← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٩٩ - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ﴾ من منكري الآخرة ﴿الْمَوْتُ﴾ وأيقن أنّ الموت ليس فناء ﴿قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ بعد فوات الأوان، والآيات (٩٩) حتى آخر السورة تبين حال الكفار من وفاتهم إلى بعثهم. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ بعد أن فات أوان العمل والاختبار ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ لن تغني شيئا ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ حاجز يحول بينهم وبين العودة ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة. ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ لا تنفع الأنساب أحدا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله؛ لانشغال كل امرئ بنفسه. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ موزونات حسناته من العقائد والأعمال ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (١٠٣) ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ (١٠٤) ١٠٣ - ١٠٤ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ موازين أعماله الحسنة، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها، وهي أعماله السيئة ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ضيّعوا أنفسهم وأبطلوا استعدادها لنيل الكمال، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ مكشّرة شفاههم عن أسنانهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ رسالاتي ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ الرسل.

стр. 1297

﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ غلبت علينا شقوتنا بسبب سوء استعدادنا وسوء جبلتنا ﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ عن الحق. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ من عذاب النار ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ متجاوزون الحد. ﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها﴾ ذلّوا وانزجروا واسكتوا سكوت هوان ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فلا يتكلمون بعدها أبدا. ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٠٩) ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (١١٠) ١٠٩ - ١١٠ - ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هزوا ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ سخريتكم بهم أنستكم فقه القرآن ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ في غاية الاستهزاء. ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ عليكم وعلى أذيّتكم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾. ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿قالَ﴾ الله تعالى ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ هل كان لبثكم طويلا أم قليلا، وكم سنة كان؟

стр. 1298

﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لم يتجاوز الجزء من اليوم، فكيف يصل إلى السنين؟ ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ الذين بإمكانهم الإحاطة بمفهوم الزمن؟ ﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو كنتم من أهل العلم، لأن إقامة الدنيا ليست بشيء بالمقارنة مع خلود الآخرة. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً﴾ لكن الخلق لم يكن عبثا وإنما كان ذا مغزى ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ للحساب. ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أن يكون الخلق عبثا ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ مدبّر شؤؤن عباده. ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ يعبد ﴿مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ بل هو من أوهامه ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لبطلان حساباته ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ الذين يغطّون الحقيقة عن عقولهم وناظرهم. ﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿وَقُلْ﴾ أيها المؤمن ﴿رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾.

стр. 1299

سورة النور - ٢٤ - مدنية مقدمة نزلت بأواخر السنة الخامسة وأوائل السنة السادسة بعد الهجرة بعد غزوة بني المصطلق. ارتباط السورة بما قبلها ذكرت سورة المؤمنون المتقدمة من أوصاف المؤمنين المفلحين أنهم ملتزمون جنسيا وعائليا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٥/ ٢٣ - ٧)، وختمت بأنّ الخلق ليس عبثا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥/ ٢٣)، ثمّ تبين سورة النور ما خلق له الناس من أحكام تنظّم حياتهم الجنسية والعائلية وأن سيطرة المرء على نزواته بتجنب الزلاّت في مثل هذه الأمور تمكّنه من الارتقاء إلى مستويات عليا، ما يمكّنه من فهم القرآن الكريم والعمل به: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠/ ٢٤). محور السورة سورة النور منظومة واحدة متكاملة، تبين حدود الزنا والقذف والتشهير، وتشير إلى حادثة الإفك، وتظهر العبر منها، وترشد المؤمنين إلى السلوك القويم في مثل هذه الحالات، كأن يظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾

стр. 1300

(١٢)، وتنهى عن تداول الإشاعات والبهتان: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥ - ١٦)، وتبيّن قواعد احترام خصوصية الناس في المنازل (٢٧ - ٢٩)، وتأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وتقيّد إبداء الزينة للنساء (٣٠ - ٣١). وتأمر بتسهيل زواج العزاب الأحرار والعبيد (٣٢ - ٣٣). ثم تضرب السورة مثلا: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ذو نور، لأنه تعالى مظهر السماوات والأرض بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم، وما في السماوات والأرض دالّ على وجوده وظهوره ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ المشكاة كوّة غير نافذة في جدار، والكاف كاف التشبيه، لأن الإخبار عنه تعالى بالنور مجاز لا حقيقة، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١)، والآية مثل لنوره تعالى في قلب المؤمن، أو الهداية في عقل وشعوره من ينشدها. فالمصباح الذي في المشكاة هو الوحي الذي أنزله الله على الأنبياء ينعكس في قلب المؤمن - المشكاة - بعد أن يكون المؤمن قد تمعّن في الوحي وأعمل فيه عقله - الزجاجة - ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ لأنه بالعقل فقط يدخل الإيمان ويشعّ في قلب المؤمن ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ إشارة لتتابع الوحي في منطقة شرق المتوسط المشتهرة بهذه الشجرة، وما تبع الوحي من توسيع مدارك الإنسان في تفهمه للحق ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لأن الوحي من الله تعالى الذي لا يحدّه شرق ولا غرب، كما أنّ رسالة القرآن عالمية للناس شرقا وغربا ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ رسالة القرآن مضيئة واضحة بيّنة يستسيغها العقل كما في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١ - ٢)، وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١٥ - ١)، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ فالإنسان قد لا يدرك أن القرآن مضيء إذ مسّته نار الوحي فهو ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يهتدي إليه من يشاء الهداية

стр. 1301

إذا أعمل فيه عقله دون تحيز مسبق: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ والحاجة لضرب الأمثال ضرورية لأنّ فهم الحقيقة المطلقة يقصر عنه إدراك البشر فلا بد من ضرب الأمثال لتقريب الفهم إلى العقول: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣٥). ثمّ تبيّن السورة حبوط أعمال الكفار الحسنة منها والقبيحة (٣٩ - ٤٠)، وأن من غاب عنه نور الله الظاهر في الآفاق وفي الوحي فهو في الظلمات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠)، وتصف أحوال أنصاف المؤمنين المترددين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)، وتؤكد واجب المؤمنين في طاعة الله ورسوله، وتبين شروط استخلافهم في الأرض (٥٥) وتفصّل شروط احترام الخصوصية في بعض أوقات الراحة (٥٨ - ٦٠)، وتنفي الحرج عن المعوّقين في قبول العون، والأكل من بيوت الأقرباء (٦١)، وتأمر بالالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين (٦٢ - ٦٤). خلاصة السورة بيان حدود الزنا والقذف والتشهير، الآيات (١ - ١٠). حادثة الإفك والعبر منها (١١ - ٢٦). احترام الخصوصية في المنازل (٢٧ - ٢٩). غض البصر وحفظ الفرج وتقييد إبداء الزينة للنساء (٣٠ - ٣١). تسهيل زواج العزاب الأحرار والعبيد (٣٢ - ٣٤). بيان نور الله في القرآن (٣٥ - ٣٨). حبوط أعمال الكفار الحسنة والقبيحة (٣٩ - ٤٠). بيان بعض آيات الله تعالى الآفاقية (٤١ - ٤٦).

стр. 1302

أحوال أنصاف المؤمنين المترددين (٤٧ - ٥٣). واجب المؤمنين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض (٥٤ - ٥٧). احترام الخصوصية في أوقات الراحة (٥٨ - ٦٠). نفي الحرج عن المعوقين في قبول العون، والأكل من بيوت الأقرباء (٦١). وجوب الالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين (٦٢ - ٦٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) ١ - هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ كافة السور القرآنية أنزلها وفرضها الله تعالى، وتخصيص هذه السورة بذلك بيان بشدة أهميتها، بل هو إنذار بعدم التجاوز في تفسيرها أو إضافة أو استنتاج أحكام إضافية منها ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحات لا تحتاج لمزيد من الشرح ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيها على الدوام، والآيات (١ - ١٠) مقدمة لما سوف يليها من الخطاب عن حادثة الإفك بالآيات (١١ - ٢٦). ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ لم تحددالآية إن كان أحد طرفي الزنا متزوجا أم لا ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ لا تلطّف ولا رفق في معاملتهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم تحددالآية عدد الذين يشهدون عملية الجلد، فليس بالضرورة أن تكون العملية على مرأى من الجمهور، بل عدد محدد من الشهود في مكان خاص يكفي.

стр. 1303

﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ٣ - ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾ ليس معنى ذلك تحريم زواج الزناة إلا بعضهم من بعض، ولكن المعنى أن طرفي العمل الجنسي في هذه الحالة ينطبق عليهما صفة الزاني والزانية، بل ينطبق عليهما معا صفة الشرك لأنهما جعلا هواهما وشهواتهما فوق ما اقتضاه التوحيد من أخلاق وسمو ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾ كلاهما مشركان بسبب هذا العمل ﴿وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ينطبق عليها من الصفات ما انطبق عليه، فهما على قدم المساواة ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كي لا يخرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك، لكن بعد عملية الجلد تكون الجريمة الجنسية قد جرى افتداؤها، فلا معنى أن يمتنع الزاني أو الزانية من الزواج من أشخاص عفيفين أو عفيفات بعد ذلك. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤) ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ المتزوجات، أو المؤمنات، أو المحترمات مسلمات وكتابيات، انظر تعريف المحصنات في شرح آية [النساء ٢٥/ ٤]، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وهو ضعف العدد المطلوب من الشهود في الحالات الاعتيادية من المعاملات التجارية وغيرها، وفي السنة الشريفة المطلوب أن يكون الشهداء الأربعة قد شهدوا العمل الجنسي مما يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية، فالمغزى إذن استبعاد الاتهامات الباطلة من هذا النوع بالنظر لما تسببه من تفسخ في المجتمع، خاصة أن الإنسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤]، فلا تثبت التهمة من هذا النوع إلا بالاعتراف الطوعي من أحد الطرفين أو كليهما ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ إذا لم يأتوا بشهداء أربعة ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾ إلا بعد التوبة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن حدود الشريعة والطاعة. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾

стр. 1304

٥ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أي سحبوا اتهاماتهم لما زعموا من زنى الآخرين ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقبل توبتهم وصلاحهم ويغفر لهم. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ شهادته تحل محل أربع شهادات. ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ يستبعد نفسه من رحمة الله. ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ وبذلك تنتفي شهاداته الأربع، فيصبح مجرّد ادّعائه ضد ادّعائها. ﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ تستبعد نفسها من رحمة الله، إن كانت كاذبة، وبعد هذا اللعان لم يبق سوى الطلاق. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي لفسد المجتمع لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات، وقد ينتج عنها جرائم غير مبررة، ومشاكل عائلية وانفصال غير مبرر.

стр. 1305

﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١) ١١ - الآيات (١١ - ٢٦) تشير إلى حادثة الإفك والعبر المستخلصة منها، وهي معروفة في كتب السيرة، وخلاصتها: إنه بعد غزوة بني المصطلق في العام ٥ هجرية، فكّ المسلمون مخيمهم، واتجهوا نحو المدينة، فتخلفت عائشة لقضاء حاجة دون أن يشعر بها أحد، وبعد ساعات التقى بها أحد الصحابة فلحق بها إلى الركب مما سبب نشر بعض الشائعات الكاذبة المغرضة المشار إليها بالإفك، والقصد من القصة كما في باقي قصص القرآن الكريم أخذ العبر، وليس مجرد الرواية التأريخية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والبهتان ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العديد منكم ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون لما نلتم على الصبر عليه من الثواب العظيم، ولما أصابكم بسببه من الغم والهم قبل انجلاء حقيقته، ولما ظهر به من العبر ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ من الذين جاؤوا بالإفك ﴿مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي جزاء ما اكتسب من الإثم ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا بظهور كذبه وخزيه، وفي الآخرة، وقيل هو عبد الله بن أبيّ بن سلول كبير المنافقين، وقد يكون أيّا من كبار المنافقين غيره، الذين أخذوا على عاتقهم تضخيم الأمور بأسلوب غير قانوني وغير أخلاقي اعتمادا على ظروف مشبوهة غير مؤكدة لجعل الحديث في الفضيحة المزعومة مستساغا. ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الإفك ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بجماعة المسلمين ﴿خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لا يحتاج إلى الشك في كذبه.

стр. 1306

﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ كما نصت الآية (٤) ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ محكوم عليهم بالكذب شرعا. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بأن عفا عنكم وأمهلكم للتوبة ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من حديث الإفك ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا قبل الآخرة. ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقولون بالأفواه كلاما غير محقّق بلا مصداقية، وليس له منشأ في الحقيقة ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾ كلام اللغو والإشاعات ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ أمر عظيم لا يقدر وزره وتبعاته. ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا﴾ الإفك ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك تعالى عن كل نقص وسوء أن تصم نبيك وزوجه بما يشين ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ تبهت له السامعون لبشاعته واستحالته. ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾

стр. 1307

١٧ - ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ﴾ ينصحكم ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ كراهة أن تعودوا لمثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالعودة لمثله معناها الخروج من دائرة الإيمان. ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ رسالات الشرائع ومحاسن آداب المعاملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يجب أن يتعاملوا به. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ بشيوع خبرها، أو شيوعها في المجتمع ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وينشرون الفضائح سواء الصحيحة منها أو المختلقة ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ كما هو مذكور بالآية (٤)، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ إضافة إلى عذاب الآخرة ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما فيه مصالحكم، وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ تكرار للآية (١٠) لأهميتها، وجواب الشرط محذوف وتقديره متروك للقارئ، والمغزى؛ إن الفساد يعمّ لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لا تتبعوا وساوسه في إشاعة الفحشاء في المجتمع ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ما

стр. 1308

تنكره الفطرة والطبيعة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما ينكره الشرع ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال هذه الآيات البينات ﴿ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ ما طهر من دنس الذنوب أحد ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي﴾ يطهّر ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من عباده ممن يستحق الطهارة، لأن الإنسان خلق ضعيفا ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ للتائبين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم. ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف على الامتناع ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ أي كراهة أن يؤتوا ﴿وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ من مال الله الذي آتاهم ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ على ما بدر منهم من الذين تعاطوا في حديث الإفك ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ بمقابلة عفوكم وإحسانكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مبالغ في المغفرة والرحمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ بالإشاعات، سواء الصحيحة منها أو الكاذبة ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بعدوا من رحمة الله لما يشيعونه في المجتمع من الفساد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هائل، بالنظر إلى أن المحصنات غافلات عمّا يتّهمن به. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا يخفى عليه تعالى منهم شيء. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾

стр. 1309

٢٥ - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ الدين من الديّان وهو الله تعالى، والتوفية إعطاء الشيء وافيا، وفي الحديث "كما تدين تدان"، أي الله تعالى يحاسبهم يوم القيامة بما شهدت عليه جوارحهم ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ على الدوام. ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ لأن ذلك من طبيعة الأمور ﴿أُولئِكَ﴾ الطيبون والطيبات ﴿مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ ممّا يقوله عنهم الخبيثون والخبيثات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق الروحاني والمادي. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا سكانها ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ وتسلّموا عليهم ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للمجتمع ككل، من الدخول بغتة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيه صالحكم. وارتباط الآيات (٢٧ - ٢٩) مع ما قبلها واضح، لأن الاستئذان قبل الدخول من شأنه أن يزيل كل لبس لجهة خصوصية السكان، وما يمكن أن يشاهده الداخل عليهم لو دخل من غير استئذان. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ من قبل أصحابها ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تصرّوا على الدخول ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أطهر من اللج والعناد، ومن دنس الدناءة والرذالة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ بنواياكم.

стр. 1310

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ من البيوت العامة ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان، كالتكايا والمساجد والمباني العامة والخانات والحمامات ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ من نوايا ﴿وَما تَكْتُمُونَ﴾ منها. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم، ويستتبع ذلك أن يكون اللباس محتشما ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ من الزنا، ومن كل ما يسبب التهيج الجنسي ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ لنفوسهم ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ في مثل هذه الأمور، ونلاحظ ارتباط الآيات (٣٠ - ٣٤) بما قبلها لجهة العفة وغضّ البصر واللباس المحتشم، والنكاح الشرعي. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ لا ينظرن إلى ما لا يحل لهنّ ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عمّا لا يحل لهنّ من الزنا ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ بحيث لا تسبب الفتنة للرجال، وما ظهر منها هو ما جرت العادة والجبلّة على ظهوره في البلد والمجتمع الذي تعيش فيه، حيث لا تلفت الأنظار إليها، وقالوا: إن ذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في التستر، وهو من باب

стр. 1311

الكناية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ الخمار غطاء الرأس كانت النساء ترتديه في الجاهلية وتلقيه على رقبتها من الخلف، بحيث تبقى فتحة قميصها من الأمام، المسمى جيبها، مكشوفا فأمرت الآية أن تغطي به نهديها ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ شملت الآية الأزواج والآباء والأبناء والإخوان وبنيهم والنساء وملك اليمين من الإماء ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ الطاعنين في السن ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ لا يلفتن النظر إلى مواقع الزينة عندهنّ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأن المؤمنين جميعا عرضة للوقوع في الفتنة والإغراء حتى الأتقياء منهم، لأن الإنسان خلق ضعيفا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تصلون إلى الفلاح المعنوي دون الوقوع في الإغراء. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ العزّاب من الرجال والنساء ﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ الصالحين للزواج من الناحيتين الأخلاقية والجسمية، ولجهة النضوج الفكري، ومغزى الآية أنها؛ تنكر كل اتصال جنسي غير مشروع خارج عقد النكاح ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من رزقه، ويرزق ذريتهم ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ الرحمة ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم وبأحوالهم. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾

стр. 1312

٣٣ - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ عن الزنا ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً﴾ أي بسبب الفقر، أو لأنهم لا يجدون من الطرف الآخر ما يناسبهم، أو لأي سبب آخر ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المادي والمعنوي ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من العبيد الذكور والإناث يعرض أحدهما على المالك عملا لمدة محددة يصبح بعدها حرا يتصرف بنفسه ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن كانت النوايا سليمة، وإن علمتم فيهم أمانة ومقدرة على الكسب، لأن النظام الإسلامي قضى بإنهاء العبودية على مراحل ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ إعانة لهم أو قرضا ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ إمائكم ﴿عَلَى الْبِغاءِ﴾ الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ يردن التعفّف ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ من المال الحرام ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور لهنّ رحيم بهنّ. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للصواب من الخطأ ﴿وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الأمثال المضروبة كقصة عائشة وحديث الإفك ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الخطأ ويعتبرون منه. ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣٥) ٣٥ - بعد أن فصّلت السورة بعض الأحكام الدنيوية عن الزنا والإفك والنكاح وخصوصية المنازل، تنتقل الآن لبيان نوره تعالى في الآفاق وفي قلب المؤمن، الآيات (٣٥ - ٣٨)، ما يمكّنه من تحقيق ما تقدّم من الأخلاق الحميدة:

стр. 1313

﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بظهوره الدائم وبظهور مخلوقاته التي تدل على وجوده ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في قلب المؤمن، وهي الأدلة العقلية، والنقلية من الوحي، أي المعارف والعلوم التي أفاضهاتعالى في قلبه ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كوة في الجدار غير نافذة، أي كصفة المشكاة في الإثارة والتنوير في قلب المؤمن، والكاف كاف التشبيه وهي تعني استحالة تعريف الله سبحانه ولو بطريق الكناية والمجاز ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ في المشكاة سراج ضخم ثاقب ذو فتيلة مشتعلة، وهو الأدلة العقلية التي بها فقط يتوصّل إلى الإيمان ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ﴾ في قنديل من الزجاج الصافي، بمثابة الأدلة النقلية من الوحي ﴿الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مضيء متلألئ، منسوب إلى الدرّ ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كثيرة المنافع ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ تنبت في أرض النبوات شرق البحر الأبيض المتوسط ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يحجبها شيء عن الشمس ولا يظلها جبل ولا شجر فتصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، ورسالتها أيضا عالمية للناس قاطبة شرقا وغربا ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ إشارة إلى الرسالات السماوية، توضح الحقيقة من تلقاء نفسها، ويكاد الوحي يظهر للخلق قبل نزول القرآن ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ بالنظر لعقلانيتها وسلامتها من التناقض ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية، فيوفقه إليها ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ لكي يصل إلى أفهامهم ما لا يصل إلاّ بالأمثال، ولإبراز المعقول في هيئة المحسوس ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معقولا أو محسوسا، ظاهرا أم باطنا. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (٣٦) ٣٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي المشكاة المشار إليها هي في المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ المساجد ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ سبحانه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ﴾ النهار ﴿وَالْآصالِ﴾ والليل، فلا تتحقق المقاصد الروحانية فيها من التسبيح إلاّ من قبل البعض كما في الآية التالية:

стр. 1314

﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿رِجالٌ﴾ أفراد من الجنسين ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ من أغراض دنيوية ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ يوم القيامة. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ من أعمالهم الحسان، ويتغاضى عن الأقل والسيئ منها ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بما لم يستحقوه بأعمالهم ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ رزقا روحانيا وماديا فوق ما الإنسان أهل له. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ﴾ التي هي من أعمال البر تحبط، لأن الكفر محبط للعمل ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ القيعة جمع ما تسميه العرب القاع، وهو المنبسط البعيد من الأرض الجدباء يلمع تحت أشعة الشمس ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ بسبب بريقه تحت الشمس عن بعد ﴿حَتّى إِذا جاءَهُ﴾ العطشان ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ سوى أنه سراب خادع وكذلك هو عمل الكافر ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ﴾ كما هو دائما وأبدا ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ وافيا كاملا في دنياه، ولم يبق شيء لآخرته ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن الموت أقرب بعيد، يليه البعث والحساب. ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾

стр. 1315

٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ﴾ معطوف على ما تقدّم؛ أي أعمال الكفار السيء منها، كظلمات ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق كثير الماء ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ بحر مضطرب هائل ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أعمال الكافر القبيحة ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لشدة الظلمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً﴾ في قلبه ﴿فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يهتدي به، بخلاف ما ورد في الآيات (٣٥ - ٣٨) عن نوره تعالى في قلب المؤمن. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تسبيح تنزيه عن كلّ نقص وسوء ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ في الجو بأجنحتهنّ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ هم الكفار الذين عموا عن تسبيح الخلق للخالق. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ للبعث والحساب. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً﴾ يسوقه برفق وسهولة ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ فيتصل السحاب مع السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً﴾ متراكما بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ المطر ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها﴾ جبال من الغيم كما ترى اليوم من الطائرات ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ مطر متجمّد

стр. 1316

﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ من فرط الإضاءة وسرعة ورودها. ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتتابعان ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ لكل من له بصيرة. ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ كل من يدب على الأرض، بمن فيها الطيور، انظر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٢١ - ٣٠]، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يخلق ما يشاء كما يشاء. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للحق ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية بتوفيقه إلى النظر الصحيح في الآيات القرآنية والآفاقية وتدبّر معانيها ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى حقيقة الحق. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - رغم الآيات الباهرات المشار إليها آنفا، (٤١ - ٤٦)، هنالك أنصاف المؤمنين المذبذبين، الآيات (٤٧ - ٥٣):

стр. 1317

﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ وهم أنصاف المؤمنين ﴿وَأَطَعْنا﴾ الله والرسول، يزعمون الطاعة ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يعرض عمّا يقتضيه قولهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ بعد ادعائهم الإيمان بالله وبالرسول ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ حقيقة، بل هم مؤمنين في الظاهر. ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ بمقتضى القرآن الكريم ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يعرضون عن المحاكمة، لكون الحق عليهم. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من النفاق ﴿أَمِ اِرْتابُوا﴾ وشكّوا في نبوّته ﷺ ﴿أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ بسبب ضعف إيمانهم يخافون أن يجور الرسول عليهم ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهو السبب الحقيقي لإعراضهم. ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيمانا حقا ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ بلا أي تحفظ ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بكل مطلوب والناجون من كل محذور. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾

стр. 1318

٥٢ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ في ما يستقبل ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ جاهدين أيمانهم ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ إلى الجهاد، وهذا أيضا من فنون نفاقهم وكفرهم ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ العبرة ليست بالقسم، وإنما بالتنفيذ والطاعة ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من أعمالكم الظاهرة والباطنة، ومن الكفر والنفاق، ثم تبين الآيات (٥٤ - ٥٧) واجبات المسلمين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إن أعرضتم عنه وعن رسالة الإسلام ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ من الرسالة والبلاغ ﴿وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ من الاستجابة لنداء العقل، والوحي ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ بلا إكراه. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يصيروا خلفاء في الدنيا، وتصبح لهم السلطة والأمن، بما يفي من حاجياتهم الدنيوية وقيامهم بواجباتهم الدينية من نشر رسالة الإسلام ﴿كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المؤمنة ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ﴾ الإسلام، وبأن يزيد نفوذهم المعنوي في العالم باتّباعه ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾

стр. 1319

﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ من أعدائهم ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ من الأوهام والزعامات ومادة الدنيا ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الحدود، والآية تفيد القاعدة العامة من سنته تعالى في الخلق في نشوء الأمم وانحطاطها بحسب استجابتها للرسالة الإلهية. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تأكيدا على الإيثار ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في كل ما أمركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالأوامر الثلاثة المتقدّمة. ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يعجزون الله هربا ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي قدّموه لأنفسهم، حتى لو فاتهم عذاب الدنيا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٨) ٥٨ - بعد أن بيّنت الآيات (٥٤ - ٥٧) واجبات المسلمين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض، وكانت الآيات (١ - ٣٤) قد بيّنت وجوب احترام خصوصية المنازل وغض البصر وتسهيل زواج العزّاب، يعود الخطاب بالآيات (٥٨ - ٦٠) لبيان احترام خصوصية الأفراد في أوقات الراحة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي في الدخول عليكم، والمقصود بهم العبيد والإماء، الكبار والصغار منهم ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ من الأطفال، سواء كانوا من الأقرباء أم لا ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في اليوم والليلة ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ المرة الأولى ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ حين تخلعون ثيابكم وقت القيلولة ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ﴾ ليلا

стр. 1320

﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ هنّ ثلاث عورات كائنة لكم، أو هي أوقات ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ في الدخول عليكم من دون استئذان ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بعد هذه الأوقات، يطوفون عليكم للخدمة ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ الدالّة على ما فيه نفعكم وصلاحكم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ بها. ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الأطفال الأقرباء منكم وغير الأقرباء ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في الدخول عليكم في جميع الأوقات كما الرجال الكبار ﴿كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ لما فيه مصلحة المجتمع ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في تقديرها. ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ قعدن عن الحيض والولد بسبب الكبر ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً﴾ لا يطمعن فيه ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ الظاهرة ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ لا يكشفن زينتهنّ ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ بترك التبرجّ، وترك وضع الثياب الظاهرة عليهنّ ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأحاديثهنّ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهنّ. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ﴾

стр. 1321

﴿أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦١) ٦١ - بعد أن بيّنت الآيات (٥٨ - ٦٠) وجوب احترام الخصوصية في أوقات الراحة، تنفي هذه الآية الحرج في قبول العون ومؤاكلة الأقرباء: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ حرج، أي إثم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أزواجكم وعيالكم ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾ شمل بيوت الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ ممّا تحت أيديكم وتصرفكم من بستان أو ماشية وكالة أو حفظا ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ بيوت صديقكم، المقصود به المفرد والجمع ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ حرج ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ مجتمعين ومتفرقين ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ من البيوت المذكورة ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ على أهلها باعتبار وحدة الأهل والمجتمع، فالآية جعلت أنفس المسلمين كالنفس الواحدة ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ تطيب لها نفس السامع ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ الشرائع ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ المغزى من الأخوّة بين المؤمنين في المؤاكلة بلا حرج وتفادي الشكليات فيما بينهم. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٢) ٦٢ - بعد رفع الحرج عن المعوّقين لم يبق سوى بيان الالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين:

стр. 1322

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ إيمان اليقين ﴿وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ﴾ يجب اجتماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والجهاد ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ في الذهاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الكاملين في الإيمان ﴿فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الأمر مفوّض إليه إن شاء أذن، وإن لم يشأ لم يأذن ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ﴾ أعذارهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ مبالغ في المغفرة لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يفيض من رحمته عليهم. ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبيّ الله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ يتسللون قليلا قليلا عن جماعة المسلمين على سبيل الخفية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يعرضون عن أمره ويخالفون سنته ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ بلاء ومحنة في الدنيا، لعظم مخالفته ﷺ ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا أو الآخرة. ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الموجودات بأسرها إيجادا وخلقا وملكا وتصرّفا ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيها المكلّفون من الأحوال والأوضاع ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعلمها أيضا ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ خيرا أو شرّا ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أحوالهم فيجازيهم بها.

стр. 1323

سورة الفرقان - ٢٥ - مكية مقدمة نزلت في أواسط الفترة المكية حوالي السنة السادسة بعد البعثة. ارتباط السورة بما قبلها بعد أن ضربت سورة النور المتقدمة مثلا بنور الله في السماوات والأرض إذ يهدي عباده بالتنوير بالعلم وبآيات الآفاق وبالوحي، وأنّ كل ما في السماوات والأرض دالّ على وجوده وظهوره، وأن الوحي يشع في قلب المؤمن كأنه مصباح في مشكاة، وأن رسالة القرآن عالمية للناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ والقرآن ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يهتدي إليه من يشاء الهداية إذا أعمل فيه عقله دون تحيز مسبق: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ (٣٥/ ٢٤)، تبدأسورة الفرقان بالإشارة إلى القرآن فرقانا بين الحق والباطل نذيرا للعالمين: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١/ ٢٥)، وأنّ الوحي القرآني ليس سوى جزء من المنظومة الكونية والآيات الآفاقية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٥٠/ ٢٥). محور السورة نزول القرآن الكريم فرقانا بين الحق والباطل نذيرا للعالمين: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١)، لكن المصرّين على الكفر

стр. 1324

ينسبونه إلى الإفك ويزعمون أنّ الرسول تقوّله، كما زعموا ويزعمون أنه مقتبس من التعاليم المسيحية اليهودية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾ (٤)، بل إنهم يكذبون بالبعث والحساب: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ (١١)، ويعبدون الأوهام فيضلّون ويضلّون: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧). ثم إنّ عدم التزام الكثير من المسلمين ما يجعلهم مسلمين بالاسم فقط، فلا يقرؤون القرآن، ولا يفقهون محتواه: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (٣٠)، أما المصرّون على الكفر فقد احتجّوا بأن القرآن لم ينزل على النبي دفعة واحدة، وقد غفلوا عن الإعجاز الهائل في نزول القرآن منجّما على فترة البعثة النبوية حيث إن ترتيب النزول بحسب ظروف البعثة مغاير للترتيب القرآني الصالح لكل العصور: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ (٣٢). والإشكال عند المكذّبين والغافلين يكمن في اتباع الهوى فيعيشون كالأنعام لا يسمعون سماع فهم ولا يستخدمون عقولهم على النحو السوي: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٣ - ٤٤)، ولقد صرّف القرآن الكريم الحجج لهم بكل وسيلة وبضرب الأمثال بما يثبت دون أدنى شك وجود خالق مهيمن، فلم يفقهوا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٥٠)، وما على المؤمنين تجاه ذلك سوى مجاهدة أمثالهم بالحجج القرآنية: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ (٥٢)، والمفارقة أن المشككين والغافلين يدعون الله عند الشدائد وينسونه وقت الرخاء، فالله تعالى يمهلهم لعلهم يتوبون ولا يهملهم، فإن أصرّوا ولم يتوبوا ويثوبوا إلى

стр. 1325

رشدهم كان العذاب في الآخرة نتيجة لازمة لما قدّموا في دنياهم: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ (٧٧). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١) ١ - ﴿تَبارَكَ﴾ تمجّد، وتزايد خيره وعطاؤه وتكاثر ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ القرآن الكريم الفارق بين الحق والباطل ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ النبي ﷺ ، ﴿لِيَكُونَ﴾ القرآن، أو النبي ﴿لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ إنذارا مخوّفا. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) ٢ - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ المتصرّف فيهما ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ لم ينزل أحد منه منزلة الولد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إذن لذهب كل إله بما خلق ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ هيّأه لما أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به ﴿تَقْدِيراً﴾ تقديرا بديعا لا يبلغ كنهه، كتهيئة الإنسان متجانسا في حاجياته المادية والمعنوية. ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً﴾ (٣) ٣ - ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ الله ﴿آلِهَةً﴾ من تخيلاتهم، ومن أوهامهم، وممّن يرونهم أشخاصا مؤلهين ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ هم أعجز أن يخلقوا شيئا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الله خالقهم، وهم يخلقون أيضا، من قبل عبدتهم من الإفك والخيال والوهم ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ دلالة على غاية عجزهم، فمن لا يملك الضر والنفع لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً﴾ بإماتة الأحياء ﴿وَلا حَياةً﴾ بإحياء الأموات ﴿وَلا نُشُوراً﴾ لا يقدرون على البعث والنشور والحساب.

стр. 1326

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾ (٤) ٤ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا﴾ القرآن ﴿إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ﴾ اخترعه رسول الله ﷺ ولم ينزل عليه ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ من أهل الكتاب ﴿فَقَدْ جاؤُ﴾ الكفار القائلون بذلك ﴿ظُلْماً وَزُوراً﴾ كذبا عظيما، ويحتمل المعنى أيضا أن الكفار القائلين نسبوا الظلم والزور إلى أقرانهم من أهل الكتاب، وقد زعموا أن الذين أعانوه من أهل الكتاب من سكان الجزيرة العربية، مع أنه لم يثبت أن كان هنالك مركز ثقافي لليهودية والنصرانية أو لإحديهما في جزيرة العرب وقت البعثة النبوية. ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٥) ٥ - ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها﴾ كتبها لنفسه، أو أمر أحدا أن يكتبها له ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ كتابة ﴿بُكْرَةً﴾ نهارا ﴿وَأَصِيلاً﴾ وليلا. ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٦) ٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول، وأيها المؤمن: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أسرار الغيب ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ للمؤمنين بالغيب، انظر [البقرة ٣/ ٢]، فأنّى لبشر أن يكتب مثله؟. ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ (٧) ٧ - ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ كيف يكون بشرا؟ أو من جنس البشر؟ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ من جنس الملائكة ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ ينذر الناس، حتى يؤمنوا به. ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨)﴾

стр. 1327

٨ - ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من السماء يكون برهانا ماديا على ادعائه بالوحي ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ بستان يأكل منه دون عناء ولا تعب ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ زعموا أنّ القرآن من جنس السحر. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (٩) ٩ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ من الأباطيل ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الصواب ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ مبهوتين محتارين في القدح بنبوّته ﷺ . ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ (١٠) ١٠ - ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾ خيرا من إلقاء الكنوز إليك ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وخيرا من الجنات المشار إليها بالآية (٨)، ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ فيها ﴿قُصُوراً﴾. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ (١١) ١١ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ بالآخرة، وهذا هو مقصودهم، تهربا من المسؤولية والحساب ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ النار شديدة الاستعار. ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢) ١٢ - ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ بالنظر لبلادتهم، فهي تتغيظ من كفرهم وبلادتهم وما كانوا عيه في دنياهم من الغباء والغفلة. ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ﴾ مقيّدين بالأصفاد مع شياطينهم ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ دعوا هلاكهم وتمنّوه فلم يأتهم. ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَاُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)﴾

стр. 1328

١٤ - ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً﴾ هلاكا واحدا ﴿وَاُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أكثر من هلاك لا ينقذكم، انظر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [طه ٧٤/ ٢٠]. ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً﴾ (١٥) ١٥ - ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً﴾ على أعمالهم ﴿وَمَصِيراً﴾ ينقلبون إليه. ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ (١٦) ١٦ - ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ من السكينة والاطمئنان ﴿خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ في خلودهم بها. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ تعالى فيقول للمعبودين، تقريعا للعبدة ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأصنام والأوهام والزعماء المؤلهين ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ العبدة الذين عبدوكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ضلّوا عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم بالنظر الصحيح؟ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ (١٨) ١٨ - ﴿قالُوا﴾ العبدة ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أولياء نعبدهم من دونك ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ﴾ بمباهج الدنيا فطغوا واستكبروا وادّعوا الألوهية ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ القرآن الكريم ﴿وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ هالكين، أضلّونا معهم. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)﴾

стр. 1329

١٩ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيها المعبودين وتبرّأ منكم عابدوكم ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ من أنهم كانوا عابدين لكم ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً﴾ للعذاب عنكم ﴿وَلا نَصْراً﴾ فضلا عن أن تنصروا أنفسكم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ من دام على الظلم والكفر منكم في دنياه ﴿نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً﴾ في الآخرة. ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ لم يكونوا أكثر من بشر ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ بأن تقبلوا رسالات الرسل بحسب جدارتها، وتحاسبوا عليها ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على التكليف ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ بمن يصبر ومن لا يصبر. ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ منكرو الساعة ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ برهانا على صدق الوحي ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ فينزّل القرآن تنزيلا ﴿لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بطلب الرؤية ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ تجاوزوا الحدود في الظلم. ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الملائكة لن تبشّر المجرمين بأي خير ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي الكفار ﴿حِجْراً مَحْجُوراً﴾ من رحمة الله، إذ يوقن الكفار وقتئذ أنهم محجوبون عنها. ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ الأعمال التي اعتقدوها برّا ظانّين أنها تقربهم إليه تعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ لأن الكفر يحبط العمل الصالح.

стр. 1330

﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فيها ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ في التمتع بوقت القيلولة. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ وهي ملتبسة بالغمام ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ عجيبا غير معهود. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ السلطة القاهرة يوم القيامة ﴿الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ المبالغ في الرحمة بعباده، الشديد على الكافرين ﴿وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ لشدة أهواله. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ ندما ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ يا ليتني آمنت به واتخذت طريقا للنجاة معه، وهو طريق الحق. ﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً﴾ من شياطين الإنس ﴿خَلِيلاً﴾ صاحبا ودودا، يتخلل فيّ. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ عن القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ بعد أن كنت مواظبا على تلاوته ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ مبالغا في خذلانه. ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠)﴾

стр. 1331

٣٠ - ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ﴾ كتابا ﴿مَهْجُوراً﴾ هجره معظمهم، ومن لم يهجره جعله كتابا للتبرّك فقط ولم يقرأه، ومن قرأه لم يتفكّر بمعانيه ولم يفهمه، ولم يفقه المغزى من هديه. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ (٣١) ٣١ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينكر القرآن، والآخرة ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ لمن أراد الهداية وحافظ على سلامة الفطرة. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الحمقى المصرّين على الكفر ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ وبذلك غفلوا عن الإعجاز الهائل في نزول القرآن منجّما على مدة ٢٣ عاما فترة البعثة النبوية ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ حيث ينزل منجّما موافقا لظروف البعثة النبوية ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ بما هو مناسب لكل الأزمنة والعصور، حسب ترتيبه الحالي، مغايرا لترتيب النزول. ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ وهم الكفار وقت التنزيل ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ ما يدحض الباطل ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ من المثل الذي ضربوه. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ لأنّ الوجه يمثّل الشخصية ﴿أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ مكانة في الآخرة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ عن الحق في دنياهم، إذ كانوا ينكرون الآخرة والقرآن. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥)﴾

стр. 1332

٣٥ - بعد أن ذكرت الآيات (١ - ٣٤) نزول القرآن الكريم فارقا بين الحق والباطل، وجدل كفار قريش - والكفار في كل زمن - به وإنكاره، ومن ثم ما يترتب على ذلك من مصير بائس لهم في الآخرة، تنتقل الآيات (٣٥ - ٤٠) لبيان جانب من قصص الأمم البائدة التي رفضت الرسل والتكليف: ٣٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً﴾ يشد أزره، ويحمل عنه عبئا من الرسالة. ﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فرعون وآله ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ بنتيجة كفرهم ورفضهم الرسالة السماوية. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ نوحا ومن قبله من الرسل ﴿أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً﴾ عبرة ﴿وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَعاداً﴾ في حضرموت واليمن ﴿وَثَمُودَ﴾ النبطيين وأصحاب الحجر ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ من سلالة ثمود ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ أقواما كثيرين بينهم. ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ لعلهم يفقهون الرسالة، وتبيانا لها ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ دمّرنا تدميرا بنتيجة كسب أيديهم وغفلتهم. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)﴾

стр. 1333

٤٠ - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ كفار قريش وغيرهم ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي قرى لوط الواقعة في طريقهم إلى بلاد الشام، ومطر السوء: الغبار البركاني ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ يرونها رأي العين في ذهابهم وإيابهم، وقد كستها بقايا الزلازل والبراكين ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ ينكرون الآخرة تهربا من مسؤولياتهم. ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٤١) ٤١ - عودة الخطاب إلى جدل كفار قريش في الرسالة: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ رسولا من ضعاف القوم، ولم يبعثه على رجل من القريتين عظيم؟ من مكة والطائف، أو من فارس والروم؟؟ انظر [الزخرف ٣١/ ٤٣]. ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ صبرنا على عبادتها ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ عن الحق. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ يعبد أهواءه ودنياه الفانية وأوهامه ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ لا تقدر أن تمنعه من ذلك، ولست وكيلا عنه. ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وتفكّر ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على النحو السوي ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ البهائم لا هم لها سوى دنياها وغرائزها اليومية، ليس لها ملكة العقل والفكر ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾

стр. 1334

﴿سَبِيلاً﴾ من الأنعام، لأنهم متميزون عنها بنعمة العقل التي أهدروها، ونعمة الأسماء التي تعلموها، انظر [البقرة ٣١/ ٢]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ (٤٥) ٤٥ - بيان لبعض معجزات الخلق التي عجزوا عن التفكر بها لأنهم كالأنعام: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ فجعله يتغير مع تغير النهار ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾ لا يتحرك من مكانه طيلة الأوقات ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ بحيث يتجاوب مع اتجاه أشعة الشمس. ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ فيتحرك على مهل مع ميول أشعة الشمس. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً﴾ يستركم بظلامه، كما اللباس يستركم ﴿وَالنَّوْمَ سُباتاً﴾ انقطاعا عن الحياة ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ ينتشر فيه الناس لطلب الرزق. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تبشر الناس بالمطر ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ قبل أن يتلوث بإفساد البشر. ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)﴾

стр. 1335

٤٩ - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أرضا لم تكن تنبت قبل الهطول ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي المطر ﴿مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ من المخلوقات التي لولاه لبادت. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي المطر، أو القرآن الكريم بيّناه على عدة وجوه ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ الإعجاز في هطوله وإنباته الأرض الجدباء، وإحياء النبات من البذور من جهة، وليتفكّروا في الإعجاز القرآني من جهة أخرى ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل، لم يعتبروا، ولم يستفيدوا من عقولهم، بل فضّلوا الكفر - وهو تغطية الحقيقة - عن العقل. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً﴾ (٥١) ٥١ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع ﴿نَذِيراً﴾ لكل مجتمع، ولكن اكتفينا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد إلى الناس قاطبة. ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ في دعواهم ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿جِهاداً كَبِيراً﴾ وهذا أكبر الجهاد، وهو جهاد الحجّة ومنطق القرآن، وليس جهاد القتل والقتال، الذي حصره القرآن الكريم بالقتال الدفاعي فقط. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما في مجاريهما ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ كمياه الأنهار تصب في البحار ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مياه البحار ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً﴾ حاجزا يفصل بينهما، فلا يتداخلان لمسافات طويلة في عرض البحر ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ يحجر بين الماء العذب والماء المالح. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)﴾
следующие страницы →