم الدنيوي للزمن الذي طالما تشبثوا به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)
١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الفلاح الفوز بالمرام، والبقاء في الخير.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ (٢)
٢ - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ متذللون لله تعالى، متواضعون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾
стр. 1281
٣ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾ الكلام الذي لا طائل ولا فائدة منه، وهو كل ما لا يعتد به من الأقوال والأفعال ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عنه في عامة أوقاتهم.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ﴾ للعمل الصالح والخير والطهارة ﴿فاعِلُونَ﴾ عاملون للخير لأجل الطهارة وتزكية النفس، أي ليزكّوا أنفسهم، وليزكّيهم الله تعالى.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٥)
٥ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ متّصفون بالعفة.
﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦)
٦ - ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ لا يجامعون شرعا إلا أزواجهم، وفي اللغة الرجل زوج المرأة، والمرأة زوج الرجل ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ بعقد نكاح شرعي، مهما كانت منزلة المرأة، مسلمة أو غير مسلمة، حرّة أو أمة، لأن الوطء لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في ذلك.
﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٧)
٧ - ﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ غير ذلك المذكور من النكاح الشرعي ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ المعتدون على الشريعة.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٨)
٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يرعون العهود، أي يوفون بها، ويؤدون الأمانات لأهلها.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ لأنّ صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، انظر [العنكبوت ٤٥/ ٢٩].
﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾
стр. 1282
١٠ - ١١ - ﴿أُولئِكَ﴾ المؤمنون المشار إليهم بالآيات (١ - ٩) المتقدمة ﴿هُمُ الْوارِثُونَ﴾ فردوس النعيم، المذكور في الآية التالية إنهم يخلدون فيه: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٦)
١٢ - ١٦ - الإنسان مخلوق من طين المواد العضوية، وهي أيضا سلالة من صلصال من حمأ مسنون المتولد على مر السنين، انظرآية [الحجر ٢٦/ ١٥]، وعلاقة الآيات (١٢ - ١٦) بما قبلها من الآيات (١ - ١١)، لبيان أنّ المؤمنين وحدهم المتصفين بما ذكر، جديرون بالخشوع والتواضع بسبب فهمهم لمراحل الإعجاز في مراحل خلقهم وتطورهم، ثم موتهم وبعثهم للحساب، وفي الآيات (١٧ - ٢١) مزيد من دلائل الإعجاز.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ (١٧)
١٧ - والإعجاز في خلق السماوات والأكوان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ وهي السماوات السبع المشار إليها مرارا في القرآن الكريم، والمقصود بها الأكوان السماوية المتعددة بما فيها ملايين المجرات والنجوم، والمعروف أن العدد سبعة في اللغة العربية، بل في اللغات السامية، يفيد التكثير ﴿وَما كُنّا عَنِ﴾ تدبير ﴿الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ (١٨)
١٨ - والإعجاز في نزول المطر وتخزينه ينابيع في باطن الأرض: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾.
﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)﴾
стр. 1283
١٩ - والإعجاز في إنبات البساتين كدليل ومثال قاطع على البعث والنشور:
﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ شجرة الزيتون المباركة تنبت في سيناء مهد مبعث موسى ﵇، وذكرها هنا كدليل على استمرارية الوحي الإلهي، بل انتقاله من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وعدم ذكر بعثة عيسى ﵇ كونه كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٢١)
﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٢٢)
٢١ - ٢٢ - مزيد من دلائل الإعجاز التي يعدّها الغافلون مسلّمات: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تحملون عليهما في أسفاركم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ انتقال الخطاب لبيان إهمال الناس وتركهم النظر والاعتبار فيما عددّسبحانه من النعم ومن دلائل الإعجاز، ومن ذلك إنعام الله على عباده ببعث الرسل إليهم كي لا يتركهم في حالة من الكفر والتخبط والشرك، لإتمام نعمه عليهم، بعد خلق الإنسان من سلالة من طين.
﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾
стр. 1284
٢٤ - ﴿فَقالَ الْمَلَأُ﴾ وجهاء القوم الذين يملؤون عيون الناس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أصرّوا على الكفر ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ رسلا ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ فنحن مصرّون على تقليد الآباء والأجداد، ولا سبيل لقبولنا ما يخالف ذلك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أصابه الجنون فادّعى النبوة ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ انتظروا لنرى ما تصير إليه أموره، وقد يفيق ويرجع عما هو فيه.
﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي﴾ انصر رسالتي فيهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ وليكن ذلك عاقبة لتكذيبهم لها.
﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بحفظنا ورعايتنا ﴿وَوَحْيِنا﴾ وأمرنا وتعليمنا لك لكيفية صنعها ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بالطوفان ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ أي وجه الأرض، وشبّه وجه الأرض بالتنور لأن التنانير أو الينابيع تندفع منه، ولأن الينبوع من باطن الأرض كالتنّور في تجويفه، وقد يكون السبب أن باطن الأرض مشتمل على الحمم البركانية فهو كالتنور ﴿فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ من بعض الحيوانات، انظر شرح [هود ٤٠/ ١١]، ﴿وَأَهْلَكَ﴾ الذين آمنوا منهم ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ بالغرق لإصرارهم على الكفر ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تشفع لهم، فإنهم لا يستحقون الشفاعة ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالغرق لا محالة، بسبب ظلمهم وشركهم.
стр. 1285
﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ على السفينة ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي الحمد لله على إهلاكهم.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً﴾ كثير الخيرات ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ لأن نوحا كان يتوق للنزول في مكان يحقق له ولأتباعه ما ينشد من التطلع نحو الهداية الروحانية والسعادة الدنيوية، وهذه العبرة من القصة المختصرة ها هنا.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ عبر جليلة ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ معرضين الناس للاختبار في دنياهم ومعتقدهم.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ مجتمع آخر من المجتمعات بعد قوم نوح.
﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣٢)
٣٢ - بعد الإيجاز في قصة نوح وبعثته، تبين الآيات (٣٢ - ٤٤) أن بعث الرسل تتالى في المجتمعات والأمم بما لا يترك مجالا لادعاء الجهل:
﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ في المجتمعات ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ دعاهم رسولهم إلى التوحيد، وإلى تقوى الله كما غيرهم من الأمم.
﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾
стр. 1286
٣٣ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ﴿مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصرّوا على الكفر ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فتنة لهم ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ فلو كان من جنس الملائكة لآمنا به.
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ لخاسرون أنفسكم.
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ زعموا استحالة البعث في محاولة باطنية منهم للتهرب من المسؤولية الأخلاقية.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ استبعادا لهذا الوعد، فلا بعث ولا حساب.
﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ الحياة هي الحياة الدنيا ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ فيما يدّعيه من كونه رسولا ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدّقين.
﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي﴾ عليهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم لي.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ يندمون في الصباح.
стр. 1287
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الزلازل ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي لا دافع له، كما في قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩/ ٥٠]، لأن التوق إلى الخلود باطل ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ كغثاء السيل ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بعدوا بعدا من رحمته تعالى ومن كل خير ومن كل نجاة.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد هلاكهم ﴿قُرُوناً آخَرِينَ﴾ مجتمعات كثيرة أخرى.
﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لأنهم ساروا على خطا سابقيهم في الضلال.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ تتتابع ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ في الهلاك ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ تتحدث بهم الأمم والتاريخ ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ناهيك عن غلوّهم في الكفر والعدوان.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا﴾ المعجزات ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة عقلانية ظاهرة، انظر [طه ٥١/ ٢٠ - ٥٥].
﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ من كبار القوم وأشرافهم ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ مستكبرين.
стр. 1288
﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ يأكلون ويشربون الطعام ويمشون في الأسواق ﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ من بني إسرائيل عبيد لنا نستغلهم.
﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ علوّا واستكبارا ﴿فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة بعد نجاة بني إسرائيل من فرعون وخروجهم من مصر ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لعل بني إسرائيل يهتدون، لكنهم نكصوا إلى الوثنية في أكثر من مناسبة.
﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ معجزة، بحمله المعجز، وتكليمه الناس في المهد، وغير ذلك من المعجزات ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ وهو الماء الجاري في فردوس النعيم، إشارة إلى النعيم الروحاني.
﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ في الدنيا ﴿وَاِعْمَلُوا صالِحاً﴾ في بلاغ رسالاتكم ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه.
﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ بعثتكم إلى الأمم برسالة واحدة، هي رسالة التوحيد ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا عواقب الخلاف، أيها الأمم، والخطاب حتى آخر السورة في الكفار في كل زمن وعصر.
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾
стр. 1289
٥٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تلك الأمم ﴿زُبُراً﴾ قطعا ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ فرقة ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورون منشرحو الصدر، يظنون أنهم يحتكرون الحقيقة لأنفسهم وأن الآخرين على ضلال.
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جهالتهم التي لا جهالة فوقها ﴿حَتّى حِينٍ﴾ تخلية لأنفسهم حتى حين، لعلهم يتوبون ويعودون إلى رشدهم، أو البعض منهم.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ من متاع الدنيا وزخرفها.
﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أن الخيرات قد تكون فتنة لهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون برسالاته.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ شركا خفيا ولا ظاهرا.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ من الصدقات والزكاة ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة ألا يتقبّل منهم ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ لأنهم يعلمون أنهم راجعون إليه تعالى ومبعوثون للحساب.
стр. 1290
﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في نيل الخيرات وعملها ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ لا يبطؤون في عملها.
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ التكليف غير خارج عن حدود الوسع والطاعة ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يبين صحائف الأعمال ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يثاب كلّ حسب عمله.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا﴾ في جهالة ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ من فنون كفرهم ومعاصيهم ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ معتادون مستمرون عليها.
﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ﴾ في الآخرة على ما قدّمت أيديهم، أو في الدنيا بتآكل المجتمعات واندثارها ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ بالدعاء.
﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ بالدعاء ﴿إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فقد فات أوان الاستجابة.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ رسالاتي ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون وتعرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل بها.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالترف المشار إليه في الآية (٦٤)، أو بالمال المشار إليه بالآية (٥٥)، ﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ تهجرون الآيات، المشار إليها بالآية (٦٦)﴾، وتستغرقون في لغو الكلام الفارغ والهذيان في شأن القرآن.
стр. 1291
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآن الكريم بما فيه من الإعجاز؟ فيفقهوا ما فيه ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فقد جاءت الرسل قبل ذلك برسالات التوحيد وتلك سنّة قديمة في الناس.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ محمدا ﷺ ؟ وهذا القول ينطبق على الناس في كل العصور، وليس مقتصرا على كفار قريش ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فهنا لك الكثير من النبوءات بقدومه في الكتب السابقة، انظر مثلا كتاب (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى) تأليف البروفسور عبد الأحد داود.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ زعموا به الجنون ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهم غارقون في الباطل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لأن نظرتهم المادية للدنيا غير ما جاء به القرآن الكريم، وهم يريدون قرآنا يطابق أفكارهم ونظرياتهم المادية.
﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)
٧١ - ﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ الذي جاء به النبي ﷺ ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ من الفساد والانهماك في مادية الدنيا وزخرفها ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ بكسب أيديهم، انظر شرح قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١/ ٣٠]، ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بقرآنهم ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ عن قرآنهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لأن القرآن يذكّرهم بميثاقهم الفطري المأخوذ عليهم في الأصلاب.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢)﴾
стр. 1292
٧٢ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ أيها الرسول، أو أيها الداعية في كل زمن ﴿خَرْجاً﴾ من مادة الدنيا ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ رزقه المادي والروحاني خير مما عندهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ الرزق المادي والروحاني على السواء.
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تشهد باستقامته العقول السليمة، لتنقذهم من الضلال والتخبط فيما هم فيه من الشرك والتنظير.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وهذه سمة متأصلة فيهم، لأنهم بإنكار الآخرة يتمنون أن لا مسؤولية أخلاقية ولا بعث ولا حساب ونشور ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ المستقيم ﴿لَناكِبُونَ﴾ منحرفون.
﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من ضرّ، أي إن المرض والتعاسة يكاد لا يخلو منها أحد ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي في تلك الحالة لو خلت حياتهم من الضر لازدادوا طغيانا، سوى أن المؤمنين منهم لا يطغون بل يتقبلون ما بهم راضين.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ الدنيوي ﴿فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ له ولا يدعونه.
﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ بما كسبت أيديهم ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من خير.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾
стр. 1293
٧٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، سماع إبصار تعقّل ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم بالاستفادة منها.
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نشركم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للبعث والحساب.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لا يشاركه أحد في ذلك ﴿وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وحده المؤثر في اختلافهما ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وتتفكرون في كل ذلك.
﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ فأنكروا الآخرة والحساب.
﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ للحساب؟ بل نريد البقاء في حلّ من أعمالنا وتصرفاتنا.
﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ﴾ هكذا زعمت الرسل من قبل ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم لن نؤمن لها.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هي للمخلوقات، أم هي للخالق؟
﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ لا يستطعون إنكار ذلك، لأن العقل يقر به بداهة ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فذلك مركوز في عقولكم.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾
стр. 1294
٨٦ - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ الأكوان التي لا نهاية لها ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المتحكم في خلقه.
﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ لا يملكون سوى الإقرار ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب إنكاركم الآخرة؟ والحساب؟
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من كل ما ذكر ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ يمنع من يشاء ممّن يشاء ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ لا يمنع أحد منه جلّ وعلا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حق العلم؟
﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ مقرّين بذلك ﴿قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ تخدعون وتصرفون عن الرشد؟
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في زعمهم أن لله ولدا.
﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ كما زعمت المسيحية أنّ المسيح ابن الله ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ كما زعم بعضهم أن المسيح الشخص الثالث في الثالوث ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ﴾ لاستبدّ به واستقل به تصرفا ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تعالى وتنزه عما يصفون من الشرك.
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾
стр. 1295
٩٢ - ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ ما هو خارج نطاق البشر ومفهومهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما يشاهدونه في دنياهم ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ من الأوهام.
﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ من عذاب الدنيا.
﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تجعلني قرينا لهم في العذاب.
﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ (٩٥)
٩٥ - ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ ولكن نؤخرهم، لعلمنا أنّ بعضهم يتوبون.
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالحسنة التي هي أحسن الحسنات ﴿السَّيِّئَةَ﴾ فتحسن إلى المسيء ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ من محاولات تجسيد الإله في أذهانهم ونقاشاتهم.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ من وساوسهم، فلا أدخل في نزاعات عقيمة مع المجادلين.
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٩٨)
٩٨ - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في تلك الأحوال من المنازعات والمجادلات، وحال الصلاة وقراءة القرآن.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩)﴾
стр. 1296
٩٩ - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ﴾ من منكري الآخرة ﴿الْمَوْتُ﴾ وأيقن أنّ الموت ليس فناء ﴿قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ بعد فوات الأوان، والآيات (٩٩) حتى آخر السورة تبين حال الكفار من وفاتهم إلى بعثهم.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ بعد أن فات أوان العمل والاختبار ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ لن تغني شيئا ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ حاجز يحول بينهم وبين العودة ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة.
﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ لا تنفع الأنساب أحدا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله؛ لانشغال كل امرئ بنفسه.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ موزونات حسناته من العقائد والأعمال ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (١٠٣)
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ (١٠٤)
١٠٣ - ١٠٤ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ موازين أعماله الحسنة، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها، وهي أعماله السيئة ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ضيّعوا أنفسهم وأبطلوا استعدادها لنيل الكمال، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ مكشّرة شفاههم عن أسنانهم.
﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٠٥)
١٠٥ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ رسالاتي ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ الرسل.
стр. 1297
﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ غلبت علينا شقوتنا بسبب سوء استعدادنا وسوء جبلتنا ﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ عن الحق.
﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ (١٠٧)
١٠٧ - ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ من عذاب النار ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ متجاوزون الحد.
﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها﴾ ذلّوا وانزجروا واسكتوا سكوت هوان ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فلا يتكلمون بعدها أبدا.
﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٠٩)
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (١١٠)
١٠٩ - ١١٠ - ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هزوا ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ سخريتكم بهم أنستكم فقه القرآن ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ في غاية الاستهزاء.
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (١١١)
١١١ - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ عليكم وعلى أذيّتكم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾.
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (١١٢)
١١٢ - ﴿قالَ﴾ الله تعالى ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ هل كان لبثكم طويلا أم قليلا، وكم سنة كان؟
стр. 1298
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٣)
١١٣ - ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لم يتجاوز الجزء من اليوم، فكيف يصل إلى السنين؟ ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ الذين بإمكانهم الإحاطة بمفهوم الزمن؟
﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٤)
١١٤ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو كنتم من أهل العلم، لأن إقامة الدنيا ليست بشيء بالمقارنة مع خلود الآخرة.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥)
١١٥ - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً﴾ لكن الخلق لم يكن عبثا وإنما كان ذا مغزى ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦)
١١٦ - ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أن يكون الخلق عبثا ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ مدبّر شؤؤن عباده.
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧)
١١٧ - ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ يعبد ﴿مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ بل هو من أوهامه ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لبطلان حساباته ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ الذين يغطّون الحقيقة عن عقولهم وناظرهم.
﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١١٨)
١١٨ - ﴿وَقُلْ﴾ أيها المؤمن ﴿رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾.
стр. 1299
سورة النور - ٢٤ - مدنية
مقدمة
نزلت بأواخر السنة الخامسة وأوائل السنة السادسة بعد الهجرة بعد غزوة بني المصطلق.
ارتباط السورة بما قبلها
ذكرت سورة المؤمنون المتقدمة من أوصاف المؤمنين المفلحين أنهم ملتزمون جنسيا وعائليا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٥/ ٢٣ - ٧)، وختمت بأنّ الخلق ليس عبثا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥/ ٢٣)، ثمّ تبين سورة النور ما خلق له الناس من أحكام تنظّم حياتهم الجنسية والعائلية وأن سيطرة المرء على نزواته بتجنب الزلاّت في مثل هذه الأمور تمكّنه من الارتقاء إلى مستويات عليا، ما يمكّنه من فهم القرآن الكريم والعمل به: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠/ ٢٤).
محور السورة
سورة النور منظومة واحدة متكاملة، تبين حدود الزنا والقذف والتشهير، وتشير إلى حادثة الإفك، وتظهر العبر منها، وترشد المؤمنين إلى السلوك القويم في مثل هذه الحالات، كأن يظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾
стр. 1300
(١٢)، وتنهى عن تداول الإشاعات والبهتان: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥ - ١٦)، وتبيّن قواعد احترام خصوصية الناس في المنازل (٢٧ - ٢٩)، وتأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وتقيّد إبداء الزينة للنساء (٣٠ - ٣١).
وتأمر بتسهيل زواج العزاب الأحرار والعبيد (٣٢ - ٣٣). ثم تضرب السورة مثلا: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ذو نور، لأنه تعالى مظهر السماوات والأرض بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم، وما في السماوات والأرض دالّ على وجوده وظهوره ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ المشكاة كوّة غير نافذة في جدار، والكاف كاف التشبيه، لأن الإخبار عنه تعالى بالنور مجاز لا حقيقة، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١)، والآية مثل لنوره تعالى في قلب المؤمن، أو الهداية في عقل وشعوره من ينشدها. فالمصباح الذي في المشكاة هو الوحي الذي أنزله الله على الأنبياء ينعكس في قلب المؤمن - المشكاة - بعد أن يكون المؤمن قد تمعّن في الوحي وأعمل فيه عقله - الزجاجة - ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ لأنه بالعقل فقط يدخل الإيمان ويشعّ في قلب المؤمن ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ إشارة لتتابع الوحي في منطقة شرق المتوسط المشتهرة بهذه الشجرة، وما تبع الوحي من توسيع مدارك الإنسان في تفهمه للحق ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لأن الوحي من الله تعالى الذي لا يحدّه شرق ولا غرب، كما أنّ رسالة القرآن عالمية للناس شرقا وغربا ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ رسالة القرآن مضيئة واضحة بيّنة يستسيغها العقل كما في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١ - ٢)، وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١٥ - ١)، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ فالإنسان قد لا يدرك أن القرآن مضيء إذ مسّته نار الوحي فهو ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يهتدي إليه من يشاء الهداية
следующие страницы →