← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ذاتها؟ فقد تتدهور حضارتكم؟ كما حدث بعد ذلك للنبطيين أصحاب الحجر، انظر شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ في دعوتي لكم. ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٥١) ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٢) ١٥١ - ١٥٢ - ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ كونهم يرون الحياة الدنيا منتهى أملهم. ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ غلب السحر على عقولكم، حتى تطرّق إليها الخلل. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تدّعي ما تدّعيه من النبوّة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ معجزة مادية، أو علامة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهكذا استنفدوا مع نبيهم مرحلة النقاش، وتجاوزوها إلى التحديّ. ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ﴾ لا مالك لها سوى الله ﴿لَها شِرْبٌ﴾ وهو حقّها في الشرب من العين كغيرها من النوق ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يوم يشرب قطيعكم من النوق، فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموها على شربها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ من عذاب الدنيا قبل الآخرة.

стр. 1367

﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿فَعَقَرُوها﴾ بطريقة وحشية، انظر [الأعراف ٧٧/ ٧]، إمعانا في إيذاء مخلوقات الله السائبة ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ على فعلتهم بعد فوات الأوان. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ انظرآية [الأعراف ٧٨/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ فيمن يمنع الخير عن مخلوقات الله السائبة ما فيه دلالة على سوء الجبلّة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ برسالة صالح. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ سبقت رحمته غضبه، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السادسة، انظر تفصيلها في سورة [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نبيّهم ﴿لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من الشذوذ؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من الصلاح وهجر الشذوذ. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)﴾

стр. 1368

١٦٤ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أدعوكم إليه من الاستقامة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى. ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ جمع ذكر، فكأنّ الأناث قد أعوزتكم؟ ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من بني آدم؟ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ للاستمتاع بهنّ على النحو الطبيعي الموافق للفطرة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ متجازون الحدّ في المعاصي، ومتجاوزون حد الشهوة بما لم تعهده الحيوانات. ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عن موعظتك لنا وتوبيخنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ المنفيين من مجتمعنا. ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ من المبغضين لعملكم غاية البغض، لأنّ قلى بمعنى أبغض. ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ من الخبائث، ومن شؤم عملهم، ومن عذابه الدنيوي. ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٧٠) ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٧١) ١٧٠ - ١٧١ - ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ العجوز هي امرأته كانت كافرة مائلة إلى قومها راضية بفعلهم، فكانت من الغابرين أي من الهالكين، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣].

стр. 1369

﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٧٢) ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٣) ١٧٢ - ١٧٣ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أهلكناهم أشد الهلاك وأفظعه، والمطر هو الغبار البركاني، انظر [الأعراف ٨٠/ ٧ - ٨٤] و [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإهلاك الفظيع ﴿لَآيَةً﴾ رسالة للمجتمعات التي تقبل بالشذوذ عمّا ينافي الفطرة السليمة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر الكفار المصرّين على الشذوذ، كما هي الحال اليوم في بعض مجتمعات الغرب، وفي الكنيسة المسيحية التي جعلت الشذوذ شرعيا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بإمهال عباده للتوبة. ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، وأصحاب الأيكة أهل مدين ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السابعة، انظر تفصيلها في سورة [الأعراف ٨٥/ ٧ - ٩٣] و [هود ٨٤/ ١١ - ٩٥]. ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ الغش في معاملاتكم التجارية مع الآخرين؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم.

стр. 1370

﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم لصلاح مجتمعكم. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أنا من دعوتي لكم بالصلاح ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى. ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتمّوه ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ بإنقاص الأوزان والحقوق، لأنهم اشتهروا بالغش في معاملاتهم التجارية مع الآخرين، وبعضهم مع بعض. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿وَزِنُوا﴾ الموزونات والحقوق ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بالميزان السوي. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨٣) ١٨٣ - ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم شيئا من حقوقهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بأكل حقوق الناس، والرشوة والفساد. ﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - ﴿وَاِتَّقُوا﴾ الله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ خلقكم، وخلق الأجيال الأوّلين من قبلكم. ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ تطرّق السحر إليك، حتى اختلّ عقلك. ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾

стр. 1371

١٨٦ - ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تريد أن تتفضّل علينا وتتزعمنا ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في دعواك. ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٨٧) ١٨٧ - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ قطعا ﴿مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك نبي مرسل، وهذا غاية مراحل التحدي. ﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨٨) ١٨٨ - ﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم به في وقته المقدّر، وليس ذلك إليّ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٨٩) ١٨٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ يوم الرماد البركاني ﴿إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بما أخذهم فيه من الزلزلة وانتشار الحمم البركانية، والرماد البركاني في الجو، انظر [الأعراف ٩١/ ٧]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٠) ١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة للمجتمعات التي ينتشر فيها الفساد والرشوة وبخس الحقوق، فينطبق عليها قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧/ ٧]، أي إن كان الصلاح سائدا بينهم وإن كانوا على الكفر، فالله تعالى يمهلهم لفرط مسامحته تعالى في حقوقه، وأما حقوق العباد فلا ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بل كانوا على الكفر. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٩١) ١٩١ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم عباده بما فيه مصلحتهم، ويمهلهم للتوبة. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢)﴾

стр. 1372

١٩٢ - بعد انتهاء القصص السبع تعود السورة إلى ما بدأت به في قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥): ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وحيا من الله . ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١٩٣) ١٩٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ جبريل ﵇. ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٩٤) ١٩٤ - ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيّها النبي ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ تنذر الناس بالبعث والحساب. ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥) ١٩٥ - ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ اقتضت رسالة القرآن أن تكون باللسان العربي المبين، لأنهانزلت على العرب أولا، ولا يمنع ذلك أنها رسالة عالمية للناس كافة. ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦) ١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ جاء ذكره، والنبوءة بنزوله في كتب الأولين، ومن ذلك سفر التثنية من العهد القديم (١٥/ ١٨) و (١٨/ ١٨). ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧) ١٩٧ - ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ الذين ينكرون نبوّة محمد ﷺ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أن يعلموا أن القرآن وحي من الله تعالى، نزّله على نبيّه محمد ﷺ ، ومن ثمّ دخل العديد منهم في الإسلام. ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾

стр. 1373

١٩٨ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ من مجتمعات الروم التي كانت تدين بالمسيحية. ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٩) ١٩٩ - ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أي لشدة تعصبهم وتمسكهم بالتقليد، بالمقارنة مع ما كانت عليه جزيرة العرب من الانفتاح والحرية الفكرية. ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٠٠) ٢٠٠ - ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ﴾ أي التكذيب بالقرآن ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على الكفر والتقليد، وذلك بمحض اختيارهم ولسوء جبلّتهم، وليس بأن الله تعالى فرض عليهم التكذيب ابتداء. ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢٠١) ٢٠١ - ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ في الدنيا قبل الآخرة. ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٠٢) ٢٠٢ - ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ (٢٠٣) ٢٠٣ - ﴿فَيَقُولُوا﴾ تحسّرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ الإنظار: الإمهال، والمعنى هل هنالك من مهلة لنا؟ نعود بها إلى الدنيا؟ ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢٠٤) ٢٠٤ - ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ يطلبونه قبل الأوان؟ ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾

стр. 1374

٢٠٥ - ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أيها المؤمن، وأيها القارئ القرآن؟ ﴿إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ في هذه الحياة الدنيا؟ ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢٠٦) ٢٠٦ - ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ من عذاب الدنيا قبل الآخرة؟ ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢٠٧) ٢٠٧ - ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي شيء أو أي غناء أغنى عنهم متاعهم السابق في الدنيا؟ ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ (٢٠٨) ٢٠٨ - ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع من المجتمعات ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ من الرسل، أنذروا أهلها إلزاما للحجة عليهم. ﴿ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٠٩) ٢٠٩ - ﴿ذِكْرى﴾ أي لتذكيرها ذكرى، للمجتمعات التي هلكت ﴿وَما كُنّا﴾ لها ﴿ظالِمِينَ﴾ فليس من شأننا أن يصدر الظلم عنّا - بمقتضى الحكمة - بأن نهلك أحدا قبل إنذاره، أو أن نعاقب من لم يظلم، وهي إشارة إلى الأقوام السبعة التي هلكت. ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ (٢١٠) ٢١٠ - ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي القرآن الكريم ﴿الشَّياطِينُ﴾ كما يزعمون، لأنهم نسبوا نزول القرآن إلى الكهانة والسحر لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩/ ٥٢]، وفي ذلك عودة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢). ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾

стр. 1375

٢١١ - ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ لا يصح ولا يستقيم لهم ذلك ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ وما يقدرون على ذلك أصلا. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٢) ٢١٢ - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ عن سماع الوحي ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾، لقوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ [الجن ٨/ ٧٢ - ٩]. ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٢١٣) ٢١٣ - ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ أيها القارئ للقرآن ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ بشركك. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢١٤) ٢١٤ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ذوي القرابة القريبة منك، أو هم الذين أكثر قربا إليك من غيرهم. ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢١٥) ٢١٥ - ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كن متواضعا معهم. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢١٦) ٢١٦ - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ ضعاف الإيمان منهم ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ بريء من عملكم، وبريء مما تعملون من المعاصي، أو الذي تعملونه من دعائكم مع الله إلها آخر. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (٢١٧) ٢١٧ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ القاهر الغالب على أمره، فيقهر من يعصيك منهم ﴿الرَّحِيمِ﴾ وينصرك برحمته.

стр. 1376

﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢١٨) ٢١٨ - ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ (٢١٩) ٢١٩ - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ فيما بين المصلّين، وحين تؤمّهم، وحين تقوم لأداء الرسالة. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٢٠) ٢٢٠ - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء من يدعوه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحواله. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ (٢٢١) ٢٢١ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ المشار إليهم بالآية (٢١٠)، وما زعموا من تنزّلهم بالقرآن. ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٢٢) ٢٢٢ - ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ﴾ تنزلّ على كثير الإفك وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والبهتان ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإثم. ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ (٢٢٣) ٢٢٣ - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ الأفّاكون يلقون سمعهم إلى الشياطين، أي يصغون إليهم أشد الإصغاء ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ الكذب طاغ عليهم فيما يقولونه من الأقاويل. ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ ٢٢٤ - ٢٢٥ - ٢٢٦ - ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ لأنهم زعموا أنّ القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته من جنس الشعر، والآية تقرر أن الغاوين فقط هم الذين

стр. 1377

يتّبعون الشعراء الذين يهيمون في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من شعاب الوهم والخيال، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويسلكون مسالك الغي والضلال، وذلك سبب اتّباع الغاوين لهم، لا غيرهم، أي إنهم مشتركون معا في الغيّ. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧) ٢٢٧ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الشعراء المؤمنين الصالحين ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿وَذَكَرُوا اللهَ﴾ وحده ﴿كَثِيراً﴾ يكثرون ذكر الله في أشعارهم، ويوحّدونه ﴿وَاِنْتَصَرُوا﴾ لرسالة الإسلام ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ من بعد ما اضطهدوا في دينهم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ علم اليقين ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ شديد السوء ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ إذا استمرّوا في غيّهم.

стр. 1378

سورة النمل - ٢٧ - مكية مقدمة نزلت في أواسط الفترة المكية، وتشترك مع سور الطواسين الثلاث المتتالية: (الشعراء - النمل - القصص) بتركيزها على أصالة القرآن الكريم وعلى بعض قصص الأنبياء التي تظهر بجوانب وعبر جديدة في كل سورة منها. ارتباط السورة بما قبلها تشترك هذه السورة مع سورة الشعراء بقصص الأنبياء: موسى وصالح ولوط، فتبرزها من جوانب وعبر جديدة، وتضيف إليها قصة سليمان مع الطير والنمل. وقد لاحظنا أنّسورة الشعراء ابتدأت بالإشارة لإعراض المعرضين عن الرسالات السماوية: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥/ ٢٦)، وانتهت بتأكيد نزول ختم الرسالات على قلب النبي ﷺ : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٩٢/ ٢٦ - ١٩٤)، ثم تفتتح سورة النمل بتأكيدآيات القرآن كونه مبينا للطريق القويم: ﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١/ ٢٧)، مشتمل على الحكمة والعلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦/ ٢٧)، ويصحح القصص المزيفة المذكورة في الكتب المقدسة اليهودية بالعهد القديم ويبين لبني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي﴾

стр. 1379

﴿إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦/ ٢٧)، وقوله: ﴿أَكْثَرَ﴾ لأن أمور الغيب التي يختلفون بها لن تنكشف لهم إلا في الآخرة. كما افتتحت سورة الشعراء المتقدمة بالإشارة لشدة حرص النبي ﷺ على إيمان الناس: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣/ ٢٦)، وفي سورة النمل أنه في حزن عليهم وضيق من إعراضهم: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧٠/ ٢٧). وفي سورة الشعراء زعم الكفار أن أمور الكون تسير بالصدفة والعشوائية وأن ليس من حساب وعذاب: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٧/ ٢٦ - ١٣٨)، ثمّ تذكرسورة النمل بأن منكري الآخرة يتخبطون في الظلام فيخسرون أنفسهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٤/ ٢٧ - ٥). محور السورة تنبّه سورة النمل إلى قاعدة اجتماعية مهمة وهي أنّ منكري البعث والآخرة يركزون كلّ جهودهم واهتمامهم على المكاسب المادية الدنيوية، فلا يرون أي شيء سواها جديرا بالاهتمام، مما يفسر حالة التخبط والعمى الروحاني التي أوقعوا نفوسهم بها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤)، وفي قصة موسى أن لا منقذ لأمثالهم سوى التوبة: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١)، وكثير منهم يقرّون بالحقيقة في دخيلة نفوسهم ومع ذلك يجحدونها علنا بالنظر لسوء جبلّتهم ومكابرتهم وتهالكهم على الدنيا: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤).

стр. 1380

وفي قصة سليمان مع الهدهد تذكير بأن العلم قد يأتي أحيانا من أضعف خلق الله، مما هو عبرة وفتنة لمن يعتقد في نفسه كمال العلم والإحاطة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٢٢)، وفي قصة سليمان مع ملكة سبأ أنّ إنكار المسؤولية تجاه الخالق يوقع المرء في التفاهات: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤)، وأن من شأن الطغاة عندما يستولون على الحكم قهرا أنهم يبسطون سلطتهم قسرا على الناس، ويفككون النسيج الاجتماعي، مما يؤدي إلى الفساد: ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤)، وأن الخلفية الدينية المنحرفة تجرف الكثيرين معها فتصدّهم عن الطريق القويم بسبب التقليد وإهمال العقل: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣). وفي قصة صالح مع قومه ثمود أنّ الدعوة إلى الصلاح والإصلاح تثير الخصومات لدى الأقوياء ذوي الخيلاء المعتدّين بنفوسهم، وحتى لدى الضعفاء المدمنين على الشهوات: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٥). وفي قصة لوط أن الشذوذ عن القوانين الطبيعية في الخلق معصية بيّنة لله : ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٥٤). وفي إشارة لقصصهم جميعا أن الكفار يشركون بالله ليس فقط الأصنام والكواكب، بل أيضا القيم الزائفة والعادات القبيحة المتوارثة التي أصبحت دينا عندهم: ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩). وأن الإنسان، خلافا لما يظنّ، ليس محور الكون وسيده، بل استخلفه الله في الأرض ومعتمد بالكلية عليه، منحه العقل والقدرة على التفكير المجرد: ﴿أَمَّنْ﴾

стр. 1381

﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢). وهنا تعود السورة لموضوع الآية (٤) بأن علم الإنسان بالآخرة من أمور الغيب التي لا يستطيع إدراكها، حتى إنّ بعض الناس في شك منها، وبعضهم الآخر ينكرها لكونهم عمون عن حتميتها المنطقية، إذ يتعامون عن مسؤوليتهم الأخلاقية وعن الخيار الأخلاقي الحر الذي يتمتعون به ويتهربون منه بالنظر لما يترتّب عليه من حساب: ﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ (٦٦)، بل إن استغراقهم في مادية الدنيا سوف يكون نذيرا بهلاكهم: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢)، لكن حسابهم في الآخرة مترتب ليس فقط على تكذيبهم بآيات الآفاق والوحي، بل لعدم بذلهم المجهود الكافي لفهم الآيات والإحاطة بعلومها، ولإضاعتهم العمر فيما لا يجدي: ﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١) ١ - ﴿طس﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ﴾ في هذه السورة، ﴿وَ﴾ هو ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ عن الحق. ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ القرآن الكريم يفيد الذين لديهم استعداد للإيمان، فهو لهم هدى في الدنيا، وبشرى في الآخرة، وهم الموصوفون بالآية التالية: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾

стр. 1382

٣ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ استعدادا لآخرتهم ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على يقين من البعث والحساب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤) ٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ منتهى نظرهم وأملهم في الحياة الدنيا، على العكس من المؤمنين المشار إليهم آنفا ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ فأصبحت حسنة في نظرهم ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتخبطون على غير هدى، متحيّرين مترددين، بالنظر لسوء جبلّتهم، وإصرارهم على الضلال، وتشنج عقولهم على التقليد، وعنادهم ورفضهم النظر والتفكر بالدلائل، وليس لأن الله تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء، انظر [البقرة ٧/ ٢]. ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ في الدنيا، ومن ذلك سعيهم وتهالكهم على مادة الدنيا بما يعمي بصيرتهم وبصائرهم، فتصبح منتهى أملهم وهمّهم ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخسرون أنفسهم بعد كل ما بذلوه في دنياهم، ولا خسارة أعظم من خسارة الأنفس. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ فيما خلق من خلقه ﴿عَلِيمٍ﴾ بمصالح عباده، فأيّ حكيم، وأي عليم هو! ويلاحظ ارتباط هذه الآية مع أول السورة. ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٧) ٧ - انتقال الخطاب من نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ، إلى نزول الوحي على موسى، وفيه إشعار باستمرارية الرسالات السماوية:

стр. 1383

﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ وهو في طريق عودته من مدين تائها في صحراء سيناء ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ عن بعد ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ عن طريقنا الذي نسلكه ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ شعلة نار مقبوسة، مأخوذة من أصلها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لأجل أن تستدفئوا بها. ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨) ٨ - ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي النار ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ نور الإلهام الإلهي ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ الملائكة ﵈ ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنزيه الله تعالى عن كل نقص وسوء. ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩) ٩ - ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا﴾ المنادي المتجلّي نوره في النار ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يد موسى من المعجزة. ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ من الجنّ، لأن الجن عند العرب من الخفاء ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ انهزم ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يرجع ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ تعليل للنهي عن الخوف. ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١) ١١ - ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ تائبا من ظلمه ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في إشارة لكون موسى قتل القبطي، ثم تاب بعد ذلك. ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢)﴾

стр. 1384

١٢ - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ جيب قميصك، وقيل تحت إبطك ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ تشع نورا روحانيا ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إنّي مرسلك إلى فرعون وقومه في تسع آيات، أي علامات على بعثتك إليهم، انظر [الإسراء ١٠١/ ١٧] و [الأعراف ١٣٣/ ٧]، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ ينشرون الفساد. ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا﴾ ظهرت لهم على يد موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾ بينة واضحة، وهي أيضا جديرة بأن يصبح العقلاء على بصيرة إذا نظروا فيها ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوها إلى السحر في تعام عن حقيقتها. ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ كذّبوها وأنكروها إنكارا ظاهريا ﴿وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ أيقنت أنفسهم بالآيات يقينا داخليا ﴿ظُلْماً﴾ وهو التناقض، في الوقت ذاته، بين الجحود الظاهري واليقين الداخلي ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ما آل إليه فرعون وصحبه بنتيجة الجحود، وهذه الآية تبين العبرة من القصة في هذا الموضع. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥) ١٥ - بعد أن بينت الآية (٦) نزول الوحي على النبي ﷺ ، ثم بينت الآيات (٧ - ١٢) نزول الوحي على موسى ثم بعثته إلى فرعون، تبين الآية (١٥)﴾ طبيعة العلم الذي أوتيه داوود وسليمان، والآيات من (١٥ - ٤٤) قصة سليمان مع مخلوقات الله من الطير والنمل، ثم مع ملكة سبأ ومراحل اهتدائها إلى الإسلام:

стр. 1385

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً﴾ استنارة روحانية ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما آتانا من العلم. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ في ملكه ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ قال الرازي: قالت العرب: نطقت الحمامة، فالذي علّم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه، وقد ورد هذا المعنى في كتب العهد القديم، انظر [سفر الملوك الأول ٣٢/ ٤ - ٣٣]، ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ ومن ذلك الريح تجري بها أساطيله: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨]، وأيضا: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، وأيضا محبته للجياد: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص ٣١/ ٣٨ - ٣٣]، ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ لم يتوافر لأحد من قبله. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتوزّعون بشكل منظم. ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ في الآية إشعار بفهم سليمان لمنطق النمل أيضا، وتعاطفه مع أضعف خلق الله، ومحبته لها، وامتناعه عن إيذائها، واحترامه للطبيعة وباقي مخلوقات الله، وكل ذلك منبثق

стр. 1386

من إيمانه العميق بالخالق الذي تبهر مخلوقاته العقول، وتلك هي العبرة من القصة. ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ من قول النملة، واحتراما لها ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ حتى وصلت إلى ما أنا فيه من النعم والفهم والإيمان ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ﴾ شكرا لنعمك علينا، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ تفضّلا منك، وليس بعملي ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ الذين ترضى عنهم. ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ من الذين حشروا له، المشار إليهم بالآية (١٧)، ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ طير من الطيور ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ لسبب من الأسباب. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بما أنّ التعذيب والذبح لم يحصلا من قبل سليمان، فلنا أن نعتقد أنّ الخطاب عنهما مجرّد اصطلاح على سبيل القول والمجاز وليس الفعل والتنفيذ، ولنا أن نقارن ذلك مع موقفه من النمل واحتياطه بشأنها، قال الرازي: فهذا مما لا يجوز أن يقال إلاّ فيمن هو مكلّف، أو فيمن قارب العقل فيصح أن يؤدّب ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة تبين سبب غيابه. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾

стр. 1387

٢٢ - ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ على مقربة منه ﴿فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فيه تنبيه لسليمان أنّ أدنى خلق الله قد أحاط علما بما لم يحط به، فيكون في ذلك تنبيه له لترك الإعجاب بالنفس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ﴾ مملكة ﴿سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ لا يتطرق إليه الشك. ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ ملكة عليهم ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من متطلبات الملك ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ كما هي عادة الأقوام السامية في عبادة الشمس، المصريون القدماء، والبابليون، وغيرهم اعتادوا عبادة ما يمكن تجسيمه ومشاهدته، لقصور عقولهم عن الغيب ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ ما هم فيه من الضلال، فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، انظر قوله تعالى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٧/ ٧]، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن عبادة الله ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ بل يتخبطون في ضلالهم. ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ غاب عن عقولهم وجوب عبادة الله الواحد الأحد، الذي بقدرته وحده تدور الشمس، فتختبئ عن ناظرهم ليلا وتعود للظهور نهارا، انظر [الأنعام ٧٨/ ٦] ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ﴾ في أنفسكم ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ منها. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾

стр. 1388

٢٦ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده الجدير بالسجود والعبادة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المدبّر لشؤون خلقه. ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿قالَ﴾ سليمان للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بالتفكر والتأمل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في دعواك عن مملكة سبأ؟ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ما يدل إن سليمان كان جاهلا بكل هذه التفاصيل عن مملكة سبأ، أو وجودها أصلا؟ ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ صار من واجب سليمان دعوة سبأ إلى الإسلام، فبعث كتابه إليهم مع الهدهد الذي كان أول واسطة اتصال بينهما ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ دعهم يتأملوا ويفكّروا بالكتاب، فالموضوع بحاجة للتأمل والتفكير، لما فيه من الدعوة لهجر الشرك، وعبادة الله وحده ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ بعد تأملهم وتفكيرهم بفحوى الكتاب؟ ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ مضمونه يدل على ما فيه من الكرم وحسن الدعوة. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ﴾ ابتدأ الكتاب بقوله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نهي عن الاستعلاء والانقياد للهوى والتكبر ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين، مذعنين، مسلمين أموركم لله تعالى، وليس للشمس التي تعبدون.

стр. 1389

﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ بنتيجة تفكركم وتأملكم بخطاب سليمان ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً﴾ لجسامة هذا الموضوع ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ تدلوا بشهادتكم معي. ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ لم يفهم الملأ من خطاب سليمان سوى أنه تهديد لملكهم ودولتهم ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في مقاومة سليمان أو الإذعان إلى مطلبه ﴿فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أعادوا الأمر إليها. ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مجتمعا من المجتمعات، إذا دخلوه عنوة، وليس ذلك مقتصرا على الملوك، بل على كل قوة غاشمة ﴿أَفْسَدُوها﴾ فكّكوا عراها الاجتماعية ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ من الحكام وكبار القوم ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بدخولهم القرية، وهكذا استبعدت ملكة سبأ أي احتمال لاستخدام القوة ضد سليمان، لما سوف يسببه ذلك من تفكيك النظام الاجتماعي، والمعاناة، والتدهور الحضاري. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ على سبيل استكشاف النوايا ﴿فَناظِرَةٌ﴾ أنتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ما يكون استجابة سليمان؟ وبذلك تفهم عقليته أيضا. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾

стр. 1390

٣٦ - ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ الهدهد بالهدية ﴿قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ فلست بحاجة إلى مادة الدنيا ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ من النبوة والاستنارة الروحانية ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ من متاع الدنيا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تفرحون بمتاع الدنيا، وغابت عنكم عاقبة الآخرة. ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أيها الهدهد وأخبرهم: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ ليس بإمكانهم مقاومتها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً﴾ من بلادهم ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ بوقوعهم في الأسر والاستعباد، وبسبب كفرهم وعبادتهم الشمس، ورفضهم عبادة الله وحده. ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾ الحاشية ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المغزى أنّ ملكة سبأ وملأها، بعد المفاوضات، قرروا الدخول في الإسلام، وأن سليمان قرر إحضار عرشها استعدادا لاستقبالها. ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ إظهارا لمقدرة عفاريت الجن ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لا شك في مقدرتي وأمانتي. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ وهو سليمان نفسه، قال للعفريت: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في لمح البصر ﴿فَلَمّا رَآهُ﴾

стр. 1391

﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ العرش ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ نعمه عليّ ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ بجحودها، والبلاء هو الفتنة والاختبار، والمغزى؛ هل أنسب هذه النعم إلى استحقاقي ومقدرتي؟ أم هي إنعام منه تعالى؟ ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ الله ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنه هو وحده المستفيد من الشكر ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ الله تعالى غنيّ عن شكر عباده. ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ اجعلوه بحيث لا تعرفه ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ الهداية الروحانية إلى الاسلام ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ تبقى متمسكة بمظاهر الدنيا. ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ وصلت ملكة سبأ إلى سليمان ﴿قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ﴾ الذي كان في سبأ ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تجزم بشأنه، كأنها استشعرت اختبارها، واختيارها بين الهداية الروحانية، والهداية المادية إلى عرشها السابق، وأدركت الفرق بين الحقيقة والظاهر ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها﴾ في الاسلام والتوحيد ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ وهو قول سليمان. ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لأنّ البيئة التي نشأت بها كانت على الكفر، فسارت هي على ما نشأت عليه من تقليد قومها، وكان من الصعوبة لها التنصل من ديانتهم، وهو ما يواجهه الكثيرون اليوم من صعوبة في ترك ديانة الآباء والأجداد، الذين على الكفر، لما يحتاجه ذلك من شجاعة أدبية كبيرة.

стр. 1392

﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿قِيلَ لَهَا﴾ سليمان قال لها ﴿اُدْخُلِي الصَّرْحَ﴾ القصر، أو البركة في هذا الموضع ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ﴾ للصرح، أي البركة ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ظنته ماء كثيرا ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ لئلاّ تبتل أذيالها كما هي عادة من يريد الخوض في الماء ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أملس ﴿مِنْ قَوارِيرَ﴾ زجاج، وليس ماء، تعبيرا عن الفرق بين الحقيقة والظاهر، أو بين عالم الروح ومادة الدنيا ﴿قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بما كنت عليه من الكفر ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ دخلت الإسلام، وبذلك انتهت رحلة بلقيس الروحانية باهتدائها إلى الإسلام. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - بعد قصة موسى وبعثته إلى فرعون، ثم قصة سليمان مع ملكة سبأ، تسرد السورة هنا جانبا من قصة صالح مع قومه ثمود، انظر أيضا [الأعراف ٧٣/ ٧ - ٧٩]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ﴾ نبيّهم ﴿صالِحاً﴾ قائلا لهم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، بلا شرك ﴿فَإِذا هُمْ﴾ أي ثمود ﴿فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ آمن فريق، وكفر فريق. ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ لمن كفر منهم ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالعقوبة التي تسوءكم ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ التوبة تؤخرونها ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾ من شرككم وجهلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بقبول توبتكم.

стр. 1393

﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أي تطيّرنا ومعناها تشاءمنا، لأن العرب كانت إذا أرادت السفر تمرّ بطائر فتزجره فإن طار يمنة تفاءلت، وإن طار يسرة تشاءمت، ومن ثمّ نسبوا الخير والشر إلى الطائر، ومنه قولهم: ميمون وأيمن. ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ تطيّرنا أيضا بمن آمن معك من الناس ﴿قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ من قدر الله تعالى وقسمته، فهو سببكم الذي ينالكم منه ما ينالكم من الخير والشر، انظر [النساء ٧٨/ ٤]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ معرضون للفتنة والاختبار، بدعوتي لكم، هل تستجيبون أم لا؟. ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مدينة الحجر ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ تسعة عصابات، وقالوا: إن الرهط دون العشرة أفراد ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إفسادا بحتا ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ليس الإصلاح من شأنهم. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ﴾ أقسموا بالله، والمغزى أنهم مشركون معاندون متكّبرون مع إيمانهم بالله ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ نباغت صالحا ليلا وهو نائم غافل فنتقله وأهله ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ وليّ أمره ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ومن باب أولى لم نشهد مقتله هو ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في زعمنا. ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً﴾ مكر السوء ﴿وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ مكر الخير ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥]. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾

стр. 1394

٥١ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ مكر السوء ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ تسعة الرهط ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي الكفار منهم، بدليل الآية (٥٣). ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ خالية ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ نتيجة ظلمهم أنفسهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة وعبرة عظيمة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ متصفون بالعلم. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ لأنهم كانوا فريقين يختصمون، فنجا المؤمنون، وهلك الباقون. ٥٤ - وهذه القصة الرابعة بعد قصص موسى وفرعون، وسليمان وسبأ، وصالح وثمود، والمغزى أن الرسالة الإلهية واحدة للناس كافة: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة المتناهية في القبح؟ بإتيان الذكور ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ما هو حلّ لكم من النساء؟ ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾ متجاوزين النساء اللاتي هنّ محل الشهوة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تعملون عمل الجاهلين، بمعنى السفاهة والمجون. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ قوم لوط ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ من مجتمعكم، أو من قرية سدوم ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالوها استهزاء بهم.

стр. 1395

﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ من قومه، ومن الدمار الذي لحق بهم ﴿إِلاّ اِمْرَأَتَهُ﴾ امرأة لوط كانت شاذة تميل إلى قومها ﴿قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ كان قدرها الهلاك مع من هلك. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ المقصود به الغبار البركاني الذي رافق الزلازل والحمم البركانية. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أن تحققت العدالة على أكمل وجه في قصص الرسل الأربعة الذين مضى ذكرهم ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ الذين سبق ذكرهم من الرسل ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ الواحد الأحد، الخالق، القاهر الغالب على أمره ﴿أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ لا يقدرون على شيء من إيصال النفع، أو إبعاد الضرر، والآيات من (٦٠) حتى آخر السورة تلفت النظر للآيات الآفاقية وإعراض الكفار عنها، وأنّ القرآن مهيمن على كتب اليهود والنصارى فيبين الصحيح فيها من الزيف، وأن الانهماك في مادة الدنيا ينعكس سلبا على أصحابه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ خلقا باهرا ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ يستحيل عليكم، ومع ذلك لا تقدرون الله حقّ قدره، انظر [الزمر ٦٧/ ٣٩]، ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ من الآلهة المزعومة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يجعلون آلهتهم المزعومة عدلا لله تعالى.

стр. 1396

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً﴾ تستقرّون عليها ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ برزخا فاضلا بين المياه العذبة والمالحة في مساقط الأنهار على البحار ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ في الوجود؟ أو في إبداع هذه البدائع؟ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ علما يعتدّ به، فلا يفهمون بطلان شركهم مع كمال ظهوره. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ الذي أحرجته الشدائد ﴿إِذا دَعاهُ﴾ فألجأته الشدائد إلى دعاء الله وحده، ولا يقدر الشركاء المزعومون على شيء ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يرفع عن الداعي ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ جعلها تحت تصرفكم تستفيدون من مواردها ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون به؟ ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ ما أنتم عليه من الضلال. ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يرشدكم إلى مقاصدكم، تستخدمون النجوم والأفلاك ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ من مقدّمات المطر ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون به؟ ﴿تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فهو فوق ما يشركون، تعالى الله عنهم علوّا كبيرا. ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ ابتداء ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ بأسباب سماوية، وبسنن أوجدها في الخلق بما

стр. 1397

تقتضيه الحكمة، أن يرزق المؤمن والكافر على السواء ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون مع كلّ هذه الحجج؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أن الشركاء المزعومين يقدرون على شيء من ذلك؟ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ وحده المختص بعلم الغيب، والعباد لا يعلمون سوى القليل من عالم الشهادة ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ المخلوقات ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى ينشرون من قبورهم؟ مع كونه لا بد لهم منه. ﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿بَلِ اِدّارَكَ﴾ تدارك ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قصّر علمهم عن حقيقتها ولم يدركوها، إذ هي خارج نطاق تصوّرهم، لكونها في علم الغيب ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ ليس فقط أنّ علمهم ادّارك بها، بل هم على ما هو أفحش من ذلك بشكّهم بحقيقتها ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ ليس علمهم ادّارك بها فحسب، وشكّوا بحقيقتها، بل هم على ما هو أفحش من ذلك بأنهم عمي البصيرة عنها، وبأنّ القيامة كائنة لا محالة، كما سوف يرد بالآية التالية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ من قبورنا؟ وذلك لقصور عقولهم، أو بسبب عنادهم ومكابرتهم، أو لإصرار عقلهم الباطن على التهرب من مسؤولياتهم الأخلاقية التي يترتب عليها حساب الآخرة. ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾

стр. 1398

٦٨ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ بما أخبرت به رسلهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ زعموه. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أيها المكذّبون ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من أمثالكم. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم، وأيها الداعية ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ في صدرك ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ من المكر السيّئ. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بالقيامة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟ ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ اقترب منكم، ولحق بكم ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي بوفاتكم التي هي أقرب بعيد، فماذا يهمّ بعدها من سؤالكم؟ كما أنّ سؤالكم ينمّ عن جعلكم دنياكم منتهى أملكم بما تختارون فيها لأنفسكم من مقاييس الحق والباطل بما يناسب أهواءكم، فهذا هو سبب انهيار المجتمعات والحضارات. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإمهالهم وعدم أخذهم بغتة بأعمالهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ ما هم فيه من النعم والفضل. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾

стр. 1399

٧٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من الجحود والاستكبار ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من الأقوال والأفعال المترتبة عليها. ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ثابتة الخفاء، كائنة ما كانت، أي من عموم الغائبة ما لا سبيل لكم إلى علمه ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ الله وحده يعلمه، كونه في علم الله المسبق القديم. ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦) ٧٦ - الآيات من (٧٦) إلى (٨٢) في بني إسرائيل خاصة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ من اليهود والنصارى بالنظر إلى أنهما معا يعدّان العهد القديم جزءا من كتابهم المقدس ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيصحح عقائدهم وما ورد في كتبهم، في وضعها الحالي الفاسد، عن داوود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقوله تعالى ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ معناه أنّ الباقي لن يعلموه إلاّ في الآخرة، لأنه من ضمن الغيب. ﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿لَهُدىً﴾ يبين طريق الهداية ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لمن يختار الإيمان به. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بين بني إسرائيل من اليهود والنصارى المشار إليهم بالآية (٧٦)، وبين المؤمنين المشار إليهم بالآية (٧٧)، ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بحكمته جلّ شأنه، ومن ذلك نكوص بني إسرائيل عن الإسلام، وعن القرآن، واعتدادهم بكتبهم المحرفة الفاسدة، من عهدين قديم وجديد ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا يردّ حكمه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع الأشياء التي من جملتها قضاؤه بهم. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾

стр. 1400

٧٩ - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم، وأيها الداعية، دعهم وشأنهم وما يختارون لأنفسهم، ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فلا تبال بغيرك إن أصرّ على الضلال، وما عليك سوى البلاغ، أما الهداية فهي على الله. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ الآية تشبّه بني إسرائيل بالموتى لأنهم موتى القلوب، أو موتى العقول ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ يستحيل أن يسمعوا دعوتك إذا أصرّوا على ما هم فيه من التشنج والتقليد ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وأداروا ظهورهم لك، فالله تعالى يهدي من يشاء الهداية، انظر [البقرة ٦/ ٢]. ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ﴾ عمي البصيرة من بني إسرائيل وغيرهم ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لظنّهم أنهم على الحق ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ من لديه استعداد للإيمان، فيسمع سماعا يجديه نفعا ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ منقادون مذعنون مسلمون وجوههم لله تعالى. ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على المصرّين على الكفر، المذكورين آنفا، من بني إسرائيل خاصة وغيرهم من الناس عامة، تصبح الحقيقة واضحة لهم تمام الوضوح، خلافا لكل توقعاتهم ولكن بعد فوات الأوان، إذ تقع الساعة، ويفوت أوان التوبة، وينفذ القضاء ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ دابّة الأرض كناية عن انهماكهم في دنيا المادة التي أفنوا أعمارهم في الجري وراءها، فهي تكلّمهم بمادية الحياة الدنيا التي يدفعون ثمنها في آخرتهم، بعد أن

стр. 1401

لم يعدّوا لها عدّتها ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ لم يكن لديهم يقين بالآخرة ولا بالقرآن، فهنالك طائفة من بني إسرائيل تدعى (السدوقيين) تنكر الآخرة. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ في كلّ أمة جماعات كثيرة مكذّبة بالآيات ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتفرقون ويتوزّعون، كلّ بحسب جسامة آثامهم وكفرهم وجرائمهم. ﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿حَتّى إِذا جاؤُ﴾ المكذّبون بالآيات المشار إليهم آنفا ﴿قالَ﴾ لهم تعالى موبّخا ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الناطقة بلقاء يومكم هذا؟ ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ غير ناظرين فيها؟ نظرا يؤدي بالعلم بكنهها وأنها خليقة بالتصديق حتما؟ ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في دنياكم؟ ما دمتم لم تشتغلوا بهذا العمل المهم من دراسة القرآن؟ فبأي عبث أفنيتم أعماركم؟. ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فات أوان توبتهم، ووقع قضاء الله فيهم ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أنفسهم ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ بأعذار واهية. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٦) ٨٦ - هنا تعود الآيات (٨٦ - ٨٨) للتذكير ببعض معجزات الكون: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بعد انشغالهم نهارا في السعي وراء أرزاقهم ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ لجلب المنافع الدنيوية إليهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرات

стр. 1402

﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لديهم قابلية للإيمان، أما من انغلقت بصيرته من المشار إليهم بالآيات (٨٠ - ٨١) فلا سبيل للوصول إليهم. ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو ما يعتري الجميع عند البعث والنشور ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ ألا يفزع ﴿وَكُلٌّ﴾ كل واحد منهم ﴿أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أذلاّء. ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ كتلة جامدة لا تتحرك ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ لأن الدنيا حالة عابرة، في حين أنّ الدوام للآخرة، انظر [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، وهنالك معنى علمي أيضا لمرور الجبال مرّ السحاب، وهو أنّ المادة مكونة في أكثرها من الفراغ، ولذا فهي تمر مرّ السحاب، بدليل تتمة الآية: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من صنع كلّ شيء من الذرات المكوّنة من نواة وإلكترونات تدور حول النواة في الفراغ، فجعلها تمرّ مرّ السحاب، ويحتمل أيضا أنها تمر مرّ السحاب مع دوران الكرة الأرضية ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ من كان صنعه بهذا الإتقان، فهو جدير أن يكون خبيرا بأفعال العباد، أما حقيقة الجبال في الآخرة فتدلّ عليه الآيات: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧]. ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿مَنْ جاءَ﴾ يوم الحساب ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ بالأعمال الحسنة وهو مؤمن ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ لأن للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فوق حسناتهم، انظر شرح [يونس ٢٦/ ١٠]، ﴿وَهُمْ﴾ المحسنون ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ يوم القيامة.

стр. 1403

﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ جزاء وفاقا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لا غير، لأن جزاء السيئة بمثلها، انظر يونس [٢٧/ ١٠]، في حين يكون جزاء الحسنة المشار إليها في الآية المتقدمة أضعافا مضاعفة. ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ وهي مكة المكرمة ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ جعلهاتعالى حرما آمنا، انظر [قريش ٤/ ١٠٦]، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ في الخلق، خلقا وملكا وتصرفا ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من الذين أسلموا وجوههم لله تعالى. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أن أواظب على تلاوته، ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بالقرآن ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ منفعة الهداية تعود عليه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن القرآن وهديه ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ فليس عليّ الإكراه والقسر. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمائه، إذ أنعم على عباده بنعمة الوحي بعد نعمة العقل ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ المعجزة في الآفاق وفي أنفسكم، انظر [فصّلت ٥٣/ ٤١]، ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ على وجه اليقين ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلّ إنسان بعمله.

стр. 1404

سورة القصص - ٢٨ - مكية مقدمة نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من ورود كلمة (القصص) بالآية (٢٥) منها، وهي السورة الثالثة في مجموعة سور الطواسين الثلاثة (الشعراء - النمل - القصص)، والملاحظ أنّ نصف السورة تقريبا مكرّس لقصة موسى وبيان بعض النواحي الشخصية في حياته. ارتباط السورة بما قبلها سورة القصص استمرار لسورة النمل المتقدمة من حيث أنّ نصفها تقريبا مكرّس لقصة موسى التي سبق أن وردت بإيجاز في أوّل سورة النمل، وقد ختمت سورة النمل القصة بقوله تعالى واصفا جحود فرعون وقومه برسالة موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢٧ - ١٤)، ثم في سورة القصص تفصيل ذلك وهو المكابرة والإصرار على التقليد: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦/ ٢٨). وفي أواخرسورة النمل المتقدمة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦/ ٢٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢/ ٢٧)، ثم تفتتح سورة القصص بقوله تعالى: ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١/ ٢٨ - ٢).

стр. 1405

وفي سورة النمل أن الرسل في مأمن من الخوف في حضرة الله : ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠/ ٢٨)، وفي سورة القصص أنهم من الآمنين، أي في الدنيا والآخرة: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١/ ٢٨). محور السورة أن الله تعالى يجزي المتصفين بالإحسان في كل شيء بأن يؤتيهم العلم بمعناه الواسع؛ أي الإدراك الروحاني، كما يؤتيهم الحكمة، أي المقدرة المنطقية على إدراك الصواب من الخطأ، لقوله تعالى عن موسى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)، وقد توصل موسى ﵇ إلى هذه المنزلة بعد الأحداث المذكورة بالآيات (١٥ - ٢٨)، وفي آية [يوسف ٢٢/ ١٢] إشارة ليوسف ﵇ بما يشبه ذلك. وعلى النقيض من المتصفين بالإحسان تكمن عاقبة فرعون وأمثاله في الاستكبار الزائف وإنكار البعث والحساب: ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩). مع أنّ الوحي الإلهي وبعث الرسل تتالى على البشرية منذ القدم فلا عذر للناس بالاستكبار والجهل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)، ومن ذلك نزول الوحي بالتوراة وبالقرآن: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩). وبعد البعثة النبوية دخل كثير من اليهود والنصارى في الإسلام كما يدخلونه اليوم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥٢ - ٥٣)، وأن المجتمعات قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ﴾
следующие страницы →