← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٣٠ - ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ﴾ كتابا ﴿مَهْجُوراً﴾ هجره معظمهم، ومن لم يهجره جعله كتابا للتبرّك فقط ولم يقرأه، ومن قرأه لم يتفكّر بمعانيه ولم يفهمه، ولم يفقه المغزى من هديه. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ (٣١) ٣١ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينكر القرآن، والآخرة ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ لمن أراد الهداية وحافظ على سلامة الفطرة. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الحمقى المصرّين على الكفر ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ وبذلك غفلوا عن الإعجاز الهائل في نزول القرآن منجّما على مدة ٢٣ عاما فترة البعثة النبوية ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ حيث ينزل منجّما موافقا لظروف البعثة النبوية ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ بما هو مناسب لكل الأزمنة والعصور، حسب ترتيبه الحالي، مغايرا لترتيب النزول. ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ وهم الكفار وقت التنزيل ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ ما يدحض الباطل ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ من المثل الذي ضربوه. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ لأنّ الوجه يمثّل الشخصية ﴿أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ مكانة في الآخرة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ عن الحق في دنياهم، إذ كانوا ينكرون الآخرة والقرآن. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥)﴾

стр. 1332

٣٥ - بعد أن ذكرت الآيات (١ - ٣٤) نزول القرآن الكريم فارقا بين الحق والباطل، وجدل كفار قريش - والكفار في كل زمن - به وإنكاره، ومن ثم ما يترتب على ذلك من مصير بائس لهم في الآخرة، تنتقل الآيات (٣٥ - ٤٠) لبيان جانب من قصص الأمم البائدة التي رفضت الرسل والتكليف: ٣٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً﴾ يشد أزره، ويحمل عنه عبئا من الرسالة. ﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فرعون وآله ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ بنتيجة كفرهم ورفضهم الرسالة السماوية. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ نوحا ومن قبله من الرسل ﴿أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً﴾ عبرة ﴿وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَعاداً﴾ في حضرموت واليمن ﴿وَثَمُودَ﴾ النبطيين وأصحاب الحجر ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ من سلالة ثمود ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ أقواما كثيرين بينهم. ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ لعلهم يفقهون الرسالة، وتبيانا لها ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ دمّرنا تدميرا بنتيجة كسب أيديهم وغفلتهم. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)﴾

стр. 1333

٤٠ - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ كفار قريش وغيرهم ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي قرى لوط الواقعة في طريقهم إلى بلاد الشام، ومطر السوء: الغبار البركاني ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ يرونها رأي العين في ذهابهم وإيابهم، وقد كستها بقايا الزلازل والبراكين ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ ينكرون الآخرة تهربا من مسؤولياتهم. ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٤١) ٤١ - عودة الخطاب إلى جدل كفار قريش في الرسالة: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ رسولا من ضعاف القوم، ولم يبعثه على رجل من القريتين عظيم؟ من مكة والطائف، أو من فارس والروم؟؟ انظر [الزخرف ٣١/ ٤٣]. ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ صبرنا على عبادتها ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ عن الحق. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ يعبد أهواءه ودنياه الفانية وأوهامه ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ لا تقدر أن تمنعه من ذلك، ولست وكيلا عنه. ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وتفكّر ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على النحو السوي ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ البهائم لا هم لها سوى دنياها وغرائزها اليومية، ليس لها ملكة العقل والفكر ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾

стр. 1334

﴿سَبِيلاً﴾ من الأنعام، لأنهم متميزون عنها بنعمة العقل التي أهدروها، ونعمة الأسماء التي تعلموها، انظر [البقرة ٣١/ ٢]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ (٤٥) ٤٥ - بيان لبعض معجزات الخلق التي عجزوا عن التفكر بها لأنهم كالأنعام: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ فجعله يتغير مع تغير النهار ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾ لا يتحرك من مكانه طيلة الأوقات ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ بحيث يتجاوب مع اتجاه أشعة الشمس. ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ فيتحرك على مهل مع ميول أشعة الشمس. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً﴾ يستركم بظلامه، كما اللباس يستركم ﴿وَالنَّوْمَ سُباتاً﴾ انقطاعا عن الحياة ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ ينتشر فيه الناس لطلب الرزق. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تبشر الناس بالمطر ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ قبل أن يتلوث بإفساد البشر. ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)﴾

стр. 1335

٤٩ - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أرضا لم تكن تنبت قبل الهطول ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي المطر ﴿مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ من المخلوقات التي لولاه لبادت. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي المطر، أو القرآن الكريم بيّناه على عدة وجوه ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ الإعجاز في هطوله وإنباته الأرض الجدباء، وإحياء النبات من البذور من جهة، وليتفكّروا في الإعجاز القرآني من جهة أخرى ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل، لم يعتبروا، ولم يستفيدوا من عقولهم، بل فضّلوا الكفر - وهو تغطية الحقيقة - عن العقل. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً﴾ (٥١) ٥١ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع ﴿نَذِيراً﴾ لكل مجتمع، ولكن اكتفينا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد إلى الناس قاطبة. ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ في دعواهم ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿جِهاداً كَبِيراً﴾ وهذا أكبر الجهاد، وهو جهاد الحجّة ومنطق القرآن، وليس جهاد القتل والقتال، الذي حصره القرآن الكريم بالقتال الدفاعي فقط. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما في مجاريهما ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ كمياه الأنهار تصب في البحار ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مياه البحار ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً﴾ حاجزا يفصل بينهما، فلا يتداخلان لمسافات طويلة في عرض البحر ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ يحجر بين الماء العذب والماء المالح. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)﴾

стр. 1336

٥٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً﴾ لقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ بالغ القدرة في الخلق. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوهام والأوثان والزعامات الدنيوية المؤلهة ﴿ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ لشدة تفاهتهم، ومن ثم تفاهة العقول التي تعبدهم ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ مظاهرا أي معاونا، يعاون الشيطان على الرحمن، أو هو يعاون المشركين من شياطين الإنس. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها الرسول ﴿إِلاّ مُبَشِّراً﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيراً﴾ للكافرين. ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ شخصي ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ طريقا سويّا، فذلك أجره. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ سبحانه، ولا تلتفت إلى عنادهم ومعارضتهم ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ تنزيهه تعالى عن كل نقص ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ يحاسبهم بها، فالحساب ليس عليك أيها النبي. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩)﴾

стр. 1337

٥٩ - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ستة حقب زمنية، لأن اليوم مطلق الزمن ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن سيطرته وتدبيره، و ﴿ثُمَّ﴾ ليست للتراخي الزمني بل للعطف ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ هو الله تعالى، وسؤاله من خلال وحيه وكتبه. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ استكبارا وعتوّا ﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ ونترك آلهتنا ﴿وَزادَهُمْ﴾ الوعظ والإرشاد ﴿نُفُوراً﴾ عن التوحيد وعبادة الله الأحد. ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ (٦١) ٦١ - ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً﴾ من النجوم والكواكب ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجاً﴾ الشمس ﴿وَقَمَراً مُنِيراً﴾ يعكس ضوء الشمس. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ يخلف أحدهما الآخر ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ الإعجاز في الخليقة، وتغير الأيام والفصول ﴿أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ المؤمن يشكر الله تعالى على نعمة اختلاف الليل والنهار. ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ (٦٣) ٦٣ - انتقال الخطاب إلى المؤمنين وصفاتهم: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ يمشون في سكينة ووقار، وعدم الخشونة والفظاظة في تعاملهم مع الناس إذ هم هيّنون في كل أمورهم ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ في تعاملهم مع الآخرين، لا يقابلون الجهل بالجهل.

стр. 1338

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ في صلواتهم. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عقب صلواتهم، وعلى الدوام ﴿رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ شرّا دائما، وعذابا لازما للكفار. ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿إِنَّها ساءَتْ﴾ أحزنت ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ للكفار المقيمين المستقرين بها. ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا﴾ على الآخرين ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ في إنفاقهم ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يبخلوا ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الإسراف، وبين البخل في الإنفاق على الآخرين ﴿قَواماً﴾ وسطا. ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ لا يشركون ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ حرّم الله قتلها ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ بسبب من أسباب الحق ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ بما هو محرّم عليهم ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ ممّا ذكر ﴿يَلْقَ أَثاماً﴾ عقابا أليما، والأثام جزاء الإثم. ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بسبب شركهم من جهة، وبسبب سلوكهم المترتب عليه من جهة ثانية ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ في العذاب.

стр. 1339

﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ عن الشرك ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ صدّق إيمانه بالعمل الصالح، لأنّ الإيمان بلا عمل لا ينفع صاحبه ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ﴾ في الدنيا ﴿حَسَناتٍ﴾ فيمحو سوابق معاصيهم ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ من صفاته الأزلية التي قام بها أمر الكون. ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَمَنْ تابَ﴾ عن المعاصي ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ يقرن به إيمانه ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ يرجع إليه سبحانه ﴿مَتاباً﴾ رجوعا عظيم الشأن. ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الكاذبة، ولا يحضرون مجالس الزور التي يقال فيها الزور على الآخرين ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ بأهل اللغو، وهو لغو الكلام الذي لا طائل منه، عن طريق الصدفة ﴿مَرُّوا كِراماً﴾ تركوه مكرمين أنفسهم عن الاشتراك فيه، أو عن سماعه. ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآنية منها بما فيها من المواعظ والأحكام، والآفاقية بما فيها من حوافز للتفكر في إعجاز الخلق ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً﴾ بل سمعوها سماع فهم، ووعوها وعي تعقّل. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بتوفيقهم للطاعة، وقرّة أعين: كناية عن السرور ﴿وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ بحيث يقتدون بنا في العلم والدين والعمل.

стр. 1340

﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿أُوْلئِكَ﴾ المتصفون بما سبق من الصفات المذكورة ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ الدرجة العالية من منازل الجنة ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عليه من التكاليف ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ وهي تحية الملائكة لهم. ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في الدرجة العالية من الجنة ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ للفائزين بها. ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قُلْ﴾ للكفار أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿ما يَعْبَؤُا﴾ لا يعتدّ ولا يكترث ﴿بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ إياه في الشدائد ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيها الكفار، ولم تعملوا عمل المتقين المذكورين بالآيات (٦٣ - ٧٦)، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العذاب ﴿لِزاماً﴾ ما لم تتوبوا، فالتوبة سوف تحدد مصيركم في الآخرة.

стр. 1341

سورة الشعراء - ٢٦ - مكية مقدمة نزلت في أواسط الفترة المكية، وهي الأولى في مجموعة السور الثلاث: (الشعراء - النمل - القصص) التي تبدأ بالحروف المقطعات ﴿طسم﴾ سوى أن سورة النمل تبدأ بحرفي ﴿طس﴾. ارتباط السورة بما قبلها بعد أن بينت سورة الفرقان المتقدمة نزول القرآن الكريم فرقانا للعالمين: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١/ ٢٥)، وأن عامة المسلمين غفلوا عن دراسة القرآن والعمل به: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (٣٠/ ٢٥)، وأن الله تعالى صرّف القرآن للناس بحجج متعددة لعلهم يذكّرون: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٥٠/ ٢٥)، وحثّهم على مجاهدة الكفار بالحجج القرآنية: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ (٥٢/ ٢٥)، تبدأسورة الشعراء بقوله تعالى: ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١/ ٢٦ - ٢)، وتصف إعراض الكفار عن الوحي الإلهي: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥/ ٢٦)، وأن القرآن - خلافا لما يتقوّلون - ليس سوى تنزيل من رب العالمين: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢/ ٢٦)، وهنالك إشارات سابقة له في الكتب المتقدمة: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦/ ٢٦)، وممّا لا يعقل ما يدّعون من تنزل الشياطين به: ﴿وَما﴾

стр. 1342

﴿تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٠/ ٢٦ - ٢١٢)، كما أنّه بعيد كل البعد عن تقوّل الشعراء: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (٢٢٤/ ٢٦). محور السورة ما على الرسول - ومن ثم باقي المؤمنين - إلا البلاغ، فلا على الرسول أن يهلك نفسه غمّا إن لم يؤمن الجميع: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وأن لو شاءتعالى لألجأ الناس إلجاء إلى الإيمان، وعندئذ لا يكون لإيمانهم قيمة أخلاقية من حيث لم يكن نابعا من حرية الخيار: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤). وأن المكذّبين دأبوا على الإعراض عن الرسالات السماوية: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥)، فقد كذّبوا موسى وإبراهيم ونوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا، وهي قصصهم السبع التي تتناولها هذه السورة من زوايا متعددة، وتبرز منها نقاطا أساسية في ضعف المجتمعات وأسباب انهيارها. ففي حالة تكذيب فرعون لموسى تبيّن السورة أن الطغاة لا يستطيعون فهم رغبة المضطهدين بالحرية، فإن ثار المضطهدون على الظلم نسبوا ثورتهم إلى كراهية الضعيف للقوي والحسد له: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٥٥)، بل إنهم يرون استعباد الآخرين منّة من طرفهم: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢)، وتصل بهم ثمالة السلطة إلى ادعاء الألوهية: ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢٩)، وفي قصة إبراهيم تلحظ السورة فساد التقليد، وأن اتّباع ما كان عليه الآباء ليس برهانا بحد ذاته على سلامة العقيدة: ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤)، وفي قصة نوح تبيّن السورة أن الحكم على إيمان الآخرين يجب أن يكون بحسب الظاهر، والله

стр. 1343

وحده يتولّى السرائر: ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (١١٢ - ١١٣)، وفي قصة هود تأكيد بصورة غير مباشرة على تحريم الجرائم والفظائع التي لامبرر لها في العداوات والحروب، وتشير ضمنيّا إلى أن خوض الحروب أصلا يجب أن يكون مبنيا على اعتبارات أخلاقية: ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١٣٠)، وأن منكري الآخرة يتوهّمون أنّ أمور الكون تسير عشوائيا: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٧ - ١٣٨)، وفي قصة صالح مع ثمود تحذير المجرمين والمفسدين من الركون إلى الشعور الزائف بالأمان: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ (١٤٦)، وفي قصة لوط أن الإصرار على الشذوذ يؤول بأصحابه لأوخم العواقب: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٢ - ١٧٣)، وفي قصة شعيب ما يدل أن المجتمعات قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم والفساد: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨١ - ١٨٣). وتختم السورة بأن العرب كانوا الأجدر بنزول القرآن الكريم عليهم كونهم أمة أمّية لم يخالطها عصبية مسبقة لرسالات سماوية سابقة انحرفت عن مسارها: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٨ - ١٩٩) لأن إصرار الأعجمين على التمسك بدياناتهم المنحرفة وعلى تقليد أسلافهم سلكهم في أصناف المجرمين: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٠٠)، وأن فساد الأمم البائدة أورثها الهلاك: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٠٨ - ٢٠٩)، والمصير نفسه ينتظر الظالمين في كل عصر لا محالة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧).

стр. 1344

ونلاحظ أن الآيتين: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تكررت في السورة ثماني مرات، الأولى منها تشير لبعض آيات الآفاق: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٧)، وقد أشار موسى أيضا لآيات الآفاق في حواره مع فرعون بالآيات (٢٣ - ٢٨)، والمرات السبع الباقية تشير للعبر من هلاك الأمم البائدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ (١) ١ - ﴿طسم﴾ الله أعلم بمراده، انظرآية [البقرة ١/ ٢]. ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢) ٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ آيات هذه السورة، والكتاب المبين هو القرآن، ومع أنه في غاية البيان والإعجاز فهنالك من لم يؤمن منهم. ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ٣ - ﴿لَعَلَّكَ﴾ أيها الرسول ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتلها من شدة الحزن ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بسبب إصرارهم على الكفر. ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤) ٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ معجزة مادية، لأنهم عطّلوا عقولهم عن فهم القرآن ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ منقادين، فيؤمنون قسرا، وعندئذ يخلو إيمانهم من كل قيمة أخلاقية طوعيّة. ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥) ٥ - ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ وحي، وهو القرآن ﴿مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ جديد ﴿إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ لتشنج عقولهم على التقليد، وإعراضهم عن دراسة القرآن من حيث جدارته.

стр. 1345

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦) ٦ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ ببعثة النبي ﷺ ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بأنه الحق، وأن ما كانوا يصرّون عليه هو الباطل. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٧) ٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ لئن أعرضوا عن القرآن، الآية (٥)، فما بالهم يعرضون عن مثل هذا الإعجاز في الآيات الآفاقية؟. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) ٨ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإعجاز ﴿لَآيَةً﴾ رسالة باهرة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مع ذلك. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره، لا يعجزونه ﴿الرَّحِيمُ﴾ ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم، ولا يأخذهم بغتة بما اجترؤوا عليه من الكفر. ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ من أمثال هؤلاء الذين لا يؤمنون، وهذه هي القصة الأولى في هذه السورة من مجموعة سبع قصص، تبيّن جميعا أن رفض رسالات الرسل ظاهرة تكررت في تاريخ الإنسان، مع أنّ وجود الخالق ماثل في مظاهر الخليقة بوضوح. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ (١١) ١١ - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ عواقب عملهم، في ادعاء فرعون للألوهية. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ حفاظا على مراكزهم.

стр. 1346

﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ عن مخاطبتهم ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ بالرسالة ﴿فَأَرْسِلْ إِلى﴾ أخي ﴿هارُونَ﴾ يكون معي نبيا آزرني به. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ تبعة ذنب، والمراد به قتله القبطي، وما تلاه من هرب موسى إلى أرض مدين ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وبذلك تنتهي رسالتي. ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿قالَ كَلاّ﴾ لن يقتلوك ﴿فَاذْهَبا بِآياتِنا﴾ أنت وأخوك ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ لما سوف يكون من قولهم. ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا﴾ كلّ منّا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ربك ورب آبائك الأولين. ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أطلقهم من العبودية. ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿قالَ﴾ فرعون لموسى ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً﴾ صغيرا ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ والمعنى أنك تقابل هذه المنّة بالجحود. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ بقتل القبطي ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ بنعمتي عليك. ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠)﴾

стр. 1347

٢٠ - ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً﴾ تلك الفعلة ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ بعد قتله القبطي شعر موسى فجأة أنه اقترف خطأ جسيما. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ بعد مقتل القبطي توقعت مكروها منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ حكمة ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نبيا من المرسلين إليك، وهكذا فالحكمة تسبق النبوة. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ذلّلتهم واتخذتهم عبيدا. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مستفهما ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ الذي تزعم أنه أرسلك إلينا؟ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ المعنى بدليل خلقه المستمر في كلّ ما هو موجود، وهذا هو بيت القصيد من الحوار، بل من تكرار القصة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إن كنتم مستعدّين للتفكّر في ذلك، ثم اليقين به. ﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من حاشيته ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ لما يقول هذا المدّعي. ﴿قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ بما لا يقبل الشك. ﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾

стр. 1348

٢٧ - ﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ المعنى؛ به من الجنون ما يتجرأ به أن يتحدى ألوهية فرعون، ويدّعي أنه رسول. ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ هو وحده القادر على تدبير الكون، ومنه دوران الأرض حول الشمس والشروق والغروب ﴿وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم من أهل العقل علمتم صحة ما أقول، والمعنى أن فرعون وملأه بمعزل عن دائرة العقل، وأنهم الأحق بتهمة الجنون التي رموه بها. ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ انتقل فرعون من الجدال والمحاجّة إلى التخويف بالسجن. ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أتجعلني من المسجونين إن اتخذت إلها غيرك ولو جئتك بمعجزة مادية تشاهدها بعينك؟ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوى الرسالة. ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ لمغزى تحول العصا إلى ثعبان عند المصريين انظر شرح آية [الأعراف ١٠٧/ ٧]. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ بياضا نورانيا. ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾

стр. 1349

٣٤ - ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ أشراف قومه وحاشيته ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ متمكّن في علم السحر، لأن الزمن كان زمن السحرة، حتى إن كهنة معبد أمون في العاصمة المصرية كانوا كلهم من السحرة. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ لم يفهم فرعون من دعوة موسى سوى أنه بإنكاره ألوهية فرعون التي يدعي أنه يحكم مصر بموجبها، جاء لينافسه على حكم مصر، لما في دعوته من تحدّ للنظام الفرعوني الديني بأكمله ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ بعد أن استشعر فرعون الخوف من موسى، وخاف أن تقتنع الحاشية بما قام به من معجزات، انتقل من مشورة حاشيته إلى طلب الأمر منهم. ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أي أخّر أمرهما ﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ﴾ شرطتك أو أعوانك ﴿حاشِرِينَ﴾ يحشرون لك السحرة. ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ مشتغل في السحر ﴿عَلِيمٍ﴾ فائق في علم السحر. ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقت الضحى من يوم الزينة. ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال، والمقصود أن يعرف الناس على وجه السرعة أن ما جاء به موسى لم يكن سوى سحر سوف يبطلونه. ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠)﴾

стр. 1350

٤٠ - ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ وهو قول الناس الذين اجتمعوا لمشاهدة المغالبة بين الطرفين. ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ فلو كان سحرهم حقيقيا لما احتاجوا لطلب الأجر من فرعون. ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿قالَ نَعَمْ﴾ سنجزل لكم الأجر ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ من بلاط فرعون. ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لكي يتوصّل إلى إبطاله. ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ تملّقا له وما يزعم في نفسه من الألوهية ﴿إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ فوق موسى. ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يأفكون من الكذب، أي ما يصرفون الأمور عن حقيقتها، وهو أن السحرة جعلوا الناس يتخيلون الحبال والعصيّ أنها تتحرك وتسعى، أما عصا موسى فهي ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تتناوله وتزيله بسرعة وتظهر بطلانه، فرأى الناس تلك الحبال والعصيّ على حقيقتها لا تسعى ولا تتحرك، وليس المعنى أن عصا موسى ابتلعتها، بل إنها أزالت أحابيل السحرة بسرعة، وهو معنى اللقف، والخلاصة أن السحر العظيم الذي جاء به السحرة لم يكن سوى إفك، أي خيال وكذب

стр. 1351

ليس من الحقيقة في شيء، وقد نصّت الآية أنّ عصا موسى قد لقفت الإفك وأبطلته، ولم تلقف الحبال والعصي، انظر شرح [الأعراف ١١٧/ ٧]. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لم يتمالكوا أنفسهم أن خرّوا ساجدين لما شاهدوه خارجا عن حدود السحر، وعلموا أنه ليس بسحر. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وهو بالطبع ليس فرعون. ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ الذي بعثهما بالرسالة. ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ موسى ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ تواطأتم معه على هذه النتيجة ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملكم ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ بسبب مخالفتكم أمري ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على كثرتكم. ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ لا ضرر علينا ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ يحكم بيننا وبينك، والعاقبة للمتقين. ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ وما أكرهتنا عليه من الكفر والسحر ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من رعية فرعون. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾

стр. 1352

٥٢ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ من بني إسرائيل ومن آمن معهم من المصريين ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ سوف يتّبعكم فرعون وجنوده بعد أن أصرّ على رفض بعثة موسى إليه. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ﴾ في مدن مصر ﴿حاشِرِينَ﴾ يحشدون الجند. ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ من بني إسرائيل ومن تبعهم ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ طائفة خسيسة من الناس ﴿قَلِيلُونَ﴾ لا يعتدّ بهم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ يحسدوننا على ما نحن فيه من النّعم، فاعلون ما يغيظنا والخروج علينا ومخالفة أمرنا، وهكذا يبين لنا القرآن الكريم أن الأمم المهيمنة لا تستطيع فهم رغبة الأقليات التي تحت سيطرتها بالحرية، فقد رزح بنو إسرائيل تحت حكم الفراعنة قرابة ثلاثة قرون بعد زمن يوسف ورحيل الهكسوس من مصر، وقد برر فرعون رغبة بني إسرائيل بالخروج بأنهم يكرهون المصريين. ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي من مكائدهم. ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ﴾ أي فرعون وجنوده ﴿مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ كانت لهم على ضفاف النيل. ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾

стр. 1353

٥٨ - ﴿وَكُنُوزٍ﴾ كانت لهم ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ في قصورهم. ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ لأن بني إسرائيل حملوا بعض هذه الكنوز معهم إلى سيناء، كما ورثوا مثلها بعد أن استقر المقام لهم في فلسطين. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لحقوا بهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس. ﴿فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ﴾ صاروا على مرأى، كل واحد منهم من الآخر ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ سوف يدركنا فرعون وجنوده. ﴿قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إلى طريق النجاة. ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ وهو البحر الأحمر عند خليج السويس، ما بين السويس والإسماعيلية جاوزوه إلى شبه جزيرة سيناء ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: إنّ العبور كان عند البحيرات المرّة. ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ فرعون وجنوده، قرّبناهم من موسى وجمعه، حتى يلحقوا بهم في البحر. ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)﴾

стр. 1354

٦٥ - ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أخرجناهم من البحر بعد فلقه. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ فرعون وجنوده بإطباق البحر عليهم بعد نجاة موسى وبني إسرائيل. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة عظيمة ورسالة للناس ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من قوم فرعون. ومن الناس عامة، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ يمهل الكفار ولا يؤاخذهم، ولا يأخذهم بغتة بما اجترؤوا عليه من الكفر. ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ وهي القصة الثانية في هذه السورة. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ المعنى ما تعبدونه، هل يستحق العبادة منكم؟ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ إظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بعبادتها. ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم؟ ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾

стр. 1355

٧٣ - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ هل يقدرون على إيصال النفع أو الضرر إليكم؟ ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فدرجنا على تقليدهم، والآية من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالدلائل. ﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام؟ ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ فالباطل لا يتغير قديما كان أم حديثا. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ أي هذه الأصنام ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فهو ربّي ومتولّي شؤوني. ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى الحق ولا يتركني أتخبط في أموري. ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ فيتكفل بأبسط أمور معاشي. ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وليس ذلك إلى غيره البتة. ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ للبعث والحساب. ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾

стр. 1356

٨٢ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فيتجاوز عن سيئاتي، ويثيبني على حسناتي، وذلك من باب الطمع ليس غير، ولمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بشفاعة شافع، وقد نسب إلى نفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء منزهون عن الخطايا. ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ حكمة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أعمل بالحكمة عمل الصالحين. ﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي خلّد صيتي وذكري الجميل في الدنيا، ثم تحقّق ذلك ببعثة النبي محمد ﷺ ، جدّد ديانة إبراهيم، وقد اتفق أهل الأديان من يهود ونصارى على حبه واعتباره جدهم الأكبر. ﴿وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَاِجْعَلْنِي﴾ في الآخرة ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ امنن عليه بتوبة تستحق المغفرة، ووفقه للإيمان. ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ بتعذيب أبي أو ببعثه في عداد الضالين بعدم توفيقه للإيمان، أو على ما فرطت من واجباتي ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الناس كافة. ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾ وإن كان مصروفا في الدنيا إلى وجوه البر والخير ﴿وَلا بَنُونَ﴾ وإن كانوا صالحين مستأهلين أحدا للشفاعة.

стр. 1357

﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قلبه سليم من مرض الكفر والنفاق، ومن فتنة المال والولد. ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يوم تصبح قريبة جدّا منهم. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أصبحت بارزة على مرأى واضح من الغاوين الضالين عن طريق الحق. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ في دنياكم من دون الله؟ من آلهتكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف؟ ﴿مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع ما تشاهدون من عذاب الجحيم؟ ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسهم؟ فهم أعجز من ذلك. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ ألقوا في الجحيم، مرة بعد أخرى، أي الآلهة وعبدتهم، لأن الكبكبة تكرار الكبّ ﴿هُمْ﴾ أي الآلهة من الزعماء مدّعي الألوهية ﴿وَالْغاوُونَ﴾ عبدتهم من الضالين وسائر المشركين. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ من شياطين الإنس، انظر قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦]. ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾

стр. 1358

٩٦ - ﴿قالُوا﴾ العبدة الغاوون ﴿وَهُمْ فِيها﴾ في جهنم ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يخاصمون من معهم من شياطين الإنس والجن. ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ للمبالغة في إظهار حسرتهم وندمهم. ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ سوّيناكم أيها الأصنام، وأيها الزعماء المؤلّهين أنفسهم، في استحقاق العبادة مع رب العالمين الذي أنتم أدنى وأعجز مخلوقاته. ﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب ٦٧/ ٣٣]. ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ إذ لم تشفع لهم آلهتهم المزعومة شيئا، فهم متلهّفون متأسّفون على فقد شفيع يشفع لهم. ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ يشفع لنا. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ نعود فيها إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المقبول إيمانهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾

стр. 1359

١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ فيما ذكرته الآيات (٨٨ - ١٠٢) من ندم الغاوين، وتخاصمهم مع عبدتهم من الآلهة المزعومة ﴿لَآيَةً﴾ رسالة وعبرة لمن يعتبر ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بل أكثر الناس مكابرون معاندون. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ وسعت رحمته كل شيء، يمهل الغاوين للتوبة ولا يباغتهم بالعذاب، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة الثالثة، والمعنى أنهم كذّبوا الرسل من قبله، إذ لم يكن أوّل مبعوث فيهم. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ أي نسيبهم، كما يقال يا أخا العرب ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ الله بعد أن بعثت الرسل فيكم؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله بعثت لمصلحكم ﴿أَمِينٌ﴾ مشهور بالأمانة بينكم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من التوحيد. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أنا متصدّ له من الدعاء والنصح لكم، فلا أطلب مالا ولا أجرا منكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى.

стр. 1360

﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ التكرار، لأنه في الآية (١٠٧) أخبرهم أنه رسول أمين، يدعوهم إلى التوحيد، ما يوجب تقوى الله وطاعة نوح، وفي الآية (١٠٩) أخبرهم أنّ أجره على الله، ما يوجب أيضا تقوى الله وطاعة نوح. ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿قالُوا﴾ لسخافة عقولهم، وافتخارا بأنفسهم واستكبارا ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الأرذلون جمع الأرذل، وقد يكون استرذالهم المؤمنين بنوح لقلّة نصيبهم من الدنيا، إذ ليسوا من كبار القوم، والمعنى؛ اتّبعك الفقراء أصحاب الصناعات الدنيئة، مع أنّ الفقر ليس من الرذالة في شيء، وقد يكون: إنهم استرذلوا المؤمنين بنوح، ﵇، لما شاهدوه قبلا من سوء عملهم، ويدل عليه جواب نوح بالآية التالية: ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل إيمانهم؟ أي ما وظيفتي إلاّ النظر في الظاهر، فأنا لا أشقّ صدورهم، ولا أبحث عن دوافعهم، ولا أتجسّس عليهم، ولا أفتّش عن البواطن. ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿إِنْ حِسابُهُمْ﴾ حسابهم على السوء الذي كانوا يعملون، حسب زعمكم ﴿إِلاّ عَلى رَبِّي﴾ العالم ببواطن الأمور، والحساب على البواطن من شؤونه ، وليس من شأني ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك. ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأنا أحكم على الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر.

стр. 1361

﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ للناس، سواء كانوا من الأشرفين أو الأرذلين، فلا أسترضيكم بطرد ضعاف المؤمنين. وهنا نلاحظ قاعدة قرآنية هامة جدا، وهي أن ليس للإنسان أن يحكم على معتقد الآخرين منقّبا عن دوافعهم، بل يقبل الظاهر منهم، والله تعالى يتولّى سرائرهم. ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ﴾ عمّا أنت عليه من دعوتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ توعّدوه بالقتل رجما. ﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أصرّوا على تكذيبي طيلة هذه السنين، فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منّا من الفتاحة أي الحكم ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من سوء قصدهم وشؤم أعمالهم. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ استجابة لدعائه، ولعلمه تعالى أنه لا يؤمن من قوم نوح إلاّ من قد آمن ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة بالمؤمنين، وما يحتاجون إليه من مؤن وحيوانات. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ﴾ بعد إنجائهم ﴿الْباقِينَ﴾ من قومه الذين أصرّوا على الكفر، والآية دالّة أنّ الغرق اقتصر على الكفار الباقين، ولم يعمّ الخليقة

стр. 1362

كلها كما تدّعي كتب العهد القديم، والقصة مذكورة بتفصيل في سورة [هود ٢٥/ ١١ - ٤٨]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما أكثر الناس بمؤمنين مع ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القاهر على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأن أمهل العباد للتوبة ولم يعاجلهم بالأخذ. ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة الرابعة، وفيها تكذيب قوم عاد للرسل، قبل بعثة هود، انظر شرح [الأعراف ٦٥/ ٧]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم فيه من الشرك والفساد. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله ﴿أَمِينٌ﴾ أمانتي معروفة لديكم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من التوحيد. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى على عباده.

стр. 1363

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الريع؛ المرتفع من الأرض بين هضبتين ﴿آيَةً﴾ علامات وثنية ومذابح تقدم بها القرابين إلى الآلهة القبلية المزعومة ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بادعاء أنها آلهة تستحق العبادة؟ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾ خزانات للمياه في تلك المرتفعات ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ تطمحون للخلود، وتتناسون الموت والمعاد. ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١٣٠) ١٣٠ - ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ﴾ في الحروب ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بلا رحمة وبلا أي رادع أخلاقي، وفي هذه الآية دلالة قرآنية على أن الحروب ليس لها مبرر سوى أن تكون عادلة وذات ضرورة أخلاقية، وليست لمجرد البطش والانتقام. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من العدالة وعدم التجبّر. ﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ﴾ من متاع الدنيا. ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ ممّا لا تشكرون نعمه عليكم. ﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٧/ ٨٩ - ٨]. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾

стр. 1364

١٣٥ - ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بجحودكم نعمه تعالى. ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ (١٣٦) ١٣٦ - ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ فنحن آذان صمّاء، لا نعود عمّا نحن عليه، قالوه استخفافا بدعوته وعدم المبالاة به. ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣٧) ١٣٧ - ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ نحيا ونموت كما مات الأوّلون، فلا بعث ولا حساب، وأما هذا الذي نحن عليه من العبادات فهو من عادة الأوّلين من الآباء والأجداد نتّبعهم على ما كانوا عليه، ونقلّدهم، ويحتمل المعنى أيضا: إنّ ما تقوله ليس سوى اختلاق أناس من الأوّلين درجوا على الكذب. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٨) ١٣٨ - ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس من بعث ولا حساب، سوى هذه الحياة الدنيا. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ بتكذيبهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ الرسالة المشار إليها بالآيات (١٢٨ - ١٣٠) وهي السعي وراء الأمجاد الفارغة ببناء الأضرحة والطموح إلى الخلود والتجبّر والبطش بالآخرين ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ رغم بعثة هود إليهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ لا يترك عباده بلا هداية، ولا يعذبهم قبل أن تبلغهم الرسالة. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾

стр. 1365

١٤١ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ كذّبوا صالحا كما كذّبوا المرسلين من قبله، وهذه القصة الخامسة، انظر شرح آية [الأعراف ٧٣/ ٧ - ٧٤]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نبيّهم ﴿صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم فيه من الشرك والضلال؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قد عهدتم أمانتي فيكم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما جئتكم به من الدعوة. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ما أنا عليه من دعوتكم إلى الله ﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى. ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ تظنّون أن هذا الرخاء الذي تنعمون به، يدوم فيكم إلى الأبد؟ دون أن تؤدّوا حقّه؟ وتشكروا نعمه؟ ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٤٧) ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ (١٤٨) ١٤٧ - ١٤٨ - ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ النخل الهضيم الداخل بعضه في بعض، وقيل المتدلّي لكثرة ثمره، وقيل هو الناضج من الرطب، وأفرد ذكر النخل لكونه عزيزا عندهم بفضله على سائر الشجر. ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ (١٤٩) ١٤٩ - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ الفاره الحاذق بالشيء، والمعنى؛ تظنّون أنّ بإمكانكم الاستمرار في نحت بيوتكم في الجبال بالحذاقة

стр. 1366

ذاتها؟ فقد تتدهور حضارتكم؟ كما حدث بعد ذلك للنبطيين أصحاب الحجر، انظر شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ في دعوتي لكم. ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٥١) ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٢) ١٥١ - ١٥٢ - ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ كونهم يرون الحياة الدنيا منتهى أملهم. ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ غلب السحر على عقولكم، حتى تطرّق إليها الخلل. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تدّعي ما تدّعيه من النبوّة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ معجزة مادية، أو علامة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهكذا استنفدوا مع نبيهم مرحلة النقاش، وتجاوزوها إلى التحديّ. ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ﴾ لا مالك لها سوى الله ﴿لَها شِرْبٌ﴾ وهو حقّها في الشرب من العين كغيرها من النوق ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يوم يشرب قطيعكم من النوق، فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموها على شربها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ من عذاب الدنيا قبل الآخرة.

стр. 1367

﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿فَعَقَرُوها﴾ بطريقة وحشية، انظر [الأعراف ٧٧/ ٧]، إمعانا في إيذاء مخلوقات الله السائبة ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ على فعلتهم بعد فوات الأوان. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ انظرآية [الأعراف ٧٨/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ فيمن يمنع الخير عن مخلوقات الله السائبة ما فيه دلالة على سوء الجبلّة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ برسالة صالح. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ سبقت رحمته غضبه، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السادسة، انظر تفصيلها في سورة [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نبيّهم ﴿لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من الشذوذ؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من الصلاح وهجر الشذوذ. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)﴾

стр. 1368

١٦٤ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أدعوكم إليه من الاستقامة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى. ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ جمع ذكر، فكأنّ الأناث قد أعوزتكم؟ ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من بني آدم؟ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ للاستمتاع بهنّ على النحو الطبيعي الموافق للفطرة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ متجازون الحدّ في المعاصي، ومتجاوزون حد الشهوة بما لم تعهده الحيوانات. ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عن موعظتك لنا وتوبيخنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ المنفيين من مجتمعنا. ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ من المبغضين لعملكم غاية البغض، لأنّ قلى بمعنى أبغض. ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ من الخبائث، ومن شؤم عملهم، ومن عذابه الدنيوي. ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٧٠) ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٧١) ١٧٠ - ١٧١ - ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ العجوز هي امرأته كانت كافرة مائلة إلى قومها راضية بفعلهم، فكانت من الغابرين أي من الهالكين، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣].

стр. 1369

﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٧٢) ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٣) ١٧٢ - ١٧٣ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أهلكناهم أشد الهلاك وأفظعه، والمطر هو الغبار البركاني، انظر [الأعراف ٨٠/ ٧ - ٨٤] و [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإهلاك الفظيع ﴿لَآيَةً﴾ رسالة للمجتمعات التي تقبل بالشذوذ عمّا ينافي الفطرة السليمة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر الكفار المصرّين على الشذوذ، كما هي الحال اليوم في بعض مجتمعات الغرب، وفي الكنيسة المسيحية التي جعلت الشذوذ شرعيا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بإمهال عباده للتوبة. ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، وأصحاب الأيكة أهل مدين ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السابعة، انظر تفصيلها في سورة [الأعراف ٨٥/ ٧ - ٩٣] و [هود ٨٤/ ١١ - ٩٥]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ الغش في معاملاتكم التجارية مع الآخرين؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم.

стр. 1370

﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم لصلاح مجتمعكم. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أنا من دعوتي لكم بالصلاح ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى. ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتمّوه ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ بإنقاص الأوزان والحقوق، لأنهم اشتهروا بالغش في معاملاتهم التجارية مع الآخرين، وبعضهم مع بعض. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿وَزِنُوا﴾ الموزونات والحقوق ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بالميزان السوي. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨٣) ١٨٣ - ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم شيئا من حقوقهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بأكل حقوق الناس، والرشوة والفساد. ﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - ﴿وَاِتَّقُوا﴾ الله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ خلقكم، وخلق الأجيال الأوّلين من قبلكم. ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ تطرّق السحر إليك، حتى اختلّ عقلك. ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾
следующие страницы →